Полный текст (1 579 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الذكر في ابتدائها واجبًا، كالصلاة.
والجواب:] أن العبارة الثانية تنتقض [بالصيام؛ لأن له تحليلًا وتحريمًا، وليس فيه ذكر واجب.
وذلك أن الإحرام] هو: الدخول في العبادة [التي يحرم عليه فيها ما كان حلالًا قبل الدخول، من قولهم: (أظهر) إذا دخل [في وقت] الظهر، و (أتهم) و (أنجد (إذا دخل أرض نجٍد وتهامة.
وكذلك التحليل هو: الخروج مما كان] محرمًا عليه.
وهذا موجود في [الصيام.
ثم المعنى في الصلاة: أن الذكر فيها لما يقم مقامه فعل، لهذا ما كان واجبًا، وذكر الحج يقوم مقامه سوق الهدي مع قدرته على الذكر، فبان الفرق بينهما.
* فصل:
والدلالة على مالك ما روي عن النبي ﷺ قال: «ليس في المال
стр. 177
حق سوى الزكاة».
ولأنه ذكر في أثناء الحج، فلم يجب بتركه دم.
دليله: الدعاء بعرفات، والمزدلفة، وعند رمي جمرة العقبة.
واحتج المخالف بأن النبي ﷺ أمر بالتلبية، والأمر يدل على الوجوب.
والجواب عنه: ما تقدم.
وإن قاسوا على الصلاة في إيجاب الذكر، فنهي بالعبارة التي تقدمت.
والجواب عنه: ما تقدم.
وعلى أن الذكر في الصلاة آكد منه في الحج بدليل أنه يؤثر في فسادها، ولا يؤثر في فساد الحج.
٣٦ - مسألة
إظهار التلبية غير مسنون في الأمصار ومساجد الأمصار، وإنما هو مسنون في الصحاري والبراري:
نص عليه في مواضع:
стр. 178
فقال في رواية المروذي: لتلبية إذا برزوا عن البيوت.
وقال في رواية أبي داود: لا يعجبني أن يلبي في مثل بغداد حتى يبرز.
وقال في رواية حمدان بن علي: إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبي.
وقال الشافعي: لا يكره إظهارها في الأمصار ومساجد الأمصار.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس: أنه سمع رجلًا يلبي في المدينة، فقال: إن هذا لمجنون! ليست التلبية في البيوت، إنما التلبية [إذا] برزت.
ولأن التلبية غير واجبة، والإسرار بالتطوع أولى؛ لئلا يدخله الرياء والسمعة على من لا يشاركه في فعل تلك العبادة، ولهذا استحب الإسرار بصدقة التطوع وصلاة التطوع، تفارق هذا الصحارى والبراري؛ لأن إظهاره مع من يشاركه في النسك، فلا يؤدي إلى الرياء، وكذلك إظهارها بمكة وعرفات ومنى؛ لأن هناك محل النسك، فلهذا استحب إظهاره.
واحتج المخالف بما روي في حديث جبريل وقوله للنبي ﷺ : «مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية»، وقوله: «الحج العج والثج».
стр. 179
والجواب: أن هذا محمول على الصحارى بما تقدم.
واحتج بأن إظهارها بمكة مستحب وإن كانت مصرًا، كذلك غيرها.
والجواب عنه: ما تقدم.
٣٧ - مسألة
لا تستحب الزيادة على تلبية النبي ﷺ ، فإن زاد جاز:
نص على هذا في رواية أبي داود والأثرم:
فقال في رواية أبي داود- وقد سئل عن التلبية، فذكرها، فقلت له: تكره أن يزيد على هذا؟ -قال: وما بأس أن يزيد؟
وقال الأثرم: فقلت له: هذه الزيادة التي يزيدها الناس في التلبية؟
فقال شيئًا معناه الرخصة.
وقال في رواية المروذي: كان في حديث ابن عمر: «والملك لا شريك لك» فتركه؛ لأن الناس تركوه، وليس في حديث عائشة.
وقال في رواية حرب في الرجل يزيد في التلبية كلامًا، أو دعاًء:
أرجو ألا يكون به بأس.
стр. 180
وظاهر هذا: أن الزيادة مباحة.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن.
وظاهر هذا: أنها مستحبة، فالخلاف في الاستحباب.
دليلنا: أن ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وابن عباس وأنس رووا تلبية النبي ﷺ المشهورة، وقال: «خذوا عني مناسككم».
فروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن جابر قال: كانت تلبية رسول الله ﷺ : «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك [لك لبيك]، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك».
وروى بإسناده عن ابن عمر: ان تلبية النبي ﷺ : «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك».
وروى أحمد في «المسند» عن عائشة مثل ذلك.
والمشهور من حديث عائشة أنه ثلاثة ألفاظ: «لبيك اللهم لبيك،
стр. 181
لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك».
وروى حنبل بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأنس مثل حديث ابن عمر.
وهو إخبار عن دوام الفعل، فكان هو المستحب.
فإن قيل: هذا يدل على وجوب أحد المذكورين، ولا ينفي غيره.
قيل له: يدل على استحباب أحمدهما؛ لأنه دام عليه.
ولأن هذا الذكر شعار هذه العبادة، كالأذان وتكبيرة الإحرام، ثم الأذان والتكبير لا تستحب الزيادة عليه، كذلك هذا.
