← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وروى أبو عبد الله بن بطة في «سننه» قال: ثنا القاضي المحاملي، قال: ثنا زياد بن أيوب قال: ثنا شبابه قال: ثنا شعبة، عن مسلم القرى: سمع ابن عباس يقول: أهل النبي ﷺ بعمرٍة، وأهل أصحابة بالحج. وروى أبو عبد الله قال: ثنا أبو بكر محمد بن محمود قال: ثنا الأشعث حمد بن المقدام العجلي، قال: نا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن طارق، عن ابن عباس قال: عجبت لمعاوية، وهو يقول في المتعة، وهو حدثني: أن رسول الله ﷺ تمتع، فقصر بمشقٍص. وروى أحمد في «المسند» قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: قدمت على النبي ﷺ ، وهو منيخ بالأبطح، فقال لي: «حججت؟» قلت: نعم، قال: «فبم أهللت؟» قال: قلت: لبيك بإهلاًل كإهلال النبي ﷺ ، قال: «قد أحسنت» قال: «طف بالبيت، وبالصفا والمروى، [ثم أحل]». ثم أتيت امرأة من بني قيس، ففلت رأسي، ثم أهللت بالحج، فكنت أفتي به الناس حتى كانـ[ـــت] خلافة عمر، فقال لي رجل: يا أبا موسى! -أو يا عبد الله بن قيس! -رويدك بعض فتياك؛ فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك [بعدك]، قال: فقال: يا أيها

стр. 212

الناس! من كنا أفتيناه فتيا، فليتئد؛ فإن أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك لعمر، فقال: إن آخذ بكتاب الله، فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن آخذ بسنة رسول الله، فإن رسول الله ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله. وروى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ اعتمر قبل أن يحج. وروى بإسناده عن ابن عباس قال: تمتع النبي ﷺ . قال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون! أقول: قال النبي ﷺ ، ويقول: نهى أبو بكر، وعمر، وعثمان! وأول من نهى عنه معاوية. قد ذكر أبو الحسن بن المظفر الحافظ في «سننه» من المناسك بابًا، وساق فيه أخبارًا كثيرة عن النبي ﷺ : أنه تمتع، وعن جماعة من الصحابة: أنهم اختاروا ذلك، منهم على وغيرة. وإذا ثبت بهذه الأخبار: أن النبي ﷺ كان متمتعًا، ثبت: أن التمتع أفضل؛ لأنه لا يختار من العمل إلا أفضله، سيما فيما لا يتكرر فعله، والحج لم يتكرر من النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣].

стр. 213

فإن قيل: كيف يجوز أن تعتقدوا صحة هذه الأخبار، وقد رويتم من الطرق الصحاح: ن النبي ﷺ كان مفردًا، وكذلك أصحابه، وأنه فسخ على أصحابه، فاعترضوا عليه، فقال: «[لو] استقبلت من أمري ما استدبرت، لجعلتها عمرًة، ولكن لبدت رأسي»، واعتمدتم على ذلك في جواز فسخ الحج إلى العمرة، فلا يخلو: إما أن يكون ما رويتموه من التمتع باطلًا، وما رويتموه من الإفراد صحيحًا، فلا يصح احتجاجكم به في فعل التمتع. أو يكون ما رويتموه من التمتع صحيحًا، وما رويتموه من الإفراد باطلًا، فلا يصح احتجاجكم به في فسخ الحج. قيل: يمكن الجمع بينهما من غير إسقاط أحدهما، وهو: أنه حين أمر أصحابه بالفسخ كان محرمًا بالحج، وكانت العمرة قد سبقت منه، وتحلل منها، وهذا ظاهر حديث ابن عمر: بدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. فبين أن العمرة سبقت منه، ثم أحرم بالحج، فحصل أمره لهم بالفسخ في حال تلبسه بالحج، وامتنع من الفسخ بعد ذلك لوجهين: أحدهما: أنه كان قد ساق الهدي.

стр. 214

والثاني: لأنه قد [تقدمت منه العمرة]، فلا فائدة في الفسخ. فإن قيل: النبي ﷺ جعل العلة في امتناعه [من الفسخ سوق] الهدي، ولم يجعل العلة وجود عمرة منه، وتأسف على الفسخ، ولو سبقت منه عمرة [ما تأسف] على ذلك. قيل: يجوز أن يذكر إحدى العلتين، ولا يذكر الأخرى، كما جاز أن يذكر بعض العلة، ويكل الباقي إلى المجتهد. وأما تأسفه على الفسخ، فلأنه أحب الوفاق بينه وبين أصحابه في الفعل، ولم يحب الاختلاف. يبين صحة هذا: ما رواه أبو داود بإسناده عن عائشة: أن النبي ﷺ قال:» لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولأحللت مع الذين أحلوا من العمرة». قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا. وقد ذكر ذلك في حديث عائشة: «أحب أن يكون أمر الناس واحدًا». فإن قيل: قوله: «وتمتع الناس معه» يمنع أن يكونوا محرمين بالحج.

стр. 215

قيل: قوله: «تمتع الناس معه» محمول عليه لما فسخ عليهم حجتهم، فصاروا معتمرين. وطريقة أخرى اعتمد عليها أحمد في رواية الجماعة؛ صالح، وعبد الله، وابن منصور، وابن هانئ، فقال: المتعة آخر الأمر من رسول الله ﷺ لأصحابه أن يحلوا؛ يعني: من حجهم ليتمتعوا. وقد روي ذلك من طرق: فروى أحمد في «المسند» بإسناده عن جابر: أن رسول الله ﷺ أهل وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم يومئٍذ هدي، إلا النبي ﷺ وطلحة، وكان على قدم من اليمن، ومعه هدي، فقال: أهلت بما أهل به رسول الله ﷺ ، وإن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة، [و] يطوفوا، ثم يقصروا -فلما قدم مكة قال: «اجعلوها عمرًة» فهو آخر الآمر به - و [يـ] حلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منًى، [وذكر أحدنا يقطر]، فبلغ ذلك ﷺ فقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، وما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت»، وذكر الخبر. وروى -أيضًا- بإسناده عن أنس قال: خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة، فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لجعلها عمرًة، ولكن سقت الهدي، وقرنت

