← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والجواب: أنه محمول على رفع المأثم، كما تقدم. واحتج بأنه استمـ[ـتـ]ـع ناسياً، فلم يفسد اعتكافه. دليله: لو قبل ناسياً. والجواب: أن تلك المباشرة لا تفسد الصوم، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذا استمتاع يفسد جنسه الصوم، أو جماع مخصوص في حال الاعتكاف أشبه العمد. وإن قاسوا على جماع الناسي في الصيام والحج، لم نسلمه، ونقول: يفسدهـ[ـمـ]ـا كالعامد. ٨ - مسألة إذا وطئ عامداً في حال الاعتكاف، وجبت عليه كفارة الوطء في أصح الروايتين: نص عليها في رواية حنبل، وذكر له قول ابن شهاب: من أصاب في اعتكافه، فهو كهيئة المظاهر، فقال أبو عبد الله: إذا كان نهاراً، وجبـ[ــت] عليه الكفارة. وقال في موضع آخر من "مسائل حنبل": إذا واقع المعتكف أهله بطل اعتكافه، وكان عليه أياماً مكان ما أفسد، ويستقبل ذلك، ولا كفارة عليه إذا كان الذي وقع ليلاً، وليس هو واجب، فتجب فيه الكفارة.

стр. 37

وهذا - أيضاً - يدل على: أنه تجب عليه الكفارة إذا كان الاعتكاف واجباً بالنذر، وإنما لم يوجبه هاهنا؛ لأنه غير واجب. وقوله: (إذا كان ذلك نهاراً) قصد به إذا كان الاعتكاف واجباً عليه نهاراً، ولم يوجبه على نفسه ليلاً، فأما إن أوجب اعتكافه شهراً متتابعاً، أو أياماً متتابعة، فإن الليل والنهار سواء في ذلك. وبهذا قال الحسن البصري والزهري فيما حكاه ابن المنذر عنهما. وروى أبو داود عنه: إذا جامع المعتكف، فلا كفارة عليه. فقد أطلق القول بإسقاط الكفارة. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي. وجه الرواية الأولى: أن الاعتكاف عبادة يحرم فيها الوطء، ويفسدها، فوجب فيها كفارة. دليله: الصيام والحج. ولا يلزم عليه الصلاة والطواف؛ لأن الوطء هنا يفسد الطهارة، وبفساد الطهارة فسد الطواف والصلاة. وإن شئت قلت: لبث في مكان مخصوص، أشبه الحج. أو تقول: عبادة تختص المسجد، أشبه الحج. وإن شئت قلت: عبادة تبيح الكلام وتحرم الوطء، وأشبه الصوم والحج، وفيه احتراز من الصلاة؛ لأنها تحرم الكلام. فإن قيل: لو كان مثل الصيام والحج لو جبت الكفارة العظمى.

стр. 38

قيل: هكذا نقول: لأن أحمد ذكر له قول الزهري: هو كهيئة المظاهر، فقال أحمد: إذا كان نهاراً وجبت الكفارة. فظاهر هذا: أن كلامه رجع إلى ما قاله الزهري. واحتج المخالف بأنها عبادة لا يدخل في جبرانها المال بدليل أنها لا تسقط إلى مال، ولا تكفره عنه بعد وفاته، فلم تجب بإفسادها كفارة. دليله: الصلاة، وعكسه: الصيام والحج. والجواب: أن حنبل وابن إبراهيم قد نقلا عنه فيمن مات وعليه اعتكاف: اعتكف عنه وليه. وعلى أن المعنى في الصلاة: أنها لا تفسد بالوطء، وهذه يحرمها الوطء ويفسدها، فهي كالصيام والحج. ٩ - مسالة إذا قبل، أو لمس، فلم ينزل فقد أساء، وعندي: أنه لا يفسد اعتكافه: وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: يفسد. وللشافعي قولان:

стр. 39

أحدهما: مثل قولنا. والثاني: مثل قول مالك. دليلنا: أن كان مباشرة لا تبطل الصوم، فإنها لا تبطل الاعتكاف. دليله: اللمس لغير شهوة. وكلما حرم الوطء ودواعيه، كان للوطء مزية على ما حرم معه، كالصيام والحج؛ للوطء مزية على القبلة والمباشرة في باب الإفساد، وفي باب الكفارة أيضاً، كذلك في باب الاعتكاف يجب أن يكون له مزية في الإفساد. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] ولم يخص. والجواب: إنما نحمله على الجماع، كما ذكرنا. واحتج بأن هذه مباشرة يقتضي الاعتكاف تحريمها، فوجب أن تفسده، وإن لم يكون معها إنزال، كالجماع. والجواب: أن الجماع يفسد الصوم، ولا تفسد [هـ] المباشرة بغير إنزال، كذلك الاعتكاف. فإن قيل: الصوم لا يحرم القبلة، والاعتكاف يحرمها. قيل له: إذا تأمن ما القبلة، وليس له أن يفعل في الصوم والاعتكاف جميعاً.

стр. 40

١٠ - مسألة فإن باشرها فيما دون الفرج فأنزل، فسد اعتكافه: وقال الشافعي في "الإملاء": لا يفسد الاعتكاف من الجماع إلا ما يوجب الحد. دليلنا: أنها مباشرة تأثر في فساد الصوم، فأثرت في الاعتكاف، كالوطء. أو نقول: عبادة يخرج منها بالوطء، فأبطلها الإنزال من غير وطء، كالصوم. واحتج المخالف بأنها عبادة تختص بمكان، فلم تفسد بمباشرة من غير جماع، كالحج. والجواب: أنه يبطل بالطواف. فإن قيل: هناك تبطل الطهارة، فيبطل الطواف. قيل: فقد أبطل بها، وإن كان بينهما واسطة. على أن الحج لا يخرج منه بالإفساد، فهو آكد، وفي مسألتنا يخرج منه بالإفساد، فأشبه الصيام.