فإن قيل: الأذان والتكبير لا يسن تكراره بعد تمامه، فلم تجز الزيادة عليه، ولا النقصان منه، ولما شرع تكرار التلبية بعد تمامها، جاز الزيادة عليها.
قيل له: إنما لم يسن تكراره بعد تمامه؛ لأن القصد منه الإعلان واجتماع الناس، وهذا لمعني قد حصل، وأما التلبية فإنما يسن تكرارها لأجل تلبسه بالعباد، وذلك المعنى موجود ما لم يتحلل.
واحتج المخالف بما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لبيك إله الحق».
стр. 182
والجواب: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك على طريق الجواز، أو لأنه لم يتكرر منه.
واحتج بما روي عن ابن عمر: أنه زاد: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
ذكره الأثرم، وذكر -أيضًا- عن عمر: أنه زاد فيها: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك، مرهوبًا ومرغوبًا إليك.
والجواب: أن هذا محمول على الجواز.
مع أنه قد روي: أن سعد بن أبي وقاص سمع بعض بني أخيه يلبي: لبيك ذا المعارج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ .
فإن قيل: يحتمل أن يكون اقتصر على ذلك، [وعندنا يكرع ترك التلبية المشهورة].
قيل له: قوله: (سمعه وهو يلبي) يقتضي التلبية الشرعية، إلا أنه
стр. 183
زاد فيها، فأنكر عليه ذلك.
واحتج بأن التلبية مستحب فيها نفي الشرك، فيستحب نفي الشبيه والثناء، كالخطبة.
والجواب: أن الخطبة ليس فيها ألفاظ مشهورة مسنونة، فهي كالأذان والتكبير.
واحتج بأنه زاد على التلبية المشهورة، فصار كما لو قال: (لبيك إن العيش عيش الآخرة).
والجواب: أن الخلاف في ذلك كالخلاف في غيره.
واحتج بأنه ذكر يقصد به تحميد الله، والثناء عليه، فلا تكره الزيادة عليه بعد استيفائه، كالتشهد.
والجواب: أنا لا نكره الزيادة على ذلك إذا أوردها على وجه الذكر لله- تعالى- والتعظيم له، لا على أنها متصلة بالتلبية، وكذلك الزيادة على التشهد، ما يذكره من الدعاء بعده، ليس بزيادة فيه.
واحتج بأنه ذكر شرع تكراره بعد تمامه، فإذا ابيح بعده الذكر المباح، فإن الذكر من جنسه أولى، كالأدعية.
والجواب: أنا قد أجبنا عن هذا، وبينا الفرق بين التكرار وبين الزيادة.
стр. 184
٣٨ - مسألة
يقطع المعتمر التلبية إذا افتتح الطواف:
نص عليه في رواية الميموني والأثرم وحنبل وأبي داود فقال: يقطع التلبية إذا استلم الركن.
وقال الخرقي: ومن كان متمتعًا قطع التلبية إذا وصل إلى البيت.
وظاهر هذا: أنه يقطع برؤية البيت، ويجوز أن يحمل هذا من كلامه على أنه رأى البيت، وافتتح الطواف.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: إن كان قد أحرم بها من الميقات، فإذا دخل الحرم قطع، وإن كان أحرم من أدنى الحل، فإذا رأى البيت قطع.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده في «مسائله» عن عمرو بن شعيٍب، عن أبيه، عن جده قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمٍر، كل ذلك يلبي حتى يستلم الحجر.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: يقطع المعتمر التلبية حين يستلم الحجر.
وروى خلافه عن ابن عمر قال: يقطع المعتمر التلبية
стр. 185
إذا دخل الحرم.
وأيضًا كل حالة لم يشرع فيها في التحلل لم يسن قطع التلبية فيها، كما لو يصل إلى الحرم.
وعكسه إذا أخذ في الطواف؛ لأنه قد شرع في سبب التحلل.
ولأنه إحرام بعمرة، فلم يقطع التلبية قبل الشروع في الطواف.
ودليله: إذا أحرم من أدنى الحل.
واحتج المخالف بأنه إحرام، فلم يقف قطع التلبية فيه على الطواف.
دليله: إحرام الحج.
والجواب: أنه يبطل به إذا أحرم من أدنى الحل.
ثم المعنى في الأصل: أنه يقطع عند الرمي، وهو الشروع في التحلل، وكذلك يفعل مثل هذا في العمرة، يقطع عند الشروع في التحلل.
٣٩ - مسألة
ويقطع الحاج التلبية حين يرمي جمرة العقبة:
نص عليه في رواية الأثرم وأبي داود: يلبي حتى يرمي جمرة العقبة.
стр. 186
وفي رواية الميموني: يقطع عند أول حصاة.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك في الصحيح من الروايتين عنه: يقطع إذا زالت الشمس من يوم عرفة.
دليلنا: ما روى الأثرم بإسناده عن الفضل بن العباس: أنه كان ردف النبي ﷺ من جمٍع إلى منى، فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة.
وروى بإسناده عن الحسين بن علي، عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يهل حتى رمى جمرة العقبة.
وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد قال: قال عبد الله- ونحن بجمع-: سمعت الذي أنزلت عليه سورة (البقرة) في هذا المكان يقول: «لبيك اللهم لبيك».