стр. 216

بين الحج والعمرة». وروى بإسناده عن عائشة قالت، خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا أنه الحج، فأمر رسول الله ﷺ من كان معه الهدي أن يمضي على إحرامه، ومن لم يكن معه الهدي أن يحل إذا طاف. وروى -أيضًا- بإسناده عن ابن عباس قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا، فأمرهم، فجعلوها عمرة، ثم قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لفعلت كما فعلوا، ولكن دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» [ثم أنشب] أصابعه بعضها في بعض، فحل الناس كلهم إلا من كان معه هدي. فوجه الدلالة من هذه الأخبار من وجهين: أحدهما: أنه فسخ عليهم الحج إلى العمرة. والثاني: أنه تأسف على ذلك. فلولا أن التمتع أفضل لم يأمر به، ولم يتأسف عليه. فإن قيل: لم يأمرهم بالفسخ لفضيلة التمتع، لكن لأنهم ما كانوا

стр. 217

يعتقدون [أن] العمرة في أشهر الحج جائزة، وكانوا يقولون: إذا انسلخ صفر، وبرا الدبر، وعفا الأثر، فقد حلت العمرة لم اعتمر. قيل: لم يكن الفسخ لهذه العلة، وإنما كان للمعنى الذي ذكرنا لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كما قالوه، لم يخص به من لم يسق الهدي؛ لأن الجميع كانوا في الاعتقاد على حد سواء. والثاني: أنه لو كان كذلك، لم يتأسف على الفسخ إلى العمرة؛ لأنه كان يعتقد جوازها في أشهر الحج، فلما جعل العلة في منع الفسخ في حقه سوق الهدي، امتنع أن تكون العلة ما قالوه، وكان يجب أن يقول: أنا معتقد لجوازها. وروى أبو حفص العكبري بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ ومعنا الزبير، فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه هدي فليتم في إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل»، وكان مع الزبير هدي، فأقام على إحرامه. وقد صرح بأن العلة سوق الهدي: فروى أبو داود بإسناده عن حفصة زوج النبي ﷺ : أنها قالت: قلت

стр. 218

لرسول الله ﷺ : ما شأن الناس حلوا، ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: «إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر». وفي رواية ابن بطة قالت حفصة: أمرنا رسول الله ﷺ بعمرٍة، فقلت: يا رسول الله! ما يمنعك أن تحل؟ قال: «إني أهديت، ولبدت». فإن قيل: فالدلالة على [أن] الفسخ لم يكن لهذه العلة: ما رواه ابن بطة بإسناده عن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا، أو لمن بعدنا؟ فقال: «لا، لنا خاصة». فلو كان المراد به فضيلة التمتع، لم يختص به؛ لأن فضيلة ذلك عامة في كل الناس. قيل له: معنى قوله: «لنا خاصة» من بين من ساق الهدي، دون من لم يسق؛ لأن من ساق لا يجوز له الفسخ. وجواب آخر، وهو: أن هذا الحديث ضعيف. قال عبد الله: قيل لأبي: حديث بلال بن الحارث؟ قال: لا أقول به، ولا نعرف هذا الرجل، ولم يروه إلا الدراوردي، وحديث بلال عندي ليس يثبت؛ لأن الأحاديث التي تروى: «اجعلوا حجكم عمرة». وقال في رواية الفضل، وابن هانئ: من الحارث بن بلال؟ ومن روى عنه؟ أبوه من أصحاب النبي ﷺ ، فأما هو لا.

стр. 219

وقال في رواية [الميموني: أرأيت] لو عرف بلال بن الحارث إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ [يرون] ما يرون [من الفسخ]، أين يقع بلال بن الحارث منهم؟ فقد قابل أحمد بين رواية بلال، وبين رواية غيره، ورجع رواية غيره- وأنها على العموم من غير تخصيص- بكثرة العداد. وقال في رواية: ليس يصح حديث في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر الصديق، وشطٍر من خلافة عمر. فقد بين أحمد في رواية الفضل وابن هانئ وجه ضعفه، وأنه من جهة الحارث بن بلال، وأنه مجهول لا يعرف. فإن قيل: فالذي يعضد هذه الرواية ما روى ابن بطة بإسناده عن أبي ذر قال: لم يكن لأحد أن يفسخ حجة إلى عمرة، إلا الركب من أصحاب رسول الله ﷺ خاصة. قيل: قد قال أحمد في رواية الأثرم: رواه مرقع الأسدي عن أبي ذر: شاعر من الكوفة، ولم يلق أبا ذر. وعلى أن هذا تأويل من أبي ذر، فلا يلزم قبوله، ويعارضه ما رواه

стр. 220

أبو حفص بإسناده عن ابن عباس: أنه كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا يسق الهدي. وجوب آخر عن هذا الخبر،] و [الذي قبله، وهو: ما رواه ابن بطة في مسألة مفردة بفسخ الحج بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن سراقة ابن مالك بن جعشٍم سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت ما أمرتنا به من المتعة، وإحلالنا من حجتنا، ألنا خاصة، أم هو شيء للأبد؟ قال: «بل هي للأبد». وفي لفظ آخر قال: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة، أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد». ومعنى قوله: «هي للأبد» يريد: حكم الفسخ باق على الأبد. وروى طاوس قال: علي ﵁ هـ الذي سأل النبي ﷺ : الفسخ لمدتنا هذه أم لأبد؟ قال: «للأبد». وروى طاوس: قال له رجل: مدتنا هذه؟ قال: «لا، بل للأبد». وهذه الألفاظ تدل على أنهم لم يكونوا مخصوصين بذلك. والقياس على أبي حنيفة: أن إفراد النسكين عن الآخر أفضل من الجمع بينهما قياسًا على حجة كوفية وعمرة مفردين: أنهما أفضل

стр. 221

من القران، وإلى هذا المعنى أشار أحمد. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه أنشأ لكل واحد منهما سفرًا من أهله، وليس كذلك إذا قرن؛ لأنه أتى بهما في سفر واحد، وزيادة السفر أفضل؛ لأنه أشق. قيل: إذا أحرم من الميقات بالعمرة، ثم حج مفردًا يجب أن يكون أفضل من القران من الميقات؛ لأن كل واحد منهما أفده بقطع مسافة، ولأن عمل المفرد أكثر من عمل [القارن؛ يغتسل] غسلين، ويصلي مرتين، ويتجرد تجردين، [ويلبي تلبيتين]، ويحلق حلقين، [ويطوف طوافين] بإجماع، والقارن مختلف فيه؛ فعندنا طواف واحد، وعندهم طوافان، [فكان فعل] العمل على سبيل الوجوب بالإجماع أولى.

