Полный текст (1 579 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
يجزئه صومه؛ لأن الله _ تعالى _ أجاز الصوم في الحال التي لا يجيز فيها الهدي بقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾.
وأما قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ فلا يخلو من أن يكون المراد: في إحرام الحج، أو: في أفعاله، أو: في وقته، ولا يجوز أن يريد به [ما] في الوجهين الأولين؛ لأن (في) من حروف الظرف، والفعل لا يكون ظرفاً للفعل حقيقة، وإنما يكون الوقت ظرفاً له، فإذا كان كذلك، ثبت أن المراد بقوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾: في وقت الحج، ووقت الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فإذا أحرم بعمرة في شوال، وصام ثلاثة أيام، حصل الصيام في وقت الحج، فوجب أن يجزئه.
فإن قيل: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في إحرام الحج، كما قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] تعين: في إحرام الحج، ويقال: صام في إحرام الحج، وطاف فيه، كما يقال: دعا في صلاته، وذكر الله فيها، وروي: أن النبي ﷺ علم الحسن دعاء القنوت، وقال: «اجعله في وترك».
قيل له: هذا مجاز، ومعناه: دعا في الوقت الذي يصلي فيه،
стр. 282
وذكر الله في وقت اشتغاله بالصلاة؛ لأنا قد بينا: أن الفعل لا يكون ظرفاً للفعل، وإنما يكون الوقت ظرفاً له.
فإن قيل: لا يجوز أن يحمل قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ على وقت الحج؛ لأن أحداً لا يقول: إن له أن يصوم في وقت الحج؛ لأنه لابد من الإحرام؛ إما بالعمرة عندك، أو بالحج عندنا.
قيل له: إذا دلت الدلالة على امتناع جوازه بغير إحرام، صار تقديره: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج إذا كان محرماً.
فإن قيل: قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في حال الحج، ويكون هذا الإضمار أولى؛ لأنه [لا] يحتاج إلى تخصيص، والوقت يحتاج إلى تخصيص بما بعد إحرام العمرة، وتخصيص المضمر لا يجوز؛ لأنه إنما يضمر ما دل [عليه] الدليل، والدليل يدل على حاض دون العام.
قيل له: حمله على حال الحج إنما هو عبارة عن وقت بصفة، وإضمار الوقت أولى من إضماره وزيادة عليه.
وقولهم: إن ذلك يؤدي التخصيص، فليس بصحيح؛ لأن الذي يريد التمتع بالعمرة هو الذي فعلها ناوياً لضم الحج إليها، فلا نحتاج في إضمارنا إلى تخصيص.
وقد قيل في جواب الآية: إنها أفادت وجوب الصوم، والكلام في الجواز
стр. 283
وعندنا يجب إذا أحرم بالحج، وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي، وقد سئل عن صيام المتعة: متى يجب؟ قال: إذا عقد الإحرام.
واحتج بأن كل وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، [لا يجوز فيه فعل البدل]، بدلالة العتق والصوم في الكفارة، ولا خلاف في مسألتنا: أن المبدل _ وهو الهدي _ لا يجوز قبل إحرام الحج، كذلك البدل.
والجواب: أن صوم المتعة يجوز في الحرم وخارج الحرم، وهدي المتعة لا يجوز ذبحه في غير الحرم، فإذا جاز فعل البدل في مسألتنا في موضع لا يجوز فيه فعل المبدل، لم يمتنع _ أيضاً _ أن يجوز فعل البدل في وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، ويفارق [هذا] البدل والمبدل في الكفارة؛ لأن الموضع الذي يجوز فعل المبدل فيه [يجوز فعل البدل فيه]، كذلك الوقت الذي يجوز فعل البدل فيه، [يجوز فعل المبدل فيه.
ولأن صوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر جائز، وصوم سبعة أيام لا يجوز، والجميع بدل عن الهدي، وإذا جاز بعض البدل في وقت لا يجوز فيه البعض الآخر، لم يمتنع أن يجوز جميع البدل في وقت لا يجوز فيه المبدل، وبفارق هذا البدل والمبدل في الكفارة؛ لأن الوقت الذي يجوز فيه بعض المبدل يجوز جميعه، كذلك الوقت الذي يجوز فيه جميع البدل يجوز فيه المبدل.
стр. 284
ولأنه يجوز تأخير المبدل إلى يوم النحر، ولا يجوز تأخير صوم الثلاثة إلى يوم النحر.
ولأن جنس المبدل الهدايا والضحايا، وذلك يختص بيوم النحر، وليس من جنس البال ما يختص بيوم النحر، فبان الفرق بينهما.
واحتج المخالف بأن الهدي حق المال بدل من الصيام، فوجب أن لا يتقدم وقت جواز البدل على وقت جواز المبدل، كالرقبة والصيام في كفارة الظهار.
ولأنه أحد موجبي المتعة، فلا يجوز فعله في العمرة قياساً على الذبح.
والجواب: أنا قد بينا الفرق بين الصوم والهدي، وبينه وبين البدل والمبدل في الكفارة.
٥٢ - مسألة
إذا لم يصم المتمتع قبل يوم النحر، صامها قضاء، وعليه دم لتأخيرها عن أيام الحج، أو كان واجداً للهدي فأخره عن أيام النحر، فهل يجب عليه هديان؛ أحدهما لأجل التمتع والقران، والثاني لتأخيره ذلك عن وقته ؟
وفيه روايات:
إحد [ا] ها: بجب علبه دم لتأخير الصوم، ودم ثان لتأخير الدم.
стр. 285
قال في رواية أبي طالب في متمتع لم يكن معه هدي، ولم يصم حتى جاز يوم النحر: صام عشرة أيام إذا رجع، وعليه دم، قد فرط، وابن عباس يقول: من كان عليه دم، فلم يذبحه حتى جاز يوم النحر فعليه دمان: الدم الذي وجب عليه، ودم لما فرط.