فإن قيل: يحمل هذا على الجواز دون الفضيلة. قيل له: النبي ﷺ لا يترك الفضيلة إلى الجواز فيما لا يتكرر الفعل منه، والحج لم يتكرر منه.
ولأنه ندب إلى الاقتداء به بقوله ﵊: «خذوا عني مناسككم».
стр. 187
ولأن كل حالة لم يشرع فيها التحلل لم يسن قطع التلبية فيها.
دليله: قبل الزوال.
واحتج المخالف بما روى ابن شهاب قال: كانت الأئمة تقطع التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة، وسمى أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة.
والجواب: أن أبا بكر الأثرم روى بإسناده عن ابن عباس قال: سمعت عمر يهل بالمزدلفة، فقلت: يا أمير المؤمنين! فيم الإهلال؟ قال: وهل قضينا نسكنا بعد؟!.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الحجر، والحاج إذا رمى الجمرة يوم النحر.
[و] بإسناده عن أبي وائل قال: لم يزل عبد الله يلبي حتى رمى أول حصاة.
وبإسناده عن كريٍب قال: أرسلني ابن عباس مع ميمونة زوج النبي ﷺ ، فانبعث هودجها، فلم أزل أسمعها تلبي حتى رمت الجمرة التي عند العقبة.
وبإسناده عن عكرمة قال: أفضت مع الحسين بن على من المزدلفة، فلم أزل أسمعه بهل حتى رمى جمرة العقبة، فسألته عن ذلك
стр. 188
فقال: أفضت مع أبي بكر من المزدلفة، فلم أزل أسمعه يهل حتى رمى جمرة العقبة، فسألته عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يهل حتى رمى جمرة العقبة.
وهذا كله يمنع الاحتجاج بما رووه.
واحتج بأن التلبية إجابة النداء الذي دعي إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعي إليه فقد فعل ما وجب عليه، وانتهى إلى غاية ما أمر به، فلا معنى لاستدامتها فيما زاد على ذلك.
والجواب: أن التلبية إجابة للداعي بالحج كما ذكرت، ومعناها: ها أنا مجيب لما دعوتني، فمتى كان متلبسًا بالحج غير متحلل منه يجب أن تحسن منه الإجابة- التي هي التلبية- لأجل تلبسه بها، ومقامه عليها.
٤٠ - مسألة
لا يكره فعل العمرة يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق على ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث: يعتمر الرجل متى شاء؛ في شعبان، أو في رمضان:
وقد قال أحمد في رواية ابن إبراهيم فيمن واقع قبل الزيارة:
стр. 189
يعتمر إذا انقضت أيام التشريق.
وظاهر هذا: انه لم ير العمرة في أيام التشريق.
والمذهب على ما حكينا؛ لأنه قد قال في رواية الأثرم: العمرة بعد الحج لا باس بها عندي.
وهو قول مالك والشافعي وداود.
وقال أبو حنيفة: يكره في هذه الأيام.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا عام في هذه الأيام، وفي غيرها.
وأيضًا ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما»، ذكره ابن بطة، ولم يفرق.
ولأنه زمان لا يكره الإحرام بالحج فيه، فلا يكره الإحرام بالعمرة فيه.
دليله: سائر الأيام.
وغن شئت قلت: كل وقت يصلح للطواف المجرد صلح للعمرة.
دليله: ما ذكرنا.
ولأنها عبادة يجب المضي في فأسدها، فلم يكره فعلها في هذه الأيام، كالحج.
стр. 190
أو نقول: أحد نسكي القران، فأشبه الحج.
فإن قيل: الحج لا يجوز فعله في سائر الأوقات، كذلك العمرة.
قيل له: إنما لم يجز فعله في سائر الأوقات؛ لأن له وقتًا يفوت فيه، والعمرة ليس لها وقت تفوت فيه.
ولأن الحج أكد في التخصيص بوقت من العمرة، ألا ترى أن أفعاله تختص بزمان، وأفعال العمرة لا تختص بزمان؟
ولأن أفعال العمرة لا تختص بوقت، فلم يختص أصلها بوقت، كالصدقة.
وعكسه الحج؛ لما اختصت أفعاله بوقت، اختص الإحرام بها بوقت.
واحتج بعض من نصر هذه المسألة بأن القارن إذا دخل مكة يوم عرفة، فإنه يبتدئ بالعمرة، ثم بالحج، ولو كان فعلها في يوم عرفة مكروهًا لما جاز للقارن فعلها فيه، والمخالف لا يسلم بهذا، بل يقول: إذا دخل مكة يوم عرفة وهو قارن، فإنه يرفضها، ويكره له المضي فيها.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣]، قيل في التفسير: يوم الحج الأكبر: يوم النحر، والحج الأكبر: الحج، فثبت أنه ليس بوقت لغيره.
والجواب: أنه لا يقتضي أن يكون هذا اليوم وقتًا للحج، وهذا
стр. 191
لا ينفي أن يكون وقتًا للعمرة من حيث اللفظ، وإنما ينفيه من حيث الدليل، وهم لا يقولون به.
وعلى أنه إنما خص هذا اليوم بالحج؛ لأن بعض أفعاله تختص بهذا اليوم، وتجوز في غيره، والعمرة لا تختص به، بل تجوز في غيره.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن عائشة: أنها قالت: العمرة في السنة كلها إلا يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
ورواه الأثرم بإسناده عن عائشة قالت: حلت العمرة الدهر إلا ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومين من أيام التشريق.