стр. 41

١١ - مسألة ما كان في فعله قربة، يجوز للمعتكف شرطه؛ مثل عيادة المرضى، وشهود الجنازة، وزيارة أهله، وقصد العلماء: وقد قال أحمد في رواية المروذي - وقد سئل عن المعتكف يشترط يعود المريض، ويتبع الجنازة - قال: أرجو! كأنه لم ير به بأساً. وكذلك نقل بكر بن محمد عن أبيه عنه: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة. وكذلك نقل حنبل. وقال مالك: لا يجوز شرط هذه الأشياء. دلينا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "المعتكف يتبع الجنازة، ويعود المريض". وروى أحمد بإسناده عن علي قال: يعود المريض، ويحضر الجنازة والجمع، ويأتي أهله يأمرهم بالحاجة، وهو قائم. ولأنه لما كان له الاشتراط في الخروج من الاعتكاف لعذر، وهو أن يقول: (لله على أن أعتكف، إن لم أكن مريضاً، إن لم يعرض لي سفر) ونحو ذلك، فلأن يجوز الاشتراط في فعل قربة تؤدي إلى ترك

стр. 42

بعض الاعتكاف أولى. ولأنه خروج لصلاة لا يمكن إقامتها في المسجد، أشبه الخروج للجمع. واحتج المخالف بما روت عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يمر بالمريض، وهو معتكف، فيمر كما هو، ولا يعرج يسأل عنه. وروى الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مرضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة، إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد الجامع. والجواب: أن هذا محمول عليه إذا لم يشترط بدليل ما ذكرنا. واحتج بأن عيادة المريض فضيلة، وكذلك الصلاة على الجنازة، ومقامه على الاعتكاف فريضة، فلا يجوز ترك الفريضة للفضيلة. والجواب: أن هذا يجوز بالشرط، كما جاز ذلك في الخروج من الاعتكاف للمرض والسفر. واحتج بأنه شرط ما يبيت في أهله، ولا يأكل في داره، وقد قال أحمد في رواية الأثرم، وقد سئل عن المعتكف يشترط أن يتعشى في

стр. 43

أهله، أو يبيت في أهله، فقال: نعم، إذا كان تطوعاً. وظاهر هذا: انه لا يجوز في النذر. والجواب: أنه يبطل بشرط الخروج منه للمرض والسفر. على أن تلك الأشياء ليست بقربة، وهذه قربة ١٢ - مسألة والمستحب للمعتكف التشاغل بذكر الله تعالى، والصلاة، وقراءة القرآن في خاصته. ولا يستحب له إقراء القرآن، وكتب الحديث، ومجالسة العلماء، والمناظرة لهم في العلم، والتدريس: ذكره أبو بكر في كتاب (الخلاف)، وقد أومأ إليه أحمد في رواية المروذي، وقد سئل عن الرجل يقرئ في المسجد، ويريد أن يعتكف، فقال: إذا فعل هذا كان لنفسه، وإذا قعد كان له ولغيره، يقرئ أعجب إلي. وظاهر هذا: أن الاعتكاف يمنع من إقراء القرآن؛ لأنه لو لم يكن كذلك لقال: يقرئ، وهو معتكف. وبهذا قال مالك. وقال الشافعي: يستحب له فعل ذلك.

стр. 44

دليلنا: أن الاعتكاف عبادة شرع لها المسجد، فلا يستحب إقراء القرآن حين التلبس بها. دليله: الصلاة والطواف، ولا خلاف أنه يكره له أن يقرئ القرآن، وهو يصلي، أو يطوف، كذلك الاعتكاف. ولا يلزم عليه الصيام والحج؛ لأن تلك العبادات لم يشرع لها المسجد. أو تقول: الاعتكاف: هو حبس نفسه على عبادة مخصوصة تخصه، فلا يجوز أن يفعل فيها غيرها، كالطواف والركوع لا يفعل فيه القراءة؛ لأنه مفعول لشيء مخصوص. فإن قيل: إنما كره الإقراء حال التشاغل بالصلاة والطواف؛ لأنه يشغله ذلك عن أفعال الصلاة وأذكارها. قيل له: وكذلك في الاعتكاف يشغله ذلك عن الذكر في حق نفسه. وعلى أن الطواف ليس فيه ذكر. وأيضاً فإنه ممنوع من التشاغل في المسجد بالبيع، والخياطة، والشراء؛ لما فيه من التشاغل عن الاعتكاف، كذلك فعل هذه الأشياء، التشاغل بها يشغل عن الاعتكاف. فإن قيل: إنما منع من البيع والشراء؛ لأن في ذلك فعل معيشته، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذه الأشياء قربة. قيل له: فعيادة المرضى وشهود الجنائز قربة، ولا يجوز فعلها،

