Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ معناه: والذين ظلموا.
ونهى النبي ﷺ عن بيع الكلب إلا المعلم؛ معناه: والمعلم.
كذلك هاهنا.
وأما قوله: (حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر)؛ معناه: وإن كان خيار، وإن قال لصاحبه: اختر، كما قال تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: ١٠٢]، ومعناه: وإن كنتم مرضى.
وكما قال تعالى: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ معناه: وإن أخطأنا.
وجواب آخر، وهو: يحتمل أن يكون قوله: (إلا بيع الخيار) من كلام الراوي، وكذلك قوله: (حتى يتفرقا، أو يكون خيار) أو (يقول لصاحبه: اختر)، كما روي عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ أنه قال: (عهدة الرقيق ثلاثة أيام). إن وجد داًء في الثلاث رد غير بينة، وإن وجد [داًء] بعد الثلاث كلف البينة: أنه اشتراه وبه داء.
والكلام الآخر من عند قوله: (إن وجد داء) من كلام قتادة
стр. 1122
واحتج المخالف بأن الخيار غرر، فإذا جاز العقد مع الغرر، كان مع فقده أجوز، ومن الفساد أبعد.
والجواب: أنه يبطل بعقد الكتابة؛ يجوز مع الأجل، وهو غرر، ولا يجوز مع فقده.
واحتج بأن الخيار من مصلحة العقد، كالرهن والضمان، ثم ثبت أنه لو عري عن الرهن والضمين صح، كذلك إذا عري عن الخيار.
والجواب: أن الرهن والضمين يثبت بالشرط، وخيار المجلس من موجب العقد ومقتضاه، فإذا شرط قطعه لم يصح.
واحتج بأنه أسقط الخيار بعد وجوبه؛ يعني بذلك: إذا كان بعد العقد، فصح.
دليله: خيار الشفعة، والرد بالعيب، وخيار المخيرة، وخيار القبول.
والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا، وهو أنه إذا شرط قطع ذلك حال العقد لم يسقط، يجب إذا شرط قطع خيار المجلس حال العقد أم لا يسقط، وعندهم يسقط على أحد القولين.
وعلى أن خيار الشفعة والرد بالعيب لا يبطل بالتفرق، وهذا يبطل بالتفرق، فهو كخيار الإيجاب.
وعلى أن تلك الخيارات لا يقف إبطالها على التفرق بالأبدان، بل تبطل إذا أخذ في حديث آخر، فإذا قطع خياره، فقد أخذا في حديث آخر، وهذا الخيار يقف على التفرق بالأبدان، فهو آكد.
стр. 1123
٢٥٠ - مسألة
ينتقل الملك في بيع الخيار بنفس العقد سواء في ذلك خيار المجلس، أو خيار الشرط:
ذكره الخرقي في كتاب (الزكاة) فقال: والماشية إذا بيعت بالخيار، فلم ينقص الخيار حتى ردت، استقبل البائع بها حولًا؛ سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري؛ لأنه تجديد ملك.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية حبيش بن سندي في رجل اشترى عبدًا، فوهب للعبد مال قبل أن يفترقا، واختار البائع العبد: فهو للمشتري بضمانه.
وهذا يدل على أنه كان على ملك المشتري؛ لأنه جعل الغلة له.
وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للبائع لم يزل ملكه عن المبيع، وإن كان الخيار للمشتري خرج من ملك البائع، ولم يدخل في ملك المشتري.
وقال مالك: لا ينتقل الملك إلا بانقطاعه سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري.
واختلف قول الشافعي على ثلاثة أقاويل:
أحدهما: مثل قولنا، وهو الصحيح.
والثاني: مثل قول مالك.
والثالث: هو مراعى؛ فإن لم يفسخا تبينا أنه كان ملك بالبيع، وإن فسخا تبينا أنه لم يكن ملك.
стр. 1124
وتبين فائدة الخلاف في من اشترى زوجته على أنه بالخيار ثلاثة أيام؛ عندنا ينفسخ، وعند أبي حنيفة ومن وافقه لا ينفسخ؛ لأنه لم يملكها عنده، وعندنا قد ملكها.
وكذلك إذا اشترى أباه أو ابنه على أنه بالخيار عتق عليه عندنا، وعنده لا يعتق.
فالدلالة على انتقال الملك في الجملة: ما روي عن النبي ﷺ قال: (من باع عبدًا- وله مال- فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع).
فظاهر هذا: أنه بالشرط يكون للمبتاع؛ سواء كان هناك خيار، أو لم يكن، فهو على العموم.
ولأنه بيع منعقد، أو بيع صحيح، فوجب أن ينقل الملك.
دليله: إذا شرط فيه خيار الثلاث.
ولا يلزم عليه إذا قال: [إن] بعتك عبدي فهو حر، فباعه؛ أنه يعتق، لا لبقاء الملك، لكن لما نذكره فيما بعد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن تصرف المشتري يجوز فيه بوجود القبض، فدل على أن زوال الملك في مسألتنا لما لم ينفذ تصرفه مع وجود القبض المأذون فيه، فدل على أنه لم يملكه.
стр. 1125
قيل له: التصرف قد يمنع منه [مع] تمام الملك؛ لتعلق حق الغير، كالرهن يمنع الراهن من التصرف فيه مع تمام ملكه عليه؛ لتعلق حق المرتهن به، وفي مسألتنا حق البائع في الفسخ متعلق به، وفي تصرف المشتري إسقاط هذا الحق؟
فإن قيل: يبطل هذا به إذا كان بالعوض عيب؛ فإن حق الفسخ ثابت للبائع، وتصرف المشتري يجوز.
قيل له: تصرفه لا يسقط حقه من الخيار؛ لأنه يفسخ البيع، ويرجع بقيمة ما خرج من ملكه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن حقه من الخيار يسقط بتصرف المشتري، فمنع منه.
وعلى أنا لا نسلم هذا على الإطلاق؛ لأن تصرف المشتري بالعتق ينفذ رواية واحدة.
وليس لهم أن يقولوا: إن المعنى في الأصل: أنه بيع لا خيار فيه؛ لأنا لا نسلم هذا؛ لأن فيه خيار المجلس.
وقياس آخر، وهو: أن انقطاع الخيار معنى يستقر به العقد، فلم يقف انتقال الملك عليه، كالقبض.
ولأنه خيار ثابت في بيع، فلا يمنع انتقال الملك.
دليله: خيار العيب.
стр. 1126
فإن قيل: خيار العيب لا يمنع التصرف، وكذلك القبض، وهذا بخلافه.
قيل له: قد أجبنا عن هذا.
ولأنها معاوضة تقتضي تمليكًا، فانتقل الملك فيها بالعقد.
دليله: النكاح.