والجواب: أن ظاهر الخبر [مطرح؛ لأنها] كرهت العمرة، والعمرة عندهم هي الطواف والسعي، وذلك غير مكروٍه فعله عندهم في هذه الأيام، وإنما المكروه الإحرام بالعمرة، والإحرام ليس من العمرة عندهم.
واحتج بأنها عبادة غير مؤقتة بها تحليل، فوجب أن ينقسم وقتها إلى مستحب ومكروه.
دليله: صلاة التطوع.
والجواب: أنه لا تأثير لقولك: (غير مؤقتة) في الأصل؛ لأن الصلاة
стр. 192
المؤقتة لها وقت تكره فيه، وهي صلاة الفجر عند طلوع الشمس.
وعلى أنا نقلب العلة؛ فبقوله وجب أن تكون هذه الأيام وغيرها سواًء قياسًا على صلاة التطوع.
وعلى أن إلحاق هذه بالطواف أولى من إلحاقها بصلاة التطوع، وقد ثبت أن الطواف لا يكره فعله في هذه الأوقات، كذلك هاهنا.
وأجاب بعضهم عن هذا بأن صلاة التطوع لما اختصت فضيلة فعلها بوقت معين، وهي النوافل الراتبة، اختصت كراهيتها بوقت معين، ولما لم تختص فضيلة العمرة بوقت معين، لم تختص كراهيتها، وهذا غير صحيح عندنا؛ لأن فضيلة العمرة تختص بوقت معين، وهو غير أشهر الحج.
قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: في شهر رمضان أفضل، وهي في غير أشهر الحج أفضل.
وكذلك نقل الأثرم.
واحتج بحديث أم معقل وجابر عن النبي ﷺ قال: «عمرة في شهر رمضان تعدل حجة».
وبما روى النجاد بإسناده عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁: افصلوا
стр. 193
بين حجكم وعمرتكم؛ اجعلوا الحج في أشهر الحج، واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج؛ أتم لحجكم وعمرتكم.
وبإسناده عن طارق شهاب: سئل عبد الله عن العمرة في أشهر الحج، فقال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيهن عمرة.
٤١ - مسألة
يجوز فعل العمرة في السنة دفعتين، وأكثر:
نص عليه في رواية ابن إبراهيم- وقد سئل عن العمرة في كل شهر مرة، أو مرتين- فقال: كل ذلك جائز، اعتمر في كل شهر مرارًا؛ إن شئت ثلاثًا، وإن شئت مرتين.
وكذلك نقل أبو داود، وقد سئل عن العمرة في كل شهر، فقال: أرجو ألا يكون به باس.
وكذلك نقل الأثرم وأبو الحارث.
وبهذا قال [أبو حنيفة] والشافعي.
وقال مالك: يكره أن يعتمر في السنة مرتين.
стр. 194
دليلنا: ما روى أبو [هريرة عن] النبي ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما».
ولم يفصل بين أن يكون [ذلك في سنة]، أو سنتين.
وأيضًا ما روى: أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن [بن أبي بكر] أن يعمر عائشة من التنعيم ليلة المحصب.
وهي ليلة الرابع عشر من ذي الحجة.
ومعلوم [أن عائشة] قد كانت اعتمرت من هذا الشهر عمرة أخرى؛ فإنها كانت قارنه في هذه السنة، [وذلك أنها أدخلت] الحج على عمرتها، فصارت قارنه في هذه السنة.
ويبين ذلك قول النبي ﷺ : «طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك».
стр. 195
ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن على، وابن عمر، وعائشة، وأنس ﵃:
أما على فروى النجاد بإسناده عن كجاهد [قال]: قال على: في كل شهر عمرة.
وبإسناده عن ابن عمر: أنه اعتمر عام القتال في شوال ورجب.
وبإسناده عن عائشة ﵂: أنها كانت تعتمر من الجحفة بعد عمرتها من التنعيم بعد أيام التشريق.
وبإسناده عن أنس: أنه كان مقيمًا بمكة، وكلما جمم رأسه اعتمر؛ يعني: كلما نبت شعر رأسه بعد أن حلقه اعتمر.
ولأنها عبادة لا تختص بوقت معين، فجاز فعلها على التكرار والتوالي.
دليله: الصلاة النافلة، وصوم النافلة.
واحتج المخالف بأن النبي ﷺ اعتمر في ذي الحجة، ثم أقام حتى دخل المحرم واعتمر، فلو جاز الجمع لجمع.
والجواب: أن هذا لا يمنع جواز الجمع بينهما، وإنما يدل على جواز التفريق، ونحن لا نمنع.
واحتج بأنها عبادة تشتمل على إحرام وطواف وسعي، فاقتضى
стр. 196
حكمها في الشرع أن تفعل مرة السنة، كالحج.
والجواب: أن الحج يختص بوقت معين، وذلك الوقت لا يتكرر، وإنما يكون في كل سنة مرة، وكذلك صوم رمضان، فلهذا لم يجز فعله إلا دفعة، والعمرة لا تختص بوقت معين، فهي كصلاة التطوع وصوم التطوع.
٤٢ - مسألة
العمرة واجبة:
نص عليه في رواية الأثرم، وبكر بن محمد، والمروذي، وإسحاق ابن إبراهيم.
وهو قول الجديد للشافعي وداود.
