← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قال في رواية أبي طالب: يرد من الغبن إذا كان الغبن شديدًا، وبما ألفى الرجل. وظاهر هذا: أنه لا يرد من اليسير. وكذلك نقل مهنا عنه في الرجل يشتري مصحفًا على أنه جامع، فخرج فيه آية، أو آيتان ساقطة: ليس هذا بعيب، ولا يخلو المصحف من هذا. وعلى أن هذا باطل بغبن الركبان يثبت به الفسخ، وإن فرق بين قليله وكثيره، وكذلك الحاكم وأمين الحاكم والوصي والأب إذا باعوا بنقصان في الثمن، فإن كان يسيرًا جرت العادة بمثله جاز، ولو كثر لم يجز. وعلى أن البياعات تسلم من العيب اليسير، كما تسلم من الكثير، فلهذا ملك الفسخ فيهما، وليس كذلك الغبن المطابق للعادة؛ لأن البياعات لا تخلو منه. ولأن كل واحد يقصد الاسترخاص، فأجيز ذلك على حسب تعارفهم فيه، فإذا خرج عن ذلك جاز أن يملك الفسخ. وعلى أن غلظ الدابة عيب إذا زاد وتفاحش، وليس بعيب إذا كان يسيرًا، وكذلك يسير الرمد في العين ويسير الحمى ليس بعيب، وإن كان كثيره عيبًا. فإن قيل: المعنى في العيب: أنه نقص في المعقود عليه، وليس

стр. 1227

كذلك هاهنا؛ لأنه نقص في ما لم يعقد عليه. قيل له: النقص يحصل في الثمن، وذلك معقود عليه. ثم يبطل هذا بغبن الركبان. فإن قيل: لو كان ثبت به الفسخ، لوجب أن يكون محرمًا، كما أن التدليس العيب محرم. قيل: الرد بالعيب ثابت، وإن لم يكن قصد التدليس؛ لأن غبن الركبان يثبت الفسخ، وإن لم يكن محرمًا. ثم لا يمتنع أن نقول: محرم إذا كان مسترسلًا، وقد قال أحمد: إنما كره غبن المسترسل. واحتج المخالف بما روى ابن عمر: أن حبان بن منقذٍ أصابته آمة في رأسه، وكان يخدع في البيع، فقال له النبي ﷺ : (إذا بعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا). قال: فلو كان الغبن سبيلًا يملك به الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار مع استغنائه عنه. والجواب: أنا قد جعلناه حجة لنا؛ لأنه نهى عن الغبن، فاقتضى سلامته منه، كما اقتضى سلامته من العيب. وعلى أن راوي الحديث عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ ، قال

стр. 1228

عمر: وكان ضريرًا. هكذا روى الدارقطني في (سننه) بإسناده عن طلحة بن يزيد بن ركانة: أنه كلم عمر بن الخطاب في البيوع، فقال: ما أجد لكم سببًا أوسع مما جعل رسول الله ﷺ لحبان بن منقذٍ: أنه كان ضرير البصر، فجعل له رسول الله ﷺ عهدة ثلاثة أيام؛ إن رضي أخذ، وإن سخط ترك. وإذا كان ضريرًا لم يصح عقده عند الشافعي، فلا يصح الاحتجاج به. وعلى أنه لم يمتنع شرط الخيار مع استغنائه عنه، كما قال: (فمن ابتاع مصراة فهو بخير النظرين ثلاثًا). فشرط له الخيار مع استغنائه عنه. وعلى أنه يحتمل أنه كان يغبن غبنًا لا يخرج عن العادة، وكان الخيار لأجل ذلك. واحتج بأنه نقص لا يغير المبيع، ولا ينقصه، فلا يملك به الخيار، كما لو كان النقص غبنًا في العادة. أو يقول: كل ما لو حدث بعد العقد وقبل القبض لم يثبت به الخيار، فإذا كان موجودًا في حال العقد لم يثبت به الخيار.

стр. 1229

دليله: ما ذكرنا. والجواب عن اليسير: ما ذكرنا، وهو: أن ذلك لا تأثير له في العقد بدليل جوازه في حق الآدميين والوصي والأب. ولأن البياعات لا تنفك عن غبن يسير، فلا يمكن الاحتراز عنه. ولأن اليسير لا يثبت به الخيار في حق الركبان، والكثير يثبت، فبان الفرق. وأما الجواب عن حدوثه بعد العقد وقبل القبض: ما تقدم، وهو: أن هذا لا يوجب الفسخ في تلقي الركبان. ولأن ذلك لا يسمى غبنًا؛ لأن الغبن فعل الغابن. واحتج بأن خيار المغابنة لما لم يثبت من جنسه شرطًا، [لم يثبت شرعًا، ألا ترى أن خيار المجلس لما ثبت شرعًا، ثبت من جنسه شرطًا]، وهو خيار الثلاث. والجواب: أنه يبطل بخيار الركبان؛ ثبت شرعًا، وإن لم يثبت شرطًا. ولأنه قد يثبت الشيء شرطًا، وإن لم يثبت شرعًا، كالأجل في الثمن في بيوع الأعيان، وقد يثبت شرعًا، وإن لم يثبت شرطًا، كالأجل في المسلم فيه. وعلى أنه لا يمتن أن نقول: من جنسه ما ثبت شرطًا، وهو: إذا شرط ثبوت الخيار في الغبن اليسير.

стр. 1230

واحتج بأن الغبن في العقد لا يثبت الخيار. دليله: الغبن في عقد الصداق، وهو أن تكون الزوجة مغرورة أو الزوج مغرورًا في قدر الصداق. والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، غير أن قياس قوله يقضي أن لا خيار هناك؛ لأنه قد نص في رواية إسحاق بن هانئ: إذا تزوجها على أنها بكر، فلم تكن كذلك، فلها المهر كاملًا. فلم يجعل له النقصان في المهر مع شرط صفة يختلف المهر لأجلها، فأولى أن لا يجعل له مع الإطلاق. وحكى هذا الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن النقصان في الصداق والزيادة فيه لما لم يثبت الخيار في حق أهل الركبان، لم يثبته في حق غيرهم، والبيع بخلافه. والثاني: أن المهر غير مقصود في نفسه، ولهذا المعنى يجوز أن يعرى العقد عن تسميته، ولهذا المعنى يجب أن يسمى عين الناكح إذا كان القابل وكيلًا، ولا يجب ذلك في عقد البيع، فإذا لم يكن مقصودًا لم تؤثر الزيادة والنقصان فيه. *فصل: والدلالة على أن البيع لا يبطل من أصله: ما تقدم من حديث تلقي