واحتج المخالف بأن البائع لما استثنى الخيار لنفسه علمنا أنه لم يرض بخروج الشيء عن ملكه، وعدم الرضا يمنع انتقال الملك في البيع، ألا ترى أنه لو باع مكرهًا، أو هزل بالبيع، لم يخرج البيع عن ملكه.
والجواب: أنا علمنا أنه لم يرض بلزوم العقد، ولم نعلم أنه لم يرض بزوال الملك وانتقاله، فلا نسلم الوصف.
وأما المكره فهو غير راضٍ بنفس العقد، ولا سببه، وهاهنا قد رضي بالعقد، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأنه لو كان عبدًا نفذ عتق البائع فيه، ولو كان شقصًا في دار لم تجب للشفيع الشفعة، فدل على أن خياره يبقي الشيء على ملكه؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما نفذ عتقه، ولوجبت الشفعة في الشقص.
والجواب: أنه لا ينفذ عتق البائع.
نص عليه في رواية ابن القاسم.
стр. 1127
فإن قيل: إن لم تسلم العتق المباشر، فإنا نلزم العتق بالصفة، وقد نص على وقوع ذلك في رواية الأثرم في رجلين؛ قال أحدهما: إن بعت منك غلامي فهو حر، وقال الآخر: إن اشتريته فهو حر، فباعه منه، عتق من مال البائع، قيل له: كيف؟ وإنما وجب العتق بعد البيع! فقال: لو وصى لرجل بمئة درهم، ومات، يعطاها، وإن كان وجبت بعد الموت، ولا ملك له، وهذا مثله.
فقد صرح: أن العتق يقع بعد زوال ملكه، وشبهه بالوصية.
قيل له: العتق المعلق بالصفة وجد أحد طرفيه في ملك، وهو حين عقد الصفة، والطرف الآخر في غير ملك، فقويت حاله، فنفذ، وفي مسألتنا جميعه يحصل في غير ملك، وفرق بينهما، ألا ترى أنه لو أعتق شقصًا له في عبد سرى إلى حصة شريكه؛ لأن هذا العتق تضمن الملك- وهو حصته- وغير الملك- وهو حصة شريكة- ولو أعتق عبدًا لا لشريك له لم ينفذ عتقه؛ للمعنى الذي بينا.
ويبين صحة هذا على أصلنا: لو قال: إن ابتعت هذا العبد فهو حر، فابتاعه، عتق؛ لأن أحد طرفي اليمين في ملكه، والطرف الآخر في غير ملك.
وكذلك عندنا، وعندهم: لو قال لأمته: حملك حر، وكان في بطنها علقة، عتق، وإن كان حين عقد اليمين لم يكن في ملكه، وإنما
стр. 1128
صار في ملكه بعد أن حلته الروح.
وأما الشفعة فلعمري إنها لا تثبت.
نص عليه في رواية حنبل: وقد ذكر له قول مالك: إن الشفيع لا يأخذ الشفعة حتى يلزم البيع، فقال: وأنا أرى ذلك.
وكان المعنى فيه: أن أخذ الشفعة يسقط حق البائع من الخيار، فلم تجز المطالبة بالشفعة؛ لتعلق حق البائع به، لا لأن الملك لم ينتقل إلى المشتري.
واحتج بأنه إيجاب غير لازم، فلم ينقل الملك قياسًا على الإيجاب إذا لم ينضم إليه القبول.
والجواب: أنه يبطل بمن باع ثوبًا بعبد، ووجد به عيبًا، فله رده، وفسخ البيع، كذلك إذا شرط أن العبد صانع، ولم يكن صانعًا، فله الخيار، فالإيجاب غير لازم في هذين، والملك ينتقل.
ثم المعنى في الأصل: إن الإيجاب لم [يضامه] قبول، وهاهنا قد [ضامه] قبول صحيح، فنقل الملك.
واحتج بأنه لو زال ملكه لم يكن له فسخه بغير رضا المشتري، وأنه [لا] يجوز تصرف المشتري.
стр. 1129
والجواب: أن ثبوت الفسخ لا يمنع نقل الملك، كما لو ظهر هناك عيب بأحد العوضين بفقد الصفات.
وأما منع المشتري من التصرف فلأجل تعلق حق الغير، وهو البائع.
* فصل:
والدلالة على أن الخيار إذا كان للمشتري خرج المبيع عن ملك البائع، ودخل في ملك المشتري: ما تقدم، ونخص ذلك بأنه بيع أزال ملك البائع، فوجب أن يدخل في ملك المشتري.
دليله: إذا لم يكن هناك شرط.
ولأنه مملوك، فلابد له من مالك، ولما لم يملكه البائع، وجب أن يملكه المشتري.
فإن قيل: إذا اشترى الإمام عبدًا لخدمة الكعبة، فإن البائع يزول ملكه عنه، ولا يملكه أحد.
وكذلك إذا أوصى لعبده الغائب، ثم مات الموصي، خرج العبد من ملكه، ولم يدخل في ملك الموصى له حتى يقبله.
قيل له: أما العبد المشترى لخدمة الكعبة، فإن ملكه لله تعالى، وكذلك ارتفاع الوقف على المساجد والجوامع الملك فيها الله تعالى؛ لأن الملك في الشريعة ضربان:
стр. 1130
أحدهما: لله تعالى.
والآخر: للآدميين.
كما أن الحقوق على ضربين:
أحدهما: لله- تعالى- أن يكون موكولًا إلى نظر الإمام وولايته دون غيره.
وملك البيع ليس لله تعالى؛ لأنه ليس النظر فيه موكولًا للإمام، فدل على أنه للآدمي، ولا يملكه البائع، ولا غير المشتري من الأجانب، فوجب أن يكون للمشتري.
فإن قيل: فجميع الأشياء ملك لله تعالى، فلا معنى لتخصيصكم العبد لخدمة الكعبة، والوقف على المسجد.
قبل له: قد بينا: أن العلامة في ما كان حقًا لله تعالى: أن الإمام يتولى النظر فيه.
وأما العبد الموصى به لغائب فإن الملك فيه مراعى.
فإن قيل: تبينا أنه ملكه بالموت، وإن لم يقبل تبينا أنه على ملك الورثة، فلم يخل من مالك.
ولأنها معاوضة تقضي تمليكًا من الطريفين، فإذا زال بها الملك عن
стр. 1131
أحد المتعاوضين، وجب أن [لا] يزول عن الآخر.
دليله: ملك الصداق في النكاح.
ولأن الخيار حق للمشتري، ودخول الشيء في ملكه حق له أيضًا، ولم نجد في الأصول حقًا لإنسان يمنع ثبوت حق آخر له.
واحتج المخالف بأن المشتري إذا كان له الخيار لم يخرج الثمن عن ملكه، فلو قلنا: إن المبيع ينتقل إليه، أدى إلى اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد، وهذا لا يجوز.
