Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
قيل له: فهل مثل هذا في الظهر والفجر يجب أن يطلب الفرق بينهما؟!
فإن قيل: لا يمتنع أن تكون علة صحيحة، وإن دلت على ما دل عليه النص، كما أن خبر الواحد يكون دالًا على ما دل عليه نص القرآن، ويكون صحيحًا.
وقد يكون في الفرع نص، ويصح مع ذلك القياس على أصلٍ بعلته، كما نقول في تحريم النبيذ: فيه نصوص كثيرة، ونقيسه على الخمر، فثبت تحريمها.
قيل له: نص القرآن وخبر الواحد كل واحد منهما يدل على نفس الحكم، وما اختلفنا فيه يدل على علته، وعلة الحكم من شأنها أن تكون متعدية مفيدة بدليل علة الربا؛ نحن نعلم أن النص ورد على ستة أشياء، فلما طلبنا علة الحكم، وجب تعديها، فالمخالف يعديها إلى كل مطعوم، ونحن نعديها إلى كل مكيل، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن الربا لا يثبت في معمول الصفر والنحاس، فلم يثبت في أصله، كالطين، وعكسه: الذهب والفضة.
والجواب: أنا لا نسلم الوصف؛ فروى أبو طالب وأحمد بن هشام وحرب: لا يباع فلس بفلسين، ولا سكين بسكينين، ولا إبرة بإبرتين؛ أصله الوزن.
стр. 1262
وبه قال أبو بكر من أصحابنا.
ونقل ابن منصور وإبراهيم ويعقوب بن لحيان وحنبل: لا بأس ثوب بثوبين وكساء بكسائين يدًا بيدٍ.
فعلى هذا المعنى في المعمول وفي الأصل: أنه لا يكال، ولا يوزن، وهذا موزون جنسٍ، أشبه الذهب والفضة.
واحتج بأن إسلام الفضة والذهب في الصفر والنحاس جائز، ولو كان الربا ثابتًا فيهما بعلة واحدة، لم يجز ذلك، كما لا يجوز إسلام الذهب في الفضة، ولا الطعام في الشعير، فلما جاز ذلك ثبت أنه لا تجمعهما علة واحدة في الربا، كالدراهم مع الثياب، والذهب مع الطعام.
والجواب: أن القياس يقتضي المنع، لكن أجزناه لأجل الحاجة، وهو: أن الدراهم والدنانير أثمان الأشياء، وبهم حاجة إلى السلم، فلو منعنا من ذلك كان فيه مشقة عظيمة، وللمشقة تأثير بدليل جواز بيع العرايا، وهو بيع رطبٍ بتمرٍ خرصًا لأجل الحاجة، وكذلك قرض الخبز والعجين، والقياس يمنع.
وجواب آخر، وهو: أنه إنما لم يجز إسلام الذهب في الفضة لاتفاق معانيها، وهي كونها ثمنًا، وكذلك المكيل متفق المعنى، وهو أن جميعها مثمن، فلما اتفقت الأعيان التي جمعتها العلة في الصفة حرم النساء فيها.
стр. 1263
فأما الوزن فيوجد في أشياء متفقة كلها مثمنة، كالزعفران والحديد والرصاص، فيوجد تحريم النساء فيها لاتفاقها، كما أوجب في المكيلات، ويوجد في أشياء مختلفة بعضها ثمن وبعضها مثمن، فلما اختلف معناها، صار ذلك كاختلاف العلة، فجاز أن يسلم بعضها في بعض.
يبين ذلك: أن المكيلات كلها تكال على صفة واحدة، والموزونات تختلف؛ منها ما يوزن بالقبان، ويسامح فيه، كالحديد والرصاص، فدل على افتراق الحكمين، فخرج من هذا أنه إنما جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات لاختلاف معانيها من وجهين: أحدهما: أن أحدهما ثمن، والآخر مثمن.
والثاني: أنهما مختلفان في صفة الوزن، فحصلا في حكم الجنسين من هذا الوجه.
فإن قيل: فيجب أن لا يجوز سلم الحلي في الزعفران؛ لأن كل واحد مثمن.
قيل: الحلي من جنس الثمن، ولهذا يحرم التفاضل فيه.
واحتج بأن الوزن معنى يتخلص به من الربا، وجب أن لا يكون علة فيه.
أصله: القبض.
стр. 1264
والجواب عنه: ما تقدم في التي قبلها، وهو: أن العلة زيادة وزن من جنس، أو العلة فيه كونه موزونًا، فعلة الربا غير المعنى المخلص من الربا.
وعلى أنا قد بينا: أنه لا يمتنع أن يكون علةً لتحريم الوطء، ولإباحة الإفطار.
وجواب آخر، وهو: أنه ليس المخلص من الربا الوزن، وإنما المخلص المساواة في الوزن.
وجواب آخر، وهو: أن القبض لا يختص عقود الربا، والوزن بختصها من الوجه الذي ذكرنا في التي قبلها.
واحتج بأنه معنى يقدر به الشيء، أو جعل لمعرفة المقادير، أشبه العد والذرع.
والجواب: أنا قد بينا: أن الزيادة هي علة التحريم، وليس الزيادة هي التي يقدر بها الشيء.
على أن زيادة الذرع والعد ليس لها تأثير في تحريم المبيع، فلم يجز أن يكون الذرع والعد علة، وليس كذلك زيادة القدر؛ فإنها تؤثر في تحريم المبيع، وهو الزيادة في الذهب والفضة، فجاز أن يكون الوزن علة.
стр. 1265
ولأن العدد والذرع كل واحد منهما لم يجعل علمًا للتخلص من الربا، فلم يكن علة فيه، ولما كان الكيل والوزن مقدارًا جعل علمًا للتخلص من الربا، جاز أن يكون علة فيه.
واحتج بأن علتنا لا تنتقض، ولا تخالف نصًا ولا إجماعًا.
والجواب: أن هذه الطريقة لا تدل على الصحة؛ لأن المختلفين في المذهب يعلل كل واحد منهما مذهبة بعلةٍ على هذه الصفة، ثم إحداهما باطلة، فعلم أن هذا بدليل.