стр. 45

وكذلك إقراء القرآن في الصلاة قربة وطاعة، ويمنع منه. فإن قيل: البيع والشراء والصنائع إنما كرهت لأجل المسجد، لا لأجل الاعتكاف. قيل: كرهت لأمرين: أحدهما: المسجد. والثاني: الاعتكاف. يدل عليه: أن الاعتكاف في اللغة: هو لزوم المرء الشيء، وحبس نفسه عليه؛ براً كان، أو مأثماً، في أي موضع كان. ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] وقوله: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨]. وهو في الشرع: عبارة عن لزوم الشيء، وحبس النفس عليه في طاعة، في مكان مخصوص. وإذا كان كذلك، ففعل هذه الأشياء يشغله عن ذلك؛ لأنه يخرج عن أن يكون ملازماً للشيء، وحابس نفسه عليه. واحتج المخالف بأن هذه الأشياء قرب وطاعة، فالتشاغل بها في المسجد غير ممنوع منه، كما لو تشاغل بدرس القرآن في حق نفسه، أو تشاغل بالصلاة والصيام.

стр. 46

والجواب: أنه ليس إذا جاز التشاغل في حق نفسه، جاز التشاغل بغيره، كما يجوز أن يتشاغل بقراءة القرآن في الصلاة، ولا يجوز أن يقرئ غيره، وهو يصلي. ولأنه بفعل هذه الأشياء في حق نفسه لا يخرج عن أن يكون ملازماً للشيء، وحابس نفسه عليه، وإذا تشاغل بهذه الأشياء خرج عن أن يكون كذلك، فلهذا فرقنا بينهما. ٣ - مسألة فإن نذر اعتكاف شهر، ومات، فإنه يقضى عنه: نص عليه في رواية صالح: إذا نذر أن يعتكف، فمات، يعتكف عنه، هذا نذر ينبغي أنت يوفي به. وبه قال أبو ثور خلافاً لأكثرهم في قولهم: لا يقضى عنه. دليلنا: ما رواه ابن المنذر عن ابن عباس وعائشة: أنهما قالا: يعتكف عن الميت. ولأنها عبادة تبيح الكلام، فإذا وجبت بالنذر، يجب أن تقضى.

стр. 47

دليله: الصيام والحج. [و] إن شئت قلت: عبادة تختص المسجد، أو لبث في مكان مخصوص، فيجب أن تقضى. دليله: الحج. وقال بعض أصحابنا: عبادة وجبت بالنذر، أشبه ما ذكرنا. والتزم على هذه الصلاة المنذورة على إحدى الروايتين. ولأنه قد ثبت من أصلنا: أن الكفارة تجب بإفساده، فإذا وجب بالنذر، وجب أن يقضي. دليله: الصوم والحج. واحتج المخالف بأنها …

стр. 48

كتاب الحج

стр. 49

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الحج ١٤ - مسألة من شرط وجوب الحج وجود الزاد والراحلة: نص عليهما في رواية حنبل، فقال: السبيل: الزاد والراحلة، وليس عليه أن يحج راجلاً، إلا أن يتطوع بنفسه. وكذلك نقل صالح. وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك وداود: الراحلة غير معتبرة، فمن قدر على المشي، لزمه ذلك، ولم يقف وجوبه على وجود الراحلة. وأما الزاد: فلا يعتبر ملكه، وإنما تعتبر القدرة عليه؛ فإن كان ذا صنعة يمكنه الاكتساب بها، لزمه، وإن لم يكن له صنعة- وكان يحسن السؤال، وجرت عادته به- لزمه، وإن لم تجر عادته بذلك، لم يلزمه.

стр. 50

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. فيهما دليلان: أحدهما: من جهة الاستنباط. والثاني: من جهة التفسير. وأما الاستنباط: فهو أن كل عبادة أمر بفعلها، اقتضى ذلك القدرة على الفعل، كالصوم والصلاة وغيرهما، فلما اشترط في الحج استطاعة السبيل، اقتضى ذلك زيادة على القدر (ة)، والتي اعتبرها مالك، وليس ذلك إلا الاستطاعة التي نعتبرها. وأما التفسير: فروى أبو بكر بإسناده عن الحسن قال: لما نزلت ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال: قيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: «من وجد زاداً وراحلة». وروى الدارقطني بإسناده عن ابن مسعود، وابن عمر، وعمرو ابن شعيب، (عن أبيه، عن جده)، وعائشة، وأنس: أن النبي "صل الله عليه وسلم" قيل له: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة». فإن قيل: يحتمل أن يكون الرجل الذي سأله ممن لا يحجب عليه

стр. 51

الحج إلا بوجود زاد وراحلة، فبين له السبيل المشروط في حقه. قيل له: النبي " ﷺ " ذكر (السبيل) بالألف واللام، وإنما يكون المراد بذلك جنس السبيل، أو المعهود- هو المذكور في الآية- فلا يمكن حمل الخبر على غير هذين. فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا بياناً للسبيل المذكور في الآية؛ لأن الشرط يعتبر في حق عامة الناس، والزاد والراحلة غير معتبر في حق المكي، ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. قيل له: الظاهر اقتضى اعتبار ذلك في حق جميع الناس غير أن الدليل خصه في الوضع الذي ذكروه. فإن قيل: فقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] عام في كل مستطيع، وهذا مستطيع. قيل له: قد (بينا من) الاستنباط والتفسير ما يمنع العموم، (وأيضاً) ما روى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال رجل: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة». وفي لفظ آخر عن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: «السبيل إلى البيت» الزاد

стр. 52

والراحلة»، وهذا خرج مخرج البيان. والقياس أنها عبادة (بدنية) بقطع مسافة بعيدة، فكان من شرط وجوبها زاد وراحلة، كالجهاد. وإن لم يسلموا أن الزاد والراحلة معتبران في وجوب الجهاد. دليلنا عليه: قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] فأخبر أنه لا حرج على من لم يجد محملاً في ترك الجهاد. ولآن كل من لم يمكنه أداء الحج إلا بقطع مسافة تقصر فيها الصلاة، فإذا لم يكن واجداً للزاد والراحلة، لم يلزمه فرض الحج. دليله: من لا صنعة له، ولا يحسن السؤال. واحتج المخالف بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: ٢٧]؛ يعني: مشاة وقرئ: (رجالاً) يعني: رجالاً. فثبت: أنه يجب المشي إليه.