стр. 222

[وإن شئت قست بهذه العبارة على المكي فقلت: إفراد أحد النسكين عن الآخر أفضل من الجمع بينهما. دليله: المكي. فإن قيل: المكي يكره له القران والتمتع. قيل: عندنا لا يكره، بل لهم القران والتمتع، وإنما لا يجب [عليهم الدم. فإن قيل: المكي لا دم عليه، وغير المكي عليه دم، وذلك الدم زيادة نسك. قيل له: عندك يجب على المكي دم، ويكون دم جبران. وعلى أن غير المكي يجب عليه دم التمتع، وكان يجب أن كون أفضل من القران، وعندك أن القران أفضل. والقياس على الشافعي: أن في التمتع زيادة نسك ليس ف الإفراد ما يوازنه، وهو الدم، وذلك أن دم التمتع نسك، وليس بدم جبران؛ لأنه لو كان على وجه الجبران ما أتيح له التمتع بغير عذر، لأنه لا يجوز أن يحرم إحرامًا ناقصًا يحتاج أن يجبر النقصان بدم. ولا يلزم عليه الحلق إذا كان به أذى من رأسه؛ لأنه لا يجوز بغير عذر، وكذلك الطِّيب واللبس.

стр. 223

ولأنه لا يتعلق بدم يحظره الإحرام في الأصل، فوجب أن لا يكون دم جناية قياسًا على دم التطوع. ولا يلزم عليه دم اللباس والحلاق والطيب؛ لأنه يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، وإنما تباح له هذه الأشياء للعذر. ولا يلزم عليه- أيضًا- دم الإحصار؛ لأنه يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، وه التحلل قبل استيفاء موجب الإحرام. وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أبي طالب فقال: إذا دخل بعمرة يكون قد جمع الله له عمرة وحجة ودمًا. وإذا ثبت أنه نسك، وجب أن يكون التمتع أفضل من الإفراد؛ لاختصاصه بزيادة نسك، وليس في الإفراد ما يوازنه ويقاربه. فإن قيل: فيجب أن يكون القران أفضل من الإفراد بهما لهذا المعنى الذي ذكرت. قيل: لا يلزمنا؛ لأنا قلنا: التمتع يختص بزيادة نسك، وليس في الإفراد ما يوازنه، وفي الإفراد زيادة نسك ليس في القران، وه أنه يفرد كل واحد منهما بقطع مسافة، وإحرام مفرد، وغسل، وصلاة، وطواف، فلم يجز أن يكون القران أفضل منه.

стр. 224

وليس كذلك التمتع؛ فإنه قد ساوى المفرد في جميع هذه الأفعال، وزاد عليه بالدم، فكان أفضل. فإن قيل: لو كان دم نسك لم يدخله الصوم، كالهدى والأضحية، فلما دخله الصوم دل على أنه جاٍر مجرى الجبران. ولأنه لو كان نسكًا لوجب أن يستوي فيه التمتع والإفراد كسائر المناسك، ولما اختص بع التمتع والقران دل على أنه دم جبران. قيل: دخول الصوم فيه لا يخرجه عن أن يكن نسكًا وقربة؛ لأن الصوم بدل، والقرب تدخلها الإبدال، كالصلاة والصيام الفرض تقضى وإن كان القضاء بدلًا. وأما اختصاص التمتع والقران به، فلا يمنع كونه نسكًا، كما أن الإفراد والتمتع يختصان بطوافين؛ أحدهما للعمرة، والثاني للحج، وسعيين، والقارن يقتصر على أحدهما، ثم] لم يمنع من كونه نسكًا، كذلك هاهنا. وكذلك لو نذر حجة يهدي فيها هديًا، فإن هذا اهدي واجب]،

стр. 225

وهو نسك، ويختص بالحجة المنذورة، والنذر في هذا كالتمتع؛ لأن سبب وجود الهدي هناك من جهته، وسبب التمتع من جهته أيضًا. وكذلك الإحرام من الميقات نسك في حق المفرد؛ فإنه لا يجوز مجاوزة الميقات بغير إحرام، وليس بنسك في حق المتمتع؛ لأن إحرام المتمتع بالحج من مكة. وعلى أنه إنما اختص بالتمتع؛ لأنه يوجد سببه، هو الترفه بأحد السفرين، ولا يوجد غيره. واحتج من قال: (إن القران أفضل) بما روى أنس قال: رأيت النبي ﷺ يصرح صراخًا: «لبيك بعمرٍة وحجٍة معًا». وروى أنس- أيضًا- عن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل في هذا الوادي المبارك، وقال: قل: حجة في عمرٍة». والجواب: أن الحديث الأول يحتمل أن يكون أنس سمع النبي ﷺ ، وهو يلقن القارن تلبيًة، فظن أنه يلبي بهما عن نفسه. ويحتمل أن يكون سمعه في وقتين، كما روي: أن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلتين، وكان ذلك في وقتين مختلفين، وتكون الدلالة على هذا: ما روينا من حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم. وأما الحديث الثاني فيحتمل أن يكون المراد به: عمرة داخله في

стр. 226

حجة، كما قال النبي ﷺ : «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». واحتج بما روي عن علي: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «بم أهللت؟» قلت: بإهلاٍل كإهلال النبي ﷺ ، فقال: «إني سقت ولبدت». وقالت عائشة: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاثًا سوى عمرته التي قرنها بحجته. وقال ابن عباس: اعتمر رسول الله ﷺ أربعًا: أحدها عام الحديبية، والثانية عمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرنها بحجته. والجواب: أنا نحمل قوله: (قرنها) بمعنى: فعل الحج بعد العمرة. وكذلك قول عائشة: سوى عمرته التي قرنها بحجته؛ يعني: سوى التي فعل الحجة بعدها.

