Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
واحتج بأن كل عينين جاز بيع كل واحدة منهما بعينها، جاز بيع إحداهما بغير عينها.
أصله: قفيز من صبرةٍ، ومن اختلط عبده بعبد غيره، فباع من مالك لآخر.
والجواب: أنه ليس إذا جاز بيع كل واحد معينًا، جاز بيع أحدهما بغير عينها، كما لو باع ثوبًا من ثوبين، ولم يشترط الخيار، أو باع ثوبًا من أربعة وشرط الخيار؛ فإنه يجوز معينًا، ولا يجوز غير معين.
وعلى أن أجزاء الصبرة متساوية، فإذا عقد على قفيزٍ منها، فهو معلوم، ولهذا لا يفتقر إلى شرط الخيار، ولا يختص بعدد من القفزان، وهذا معدوم هاهنا.
وأما إذا اختلط عبده بعبد غيره، فيحتمل أن لا يصح العقد حتى يقع التمييز.
وبماذا يقع؟
يحتمل أن يقرع بينهم، فيتعين بالقرعة، ثم يبيعه؛ لأنه قد اختلط المستحق بغيره.
ويحتمل أن يقف على المراضاة.
ولو سلمناه، فلا يشبه هذا؛ لأنه لا يجوز البيع بغير خيار، ولا يجوز
стр. 1157
بيع عبدين من خمسة.
ولأن الجهالة هناك بغير فعله، فعفي عنها.
وجواب آخر، وهو: أجود ما يقال فيه: أنهما يبيعان العبدين، ويقتسمان الثمن على قيمة العبدين، كما لو قلنا فيه إذا اختلط زيت أحدهما بزيت الآخر، وأحدهما أجود من الآخر: أنهما يبيعان الزيت، ويقتسمان الثمن على القيمة.
واحتج بأنها جملة يجوز بيعها، فجاز بيع بعضها غير معين، كما لو باع بعضها مشاعًا.
والجواب: أن أربعة أثواب يجوز بيها، ولا يجوز بيع بعضها غير معين.
وعلى أنه إذا باع بعضها مشاعًا فهو متعين، ولهذا لا يختص بعدد من العبيد، ولا يفتقر إلى شرط الخيار.
واحتج بأن هذه جهالة لا تمنع صحة الإجازة، فلا تمنع صحة البيع.
وبيان هذا: لو استأجر أرضًا؛ ليزرعها حنطة أو شعيرًا، جاز، أو استأجر دابة؛ ليركبها إلى النهروان، أو إلى عكبراء.
والجواب: أنه إنما يجوز التخيير في ما يتقارب ضرره؛ لأن إطلاق العقد يقتضيه، ولا يجوز فيما يختلف.
стр. 1158
ولأنه لو كان الخيار هناك بين أربعة أشياء؛ الحنطة والشعير والذرة والأرز، صح.
ولأنه يبطل باستئجار الظئر بطعامه وكسوته؛ لا تمنع هذه الجهالة الإجارة، وتمنع البيع.
* فصل:
وفي ما ذكرنا دلالة على مالك.
واحتج بأن الثياب إذا كانت صفاتها متقاربة غير متفاوتة، وكانت جنسًا واحدًا، فالغرر يسير يعفى عن مثله.
ولأن البائع قد علم أن المشتري إنما يختار أعلاها وأجود ما فيها، فقد دخلا على أمر معلوم بالعادة.
والجواب عن قوله: (إن البائع قد علم أنه يختار أعلاها) فيبطل إذا كانت أجناسًا، فباعه واحدًا منها؛ فإنه يعلم أن المشتري يختار أعلاها، ومع هذا لا يصح العقد.
وقولهم: (إن الغرر يسير) يلزم عليه إذا شاهد أكثر المبيع، أو وصفه بأكثر صفاته، فإن الغرر يقل، ولا يجوز.
стр. 1159
٢٥٨ - مسألة
إذا اشترى شيئًا على أنه بالخيار إلى الليل، أو إلى الظهر، أو إلى الغد، فله الخيار إلى أن يطلع الفجر، وإلى أن تزول الشمس، وإلى أن تغرب الشمس في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية محمد بن موسى [ .... ] في رجل حلف على شيء أن لا يفعله إلى يوم الفطر، فلما كان يوم الفطر بالغداة فعله: لم يحنث.
فلم يجعل يوم العيد داخلًا في يمينه.
وهو قول الشافعي.
وفيه رواية أخرى: له الخيار إلى الليل كله، وإلى الظهر كله، والغد كله.
نص عليه في رواية أحمد بن صدقة في رجل حلف على شيء أن لا يفعله إلى يوم الفطر، فلما كان يوم الفطر فعله: يحنث.
فجعل يوم العيد داخلًا في يمينه.
وهو قول أبي حنيفة.
وجه الأولى: أن أهل اللغة أجمعوا على أن (من) لابتداء الغاية،
стр. 1160
فقال: إذا قالوا: سرت من الكوفة إلى البصرة، فإن معناه: ابتدأت بالمسير من الكوفة، فانتهيت به إلى البصرة.
وإذا كان كذلك، كان ظاهر اللفظ يقتضي أن يكون الخيار ينقطع عند انقضاء النهار، ولا يدخل الليل فيه.
فإن قيل: المفهوم من قولهم: (سرت من الكوفة إلى البصرة): أنه دخل البصرة.
قيل له: لا يفهم ذلك باللفظ، وإنما يفهم بدليل.
وأيضًا فإن ما جعل حدًا ب (إلى) لم يدخل في المحدود بظاهر اللفظ.
دليله: الإقرار والطلاق والتأجيل والثمن والبيع.
وبيان هذا: لو قال: لفلانٍ عليَّ من درهم إلى عشرة؛ أنه يلزمه تسعة ولا يدخل العاشر في الإقرار.
وكذلك إذا قال: أنت طالق من واحد إلى ثلاث؛ أنها تطلق طلقتين، والثالثة لا تقع عليها.
وكذلك إذا قال: بعتك بكذا درهمًا إلى شهر رمضان، لم يدخل رمضان في الأجل.
وإذا قال: من هذا الحائط إلى هذا الحائط لفلان، لم يدخل الحائطان في الإقرار.
وإذا قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لم يدخل الحائط.
стр. 1161
وإذا قال: لا كلمت فلانًا إلى شهر رمضان، لم يدخل رمضان في اليمين.
ولا يلزم على هذا قوله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ أن المرافق داخلة في المحدود، وإن كانت بحرف (إلى)؛ لقولنا: لم يدخل في المحدود بظاهر اللفظ، وهناك دخلت بدليل، لا بظاهر اللفظ.