على أنها تبطل بالفلوس إذا أنفقت؛ فإنها أثمان، ولا ربا فيها عندهم.
وعلى أنا ندعي في علتنا مثل ما ادعوه، فلا فرق بينهما.
…
٢٧٥ - مسألة
لا يجوز بيع فلسٍ بفلسين سواء كانت نافقةً، أو كاسدةً، وسواء كانت بأعيانها:
وهذا بناء على المسألة التي بعدها، وأن الربا يجري في معمول الحديد والرصاص.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: أكره السلم في الفلوس، أو تأخر
стр. 1266
القبض فيها؛ هو صرف.
وظاهر هذا من كلامه: أنه جعلها جارية مجرى الأثمان.
وقال أبو حنيفة: إن كانت كاسدة، فلا ربا فيها بحال، وإن كانت نافقة، فباعها بأعيانها، جاز فلس بفلسين، وإن باعها بغير أعيانها، لم يجز بيع فلس بفلسين.
دليلنا: أن ما لم يجز بيع بعضه ببعض متفاضلًا إذا كان في الذمة لم يجز إذا كان معينًا، كالذهب والفضة.
فإن قيل: إذا كانت بغير أعيانها صار فلس بفلس قصاصًا، ويبقى فلس لي بإزائه شيء، وهذا لا يجوز؛ لأنه أكل مالٍ بالباطل، وهذا المعنى معدوم فيها إذا كانت بأعيانها، فلهذا جاز التفاضل.
قيل له: هذا باطل ببيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة عينًا بعين؛ فإن القصاص لا يحصل، ومع هذا لا يجوز التفاضل فيها.
فإن قيل: الذهب والفضة قبضها مستحق في المجلس، والفلوس قبضها غير مستحق في المجلس.
قيل له: لا نسلم لك هذا، وقد كرهه أحمد في رواية حنبل.
стр. 1267
واحتج بأنها معدودة، فجاز التفاضل فيها، كالثياب.
والجواب: أنه يبطل بها إذا كانت بغير أعيانها.
وعلى أنا نسلم أنها معدودة، بل هي موزونة، والمعنى في الثياب: أنه يجوز التفاضل فيها إذا كانت في الذمة، وهذا بخلافه.
…
٢٧٦ - مسألة
يجري الربا في معمول الصفر والنحاس والرصاص، ونحو ذلك:
نص عليه في رواية أبي طالب وأحمد بن هشام وحرب فقال: لا يباع فلس بفلسين، ولا سكين بسكينتين، ولا إبرة بإبرتين.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما يثبت الربا بتبره يثبت في معمولة.
دليله: الذهب والفضة، وعكسه: الطين.
فإن قيل: معمولة وتبره موزون، فلهذا جرى الربا فيه، وما عمل منه خرج بالصنعة عن حد الوزن، فصار في حكم المعدود، فلهذا لم يثبت الربا فيه.
стр. 1268
قيل له: ليس الأمر على هذا، بل العادة فيها الوزن، وإن ثمن الثقيل منها أكثر من ثمن الخفيف، فكيف يقال: إنها معدودة؟!
ولو كان هذا لجاز أن يقال: المصوغ من الذهب والفضة معدود، وليس بموزون؛ لأن الخواتيم الصغار والسكاكين المحلاة يقصد منها عددها وصفتها، دون وزنها، ومع هذا فالوزن معتبر فيها.
ولأن كل صفة لو كان عليها الذهب والفضة جرى فيها الربا، فإذا كان عليها الحديد والرصاص جرى فيه الربا.
دليله: إذا كان تبرًا.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية ابن منصور وابن إبراهيم وحنبل ويعقوب بن لحيان في ثوب بثوبين وكساء بكساوين: لا بأس به يدًا بيدٍ.
قيل له: إنما قال هذا في ثياب لا يبتغى منها الوزن، كالصوف والقطن، فأما للإبريسم؛ فإنه لا يجوز ذلك فيها؛ لأنه يبتغى منها الوزن، فهي كالصفر والنحاس.
وذهب المخالف إلى الأسئلة التي تقدمت، وقد أجبنا عنها.
стр. 1269
٢٧٧ - مسألة
التفاضل جائز في الماء:
أومأ إليه أحمد في رواية أبي الصقر في عين ماء بين أقوام بينهم نوائب، فاقترض بعضهم نوبة صاحبه، فقال: إن كان محدودًا يعرف، ثم يجمع، فلا بأس.
فقد أجاز قرضه، ولم يعتبر فيه كيلًا، ولا وزنًا، ولو كان فيه الربا لاعتبر ذلك.
وروي عن مالك رواية: أنه لا يجوز.
وروي عن محمد: أن الماء مكيل.
دليلنا: أن كل ما لم ينص النبي ﷺ على أنه يباع كيلًا، أو وزنًا؛ فإنه يرجع في كونه مكيلًا أو موزونًا إلى مكة والمدينة، وعندهم إلى العادة.
ومعلوم أن الماء ليس بمكيل ولا موزون بمكة والمدينة، ولا في العادة، ولا فيه نص أيضًا، فلم يكن مكيلًا، كالمعدودات والمذروعات.
واحتج المخالف بأن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد، فلو لم يكن مكيلًا ما قدره بالمد والصاع.
والجواب: أنه قدر ذلك بالصاع والمد في الوضوء والغسل بضرب من التقريب، فأما أن يكون مكيلًا في العقود، فلم ينقل ذلك،
стр. 1270
والربا إنما يدخل في ما كان مكيلًا في العقود.
…
٢٧٨ - مسألة
إذا باع جنسًا يجري فيه الربا بعضه ببعض، وتفرقا قبل القبض، بطل البيع، وذلك مثل المكيل بعضه ببعض، والموزون بعضه ببعض:
نص على هذا في رواية صالح فقال: لا يجوز بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر إلا يدًا بيد.
وقال- أيضًا-في رواية أبي طالب: الفلوس والنحاس أصله وزن، لا يباع واحد باثنين، ولا الرطل بالرطلين، أذهب إلى قول الثوري، شبهه بالذهب والورق؛ لا يباع إلا يدًا بيد.