стр. 227

وقد يسمى ذلك قرانًا من طريق اللغة؛ لأن من فعل الحج عقيب العمرة، فقد جمع [أحدهما إلى] الآخر، وقرنها بها، كما يقال: جمع بين الصلاتين؛ إذا صلى إحداهما عقيب الأخرى. واحتج بما روي عن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي صل الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آت من ربي، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة ". والجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد به: عمرة داخلة في حجة، كما قال النبي صل الله عليه وسلم: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". واحتج بما روى صبي بن معبد قال: كنت رجلاً نصرانيًا، فأسلمت، وأهللت بعمرة وحجة، فجئت إلى القادسية، فرآني سلمان بن ربيعة وزيد [بن صوحان أخو صعصعة بن] صوحان، فقالا: هذا أضل [من]

стр. 228

بعيره، فظللت كأني أحمل بعيري على عاتقي، فرأيت عمر بالموسم، فأخبرته بذلك، فقال: ما قالا شيئًا، هديت لسنة نبيك. والجواب: أن أكثر ما في هذا: [أن] القرآن سنة، وليس الخلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. وليس في هذا ما يدل على التمتع، فروى أبو عبيد في كتاب "الناسخ والمنسوخ "عن طاوس، عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لو اعتمرت، ثم اعتمرت، ثم حججت، لتمتعت. وهذا يدل على أنه كان يرى التمتع. وروي عنه في حديث آخر رواه النجاد: افصلوا بين الحج والعمرة؛ فإنه أتم لحجكم وعمرتكم. ولو كان معنى الخبر عنده: القرآن، لم يأمر الناس بخلافه. وروى أبو جعفر العكبري بإسناده عن طاوس: أن عمر بن الخطاب قال: لو اعتمرت وسط السنة لتمتعت، ولو حججت خمسين حجة لتمتعت. واحتج بأن المبادرة إلى فعل العبادتين أولى عندكم، كما قلتم في تعجيل الصلاة في أول وقتها، وهذا يحصل بالقران.

стр. 229

والجواب: أن تأخير الصلاة ليتم العمل أولى عندنا، ألا ترى أنه يؤخرها لطلب الماء، وطلب الجماعة؟ كذلك هاهنا. واحتج بأن القران يتضمن إيجاب دم هو نسك، فكان أفضل من الإفراد كالتمتع. والجواب: أن التمتع يتضمن إيجاب دم هو نسك، مع مساواة التمتع للإفراد في استيفاء أفعال الحج وأفعال العمرة على الإنفراد، والقران يتضمن إيجان دم هو نسك من [غير] استيفاء أفعال كل واحد على الإنفراد. واحتج من قال بالإفراد بما روى زيد بن أسلم قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن حج النبي صل الله عليه وسلم فقال: أفرد الحج، فلما كان العام المقبل أتاه، فسأله عنه، فقال: أليس قد أعلمتك عام أول: أنه أفرد الحج؟! فقال: أتانا أنس بن مالك، فأخبرنا: أن النبي صل الله عليه وسلم قرن، فقال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يتولج على النساء- وهن منكشفات- لا يستترن لصغره، وكنت أنا تحت ناقة رسول الله صل الله عليه وسلم يسيل لعابها. وروى عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صل الله عليه وسلم

стр. 230

استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد، ثم استعمل [أبا بكر سنة] تسع، فأفرد الحج، ثم حج النبي صل الله عليه وسلم سنة عشر، فأفرد، ثم توفى، [فاستحلف أبو بكر، فبعث] عمر، فأفرد الحج، ثم حج عمر سنيه كلها، فأفرد، ثم توفى عمر، واستخلف عثمان، فأفرد الحج، ثم حصر عثمان، فأقام عبد الله بن عباس للناس، فأفرد الحج. والجواب: [أن قوله: (أفرد الحج) معناه: أفرد] عمل الحج عن عمل العمرة، وأراد بذلك بطلان قول من يقول: [إن القران أفضل. وتكون الدلالة على صحة هذا]: ما رواه ابن عمر صريحًا: أن النبي صل الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج، وبدأ رسول الله صل الله عليه وسلم فأهل بالعمر، ثم أهل بالحج. وهذا صريح، ولا يحتمل. ويبين صحة هذا: ما روى أبو عبيد في كتاب "الناسخ والمنسوخ"

стр. 231

بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: لأن أعتمر في شوال، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة؛ في شهر يجب علي فيه الهدي، أحب إلي من أن أعتمر في شهر لا يجب علي فيه الهدي. وروى أحمد في "المسند "بإسناده عن سالم: أن ابن عمر قال: العمرة في أشهر الحج تامة، عمل بها رسول الله صل الله عليه وسلم، ونزل بها كتاب الله. وأجاب أحمد عن هذا في رواية أبي طالب فقال: هذا كان في أول الأمر بالمدينة. ومعناه: أنه في ابتداء إحرامه كان بالمدينة؛ أحرم بالحج، فلما وصل إلى مكة فسخ على أصحابه، وتأسف على التمتع لأجل سوق الهدي، وكان المتأخر أولى. واحتج بما روي عن عمر قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم أنا أنهي عنهما. وعن معاوية مثل ذلك. والجواب: أن ظاهر هذا مطرح؛ لأنه لا خلاف في جواز التمتع، وإنما الخلاف في الفضيلة. وعلى أنا قد روينا عن عمر خلاف هذا، وهو قوله: لو اعتمرت، ثم اعتمرت، ثم حججت، لتمتعت.