فإن قيل: فنحن- أيضًا- لم نقل: إنه يدخل بظاهر اللفظ، وإنما دخل بدلالة شرعية.
قيل له: يجب أن تبين تلك الدلالة.
وإن شئت قلت: مدة مضروبة في عقد بيع، أشبه الأجل، أو مدة ملحقة بالعقد، فكانت (إلى) غاية، كالأجل.
فإن قيل: اليمين مستحق، وإنما تتأخر المطالبة بالتأجيل، ودخول الغاية في الجملة محتمل، فلم يجز تأخير المطالبة المستحقة بالعقد بالشك، وليس كذلك لزوم العقد وانبرامه؛ لأنه إنما يحصل بمضي مدة الخيار.
والغاية فيها احتمال:
فتارة تدخل، كقوله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
وتارة لا تدخل كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
стр. 1162
فلم يجز لنا إلزام صاحب الخيار العقد بالشك، وكذلك الطلقة الثالثة، والدرهم العاشر، والحد في الإقرار، إنما لم يدخل ذلك في الجملة؛ لأن الغاية قد تدخل في الجملة تارة، ولا تدخل أخرى، فلم يجز إلزامه درهمًا بالشك، ولا إيقاع طلقة بالشك، ولا إلزام الحد بالشك، كما قلنا في مسألتنا: لا يلزمه العقد بالشك.
وكذلك شهر رمضان لم يدخل في اليمين؛ لأن الغاية محتملة، فلا نثبت عقد اليمين في شهر رمضان بالشك.
قيل له: زمان الغاية ليس بمشكوك فيه؛ لأن الظاهر من الغاية: أنها لا تدخل في الحكم.
وقوله: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾؛ فإنها تدخل المرافق في الغسل لدليلٍ آخر.
وإذا كان كذلك، لم يكن فيه إزالة اليقين بالشك، بل هو إزالة اليقين باليقين؛ لأن ظاهر اللفظ وحقيقة الكلام بمنزلة اليقين، ويجب ترك الأصل وشغل الذمم بذلك.
وقولهم: (ليس في الأجل إزالة اليقين بالشك) غير صحيح؛ لأن الملك يوجب المطالبة، فإذا أدخله زالت المطالبة في المدة التي تيقنا فيها التأجيل، وفي موضع الغاية وجبت المطالبة لبقاء سببها، وهو الملك، كذلك العقد، فوجب انتقال الملك إلا في مدة الخيار على أصله، وفي الموضع الذي يشك في الخيار يجب أن يثبت الملك، ولا يثبت الخيار؛
стр. 1163
لقيام سبب الملك فيه، وهو العقد، فيكون قيام العقد مع الشك في الخيار بمنزلة قيام الملك مع الشك في التأجيل.
فإن قيل: إذا قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لم يدخل الحائطان؛ لأن الحدود لا تدخل في المحدود بالعرف، ألا ترى أنهم يقولون: إلى دار فلان، وإلى المسجد، وإلى الطريق.
قيل له: وكذلك الغاية لا تدخل في المحدود شرعًا من الوجه الذي ذكرنا.
واحتج المخالف بما تقدم، وهو: أن الغاية فيها احتمال قد تدخل في الكلام تارة، كالمرافق والكعبين، ولا تدخل أخرى، كالليل مع النهار في الصيام، والعقد لا يتعلق به استحقاق، وإنما ينبرم بمضي مدة الخيار، فلم يجز إلزام صاحب الخيار العقد بالشك.
ويفارق الأجل إلى رمضان؛ لأن الثمن مستحق، وإنما تتأخر المطالبة بالتأجيل، وإذا احتمل أن تدخل الغاية واحتمل أن لا تدخل، لم يجز تأخير المطالبة بالثمن بالشك.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن الغاية غير محتملة، بل الظاهر منها: أنها لا تدخل في الحكم.
ثم يبطل بالأجل؛ فإن فيه إثبات المطالبة بالشك؛ لأنه لا تدخل
стр. 1164
الغاية في الأجل، وفي ذلك إثبات المطالبة بالشك.
ويبطل به إذا قال: إن لم أفعل كذا إلى شهر رمضان فعبده [حر]، فلم يفعل حتى أهل رمضان، عتق العبد، فقد أزال ملكه عن العبد بغاية مشكوك فيها.
فإن قيل: اليمين لا يجوز إثباتها في شهر رمضان بالشك، فإذا لم تثبت اليمين، فوقوع العتق فرع على مضي المدة التي انعقدت اليمين عليها، فاعتبر اليقين في الأصل، وتبعه ما يترتب عليه من وقوع العتق.
قيل: [ .... ].
واحتج بأن الجملة متى كانت منتظمة للغاية وما عداها، فإن دخول الغاية ينفي ما عداها، كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] يتناول العضو إلى المنكب، ألا ترى أن عمار تيمم إلى الآباط بظاهر الآية؟ وكذا قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
كذلك قوله: (على أنه بالخيار إلى وقت الظهر)؛ أن ذلك لإسقاط ما عدا الغاية؛ لأن قوله: (على أنك بالخيار) يقتضي خيارًا مؤبدًا، ولذلك يفسد البيع إذا أطلق، فإذا قال: (إلى وقت الظهر)، فإنما ذكر
стр. 1165
الغاية لإسقاط ما عداها.
ومتى دخلت على جملة لا تنتظم الغاية وما عداها، فإنما تدخل للتحديد، كقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأراد به النهار.
فلما لم تنتظم هذه الجملة الليل كان قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] للتحديد، فلم يدخل في الجملة، كما لا يدخل حد الدار في الدار.
والجواب: أنها لإسقاط ما عداها وإسقاطها- أيضًا- بدليل: الإقرار والطلاق والتأجيل واليمين، وقد بينا ذلك.
وما استشهدوا به من قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فلم نقل: إن تلك الغاية دخلت في الجملة بمقتضى اللفظ، وإنما دخلت بدليل آخر، وهو: أن النبي ﷺ كان يدلك الماء على مرافقه، وقال: (ويل للأعقاب من النار).
…
٢٥٩ - مسألة
يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث:
نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد في الرجل يبيع، ويجعل
стр. 1166
للمشتري الخيار شهرًا: فجائز.
قال أبو بكر في كتاب (التنبيه): يجوز شهرًا، وسنة.
وبهذا قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، وداود.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز شرطه أكثر من ثلاث.
وقال مالك: يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث إذا احتيج إلى ذلك في اختيار المبيع، فإن لم يحتج إليه لم يجز.
دليلنا على جواز الزيادة عليه في الجملة: عموم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
وقول ﷺ : (المؤمنون عند شروطهم).
وقوله ﷺ : (لكل مؤمن شرطه).