والجواب: أنه لا يؤدي إلى اجتماعهما؛ لأنه عندنا يزول ملك المشتري عن الثمن، ويملكه البائع، ويزول ملكه عن المبيع، ويملكه المشتري، وقد بينا هذا في المسألة التي قبلها.
وعلى أن هذا يبطل على قولهم بمن غصب مدبرًا، فأبق منه، فغرم قيمته للمغصوب منه، [فالمغصوب منه] ملك القيمة، والمدبر باق على ملكه.
وكذلك من ملك عصير العنب، فصار في يده خمرًا، فالخمر ملكه، فإذا اشترى بها عبدًا، وقبضه، فإن العبد ملكه والخمر، فاجتمع في ملكه البدل والمبدل.
وكذلك إذا اشترى ثوبًا بعبد مدبر، وقبض الثوب، كانا جميعًا في ملكه.
стр. 1132
فإن قيل: نحترز من هذا فنقول: يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل في ما يصح نقل الملك فيه.
ولا يصح نقل الملك فيه.
ولا يصح نقل الملك في الخمر والمدبر.
قيل له: لو كان لا يجوز اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد لوجب أن لا يصح تقويم الآبق؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل منه في ملك.
واحتج بأن قبول المشتري غير لازم مع سلامة المبيع، فلم يدخل في ملكه، كما لو اشترى عبدًا من عبدين على أنه بالخيار.
والجواب: أن المبيع هنا مجهول، فلم يوجب دخول الملك في ملك المشتري، وهاهنا المبيع صحيح، فإذا زال به الملك عن البائع، دخل في ملك المشتري.
دليله: لو لم يكن هناك خيار.
…
٢٥١ - مسألة
فإن أعتق البائع العبد في مدة الخيار، وتمم المشتري العقد، أو فسخه، لم ينفذ عتقه:
نص عليه في رواية ابن القاسم، فقال: إذا أعتقه البائع لم يجز؛
стр. 1133
لأن ملكه قد زال، وإنما له فيه حق الخيار.
نقلت هذه الرواية من كتاب أبي بكر الخلال من البيوع.
وهو اختيار أبي بكر في كتاب (التنبيه) وشيخنا أبي عبدالله.
فإن وطئ البائع الأمة قبل الفسخ، فنقل أبو بكر في كتاب (الخلاف) عن أحمد في رواية مهنا: إذا وطئ البائع قبل الافتراق، فعليه الحد إن كان عالمًا، وإن وطئها المشتري، فلا حد عليه؛ لأن الملك له.
قال الشافعي: ينفذ عتقه سواء تمم المشتري العقد، أو فسخه.
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: (لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق فيما لا يملك)، وهذا غير مالك، فيجب أن لا ينفذ عتقه.
ولأن ملكه قد زال بالبيع، فلم ينفذ عتقه ابتداًء.
دليله: لو أعتقه بعد انقضاء هذا الخيار.
ولا يلزم عليه إذا قال: إن بعت هذا العبد فهو حر، فباعه، عتق عليه؛ لقولنا: (فلا ينفذ عتقه ابتداء)، وهناك لم ينفذ ابتداء، وإنما نفذ بالصفة المتقدمة.
ولأن أكثر ما فيه أنه يملك فسخ العقد، والرجوع فيه، وهذا لا يدل على نفوذ العتق بدليل: أنه لو وهب لابنه عبدًا، وأقبضه، ثم أعتقه بعد ذلك قبل الرجوع في الهبة، لم ينفذ عتقه، وإن كان له فسخ
стр. 1134
الهبة، والرجوع فيها.
وكذلك لو باع عبدًا بثوب، ووجد بالثوب عيبًا، فأعتق العبد، لم ينفذ عتقه، وإن كان له فسخ العقد بالعيب الذي وجده في الثوب، كذلك هاهنا.
وكذلك لو أصدقها عبدًا، فأبق العبد قبل الدخول، لم ينفذ عتقه، وإن كان له الرجوع بالطلاق قبل الدخول، كذلك هاهنا.
وكذلك إذا أفلس المشتري بثمن السلعة، وثبت للبائع حق الفسخ، فأعتق البائع قبل الفسخ لم ينفذ، كذلك هاهنا.
وكذلك إذا أفلس المشتري بثمن السلعة، وثبت للبائع حق الفسخ، فأعتق البائع قبل الفسخ لم ينفذ، كذلك هاهنا.
وقد ذكر لي أبو بكر الشامي: أن لهم في هذه المسائل الثلاث وجهان، إلا أن الصحيح: أنه مسلم، وأن تصرفه لا ينفذ.
وفرق بينهما بأن الملك مستقر في هذه المواضيع، ألا ترى أن الموهوب له والمشتري غير ممنوع من التصرف؟ وليس كذلك البيع بشرط الخيار؛ لأن ملك المشتري غير مستقر، ألا تراه يمنع من التصرف بالبيع والهبة؟ فلهذا نفذ عتق البائع.
قيل له: منع المشتري من التصرف بالبيع والهبة، لا يدل على ضعف ملكه، وإنما منع لئلا يسقط حق البائع من الفسخ.
يدل على هذا: الراهن ملكه تام مستقر على الرهن، وإن كان
стр. 1135
ممنوعًا من التصرف فيه؛ لأجل حق المرتهن في الوثيقة، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن له فسخ العقد، والرجوع في العبد، فإذا أعتقه دل ذلك على فسخه، فيجب أن ينفذ ذلك.
والجواب: أن له فسخ الهبة على ابنه، وفسخ المبيع إذا وجد بالثوب عيبًا، ومع هذا لا ينفذ عتقه، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه لو قال لعبه: إن بعتك فأنت حر، ثم باعه، نفذ عتقه على البائع.
نص عليه في رواية الأثرم ومهنا.
كذلك إذا وجهه بالعتق يجب أن ينفذ.
والجواب: أنه ليس إذا وقع عتقه بالصفة، يجب أن يقع عتقه المباشر بدليل: أن المجنون يقع عتقه في حال جنونه بالصفة المتقدمة في حال إفاقته، ولا يقع طلاقه المباشر في حال جنونه، وكذلك عندهم إذا حلف على زوجته أو على عبده بالطلاق والعتاق أن لا يفعل شيئًا، ثم أزال ملكه عنه، وفعل المحلوف عليه، صح وجود الصفة في حال البينونة، وإن لم تنعقد منه صفة في تلك الحال، كذلك هاهنا.
وعلى أنا أجبنا عنه فيما تقدم.
فإن قيل: فما تقولون في تصرف البائع بالبيع؟ هل ينفذ، ويكون فسخًا للبيع، أم لا؟
قيل: لا ينفذ، ولا يكون فسخًا.