فقد نص على التقابض في البر والشعير والتمر، ونص على ذلك في الحديد والنحاس، وبهذا قال مالك والشافعي، إلا أن مالكًا اعتبر ذلك بأصله، وهو المقتات المدخر.
والشافعي اعتبر المطعوم.
стр. 1271
وقال أبو حنيفة: يجوز التفرق في ذلك قبل القبض، ولا يجوز شرط الأجل فيه.
دليلنا: ما روى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ).
وروى- أيضًا- بإسناده عن عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ نهى أن يباع الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزنٍ، والورق وزنًا بوزنٍ؛ تبره وعينه، وذكر الشعير بالشعير، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والملح بالملح، ولا بأس بالشعير بالبر يدًا بيد، والشعير أكثرهما يدًا بيدٍ، فمن زاد، أو أزاد، فقد أربى.
فشرط في بيع البر بالبر وبيع البر بالشعير أن يكون يدًا بيد، وهذا يمنع جواز التفرق قبل القبض.
فإن قيل: قوله: (يدًا بيدٍ) لا يفيد القبض، وإنما يفيد التعيين، وأنه يكون نقدًا، ولا يكون نسيئة، ألا ترى أن ما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان إلا يدًا بيدٍ. واتفقوا أن القبض في المجلس ليس بشرط في بيع الحيوان بالحيوان؟
стр. 1272
فثبت أنه أراد به التعيين، وأنه لا يكون نسيئة.
ويقال أيضًا: فلان يبيع يدًا بيد؛ يعني: يبيع نقدًا، ولا يبيع نسيئة.
قيل له: حقيقة قوله: (يدًا بيدٍ) تقتضي التقابض في الحال.
ولأنه قد قال: (عينًا بعينٍ)، فلا يجوز أن يحمل قوله: (يدًا بيد) على معنى التعيين؛ لأن فيه حمل اللفظ على التكرار.
ولأنه قد قال: (الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ يدًا بيدٍ)، واتفقنا أن المراد به القبض.
والقياس: أن ما حرم فيه النساء، حرم فيه التفرق قبل التقابض.
دليله: الذهب والفضة.
ولا يلزم عليه بيع الجواهر بعضها ببعض؛ أنه يحرم فيها السلم، ولا يحرم فيها التفرق قبل التقابض؛ لأنا قلنا: (ما حرم فيه النساء)، والتحريم هناك يرجع إلى العقد؛ لأنه عقد على المجهول؛ لأن الجوهرة لا تضبط، فإذا عقد على مجهول كان المحرم هو العقد دون النسيئة.
يدل عليه: أنها لو كانت في حقةٍ، وعقد عليها مع حضورها، لم يصح البيع عندنا، ويكون المحرم العقد لأجل الجهالة دون البيع نقدًا.
وإن شئت قلت: ما حرم فيه النساء لأجل الربا، حرم فيه التفرق قبل القبض، كالذهب والفضة.
стр. 1273
ولا يدخل عليه بيع الجواهر؛ لأن النساء يحرم فيها لأجل الجهالة دون الربا.
يبين صحة هذا: أن التفرق قبل التقابض والنسيئة يجريان مجرى واحدًا، ألا ترى أن الذهب والفضة لما حرما في كل واحد منهما حرما في الآخر، وكذلك رأس مال السلم لما حرم فيه أحدهما حرم الآخر، وما لا ربا فيه لما لم يحرم النساء فيه، لم يحرم التفرق قبل القبض.
فإن قيل: المعنى في الذهب والفضة: أنهما لا يتعينان بالعقد، وإنما يتعينان بالقبض، فكان النساء محرمًا؛ لأن العوض الذي في الذمة غير معين، ومن شرطه أن يكون معينًا، وليس كذلك إذا كانا معينين، فتفرقا قبل التقابض؛ فإن تعينهما بالعقد يغني عن القبض.
قيل: لا نسلم لك هذا؛ لأن الذهب والفضة يتعين بالعقد، ولا يجوز التفرق فيه قبل القبض.
فإن قيل: المصوغ من جنس ما لا يتعين، فألحق بنفسه.
قيل له: إذا فارق جنسه في التعيين، جاز أن يفارقه من حكم
стр. 1274
التعيين، ولا يشترط القبض فيه، كما أن الجزء المشاع من الصبرة لما فارق جنسه في التعيين، فبيع غير معين، فارقه في حكمه عندهم، فاشترط فيه القبض.
وقياس آخر، وهو: أن كل عقد أفسده دخول الأجل فيه، كان القبض في المجلس شرطًا فيه.
دليله: لو باع جزءًا مشاعًا من صبرة.
ولا يلزم عليه بيع الجواهر؛ لأن المفسد هناك الجهالة، وليس المفسد دخول الأجل.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام حتى يقبض.
فظاهره: أنه إذا قبض بعد الافتراق جاز بيعه.
وروي عنه: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع، وصاع المشتري.
والجواب: أن هذا احتجاج من دليل الخطاب، والمخالف غير قائل به.
على أن الخبر قصد به منع التصرف في المبيع قبل قبضه، ولم يقصد به بيان صحة العقد، وهذا يقف على القبض قبل التفرق، وقد بين ذلك في خبرنا، فهو أولى.
стр. 1275
واحتج بأنهما عينان من غير جنس الأثمان، فوجب أن لا يكون القبض في المجلس شرطًا فيهما.
دليله: الأشياء المعدودات، كالحيوان والثياب والعقار.
والجواب: أن المصوغ من الذهب والفضة قد خرج عن أن يكون ثمنًا، ومع هذا فإن القبض شرط في المجلس.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أن الربا لا يدخلها، فلهذا لم يحرم التفرق قبل القبض.
ولا يلزم على هذا الجواهر؛ لأنه لم يحرم للتفرق، وإنما حرمت للجهالة، وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما عينان يحرم فيهما النساء، فحرم التفرق قبل القبض، كالذهب والفضة.