وأيضًا فإن الخيار مدة ملحقة بالعقد، فجاز أن يزيد على الثلاث.
دليله: الأجل في الثمن.
فإن قيل: الأجل في الثمن لا ينافي موجب العقد؛ لأن لكل واحد منهما التصرف في العوض، وليس كذلك الخيار؛ لأنه ينافي موجب العقد، وهو التصرف؛ لأن المشتري ممنوع منه حال الخيار، فجاز أن يمنع من كثيره، ولا يمنع من كثير الأجل.
стр. 1167
قيل له: حبس المبيع في يد البائع ينافي المقصود، ومع هذا لا يتقدر بالثلاث عندك، وكذلك خيار المجلس ينافي، ولا يتقدر، وكذلك المدة في السلم تنافي المقصود، وتجوز أكثر من ثلاث.
وعلى أن ما تدعو الحاجة إليه يصح شرطه- وإن نافى- كالثلاث، وما زاد عليه قد تدعو الحاجة إليه؛ فإنه ليس كل البيع يختبر في ثلاث.
وقياس آخر، وهو: أنه خيار معلوم في عقد بيع، فصح.
دليله: الثلاث.
فإن قيل: الثلاث في حكم القلة، فجاز أن يعفى عنها، وليس كذلك ما زاد عليها؛ لأنه في حكم الكثرة، فجاز أن يمنع منها؛ لما فيها من كثرة الغرر.
قيل له: فالزيادة على الثلاث في الأجل في حكم الكثرة، ومع هذا تجوز، وكذلك السنة في حق العنين، والأربعة أشهر في حق الموتى، ومع هذا يجوز، وكذلك شرط الأجل في المسلم فيه زيادة على الثلاث يجوز، وإن كان في حكم الكثرة.
فإن قيل: لا يمتنع أن يجوز ذلك في الثلاث، ويتقدر به، وإن لم يجز في ما زاد عليه بدليل: مدة المسح في حق المسافر، وخيار التصرية، وجعلت مدة لانتظار العذاب بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].
قيل له: وقد يتعلق الحكم بزيادة على ذلك من الوجه الذي ذكرنا
стр. 1168
من مدة العنة، والإيلاء، وأكثر الحيض، وأكثر النفاس، والأجل في الثمن، والسلم.
وقياس آخر، وهو: أنه خيار للفسخ، فجاز أن يزيد على الثلاث.
دليله: خيار المجلس، وخيار الرد بالعيب.
فإن قيل: خيار المجلس ثبت شرعًا، فجاز أن يزيد على الثلاث.
قيل له: خيار التصرية ثبت شرعًا، ولا يزيد على ثلاث، والأجل في الثمن [يثبت] شرطًا، ويزيد على الثلاث، فلم يصح الحكم في الأصل والفرع.
فإن قيل: خيار المجلس لا يطول بينهما في العادة، فلا يكثر الغرر فيه.
قيل له: وكذلك خيار الشرط لا يشترط في العادة زيادة على الثلاث، فإذا شرط فهو نادر، فيجب أن يجوز، كما تجوز الزيادة على العادة في المجلس.
فإن قيل: خيار العيب لا يمنع المقصود بالعقد؛ لأنه لا يمنع جواز التصرف في المبيع، وهذا بخلافه.
قيل: قد أجبنا عن هذا في ما تقدم.
فإن قيل: خيار الرد بالعيب يقف على العلم به؛ لأنه متى علم به، فلم يطالب بالفسخ سقط حقه.
стр. 1169
قيل له: إلا أنه لو علم بالعيب بعد سنة كان له الخيار، ولم يتقدر خيار الفسخ بالعيب بالثلاث.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن الغرر.
وبيع الخيار غرر؛ لأنه متردد بين الصحة والبطلان.
والجواب عن هذا: ما تقدم في مسألة بيع الأعيان الغائبة بالصفة، وبينا أن الغرر ما كان الغالب منه عدم السلامة، كبيع الآبق، والجمل الشارد، والسمك في الماء، والطير في الهواء، وهذا معدوم هاهنا.
واحتج بما روي أن حبان بن منقذ كانت بلسانه لوثة، وكانت قد أصابته آمة في رأسه، فكسرت لسانه، ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة، ولا يزال يغبن، فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليالٍ، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فردها على صاحبها).
وعاش ثلاثين ومئة سنة إلى زمان عثمان، فكان يبتاع، ويغبن، ويرد السلع على أصحابها، ويقول: رسول الله ﷺ جعلني بالخيار ثلاثًا،
стр. 1170
فكان يمر الرجل من أصحاب النبي ﷺ ، فيقول للتاجر: ويحك إنه صدق! إن رسول الله ﷺ قد كان جعله بالخيار ثلاثًا.
قالوا: فوجه الدلالة من الخبر من وجهين:
أحدهما: أن حبان بن منقذ كان أحوج الناس إلى ثبوت الخيار له، فلما لم يجعل له النبي ﷺ خيارًا أكثر من ثلاث، دل على أن ذلك لا يجوز.
والثاني: أن النبي ﷺ حد الخيار بالثلاث، والحد إما أن يفيد المنع من الزيادة، أو المنع من النقصان؛ لأنه لابد أن يتعلق به فائدة، فلما لم يفد حده المنع من النقصان، أفاد المنع من الزيادة.
والجواب: أن الخبر مطرح الظاهر بدليل: أنه جعل له الخيار في الفسخ من غير شرط، وليس هذا لغيره، وكان الشرط فيه: أنه نهاه عن البيع، فلم ينته، ولم يكل الخيار إلى اختياره؛ لأنه لم يكن من أهله، فقدره في حقه حفظًا لماله، وخصه بالثلاث؛ لأن العادة أنه يختبر في مثله، فعلق الحكم على الغالب، وإن جازت الزيادة عليه، كخيار المصراة؛ علقه الثلاث لأن الغالب: أنها تختبر في ذلك، وإن جازت الزيادة عليه؛ لأنه لو لم تظهر التصرية إلا بعد الثلاث ملك الفسخ.
وكذلك علق الاستجمار بالثلاث، وإن جازت الزيادة عليه إذ لم يحصل الإنقاء بذلك، وجاز النقصان- أيضًا- إذا كان الحجر كبيرًا.
стр. 1171
وفي هذا جواب عن قولهم: إن التقدير إذا لم يفد النقصان منع الزيادة.
واحتج بأن الخيار معنى يمنع المقصود بالعقد، فإذا شرطه مع استغناء العقد عنه، يجب أن لا يصح.
أصله: إذا قال: بعتك على أن لي الخيار متى شئت.
وبيانه: أن القصد من البياعات الأرباح، وثبوت الخيار يمنع من ذلك؛ لأنه لا يمكن التصرف فيه.