стр. 1136
نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل باع ثوبًا من رجل، ثم باعه من آخر قبل الافتراق، ولما يسلمه إلى المشتري الأول، واستهلكه البائع: فإنه يؤخذ له بالخلاص من حيث باع، فإن لم يقدر أن يخلصه، فعليه قيمته يوم استهلكه، فإن كان مما يكال أو يوزن فعليه المثل.
وهذا يدل من كلام أحمد على أن بيعه لا ينفذ، و [لا] يكون فسخًا للخيار.
وكذلك يتخرج على هذا جميع تصرفاته بالعتق والوطء لا تنفذ، ولا تكون دلالة على الفسخ، ولا يثبت الفسخ من جهته إلا بلفظ الفسخ؛ لأن ملكه قد زال، وتصرفاته باطلة، فلم تكن دلالة على الفسخ.
وليس كذلك المشتري؛ لأن المبيع على ملكه، وتصرفه ينفذ، فلهذا كان دلالة على الرضا.
وقد قال أحمد في رواية محمد بن ماهان: إذا ابتاع دارًا أو ثوبًا، وشرط الخيار لنفسه ثلاثًا، فعرضه على البيع قبل الثلاث، لزمه.
وأومأ إليه- أيضًا- في رواية العباس بن محمد: إذا سكن الدار، ولبس الثوب، لزمه.
وذكر أبو بكر في كتاب (التنبيه) فقال: إذا باع البائع في مدة خيار
стр. 1137
المجلس، فالبيع باطل، ولو باع المشتري كان موقوفًا على افتراق الأبدان، فإن تفرقا لزم، وإن تفاسخا بطل، وإذا وطئ، فلا حد عليه، ويكون فسخًا.
وقد نص أحمد على هذا في رواية أبي طالب في رجل اشترى ثوبًا بشرطٍ، فباعه قبل انقضاء الشرط: يرده على صاحبه الأول إن طلبه، فإن لم يقدر عليه رد قيمته، ولو سرق، أو احترق، فليس عليه شيء؛ لأن البيع جناية، والحارق والسارق جنى عليه.
قال: وأنا أقول: إذا اشترى جارية بشرط، ثم أعتقها قبل الشرط، جاز، وليس عليه قيمة، أرأيت لو مات؟
فقد نص على أنه يغرم القيمة؛ لتعذر التسليم بالبيع، ولا يلزم بتعذر ذلك بالعتق.
…
٢٥٢ - مسألة
فإن أعتق المشتري في مدة الخيار نفذ عتقه:
نص عليه أحمد في رواية المروذي، وابن القاسم، وابن الحارث، والميموني، وصالح.
стр. 1138
وقال الشافعي: إذا تمم البائع العقد نفذ عتقه، وإن لم يتممه لم ينفذ.
دليلنا: قوله ﷺ : (لا عتق في ما لا يملك ابن آدم).
دليله: أنه ينفذ عتقه في ما يملك، وهو مالك في هذه الحال.
[و] لأن هذا عتق من مالك جائز التصرف، فنفذ.
دليله: لو تمم البائع البيع.
ولا يلزم عليه عتق المكاتب عبده؛ لوجهين:
أحدهما: أن المكاتب ليس بجائز التصرف على الإطلاق؛ لأنه لا يملك التبرعات.
والثاني: أنه يستوي فيه الأصل والفرع.
يبين صحة هذا: أنه لو أهل شوال في مدة الخيار، ثم فسخ، كانت فطرة العبد على المشتري، فدل على ثبوت ملكه عليه.
ولأن أكثر ما في: أن البائع يملك استرجاعه، وهذا لا يمنع نفوذ العتق بدليل: أنه لو باعه بثوب، فقبضه المشتري، وأصاب البائع بالثوب عيبًا، كان له الرد واسترجاع العبد، ومع هذا ينفذ عتق المشتري فيه.
وهكذا لو وهب لولده عبدًا ملك الولد عتقه، وإن كان الوالد
стр. 1139
يملك أن يسترده، وكذلك هاهنا.
ولأن المبيع- لو تم ولم يفسخ بعد العتق- للمشتري، وإن كان قد صادف حالًا يملك البائع فيها الفسخ، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن ملكه غير تام عليه بدليل: أن البائع يملك استرجاعه من يد المشتري، وإزالة ملكه عنه، وإذا لم يكن تامًا، لم ينفذ عتقه فيه، كالمكاتب.
والجواب: أن ثبوت حق الرجوع لا يمنع نفوذ العتق بدليل العبد الموهوب من أبيه، والعبد المشترى بثوب إذا ظهر بالثوب عيب.
وأما المكاتب فالمعنى فيه: أنه ليس بكامل التصرف على الإطلاق، ألا ترى أنه [لا] يملك التبرعات، والحر بخلافه.
واحتج بأن عتق المشتري إمضاء، ورد البائع فسخ، والفسخ مقدم على الإمضاء، كما لو فسخ البائع وأمضى المشتري في مدة الخيار.
والجواب: أنه ليس إذا لم يثبت الإمضاء من المشتري لم يثبت العتق بدليل: أن العبد المشترك لا ينفذ بيع جميعه من الشريك، وينفذ
стр. 1140
عتق جميعه؛ لأن للعتق تغليبًا وسرايًة.
واحتج بأن البائع له خيار الفسخ واسترجاع الملك، وفي تنفيذ عتق المشتري بإسقاط المقصود بالفسخ، فلم ينفذ، ألا ترى أن المشتري لو وقف الشقص لم يلزم وقفه؟ لأن لزومه إسقاط حق الشفيع.
وكذلك لو أعتقت تحت عبد كان لها الخيار، فلو طلقها زوجها لم يقع الطلاق؛ لأن إيقاعه إسقاط خيارها.
وكذلك لو أعتق شركًا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه، فلو أن شريكة أعتق نصيب نفسه لم ينفذ عتقه فيه؛ لأن فيه إسقاط حق المعتق.
والجواب: أن نفوذ العتق من الابن يسقط حق الأب في الرجوع، وكذلك نفوذ العتق من المشتري يسقط حق البائع من الرد إذا ظهر بالثمن عيب، ومع هذا ينفذ.
وأما ما ذكروه من المشتري إذا أوقف الشقص؛ فإنه يصح وقفه عن أصحابنا، ويسقط حق الشفيع، كما ينفذ العتق هاهنا؛ لأن الوقف كالعتق بدليل: أنه لا يلحقه الفسخ.
وأما الأمة إذا أعتقت تحت عبدٍ، وطلقها الزوج، وقع الطلاق؛ لأنه مطلق للفسخ.