قيل له: فتقول به؟ قال: نعم، عليه دمان، دم لما عليه، ودم لما أخر.
وكذلك نقل المروذي ويعقوب عنه في متمتع لم يهد إلى قابل: يهدي هديين، وهكذا قال ابن عباس.
وفيه رواية ثانية: عليه دم واحد.
نص عليه في رواية ابن منصور في متمتع لم يذبح حتى رجع إلى أهله: يبعث بالدم إذا كان ساهياً، والعامد عليه دم واحد إلا أنه قد أساء.
وفيه رواية ثالثة: رواها حرب عنه في متمتع رجع إلى بلاده، ولم يهد: يجزئ عنه دم واحد إذا كان له عذر، وبعضهم يقول: عليه دمان، وهذا إذا لم يكن له عذر.
وظاهر هذا: أنه فرق بين المعذور، وهو [من] تعذر ما يشتريه، أو تضيق نفقته، وبين من لا عذر له.
والمذهب الصحيح: أن المعذور وغيره سواء؛ لأن في رواية
стр. 286
المروذي: إذا لم يجد ثمن ما يشتري حتى رجع إلى هاهنا عليه هديان، وهذه حالة عذر.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يصم قبل يوم النحر، ولم يجد ثمن الهدي، فحل بلا هدي ولا صيام، فعليه] هديان إذا أيسر؛ أحدهما لإحلاله بغير هدي ولا صوم، والآخر هو القران أو المتعة، ولا يجزئه الصوم بعد ذلك.
وقال مالك والشافعي: يصوم، ولا دم عليه لأجل التأخير.
فالدلالة على ثبوت الصوم خلافاً لأبي حنيفة: أنه صوم واجب، فوجب قضاؤه بفواته.
دليله: صوم رمضان.
وقيل: صوم واجب، فلم يسقط بفواته.
دليله: صوم رمضان.
والمخالف يمنع الأصل ويقول: قد سقط بفواته، وإنما وجب القضاء بدليل ثان، والصحيح هو العبارة الأولى.
ولأنه صوم معلق بشرط، فلم يسقط بفوات شرطه.
دليله: صوم الظهار، وهو مأمور بأدائه قبل المسيس، ثم لو
стр. 287
مسها لم يسقط.
ولأنه أحد موجبي المتعة فجاز فعله خارج الحج.
دليله: الهاي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾] البقرة:١٩٦ [، فجعله مؤقتاً بالحج، فإذا لم يصم قبل يوم النحر فات وقته، فلو أمرناه بالقضاء كان فيه إيجاب فرض مبتدأ، وذلك لا يجوز إلا بدلالة.
والجواب: أن القضاء ليس بفرض مبتدأ على قول أصحابنا، بل الأمل بفعل العبادة يقتضي فعلها في وقتها وفي غيره.
وعلى أنا قد دللنا على إيجاب ذلك.
واحتج بأن الله - تعالى - جعل الصوم بدلاً عن الهدي في الحج، فلو أمرناه بالقضاء في غيره لأثبتنا للصوم في الحج بدلاً؛ لأن القضاء بدل عما تركه في وقته، وإثبات الإبدال لا يجوز إلا بتوقيف، كالمسح على الخفين؛ لما كان بدلاً لم يجز إثباته إلا بدليل.
والجواب عنه ما تقدم، وهو: أن الأمر بالأداء يـ]ــتـ[ــضمن الأمر بالقضاء.
وعلى أنا قد دللنا على ذلك.
واحتج بأنه بدل مؤقت، فإذا فات وقته وجب الرجوع إلى المبدل،
стр. 288
كالجمعة إذا فات وقتها، وجب الرجوع إلى المبدل، وهو الظهر، والمسح على الخفين إذا مضى وقته، وجب الرجوع إلى المبدل، وهو الغسل.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون مؤقتاً، ولا يسقط، بل يقضى إذا فات، كما أنه إذا صار معلقاً بشرط، ففات الشرط، لم يسقط، ووجب قضاؤه، وهو صوم الظاهر إذا أخره عن المسيس؛ لأن الشرط والتأقيت واحد؛ لأن التأقيت شرط في المؤقت، ومأمور به في وقته، كما أن المظاهر مأمور بالصوم قبل المسيس.
وعلى أنا لا نسلم: أن الجمعة بدل، هي أصل، والظهر بدل منها، يدل عليه: أنه إذا ترك الجمعة إلى الظهر عصى الله - تعالى - وأثم، والإنسان لا يعصى بترك البدل إلى المبدل.
ولا نسلم - أيضاً - علة الفرع؛ لأن صوم الثلاثة مؤقت؛ لأنه مأمور به في الحج دون الزمان، والمؤقت ما خص فعله بوقت بعينه.
وفي هذا ضعف؛ لأنا قد بينا فيما قبل: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِي الحَجِّ﴾ في وقت الحج.
وأما المسح على الخفين فإنما جوز للحاجة إليه، ولا نحتاج في استدامته إلى أكثر من ثلاثة أيام في حق المسافر، ويوم وليلة في حق المقيم، فلم تجز الزيادة على ذلك، والصوم غنما جوز للمتمتع لكونه عادماً للهدي، وهذا المعنى موجود بعد يوم النحر، فجاز فعله.
واحتج بأنه نسك مؤقت لا تعلق له بالبيت، فوجب أن لا يجوز
стр. 289
قضاؤه بعد مضي وقته، كرمي الجمار.
والجواب: أن الجمار حجة لنا؛ لأنها تسقط إلى بدل هو الدم.
يجب - أيضاً - أن نقول في صوم المتعة: يسقط إلى بدل، وهو القضاء، وعندهم يسقط لا إلى بدل؛ لأن الدم الذي يوجبونه هو الهدي الواجب في الأصل، وليس ببدل عن الصيام.