…
٢٧٩ - مسألة
الحنطة والشعير جنسان، يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا ومتماثلًا:
نص عليه في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: فلا بأس بصاع حنطة بصاعين شعيرًا يدًا بيدٍ.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
стр. 1276
وقال مالك: هما جنس واحد، لا يجوز التفاضل فيهما.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية حنبل، فقال: الحنطة والشعير والسلت صنف، وقال: يكره أن يبيع الحنطة بالشعير اثنين بواحد، ويجمعهما في الصدقة.
دليلنا: ما تقدم من حديث عبادة: (ولا بأس بالشعير بالبر، والشعير [أكثرهما]). وهذا نص.
روى أحمد بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح كيلًا بكيل، وزنًا بوزن، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه).
ولون الشعير يخالف لون الحنطة.
رواه أحمد في (المسند).
ولأنهما عينان لا يقتاتان في بلد واحد غالبًا، فوجب أن يكونا جنسين، كالتمر والزبيب.
يبين هذا: أن الزبيب والتمر يتفاوتان في المنفعة، كما يتفاوت التمر والشعير.
فإن قيل: فرق بينهما بدليل أنه تضم الحنطة إلى الشعير في إيجاب الزكاة، ولا يضم التمر إلى الزبيب.
стр. 1277
قيل: قد يضم الذهب إلى الفضة في إيجاب الزكاة، وهما جنسان، وكذلك القطاني.
واحتج المخالف بما روي: أن معمر بن عبد الله أرسل غلامه بصاع من قمح، فقال: بعه، واشتر شعيرًا، فأخذ زيادة بعوض صاع، فقال: رده، ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ)، وكان طعامنا يومئذ الشعير.
والجواب: أنا نحمل قول النبي ﷺ : (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ) على البر بالبر، والشعير بالشعير بدليل حديث عبادة.
وقوله: (كان طعامنا يومئذ الشعير) لا يوجب حمل اللفظ على سببه، بل يعتبر عمومه عندنا.
وأما امتناع معمر بن عبد الله من ذلك، فالجواب عنه كالجواب عما روي عن عمر وسعد ومعيقيب الدوسي وعبد الرحمن بن عبد يغوث بالمنع، وهو محمول على طريق الكراهية منه، دون التحريم بدليل ما ذكرنا من حديث عبادة.
واحتج بأنهما يتقاربان في المنافع، ويتفقان في المنبت والحصاد،
стр. 1278
وأحدهما لا يخلو من الآخر، وكانا كالجنس الواحد اعتبارًا بالعلس مع الحنطة، والقشمش مع الزبيب.
والجواب: أن التمر مع الزبيب يتقاربان في المنافع؛ لأنهما حلوان ويقتاتان، وكذلك الذهب والفضة؛ لأنهما قيم المتلفات، وأروش الجنايات، ومع هذا فهما جنسان، ويجوز التفاضل بينهما، كذلك هاهنا.
فإن قيل: أليس قد جعلتموها في حكم الجنس الواحد في ضم أحدهما إلى الآخر في إيجاب الزكاة، يجب أن تفعلوا مثل هذا في الربا.
والجواب: أن الذهب والفضة يضم بعضه إلى بعض، وكذلك القطاني، ومع هذا لم يوجب ذلك أن يكونا جنسًا واحدًا، وكذلك هاهنا.
وعلى أن في مسألة الضم روايتين.
…
٢٨٠ - مسألة
ما لا ربا فيه يجوز بيع بعضه ببعض نساءً، وهو ما عدا المكيل والموزون في أصح الروايات:
نص عليها في رواية حنبل، فقال: إذا لم يكن أصله الكيل والوزن، فلا بأس به اثنين بواحد يدًا بيد، ونسيئةً.
стр. 1279
وبهذا قال الشافعي، إلا أن الشافعي ما لا ربا فيه عنده: عدا المطعوم.
وفيه رواية أخرى: الجنس بانفراده يحرم النساء.
أومأ إليه في رواية حنبل في موضع آخر: وقد ذكر له قول مكحول: إذا كان الحيوان من صنف واحد فمكروه بيعه نسيئة، وإذا اختلفت فلا بأس؛ البقرة بشاتين، فقال أبو عبد الله: ولا أرى به بأسًا إذا اختلفت، وأتوقاه من جنس واحد.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية ثالثة: العروض بانفرادها يحرم النساء سواء اتفقت أجناسها، أو اختلفت.
نص عليها في مواضع:
فقال في رواية حنبل في موضع آخر: لا يباع شيء من الحيوان اثنين بواحد إلى أجل، وإن اختلفت أجناسهم.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب: لا يعجبني بعير ببعيرين نساءً.
وقال- أيضًا- في رواية أبي الحارث وجعفر بن محمد: ثوب بثوبين يدًا بيد، ولا يجوز نسيئة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن إبراهيم: ثوب قطن بثوبي كتان
стр. 1280
نسيئة لا يجوز؛ اختلف، أو لم يختلف.
وهو اختيار الخرقي.
وقال مالك: الزيادة في الجنس تحرم النساء، فأما التساوي في الجنس، أو الزيادة في الجنسين، فلا تحرم النساء.
وجه الرواية الأولى: ما روى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن العاص: أن الرسول ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، قال عبد الله: ليس عندنا ظهر، فأمره رسول الله ﷺ أن يبتاع ظهرًا إلى خروج المصدق، وابتاع عبد الله بن عمرو بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج المصدق بأمر النبي ﷺ .
قال الدارقطني: حديث صحيح جيد الإسناد.
فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر عبد الله أن يبتاع إبلًا على أن يرد بدلها إبلًا مؤجلة، فابتاع عبد الله بعيرًا ببعيرين إلى أجل، فلو كان الجنس بانفراده يحرم النساء لما أمره النبي ﷺ أن يأخذ إبلًا مؤجلة.
فإن قيل: ليس في الخبر أن النبي ﷺ أمره بإثبات الإبل في ذمته إلى أجل، ويجوز أن يكون أمره بشراء الإبل بالدراهم؛ ليبيع إبل الصدقة، ويقضي من ثمنها.
قيل: في الخبر قال: ابتعت البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
стр. 1281
وهذا يقتضي: أن الشراء وقع على نفس الأبعرة دون أثمانها، وفعل ذلك بأمر النبي ﷺ .