ولا تدخل عليه مدة الثلاث؛ لأن الحاجة تدعو إليه.
والجواب: أنه لا يمنع المقصود من الوجه الذي ذكرنا، وهو: أنه قد لا يختبر المبيع في الثلاث، ويحتاج إلى زيادة [على] ذلك، والقصد من الخيار الاختبار، فلا نسلم أنه يمنع المقصود.
ثم يبطل هذا بخيار المجلس، وحبس المبيع، والأجل في السلم؛ فإن ذلك يمنع المقصود، ومع هذا تجوز الزيادة على الثلاث.
ثم المعنى في الأصل: أنها مدة مجهولة، وهذا خيار معلوم، أشبه الثلاث.
стр. 1172
واحتج بأنها مدة قدرها الشرع بالثلاث، أشبه مدة المسح، [ .... ] والصوم في كفارة اليمين، وخيار التصرية.
والجواب: أنا لا نسلم أن الشرع قدرها بالثلاث، والذين يذهبون إليه من حديث حبان فقد تكلمنا عليه.
ثم يفسد بالأحجار؛ قدرها الشرع بالثلاث، ومع هذا فتجوز الزيادة عليه.
ويبطل- أيضًا- بخيار المصراة، مقدرة بالثلاث، وتزيد عليه. ولأن ما قدر الشرع لا يجوز الزيادة عليه، وإن زاد على الثلاث، كمدة العنة والإيلاء والحمل ونحوه، فلا معنى لقولهم: قدره بالثلاث.
ثم الكفارة من جنسها ما يزيد على الثلاث.
وأما مدة المسح فلأنها ضربت لأجل المشقة، ولا تلحق المشقة في ما زاد على الثلاث.
وأما خيار التصرية فعندهم يجوز أن يزيد على الثلاث.
واحتج بأنه خيار يزيد على الثلاث يمنع استقرار العقد، فلم يصح.
أصل ذلك: إذا قال: لي الخيار متى شئت.
والجواب: أنه يلزم عليه خيار الرد بالعيب، وخيار المجلس،
стр. 1173
والمدة في عقد السلم، وحبس المبيع في يد البائع على قبض الثمن، جميع ذلك يمنع الاستقرار، ويجوز أن يزيد على الثلاث.
ثم المعنى في الأصل: أنه خيار مجهول، فلهذا لم يصح، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه خيار معلوم في عقد بيع، فصح:
أصل ذلك: الثلاث.
*فصل:
والدلالة على مالك في اعتبار ما يختبر المبيع فيه: ما تقدم من عموم الآية والأخبار.
ولأنه خيار معلوم أشبه ما يختبر بمثله.
ولأنه لو ابتاع شيئًا يختبر مثله في ساعة بشرط الخيار ثلاثًا صح، فلو كان ذلك موقوفًا على قدر ما يختبر في مثله لم يجز شرط الثلاث؛ لأنه لا حاجة به إليه، فلم يصح.
والجواب: أن هذا يوجب أن لا يصح شرط الثلاث في بيع يستغني عنه.
стр. 1174
٢٦٠ - مسألة
إذا اشترى سلعة، وشرط: أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، فالبيع جائز:
نص عليه في رواية عبد الله في الرجل يشتري من الرجل الشيء، ويشترط عليه: إن لم يعطه الثمن في يوم كذا، أو ساعة كذا، فلا بيع لك: فهو جائز، ويرجع عليه في بيعه.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في رجل باع شيئًا، وقال: إن لم تحمله غدًا، فلا بيع بيني وبينك: فهو على شرطه.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: البيع باطل.
دليلنا: أن هذا بمنزلة شرط الخيار؛ لأنه علق الإجازة والفسخ بفعله، وهو أن ينقد الثمن في الثلاث، فيصح البيع، أو يترك نقده حتى تمضي الثلاث، فيفسخ البيع، فإذا كانت إجازته وفسخه متعلقين على فعله أشبه البيع بشرط الخيار، وقد ثبت جوازه بالسنةِ، كذلك هذا.
ولأنه نوع عقد فجاز أن ينفسخ بتأخير القبض عن زمان، كالصرف والسلم.
ولا يمكن القول بموجبه في بيع الطعام بالطعام؛ لأن التعليل لبيع الأعيان التي لا ربا فيها، ولأن بيع الطعام بالطعام يمكن أن يكون أصلًا لعلتنا أيضًا.
стр. 1175
واحتج المخالف بأن هذا يؤدي إلى تعليق البيع على الخطر؛ لأن تقديره: إذا نقد الثمن إلى ثلاثة فسأبايع، وإن لم ينقد لم يكن بينهما بيع، والبيع لا يتعلق على الخطر، ألا ترى أنه لو علقه بدخول الدار، وبقدوم زيد، لم يجز.
وليس كذلك شرط الخيار؛ لأن البيع غير معلق فيه على الخطر؛ لأن البيع واقع صحيح، والخيار مشروط للفسخ.
والذي يدل على أن هذا مفارق لشرط الخيار: أن هاهنا ينفسخ البيع بمضي الثلاث إذا ترك نقد الثمن في الثلاث، وشرط الخيار يتم البيع بمضي الثلاث.
والجواب: أن العقد واقع في الوضعين، وليس واحد منهما معلقًا على الخطر، بل إجازته وفسخه يتعلقان على قوله؛ أما الجواز في مسألتنا فمعلق على نقد الثمن في الثلاث، وفسخه معلق على ترك الفسخ في الثلاث، وفسخه يتعلق على رده البيع في الثلاث، وجميعه فعله، فلا فرق بين الموضعين.
ولو جاز أن يقال: إن العقد في مسألتنا معلق على الخطر، لجاز أن يقال ذلك في شرط الخيار.
واحتج بأن قوله: (إن لم ينقدني، فلا بيع) تعيق الفسخ بالصفات، وذلك لا يصح، كما لو قال: بعتك بشرط الخيار، فإن قدم زيد، فلا خيار.
стр. 1176
والجواب: أن هذا موجود في شرط الخيار، وأنه علق الفسخ بصفة، وهو: انقضاء مدة الخيار، ومع هذا فالعقد صحيح.
واحتج بأن العقد الذي يجوز تعلقه بخطر، وهو الوكالة، لا يقف فسخه على خطر، فالعقد الذي لا يتعلق على خطر أولى أن لا يقف فسخه على خطر.
والجواب: أنه يبطل بشرط الخيار.
وعلى أن عقد الوكالة لما سوغ تعليقه بالخطر لم يسامح بدخول الخطر في فسخه، والبيع لما ضيق حكم عقده حتى لا يجوز تعليقه بالخطر سومح في فسخه.