على أن قياس هذا على صوم رمضان - لأنه من جنسه - أولى من الجمار.
- فصل:
والدلالة على أنه لا يلزم الهدي لتأخيره الصيام والهدي: أنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، فلم يجب به دم.
دليله: إذا أخر الوقوف من النهار إلى الليل.
ولهذا المعنى قلنا: إذا أخر الطواف والحلاق عن أيام التشريق لا دم عليه لهذه العلة، وعكسه الرمي.
ولا شبهة أن هدى التمتع نسك، وقد دللنا عليه فيما تقدم.
ولا يلزم عليه إذا أخر الرمي؛ لأنه إن أخره عن اليوم الأول إلى الثاني والثالث، لا دم عليه، وإن أخره إلى ما بعد، فعليه دم؛ لأنه أخره عن وقت جواز فعله، وقد نص على هذا في رواية صالح، فيمن نسي
стр. 290
رمي جمرة العقبة، فذكرها في أيام التشريق: يرمي في أيام منى، فإذا جازت أيام منى، فعليه دم.
وأما الصيام فهو بدل الهدي الذي هو نسك، فكان نسكاً.
ولأنه دم أخره عن وقت وجوبه، فلا يجب بتأخيره دم.
دليله: سائر الدماء الموجبات من الحلاق، وتقليم الأظفار، واللباس، وقتل الصيد، وغير ذلك.
ووجه الرواية الثانية: ما روى النجاد بإسناده عن علي بن بذيمة مولى ابن عباس قال: تمتعت، فنسيت أن أنحر، وأخرت هديـ]ــي [، فمضت الأيام، فسألت ابن عباس فقال: اهد هديين؛ هدياً] لهديك [، وهدياً لما أخرت.
والجواب: أنه محمول على الاستحباب.
واحتج بأنه صوم واجب أخره عن وقته المعين، فجاز أن يجب به فدية.
دليله: صوم القضاء والنذر.
والجواب: أن ذلك الصوم ليس فيه معنى النسك، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه نسك أخره إلى وقت جوازه، أشبه ما ذكرنا.
стр. 291
٥٣ - مسألة
إذا صام المتمتع السبعة بعد الفراغ من الحج قبل الرجوع إلى أهله أجزأه:
نص عليه في رواية الأثرم، وقد سأله عن صيام السبعة أيصومهن في الطريق، أم في أهله؟ فقال: كل قد تأوله الناس، ووسع في ذلك كله.
وكذلك نقل أبو طالب عنه، قال: إن قدر على الهدي، وإلا يصوم بعد الأيام، قيل له: بمكة، أم في الطريق؟ فقال: كيف شاء.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يصوم إذا رجع إلى أهله، فإن صام بمكة، أو في الطريق لم يجز، فإن حصل في وطنه، ثم عاد على مكة، جاز له أن يصوم بها وفي الطريق في أي موضع شاء، وإن لم يرجع إلى وطنه، ونوى المقام في مكة؛ وجعلها وطنه، جاز له أن يصوم بها.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾] البقرة:١٩٦ [، تقديره: إذا رجعتم من الحج؛ لأن فيه إضماراً، فيجب أن يكون المضمر ما تقدم ذكره، كقوله تعالى: ﴿والْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ والْحَافِظَاتِ والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾] الأحزاب: ٣٥ [، فإذا كان تقديره ما ذكرنا قلنا: إذا انقضت أيام منى لم يبق من أفعال الحج عليه شيء، فقد رجع من
стр. 292
الحج، فيجب أن يجزئه صوم هذه الأيام.
فإن قيل: إطلاق اسم (الرجوع) إلى الوطن، فيجب أن يجمل عليه.
يبين صحة هذا: أن الفراغ من العبادة لا يسمى رجوعاً، ألا ترى أنه إذا فرغ من صومه بغروب الشمس لا يقال: رجع من صومه، ورجع من زكاته، ورجع من صلاته؟
قيل له: في الآية رجوع مقيد، وتقديره: وسبعة إذا رجعتم من الحج، والحج عبارة عن الأفعال، فيصير كأنه قال: وسبعة إذا رجعتم من أفعال الحج، والرجوع من أفعال الحج هو الفراغ منها.
ولا يشبه هذا قوله: رجع من صيامه، ومن صلاته؛ لأن الصيام والصلاة لا تختص بمكان، فلا يقال لمن فعلها: رجع، والحج يفعل في أماكن مخصوصة، فيجوز أن يقال لمن فرغ منه، وانتقل عنها: رجع.
ولأنه يصح أن يقال في الصيام: رجع إلى الفطر، ويقال لمن فرغ من الحج: رجع إلى الإحلال.
ويبين صحة هذا: أن أفعال الحج تقدم ذكرها، والسفر والخروج من الوطن لم يجر له ذكر يحمل الرجوع عليه.
فإن قيل: كيف يقال لمن حصل بمكة: رجع، وأفعال الحج تقع فيها؟
قيل له: إذا فرغ من الأفعال يقال: رجع إلى حالته الأولى من الإحلال.
стр. 293
يبين صحة هذا: أن الرجوع إلى الأهل] غير [مراد بالاتفاق؛ لأنه لو رجع إلى وطنه، ولم يطف لم يجز الصوم، ولابد من اعتبار الرجوع الذي نقوله نحن.
فإن قيل: قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في وقت الحج؛ لأن] في [من حروف الظرف، والفعل لا يكون ظرفاً للفعل، وإنما يكون الوقت ظرفاً له، فيصير تقديره كأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج، فإذا جعلنا قوله: ﴿إذَا رَجَعْتُمْ﴾ تقديره: إذا رجعتم من الحج، صار كأنه قال: إذا رجعتم من وقت الحج، والرجوع من وقت الحج لا يصح، وإذا بطل أن يكون تقدير الآية ما ذكرتم، ثبت أن تقديرها: إذا رجعتم إلى الوطن.