فإن قيل: يجوز أن يكون النبي ﷺ أمره أن يثبت إبلًا مثلها في إبل الصدقة، فأخذ عبد الله على أن تبقى ثابتة في إبل الصدقة، ومثل هذا جائز عندنا، وإنما الخلاف في جواز ثبوتها في الذمة بعقد البيع، وليس في الخبر أنها ثبتت في ذمة النبي ﷺ ، أو في ذمة عبد الله.
قيل له: لا يصح إثباتها في إبل الصدقة؛ لأن العوض المطلق في البيع إنما يثبت في الذمة دون غيرها.
وقد روينا في الخبر: فابتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج المصدق.
والقياس: أنهما عوضان لا يحرم فيهما التفرق قبل التقابض، فوجب أن لا يحرم إسلام أحدهما في الآخر لأجل الربا، أو لا يحرم إسلام أحدهما في الآخر إذا أمكن ضبطه بالوصف.
دليله: بيع ثوب كتان بثوب قطن، أو إبريسم، والثوب الهروي بالمروي.
ولا تلزم عليه الجواهر؛ لأنه لا يحرم فيها التفرق قبل القبض، ولا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لقولنا: لأجل الربا، وهناك لم يمنع لأجل الربا، لكن لأجل الجهالة، ولعدم ضبط صفاته.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه عدم وصفي علة تحريم التفاضل،
стр. 1282
وهو: الجنس، والكيل أو الوزن، وليس كذلك هاهنا؛ لأن أحد وصفي علة تحريم التفاضل موجود، وهو الجنس.
قيل له: إذا كان القياس على الثوب الهروي بالمروي، لم تصح المعارضة في الأصل؛ لأن أحد وصفي العلة موجود، وهو الجنس؛ لأن أصلهما القطن، وهو جنس واحد.
فإن قيل: الصنعة تجعلهما جنسين.
قيل له: الصنعة في الفضة لا تخرجها عن أصلها، ولا تجعلها جنسًا آخر، بل الخلاص من جنس الدراهم المضروبة والحلي سواء.
فإن قيل: الصنعة في الفضة لا تخرجهما عن حد الوزن.
قيل له: وكذلك أواني الحديد والرصاص.
ويبين صحة هذا على أصلنا، وأن الصفة لا تجعله في حكم الجنسين على أصلنا: أن الخل والدبس من جنس واحد عندنا، ولا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، وكذلك الرائب- وهو الدوخ- والحليب جنس واحد، وإن كان الرائب حامضًا بالصنعة، وكذلك المصل بالجبن جنس واحد.
وقد قال أحمد- في رواية أحمد بن سعيد- في اللبن بالزبد والمصل اثنين بواحد: أكرهه؛ لأن أصلهما الطعام، وكذلك الأدهان
стр. 1283
كلها ما كان منها من السمسم لا يجوز واحد باثنين، وإن تفاضلت بالصنعة [ .... ].
وأما الكلام على علة الفرع فيأتي في أدلتهم، إن شاء الله تعالى.
ولأن الأجل أحد وجهي الربا، فوجب أن لا يعم الأموال، أو نقول: فلا يجوز تحريمه بمجرد الجنس.
دليله: تحريم التفاضل؛ فإنه لا يعم جميع الأموال، ولا يتعلق بمجرد الجنس، بل يختص بالمكيل والموزون، وكذلك الأجل يجب أن لا يعم، ولا يتعلق بمجرد الجنس.
ولا يصح قولهم: (إن جهات الربا ثلاثة: التفرق قبل القبض، والنساء، والتفاضل)؛ لأن التفرق قبل القبض والنساء نوع واحد، وهو الافتراق من غير تقابض، والتفاضل نوع آخر من جهة أخرى.
فإن قيل: تحريم النساء أعم وآكد من تحريم التفاضل؛ لأن تحريم التفاضل يختص الجنس الواحد، وتحريم النساء يعم الجنس والجنسين، فلو باع به الشعير مكوك بمكوكين جاز.
قيل له: تحريم التقابض أعم من تحريم التفاضل، ومع هذا لا يعم الأموال، ولا يتعلق بالجنس.
стр. 1284
وبيانه: أن بيع الذهب بالفضة يحرم فيه التفرق قبل التقابض، ولا يحرم التفاضل في ذلك.
واحتج المخالف بما روى أحمد في (المسند) بإسناده عن سمرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
والجواب: أنا نحمل ذلك على النسيئة في العوضين جميعًا، وهو الظاهر من الخبر؛ لأن النسيئة صفة الحيوان المذكورة في الخبر، فرجع إليهما جميعًا، وتكون الدلالة على هذا خبرنا، وهو أحصر.
واحتج بما روى أبو بكر بإسناده عن أسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الربا في النسيئة).
والجواب: أنه محمول على ما يجرى فيه الربا بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن الجنس أحد وصفي علة تحريم التفاضل يدًا بيد، فوجب أن يحرم النساء.
دليله: المعنى المضموم إلى الجنس، وهو الكيل.
قالوا: ولا يلزم عليه الدراهم في سائر الموزونات؛ لأن من أصلنا جواز تخصيص العلة الشرعية.
وقد احترز بعضهم عن ذلك، فقال: أحد وصفي علة تحريم
стр. 1285
التفاضل في غير جنس الأثمان، أو في ما يتعين.
ولا يلزم عليه الدراهم في سائر الموزونات؛ لأنها من جنس الأثمان، ولأنها لا تتعين.
والجواب: أنا لا نسلم: أن التحريم في الأصل ثبت لوجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل، وإنما ثبت لوجود علتيه، وهو الكيل والجنس.
فإن قاسوا على المكيل من جنسين، كالحنطة والشعير، وأنه يحرم النساء لوجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل، فالمعنى في الأصل: أنهما عوضان يحرم إسلام أحدهما في الآخر لأجل الربا، فلهذا حرم فيهما النساء، وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما عوضان لا يحرم التفرق فيهما قبل التقابض، فوجب أن لا يحرم النساء.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: ما ذهبتم إليه يفضي إلى أن يكون المعقود عليه- وهو الثمن- مستحقًا، وهو إذا أسلم في ثوب هروي ثوبًا مرويًا، ثم حل الأجل، استحق عليه تسليم ما كان ثمنًا، فلم يجز ذلك.