стр. 1231

الركبان؛ وأن النبي ﷺ جعل لهم الخيار، ولم يحكم ببطلان العقد من أصله. وروي أن النبي ﷺ ساوم جابرًا بعيرًا بدراهم إلى أن بلغ به أوقية. وروي أنه قال: (إذا زنت أمة أحدكم فليبعها، ولو بضفيرٍ). وهذا يدل على صحة البيع مع الغبن. ولأن الغبن نقص في الثمن، كالعيب نقص في المثمن، ثم ثبت أن ظهور العيب يثبت الخيار، ولا يوجب بطلان العقد، كذلك هاهنا. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ [الإسراء: ٢٦]، وإذا باع ما يساوي ألفًا بدرهم فهذا نفس التبذير، وقد نهى عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. والجواب: أن الآية انصرفت إلى غير هذا من صرف المال في الفساد، ولم تنصرف إلى هذا؛ لأنه إذا كان راضيًا به فهو كالواهب [من] ماله قدر الغبن، وهو غير ممنوع من ذلك. *فصل: والدلالة على أنه لا يتقدر بالثلث والسدس: أن النبي ﷺ أثبت

стр. 1232

الخيار للركبان، ولم يقدره بذلك. ولأن الغبن إنما أثبت الفسخ؛ لأنه نقصان في أحد العوضين، كالعيب، ثم الفسخ بالعيب لا يقدر بذلك، كذلك الغبن. فإن قيل: العيب يستوي يسيره وكثيره، وهاهنا يفرق بين القليل والكثير، فجاز أن يحد بالثلث؛ لأنه آخر حد القلة. والجواب: أنا قد بينا: أن العيب يفرق بين يسيره وكثيره. وعلى أنه ليس إذا فرق بين يسير هذا وكثيره، يجب أن يتقدر بالثلث، كالعمل اليسير في الصلاة لا يتقدر بثلث أفعالها. … ٢٧١ - مسألة الربا ثابت في غير الأعيان المنصوص عليها على ما نبينه: وهو قول الجماعة . وقال داود وأهل الظاهر من نفاة القياس: لا ربا إلا في المنصوص عليه، وهي الأعيان الستة. وبنوا هذا على أصلهم في نفي القول بالقياس، ونحن نبني هذا على أصلنا في وجوب القول بالقياس، فنلحق غير المنصوص عليه بالمنصوص في حكمه عند وجود علته.

стр. 1233

ثم نستدل من حيث الاسم على إثبات الربا في غير المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. والربا هو الزيادة لغة وشرعًا: أما الشرع فقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]؛ يعني زادت وعظمت. وأما اللغة فيقال: فلان أربى على فلان في الشتم؛ إذا زاد عليه فيه. فالظاهر يقتضي تحريم الزيادة الحاصلة في كل مبيعين سواء كان مما نص عليه، أو لم ينص عليه، إلا ما منع منه الدليل. وطريقة أخرى، وهو: ما روى الدارقطني بإسناده عن معمر بن عبدالله: أنه سمع النبي ﷺ يقول: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ)، وكان طعامنا يومئذ الشعير. والطعام اسم لكل مطعوم لغة وشرعًا: أما الشرع فقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ

стр. 1234

لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ يعني: ذبائحهم. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ يعني: الماء. وقالت عائشة- ﵂: عشنا زمانًا ما لنا طعام إلا الأسودان؛ الماء والتمر. وقال النبي ﷺ في ماء زمزم: (إنه طعام وشفاء). وأما اللغة فإن القائل يقول: ما طعمت اليوم شيئًا؛ يعني: لم أذق شيئًا من المأكول، ولا يصح أن ينفي ذلك عن نفسه إذا كان قد أكل فاكهة، أو غيرها. وقال لبيد: لمعفرٍ قهدٍ تنازع شلوه .... غبس كواسب ما يمن طعامها وإذا ثبت أن ذلك اسم لكل مطعوم، فالخبر يقتضي وجوب التماثل

стр. 1235

في جميعه، إلا ما خصه الدليل. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وهذا عام. والجواب: أنه قد قال تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقد بينا: أن الربا في الشرع واللغة: الزيادة، وهذا موجود هاهنا. … ٢٧٢ - مسألة العلة في فساد العقد عند وجود التفاضل زيادة كيلٍ في جنس المكيلات في أصح الروايات: رواها الجماعة عنه: فنقل الميموني عنه قال: أذهب إلى حديث عمار، وهو حديث جامع؛ ما يكال وما يوزن مما يؤكل ويشرب، وما لا يؤكل، ولا يشرب. وروى حنبل عنه وبكر بن محمد: لا بأس بخيارة بخيارتين، وبطيخة ببطيختين، ورمانة برمانتين؛ لأنه ليس أصله كيلًا ولا وزنًا. وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه. وفيه رواية أخرى: مأكول مكيل أو موزون جنس. وعلى هذا لا ربا في ما يؤكل، وليس بمكيل، ولا موزون، مثل الرمان والسفرجل، ولا في غير المأكول مما يكال ويوزن، كالثوم والجص والأشنان ونحوه.

стр. 1236

وقد نص على هذا في رواية حنبل فقال في القوارير المكسورة: أكثر لا بأس يدًا بيد؛ ليس هو مما يوزن مما يؤكل. وبهذا قال الشافعي في القديم. وفيه رواية ثالثة: مطعوم جنس. فتدخل فيه سائر المطعومات دون غيرها. قال أبو بكر في كتاب «الشافي»: روى ذلك جماعة منهم محمد بن يحيى في ما حدثنا أبو بكر الخلال عنه: وقد سئل عن البيض بالبيض والرمان بالرمان قال: لا يجوز إلا مثلًا بمثل؛ هذا يؤكل. قيل له: إن لم يؤكل، ولم يوزن؟ قال: نعم. قيل له: مثل أي شيء يجوز؟ قال: مثل الحديد، وما أشبه هذا. وبهذا قال الشافعي في الجديد. وقال مالك: مقتات، وما يصلح المقتات والمدخرات في جنس. والصحيح عندي: أن يقال: العلَّة كونه مكيل جنس، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه اعتبر الكيل، وظاهر السنة يقتضي ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «وما كيل مثل ذلك». وكذلك قوله ﷺ : «كيلًا بكيلٍ». وهو اختيار الخرقي وشيوخ أصحابنا.