قيل له: في الآية إضمار، فيجب أن يكون المضمر ما تقدم ذكره، وهو الحج، فيصير كأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم من الحج، ولو قال ذلك، ثم قامت الدلالة على أن المراد بالأول وقت الحج، لم يجب حمل الثاني عليه، بل يجب حمله على فعل الحج، ألا ترى أن قيام الدلالة على أن المراد بقوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ وقت الحج، لم يجوب أن يكون المراد بقوله: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾] البقرة:١٩٦ [وقت الحج؟
على أن الرجوع عن أفعال الحج مراد بالإجماع، لأنه لو رجع إلى الوطن قبل الرجوع من الحج لم يجز له أن يصوم.
والقياس أنه متمتع صام بعد الفراغ من المناسك في وقت يصح
стр. 294
فيه الصوم، فيجب أن يجزئه إذا لم يكن معه هدي، كما لو رجع إلى الوطن، أو استوطن بمكة، ولم يرجع إلى أهله، جاز أن يؤديه إذا لم يستوطن.
دليله: سائر الصيام.
ولأن من لزمه صوم جاز له أن يؤديه بعد عوده إلى وطنه، وبعد حصوله إلى أهله، جاز أن يؤديه قبل ذلك.
دليله: صوم رمضان وقضاؤه ونحوهما.
ولا يلزم عليه إذا قال: إذا رجعت إلى أهلي ووطني، وتخلصت من سفري، فعلي صوم عشرة أيام، أن له أن يؤديه بعد عوده إلى وطنه، وليس له أن يؤديه قبل ذلك؛ لأن لزومه يتعلق بشرط العود إلى الوطن، فما لم يوجد الشرط لم يلزمه، فلا يجزئه عن الواجب، وأما صوم السبعة أيام فقد لزم المتمتع قبل عوده إلى الوطن.
فإن قيل: صوم السبعة لا يجب إلا بعد الرجوع، وإن حصوله في أهله شرط في وجوبه.
قيل له: فيجب أن لا يلزمه إذا استوطن في مكة لعدم الشرط.
فإن قيل: إذا استوطن في مكة فقد حصل في وطنه وأهله، فوجد الشرط.
قيل له: لو كان كذلك، لوجب إذا قال: إن عدت إلى وطني، وحصلت في أهلي، فعلي أن أصوم عشرة أيام، فاستوطن مكة، أن
стр. 295
يلزمه، كما قلت في مسألتنا، ولا خلاف أنه لا يلزمه، فبطل ما ذكرت.
واحتج المخالف بما روى عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ في حديث طويل قال: "فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذ رجع إلى أهله".
وروى ابن جريج، عن عطاء، عن جابر: أن النبي ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن ساق الهدى فليذبح، ومن لم يسق الهدي فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله".
والجواب: أنه يحتمل أن يريد به: إذا ابتدأ بالرجوع إلى أهله، وهذا يكون بعد الفراغ من الحج، وقد يسمى ذلك راجعاً، كما يقال: خرج فلان إلى مكة، وخرج إلى خراسان، وإن كان في الطريق، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه متمتع صام السبع قبل الرجوع إلى وطنه، فوجب أن لا يعتد به، كما لو صام قبل الفراغ من الرمي.
والجواب: أن صومه قبل الرمي يحصل في يوم النحر وأيام التشريق، فلهذا لم يجز، ألا ترى أنه لو لم يرم حتى مضت أيام التشريق جاز له أن يصوم، وإن لم يرجع إلى أهله؛ لأن الرمي قد سقط، فلا
стр. 296
يحصل صومه في أيام التشريق؟
واحتج بأنه الله - تعالى - لما أمر بصوم رمضان وضعه عن المسافر تخفيفاً عنه، فلا يجوز أن نبتدئ بإيجابه عليه في حال سفره.
والجواب: أن هذا باطل بصوم ثلاثة أيام.
على أن نبيح له جواز تأخيره إلى أن يرجع إلى أهله، كما نبيح للمسافر تأخير صوم رمضان، ونجيز فعله في حال سفره، كما نجيز صوم رمضان.
واحتج بأنه إنما فرق بين صوم ثلاثة أيام، وبين صوم سبعة أيام رفقاً به، ومن الرفق أن لا يؤمر بالسبعة إلا بعد الرجوع إلى الأهل والاستقرار في الوطن.
والجواب: أنا في بينا: أن له تأخيره إلى وقت الرجوع، وإنما خلافنا في جوازه في حال سفره، فقلنا: يجوز، وقال مخالفنا: لا يجوز.
٥٤ - مسألة
يستحب للمتمتع أن يصوم قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة:
نص عليه في رواية الأثرم، وأبي طالب.
стр. 297
وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: يستحب أن يكون آخر الصيام يوم التروية.
دليلنا: يوم عرفة أفصل، ولم ينه عن الصوم فيه، وكان أولى بالصيام الواجب.
ولأن يوم السادس لا يسن الخروج إلى منى فيما يليه، فلم يستحب فيه ابتداء صوم الثلاثة.
أصله: ما قبله.
فإن قيل: أليس قد قلتم: لا يستحب أن يتطوع بصوم هذا اليوم؛ لأنه يضعفه عن الدعاء؟ كذلك في صوم التمتع.
قيل: لا يمتنع أن نقول هذا في التطوع، ولا نقولـ]ـه [في الواجب، كصيام يوم الشك ويوم الجمعة، فيكره التطوع فيه، ولا يكره القضاء فيه.
واحتج بما روى الأثرم بإسناده، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم عرفة بعرفات.