قيل: يجوز ذلك إذا كان استحقاقه بسبب آخر، وهو كونه عوضًا عما في ذمته، بمثابة ما لو باع الثوب الذي كان عوضًا في السلم، ثم اشتراه؛ فإنه يصح، وإن كان مستحقًا في العقد الأول، ومستحقًا في العقد الثاني.
стр. 1286
* فصل:
والدلالة على مالك في جواز التفاضل في ذلك: ما تقدم من حديث عمرو بن العاص؛ وأنه أخذ بعيرًا ببعيرين إلى إبل الصدقة.
ولأنهما عوضان لا يحرم النساء فيهما مع التساوي، فلم يحرم مع التفاضل.
دليله: الجنسان.
وعكسه: الذهب والفضة؛ لما حرم النساء فيهما مع التساوي، حرم مع التفاضل.
واحتج المخالف بعموم قوله ﷺ : (إنما الربا في النسيئة).
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن في الزيادة ذريعة إلى القرض الذي يجر نفعًا؛ لأنه كأنه أقرضه بعيرًا ببعيرين إلى أجل؛ لأنه ليس هناك اختلاف أغراض، وتباين منافع، فيحمل التفاضل عليه، فلم يبق إلا ما قلنا، وإذا قويت التهمة فيه منعناه؛ لكونه ذريعة إلى الأمر الممنوع منه.
ويفارق هذا إذا تساويا؛ لأن هذه الذريعة معدومة.
قالوا: ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب في من باع طعامًا إلى أجل، فحل الأجل: فلا يأخذ قيمته طعامًا، ولا تمرًا، ولا شيئًا يكال ويوزن؛ لأنه يؤدي [إلى] دخول النساء في ما يدخله الربا.
والجواب: أنه لا يجوز أن يحمل على القرض، وله وجه مقصود
стр. 1287
في البيع؛ لأنه قد يقصد الربح ببيع بعير ببعيرين نساء، كما يقصد ذلك بعقد السلم، فوجب حمله عليه.
واحتج من نصر الرواية الثالثة بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما في النسيئة).
والجواب: أنه محمول على ما يجري فيه الربا.
واحتج بأن الأشياء نوعان: أثمان، ومثمنات.
ثم ثبت أن الأثمان تحرم النساء بانفرادها، كذلك المثمنات.
والجواب: أن المعنى في الأثمان: أن يجري فيها الربا، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يجري فيه الربا.
واحتج بما روى أحمد في ما تقدم في مسألة علة الربا بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين)، فقام رجل، فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيب بالإبل؟
فقال: (لا بأس إذا كان يدًا بيد).
فقد اعتبر القبض في بيع الحيوان متفاضلًا.
والجواب: أنه محمول عليه إذا كان النساء من الطرفين، فيحصل بيع دين بدين.
فإن قيل: فذلك لا يكون يدًا بيد، وإنما يكون يدًا بنسيئة.
стр. 1288
قيل: إنما قال: (يدًا بيدٍ) على طريق إلحاق أحدهما بالآخر اسمًا، وذلك كثير في اللغة؛ قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، والنسيان إنما كان في أحد الطرفين، وهو في حق الآدمي، وإنما أخرجه للجزاء.
…
٢٨١ - مسألة
إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، فباع من أهل الحرب درهمًا بدرهمين، أو درهمين بدرهمٍ، لم يجز:
نص عليه في رواية أبي الحارث وابن إبراهيم وابن القاسم: وقد سئل عن الأسير يشتري الدرهم بدرهمين، فقال: معاذ الله! ما أحل الله الربا في موضع من المواضيع.
وقال- أيضًا- في رواية المروذي: وقد سئل عن الربا في بلاد العدو، قال: لا.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما روى عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل).
стр. 1289
ولم يفرق بين دار الحرب ودار الإسلام، فهو على العموم.
ولأن ما حرم فعله عل المسلم في دار الإسلام، حرم في دار الحرب، كالزنا وارتكاب الفواحش.
وإن شئت قلت: لأنها إحدى الدارين، فلم يجز فيها بيع درهم بدرهمين.
دليله: دار الإسلام.
فإن قيل: سائر الفواحش لا يجوز استباحتها على أهل دار الحرب بوجه، وليس كذلك هاهنا، لأن ما أخذه على وجه الاستباحة، ولا خلاف أن أخذ مال الحربي على وجه الاستباحة يجوز، فلهذا فرقنا بينهما.
قيل له: فيجب أن يأخذه في دار الإسلام على الوجه الذي يأخذه في دار الحرب؛ لأن أخذ ماله يجوز على وجه الاستباحة.
قيل له: دار الإسلام دار إباحة في حق الحربي إذا لم يكن له أمان.
يدل عليه: أنه إذا دخل دار الإسلام؛ فإنه يؤخذ، وما معه من المال، كما يؤخذ في دار الحرب، وإذا كان له أمان منع الأمان من أخذ ذلك.
وكذلك دار الحرب دار إباحة لمن لا أمان له من الكفار، ومن له أمان لا يجوز أخذ ماله.
وقد نص أحمد على هذا في رواية الميموني: وقد سئل عن بيع
стр. 1290
الأسير في أرض العدو الدرهم بالدرهمين، فقال: إذا كان موثقًا في أيديهم، ولم يأتمنوه، سرق منهم، وأخذ ما شاء، وإذا دخل بأمان لم يبع الدرهم بالدرهمين، ولم يسرق.
فإن قيل: فيجب إذا سرق منهم مالًا، أو قهرهم على مال، وخرج إلى دار الإسلام: أن لا يملكه، ويجب رده إليهم.
قيل: هكذا نقول: إذا دخل دار الحرب بأمان، وكذلك إذا استقرض منهم، واشترى منه في ذمته، وخرج إلى دار الإسلام، وجب عليه أن ينفذ العوض إلى صاحبه.