стр. 232

وهذا يدل على استحباب المتعة. وروى الأثرم بإسناده عن طاوس قال: قال أبي بن كعب وأبو موسى لعمر: ألا تقوم فتبين للناس أمر هذه المتعة؟ فقال عمر: وهل بقي أحد إلا وقد علمها؟ أما أنا فأفعلها. وروى- أيضًا- بإسناده عن نافع بن جبير، عن أبيه قال: ما حج عمر قط حتى توفاه الله إلا تمتع فيها. وروى- أيضًا- بإسناده عن الحسن: أن عمر أراد أن ينهي عن متعة الحج، فقال له أبي بن كعب: ليس لك ذلك؛ تمتعنا مع رسول الله صل الله عليه وسلم، فلم ينهنا عن ذلك، فأضرب عمر عن ذلك. وروى- أيضًا- بإسناده عن سالم بن عبد الله بن عمر [قال]: قلت: أنهي عمر عن المتعة؟ قال: لا، والله ما نهى عنها [إلا] عثمان، ولم يرد بذلك إلا خيرًا، ونهى عنها معاوية. وروى أبو بكر بن أبي داود في "سننه "بإسناده عن عمر قال: قال علي بن أبي طالب لعمر: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكن أحببت أن تكثر زيارة البيت، فقال علي: من أفرد الحج فحسن، ومن تمتع فقد أخذ بكتاب الله وسنة نَبِيِّه.

стр. 233

وفي حديث آخر: أن عمر قال: كرهت أن يظلوا معرسين بالأرك، ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم. وأما ما روي عن معاوية، فقد روينا عن ابن عباس [قال]: عجبت لمعاوية، و [ما] يقول في المتعة، وهو حدثني: أن رسول الله صل الله عليه وسلم تمتع، فقصر بمشقص. وظاهر هذا: إظهار الخلاف من ابن عباس عليه، مع أنه لا خلاف في جوازها، ونفي الكراهة. واحتج بأن كل نسكين لم يكن فيهما دم، كان أفضل من نسكين فيهما دم، بدلالة إفراد لا دم فيه، وإفراد فيه دم بقتل الصيد، وحلق الشعر، والطيب، واللباس، كالقران مع الإفراد. والجواب: أن التمتع الذي لا دم فيه- وهو المكي- والذي فيه الدم سواء عند المخالف، فلا تأثير لهذا. على أن الإفراد بالنسكين إذا كان فيهما دم تطوع أفضل من الإفراد بهما إذا لم يكن فيهما دم تطوع. وأما إذا كان فيهما دم بقتل الصيد وحلق الشعر، فإنما لم يكن أفضل؛ لأن الدم الذي يجب فيهما دم جناية. و [أما] دم التمتع فقد بينا: أنه دم نسك، فيجب أن يكون أفضل.

стр. 234

وأما القران مع الإفراد، فقد بينا: أن الإفراد فيه زيادة نسك ليس في القران؛ من إحرامين وطوافين وحلاقين وصلاتين، وهذه الأشياء أكثر من دم القران. واحتج بأن الإفراد أفضل؛ لأن أشهر الحج وقت [للحج] عزيمة، ووقت للعمرة على سبيل الرخصة، وما عدا أشهر الحج وقت للعمرة عزيمة؛ لأن العرب لا تعتمر في أشهر الحج، وتعتقد أن ذلك من أفجر الفجور إلى أن أمر النبي صل الله عليه وسلم أصحابه بالعمرة. فإذا ثبت هذا فالتمتع بفعل العمرة في أشهر الحج [رخصة]، وفعلها في ذلك الوقت عزيمة، وفعل العبادة على وجه العزيمة أولى من فعلها على سبيل الرخصة، ألا ترى أن الجمع بين الصلاتين لما كان رخصة كان فعلها في وقتها أفضل؟ وكذلك غسل الرجلين. والجواب: أنا لا نسلم أن أشهر الحج وقت رخصة، بل هو مخالفة للمشركين؛ لأنهم كانوا يرون ذلك، وكل ما فعله النبي صل الله عليه وسلم في المناسك مخالفة للمشركين فهو واجب، أو أفضلية، لا رخصة بدليل: الدفع من عرفة بعد غروب الشمس، والنفر من المزدلفة قبل طلوعها، والوقوف خارج الحرم، وكانت قريش تقف في الحرم، ونزول المحصب. ولو سلمنا أنه رخصة، لم يمتنع أن يكون أفضل بدليل: قصر الصلاة والجمع بعرفة.

стр. 235

وأكل الميتة رخصة، وهو واجب، حتى إن لم يأكل أثم. فإن قيل: فلو كانت وقت عزيمة لم يكن وقت العمرة في غيره أفضل، وقد نص أحمد على أن فعل العمرة في غير أشهر الحج أفضل في رواية ابن إبراهيم وغيره، وقد تقدم ذكر ذلك. قيل له: ليس إذا كان فعلها في غير أشهر الحج أفضل، دل على أن أشهر الحج رخصة، ألا ترى أن فعل الصلاة في أول وقتها أفضل، ولم يدل على أنه إذا فعلها في آخر وقتها كان ذلك وقتًا للرخصة، بل هو وقت عزيمة لفعلها؟ فإن قيل: فإذا كان التمتع عندكم أفضل، وهو فعل العمرة [في أشهر الحج في السنة التي يحج فيها]، فلم قال أحمد: إن فعلها في غير أشهر الحج أفضل؟ فقال الأثرم [وسعد بن يزيد: قيل لأبي عبد الله: تأمر بالمتعة، وتقول: العمرة في غير أشهر الحج أفضل! فقال: إنما سئلت عن أتم العمرة، فالمتعة تجزئه في عمرته، فأما أتم العمرة، فإنها تكون في غير أشهر الحج. قيل: إنما قال ذلك في عمرة] لا يتمتع بها؛ لأنه إذا تمتع في غير أشهر الحج أنشأ لها سفرًا، وإذا تمتع في أشهر الحج كان السفر