стр. 1237

والدلالة على ذلك: ما روى الدارقطني في (سننه) قال: نا أبو محمد بن صاعد ومحمد بن أحمد بن الحسن وآخرون قالوا: نا عبدالله ابن أحمد بن حنبل قال: ثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: نا أبو بكر ابن عياش، عن الربيع بن صبيحٍ، عن الحسن، عن عبادة وأنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: (ما وزن مثلًا بمثلٍ إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل مثل ذلك، وإذا اختلف النوعان، فلا بأس به). وهذا نص؛ لأنه اعتبر المماثلة في الوزن والكيل، وعند المخالف هي معتبرة في المأكول. فإن قيل: فقد قال الدارقطني: لم يروه عن أبي بكر غير الربيع هكذا، وخالفه جماعة، فرووه عن الربيع، عن ابن سيرين، عن عبادة وأنس بلفظٍ غير هذا اللفظ. قيل له: انفراده بالرواية لا يوجب ضعف روايته، ولا الطعن فيها؛ لأنه إسناد صحيح، واختلاف الرواية على الربيع لا يقدح فيه. وأيضًا ما روى أحمد في (المسند) قال: نا حسن بن محمد، قال: نا خلف؛ يعني: ابن خليفة، عن أبي جنابٍ، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم الدرهمين، ولا الصاع بالصاعين؛ فإني أخاف عليكم الرماء) - والرماء هو الربا- فقام رجل، فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس

стр. 1238

بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: (لا بأس إذا كان يدًا بيد). فوجه الدلالة: أنه معلوم أنه لم يرد نفس الظرف لاتفاق المسلمين على جواز بيع الصنفين بعضها ببعض متفاضلًا، فعلم أنه أراد ما يدخل في الصاع، ويكال به، فاقتضى عمومه تحريم التفاضل في جنس المكيلات. ومخالفنا يزعم أن بيع قفيز جص بقفيزي جص يجوز، وكذلك قفيز نورة بقفيزين. فإن قيل: ما يدخل في الصاع مضمر، فكيف تعتبر عموم المضمر؟ قيل له: اسم الصاع يتناول في الحقيقة ما يكال، ويتناول في الحقيقة الكيل، بدليل ما روي عن النبي ﷺ : أنه فرض صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو شعير. ويقول القائل: هذا قفيز، وبعتك قفيزًا من هذا الطعام. فإذا تناولهما الاسم حقيقة، ثم دل الدليل على أن أحدهما لم يرد بقي الآخر. وأيضًا روى أبو كر الأثرم بإسناده عن عبادة بن الصامت، ن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب وزنًا بوزنٍ، والفضة بالفضة وزنًا بوزنٍ،

стр. 1239

والبر بالبر كيلًا بكيلٍ، والشعير كيلًا بكيلٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالبر، والشعير أكثرهما يدًا بيدٍ، والتمر بالتمر، والملح بالملح، فمن زاد أو ازداد فقد أربى). وروى أحمد في (مسند أبي هريرة) بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ كيلًا بكيلٍ، ووزنًا بوزنٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى إلا ما اختلف ألوانه). وروى أبو بكر في كتاب (الشافي) بإسناده عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة الفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مديًا بمديٍ، والشعير بالشعير مديًا بمديٍ، والملح بالملح مديًا بمديٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدًا بيدٍ، وأما نسيئة، فلا). وجه الدلالة: قوله: (مثلًا بمثلٍ) (كيلًا بكيلٍ)، فأوجب استيفاء المماثلة من طريق الكيل في جواز البيع.

стр. 1240

وخلافنا في علة التحريم. قيل له: الأمر باستيفاء المماثلة من طريق الكيل يقتضي النهي عن التفاضل في الكيل؛ إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده. وعلى أن ذكر التساوي والتفاضل علة في الحكم، كقول النبي ﷺ : (لا صلاة إلا بطهورٍ) بيانًا لعلة الحكم. ولأن ذكر الصفة في الحكم تعليل، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]؛ فإن الربا والسرقة علة في إيجاب الحد. فإن قيل: فقد قال في الخبر: (عينًا بعينٍ)، ولم يدل على كونه علة. قيل له: منع ذلك الإجماع. وأيضًا فإن البطيخ وما أشبهه غير مكيل، ولا موزون، فوجب أن لا يحرم التفاضل فيه. دليله: الثياب والعبيد، ونحو ذلك. ولا يلزم عليه الماء؛ لأنه يجوز بيعه متفاضلًا. وأيضًا فإنا وجدنا للتفاضل في الكيل والتساوي فيه تأثيرًا في

стр. 1241

العقد، ولم نجد للتفاضل في المطعم تأثيرًا، ألا ترى أنه يجوز بيع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة؛ لوجود التساوي في الكيل، [ولا يجوز مع عدم التساوي في الكيل] مثل قفيز حنطة ونصف رديئة بقفيز حنطة جيدة. فإن قيل: اعتبرنا المساواة في الكيل في جواز البيع، وخلافنا في علة التحريم، وليس في هذا دلالة عليها. قيل: علة التحريم كونه مكيلًا، والحكم هو جريان الربا، وفساد العقد وصحته. فإن قيل: العلة عندنا كونه مطعومًا، وهذا معنى لا يتزايد. قيل له: وكذلك العلة عندنا كونه مكيلًا، وهذا معنى لا يتزايد، لكن لما كان ما ذكرناه علة أثر المكيل في الذي به صار مكيلًا، ثم وجدنا الطعم الذي صار به مطعومًا لا يؤثر، دل على أن كونه مطعومًا ليس بعلة. وتلخيص هذا: أنه لو كانت العلة كونه مطعومًا لأثر في الطعم الذي صار به مطعومًا، كما قلنا نحن في المكيل: لما كان علة أثر في المكيل الذي صار به كيلًا، فلما لم يؤثر فيه، بل جاز بيع مكوكٍ خفيف