стр. 1141
وأما عتق الشريك نصيبه بعد عتق شريكه فإنما لم ينفذ؛ لأن ملكه زال يعتق الأول بالسراية، فلم يبق هناك ملك ينفذ عتقه فيه، وليس كذلك هاهنا؛ فإن ملك المشتري باقٍ على العبد، فلهذا نفذ.
واحتج بأن المشتري لو باع أو وهب أو عتق أو وقف وُقِفَ جميع ذلك على إمضاء البائع، كذلك العتق.
والجواب: أنه يمنع أن لا ينفذ بيعه وهبته، وينفذ عتقه؛ لما فيه من التغليب والسراية، كما قلنا في العبد المشرك: ينفذ عتقه في حصة شريكه، ولا ينفذ بيعه وهبته.
٢٣٥ - مسألة
إذا وطئ البائع الأمة قبل القبض رجع المشتري عليه بالمهر:
قال في رواية مهنا في من اشترى جارية، ووزن ثمنها، فوطئها البائع: فعليه الحد، فإن كان جاهلًا فعليه المهر للمشتري.
وقال أبو حنيفة: لا مهر عليه.
دليلنا: أنه لو وطئها بعد القبض لزمه المهر، فإذا وطئها قبله لزمه، كالأجنبي.
стр. 1142
واحتج المخالف بأنه لو وجب العقد لتعلق وجوبه بالعقد؛ لأنه لو لم يجر بينهما عقد لما وجب بالوطء شيء، ولو تعلق وجوبه بالعقد لصار مبيعًا في الذمة، والمبيع في الذمة لا يثبت إلا على وجه السلم، وهذا ليس بسلم.
ولا يلزم عليه وطء الأجنبي؛ لأن وجوب العقد عليه لا يتعلق بالعقد؛ لأنه لو لم يكن هناك عقد، فوطئها، وجب عليه، فلا يصير مبيعًا في الذمة.
والجواب: أنه يبطل بالوطء بعد القبض؛ فإنه يلزمه، وإن لم يكن هناك معنى أوجبه إلا العقد؛ لأنه لو لم يكن هناك عقد لم يلزمه المهر.
وعلى أنا لا نقول: العقد أوجب المهر، وإنما زوال ملكه أوجب المهر.
…
٢٥٤ - مسألة
فإن باع البائع، أو وهب وأقبض، أو أوقف في مدة الخيار، لم ينفذ شيء من ذلك، ولم يكن فسخًا للبيع:
نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل باع ثوبًا من رجل، ثم باعه البائع من آخر قبل الافتراق، ولما يسلمه إلى المشتري الأول، واستهلكه البائع: هل يضمن المشتري الأول القيمة؟ وهل يؤخذ بالخلاص من حيث باع؟ فقال: يؤخذ بالخلاص، فإن لم يقدر أن يخلصه فعليه
стр. 1143
قيمته يوم استهلكه، فإن كان مما يكال أو يوزن فعليه المثل.
فقد نص على أن تصرفه بالبيع باطل، ولم يجعله بذلك فاسخًا للبيع خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم: ينفذ ذلك منه، ويكون فسخًا للبيع.
وكذلك القول عندهم في العتق والوطء يكون فسخًا للبيع، وينفذ العتق.
دليلنا: أنا قد دللنا في المسألة التي قبلها أن عتقه لا ينفذ، فأولى أن لا ينفذ بيعه وهبته ووقفه؛ لأن للعتق من النفوذ ما ليس لغيره.
ولأن ما ذكرناه هناك من الدليل على إبطال العتق فهو دليل هاهنا، وهو أن ملكه قد زال بالبيع، فلم ينفذ بيعه وهبته ووقفه بحق الملك.
دليله: بعد انقضاء مدة الخيار.
ولأن أكثر ما فيه: أنه قد ثبت له حق الفسخ، وهذا لا يدل على جواز تصرفه كالواهب يملك الرجوع، ولا يصح تصرفه.
وكذلك إذا باع عبدًا بثوب، وظهر على عيب في الثوب، لم يصح تصرفه في العبد.
وإذا لم يصح تصرفه لم يكن ذلك فسخًا، كما لم يكن في العين الموهوبة، وفي المبيع إذا ظهر ببدله عيب، والمفلس، كذلك هاهنا.
стр. 1144
فإن قيل: المعنى في تلك المسائل: أن الملك تام بدليل: أنه لا يمنع من التصرف، فلهذا لم يصح فسخ الملك فيه إلا بالصريح، والملك هاهنا ضعيف، فجاز فسخه بالكناية.
قيل: قد أجبنا عنه في ما تقدم.
واحتج المخالف بأنه لو أراد إتمام البيع والإمضاء لما تصرف هذا التصرف، فهو كما لو فسخ بالقول.
والجواب: أن الواهب لو أراد إتمام الهبة لم يتصرف هذا التصرف، وكذلك إذا باع عبدًا بثوب، وظهر على عيب في الثوب، لو أراد إتمام العقد لم يتصرف في العبد، وقد ثبت أن ذلك لا يفسخ الهبة والمبيع، فدل على أن وجوده كعدمه، وكذلك هاهنا.
واحتج بأن الفسخ تدارك الملك واسترجاعه، والملك يقع بالقول والفعل معًا؛ لأن يملك بالشراء، ويملك بالاصطياد والاحتطاب، كذلك تداركه له يكون بالفعل وبالقول.
والجواب: أن فسخ الهبة والمبيع إذا ظهر بالثمن عيب هو تدارك للملك، ولم يقم الفعل فيه مقام القول.
стр. 1145
٢٥٥ - مسألة
إذا وطئ البائع في مدة الخيار قبل الفسخ مع علمه بالتحريم؛ فهل يجب عليه الحد ؟
فنقل أبو بكر في كتاب (الخلاف) عن أحمد في رواية مهنا: إذا وطئ البائع قبل الافتراق، فعليه الحد إن كان عالما، وإن وطئها المشتري، فلا حد؛ لأن الملك له خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولها: لا حد، ويكون ذلك فسخًا للبيع.
دليلنا: أنه بيع صحيح، أو بيع منعقد، إذا تعقبه وطء البائع أو وجب الحد.
دليله: إذا لم يكن في البيع خيار، أو تبايعا على أن لا خيار بينهما.
ولأن أكثر ما فيه: أن له حق الفسخ، وهذا لا يسقط الحد، كما لو باع جارية بثوب، ووجد بالثوب عيبًا، ملك فسخ البيع، فلو وطئها قبل الفسخ وجب الحد، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن له فيها ملكًا، أو شبهة ملك.
ولأن هذا مختلف في كونه ملكًا له؛ لأن من الناس من قال: ما زال ملكه، فصار شبهًة، وجرى مجرى الوطء في النكاح بلا ولي، وبلا شهود.