والجواب: أنه محمول على التطوع، بدليل ما روى الأثرم بإسناده عن عائشة قالت: الصيام لم تمتع ولم يجد الهدي: ما بين أن يهل إلى
стр. 298
يوم عرفة، و [إن] لم يصم، صام أيام منى.
٥٥ - مسألة
في المتمتع إذا دخل في الصوم، ثم وجد الهدي في صيامه، أجزأه المضي فيه:
نص عليه في رواية حنبل في المتمتع إذا صام أياماً، ثم أيسر: أرجو أن يجزئه الصيام، ويمضي فيه.
وكذلك نقل ابن منصور في متمتع لم يجد ما يذبح فصام، ثم وجد يوم النحر ما يذبح: فمتى دخل في الصوم فليس عليه.
ويقول في الكفارات كلها: إذا دخل في الصوم يمضي فيه، وكذلك إذا تيمم ثم دخل في الصلاة فليمض.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبي حنيفة: إن وجده في صوم السبعة أجزاه، ولم يلزمه الهدي، وإن وجده في صوم الثلاثة لم يجزه الصوم، ويلزمه الهدي، وكذلك إن وجده بعد الفراغ من صومه ثلاثة أيام، وقبل الإحلال، لم يجزه إلا الهدي، وإن حل ثم وجد الهدي أجزاه الصوم.
وفرق بين الثلاثة وبين السبعة بأن الثلاثة بدل عن الهدي، فبطل
стр. 299
حكمها بوجود المبدل، والسبعة ليس ببدل عنه، وعلى قولنا الجميع بدل عن الهدي.
والكلام في هذه المسألة في فصلين:
أحدهما: في صوم السبعة؛ هل هو بدل، أم لا؟
والثاني: الإجزاء.
فالدلالة على أنها بدل عن الخدي قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾] البقرة:١٩٦ [، فمنها دليلان:
أحدهما: أنه شرط عدم الهدي في الثلاث، وعطف السبعة عليها، والمعطوف بمنزلة المعطوف عليه، وهما بمنزلة الجملة الواحدة الملفوط بها دفعة واحدة.
فإن قيل: قد يتشرط في صحة الشيء عدم غيره، ولا يكون بدلاً عنه، كما يشترط عدم الطول وخوف العنت في نكاح الأمة، وليس ببدل عنه.
قيل له: فيجب أن تقول في الثلاث مثل ذلك، وأن الشرط هاهنا لم يفد البدل.
على أنا نقول: إن نكاح الأمة بدل من نكاح الحرة.
والدلالة الثانية من الآية: أن الله - تعالى - جمع بينهما لإزالة
стр. 300
الإشكال فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾] البقرة:١٩٦ [فدل هذا على أن السبعة تكمل ثواب الصوم؛ لأن البدل ينقص عن ثواب المبدل، وكمل الله - تعالى - الثواب بضم سبعة إلى الثلاث.
قالوا: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية المروذي فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ كملت الهدي.
قيل: بل الجمع لإزالة الإشكال؛ لأن الواو قد تكون بمعنى (أو) نحو قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾] النساء:٣ [وتقديره: أو ثلاث، أو رباع، فأزال الإشكال وأخلصها للجمع.
ولو كان المراد تكميل الثواب لقال: تلك عشرة مكملة، فلما قال: ﴿كَامِلَةٌ﴾ دل على أن المراد به ما ذكرنا.
ولأن عدم الهدي في صوم السبعة، كما هو شرط في الثلاث، وكل صوم لزمه عند عدم الهدي، فوجب أن يكون بدلاً عنه، كصوم الثلاثة.
ولأنه صوم لزمه عند عدم حيوان، فوجب لا يكون بدلاً عنه، كالصوم في الكفارات المرتبة.
واحتج المخالف بأن صوم ثلاثة أيام جائز في الحج، وصوم سبعة لا يجوز إلا بعد الفراغ منه، فلو كان الجميع بدلاً عن الهدي لكان وجوبه
стр. 301
على وجه واحد، كالصوم في كفارة الإفطار والظهار.
] والجواب: أنه [إنما جاز صوم الثلاثة في الحج؛ لأنه وقته، وذلك أن وقته في الحج، وصوم] السبعة لا يختص وقته في الحج، فيفرق لهذه العلة.
وغير ممتنع أن يكون بعض هذه البدل في وقت وبعضه في وقت آخر بخلاف سائر المبدلات، كما كان وقت المبدل - وهو الهدي - في وقت غير وقت البدل -] و [هو الصوم - بخلاف سائر المبدلات.
وعلى أن الصوم في كفارة الظهار والفطر حجة لنا؛ لأنه لما وجب عند عدم الرقبة كان جميعه بدلاً، ولم يكون بعضه بدلاً، وبعضه غير بدل، كذلك صوم العشرة لما وجب عند عدم الهدي يجب أن يكون جميعه بدلاً، ولا يكون بعضه بدلاً، وبعضه ليس ببدل.
ولأنا وجدنا الجمع والتفريق يجريان في العبادات مجرى واحداً في باب الجواز بدليل قضاء رمضان؛ يجوز الجمع والتفريق فيه، فإذا كان في الأبدال ما يجب جميعه، وهو صوم الظهار والقتل، جاز أن يكون فيها ما يجب تفريقه؛ لأنهما يجريان مجرى واحداً.
واحتج بأنه صوم يجوز فعله بعد التحلل، فهو كصوم فدية الأذى،
стр. 302
ولأن وجود الهدي لا يمنع ابتداءه، فلم يكن بدلاً.
أصله: ما ذكرنا.
والجواب: أنه إنما جاز فعله بعد التحلل لدخول وقته؛ لأنه قبل التحلل لم يدخل وقته، وجاز فعله - أيضاً - مع وجود الهدي؛ لأنه بعض البدل وجد البدل في أثنائه.