стр. 53

والجواب: أن الآية فيها: أن الناس يأتون الحج مشاة، ونحن نقول بذلك، وهم من كان بمكة، ومنها على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، يبين هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ يعني: على كل مركوب ﴿يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ [الحج: ٢٧]؛ يعني: بعيد، فاعتبر المركوب في البعيد، فثبت أن المراد ما ذكرنا. واحتج بأنها عبادة على البدن، فلم يعتبر فيها زاد وراحلة، كالصوم والصلاة. والجواب: أنه ينتقض [ … .] وبمن لم يحسن السؤال، ولا له حرفة. على أن المعني في الأصل: أنه لا مشقة في قطعه من عدم الزاد والراحلة، فلم يعتبر ذلك فيها، والحج بخلافه. واحتج بأنه قادر على الحج من غير خروج عن عادة، ولا بد له، فلزمه، كما لو كان واجداً للزاد والراحلة، أو كان بمكة، أو عل مسافة قريبة. والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه لا مشقة في ذلك، وليس كذلك هاهنا؛ لأن عليه فيه مشقة.

стр. 54

واحتج بأن القدرة على الكسب قد أقيمت مقام القدرة على المال، بدلالة أن من قدر على الكسب حرم عليه أخذ الصدقة، كما حرم عليه إذا كان له مال، وكذلك الفقير المعتمل يلزمه أداء الجزية، كما يلزم من معه مال، وكذلك [الأب إذا كان يكتسب] يلزمه نفقة ولده، وكذلك الابن، وكذلك المفلس إذا كانت له حرفة لزمه أن يؤجر نفسه، ويقضي دينه، كما يلزمه مع وجود المال، كذلك هاهنا. والجواب: أن حرمان الصدقة يعتبر بحصول الغنى، وهو غنى بالحرفة، كما هو غني بالمال، وليس كذلك الراحلة، إذ كأنما اعتبرت لنفي المشقة، والمشقة تلحقه بعدمها. وأما إيجاب النفقة على الأب، وإيجاب الجزية على الكافر، والإجازة على المفلس؛ لأنه لا مشقة في ذلك؛ لأنه مخاطب بالنفقة يوماً بيوم، فإذا عجز عنها في الثاني لم تلزمه مشقة في المستقبل، وكذلك المفلس؛ متى عجز سقطت المطالبة. وليس كذلك [ … .] بما عجز في سفره عن الكسب، فتلحقه

стр. 55

مشقة في الرجوع ( ..... )، فالزكاة والكفارة لا تجب بالكسب [ … .]، كذلك الحج. ١٥ - مسألة المعضوب [إذا كان عنده مال] يحج به عن نفسه، لزمه ذلك: نص عليه في رواية أبي طالب فقال: إذا كان الرجل والمرأة لا يقدران على الحج، وقد وجب عليهما الحج -حج عنهما وليهما. وهو قول الشافعي. وقال مالك وداود: لا يلزمه أن يحج غيره من ماله. كذلك روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس فال: كان الفضل بن العباس ردف النبي "صل الله عليه وسلم" فجاءت امرأة من خثعم؛ لتستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل الرسول "صل الله عليه وسلم" يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت

стр. 56

أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم». وروى أحمد بإسناده عن ابن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى النبي "صل الله عليه وسلم" فقال: يا رسول الله! أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ فقال: «أنت أكبر ولده؟» فقال: نعم، قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه، أكان ذلك يجزئ عنه؟) قال: نعم، قال: «فاحجج عنه». وروى أبو داود بإسناده عن أبي رزين العقيلي: (أنه) قال لرسول الله "صل الله عليه وسلم": إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، فقال: «احجج عن أبيك واعتمر». فمن هذه الأخبار دليلان: أحدهما: قول المرأة: فريضة الله على عباده أدركت أباها، ولم ينكر عليها ذلك.

стр. 57

والثاني: أنه أمر بالقضاء، وشبهه بالدين، والأمر يدل على الوجوب، ولأن الحج من فرائض الإيمان، فجاز أن يجب على المغضوب، كالصوان والصيام. وإن شئت قلت: عبادة تجب على إفسادها كفارة، فجاز أن تجب على المغضوب، كالصوم. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧]، فأوجب الحج على من استطاع السبيل، والمعضوب لا يستطيع. والجواب: أنه إنما اعتبر السبيل في وجوب الحج على الإنسان نفسه، وهاهنا لا يجب على المعضوب بنفسه، فلم تعتبر استطاعته. وعلى أنا قد روينا: أن النبي ﷺ فسر السبيل بالزاد والراحلة، فاقتضى الظاهر: أن المعضوب إذا وجد الزاد والراحلة، لزمه الحج، فكانت الآية حجة لنا من هذا الوجه. واحتج بأن كل عبادةٍ لم تدخلها النيابة مع القدرة، لم تدخلها مع العجز، كالصلاة، وعكسه الزكاة. والجواب: أن الصلاة عبادة لا يدخل في جبرانها المال، فلم تدخل النيابة [مع القدرة]، والحج بخلافه. أو نقول: الصلاة لما لم تدخل النيابة فيها بعد الوفاة، لم تدخلها