وقال في القديم: هي سنة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده عن أبي رزيٍن قال: قلت: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: «حج عن أبيك واعتمر».
وهذا أمر بفعل العمرة، والأمر يقتضي الوجوب.
стр. 197
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن سراقة بن مالك بن جعشم [أنه قال]: يا رسول الله! عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ : «بل للأبد».
فوجه الدلالة: أنه سأله عن التكرار، فدل على أن وجوبها في الأصل كان ثابتًا عنده.
وأن قوله: «للأبد» يريد به: الوجوب؛ لأن الاستحباب لا يختص بذلك العام، بل يتكرر في كل يوم، وفي كل وقت.
فإن قيل: لا حجة في هذا [على وجوب] العمرة ابتداء؛ لأن السؤال وقع عن عمرة بعينها كانت واجبة عندنا، وهي التي [أمر النبي ﷺ أصحابه أن] يفسخوا بها إحرام الحج، ويتحللوا منه بعمل العمرة، فظن سراقة [أن ذلك يفعل كل سنة، فقال: أعمرتنا هذه التي تحللنا بها عن إحرام الحج، تفعل في كل سنة؟ فقال: «لأبد الأبد»، ولا يجب نسخ الحج بها في كل سنة.
стр. 198
قيل له: قد سلمت بهذا الخبر: أنه قد كان هناك عمرة] واجبة، وادعيت نسخها، ومدعي النسخ يحتاج إلى دليل على أن النسخ منصرف على الفسخ، لا إلى فعل العمرة.
والذي يبين صحة هذا: أنه روي في بعض الألفاظ: حجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد» ولم يقل أحد: إن ذلك منسوخ.
وأيضًا ما روى عن عائشة- ﵂ قالت: هل على النساء جهاد؟ قال: «عليهن جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة».
وتقديره: يجب عليهن جهاد؛ لأنها سألته عن وجوب ذلك.
وروى زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : «الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهن بدأت».
وأنا ابن أبي مسلم في الإجازة قال: ثنا محمد بن أحمد بن تميم قال: ثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: ثنا قتيبة قال: ثنا ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «الحج والعمرة
стр. 199
فريضتان واجبتان».
فإن قيل: معناه مقدرتان؛ لأن الفرض في للغة هو التقدير.
قيل له: إن كان هذا معناه في اللغة، كان معناه في عرف الشرع الإيجاب، فوجب حمله عليه.
وعلى أن قوله: «لا يضرك بأيهما بدأت» يمنع أن يكون المراد به التقدير؛ لأن تقديرهما لا يوجب التسوية بينهما، وإيجابها يوجب التسوية بينهما في التقديم والتأخير.
فإن قيل: يحمل هذا عليه إذا دخل في العمرة.
قيل له: الفرض إذا أطلق فإنه يعقل منه الابتداء، ولأنه قال: «لا يضرك بأيهما بدأت» دل على أن المراد به الابتداء.
والقياس: أنه إحرام يتضمن الطواف والسعي، فوجب أن يكون من جنسه باسمه الخاص ما هو واجب ابتداًء قياسًا على الحج.
فإن قيل: نقول بموجب العلة؛ لأن الحج من جنس العمرة، وهو واجب ابتداء.
قيل: نحن قلنا: (من جنسه باسمه الخاص) واسمها الخاص هو العمرة، أو الحج الأصغر، ولا يجب بهذين الاسمين عند المخالف ابتداء.
стр. 200
وإن شئت قلت: العمرة عبادة يحرم فيها لبس المخيط والطيب، أو يحرم فيها قتل الصيد، فوجه ذلك [أن] يكون لها مدخل في الوجوب ابتداء، ويجب أن يكون الواجب من جنسها باسمها الخاص كالحج؛ لأن العمرة أحد نسكي القرآن، [فوجب أن] يكون له مدخل في الوجوب كالحج، ولأن العمرة أجريت مجرى الحج في الإحرام [والإحلال، ووجوب] المضي فيها بعد الإفساد، ولزوم الكفارة والقضاء بإفسادها، وتحريم ما يحرم فيه من الطيب، والمحيط، وقص الأظفار، وحلق الشعر، وقتل الصيد، [ونحو ذلك]، فوجب أن يكون حكمهما في الوجوب سواء.
فإن قيل: [الحجة الثانية موافقة للأولى في جميع هذه الأحكام، وتخالفها في الوجوب، كذلك العمرة.
قيل: الحجة الثانية] مكررة، والمبتدأ واجبة، كذلك العمرة يجب أن يكون مبتدؤها واجبًا، والمتكرر منها ليس بواجب.
[و] احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
стр. 201
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فلو كانت العمرة واجبة لأخبر بوجوبها، كالحج.
والجواب: أن اسم الحج واقع على الحج والعمرة، يدل عليه قوله تعالي: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣]، فدل على أن العمرة هي الحج الأصغر.
وروي عن النبي ﷺ : أنه كتب إلى عمرو بن حزم: «والعمرة الحج الأصغر».
وعلى أن السنة قد دلت عليها.
واحتج بما روى أبو صالح الحنفي عن النبي ﷺ قال: «الحج جهاد، والعمرة تطوع».
والجواب: أن هـ قد قيل: إن أبا صالح الحنفي عن النبي ﷺ مرسل.
على أن قوله: «الحج جهاد» معناه: شاق، ولا تطاوع النفس على عمله لصعوبته ومشقته، كالجهاد.