وقد قال أحمد في رواية أبي داود في أسير قال لعلجٍ: أخرجني إلى مأمني، وأعطيك كذا: يفي له بذلك، فإن لم يجد يفديه المسلمون، إن لم يوجد في بيت المال.
واحتج المخالف بما روى مكحول، عن النبي ﷺ قال: (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب).
فنفى أن يكون بينهم ربا.
والجواب: أنا لا نعرف هذا الخبر.
ولو صح حملنا قوله: (لا ربا)؛ معناه: لا يجوز الربا، كما [قال ﷺ ]: (لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام).
стр. 1291
وقوله: (لا صرورة في الإسلام).
وقوله: (لا صلاة إلا بطهور). وما أشبه ذلك.
فيكون حجة عليهم، وتكون فائدة التخصيص بدار الحرب؛ ليبين أنها- وإن ما يأخذه المسلم من الحربي في دار الحرب لا يأخذه على وجه البيع؛ لأن بيع درهم بدرهمين لا يجوز، وإنما يأخذه على وجه الاستباحة، وله أن يأخذه على هذا الوجه؛ لأن أموالهم مباحة لنا ما لم يحظره الأمان، فإذا أعطاه درهمين بطيبة نفسه، وأخذ درهمًا، حملنا الأمر على الوجه الذي يجوز، وهو أن ذلك القدر لم يدخل تحت الأمان.
والجواب: أنها في حق من دخل إليهم بأمان دار حظر، وليست بدار إباحة.
وعلى أنها دار إباحة في حق الكفار، فأما المسلمون وأموالهم غير مباحة فيها، والخلاف في المسلمين إذا تبايعوا فيما بينهم، وإذا تبايعوا
стр. 1292
مع أهل الحرب واحد.
ثم يبطل هذا بمن تزوج منهم بخمس نسوة، فيجب أن تكون مأخوذة بالاسترقاق دون العقد، ويجب إذا قتل منهم في دارهم، وبيع جسده بمال أن يملك المال بالاستباحة، ولا يجوز ذلك لما روى ابن المنذر في كتابه عن ابن عباس: أن مشركًا قتل يوم الأحزاب، فبعث المشركون إلى رسول الله ﷺ : ابعث إلينا جسده، ونعطيك عشرة آلاف درهم، فقال رسول الله ﷺ : (لا خير في جسده، ولا ثمنه).
وهذا يدل على أن أخذ المال على ذلك لا يحل.
فإن قيل: هذا كان بالمدينة في الوقت الذي حاصروا النبي ﷺ ، وكانت دار إسلام.
ولأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ فعل ذلك غيظًا لهم، واستخفافًا بهم.
قيل له: النبي ﷺ جعل العلة في رد ديته؛ لأنه لا خير في جسده، وعلى قولهم العلة فيه أنه كان في دار الإسلام، أو قصد غيظهم، وهذا خلاف الظاهر.
стр. 1293
٢٨٢ - مسألة
المكيلات المنصوص عليها مكيلة أبدًا، لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلًا، والموزونات المنصوص عليها موزونة أبدًا، وما لم ينص على تحريم التفاضل فيه كيلًا ولا وزنًا، فالمرجع فيه إلى عرف العادة بالحجاز في عهد رسول الله ﷺ ؛ فما كانت العادة فيه الكيل، لم يجز إلا كيلًا في سائر الدنيا.
وما كانت العادة فيه الوزن، لم يجز إلا وزنًا في سائر الدنيا.
فأما ما ليس هناك عرف، أو حدث لشيء عرف بعد النبي ﷺ احتمل أن يرد إلى أقرب الأشياء به شبهًا بالجحاز، واحتمل أن يعتبر بحاله بالعرف في موضعه:
وقال أبو حنيفة: ما لم ينص على تحريم التفاضل فيه كيلًا، ولا وزنًا، فالمرجع فيه إلى عادة الناس، ولا نخصه بعادة أهل الحجاز.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال المدينة).
وفي رواية أخرى: (المكيال مكيال أهل المدينة، ولا ميزان إلا بمكة).
وإنما قصد رد البلاد كلها إلى هذين البلدين، ولم يرد أيضًا: أن
стр. 1294
الاعتبار بمكيال المدينة دون مكيال مكة، ولا اعتبار بميزان مكة دون المدينة.
ولأن العرف في البلدان يومئذ سواء، وإنما نص على مكيال المدينة؛ لينبه به على مكيال مكة، ونص على ميزان مكة؛ لينبه به على ميزان المدينة.
فإن قيل: يحمل المكيال مكيالهم في تقدير الصاع بالكفارات، والميزان ميزانهم في نصاب الزكاة.
قيل: هذا تخصيص بغير دليل.
واحتج المخالف بما روي في حديث عبادة وأنس: أن النبي ﷺ قال: (ما وزن مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا)، ولم يفصل.
والجواب: أنه محمول على ما نص على وزنه أو كيله بما ذكرنا.
واحتج بأن ما لم ينص على كونه مكيلًا، جاز بيع بعضه ببعض وزنًا.
أصله: الدراهم والدنانير.
ولم ينص على كونه موزونًا، جاز بيع بعضه ببعض كيلًا.
أصله: الطعام والملح.
стр. 1295
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه منصوص عليه وزنًا وكيلًا، فلهذا جاز، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير منصوص على كونه وزنًا، ولا يثبت عرفه بالحجاز وزنًا، فلم يجز بيعه وزنًا، كالطعام.
واحتج بأن كل بقعة لا تعتبر عادة أهلها في غير زمن النبي ﷺ ، لا تعتبر عادة أهلها في زمن النبي ﷺ ، كسائر البقاع.
والجواب: أنه إن ما لم يعتبر في غير زمن النبي ﷺ ، وأقر عليه، فهو شرعه وأمره، وليس إذا لم يجب العمل بفعل غيره وقوله، لا يجب بقوله [ .... ].
…
٢٨٣ - مسألة
لا يجوز بيع الحنطة بالدقيق في أصح الروايتين:
رواها ابن إبراهيم، وابن بختان، وأبو الحارث، وابن منصور في إحدى الروايتين.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وفيه رواية أخرى: يجوز ذلك وزنًا.