والجواب: أن شرب النبيذ شبهة؛ لأنه مختلف في إباحته، وفي
стр. 1146
إيجاب الحد فيه، ومع هذا يجب الحد عند الشافعي.
وإذا قتل الجماعة قتلوا به، وإن كان مختلفًا فيه.
كذلك إذا وطئ امرأة وجدها على فراشه يظنها زوجته، فبان أنها أجنبية، فعليه الحد عند أبي حنيفة، وإن كان هذا مختلفًا فيه.
وأما النكاح بلا ولي، وبلا شهود، ففيه تفصيل:
فإن كان جاهلًا بتحريم ذلك؛ بأن يكون أسلم قريبًا، فتخفى عليه الأحكام، لم يجب الحد.
وإن كان يعرف حكم ذلك، لكنه كان حنفيًا يعتقد إباحة الوطء في هذا النكاح، فلا حد عليه أيضًا؛ لأنه وطئ وطئًا يعتقد الإباحة.
وإن كان يعتقد تحريم ذلك؛ بأن يكون حنبليًا، أو شافعيًا؛ فهل عليه الحد، أم لا؟ على روايتين:
إحديهما: عليه الحد كمسألتنا.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
والثانية: لا حد عليه؛ لأنه مختلف في إباحته؛ فمن الفقهاء من أباحه.
стр. 1147
وأما في مسألتنا فمجمع على تحريمه، ومن أسقط الحد فيه لأجل الشبهة، لا لأنه مباح.
…
٢٥٦ - مسألة
إذا كان المبيع عبدًا، فمات في مدة الخيار، لم يبطل الخيار في أصح الروايتين:
وبه قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: يبطل.
وفائدة الخلاف: أنهما إذا لم يجز البيع، وفسخاه بعد التلف، بماذا يرجع البائع على المشتري إذا كان تلف المبيع في يده؟ على روايتين:
إحديهما: يرجع عليه بالقيمة.
والثانية: يرجع بالثمن المسمى.
فإن قلنا: يرجع بالقيمة، فالخيار بحاله؛ لأنه قد ملك الفسخ، وتعذر الرجوع في العين، فوجب الرجوع في القيمة.
وإن قلنا: يرجع البائع على المشتري بالثمن، فالخيار قد بطل؛ لأنه غير مالك للفسخ، فرجع بالمسمى لبقاء العقد.
وقد نقل ابن القاسم وصالح عنه: إذا أعتق المشتري العبد نفذ عتقه، ورجع البائع عليه بالقيمة.
стр. 1148
وهذا يدل على أنه كان له الفسخ.
ونقل أبو الحارث والميموني: إذا أعتق نفذ عتقه، ورجع عليه بالثمن.
وهذا يدل على أنه لا يملك الفسخ.
وهذا اختيار الخرقي وأبي بكر.
ووجه الدلالة: أن الخيار مدة ملحقة بالعقد، فلم تبطل بتلف المبيع بعد القبض
دليله: الأجل.
فإن قيل: الأجل يحل بالثمن، والثمن محله الذمة، والذمة لم تتلف بتلف المبيع، فمثاله أن يموت من عليه الحق المؤجل، فيبطل الأجل، ويحل الحق.
قيل: لا يبطل الأجل بموت من عليه الحق على المذهب الصحيح، ولا يبطل- أيضًا- بإفلاس المشتري رواية واحدة، وإن كانت الذمة قد خربت وتلفت بدليل أن المبتاع أحق بالرجوع في عين المبيع.
واحتج المخالف بأنه خيار فسخ، فبطل بتلف المبيع.
دليله: خيار الرد بالعيب، و [في] الهبة، وخيار الإقالة.
وذلك أنه لو كان المبيع عبدًا، فمات، ثم ظهر على عيب بعد موته، لم يملك الرد، وكذلك لو تلف البيع لم تصح الإقالة، وكذلك
стр. 1149
إذا تلفت العين الموهوبة.
ولا يلزم عليه إذا باع ثوبًا بثوب، وتقابضا، وتلف عند أحدهما، وظهر على عيب في الآخر؛ أنه يفسخ- ذكره في رواية حنبل- لأنا قلنا: فبطل بتلف المبيع، وهناك بعضه تلف.
ولا يلزم عليه [أنهما] إذا اختلفا في الثمن بعد تلف السلعة تحالفا وفسخا؛ لأن الفسخ حصل باليمين، لا بالخيار.
والجواب: أن خيار الرد بالعيب إنما بطل؛ لأنه يستدرك النقص بأخذ الأرش، فلهذا لم يملك الفسخ.
وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يستدرك المقصود إلا بالفسخ؛ لأنه إنما شرط لينظر: هل له الحظ في المبيع؟ وهل غبن فيه، أم لا؟ وهذا لا يحصل له إلا بالفسخ.
ولهذا قلنا: لو اختلف المتبايعان في الثمن- والسلعة تالفة- تحالفا؛ لأنه لا يحصل له غرضه من كمال الثمن إلا بالتحالف والفسخ، وكذلك هاهنا.
وأما الإقالة فإنما لم تصح بعد التلف؛ لأنها في حكم العقد المبتدأ، ألا ترى أنه يعتبر فيها رضا كل واحد من المتعاقدين، والفسخ لا يعتبر فيه ذلك.
ومن نصر الرواية الثانية، وأن الخيار يبطل بهلاك المبيع على
стр. 1150
ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر، يحتج بالعلة التي تقدم ذكرها.
ونجيب عن قولهم: إنه يستدرك المقصود في العيب بأخذ الأرض، وهاهنا لا يستدرك إلا بالفسخ؛ فإنه يبطل بخيار الرجوع في الهبة؛ لأنه لا يسقط بهلاك العين، وإن لم يستدرك المقصود.
وعلى أنه إذا فسخ رجع إلى قيمة الهالك، ويجوز أن تكون قيمته أقل من المسمى، فلا يكون له في الفسخ بالعيب حظ.
وإن قاسوا عليه إذا باع ثوبًا بثوب، وتلف أحدهما، وظهر بالآخر عيب؛ أنه يثبت الفسخ؛ لأن هناك عينًا يقع عليها الفسخ، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه ليس هناك عين، فهو كما لو باع ثوبًا في الذمة، وتلف، ثم ظهر على عيب.
ونجيب عن قولهم: الإقالة تجري مجرى العقد؛ لافتقارها إلى رضاهما، وهذا بخلافه؛ لأن علة الفرع تبطل بالرد بالعيب، وبالخيار في الهبة؛ فإنه لا يعتبر تراضيهما، ومع هذا يسقط بالإتلاف.
وإن قالوا: معنى يوجب فسخ المبيع مع بقاء السلعة، فأوجب مع تلفها، كما لو اختلفا في قدر الثمن بعد تلفها، وتحالفا، وفسخا.