«والعمرة تطوع» معناه: أنها خفيفة تطاوع النفس على عملها
стр. 202
لخفتها؛ لأنها طواف وسعي.
ولأنه لم يرد بالخبر تشبيه الحج بالجهاد في الوجوب؛ لأن الحج من فرائض الأعيان، فلا يصح تشبيهه بالجهاد الذي هو من فرائض الكفايات، وإنما أراد: أن ثواب الحج كثواب الجهاد؛ لأن مشقته كبيرة، وثواب العمرة كثواب التطوع؛ لأنها أخف خالًا منه.
واحتج بما رواه حجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: «لا، وأن تعتمر خير لك».
والجواب: أنه قد قيل: إن حجاجًا مدلس، وكان يعرف عند أصحاب الحديث بالكوفي المدلس.
وعلى أنه يحتمل أن يكون السائل سأله عن حكم نفسه، وكان قد اعتمر، فلم يوجبها عليه.
[من]: أنه أجابه بجواب يختصه، فقال: «وأن تعتمر خير لك».
وعلى أنا نقابل هذا بما روينا [من] قوله: «الحج والعمرة فريضتا ربك».
[ … ] أكثر ما أولى؛ لأنه يعضده قول ابن عمر، [وابن عباس].
стр. 203
فروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر قال: ليس من أحد إلا وعليه حجة وعمرة.
وبإسناده عن ابن عباس قال: الحج والعمرة واجبتان.
واحتج بما روى أنس: أن رجلًا [جاء، فقال: يا] محمد! أتانا رسولك فزعم أن علينا خمس صلوات، وذكر الزكاة، وصوم [رمضان، وحج] البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك، [الله أمرك بهذا]؟ قال: «نعم» قال: فو الذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا، فقال النبي ﷺ : «والله، لئن صدق ليدخلن الجنة».
فوجه الدلالة: أن العمرة لو كان [كانت واجبة؛ لأنكر قوله]: لا أزيد شيئًا؛ لأنه نفي فرٍض آخر.
والجواب: أنه إنما لم يذكر العمرة باسمها الخاص؛ لأن اسم الحج يتناولها من الوجه الذي ذكرنا.
стр. 204
واحتج بما روى سراقة بن مالك عن النبي ﷺ قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
ومعناه -والله أعلم-: أن الحج ينوب عن العمرة؛ لأن الحج ينتظم أفعال العمرة، ويزيد عليها.
والجواب: أن هـ يحتمل: أن هـ يريد به جواز الجمع بينهما، فتكون العمرة داخلة في أفعال الحج، ويجزئه عمل الحج إذا قرن.
واحتج بأن العمرة نسك مقصود بعينه غير مؤقت، فأشبه طواف القدوم.
ولا يلزم عليه السعي؛ لأنه غير مقصود بعينه، وكذلك الإحرام.
والجواب: أن اللعمرة مؤقتة عندكم؛ لأنه لو أهل بها يوم النحر وأيام التشريق لم تجز، وكان عليه أن يرفضها.
وعلى أن الطواف المجرد دليل لنا؛ لأن الواحد من جنسه وصورته واجب، وهو طواف الزيارة في الحج، [فـ]ــوجب أن يكون الواحد من جنس العمرة باسمها وصورتها واجب.
ولأن نفي التوقيت في اللعبادة لا ينفي الوجوب بدليل الجهاد، والزكاة، وقضاء الصلاة.
واحتج بأن العمرة بعض أعمال الحج، فوجب أن لا تجب
стр. 205
على الانفراد، كالطواف.
والجواب: أن صلاة الصبح والمغرب بعض الصلاة الرباعية، ومع هذا فهما واجبتان على الانفراد.
على أن الطواف المجرد لا يحتاج إلى إحرام وإحلال، ولا يحرم فيه الطيب والمخيط، وليس كذلك العمرة؛ لأنها تفتقر إلى إحرام وإحلال، ويحرم فيها الطيب ولبس المخيط، فيجب أن يكون لها مدخل في الوجوب ابتداًء، كالحج.
واحتج بأنها عبادة غير مؤقتة من جنسها فرض مؤقت، فوجب أن تكون تطوعًا، كصلاة النافلة.
والجواب: أنا قد بينًا أن نفي التوقيت لا ينفي الوجوب.
ويبين صحة ذلك: أن الإحرام والسعي غير مؤقت، وهما واجبان، وكالطواف والرمي المؤقت.
وعلى أن هذا يبطل بالصلاة المنذورة، والصوم المنذور؛ فإنه غير مؤقت، ومن جنسه فرض مؤقت، ومع هذا فهو واجب.
وعلى أن الصلوات المفروضات لها فوائت من جنسها في وقتها، والحج ليس له قضاء فائت من جنسه في وقته، فلم يكن له تطوع في غير وقته.
стр. 206
أو نقول: [الصلاة لما كان من جنسها] فرض مكرر في غير وقتها، ولما لم يكن للحج فرض يتكرر في غير وقته، لم يكن له نفل.
واحتج بأنها لو كانت واجبة لاستوى فيها المكي وغيره، كالحج.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم- وقد سئل عن عمرة أهل مكة- فقال: أهل مكة ليس عليهم عمرة، إنما قال الله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦].