стр. 236

للحج، والعمرة التي قد ينشئ لها سفرًا أفضل، ولهذا قال عمر وعلي: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وقالت عائشة: العمرة على قدر سفرك ونفقتك. ولأنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج كثر القصد للبيت في جميع السنة، واتسع الخير على أهل الحرم. يبين صحة هذا: ما رواه الأثرم بإسناده عن ابن الزبير قال: والله إنا لمع عثمان بن عفان بالجحفة إذ قال عثمان: إن أتم الحج والعمرة أن يكونا في أشهر الحج، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا البيت زورتين كان أفضل. وروى أبو حفص بإسناده عن عمر بن الخطاب: أنه قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم؛ فإنه أتم لحج أحدكم أن يعتمر في غير أشهر الحج. فقد قيل: يحمل قوله إذا ضاق الوقت عن العمرة في أشهر الحج يكون فعلها في غيره أفضل؛ لأن التشاغل بالحج أفضل من العمرة. وفي المسألة حكاية: أنا ابن جابر العطار في الإجازة بإسناده عن سلمة بن شبيب قال: قلت لأحمد: قويت قلوب الروافض حين أفتيت

стр. 237

أهل خراسان بمتعة الحج، فقال: يا سلمة! قد كنت توصف بالحمق، فكنت أدفع عنك، وأراك كما قالوا. ٤٤ - مسألة الأفضل للمتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية: نص عليه في رواية الميموني وأبي داود وحنبل: فقال في رواية الميموني: الوجه أن يهل المعتمر بالحج في اليوم الذي أهل فيه أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم، فإن أهل قبله فجائز. وقال في رواية أبي داود: إذا دخل مكة متمتعًا يهل بالحج يوم التروية، وإذا توجه من المسجد إلى منى، قيل له: فالمكي يهل إذا رأى الهلال؟ قال: كذا روي عن عمر. فقد نص على أن المتمتع يهل يوم التروية، والمكي يهل قبل ذلك. وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب في المكي: إذا كان يوم التروية صلى الفجر، وطاف بالبيت، وإذا وصل إلى منى أحرم بالحج؛ لقول

стр. 238

جابر: فلما توجهنا إلى منى أهللنا بالحج. وقال أبو حنيفة: يستحب تقديم الحج قبل يوم التروية. وقال الشافعي: إن كان [معه هدي] فالمستحب أن يحرم يوم التروية بعد الزوال، وإن لم يجد الهدي فالمستحب أن يحرم [ليلة السادس] من ذي الحجة، والمستحب للمكي أن يحرم إذا توجه. دليلنا على أن المستحب [للمتمتع أن] يحرم يوم التروية: ما روي في حديث جابر بطوله: حتى إذا كان يوم التروية أمر من [كان أحل أن يهل] بالحج، ذكره أبو عبد الله بن بطة. وروي: أنه قال: "إذا توجهتم إلى منى، فأهلوا [بالحج ". فإن قيل: اختار] لهم في تلك السنة الخف والأيسر، ولهذا

стр. 239

أمرهم بالتحلل، والأسهل [أن يؤخروا] الإحرام إلى آخر وقته. قيل له: أمره لهم بالتحلل لم يكن لطلب التخفيف، وإنما كان لطلب الفضيلة عندهم؛ ليحصلوا متمتعين. فإن قيل: يحتمل أن يكون أراد أن يبين لهم آخر وقت الإحرام، وجواز التعجل قد بينه لهم بقوله: "من أراد الحج فليتعجل ". قيل: لا يصح أن يبين آخر وقت الإحرام، ولا يبين أوله، وقوله: "من أراد الحج فليتعجل "، لا يدل على أول الوقت. وأيضًا فإنه [من] تعجل قبل يوم التروية طال تلبسه بالعبادة، ولا يأمن مواقعة المحظور، ولهذا كرهنا الإحرام بالحج قبل ميقاته، وفي غير أشهر الحج، كذلك هاهنا. ولا يلزم عليه المكي؛ فإن حكمه حكم غيره في ذلك. نص عليه في رواية ابن منصور- وقد سئل: متى يهل أهل مكة بالحج؟ - فقال: إن تعجلوا قبل التروية، فلا بأس، قال عمر: إذا رأيتم الهلال فأهلوا. وقول أحمد: (لا بأس) يقتضي الجواز دون الفضيلة. واحتج أصحاب أبي حنيفة بما روي: أن عمر قال: يا أهل مكة!

стр. 240

إذا أهل ذو الحجة، فأهلوا بالحج؛ فلا يحسن أن يجيء الناس يلبون وأنتم سكوت. والجواب: أنه يحتمل أن يكون قصد بهذا ترغيبهم في الحج؛ لئلا يترك الواحد منهم الحج جملة لأجل أنه قد أسقط الفرض عنه، لا أنه قصد به التعجيل. واحتج بما روي عن النبي صل الله عليه وسلم قال: "من أراد الحج فليتعجل ". والجواب: أن المراد به: أن لا يؤخر جملة الحج عن وقته، ونحن هكذا نقول. واحتج بأنه إحرام بالحج في وقته، فكان التقديم أفضل، كغير المتمتع، وكالمكي. والجواب: أنا نقول في غير المتمتع ما نقوله هاهنا، إلا أن غير المتمتع إذا اجتاز على الميقات لم يجز له الجواز عليه محلاً، فهو مأمور بالإحرام بنسك في الجملة؛ بحج، أو بعمرة، لا أنا نستحب له التعجيل. وكذلك المكي، وقول أحمد في المكي: يهل إذا رأى الهلال، حكى في ذلك قول عمر، والحكم كالحكم في غيره. واحتج بأنه وقت يستحب لغير المتمتع تقديم الإحرام عليه، فيستحب للمتمتع ذلك.