يبين صحة هذا: أن النكاح لما لم يتعلق ابتداؤه بخطر، جاز أن يتعلق رفعه بخطر، وهو الطلاق.
…
٢٦١ - مسألة
إذا اشترى جارية على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فلمسته الجارية في مدة الثلاث لشهوة، وأقر المشتري أنها فعلت ذلك، لم يبطل خياره:
أومأ إليه أحمد في رواية أبي الصقر عن رجل اشترى جارية، له فيها الخيار يومًا، أو يومين، فانطلق بها إلى بيته، فغسلت رأس المشتري،
стр. 1177
وغمزت رجليه، [أو طحنت له]، أو خبزت: لم يكن مستوجبًا حتى يبلغ منها ما لا يحل لغيره، فيبطل خياره، فإن مشطها، أو خضبها، أو حفها، بطل خياره؛ لأنه وضع يده عليها.
فقد نص على أن مسها إياه بتغميز رأسه ورجليه لا يبطل خياره، وأبطل ذلك بمسه إياها.
وقال أبو حنيفة: يبطل خياره.
دليلنا: أن الخيار حق للمشتري، فلا سبيل لها إلى إبطاله، ألا ترى أنها لو رضيت بالقول لم يبطل خياره، كذلك إذا لمسته.
ولأن لمسها معنى لو وجد من جهتها إلى البائع، لم يكن فسخًا للبيع، فإذا وجد منها إلى المشتري، لم يكن له إمضاء.
دليله: الخدمة من جهتها.
واحتج المخالف بأن الفعل الذي يتعلق به بطلان الخيار لا يختلف وجوده من جهته، أو من جهتها، ألا ترى أنه لا فرق بين أن تشج نفسها، أو يشجها هو في أن خياره يبطل في الحالتين جميعًا، كذلك اللمس بشهوة.
والجواب: أن لنا في ذلك روايتين:
إحداهما: أن جنايته عليها وجنايتها على نفسها لا تمنع الرد.
فعلى هذا: لا يصح القياس.
والثانية: تمنع.
стр. 1178
وفيها ضعف، فعلى هذا: إذا شجت نفسها، فقد فات خدمتها، فلزمه ذلك الجزء، [فلما] لزمه ذلك لزمه الباقي.
وليس كذلك اللمس؛ لأنه لا يوجب فوات جزء منها، ولا حدوث عيب بها، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن بطلان الخيار حكم يتعلق باللمس والنظرة، فوجب أن لا يختلف وقوعها من جهتها، أو من جهته في تعلقه بها، كالتحريم لما كان حكمًا يتعلق بها، لم يختلف وقوعه من جهتها أو من جهته، ألا ترى أنها لو قبلته لشهوة حرمت على أبيه وابنه، كما لو قبلها، أو لمسها، كذلك هاهنا.
والجواب: أنه إنما كان وجود ذلك من جهة المشتري مبطلًا لخياره؛ لأنه دليل على الرضا منه، وهو مالك للرضا بالعقد، وليس كذلك وجوده من جهتها؛ لأنه ليس فيه دلالة على وجود الرضا بالعقد، وليست مالكة للرضا بالعقد.
ويفارق هذا تحريم المصاهرة؛ لأنها لو لمست البائع ثبت تحريم المصاهرة، ولم يكن ذلك فسخًا للعقد، كذلك لا يمتنع أن يثبت التحريم هاهنا، ولا يكون ذلك مبطلًا لخيار المشتري.
стр. 1179
٢٦٢ - مسألة
إذا شرط الخيار، وسكتا عن ضرب مدته، بطل البيع في أصح الروايتين:
قال في رواية ابن منصور في الرجل يبيع البيع بشرط، ولا يسمي أجلًا: فلا يعجبني حتى يسمي يومًا أو يومين.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي.
وفيه رواية أخرى: يصح، ويكون لهما الخيار أبدًا.
نقله ابن منصور في موضع آخر في من اشترى شيئًا بالخيار، ولم يسم إلى متى: فله الخيار أبدًا، أو يأخذه.
قال مالك: البيع صحيح، ويضرب للسلعة من المدة ما تختبر في مثلها في العادة.
دليلنا: أنها مدة مضروبة في عقد بيع، فإذا كانت مجهولة، وجب أن تقع باطلة.
دليله: الأجل في الثمن، والأجل في عقد السلم.
واحتج المخالف بأن قدر ما يحتاج إليه مقرر في العرف فإذا سكتا عنه، فقد دخلا في العرف فيه، فصح.
والجواب: أن الخيار لا تقف مدته على العرف بدليل: أنه لو كان مثله يختبر في ساعة، فشرط الخيار ثلاثًا، صح.
стр. 1180
وإذا كان كذلك فمتى شرطا خيارًا مطلقًا، فليس هناك عرف مستقر يرجع إليه؛ لأنه قد يقدر مدة، فيطالبه صاحبه بزيادة عليها، أو نقصان منها.
فإن قيل: أليس خيار المجلس وخيار الرد بالعيب مدته مجهولة، ويصح؟ كذلك خيار الشرط.
قيل له: هناك ثبت شرعًا، وهذا ثبت شرطًا، وفرق بينهما، ألا ترى أن مدة قبض المسلم فيه لما استفيدت بالشرط، لم يصح أن تكون مجهولة؟ ومدة قبض الأعيان المبيعة لما لم تكن متعلقة بالشرط، صح أن تكون مجهولة، كذلك هاهنا.
…
٢٦٣ - مسألة
إذا شرطا أجلًا مجهولًا، أو خيارًا مجهولًا، فالعقد باطل، وإن اتفقا على إسقاطه قبل مضي جزء من المدة المجهولة:
نص على ذلك في الشرط الفاسد، فقال في رواية أحمد بن الحسين في من اشترى ثوبًا إن جاز عنه، وإلا رده: لم يجز، وإن باعه بربح، لم يعجبني أن يطيب له الربح.
стр. 1181
ونص- أيضًا- في المزارعة: إذا شرط فيها شرطًا فاسدًا، بطلت من أصلها.
ورواية أخرى: الشرط باطل، والعقد صحيح لا يعتر اتفاقهما على إسقاطه.
قال في رواية عبيدالله بن محمد الفقيه: إذا ابتاع جارية، واشترط عليه أن لا يبيع، ولا يطأ: البيع جائز، والشرط باطل.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور: إذا استأجر بيتًا إذا شاء أخرجه، وإذا شاء خرج، فقد وجب بينهما إلى أجله.
وقال أبو حنيفة: إن اتفقا على إسقاطه قبل مضي جزء من المدة المجهولة صح العقد.
وكذلك عندهم إذا شرط خيار أربعة أيام، ثم أسقط قبل اليوم الرابع.