فقال له الأثرم: إنما ذاك في الحج في المتعة، فأما العمرة التي تجب على الناس، كما يجب الحج، فكيف تسقط عنهم؟
فقال: كان ابن عباس يقول: العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة! ليس عليكم عمرة، وإنما عمرتكم بطوافكم بالبيت.
قيل له: فإن إمامتهم بك تحرمهم من العمرة، فقال: نعم.
وكذلك نقل عبد الله، وبكر بن محمد، والميموني، وهذا يقتضي: أنه لم يوجبها عليهم.
والجواب: أنه قد أطلق القول بوجوب العمرة في المواضع التي حكيناها عنه.
стр. 207
وقال في رواية أبي طالب، وحرب، والفضل: العمرة واجبة فريضة.
فيدخل فيه أهل مكة وغيرهم، وهو المذهب، وهو قول شيخنا.
والموضع الذي نفى العمرة عنهم أراد به: نفي دم التمتع.
وعلى أنه لو سلم ذلك لم يمتنع أن يسقط عنهم، ويجب على غيرهم لوجوده.
أحدها: ما احتج به أحمد في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ولا معنى لقوله: إن الاستثناء رجع غلى إسقاط الدم؛ لأنه راجع إلى الجميع، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] رجع الاستثناء إلى الجميع.
والثاني: ما احتج به -أيضًا- مما رواه أبو حفص العكبري بإسناده عن عطاء، عن ابن عباٍس قال: يا أهل مكة! ليس عليكم عمرة، فإن كنتم معتمرين لا محالة، فاجعلوا بينكم وبين مكة واديًا.
ولا يعرف له مخالف.
ولأنه لو كانت العمرة واجبة في حقهم، لكان مقيات الحج في حقهم ميقاتًا للعمرة، كأهل البلدان لما كانت مواقيت الحج في حقهم
стр. 208
ميقاتًا لعمرتهم كانت واجبة عليهم، ولما كان ميقات الحج في حقهم الحرم، وميقات العمرة من الحل، دل على أنها غير واجبة.
فإن قيل: إنما اختلف ميقاتهما؛ ليحصل له الجمع بين الحل والحرم في العمرة، ولو أحرم بها من مكة لم يحصل له ذلك.
قيل: النبي ﷺ جعل [ميقاتهم] من مكة، فقال في حديث ابن عباس -وذكر المواقيت-: «حتى أهل مكة يهلون من مكة»، ولم يفرق بين الحج والعمرة.
ولأن دم التمتع لا يجب عليهم، ويجب على غيرهم.
فإن قيل: إن غيرهم أهل بالإحرام من المقيات.
قيل: المتمتع لا يجب عليه الإحرام بالحج من المقيات، وإنما يجب عليه أن لا يجاوز المقيات إلا محرمًا، وقد أحرم منه بالعمرة.
стр. 209
٤٣ - مسألة
التمتع أفضل من الإفراد والقران، والإفراد أفضل من القران:
نص عليه في رواية صالح، وعبد الله، فقال: الذي نختار المتعة؛ لأنه آخر ما أمر به النبي ﷺ ، وهو [أن] يعمل لكل واحد منهما على [حدة. وبهذا] قال في الصحابة: ابن عباس، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وفي التابعين: [الحسن، وعطاء]، ومجاهد، حكاه أبو عبد الله بن بطة في جزء مفرد في فسخ الحج.
ونقل المروذي: [إن ساق الهدي] فالقران أفضل، فإن لم يسق فالتمتع، نقلها أبو حفص.
وقال أبو حنيفة: [القران أفضل من التمتع] والإفراد.
وقال مالك والشافعي وداود: الإفراد أفضل.
دليلنا: ما روى أحمد في «المسند» قال: ثنا حجاج قال: ثنا ليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوادع بالعمرة إلى الحج، وأهدى،
стр. 210
فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى، فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال لناس: «من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل له شيء حرم عليه حتى يقضي حجته، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليتحلل، ثم ليهل بالحج، وليهد، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أياٍم في الحج، وسبعٍة إذا رجع إلى أهله»، وذكر الخبر.
وروى أحمد عن حجاج قال: ثنا ليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته عن رسول الله ﷺ في تمتعه بالعمرة إلى الحج، وتمتع الناس معه، بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله، عن النبي ﷺ .
وروى أحمد في «المسند» قال: ثنا يحيى بن آدم: ثنا سفيان، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: تمتع رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من نهى عنها معاوية.
стр. 211
وروى أبو عبد الله بن بطة في «سننه» قال: ثنا القاضي المحاملي، قال: ثنا زياد بن أيوب قال: ثنا شبابه قال: ثنا شعبة، عن مسلم القرى: سمع ابن عباس يقول: أهل النبي ﷺ بعمرٍة، وأهل أصحابة بالحج.
وروى أبو عبد الله قال: ثنا أبو بكر محمد بن محمود قال: ثنا الأشعث حمد بن المقدام العجلي، قال: نا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن طارق، عن ابن عباس قال: عجبت لمعاوية، وهو يقول في المتعة، وهو حدثني: أن رسول الله ﷺ تمتع، فقصر بمشقٍص.
وروى أحمد في «المسند» قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: قدمت على النبي ﷺ ، وهو منيخ بالأبطح، فقال لي: «حججت؟» قلت: نعم، قال: «فبم أهللت؟» قال: قلت: لبيك بإهلاًل كإهلال النبي ﷺ ، قال: «قد أحسنت» قال: «طف بالبيت، وبالصفا والمروى، [ثم أحل]».