стр. 1242

بمكوكٍ ثقيل، دل على أن كونه مطعومًا ليس بعلة. فإن قيل: قد يؤثر اختلاف الطعم؛ لأنه لو باع طعامًا، فوجده عفنًا، رده لنقصان طعمه. قيل له: هذا تأثير في إثبات الخيار، ونحن نطلب تأثيرًا في صحة العقد وفساده. وإن شئت قلت: الزيادة في الأكل ليس لها تأثير في تحريم البيع، فوجب أن لا يكون الأكل مع غيره علة، كالزيادة في الاقتيات؛ لما لم يكن لها هناك تأثير في تحريم البيع، لم يكن الاقتيات مع غيره علة، وكالزيادة في الذرع، وإذا ثبت صح أن العلة ما اعتبرنا. ولأنه لا يخلو الأكل والجنس [إما] أن يكون علة لتحريم التفاضل في الجملة، أو لتحريمه من جهة الكيل. ولا يجوز أن يكون علة للتحريم في الجملة؛ لأنه قد يوجد، ولا تحريم، مثل قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة عفنة. وقد يوجد من جهة العدد، ولا يحرم أيضًا، مثل مكوكٍ بمكوك حنطة يجوز، وإن كان عدد الحبات في إحدى الخبيتين أكثر. ولا يجوز أن يكون علة لتحريم التفاضل من جهة الكيل؛ لأن

стр. 1243

الرمان والسفرجل والبطيخ والقثاء ليست مكيلة، ويثبت فيها التحريم عنده بهذه العلة. ولأن الطعم ليس بعلمٍ للمقدار، فلا يكون علة، كاللون والرائحة. ولأن المعدودات تضمن بالقيمة، فلا يدخل الربا في نقدها. دليله: الثياب. أو نقول: لأنها تباع في العادة عددًا، أشبه الثياب. ولأن غير المطعومات من المكيلات زيادة كيل من جنس، فهو كالحنطة بالحنطة. فإن قيل: المعنى فيها: أنها مطعوم. قيل له: بين الحكم؛ فإن قلت: لا يجوز التفاضل فيها، انتقض بالتساوي من الكيل إذا تفاضلا في العدد. وإن قلت: فلا يجوز التفاضل فيها كيلًا، فقد عللت بما ذكرنا، وضممت إليه وصفًا آخر، وهذا لا يصح. فإن قيل: الماء مكيل جنس، ولا ربا فيه. قيل له: لا نسلم أنه مكيل؛ لأن ما لم ينص النبي ﷺ على بيعه كيلًا، رجع في معرفة ذلك إلى المدينة، وليس نعلم أن الماء يباع بالمدينة كيلًا. ولأن الطعم منفعة، فلا يكون علة، كالشم والذوق.

стр. 1244

واحتج المخالف بما روى معمر بن عبدالله: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثلٍ. ومنه دليلان: أحدهما: أنه ذكر الصفة في الحكم تعليل، فيدل على تعليق الحكم تلك العلة، فلهذا نقول: إن قول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الحجرات: ٦] يدل على تعليق التبين بالفسق. وقول النبي ﷺ : (في سائمة الغنم زكاة) يدل على تعليق الزكاة بالسوم. وكذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. و: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. وقوله: جزاء للمحسنين، وعذابًا للكافرين، وما أشبه ذلك. والثاني: أن نهيه عن بيع الطعام بالطعام يقتضي عموم جميع الأطعمة مما يكال، ولا يكال، كالبيض والسفرجل وغيره. والجواب عن الدليل الأول، فهو: أن ذكر الصفة في الحكم قد يكون علة، وقد لا يجعل علة الدليل عليه قوله ﷺ : (لا بأس بيع الحيوان بالحيوان؛ اثنين بواحدٍ يدًا بيدٍ)، ولم يدل ذلك على

стр. 1245

اختصاص الحكم بالحيوان. وكذلك نهيه عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، ونهيه عن بيع الطعام قبل قبضه. والجواب عن الثاني، وأن الطعام عام في البيض والرمان: فالظاهر يمنع دخوله تحت الخبر؛ لأن اسم الطعام قد صار مخصوصًا في العرف بنوع من الأطعمة حتى إذا أطلق لم يعقل منه غيره، ألا ترى أنه إذا قيل: سوق الطعام، لم يعقل منه سوق الصنادلة، وإن كان يباع فيها أشياء مطعومة، وإنما يعقل منه السوق التي تباع فيها الحنطة، فإذا كان كذلك انصرف الخبر إلى ما يعقل من إطلاقه، ولم يجز حمله على كل مطعوم. فإن قيل: تسمية سوق الطعام معنى لا تعرفه العرب. قيل له: الكوفة والبصرة معربان، والقوم تثبت الحجة بقولهم، وسموا هذه الأسواق بلغتهم. فإن قيل: لو كانت النورة والجص مثل الطعام، لم يكن لتخصيص الطعام معنى. قيل له: كما خص النهي عن بيع الطعام قبل القبض، وإن كان الطعام وغيره سواء. واحتج بأن النبي ﷺ نص على أعلى المأكولات، وهي الحنطة، وعلى أدناها، وهي الملح، وحرم التفاضل فيهما، فنبه على حكم سائر

стр. 1246

المأكولات؛ لأن من شأن العرب أن تنص على الأعلى والأدنى، فتنبه على ما عداهما. والجواب: أنا نقلب عليهم فنقول: نص على أعلى المكيلات وعلى أدناها، فنبه بذلك على سائر المكيلات. فإن قيل: نص على أشياء مختلفة في الأكل، فلو كان مراده تعليق الحكم بالكيل، لذكر جنسًا واحدًا، واقتصر عليه. قيل له: هي متفقة في الأكل، وإنما تختلف في معانٍ أخر، وهي الطعوم ونحوها، فنقول لك: لو كان مراده تعليق الحكم بالأكل، لذكر جنسًا واحدًا، واقتصر عليه. وعلى أنه قد ذكر الذهب والفضة، والعلة فيهما واحدة عندهم، وهو كونها قيم المتلفات. واحتج بأن الله- تعالى- نهى عن أكل الربا بقوله: ﴿لا تَاكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠]، ولا يجوز أن ينهي عن أكل ما لا يتأتى فيه الأكل. والجواب: أن هذا يقتضي ثبوت الربا في المأكول، وفي غيره موقوف على الدليل. وعلى أن الأكل يفيد التناول بدلالة قوله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، والمراد به الأخذ. واحتج بأن الكيل معنى يتخلص به الربا، فوجب أن لا يكون