وأما فدية الأذى، فلم يشترط في جوازها عند عدم الهدي، فلهذا لم تكون بدلاً عنه، وهذا بخلافه.
واحتج بأن الهدي مشروط لإباحة الإحلال؛ لأن المتمتع إذا كان معه هدي لا يجوز له أن يحل حتى يذبحه، ومتى حل قبله لزمه دم، وإذا لم يكن معه هدي لزمه أن يقيم الصوم مقامه، والصوم الذي يقوم مقامه في إباحة الإحلال صوم ثلاثة أيام، فعلمنا أنه هو البدل؛ إذ البدل هو ما يقوم مقام المبدل في حال العجز عنه، ولو كان صوم سبعة أيام بدلاً عنه لما جاز التحلل إلا بعد وجوده، كما لا يجوز إلا بعد وجود صوم ثلاثة أيام في حال عدم الهدي.
والجواب: أن صوم الثلاثة إنما جاز عند عدم الهدي؛ لأنه وقت له؛ لان وقته أن يصوم في الحج، لا لأجل التحلل، وصوم السبعة
стр. 303
لا يختص وقته بالحج، فامتنع أن يكون صوم الثلاثة لأجل التحلل، وإنما كان لما ذكرنا.
- فصل:
والدلالة على أنه يجزئه الصيام، ولا يلزمه الخروج إلى الهدي: هو أنه وجد الهدي بعد دخوله في الصوم، فوجب ألا يلزمه الانتقال إليه قياساً عليه إذا دخل في صوم السبعة أيام ثم وجده.
وقيل: صوم تلبس به لعدم الهدي، فلم يبطل بوجوده كالسبعة.
والعبارة الأولى أصح؛ لأن الحكم في الثانية ضد الوصف؛ لأن ما تلبس به للعدم يدل على تأثير الوجود فيه.
فإن قيل: المعنى في صوم السبعة: أنه ليس ببدل، وليس كذلك الثلاث؛ لأنها بدل.
قيل: قد بينا: أن الجميع بدل، فلا فرق بينهما.
واحتج المخالف عليه إذا وجده قبل الفراغ من الصوم: أنه يلزمه؛ لأنه بدل عن الهدي، فإذا قدر على المبدل قبل الفراغ من البدل لزمه أن ينتقل إليه، كالمعتدة بالشهور إذا حاضت، والمتيمم إذا وجد الماء في الصلاة.
стр. 304
ولا يلزم عليه إذا وجده قبل صوم السبعة؛ لأنه ليس ببدل عن الهدي.
والجواب: أنه قوله: وجده قبل الفراغ من الصوم، لا تأثير له عندك؛ لأنه لا فرق بين أن يجده قبل الفراغ من صوم الثلاثة، أو يجده بعد الفراغ منها، وقبل التحلل من إحرام الحج،] فـ[ـإنه ينتقل إلى الهدي، وإذا كان كذلك لم يكن لاعتبار وجود الهدي في البدل تأثير، ووجب إسقاط الوصف.
وعلى أن فرقاً بين وجود الماء في الصلاة، أو قبل الدخول فيها، وبين مسألتنا، وذلك أن ظهور المبدل هناك يبطل حكم البدل من أصله؛ لأنه يبطل ما مضى من الصلاة، ويمنع كونها قربة وطاعة، وقبل الصلاة - أيضاً - تبطل حكم التيمم من أصله، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن وجود الهدي لا يوجب بطلان الصوم من أصله، ولا يخرجه عن أن يكون قربة في نفسه، فدل على الفرق بين البدلين.
وأما العدة ففرق بينها وبين مسألتنا، وذلك أن الهدي يجوز تركه للمشقة، وهو إذا لم يجده في البلد، وإذا كان له مسكن يمكنه أن يشتري بثمنه هدياً إلا أنه يحتاج إليه، لم يلزمه، وأجزأه الصوم، وليس كذلك العدة بالأقراء؛ فإن المرأة إذا حاضت مرة، ثم ارتفع حيضها، لم يجز لها أن تعتد بالأشهر، بل تتربص حتى يعود الحيض، أو ييأس أضرابها.
واحتج بأن ما كان شرطاً في صحة اليوم الأول كان شرطًا في الثاني.
стр. 305
دليله: النية وترك الأكل.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون شرطاً في الأول، ولا يكون شرطاً في الثاني، كما كان شرطاً عندك في الثلاث، ولم يكن شرطاً في السبع.
وعلى أنه متى كان الهدي موجوداً في اليوم الأول، فلم يوجد شرطه، وليس كذلك إذا شرع فيه، ثم وجده؛ لأنه وجد شرطه، فهو كما لو وجده في السبع.
وعلى أن ترك نية الإمساك في صوم السبعة يمنع الإجزاء، ووجود الهدي فيها لا يمنع.
واحتج بالقياس عليه إذا وجده بعد صيام الثلاثة - وقبل الإحلال - بأنه متمتع وجد الهدي قبل الإحلال من الإحرام، فوجب أن ينتقل إليه.
دليله: إذا لم يصم ثلاثة أيام.
والجواب: أن المعنى ف الأصل: أنه وجده قبل الشروع في الصوم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وجد] هـ[بعد الشروع فيه، فأشبه إذا وجده بعد الشروع في السبعة.
واحتج بأن الهدي مشروط لإباحة الإحلال عندنا وعندكم، والصوم بدل عنه وقائم مقامه، فإذا وجد قبل حصول الإحلال بطل حكم البدل، ووجب الانتقال إلى المبدل، كما تقول: إن الطهارة بالماء تراد لأداء الصلاة، والتيمم بدل عنها، ثم لو وجد الماء قبل الإحلال من الصلاة
стр. 306
بطل حكم البدل، ووجب الانتقال إلى المبدل.