والجواب: أن في ذلك روايتين أيضًا.
وعلى أنه إنما ثبت التحالف هناك لأجل الاختلاف في الثمن والمثمن، وتعذر إنفاذ الحكم لأحدهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، وهذا المعنى موجود بعد التلف، كما هو مع بقائها.
стр. 1151
٢٥٧ - مسألة
إذا ابتاع ثوبًا من أحد هذين الثوبين، أو من أحد ثلاثةٍ، أو من أحد أربعةٍ، فالعقد فاسد:
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن ابتاع ثوبًا من ثوبين- أو من ثلاثة- على أنه بالخيار، صح العقد، وإن ابتاعه مطلقًا- أو ابتاع ثوبًا من أربعة- على أنه بالخيار، فالعقد فاسد.
وقال مالك: إذا باعه عبدًا من جملة أعبدٍ، أو ثوبًا من جملة ثياب، أو شاة من غنم، وكلها صنف متقارب الصفة غير متفاوت، جاز إذا كان الخيار للمشتري.
ولم يخص ذلك بثوب من ثلاثة، أو عبد من ثلاثة.
دليلنا: أنه مبيع مجهول حال العقد، فلم يصح العقد.
دليله: إذا ابتاع ثوبًا من أربعة، أو ثوبًا من ثوبين، ولما يشترط الخيال.
ولا يمكن منازعة الوصف؛ أنه مجهول؛ لأنه يحتاج إلى تعيين حتى يصير معلومًا، ولهذا لم يصح إذا لم يشترط الخيار، وإذا كان ثوبًا من أربعة؛ لأن الشيء إنما يصير معلومًا من أحد وجهين:
стр. 1152
إما بالمشاهدة.
أو بالصفة.
وهذا معدوم هاهنا.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع قفيزًا من صبرة؛ أنه يصح من غير شرط الخيار، فعلم أنه معلوم.
فإن قيل: المعنى فيه إن لم يشترط الخيار: أن المبيع مجهول في الحال، ولا يصير معلومًا في الثاني؛ لأنه ليس له الخيار حتى يختار أيهما شاء، فيحصل المبيع معلومًا.
وليس كذاك إذا شرط الخيار؛ فإنه وإن كان مجهولًا في الحال؛ فإنه يصير معلومًا في الثاني عند بطلان الخيار.
قيل له: هذا المعنى موجود في ثوب من أربعة على أنه بالخيار في أن يأخذ أي الأثواب شاء، ومع هذا يبطل البيع.
فإن قيل: لا يمتنع أن يختص هذا المبيع بثلاث …
بل يجوز الزيادة عليها.
على أن هذا الخيار عند المخالف بعد ثلاثة أيام؛ لأنه إذا مضى ثلاثة أيام أجبر على أن يختار، وخيار الشرط عنده يبطل بمضي الثلاثة، فلم يكن أحدهما بمنزلة الآخر.
стр. 1153
فإن قيل: قد ثبت التخيير في الأصول بين ثلاثة أشياء مثل كفارة اليمين، وجزاء الصيد، وفدية الأذى، ولم يثبت بين أربعة أشياء، فلا يمتنع أن يثبت الخيار بين ثوب من ثلاثة، وإن لم يثبت في ثوب من أربعة.
قيل له: قد ثبت عندنا بين أربعة أشياء، وهو: أن الإمام مخير في الأسارى بين أربعة أشياء: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء.
على أن هذا يبطل بمن اشترى ثوبًا من ثلاثة على أنه بالخيار؛ فإنه مخير بين أربعة خيارات؛ لأن له أن يختار كل واحد من الأثواب، وذلك ثلاث خيارات، أو يفسخ البيع، ويختار الثمن، وذلك خيار رابع.
وقياس آخر، وهو: أن كل بيع لا يصح من غير شرط الخيار، لم يصح مع شرط الخيار.
أصله: سائر البيوع الفاسدة.
فإن قيل: إذا كان في العقود ما يصح بتاتًا، ولا يصح مع الخيار، وهو الصرف والسلم، جاز أن يكون فيها ما يصح مع الشرط، ولا يصح مع عدمه.
قيل له: لم كان ذلك؟ وقد علمنا: أن الخيار عذر في عقد البيع، فلا يجوز أن يقال: لما صح العقد مع عدم العذر، يجب أن يصح مع وجوده.
стр. 1154
فإن قيل: إذا شرط الخيار زالت الجهالة بفعل المتعاقدين، وإذا لم يشرط ثبتت الجهالة، فلم يصح.
قيل له: إذا ابتاع ثوبًا من أربعة بشرط الخيار زالت الجهالة، ومع هذا لا يصح، مع أنا قد بينا أن الجهالة موجودة.
فإن قيل: المعنى في سائر العقود الفاسدة: أن الحاجة لا تدعو إليها، وليس كذلك هذا العقد؛ لأن الحاجة تدعو إليه، ألا ترى أن ذوات الخدور وأكابر الناس لا يحضرون الأسواق، وقد لا يرضون باختيار الوكلاء؟ فجوز لهم هذا العقد؛ ليتوصلوا به إلى اختيار ما يروه، وسومح فيه بالجهالة.
قيل له: فهذا المعنى موجود في ثوب من أربعة.
وعلى أن هذا يوجب أن يقول: إذا كان الموكل ممن يحضر الأسواق، لا يجوز ذلك في حقه.
وإلا يمكن أن يتوصلوا إلى اختيار ما يريدونه: إما أن يكون مقبوضًا على وجه السوم، أو يعقد الوكيل على كل ثوب عقدًا منفردًا بشرط الخيار.
стр. 1155
واحتج المخالف بأن ما يحصل له في هذا العقد، وإن كان مجهولًا في الحال؛ فإنه يصير معلومًا في الثاني عند بطلان الخيار، أشبه العقد على ثوب بعينه على شرط الخيار؛ أنه لا يعلم في حال العقد ما كان يحصل في الثاني، يصير معلومًا عند بطلان الخيار، جاز البيع، كذلك هاهنا.
والجواب: أن المبيع هناك معلوم، وإنما شرط الخيار للفسخ، فلهذا صح، وليس كذلك هاهنا؛ لأن العقود عليه مجهول، فلم يصح، كما لو اشترى ثوبًا من ثوبين بغير خيار، أو ثوبًا من أربعة بالخيار.
وجواب آخر: أن الخيار لو كان بمنزلة التعيين حال العقد، لوجب أن يجوز ذلك في ثوب من أربعة وأكثر بشرط الخيار، كما جاز ذلك في التعيين حال العقد، ولما لم يقل هذا، دل على أنه لا يجري مجراه، ولا يصير المبيع معلومًا.