стр. 1247

علة في التحريم. أصله: القبض في المجلس؛ فإنه لما كان معنى يتخلص به من الربا، لم يكن علة فيه. والجواب: أن علة التحريم زيادة كيل في جنس، وعلة التحليل التساوي في الكيل، فعلة التحريم غير علة التحليل، وإذا كان كذلك، فلم يجعل ما يتخلص به من الربا علة في التحريم. ولو جعلنا العلة الكيل لم يلزمنا ما قالوه أيضًا؛ لأنا نجعله علة لتحريم التفاضل، وعلة لإباحة التساوي، ولا يمتنع أن يكون الشيء الواحد علة لتحريم شيء، وإباحة شيء آخر، كالحيض هو علة لتحريم الوطء، ولإباحة الإفطار. فأما القبض في المجلس فهو دليلنا؛ لأنه لما كان سببًا للتخلص من الربا، كان فقده موجبًا للربا. وعن هذه أجوبة أخر غير ما ذكرنا: أحدها: أنا لا نسلم أن الكيل يتخلص به من الربا، وإنما التخلص بالمساواة في الكيل. ولأن ما جاز أن يقال: إنه يتخلص به من الربا مع المساواة، جاز أن يقال: لا يتخلص به من الربا، ويراد به: مع التفاضل.

стр. 1248

وجواب ثانٍ: القول بموجب العلة، ولأن الكيل ليس بعلةٍ للربا، وإنما العلة مكيل جنس، والتفاضل علة في بطلان العقد. وجواب ثالث، وهو: أن القبض لا يختص عقود الربا بدليل أنه شرط في الهبة، والكيل يختص بعقد الربا، ولا يتعداه، فلهذا كان علة. واحتج بأن بيع القصيل بالقصيل جائز لعدم الأكل، وإذا عقد الحب لم يجز لوجود الأكل، وكذلك المسلوخة بالمسلوختين لا يجوز لوجود الأكل، وقد كان قبل ذلك يجوز بيع شاة بشاتين. والجواب: أنا نقلب عليهم فنقول: بيع القصيل بالقصيل يجوز لعدم الكيل، وإذا عقد الحب لم يجز لوجود الكيل، فعلم أن الاعتبار بالكيل. وكذلك المسلوختان، وإنما لم يجز متفاضلًا لوجود الوزن فيهما، [لا] لوجود الأكل. واحتج بأن الكيل موضوع لمعرفة المقادير، فلا يجوز أن يكون علة لتحريم البيع متفاضلًا، كالذرع والعدد. والجواب: أنا قد بينا: أن علة تحريم المبيع زيادة الكيل، وزيادة الكيل لم توضع لمعرفة المقادير.

стр. 1249

على أن زيادة الذرع ليس لها تأثير في تحريم البيع، فلم يجز أن يكون الذرع علة. فعلى هذا القياس لما لم يكن لزيادة الأكل تأثير في تحريم البيع، وجب أن لا يكون الأكل علة، وأما زيادة الكيل فلها تأثير في تحريم البيع، فجاز أن يكون الكيل علة. ولأن الذرع والعد كل واحد منهما لم يجعل علمًا للتخلص من الربا، فلم يكن علة فيه، ولما كان الكيل والوزن مقدارًا [ .... ] جعل علمًا للتخلص، جاز أن يكون علة فيه. واحتج بأن علتنا تلازم المعلول؛ لأن المأكول لا يخرج عن كونه مأكولًا، وعلتكم تفارقه؛ لأن الشيء قد يكون مكيلًا في وقت، ثم تتغير العادة، فيصير موزونًا، وقد يكون مكيلًا في موضع، وموزونًا في موضع آخر، فيجب أن تكون علتنا أولى. والجواب: أن التي تلازم المعلول والتي تفارقه سواء عندنا، ألا ترى أن السوم علة لوجوب السائمة، ويجوز أن تفارق المعلول، ثم هي والتي تلازم المعلول سواء. واحتج بأن علتنا أعم من علتكم وأجرى في الفروع؛ لأنها توجد في جميع المأكولات مثل الرمان والسفرجل والخوخ والبيض والجوز واللوز.

стр. 1250

والجواب: أن كونها أعم لا نرجح به العلة عندنا. وعلى أن هذا يوجب أن تكون علتنا في الذهب والفضة- وهو الوزن والجنس- أولى من علتهم؛ لأنها أعم منها. واحتج بأن علتنا تجري في معلولاتها، ولا يردها أصل، ولا تعارضها علة هي أولى منها، فيجب أن تكون هي علة للحكم. والجواب: أن علتنا تجري في معلولاتها، ولا يردها أصل، ولا تعارضها علة هي أولى منها، فيجب أن تكون هي علة الحكم. على أن قولهم: (لا يردها أصل) غلط؛ لأن الأكل عند مخالفنا علة لتحريم البيع في المكيلات إذا عدم التساوي فيها من جهة المكيل، وقد أجاز بيع الثمرة على رؤوس النخل بالتمر إذا كان خمسة أوسق، وإن لم تعلم المساواة بينهما من جهة الكيل، ولم يجز في خمسة أوسقٍ فصاعدًا، وإن كانت موضوعة على وجه الأرض. وأجاز- أيضًا- بيع البقول التي يأكلها الناس بعضها ببعض متفاضلًا مع وجود العلة التي يعتبرها في هذا الباب. وأجاز بيع السمك والجراد متفاضلًا، وهو مطعوم مباح؛ لأنه لا تقف إباحته على ذكاة، ولكن أكله يقف على ما يستصلح به، فهو كاللحم باللحم لا يباع متفاضلًا، وإن كان أكله يقف على استصلاح.