стр. 58

في حال الحياة، والحج لما دخلته النيابة بعد الوفاة، دخلته في حال الحياة. [وهذا يقال في الصوم؛ فإنه] لا تدخله النيابة بالإطعام في حال القدرة، وتدخله مع العجز في حق الشيخ [الهرم]. ١٦ - مسألة [لو بذل غيره] الطاعة في الحج عنه، لم يلزمه فرض الحج، سواء كان المبذول له صحيحًا، أو [زمنًا] كان، أو معسرًا: هكذا ذكر شيخنا، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي داود وصالح، وقد سئل: على من يجب الحج؟ قال: إذا وجد زادًا وراحلة. فاعتبر وجود ذلك في ملكه، وهذا لا يجد. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: إن كان المبذول له زمنًا معسرًا، والباذل واجدًا

стр. 59

للزاد والراحلة، وقد حج عن نفسه، ويوثق بطاعته، وهو ممن يجب عليه الحج، مثل أن يكون حرًا بالغًا عاقلًا، لزم المبذول له فرض الحج، وعليه أن يأمر الباذل بأداء الحج عنه، فإن لم يأمره به، ومات لقي الله وعليه حجة الإسلام، كالزمن إذا كان له مال، ولم يحج عن نفسه حتى مات، ولا فرق بين أن يكون الباذل ولدًا، أو أجنبيًا. فإن بذل له المال، ففيه وجهان: أحدهما- وهو الصحيح-: أنه لا يلزمه قبوله. والثاني: يلزمه. دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧]، وفسر النبي ﷺ ذلك بالزاد والراحلة، وظاهر هذا مقتضى الوجوب بذلك. فإن قيل: إذا كان يأمر بمثل، سمي مستطيعًا، ألا ترى أن الإنسان يقول: أنا مستطيع أن أبني دارًا، بمعنى: آمر ببنائها؟ قيل له: يقول ذلك إذا كان يأمر من يجب عليه أن يفعل، فأما إذا قدر على أمر من لا يجب عليه العمل، قيل: هو مستطيع للأمر، لا للبناء. وعندهم أن للابن أن يرجع فيما بذل ما لم يدخل في الإحرام، فكيف يكون الآمر مستطيعًا، والمأمور لا يلزمه فعله؟

стр. 60

ولأن الحج عبادة تراد لنفسها، فوجب أن لا تؤثر طاعة غيره في وجودها. دليله: الصوم والصلاة. ولا تلزم عليه الطهارة؛ فإذا بذل له الماء، وبذل له من يوضئه: أنه يلزمها؛ لأنها لا تراد لنفسها. ولو حذفنا قولنا: (تراد لنفسها) لم يضر؛ لأن الضوء يجب عند بذل الماء بالحدث السابق، فإذا لم تؤثر طاعة غيره في الوجوب. فإن قيل: الصوم والصلاة لا تصح النيابة فيهما، فلهذا لم يجبا بوجود من ينوب عنه، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح فيه النيابة. قيل له: فالزكاة تصح فيها النيابة، ومع هذا لا تؤثر طاعة غيره فيها، وكذلك الكفارات. وأيضًا لا خلاف أنه لو بذل له الإطعام في كفارة اليمن، والكسوة، أو الرقبة، والمبذول له معسر، يلزمه قبوله للعلة التي ذكرنا، كذلك إذا بذل له الطاعة في الحج. فإن قيل: المعنى في الأصل: أن فيه تمليك مال: وتلحقه بقبوله منه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه من عمل البدن، ولا تلحقه به منة،

стр. 61

ألا ترى أن الإنسان قد يمتنع من قبول المال من غيره، ولا يمتنع من استخدامه وتصريفه حوائجه؛ لأنه تلحقه بقبول المال منه، ولا تلحقه باستخدامه؟ ولهذا لو قلنا: لو بذل المال، وهو معسر زمن، لم يلزمه الحج؛ لأنه يحصل بقبوله منة، فلا يلزمه قبوله. قيل له: المنة تحصل للأجنبي بعمل البدن، كما تحصل ببذل الإطعام ولا تحصل للولد في واحد منهما. على أنه يلزمه أن يفرق بين بذل الطاعة في الصوم والصلاة، وبين الإطعام والكسوة بهذا المعنى. فإن قيل: في قبول الرقبة والإطعام تسبب إلى تملكه ما يجب به العتق والإطعام، وليس على المكفر أن يتسبب إلى ذلك، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه ليس فيه تسبب إلى تملك ما يجب به الحج؛ لأن الحج يلزم المبذول له الطاعة بنفس البذل من غير قبول، وإنما يحتاج إلى أن يأمر الباذل بأدائه عنه؛ ليصح أداؤه عنه. قيل له: قد يلزم المكفر أن يتسبب إلى تمليك الرقبة بالشراء إذا كان معه ثمنها. فإن قيل: ترك قبول الطعام والرقبة لا يؤدي إلى إسقاط الكفارة