وقال الشافعي: العقد باطل، ولا تلحقه الصحة، كالرواية الأولى.
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيعٍ وشرطٍ.
والنهي يدل على فساد المنهي عنه في عموم الأحوال، وعندهم هو فاسد إذا أسقطاه صح.
والقياس أنه عقد فاسد، وجب أن لا تلحقه الصحة بإسقاط ما أفسده.
دليله: إذا باع درهمًا بدرهمين، ثم اتفقا على إسقاط أحدهما.
стр. 1182
ولا يلزم عليه إذا تزوج الحربي خمسًا، ثم أسلم، فاختار أربعًا؛ أن عقده صحيح؛ لأنا لا نحكم بفساده في الأصل، بل نقول: إنه واقع صحيحًا في الجميع، ويعين أربعًا بينهن بالاختيار.
والدلالة على صحته في الجميع: أنه لو طلق الخمسة قبل أن يختار ثلاثًا، لم يكن له أن يعقد على واحدة منهم إلا بعد زوج، ولو أخر الاختيار لزمه نفقة جميعهن.
ولا يلزم عليه إذا حكم به حاكم؛ أنه يصح؛ لقولنا: فلم تلحقه الصحة بإسقاط ما يفسده، وهناك لحقته بحكم الحاكم.
فإن قيل: الدرهم الذي تعلق به فساد العقد ليس بمعين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فلم يصح إسقاطه.
قيل له: الفساد تعلق بالزيادة على ما في مقابلة الدرهم؛ لأن التماثل في الوزن مستحق في الذهب والفضة، فإذا سقطت الزيادة فقد أسقط ما تعلق به الفساد؛ لأن الفساد تعلق بزيادة غير معينة في الظاهر والباطن، فإذا سقطت فقد زال ما أوجب الفساد، ألا ترى أن في الابتداء لو بيع درهم بأحد الدرهمين صح البيع، ولم يكن ربا.
فإن قيل: الفساد هناك داخل في نفس العقد، وفي مسألتنا في شرط
стр. 1183
ملحق به، فإذا أسقط الشرط بقي العقد عاريًا عن المعنى الموج لفساده، فصح.
قيل له: الفساد في البدل وفي الأجل سواء بدلالة تأثيرهما في العقد الفساد.
وقياس آخر، وهو: أن كل ما لو لم يتفق المتبايعان على إسقاطه لم يصح، كذلك وإن اتفقا على إسقاطه.
دليله: إذا مضى جزء من المدة.
فإن قيل: إذا مضى جزء من المدة لم يمكن إسقاط الماضي من المدة، فتمكن ذلك الفساد في العقد، فبقي بحاله، وقبل مضي جزء من المدة لم يتمكن الفساد، فأمكن إسقاطه.
قيل له: هذا باطل على أصله إذا شرط الخيار أربعة أيام، فأسقط الزيادة في اليوم الثالث؛ فإنه يصح العقد عنده، وإن كان قد مضى جزء من المدة لا يمكن إسقاطه.
فإن قيل: تلك المدة لا توجب فساد العقد، فلهذا مضيها لم يوجب فساده، وليس كذلك الزيادة على الثلاث؛ فإن الفساد بها يحصل، فإذا مضى جزء منها تمكن الفساد.
قيل له: إذا شرطا خيار أربعة أيام، فالكل فاسد عنده، ولا يصح
стр. 1184
أن يقال: إن الفاسد منها خيار اليوم الرابع دون الثلاثة؛ لأن من مذهبه إذا شهد شاهدان؛ أحدهما بألف درهم، والآخر بألفين: أنه لا يحكم بشهادتهما بألف، ويزعم أنهما شاهدان مختلفان، وإن كان في ضمن الألفين ألف؛ لأن لفظة الألفين ليست بعبارة عن ألف بحال.
ويحتج أصحابه على هذا بأن من قال: في الدار ثلاثة رجال، وكان فيها رجل واحد؛ أنه كاذب في جميع خبره، ويقولون: إذا قال النصراني: الله ثالث ثلاثة؛ أنه كاذب في جميع خبره، ولا يجوز أن يقول: إنه صادق في واحد، كاذب في اثنين.
فإذا كان هذا مذهب المخالف لم يصح أن يقول: إنه من شرط خيار أربعة أيام كان الشرط صحيحًا في ثلاث، فاسدًا في الزيادة، بل يجب أن يكون فاسدًا في الجميع.
فإذا كان كذلك لم يكن فرق بين إسقاط الزيادة في اليوم الرابع، وبين إسقاطها في الثالث.
وأيضًا فإنهما تفرقا عن فساد بيع، فوجب أن لا تلحقه الصحة.
أصله: إذا تفرقا في الصرف والسلم قبل القبض.
فإن قيل: المعنى فيه: أن الافتراق حصل عن دين بدين، وهذا
стр. 1185
المعنى لا يمكن رفعه من العقد، وفي مسألتنا افترقا عن خيار صحيح وفاسد، وإسقاط الخيار ممكن، فإذا أسقطاه قبل تمكنه صار كأن لم يكن.
قيل له: لا فرق بين أن يكون الصرف عينًا بعين أو دينًا بدين في البطلان.
وعلى أنه لا فرق بين أن يكون جميع الخيار فاسدًا لأجل جهالته في جميع الأجل، وبين أن يكون بعضه فاسدًا وبعضه صحيحًا، فلا معنى لهذا الكلام.
واحتج المخالف بأن المعنى الذي لأجله كنا نحكم بفساد البيع هو الأجل والخيار، فإذا أسقطاه قبل مضي جزء منه عري العقد منه، وحصل العقد عاريًا عن المعنى الموجب لفساده، فصح، كما لو وقع العقد في الابتداء من غير شرط الخيار.
ولا يلزم عليه إذا اشترى عبدًا على أن يعتقه، أو على أن لا يبيعه؛ لأنه لا فرق ينهما؛ فإنهما إذا أسقطاه بعد ذلك صح العقد.
والجواب: أنه لا يصح إسقاطه عندنا؛ لأن الأجل والخيار غير ثابت، ويفارق الخيار الصحيح في الأجل الصحيح؛ لأنه ثابت، فصح إسقاطه، وهذا كما نقول: إن الثمن في البيع الفاسد لا يصح إسقاطه،
стр. 1186
والإبراء منه؛ لأنه غير ثابت، ويصح إسقاط الثمن في البيع الصحيح؛ لأنه ثابت.
ثم هذا يبطل إذا أسقطا أحد الدرهمين.
واحتج بأنه شرط ملحق بالعقد، فجاز إسقاطه.
دليله: إذا كان الخيار معلومًا.
والجواب: أنا قد بينا: أنه ليس هاهنا شرط ثابت، فيلحقه الإسقاط.