стр. 1251

واحتج بأن الأكل علة ذاتية، والكيل فعلية، والذاتية أشبه بالعقلية، والفعلية أشبه بالشرعية، وإذا اجتمعت عقلية وشرعية كانت العقلية أولى. والجواب: أن الأكل يختلف، ألا ترى أن الهنيد تأكله العرب، ولا يأكله غيرهم، ولم يمنع اختلاف العادة في الأكل أن يكون علة. والهنيد: شيء يعمل من حب الحنظل، ومن دهنه، حتى قال شاعرهم: غنينا بالهنيد عن الثريد وعلى أن الأكل اعتياد الناس لأكل الشيء وفعلهم [له]، والكيل اعتياد الناس بيعه كيلًا وفعلهم له، فأحدهما كالآخر. واحتج بأن ما ذكرتموه يؤدي إلى أن يكون الجنس الواحد معللًا بعلتين؛ لأن الحنطة فيها الربا؛ لأنها مكيل، فإذا خبزت جرى فيها الربا؛ لأنه موزون، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز تعلل الموزون بعلتين. والجواب: أن الخبز بالصنعة قد صار في حكم جنس آخر، وبهذا انتقل عن أصله في الكيل.

стр. 1252

واحتج بأن الأعيان تكال وتوزن في بلد، ولا تكال وتوزن في غيره، فيؤدي إلى أن يكون الشيء فيه الربا في بعض البلاد دون بعض. والجواب: أنه لا يمتنع ذلك، كما أن الشمس تغيب في بعض البلاد، فيباح الفطر، وهي باقية في غيره، فيحرم الفطر، وتزول في بعضها، فيدخل الوقت. على أن هذا لا يصح على أصلنا؛ لأن الاعتبار عندنا في الأشياء بمكة والمدينة، فما كان مكيلًا بالمدينة فهو مكيل في سائر البلاد، وإن خالف عادتهم، وكذلك الموزون. *فصل: والدلالة على مالك في اعتبار القوت، وما يصلحه من المدخرات: ما تقدم من حديث عبادة وأنس، عن النبي ﷺ : (ما وزن مثلًا بمثلٍ، وما كيل مثل ذلك). وهذا يعم المقتات والمدخر وغيره. وكذلك حديث ابن عمر: (لا تبيعوا الصاع بالصاعين). وبينا أن المراد به: ما يدخل في الصاع، وذلك عام في المقتات وغيره. ولأن غير المقتات، كالسمسم وبزر كتان والأشنان والنورة مكيل،

стр. 1253

فوجب أن يحرم التفاضل فيه. دليله: المقتات المدخر. ولأن التأثير للكيل دون الاقتيات بدليل أنه متى وجدت الزيادة في الكيل حرم البيع، ومتى وجد التساوي جاز البيع، وإن تفاضلا في الاقتيات، مثل قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة عفنة. وإن شئت قلت: إن الزيادة في الاقتيات لها تأثير في تحريم البيع، فوجب أن لا يكون الاقتيات مع غيره علة. دليله: الزيادة في الطعم والزيادة في الذرع. ولأن القوت والادخار ليس بعلم للمقدرات، فلا يكون علة، كاللون والرائحة. والقوت لا يجوز أن يكون علة؛ لأن الملح ليس بقوت، ويجري فيه الربا، وكونه مصلحة للقوت لا يجوز أن يكون علة؛ لأن الماء والحطب من مصلحته، وليس بعلة. واحتج المخالف بأن النبي ﷺ نص على أربعة أشياء جميعها مكيلة، فلو كان المراد مجرد الكيل لاقتصر على واحد منها. قالوا: ولا تنقلب علتنا في القوت؛ لأنا نستفيد بنصه على كل واحد من الأعيان الأربعة ما لا نستفيد بنصه على أحدهما، وهو:

стр. 1254

أنه نبه بالبر على كل مقتات تعم الحاجة إليه، وتقوم الأبدان بتناوله. ونص على الشعير تنبيهًا على مشاركته في معناه مما يقتات حال الضرورة، كالذرة والدخن وغيرهما، وأن انفراده بكونه علفًا للبهائم لا يخرجه عن حكم القوت، وأن الربا لا يتعلق بما يقتات حال الرفاهية والسعة دون حال الضرورة. وذكر التمر تنبيهًا به على العسل والزبيب والسكر وكل حلاوة مدخرة غالبًا للاقتيات، وأن الربا يتعلق بنوع الحلاوات. وذكر الملح تنبيهًا على الأبازير، وما يتبع الاقتيات، ويصلح المقتات، وأن الربا ليس بمقصور، [ولو كان] مراده تعليق الحكم بالقوت، لاقتصر على ذكر الشعير، فيكون منبهًا على ما يقتات حال الضرورة من التمر والزبيب، فلما كرر ذلك التمر والشعير، وهما يقتاتان حال الضرورة، دل على أنه لم يرد تعليق الحكم بالقوت. وجوا آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن تكون العلة الكيل، ولا تقتصر على أحد المكيلات، كما كانت العلة عند مالك في الذهب والفضة كونها ثمنًا، ومع هذا فلم يقتصر على أحدهما، بل قد قال: الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلًا بمثل، كذلك هاهنا.

стр. 1255

واحتج بأن علتنا يتعلق تأثيرها بكل واحد من المنصوص عليه؛ لأنه لو لم يذكره لم يستفد تعلق الربا بنوعه، ولا يوجد ذلك في علتكم؛ فإنه يستوي فيها نصه على واحد منها، وعلى جميعها؛ لأن الكيل واحد فيها. والجواب: أنا قد بينا: أنه قد كان يستفيد بذكر أحدها على غيره؛ لأن في ذكر الشعير تنبيهًا على الحنطة التي هي أعلى منها، وعلى التمر- أيضًا- الذي هو أعلى من الشعير؛ لن فيه قوتًا وحلاوة. واحتج بأن الربا شرع تحريمه حراسة للأموال وحفظًا لها، ولانتفاء الضرر عن الناس فيها، وقد ثبت أنه ليس عام عندنا وعندكم في كل المتمولات، فوجب أن يكون في ما تمس الحاجة إليه، وتشتد الضرورة إلى حفظه، وهي الأقوات، وما في معناها من [ .... ]، وهو الأثمان. والجواب: أن الحاجة لا تمس الملح؛ لأنا نعلم أن الحاجة إليه تابعة لغيره، ومع هذا ففيه الربا، كذلك لا يمتنع في ما عداه أن يكون الربا يجري فيه، وإن لم تمسه الحاجة. وعلى أنا قد بينا: أن الاقتيات لا يجوز أن يكون علة من الوجه الذي ذكرنا.