والجواب: أن لنا في رؤية الماء في الصلاة روايتان:
إحداهما: لا تبطل.
فعلى هذا: لا نسلم.
والثانية: تبطل.
فعلى هذا] نقول [: فرق بينهما، وذلك أن ظهور المبدل هناك يبطل حكم البدل من أصله، وليس كذلك هاهنا؛ لأن ظهور المبدل هاهنا لا يبطل حكم البدل من أصله؛ لأنه صوم صحيح يثاب عليه.
وعلى أنا قد بينا أنه ليس بمشروط لإباحة الإحلال، وإنما تأخر فعله لدخول وقته.
٥٦ - مسألة
المتمتع الذي يسوق الهدي لا يحل إلا يوم النحر، فإذا كان يوم النحر ذبح وحل، فإذا طاف وسعى لعمرته لم يحل منها، ولكن يحرم بالحج، ثم لا يحل حتى يتحلل منهما معاً:
نص عليه في رواية حنبل فقال: إذا قدم في أشهر الحج - وقد ساق
стр. 307
الهدي - فلا يحل حتى بنحر، وإذا قدم في العشر لم يحل؛ لأن رسول الله ﷺ قدم في العشر، ولم يحل.
وظاهر هذا: أنه لا يحل إلى يوم النحر سواء قدم مكة في العشر، أو قبله.
وروى أبو طالب عنه في الذي يعتمر قارناً أو متمتعاً، ومعه الهدي: قصر من شعرك، ولا تمس شاربك، ولا أظفارك، ولا لحيتك، كما فعل النبيصلى الله عليه وسلم؛ فإن شاء لم يفعل، وإن شاء أخذ من شعر رأسه، وهو حرام.
وظاهر هذا: انه يحل من التقصير فقط، ولا يحل من جميع المحظورات، كما يحل الحاج إذا رمى من بعض المحظورات.
وروى يوسف بن موسى فيمن قدم متمتعاً، وساق الهدي: فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل، وعليه هدي آخر، وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه، ولم يحل، فقيل له: معاوية يقول: قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص، فقال: إنما حل بمقدار التقصير، ويرجع حراماً مكانه.
стр. 308
وظاهر هذا: أنه إن قدم مكة قبل العشر جاز له أن يتحلل، وينحر الهدي، وإن قدم في العشر لم يحل له التحلل قبل يوم النحر إلا بقدر تقصير الشعر.
وهذا يقتضي أن سوق الهدي لا يمنع التحلل عنده، وإنما استحب له المقام على إحرامه إذا دخل في العشر؛ لأنه لا يطول تلبسه بالإحرام، وإذا دخل قبل العشر طال تلبسه به؛ فلا يأمن مواقعة المحظور، فيتحلل.
وقال في رواية أبي طالب: إذا كان الهدي نمنعه من التحلل من جميع الأشياء في العشر وغيره.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك والشافعي: له أن يحل من العمرة بعد الفراغ منها؛ سواء ساق الهدي، أو لم يسق.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله ﷺ قال للناس: "من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقتضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحل، ثم ليهل بالحج".
وروى - أيضاً بإسناده عن جابر: أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن
стр. 309
يجعلوها عمرة، ويحلوا إلا من كان معه هدي، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت".
وروى - أيضاً - بإسناده عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا أرى إلا أنه الحج، فأمر رسول الله ﷺ من كان معه هدي أن يمضي على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي أن يحل.
فإن قيل: لا دلالة في هذه الأخبار على مواضع الخلاف؛ لأن النبي ﷺ أمر من لم يكن ساق الهدي أن يفسخ الحج ويجلعها عمرة، ومنع من كان ساق الهدي من فسخه، وأمره بالبقاء على إحرامه إلى يوم النحر، وخلافنا في المتمتع إذا ساق الهدي، وفرغ من أعمال العمرة: هل له أن يحل، أم لا و] ليس [في هذه الأخبار بيان هذا الموضع.
قيل له: أما حديث ابن عمر فهو خاص في المتعة.
وعلى أن ورود الخبر فيمن كان مهلاً بالحج لا يوجب أن يكون حكمة مقصوراً عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يعلق الحكم على الإحرام بالحج، وإنما علقه بسوق الهدي وعدمه، فوجب أن يعتبر هذا في كل محرم.
وأيضاً هدي المتعة نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون موقتاً كسائر أفعال المناسك، وإذا ثبت أنه موقت ثبت أنه وقته يوم النحر؛ لأن أحداً لم يوقته بغيره، وإذا صح ذلك لم يجز ذبحه قبل وقته،
стр. 310
وإذا لم يجز ذبحه قبل يوم النحر، لم يجز التحلل من عمرته؛ لأن كل من أباح له الإحلال، أجاز ذبحه قبل يوم النحر.
ولأن التمتع أحد نوعي الجمع بي الإحرامين، فجاز أن يقف التحلل منه على يوم النحر، كالقران.
فإن قيل: ذكر الجواز في الأصل لا معنى له.
قيل له: بل له معنى؛ لأنه يجوز أن يتحلل قبل يوم النحر بالإحصار.
واحتج المخالف بأنه متمتع أكمل أعمال عمرته، فجاز له التحلل، كما لو لم يسق.
والجواب: أنا لا نسلم أنه أكمل أعمال عمرته؛ لأن الهدي من جملة أعمالها [، وكماله يحصل يوم النحر.
وعلى أن المعني في الأصل: أنه لم يسق الهدي، وليس كذلك هاهنا؛ لأن ساق الهدي، ولسوق الهدي تأثير في منع التحلل.
الدليل عليه: من كان محرماً في وقت النبي ﷺ ] و [فسخ عليه، فإن سوق الهدي منعه من الفسخ.