ثم المعنى في الأصل: أن الخيار هناك صحيح، والأجل صحيح، فصح إسقاطه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه فاسد، فهو كما لو أسقطاه بعد مضي جزءٍ منه.
واحتج بأنه شرط ملحق لا يقتضيه العقد، فجاز أن تتعلق بالعقد أحكام الصحة، كالبيع بشرط الصحة.
والجواب: أن وصف العلة ضد المقتضي؛ لأن ما لم يقتضيه العقد يمنع صحته.
وعلى أن المبيع بشرط العتق مضمون بالثمن، فلهذا تعلق به أحكام الصحة، وهذا بيع فاسد، أشبه بيع درهم بدرهمين.
*فصل:
والدلالة على من قال من أصحابنا بصحة العقد، وإبطال الشرط،
стр. 1187
وإن لم يبطل: نهي النبي ﷺ عن بيع وشرط، والنهي يقتضي الفساد.
ولأنه عقد معاوضة شرط فيه شرطًا فاسدًا، فأبطله، كالسلم والصرف.
ولأن إسقاط الشرط يؤدي إلى جهالة الثمن؛ لأنه يحتاج أن يسقط من الثمن ما قابل الشرط؛ لأنه إنما نقصه من الثمن لأجل الشرط.
وهذا يلزم عليه إذا ابتاع بشرط البراءة بطل الشرط، وصح العقد بالمسمى، وإن كان الشرط قد قابله جزء من الثمن.
وكذلك إذا ابتاع حرًا وعبدًا صح العقد في العبد بقسطه من الثمن، وبطل في الحر، وسقط ما قابله من الثمن، ويبقى العبد بقسطه، وإن كنا نعلم أنه لو ابتاعه بقيمته لم يصح العقد، وقد صح هاهنا.
واحتج من ذهب إلى جواز العقد بحديث بريرة، وأن عائشة شرطت الولاء لمواليها؛ يعني: لما اشترت بريرة، فأجاز النبي ﷺ العقد، وأبطل الشرط.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون الشرط تقدم العقد، أو كان مقارنًا للعقد، لكن عائشة كانت مخصوصة بجواز ذلك الشرط، وكان نهيه عن ذلك راجعًا إلى غيرها من الناس.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم: كان قد تقدم من النبي ﷺ القول
стр. 1188
فيه فتقدم [ .... ] على نهي النبي ﷺ ، فكان هذا تغليظًا.
ويأتي الكلام على هذا الخبر في مسألة البيع الفاسد إذا اتصل به القبض.
واحتج بأنه عقد ليس من شرطه القبض في المجلس، أشبه النكاح، لا يبطله الشرط الفاسد.
والجواب: أن الشرط الفاسد في النكاح على ضربين:
أحدهما: يفسد النكاح رواية واحدة، وهو الشرط الذي يمنع استقرار العقد، وأن يطلقها في وقت بعينه، أو شرط يوجب التشريك في البضع، كنكاح الشغار، فهذا الضرب يبطل النكاح.
والضرب الثاني: ما لم يوجد فيه شيء من ذلك، مثل أن تشرط عليه أن لا يطأها في وقت، أو تمنعه الولد، أو يشترط عليها أن لا ينفق عليها، ولا يصدقها، وإن أصدقها رجع فيه، ويشترط هو عليها أن لا يطأها، فقال أبو بكر في كتاب (المقنع): فيها قولان:
أحدهما: النكاح فاسد أيضًا؛ لأنه شرط، فأشبه الشرط الأول.
والثاني: أنه صحيح؛ لأن النكاح يصح على المجاهيل، وهو مهر المثل، فلم يبطله الشرط، كالعتق والطلاق، ويفارق هذا البيع؛ لأنه لا يصح مع الجهالة، فلهذا أبطله الشرط.
стр. 1189
واحتج بأنه عقد تمليك، فلا تبطله الشروط الفاسدة.
دليله: العمرى.
والجواب: أن ذلك الشرط على غير العاقد، وهم الورثة؛ لأن هذا الشيء كان يصير إليهم بعد موته، والشرط إذا كان على غير العاقد لم يبطل العقد، كما لو قال: بعتك هذه الدار على أن لا ينتفع بها فلان.
…
٢٦٤ - مسألة
إذا شرطا الخيار لأحدهما، فاختار فسخ العقد بغير محضرٍ من الآخر جاز:
وهذا على قياس قوله: إذا وجد بالمبيع عيبًا ملك الرد بغير حضرته، وكذلك الوصي يعزل نفسه بعد موت الموصي، والوكيل يعزل نفسه من الموكل.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
دليلنا: ما روى عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ : أنه جعل لحبان ابن منقذ ثلاثة أيام، فإن رضي أخذ، وإن سخط ترك.
ولم يفرق بين أن يكون بحضرة صاحبه، أو غيبته، فهو على عمومه.
стр. 1190
وكذلك قوله ﷺ : (من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين ثلاثًا؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها).
فجعل له ردها في الثلاث، ولم يفرق بين الحضور وعدمه.
والقياس: أن من لا يعتبر رضاه في رفع العقد، لا يعتبر حضوره قياسًا على الزوجة في الطلاق.
ولا تلزم عليه الإقالة؛ لأنها لما افتقرت إلى رضا المقيل، افتقرت إلى حضوره.
ولا يلزم عليه حضور الزوجة في مجلس اللعان، وإن لم يعتبر رضاها؛ لأنه يجوز لعان الزوج في غيبةٍ من المرأة.
فإن قيل: المعنى في الطلاق: أنه يقتضي إسقاط حق الزوج عن البضع، فلهذا لم يحتج إلى حضور المرأة، كالبراءة من الدين؛ لا تحتاج إلى حضور الذي عليه الدين، وليس كذلك البيع؛ فإنه يتعلق به حق كل واحد من المتعاقدين، فلا يجوز لأحدهما إسقاط حق صاحبه إلا بحضرته.
قيل: أما النكاح فيتعلق به حق كل واحد من الزوجين.
يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 1191
ولأنه إذا طلقها قبل الدخول بها سقط نصف المهر، وزال سبب وجوب نفقتها في المستقبل، وذلك إسقاط لحقها.
وكذلك الرجعة تصح في غيبتها، وهو يسقط حقها؛ لأنها جارية في العدة، وتملك نفسها بانقضائها، كما يملك كل واحد من المتبايعين بانقضاء مدة الخيار، وتصح الرجعة في غيبتها، ويسقط حقها.
وأيضًا فإنه فسخ بيع في مدة خيار، فصار كما لو فسخ بحضرة صاحبه.
ولأن ما كان فسخًا للبيع بحضور أحد المتبايعين، كان فسخًا في غيبة الآخر.