стр. 1256

٢٧٣ - مسألة لا يجوز بيع تمرةٍ بتمرتين، وحبةٍ بحبتين: نص عليه في رواية جعفر بن محمد: وقد سئل عن تمرة بتمرتين، فقال: لا، كيلًا بكيل، ومثلًا بمثل. وكذلك نقل ابن منصور عنه: أكره تمرة بتمرتين. وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز. دليلنا: ما تقدم من حديث عبادة، عن النبي ﷺ : (الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ، والفضة بالفضة مثلًا بمثلٍ، والبر بالبر كيلًا بكيلٍ). وروى أبو بكر في لفظ آخر: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. ولم يفرق بين القليل والكثير. فإن قيل: الخبر لا يتناول إلا ما يتأتى فيه الكيل، والقليل لا يتأتى فيه الكيل. قيل له: المساواة كيلًا ذكرها في الاستثناء دون المستثنى منه، وتخصيص الاستثناء لا يوجب تخصيص المستثنى منه، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] عام، ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] خاص في الرجعيات.

стр. 1257

وجواب آخر، وهو: أن اليسير يتأتى كيله في حفرة من خشبة أو أرض، أو قشر فستقة، وما أشبه ذلك، فوجب اعتبار المساواة بذلك، وإن خرج عن العادة، كما اعتبرنا المساواة في الموزونات، وإن كانت صغيرتان لا يمكن وزنهما بالميزان في العادة. ولأن كل جنس يجري فيه الربا وجب أن يستوي قليله وكثيره. أصله: الذهب والفضة. فإن قيل: المعنى في الأصل: أن العلة توجد في قليله وكثيره، وهو الوزن مع الجنس، ويعدم في قليل الكيل. قيل له: قد بينا أنها توجد في قليل المكيل، كما توجد في كثيره، وإن خرج عن العادة لقلته، كما يعتبر الوزن في الموزون، وإن خرج عن العادة لكثرته. واحتج المخالف بأنه ليس بمكيل، ولا موزون، فوجب جواز بيع بعضه ببعض متفاضلًا، كالثياب ونحوها. والجواب: أنا لا نسلم أنه ليس بمكيل من الوجه الذي ذكرنا. وعلى أن الثياب جنس لا يجري فيه الربا، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه جنس يجري فيه الربا، فاستوى قليله وكثيره، كالموزون. واحتج بأن على مستهلكها القيمة، فهي كالثياب. والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل عليه المثل دون القيمة.

стр. 1258

ثم المعنى في الثياب ما تقدم. … ٢٧٤ - مسألة [علة] تحريم البيع متفاضلًا في الذهب والفضة زيادة وزنٍ في جنسٍ: نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي، فقال: رطل حديد برطلي حديد لا يجوز قياسًا على الذهب والفضة. ونقل عنه أيضًا: رطل تبرٍ برطلي تبرٍ لا يصلح. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: العلة كونها أثمان الأشياء، وقيم المتلفات. دليلنا: ما تقدم من حديث أنس: (ما وزن مثلًا بمثلٍ إذا كان نوعًا واحدًا)، وهذا عام في جميع الموزونات. ويدل عليه ما روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ بعث سواد بن غزية أخا بني عدي من الأنصار، وأمره على خبير، فقدم عليه بتمر جنيب؛ يعني:

стр. 1259

الطيب، فقال رسول الله ﷺ " (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: لا والله يا رسول الله! إنا نشتري الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة آصع من الجمع، فقال رسول الله ﷺ : (لا تفعل، ولكن بع هذا، واشتر بثمنه من هذا، وكذلك الميزان). ومعلوم أنه لم يرد نفس الميزان؛ لاتفاق المسلمين على جواز بيع الموازين بعضها ببعض متفاضلًا، فعلم أنه أراد به ما يدخل في الوزن، فاقتضى عمومه تحريم التفاضل في سائر الموزونات، ومخالفنا يزعم أن التفاضل في الموزونات لا يحرم إلا الذهب بالذهب والفضة بالفضة خاصة. فإن قيل: هذا دعوى العموم في المضمرات. قيل له: أهل اللغة تحذف المضاف، وتقيم المضاف إليه مقامه، فقوله: (وكذلك الميزان)؛ يعني: ذي ميزان. والاسم إذا بطل حمله على حقيقته، وجب حمله على التوسع؛ لئلا يبطل كلام الرسول ﷺ . ولأن الحديد والرصاص موزون جنسٍ، فوجب أن يحرم التفاضل فيه.

стр. 1260

دليله: الذهب والفضة. أو نقول: زيادة وزن من جنس، فتعلق بها التحريم، كالأثمان. ولأنه لا يعرف بها المقدار، فلم تكن علة لكونه ذهبًا. ولأن علتهم تبطل بالفلوس؛ لأنها إذا أنفقت أثمان، ولا ربا فيها. ولأن تحريم التفاضل من الذهب والفضة مستفاد من جهة النص، ولا معنى لأن تستنبط منهما علة لا تثبت حكمًا في فرع، ولا تفيد إلا ما أفاده النص، ألا ترى أنا لما استفدنا أن الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات بالإجماع، لم يجز أن نستنبط منهما علة لا تثبت حكمًا في فرع، ولا تفيد غير ما أفاده الإجماع. فإن قيل: النص أفاد تحريم التفاضل فيهما، ولم يفدنا المعنى الذي لأجله حرم، وإذا استنبطنا منهما علة عرفنا المعنى الذي به تعلق الحكم، واستفدنا الفرق بين حكم معلل، وبين حكم استأثر الله بعلمه، ولم يطلعنا عليه. قيل له: فيجب أن تطلب العلة في أن الظهر لم كانت أربعًا، والمغرب ثلاثًا لهذا المعنى؟ وجواب آخر، وهو: أنه لا فائدة في معرفة معنى الحكم إذا لم يتعد إلى غيره؛ لأنه لا يفيد إلا ما أفاده النص. وربما سأل المخالف هذا السؤال على وجه آخر، وهو أنه قال: يفيد الفرق بينه وبين غيره.