стр. 241

أصله: غروب الشمس من يوم التروية. والجواب: أنه قد بينا: أنه لا يستحب لغير المتمتع تقديم الإحرام، كما لا يستحب للمتمتع. وأما غروب الشمس من يوم عرفة فإنما لم يستحب التأخير عنه؛ لأن النبي صل الله عليه وسلم أمر بذلك بقوله: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا ". ولأن ذلك زمان يسير لا يطول التلبس بالعبا [د] ة، فتأمن مواقعة المحظور، فهو بقدر الزمان من الميقات الشرعي. ٤٥ - مسألة يجوز فسخ الحج إلى العمرة: ومعناه: يفسخ نية الحج، ويقطع أفعاله، ويجعل أفعاله للعمرة، فإذا فرغ من أعمال العمرة حل، ثم أحرم بالحج من مكة؛ ليكون متمتعًا، وهذا إذا لم يسق الهدي، فأما إذا ساق الهدي لم يجز الفسخ. وكذلك يجوز فسخ القران إلى العمرة المفردة. نص على هذا في رواية ابن منصور في القارن: يتمتع إذا شاء إذا لم يسق الهدي، ويجعلها عمرة. ونص على جواز الفسخ إلى العمرة في رواية الجماعة: حنبل

стр. 242

وعبد الله والميموني وابن منصور: فقال في رواية عبد الله: أنا أروي فسخ الحج عن عشرة من أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم؛ ابن عباس، وجابر، والبراء، وأنس بن مالك، وأسماء. وقال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا بكر بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وسئل عن فسخ الحج، فقال: قال سلمة بن شبيب لأحمد: كل شيء منك حسن غير نخلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، قال أحمد: كنت أرى أن لك عقلاً! عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا أتركها لقولك؟! وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود: لا يجوز فسخ الحج بحال. دليلنا: ما تقدم من حديث جابر، وأنس، وعائشة، وابن عباس: أن النبي صل الله عليه وسلم فسخ على أصحابه الحج إلى العمرة. وقد رواه أحمد عن جماعة مثل: البراء، وأسماء، وغير ذلك، فدل على جوازه. ولهم على هذه الأخبار اعتراضان: قد تقدم أحدهما: أن سبب الفسخ كان لأنهم ما كانوا يعتقدون جواز العمرة في أشهر الحج، وهذا المعنى معدوم في وقتنا. والثاني: قول النبي صل الله عليه وسلم: "هذا لكم خاصة ".

стр. 243

وقد تقدم الجواب عن ذلك بما فيه كفاية، فلا وجه لإعادته. وقد اعترض بعضهم على ذلك باعتراض آخر قال: لا أسلم أن القوم أحرموا بالحج، قال: لأن الشافعي روى: أن النبي صل الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا مطلقًا ينتظرون القضاء، فلما نزل عليهم القضاء، قال: "اجعلـ[و] ها عمرة ". و [من] لم يعين الإحرام بالحج جاز له صرفه إلى عمرة. ويبين هذا ما قاله أحمد في رواية صالح: قد روي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه قرن، وروي: أنه أفرد، وروي عنه: أنه خرج من المدينة ينتظر القضاء؛ لا يذكر حجًا، ولا عمرة. ويقال له: يا هذا! لو تأملت ما رويناه من الأخبار لم تورد هذا الاعتراض؛ لأن في رواية جابر: أن رسول الله صل الله عليه وسلم أهل وأصحابه بالحج. وفي رواية أنس: خرجنا نصرخ بالحج. وفي رواية عائشة: خرجنا مع رسول الله صل الله عليه وسلم لا نرى إلا الحج. وفي رواية ابن عباس: قدمنا حجاجًا. وهذه نصوص، وفيها زيادة بيان وحكم، فوجب الرجوع إليها. وقد قيل في الجواب عنه: إنه مرسل؛ لأنه يرويه ابن طاوس، عن أبيه، عن النبي صل الله عليه وسلم، والمرسل عندهم ليس بحجة. ولأن جابرًا أحسن سياقًا للحديث من غيره؛ لأنه نقل أفعال

стр. 244

النبي ﷺ في سفره على الوجوه، فكان حديثه مقدمًا. وطريقة أخرى جيدة، وهي: ما رواه أبو داود، وأبو عبد الله بن بطة- واللفظ له- بإسناده عن عائشة: أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأحللت مع الذين أحلوا من العمرة "قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا. وهذا نص؛ لأن النبي صل الله عليه وسلم بين أنه [لو] لم يسق الهدي لحل، وعندهم ما كان يجوز له ذلك. وهذا اللفظ لا يتوجه عليه ما ذكروه من الأسولة؛ لأن الفسخ كان عليهم؛ لأنهم ما كانوا يعتقدون جواز العمرة، والنبي صل الله عليه وسلم كان يعتقد جواز ذلك، وقد أخبر: أن المانع منه سوق الهدي. وأيضًا فإن الحج من العبادات الخمس، فصح فسخها قبل الفراغ منها، كالصلاة، والصيام. ولا تلزم عليه العمرة؛ لأنها ليست من العبادات الخمس. ولأنه فسخ الحج إلى العمرة فجاز. دليله: الفسخ الذي كان في وقت النبي صل الله عليه وسلم. ولا يلزم عليه إذا ساق الهدي؛ لأن التعليل للجواز، ولأن هذا يستوي [فيه] الأصل والفرع.

стр. 245

ولأنه فسخ عقد كان جائزًا في وقت النبي صل الله عليه وسلم، فجاز بعده. دليله: سائر العقود من البيع وغيره بفسخ الإقالة. ولأنه ترك نسك يجوز في وقت النبي صل الله عليه وسلم، فجاز بعده. دليله: الترك بالإحصار لعذر. ولأن الحج نوع عبادة يحرم الطيب، جاز فسخها من غير عذر، كالعدة تنفسخ بفعل المطلق. ولا تلزم عليه العمر؛ لأن التعليل للنوع، والعمرة بعضه. ولأن من فاته الحج، فإنه يتحلل بعمل عمرة، وهذا قلب الحج إلى العمرة. فإن قيل: المعنى في المحصر [و] في الفائت: أن هناك ضرورة، وليس كذلك هاهنا. قيل: علة الأصل تبطل بمن تعذر عليه الوصول بمرض، أو ضل الطريق، لا يتحلل بعمرة، وهو مضطر. وعلة الفرع تبطل بالتحلل في وقت النبي صل الله عليه وسلم .. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. والجواب: أن هذا غير مبطل لإحرامه، على أنه محمول على غير مسألتنا.