دليله: وطء البائع وقبلته للأمة في مدة الخيار في غيبة من المشتري.
فإن قيل: الوطء والقبلة لم يجعلا للفسخ، وإنما ينفسخ البيع بهما من طريق الحكم، فلم يعتبر حضور المشتري، وليس كذلك قوله: فسخت البيع، ورددته، وأبطلته؛ فإنه موضوع للفسخ، فلم يصح إلا بحضور المشتري.
قيل له: ما لم يجعل للفسخ، إذا انفسخ به البيع في الحالين، فالذي وضع للفسخ أولى بذلك، ألا ترى أن الكتابة لما وقع بها الطلاق مع القصد والنية، كان وقوعه بالصريح الذي وضع للإيقاع به أولى؟ وإذا صحت الفرقة بالردة، كانت بالطلاق أولى، وإذا صحت الرجعة بالوطء، كانت باللفظ الصريح أولى.
стр. 1192
واحتج المخالف بأن فيه فسخ البيع بغير محضرٍ من صاحبه، فوجب أن لا يجوز، كما لو قال أحدهما: أقلني، ثم غاب، فقال الآخر بعد غيبته: أقلتك؛ فإنه لا يجوز.
ولا يلزم عليه إذا كان البائع بالخيار، فأعتق، أو قبل؛ أن البيع ينفسخ، وإن لم يكن الآخر حاضرًا؛ لأن العتق والقبل ليسا بفسخ، وإنما ينفسخ البيع بعد القبل ونفاذ العتق من طريق الحكم.
[ .... ] أنه يجوز أن يقول في غيبته: أقلتك، ويصح ذلك إذا كان على الفور، فلو كان واقفًا عند باب داره، فقال له: (أقلني)، ثم أطبق الباب في وجهه، فقال: (أقلتك) في الحال، صح، وإن لم يكن مشاهدًا له.
[ .... ] نقيسه عليه إذا تطاول الزمان بالغيبة.
[ .... ] هناك بطل بالإعراض، وهو أخذه في الغيبة، لا بالغيبة، ولهذا لو كان حاضرًا، فتشاغل بعمل آخر، ثم أقاله، لم يصح.
وقد قيل: إنه بطل بالتأجير، لا بالغيبة، ولهذا نقول: لو كان حاضرًا، وقال له: أقلتك، وهو سمعه بعد زمان متراخٍ لم يصح.
وعلى أنه يبطل بعتق البائع وقبله؛ فإنه فسخ، وينفذ بغير حضور.
стр. 1193
وعلى أن الإقالة يعتبر فيها رضا البائع، فلهذا اعتبر حضوره، وهاهنا لا يعتبر رضاه.
واحتج بأن المشتري قد تعلق له بالعقد له بالعقد حق، وهو حصول الملك بمضي المدة، وجواز التصرف فيه، كما أن المودع قد تعلق له حق بالوديعة، وهو إمساكها، ثم اتفقوا أنه لا يجوز للمودع إبطال حق المودع بقوله: (قد فسخت الوديعة، وأبطلت حقه عن إمساكها) بغير محضرٍ منه، كذلك يجب أن لا يجوز للبائع إبطال حق المشتري بقوله: (قد فسخت البيع، وأبطلته) بغير محضر من المشتري.
ولا يلزم عليه إذا استهلك البائع المبيع في يده؛ أنه يبطل حق المشتري، وإن لم يكن حاضرًا؛ لأن الاستهلاك ليس بفسخ، وإنما ينفسخ به البيع من طريق الحكم.
[ .... ] أنه يبطل النكاح؛ فإنه يتعلق [به] حق الزوجين، ويصح طلاق الزوج في غيبة الزوجة، وكذلك وطء البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار وقبله في غيبة المشتري.
وعلى أنا لا نسلم الأصل؛ لأن الوديعة تنفسخ، وتبطل بالفسخ والعزل عن الإمساك، وإن كان في غيبة المودع، وإذا بلغه لزمه ردها عليه على حس الإمكان، ولا يجوز له إمساكها.
стр. 1194
[ .... ] لو كانت قد انفسخت لكانت إذا هلكت في يد المودع يجب عليه ضمانها.
[ .... ] الوديعة تنفسخ، ويبقى الشيء على الأمانة في يده إلى أن يتمكن من ردها، ألا ترى أنه لو كان المودع حاضرًا، ففسخ الوديعة، انفسخت، وبقيت على الأمانة إلى أن يفرط في ردها، فلو قام المودع في الحال إلى موضع الوديعة؛ ليردها عليه، فوقع الحريق، فاحترقت قبل وصوله إلى موضعها، لم يجب عليه ضمانها.
واحتج بأن المشتري قد ثبت له حق جواز التصرف بالعقد متى مضت المدة، كما ثبت للمضارب والوكيل والشريك جواز التصرف في المال، ثم ليس لرب المال أن يفسخ المضاربة والشركة والوكالة بغير محضر من الآخر، كذلك هاهنا.
[ .... ] أنا لا نسلم هذا ونقول يجوز لرب المال أن يفسخ المضاربة والشركة والوكالة غير محضرٍ من الآخر.
واحتج بأنا نفرض المسألة في الرد بالعيب، وأنه ليس للمشتري أن يفسخ بغير حضور البائع، ولا حكم الحاكم، فنقول: كل من ثبت له الخيار في فسخ العقد لأجل العيب، لم يتم الفسخ به وحده، واعتبر
стр. 1195
في حال وقوعه حضوره وحضور غيره، كخيار امرأة العنين؛ أنه يحتاج إلى حضورها، وحضور الحاكم.
والجواب: أن خيار امرأة العنين يختلف في تعلق الفسخ بها في الجملة، فمنهم من لا يرى ذلك، فافتقر
ذلك إلى الحاكم؛ لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس كذلك فسخ البيع بالخيار والعيب؛ لأنه مجمع عليه
في الجملة، وإن اختلف في مواضعه، فلم يعتبر فيه رضا ولا قضاء، كخيار المطلقة.
…
٢٦٥ - مسألة
إذا ابتاع شيئًا وشرط الخيار لغيره صح؛ سواء شرط الخيار لنفسه، وجعله وكيلًا له في الإمضاء والرد، أو شرطه للوكيل دونه، إلا أنه إن شرطه لنفسه، وجعله وكيلًا، كان له دون الوكيل، وإن شرطه للوكيل، كان الخيار لهما:
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا قال لرجل: زوجتك بنتي إن رضيت أمها، وهي صغيرة، لا أرى شيئًا وقع بعد حتى ترضى أمها.
وظاهر هذا: أنها إذا رضيت صح، ولزم العقد، وهذا خيار لغير العاقد.
следующие страницы →