رواها ابن منصور في موضع آخر.
стр. 1296
وروى حرب- أيضًا- عنه: وقد سئل عن بيع الدقيق بالخبز، فلم يعجبه، وسهل في الدقيق بالبر وزنًا.
واختلف أصحاب مالك في تحصيل مذهبه في بيع الحنطة بالدقيق؛ فمنهم من قال: المسألة على روايتين.
ومنهم من قال: المسألة على اختلاف حالين؛ فإن كان كيلًا لم يجز، وإن كان وزنًا جاز.
وكذلك الخلاف في بيع الحنطة بالسويق، وبيع السويق بالدقيق.
وقال في رواية حنبل: لا بأس بالبر بالسويق، والسويق بالدقيق وزنًا، ولا يجوز كيلًا.
وقال في رواية أبي الحارث: السويق بالحنطة أكرهه.
وكذلك في رواية مهنا: أكره حنطة مقلية بغير مقلية.
فالدلالة على أنه لا يجوز في الجملة هو: أنه جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض على صفة ينفرد أحدهما بالنقصان عن الآخر في المستقبل، في ما قدر به، فلم يجز.
دليله: بيع الرطب بالتمر.
وافق مالك على ذلك، والرواية لا تختلف عن أحمد في ذلك أيضًا.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأنهما يتساويان في النقصان.
ولا تلزم عليه الحنطة العفنة بالجيدة؛ لأن النقصان لا يحصل في ما قدر به.
стр. 1297
وإن شئت قلت: جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض على صفتين مختلفتين، أشبه الرطب بالتمر.
ولا يلزم عليه الرطب بالرطب؛ لأن الصفة واحدة.
والأولى أصح؛ لأن هذه تنتقض بالعفنة والجيدة، والبياض مع السواد.
فإن قيل: فيجب إذا باع حنطة بدقيق، ثم طحنت الحنطة، فلم يزد كيلها على كيل الدقيق؛ أن يجوز.
قيل له: الغالب أنها تزيد، والحكم للغالب.
واحتج المخالف بأن الدقيق هو الحنطة بعينها، وإنما تفرقت أجزاؤها، فصار كالصحاح بالمكسرة.
والجواب: أن التساوي هناك بالوزن، وقد وجد، وهو المعتبر، والتساوي هاهنا يعتبر بالكيل، وهما [غير] متساويين.
ولأن الحنطة إذا طحنت زادت على كيل الدقيق، فلذلك لم يجز.
*فصل:
فإن قلنا: يجوز بيع الحنطة بالسويق، وبيع السويق بالدقيق، فإنما يجوز متساويًا، ولا يجوز متفاضلًا.
стр. 1298
نص عليه في رواية حنبل.
وقال مالك وأبو يوسف ومحمد: يجوز متساويًا ومتفاضلًا.
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثل).
واسم الطعام يتناول الدقيق والسويق باتفاق، فوجب اعتبار المساواة فيه لعموم الخبر؛ لأن الدقيق والسويق من أجزاء الحنطة، فلا يجوز التفاضل فيهما.
دليله: الدقيق بالدقيق، والخبز بالخبز.
وإن شئت قلت: هما من أجزاء الحنطة، فكانا جنسًا واحدًا.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن الصنعة قد غيرت حكم السويق، وجعلته جنسًا مفردًا عن الحنطة، وللتغيير بالصنعة تأثير في اختلاف الجنسية، ألا ترى أن لحم الضأن والمعز لا يجوز متفاضلًا، ثم بيع النيئ بالمطبوخ منه متفاضلًا جائز؛ لاختلاف الأغراض منه، كذلك السويق والدقيق.
وربما قالوا: كل واحد منهما لا يعود مثل صاحبه، فهو كالناطف والخل.
والجواب: أن هذا المعنى موجود في الدقيق مع الحنطة؛ فإن
стр. 1299
الصنعة قد غيرت حكم الدقيق، وجعلته في حكم جنس آخر لاختلاف المنافع، وكذلك الحنطة المقلية وغير المقلية جنس واحد عند أبي يوسف ومحمد، ولا يعود مثل صاحبه، ومع هذا فلا يجوز التفاضل.
وقد نص أحمد على هذا في رواية مهنا: وقد سئل عن الحنطة المقلية بغير المقلية، فكرهه.
وما ذكروه من اللحم النيئ بالمطبوخ، وأنه يجوز متفاضلًا، فغير صحيح؛ لأنه لا يجوز عندنا؛ لا متفاضلًا، ولا متساويًا؛ لأنه يجري مجرى الرطب بالتمر، والخبر بالحنطة.
وكذلك الناطف بالخل لا يجوز.
وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن القاسم: وقد سئل عن اللحم المطبوخ باللحم النيئ، وأن مالكًا يقول: لا بأس بهم تفاضلًا لما قد دخله من الصنعة، فكرهه. قيل له: يقولون في اللحم النيئ بالمشوي: لا يجوز، فقال: نعم، هكذا هو. وقيل له: واللحم الطري بالقديد؟ فقال: هذا بمنزلة الرطب بالتمر؛ لأن اللحم الطري رطب، وهذا يابس.
وقد نص- أيضًا- في بيع الخبز بالحنطة في رواية ابن
стр. 1300
إبراهيم، فقال: لا يعجبني.
ونص في رواية ابن القاسم وسندي في بيع الخبز بالدقيق: لا يجوز.
…
٢٨٤ - مسألة
يجوز بيع الدقيق بالدقيق إذا كانا على صفة واحدة من النعومة:
ذكره أبو بكر في كتابه (الشافعي).
وهذه المسألة تدل على أن للدقيق مثل؛ إذ لو لم يكن له مثل لم يجز بيع بعضه ببعض لعدم المساواة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز، ولا مثل له عنده.
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ).
واسم الطعام يتناول الدقيق باتفاق.
وكل عين جاز بيع بعضها ببعض قبل تفرق أجزائها، جاز بعد تفرقها إذا جاز تفريقها.
دليله: الشيرج بالشيرج، والعصير بالعصير.
следующие страницы →