стр. 62

جملة؛ لأنه ينتقل إلى البذل، وهو الصوم، وليس كذلك الحج؛ لأنه ليس بدل يرجع إليه، فلو قلنا: إنه لا يجب عليه، لسقط جملة. قيل: فيلزمه أن يقول: لو بذل له المال يلزمه قبوله؛ لأنه لو لم يلزمه لسقط جملة. ثم نقول له: أفرق بين الصلاة والإطعام في الكفارة بهذا المعنى. ولأن المبذول له غير مالك للزاد والراحلة، فوجب أن لا يكون بذل غيره بمنزلة وجود الاستطاعة، كما لو بذل له المال. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧]، ولم يفرق بين أن يستطيع بنفسه، وبين أن يستطيع بغيره. والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا، وأنه لا يكون مستطيعًا لغيره. علي أن النبي ﷺ سئل عن الاستطاعة فقال: الزاد والراحلة، وهذا غير مالك لهما، فلا تتناوله الآية. واحتج بما روي: أن الخثعمية قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال لها: "حجي عن أبيك". فوجه الدلالة منه: أنه لم يجر ذكر [الاستطاعة]، وقد أخبرت أنه

стр. 63

عاجز عن أداء الحج بنفسه، وأن فريضة الله أدركته، ولم ينكر النبي (صلي الله عليه وسلم) عليها ذلك، وأمرها أن تحج عنه. نعم إن وجوبه عليه تعلق ببذلها له الطاعة. والجواب: أن الخثعمية أخبرت بوجوب الحج على أبيها، والحج إنما يجب بوجود المال، ثم سألت عن جواز أدائها عنه، فأجاز النبي (صلي الله عليه وسلم) لها ذلك، فدل على: أن الحج كان واجبًا عليه قبل أن يبذل له بالطاعة في أدائه عنه. واحتج بأنه سبب يتوصل به إلى الحج عن نفسه، فجاز أن يلزمه فرض الحج. دليله: الزمن إذا كان له زاد وراحلة. والجواب: أنه ينتقض ببذل المال. على أن المعنى في الأصل: أنه مالك للزاد والراحلة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه غير مالك لهما، فوجب أن لا يعتبر بطاعة غيره في حكم المستطيع [إذا] بذل له المال. واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز وجوبها على المعضوب المعسر. دليله: الصوم.

стр. 64

والجواب: إنما نفصل عليه فنقول: فوجب عليه أن يستوي حكمه بعد البذل وقبله. دليله: الصوم. أو نقول: بوجود المستطيع لا يوجبها عليها، ولأن الغضب ليس [له] تأثير في أداء الصوم، والصحيح والمعضوب سواء، ولما كان الغضب يمنع وجوب الحج مع الفقر، لم تؤثر الطاعة في إيجابه، كما لا تؤثر في الإيجاب على الشيخ الهرم. واحتج بأن الناس في الحج على ضربين:. ضرب يؤديه بمباشرة. وضرب يؤديه بالنيابة. فمن يؤدي بمباشرة يلزمه بوجود المال، وهو إذا كان غائبًا عن البيت، ومرة يلزمه بغير مال، وهو إذا كان قريبًا من البيت، كذلك من [يحج عنه] بالنيابة يجب أن يلزمه مرة بوجود المال، ومرة بغيره، وعندكم: أن المعضوب لا يلزمه [بغير المال].

стр. 65

والجواب: أن من يؤديه بمباشرة لا تلزمه استطاعة غيره، ومخالفنا يقول: إن المبذول له يلزمه الحج باستطاعة في الباذل. ١٧ - مسألة إذا حج المعضوب أو الصحيح عن نفسه حجة تطوع أجزأه: نص عليه في رواية الأثرم، وقد سئل عن الصحيح؛ هل له أن يعطي من يحج عنه بعد الفريضة يتطوع بذلك؟ فقال: إنما جاء الحديث في الذي لا يستطيع، ولكن إن أحج عنه الصحيح أرجو أن لا يضره. وهو قول لأبي حنيفة. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا. والثاني: لا يجوز. وهذا في المعضوب، فأما في الصحيح، فلا يجوز قولًا واحدًا. وقد انتقل أبو جعفر محمد بن أبي حرب الجر جرائي نحو هذا، فقال: سألته عمن قد حج الفريضة يعطي دراهم يحج عنه، فقال: أيش يكون له؟! ليس عليه شئ. رأي أنه ليس له أن يحج عنه بعد الفريضة.

стр. 66

وعلى هذا: أنه لا تصح النيابة في نقل الحج؛ لأنه كان ليس له أن يحج بعد الفرض، ويجعل العلة: أنه ليس عليه. وقال في موضع آخر من "مسائلة": وقد سأله: الرجل [يعطي المال للحج]، قال: لا، لا يأخذ. هذا محمول على الاستبانة في حجة التطوع، فأما في حجة الفرض، فقد نص في موضع آخر: أنها تخرج عنه، فقال: سألته عن الرجل يحج عنه، قال: إذا لم يكن حج فمن جميع المال، وكذلك جميع ما يلزمه من الزكاة وغيره، والزكاة أشد. فقد نص في حجة الفرض. وقوله: "الزكاة أشد" لم يرد أنها تقدم على الحج، أو أنها تقضي دون الحج، وإنما أراد أنهما- وإن كانا يقضيان- فإن الزكاة أكد؛ لأنه يتعلق بها حق الله- تعالى- وحق الآدمي، وهم الفقراء، والحج يتعلق به حق الله فقط، والدين يتعلق به حق آدمي فقط. فالدلالة على أنه تصح الاستبانة في حجة التطوع: أن كل ما صحت النيابة في فرضه، صحت في نقله، كالصدقة؛ لما جاز أن يقول لغيره: (خذ [من] مالي خمسة دراهم، وأد الزكاة الواجبة علي) جاز أن يقول له: (خذ من مالي خمسة دراهم، تصدق بها صدقة التطوع).