стр. 246

واحتج بقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأمر بالتمام يمنع الخروج. والجواب: أنا قد بينا: أن الآية اقتضت الابتداء بالحج والعمرة، فلم يكن فيها دلالة على البناء. واحتج بأنها عبادة يجب المضي في فاسدها، فلم يصح فسخها. دليله: العمرة إذا أحرم بها لم يجز له فسخها، كذلك هاهنا. والجواب: أنه لا يستفيد بفسخ العمرة إلى عمرة أخرى فائدة، ولهذا لم يجز، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يستفيد بها فائدة، وهي فضيلة التمتع عندنا، وعند الشافعي إذا كان قارنًا استفاد فضيلة الإفراد، فجاز الفسخ، ألا ترى أنه لو أحرم [بصلاة الفرض] مفردًا، ثم أراد الفسخ بغير عوض لم يجز، وإن حضرت جماعة، فأراد أن يقلبها نفلاً؛ ليدرك الجماعة، جاز، وكان الفرق بينهما أن له عوضًا في أحد الموضعين، ولا عوض [له في الموضع] الآخر؟ كذلك هاهنا. فإن قيل: يجوز الفسخ عندكم، وإن لم يعتقد فعل [الحج من

стр. 247

سنته، فامتنع [أن يكون لفضيلة التمتع. قيل: إذا لم يعتقد الحج من سنته منعناه من الفسخ؛ لأنه لا يستفيد فضيلة التمتع، إلا أنه فسخ، فصح الفسخ؛ لأن الفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع. وقد نص أحمد على أنه يفعل لأجل التمتع، فقال في رواية ابن منصور في القارن: له أن يحل إذا لم يسق الهدي، ولابد له من أن يهل بالحج في عامه ذلك. فقد نص على أنه يحج من سنته. وعلى أنه لا يجوز فسخ عمرة إلى عمرة بحال، ويجوز فسخ الحج إلى العمرة بحال، وهو: الفسخ الذي كان في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وإذا فاته الحج تحلل بعمل عمرة، كذلك هاهنا. واحتج بأنه لم يجز فسخ الحج قبل أن يأتي بعمل عمرة، وهو الطواف والسعي، كذلك لا يجوز بعده، كمن ساق الهدى. وقد نص أحمد على هذا في رواية أبى طالب، فقال: يجعلها عمرة إذا طاف بالبيت، ولا يجعلها وهو في الطريق. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن ذلك الفسخ لم يكن جائزاً في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، بدليل ما رواه أبو حفص العكبري بإسناده عن أبي موسى قال: قدمت على

стр. 248

النبي " ﷺ "، وهو منيخ بالبطحاء فقال: «أحججت» فقلت: نعم، قال: «فبم أهللت؟» قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي "صل الله عليه وسلم"، قال: «أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أحل». فأمره بالفسخ بعد الطواف والسعي. وبإسناده على ابن عباس قال: أمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف ويسعي، ويقصر، ويحلق، ثم يحل. والثاني: أنه إنما جاز له الفسخ ليصير متمتعاً، فإذا فسخ قبل فعل العمرة لم يحصل ذلك، ولا يجوز أن يقال: افسخ، واستأنف عمرة؛ لأنه يفضي إلى أن يعرى الإحرام الأول عن نسك، وأما إذا ساق الهدي، فيأتي الكلام عليه. واحتج أنه لو جاز فسخ الحج العمرة لفضيلة التمتع، لجاز فسخ القران إلى العمرة، ليستفيد ذلك أيضاً. والجواب: أنا هكذا نقول، نص عليه في رواية ابن منصور، والحسن بن ثواب: فقال في رواية ابن منصور: وقد سأله: يحل منها

стр. 249

إذا قرن؟ قال: نعم، إذا لم يسق الهدي، ولا بد له أن يهل بالحج في عامه، وليس عليه لعمرته شيء، وعليه دم إن عجل به العام. وكذلك قال في رواية الحسن:] وللذي يهل بحج [وعمرة- وليس معه هدي- أن يجعلها متعة، كما جعلها رسول الله "صل الله عليه وسلم" حين أمرهم بها. فقد نص على جواز الفسخ. والوجه فيه ما روى أبو حفص] بإسناده عن [أنس: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" وأصحابه قدموا مكة، وقد لبوا] بحج وعمرة [، فأمرهم النبي "صل الله عليه وسلم" بعدما طافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة،] أن يجعلوها عمرة، فأحل القوم، وتمتعوا].

стр. 250

وبإسناده عن ابن عباس: أنه كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يسق معه الهدي. ولأنا إنما استحببنا فسخ الحج إلى العمرة؛ ليأتي بزيادة نسك، وهو الدم، وإذا كان قارناً ففسخ أتى بزيادة، وهي إفراد العمرة عن أفعال الحج، والدم أيضاً. واحتج بأنه لم يجز فسخ العمرة إلى الحج، كذلك ى يجوز فسخ الحج إلى العمرة. والجواب: أنه إنما لم يتحلل من العمرة إلى الحج؛ لأن نيته لم تشتمل على أفعال الحج، ونية الحاج شملت أفعال العمرة. ولأنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، ويجوز إدخال الحج على العمرة. ولأنه لو أحرم بعمرة لم يجز أن يتحلل منها بحجة، ولو أحرم بحجة، ثم أحصر، جاز أن يتحلل بعمل عمرة، فبان الفرق بينهما. ولأنه لا يستفيد بذلك فائدة، وهاهنا يستفيد فضيلة التمتع. واحتج بأن هذا فسخ الحج إلى العمرة، فلم يجز. دليله: إذا ساق الهدي. والجواب: أنه يبطل بالفسخ الذي كان في وقت النبي " ﷺ ".
следующие страницы →