ثم أتيت امرأة من بني قيس، ففلت رأسي، ثم أهللت بالحج، فكنت أفتي به الناس حتى كانـ[ـــت] خلافة عمر، فقال لي رجل: يا أبا موسى! -أو يا عبد الله بن قيس! -رويدك بعض فتياك؛ فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك [بعدك]، قال: فقال: يا أيها
стр. 212
الناس! من كنا أفتيناه فتيا، فليتئد؛ فإن أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك لعمر، فقال: إن آخذ بكتاب الله، فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن آخذ بسنة رسول الله، فإن رسول الله ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله.
وروى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ اعتمر قبل أن يحج.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: تمتع النبي ﷺ .
قال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون! أقول: قال النبي ﷺ ، ويقول: نهى أبو بكر، وعمر، وعثمان! وأول من نهى عنه معاوية.
قد ذكر أبو الحسن بن المظفر الحافظ في «سننه» من المناسك بابًا، وساق فيه أخبارًا كثيرة عن النبي ﷺ : أنه تمتع، وعن جماعة من الصحابة: أنهم اختاروا ذلك، منهم على وغيرة.
وإذا ثبت بهذه الأخبار: أن النبي ﷺ كان متمتعًا، ثبت: أن التمتع أفضل؛ لأنه لا يختار من العمل إلا أفضله، سيما فيما لا يتكرر فعله، والحج لم يتكرر من النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣].
стр. 213
فإن قيل: كيف يجوز أن تعتقدوا صحة هذه الأخبار، وقد رويتم من الطرق الصحاح: ن النبي ﷺ كان مفردًا، وكذلك أصحابه، وأنه فسخ على أصحابه، فاعترضوا عليه، فقال: «[لو] استقبلت من أمري ما استدبرت، لجعلتها عمرًة، ولكن لبدت رأسي»، واعتمدتم على ذلك في جواز فسخ الحج إلى العمرة، فلا يخلو:
إما أن يكون ما رويتموه من التمتع باطلًا، وما رويتموه من الإفراد صحيحًا، فلا يصح احتجاجكم به في فعل التمتع.
أو يكون ما رويتموه من التمتع صحيحًا، وما رويتموه من الإفراد باطلًا، فلا يصح احتجاجكم به في فسخ الحج.
قيل: يمكن الجمع بينهما من غير إسقاط أحدهما، وهو: أنه حين أمر أصحابه بالفسخ كان محرمًا بالحج، وكانت العمرة قد سبقت منه، وتحلل منها، وهذا ظاهر حديث ابن عمر: بدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج.
فبين أن العمرة سبقت منه، ثم أحرم بالحج، فحصل أمره لهم بالفسخ في حال تلبسه بالحج، وامتنع من الفسخ بعد ذلك لوجهين:
أحدهما: أنه كان قد ساق الهدي.
стр. 214
والثاني: لأنه قد [تقدمت منه العمرة]، فلا فائدة في الفسخ.
فإن قيل: النبي ﷺ جعل العلة في امتناعه [من الفسخ سوق] الهدي، ولم يجعل العلة وجود عمرة منه، وتأسف على الفسخ، ولو سبقت منه عمرة [ما تأسف] على ذلك.
قيل: يجوز أن يذكر إحدى العلتين، ولا يذكر الأخرى، كما جاز أن يذكر بعض العلة، ويكل الباقي إلى المجتهد.
وأما تأسفه على الفسخ، فلأنه أحب الوفاق بينه وبين أصحابه في الفعل، ولم يحب الاختلاف.
يبين صحة هذا: ما رواه أبو داود بإسناده عن عائشة: أن النبي ﷺ قال:» لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولأحللت مع الذين أحلوا من العمرة».
قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا.
وقد ذكر ذلك في حديث عائشة: «أحب أن يكون أمر الناس واحدًا».
فإن قيل: قوله: «وتمتع الناس معه» يمنع أن يكونوا محرمين بالحج.
стр. 215
قيل: قوله: «تمتع الناس معه» محمول عليه لما فسخ عليهم حجتهم، فصاروا معتمرين.
وطريقة أخرى اعتمد عليها أحمد في رواية الجماعة؛ صالح، وعبد الله، وابن منصور، وابن هانئ، فقال: المتعة آخر الأمر من رسول الله ﷺ لأصحابه أن يحلوا؛ يعني: من حجهم ليتمتعوا.
وقد روي ذلك من طرق:
فروى أحمد في «المسند» بإسناده عن جابر: أن رسول الله ﷺ أهل وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم يومئٍذ هدي، إلا النبي ﷺ وطلحة، وكان على قدم من اليمن، ومعه هدي، فقال: أهلت بما أهل به رسول الله ﷺ ، وإن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة، [و] يطوفوا، ثم يقصروا -فلما قدم مكة قال: «اجعلوها عمرًة» فهو آخر الآمر به - و [يـ] حلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منًى، [وذكر أحدنا يقطر]، فبلغ ذلك ﷺ فقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، وما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت»، وذكر الخبر.
وروى -أيضًا- بإسناده عن أنس قال: خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة، فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لجعلها عمرًة، ولكن سقت الهدي، وقرنت
следующие страницы →