стр. 67

ولأن الفرض آكد من التطوع، وإذا صحت النيابة في الفرض، ففي التطوع أولى. واحتج المخالف بأنها عبادة على البدن، فلا تصح النيابة فيها عند عدم الضرورة في الأًصل. وعلى أنه لما لم تصح النيابة في الصلاة، استوي في ذلك حكم الفرض والنقل، فلو كان الحج كذلك، لاستوى حكم فرضه ونفله. واحتج بأن النيابة إنما جازت فيها للحاجة، بدليل: أن الصحيح لا [يستنيب فيها]، ولا حاجة في الاستبانة في التطوع. والجواب: أن النيابة إنما جازت؛ لأن فعلها بنفسه غير واجب، وهذا موجود في النقل. وعلى أنا لا نسلم: أنه لا حاجة به إلى النقل؛ لأن الإنسان به حاجة إلى فعل الطاعات بعد موته، كما به حاجة إلى إسقاط الفرض. ١٨ - مسألة إذا كان مرضه يرجى زواله، لم يجز له أن يحج عن نفسه: نص عليه في رواية أبي طالب فقال: إذا كان شيخًا كبيرًا

стр. 68

[ .... ] [لا] يستمسك على الراحلة، يحج عنه وليه، وإذا كانت المرأة ثقيلة لا يقدر مثلها [أن] يركب، والمريض الذي أيس منه أن يبرأ، والمرأة التي قد أيس من أن تقدر على الحج. وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يحج عن نفسه إذا كان عاجزًا، سواء أكان يرجى زواله، أو لا يرجى، وكذلك المحبوس عنده. دليلنا: أنه غير ميئوس منه أن يحج بنفسه، فلا يجوز أن يحج غيره عنه. دليله: الصحيح. أو نقول: لأنه يرجى برؤه، فأشبه إذا كان صداع يسير. واحتج المخالف: أنه غير قادر على أداء الحج بنفسه في الحال، فله أن يستنيب فيه غيره، قياسًا على المريض الذي لا يرجى برؤه. والجواب: أنه يبطل بمن تلف جميع ماله، ولم يبق له زاد وراحلة؛ فإنه غير قادر على أداء الحج بنفسه في الحال، ومع هذا لا يجوز له أن يستنيب فيه. وعلى أنه ليس الاعتبار عند المخالف بالعجز في الحال، وإنما

стр. 69

الاعتبار في الثاني، ألا ترى لو أنه أحج المغضوب عن نفسه، ثم برئ بعده، لزمه الحج ثانيًا، فبطل ما قاله. ثم المعنى في الأصل: أنه ما يئس منه أشبه من به صداع يسير. واحتج بأن ما أثر المرض في تعيين صفة وجوبه، استوي فيه المرض الذي لا يرجى برؤه- في جواز الانتقال إلى الإطعام- وبين ملا يرجى، ثم الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الصلاة يتكرر وجوبها، والحج لا يتكرر [وجوبه … صفاته]. والثاني: أنه لو صلى على [جنبه في حالة، ثم زال مرضه]، لم يعد، وإن حج، ثم زال مرضه، أعاد عندهم. ١٩ - مسألة وإذا حج المعضوب عن نفسه، أو الشيخ الكبير، ثم برئ من غضبه، أو أحدث الله- تعالى- في الشيخ قوة، فإن تصور ذلك، فإنه يجزئه، ولا إعادة عليه: نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد وابن منصور:

стр. 70

فقال في رواية إسماعيل: إن الرجل يحج عمه، وهو ضعيف لا يستمسك على راحلته، ثم تماثل من علته، يجزئه، ولا إعادة. وفي رواية ابن منصور: إذا كان لا يقدر على الحج، فحجوا عنه، ثم صح بعد ذلك، فقد قضى ما عليه. قال أبو حنيفة: يعيد. دليلنا: أنه أحج ن نفسه في حالة أيس من الحج بنفسه، أو في حالة لا يرجى برؤه، فيجب أنه يجزئه. دليله: إذا اتصل به الموت. يبين صحة هذا أصلنا: أن الاعتبار حالة الابتداء دون حالة الانتهاء، ولهذا نقول: إذا كان مرضه يرجى زواله، فأحج عن نفسه، لم يجزئه- وإن اتصل به الموت- اعتبارًا بحالة الابتداء، وأنه لم يجزئه أن يحج عن نفسه. وهاهنا أحج عن نفسه في حالة يجوز له ذلك، فيجب أن يجزئه. واحتج المخالف بأن الموت لم يتصل بالمرض، فيجب ألا يجزئه. دليله: لو كان مرضه يرجى زواله، فأحج عن نفسه. والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لا يجوز له أن يحج عن نفسه عندنا، فلهذا لم يجزئه، ألا ترى أنا نقول: لو اتصل الموت بذلك