стр. 1261

قيل له: فهل مثل هذا في الظهر والفجر يجب أن يطلب الفرق بينهما؟! فإن قيل: لا يمتنع أن تكون علة صحيحة، وإن دلت على ما دل عليه النص، كما أن خبر الواحد يكون دالًا على ما دل عليه نص القرآن، ويكون صحيحًا. وقد يكون في الفرع نص، ويصح مع ذلك القياس على أصلٍ بعلته، كما نقول في تحريم النبيذ: فيه نصوص كثيرة، ونقيسه على الخمر، فثبت تحريمها. قيل له: نص القرآن وخبر الواحد كل واحد منهما يدل على نفس الحكم، وما اختلفنا فيه يدل على علته، وعلة الحكم من شأنها أن تكون متعدية مفيدة بدليل علة الربا؛ نحن نعلم أن النص ورد على ستة أشياء، فلما طلبنا علة الحكم، وجب تعديها، فالمخالف يعديها إلى كل مطعوم، ونحن نعديها إلى كل مكيل، كذلك هاهنا. واحتج المخالف بأن الربا لا يثبت في معمول الصفر والنحاس، فلم يثبت في أصله، كالطين، وعكسه: الذهب والفضة. والجواب: أنا لا نسلم الوصف؛ فروى أبو طالب وأحمد بن هشام وحرب: لا يباع فلس بفلسين، ولا سكين بسكينين، ولا إبرة بإبرتين؛ أصله الوزن.

стр. 1262

وبه قال أبو بكر من أصحابنا. ونقل ابن منصور وإبراهيم ويعقوب بن لحيان وحنبل: لا بأس ثوب بثوبين وكساء بكسائين يدًا بيدٍ. فعلى هذا المعنى في المعمول وفي الأصل: أنه لا يكال، ولا يوزن، وهذا موزون جنسٍ، أشبه الذهب والفضة. واحتج بأن إسلام الفضة والذهب في الصفر والنحاس جائز، ولو كان الربا ثابتًا فيهما بعلة واحدة، لم يجز ذلك، كما لا يجوز إسلام الذهب في الفضة، ولا الطعام في الشعير، فلما جاز ذلك ثبت أنه لا تجمعهما علة واحدة في الربا، كالدراهم مع الثياب، والذهب مع الطعام. والجواب: أن القياس يقتضي المنع، لكن أجزناه لأجل الحاجة، وهو: أن الدراهم والدنانير أثمان الأشياء، وبهم حاجة إلى السلم، فلو منعنا من ذلك كان فيه مشقة عظيمة، وللمشقة تأثير بدليل جواز بيع العرايا، وهو بيع رطبٍ بتمرٍ خرصًا لأجل الحاجة، وكذلك قرض الخبز والعجين، والقياس يمنع. وجواب آخر، وهو: أنه إنما لم يجز إسلام الذهب في الفضة لاتفاق معانيها، وهي كونها ثمنًا، وكذلك المكيل متفق المعنى، وهو أن جميعها مثمن، فلما اتفقت الأعيان التي جمعتها العلة في الصفة حرم النساء فيها.

стр. 1263

فأما الوزن فيوجد في أشياء متفقة كلها مثمنة، كالزعفران والحديد والرصاص، فيوجد تحريم النساء فيها لاتفاقها، كما أوجب في المكيلات، ويوجد في أشياء مختلفة بعضها ثمن وبعضها مثمن، فلما اختلف معناها، صار ذلك كاختلاف العلة، فجاز أن يسلم بعضها في بعض. يبين ذلك: أن المكيلات كلها تكال على صفة واحدة، والموزونات تختلف؛ منها ما يوزن بالقبان، ويسامح فيه، كالحديد والرصاص، فدل على افتراق الحكمين، فخرج من هذا أنه إنما جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات لاختلاف معانيها من وجهين: أحدهما: أن أحدهما ثمن، والآخر مثمن. والثاني: أنهما مختلفان في صفة الوزن، فحصلا في حكم الجنسين من هذا الوجه. فإن قيل: فيجب أن لا يجوز سلم الحلي في الزعفران؛ لأن كل واحد مثمن. قيل: الحلي من جنس الثمن، ولهذا يحرم التفاضل فيه. واحتج بأن الوزن معنى يتخلص به من الربا، وجب أن لا يكون علة فيه. أصله: القبض.

стр. 1264

والجواب عنه: ما تقدم في التي قبلها، وهو: أن العلة زيادة وزن من جنس، أو العلة فيه كونه موزونًا، فعلة الربا غير المعنى المخلص من الربا. وعلى أنا قد بينا: أنه لا يمتنع أن يكون علةً لتحريم الوطء، ولإباحة الإفطار. وجواب آخر، وهو: أنه ليس المخلص من الربا الوزن، وإنما المخلص المساواة في الوزن. وجواب آخر، وهو: أن القبض لا يختص عقود الربا، والوزن بختصها من الوجه الذي ذكرنا في التي قبلها. واحتج بأنه معنى يقدر به الشيء، أو جعل لمعرفة المقادير، أشبه العد والذرع. والجواب: أنا قد بينا: أن الزيادة هي علة التحريم، وليس الزيادة هي التي يقدر بها الشيء. على أن زيادة الذرع والعد ليس لها تأثير في تحريم المبيع، فلم يجز أن يكون الذرع والعد علة، وليس كذلك زيادة القدر؛ فإنها تؤثر في تحريم المبيع، وهو الزيادة في الذهب والفضة، فجاز أن يكون الوزن علة.

стр. 1265

ولأن العدد والذرع كل واحد منهما لم يجعل علمًا للتخلص من الربا، فلم يكن علة فيه، ولما كان الكيل والوزن مقدارًا جعل علمًا للتخلص من الربا، جاز أن يكون علة فيه. واحتج بأن علتنا لا تنتقض، ولا تخالف نصًا ولا إجماعًا. والجواب: أن هذه الطريقة لا تدل على الصحة؛ لأن المختلفين في المذهب يعلل كل واحد منهما مذهبة بعلةٍ على هذه الصفة، ثم إحداهما باطلة، فعلم أن هذا بدليل. على أنها تبطل بالفلوس إذا أنفقت؛ فإنها أثمان، ولا ربا فيها عندهم. وعلى أنا ندعي في علتنا مثل ما ادعوه، فلا فرق بينهما. … ٢٧٥ - مسألة لا يجوز بيع فلسٍ بفلسين سواء كانت نافقةً، أو كاسدةً، وسواء كانت بأعيانها: وهذا بناء على المسألة التي بعدها، وأن الربا يجري في معمول الحديد والرصاص. وقد قال أحمد في رواية حنبل: أكره السلم في الفلوس، أو تأخر
следующие страницы →