فإن قيل: التعيين إذا حصل في زمان الخيار كان بمنزلة الموجود حال العقد، ألا ترى أنه إذا باع مئة دينار بغير عينها بألف درهم، ثم عينا، وتقابضا في المجلس، صح العقد، وكان بمنزلة ما لو عينا في حال العقد.
قيل له: يجوز إطلاق العقد في الدراهم والدنانير، فدل على أنه واقع على معلوم، وليس كذلك الثوب؛ لأنه لا يجوز إطلاق البيع فيه، فلم يكن معلومًا.
стр. 1156
واحتج بأن كل عينين جاز بيع كل واحدة منهما بعينها، جاز بيع إحداهما بغير عينها.
أصله: قفيز من صبرةٍ، ومن اختلط عبده بعبد غيره، فباع من مالك لآخر.
والجواب: أنه ليس إذا جاز بيع كل واحد معينًا، جاز بيع أحدهما بغير عينها، كما لو باع ثوبًا من ثوبين، ولم يشترط الخيار، أو باع ثوبًا من أربعة وشرط الخيار؛ فإنه يجوز معينًا، ولا يجوز غير معين.
وعلى أن أجزاء الصبرة متساوية، فإذا عقد على قفيزٍ منها، فهو معلوم، ولهذا لا يفتقر إلى شرط الخيار، ولا يختص بعدد من القفزان، وهذا معدوم هاهنا.
وأما إذا اختلط عبده بعبد غيره، فيحتمل أن لا يصح العقد حتى يقع التمييز.
وبماذا يقع؟
يحتمل أن يقرع بينهم، فيتعين بالقرعة، ثم يبيعه؛ لأنه قد اختلط المستحق بغيره.
ويحتمل أن يقف على المراضاة.
ولو سلمناه، فلا يشبه هذا؛ لأنه لا يجوز البيع بغير خيار، ولا يجوز
стр. 1157
بيع عبدين من خمسة.
ولأن الجهالة هناك بغير فعله، فعفي عنها.
وجواب آخر، وهو: أجود ما يقال فيه: أنهما يبيعان العبدين، ويقتسمان الثمن على قيمة العبدين، كما لو قلنا فيه إذا اختلط زيت أحدهما بزيت الآخر، وأحدهما أجود من الآخر: أنهما يبيعان الزيت، ويقتسمان الثمن على القيمة.
واحتج بأنها جملة يجوز بيعها، فجاز بيع بعضها غير معين، كما لو باع بعضها مشاعًا.
والجواب: أن أربعة أثواب يجوز بيها، ولا يجوز بيع بعضها غير معين.
وعلى أنه إذا باع بعضها مشاعًا فهو متعين، ولهذا لا يختص بعدد من العبيد، ولا يفتقر إلى شرط الخيار.
واحتج بأن هذه جهالة لا تمنع صحة الإجازة، فلا تمنع صحة البيع.
وبيان هذا: لو استأجر أرضًا؛ ليزرعها حنطة أو شعيرًا، جاز، أو استأجر دابة؛ ليركبها إلى النهروان، أو إلى عكبراء.
والجواب: أنه إنما يجوز التخيير في ما يتقارب ضرره؛ لأن إطلاق العقد يقتضيه، ولا يجوز فيما يختلف.
стр. 1158
ولأنه لو كان الخيار هناك بين أربعة أشياء؛ الحنطة والشعير والذرة والأرز، صح.
ولأنه يبطل باستئجار الظئر بطعامه وكسوته؛ لا تمنع هذه الجهالة الإجارة، وتمنع البيع.
* فصل:
وفي ما ذكرنا دلالة على مالك.
واحتج بأن الثياب إذا كانت صفاتها متقاربة غير متفاوتة، وكانت جنسًا واحدًا، فالغرر يسير يعفى عن مثله.
ولأن البائع قد علم أن المشتري إنما يختار أعلاها وأجود ما فيها، فقد دخلا على أمر معلوم بالعادة.
والجواب عن قوله: (إن البائع قد علم أنه يختار أعلاها) فيبطل إذا كانت أجناسًا، فباعه واحدًا منها؛ فإنه يعلم أن المشتري يختار أعلاها، ومع هذا لا يصح العقد.
وقولهم: (إن الغرر يسير) يلزم عليه إذا شاهد أكثر المبيع، أو وصفه بأكثر صفاته، فإن الغرر يقل، ولا يجوز.
стр. 1159
٢٥٨ - مسألة
إذا اشترى شيئًا على أنه بالخيار إلى الليل، أو إلى الظهر، أو إلى الغد، فله الخيار إلى أن يطلع الفجر، وإلى أن تزول الشمس، وإلى أن تغرب الشمس في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية محمد بن موسى [ .... ] في رجل حلف على شيء أن لا يفعله إلى يوم الفطر، فلما كان يوم الفطر بالغداة فعله: لم يحنث.
فلم يجعل يوم العيد داخلًا في يمينه.
وهو قول الشافعي.
وفيه رواية أخرى: له الخيار إلى الليل كله، وإلى الظهر كله، والغد كله.
نص عليه في رواية أحمد بن صدقة في رجل حلف على شيء أن لا يفعله إلى يوم الفطر، فلما كان يوم الفطر فعله: يحنث.
فجعل يوم العيد داخلًا في يمينه.
وهو قول أبي حنيفة.
وجه الأولى: أن أهل اللغة أجمعوا على أن (من) لابتداء الغاية،
стр. 1160
فقال: إذا قالوا: سرت من الكوفة إلى البصرة، فإن معناه: ابتدأت بالمسير من الكوفة، فانتهيت به إلى البصرة.
وإذا كان كذلك، كان ظاهر اللفظ يقتضي أن يكون الخيار ينقطع عند انقضاء النهار، ولا يدخل الليل فيه.
فإن قيل: المفهوم من قولهم: (سرت من الكوفة إلى البصرة): أنه دخل البصرة.
قيل له: لا يفهم ذلك باللفظ، وإنما يفهم بدليل.
وأيضًا فإن ما جعل حدًا ب (إلى) لم يدخل في المحدود بظاهر اللفظ.
دليله: الإقرار والطلاق والتأجيل والثمن والبيع.
وبيان هذا: لو قال: لفلانٍ عليَّ من درهم إلى عشرة؛ أنه يلزمه تسعة ولا يدخل العاشر في الإقرار.
وكذلك إذا قال: أنت طالق من واحد إلى ثلاث؛ أنها تطلق طلقتين، والثالثة لا تقع عليها.
وكذلك إذا قال: بعتك بكذا درهمًا إلى شهر رمضان، لم يدخل رمضان في الأجل.
وإذا قال: من هذا الحائط إلى هذا الحائط لفلان، لم يدخل الحائطان في الإقرار.
وإذا قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لم يدخل الحائط.
следующие страницы →