стр. 71

المرض لم يجزئه، وليس كذلك هاهنا، لأنه أحج عن نفسه في حالةٍ جاز له أن يحج، فأجزئه، كما لو اتصل به الموت. ٢٠ - مسألة من كان البحر بينه وبين طريق مكة، والغالب منه السلامة، فعليه الحج: ذكره أبو بكر في كتاب "الخلاف"، وهو قول أبي حنيفة ومالك. قال أصحاب الشافعي: فيها قولان. دليلنا: قول النبي ﷺ : "لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، [أو غاز في سبيل الله] " [ولأن] الغالب منه السلامة، فهو كالبر. ولأنه طريق جاز سلوكه للتجارة، فجاز سلوكه للحج والعمرة. ولأنه أحد المركبين، فجاز وجوب الحج بالقدرة عليه، كالبر. واحتج المخالف بأن الغالب على البحر الخطر؛ لأنه لا يخلو من

стр. 72

هبوب الريح والعوارض. والجواب: أنه إنما يشترط في الوجوب: أن يغلب عليه السلامة، وما يعرض غير غالب، فلا يعتد به. [واحتج بأن عوارض] البحر من جهة الله تعالى، [والبر عوارضه من جهة الآدمي]. والجواب: أنه يعرض على البر العطش والبرد والحر، وذلك من جهة الله تعالى، فلا فرق بينهما. ٢١ - مسألة الأعمى إذا وجد زادًا وراحلة وقائدًا يقوده، لزمه الخروج بنفسه: أومأ إليه أحمد في رواية المر وذي، وقد سئل عن رجل له أم ضريرة، ولها مال، أيحج عنها؟ فقال: يحج عنها إذا لم تقدر على الركوب. فلم يجعل العمى مسقطًا لفرض الحج بنفسه، واعتبر عدم الثبوت على الراحلة. وقد حكاه أبو حفص عن ابن بطة فقال: استطاعة الضرير: الزاد،

стр. 73

والراحلة، ومن يقوده. وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحج بنفسه، ويلزمه في ماله. دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧]. وفسر النبي ﷺ السبيل بالزاد والراحلة. والظاهر: أن كل من وجد زادًا أو راحلة، وجب عليه الحج، فوجب عمل الآية على ظاهرها. فإن قيل: الآية تقتضي وجوب الحج عليه، ونحن نقول: يجب عليه الحج، وليس فيه أن يفعله بنفسه، [أو] بماله. قيل له: قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يقتضي قصد البيت، فيجب أن يكون على كل واحد من الناس قصد البيت بنفسه؛ لأن الحج هو القصد. ولأن الأعمى لا تلحقه مشقة في الثبات على المراكب، وهو كالمبصر الصحيح. فإن قيل: البصير الصحيح يمكنه [أن] يتصرف بنفسه، والأعمى لا يقدر على التصرف بنفسه.

стр. 74

قيل له: إذا كان معه [من يقوده] فأنه يتمكن من ذلك. [و] لأنه فقد حاسة، فلا تمنع من وجوب الحج عليه بنفسه. دليله: الصمم. ولا يلزم عليه الغضب والكبر؛ لأنه فقد قدرة. يبين هذا: أن الحاسة مأخوذة من الحس بالأشياء، ولهذا حدها المتكلمون بالحواس الخمس. فإن قيل: الصمم لا يمنع من التصرف بنفسه، والعمى يمنه من ذلك. قيل له: الصمم يمنع من مخاطبه الحمال، ومن يبيع منه ويشتري. وعلى أنه إذا كان معه قائد يرشده ويسدده، فلا يتعذر عليه ذلك، كما لا يتعذر على البصير. فالأعمى لم يفته إلا العلم بالطريق، ومواضع النسك، وإذا وجد قائدًا يوصل إلى العلم به، فيلزمه، كالبصير إذا كان لا يهتدي الطريق، ولا يعرف المواضع التي تؤدي بها المناسك، وأنه إذا وجد من يهديه ويرشده، لزمه ذلك. واحتج المخالف بأن الأعمى لا يمكنه أن يتصرف في سفره بنفسه، ألا ترى أنه يحتاج إلى من يركبه، وينزله، ويعينه على قطع المسافة، فهو كالزمن، بل الأعمى أسوأ حالًا من الزمن والمقعد؛ لأن الزمن إذا ركب قدر على أداء فرض الحج راكبًا، والأعمى لا يقدر على أدائه وإن

стр. 75

ركب، حتى يقوده غيره. والجواب: أن الزمن والمقعد لا يتمكن من النزول والركوب والثبوت على الراحلة، ومباشرة المناسك بنفسه، والأعمى يمكنه ذلك، وإنما يفقد الهداية إلى الجهة التي يحتاج إليها، فإذا أرشده غيره اهتدى، وقام بالنسك، فأتي به، فهو كالبصير الصحيح الذي لا يهتدي النسك، فإنه لا يسقط عنه، كذلك الأعمى. واحتج بأن الحج عبادة تحتاج في أدائها إلي قطع مسافة، فوجب أن لا يلزم الأعمى قياسًا على الجهاد. والجواب: أن هذا لا يصح؛ لأن الأعمى يجب عليه الحج بالإجماع، فالوصف غير صحيح. فإن قيل: يريد به أنه لا يلزمه الحج بنفسه. قيل له: لا يؤثر في الأصل؛ لأنه لا يلزمه في ماله، ولا في نفسه. ثم المعنى في الجهاد: أن القصد منه القتال، وهذا لا يحصل من الأعمى، وليس كذلك الحج؛ لأن المقصود منه حضور مواضع النسك، وهذا يمكن للأعمى مع القائد، كما يحصل من البصير.
следующие страницы →