وعلى أن هذا قياس يعارض السنة الصحيحة، فلا يلزم الكلام عليه.
стр. 311
واحتج بأن كل من جاز له أن يحل قبل يوم النحر بإنه لا يختلف أن يكون قد ساق الهدي، أو لم يسق، ومن لا يجوز له الإحلال إلى يوم النحر لا يختلف - أيضاً - كالقارن والمفرد إذا لم يحصر، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا قد بينا: أن لسوق الهدي تأثيراً في منع الفسخ بدليل من كان في وقت النبي ﷺ وفسخ عليه.
٥٧ - مسألة
حاضرو المسجد الحرام هم أهل الحرم، ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة:
وفائدة هذا: أنهم إذا تمتعوا لا دم عليهم.
نص عليه في رواية أبي طالب في من كان حول مكة فيما لا تقصر فيه الصلاة، فهو مثل أهل مكة ليس عليهم عمرة ولا متعة إذا قدموا في أشهر الحج، ومن كان منزله فيما تقصر فيه الصلاة، فعليه المتعة إذا قدم في أشهر الحج، وأقام إلى الحج.
وكذلك نقل المروذي فقال: إذا كان منزله دون الميقات بما لا تقصر فيه الصلاة فهو من أهل مكة.
وبهذا قال الشافعي.
стр. 312
وقال أبو حنيفة: حاضروا المسجد الحرام هم أهل المواقيت ومن دونها إلى أهل مكة.
وقال مالك: هم أهل مكة نفسها.
فالدلالة على أبي حنيفة: أن بينه وبين مكة مسافة تقصر في مثلها الصلاة، فأشبه إذا كان منزله وراء المواقيت إلينا أن يلزمه دم المتعة، وهذه العلة تصور في ذي الحليفة وما بعد من المواقيت التي بينها وبين الحرم أكثر من ستة عشر فرسخاً؛ لأن بين مكة وبين ذي الحليفة عشر مراحل، وهي أبعد المواقيت، ولأن القريب أولى باسم الحضور من البعيد.
وعلى قولهم يؤدي أن يخرج القريب من الاسم، ويدخل البعيد فيه؛ لأن عندهم أن أهل ذي الحليفة ومن كان دونها داخل في اسم الحاضرين، وبينهم وبين البيت مسيرة ليلتين.
ولأن من كان على مسافة لا يقصر فيها الصلاة فهو في حكم الحاضر بدليل أنه يمسح مسح مقيم، ويتم الصلاة، ويصوم، ومن كان على مسافة بعيدة فإنه يباح له هذه الأشياء، فيجب أن لا يكون حاضراً.
فإن قيل: فائدة الخلاف في أنه حاضر أم لا: أن يتعلق به حكم الإحرام المخصوص، وهو أن يحرم للعمرة من الميقات، وللحج من
стр. 313
مكة، فيجب أن يعتبر الموضع الذي هو ميقات للإحرام.
قيل له: لو كان صحيحاً لوجب أن نقول: من كان منزله دون ذي الحليفة فما يلي مكة أن لا يكون من حاضري المسجد؛ لأن إحرامه من دويرة أهله، لا من الميقات الشرعي، ولما كان هذا من حاضري المسجد الحرام بطل أن تكون فائدة الخلاف ما ذكرته.
واحتج المخالف بأنه من أهل الميقات، فوجب أن يكون من حاضري المسجد الحرام قياساً على أهل الميقات الذي بينه وبين مكة مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة مثل قرن.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه في حكم الحاضر بدليل أن أحكام الحاضرين ثابتة في حقه من الصوم، وإتمام الصلاة، ومسح يوم، وليس كذلك ما اختلقنا فيه، ولأنه في حكم المسافرين، ولأن ذلك لا يؤدي إلى إخراج القريب من اسم حاضر، وإدخال البعيد فيه، وهاهنا يؤدي، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأن له دخول مكة بغير إحرام، أشبه من كانت قريته قريبة من مكة مثل بستان بني عامر.
والجواب: أنه لا يجوز له الدخول بغير إحرام، وحكمه حكم الخارج عن الميقات سواء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي: لا يعجبني أن يدخل مكة تاجراً، ولا غير تاجر إلا بإحرام.
ثم المعني في الأصل: ما تقدم من أنه في حكم الحاضر من
стр. 314
الوجه الذي ذكرنا.
واحتج بأن من كان وراء المواقيت إلينا فليس من الحاضرين، فلابد من حد فاصل بينهما، فالأولى أن يكون الحد ما جعله النبي ﷺ ميقاتاً لأهله ولمن مر عليه، ومنع أهل الآفاق من مجاوزته إلا بإحرام، وجعل حكم أهله حكم أهل الحرم ومن قرب منهم في جوازه دخولهم مكة بغير إحرام.
والجواب: أن المواقيت مضروبة للإحرام، لا لبيان القرب والبعد، وإنما الحد المشروع لبيان البعد والقرب ستة عشر فرسخاً، ولهذا قال النبي ﷺ : "يا أهل مكة! لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان"، وذلك ستة عشر فرسخاً.
فإن قيل:] من في [المواقيت في حكم الحاضرين بدليل أن له دخول مكة بغير إحرام.
قيل له: قد بينا أنه ليس له ذلك.
وعلى أنه لو كان منه لما جاز أن يدخل الميقات إلا بإحرام، كما لا يجوز له العبور إلا بإحرام.
فإن قيل: حدنا أولى؛ لأنه منصوص عليه.
стр. 315
قيل له: [إنا] قد بينا: أن النص أفاد الإحرام منه، ولم يفد القرب والبعد.
وعلى ان حدنا أولى من وجهين:
أحدهما: أنه لا يختلف باختلاف الجهات من مكة، وحدهم يختلف؛ لأن المواقيت بعضها أبعد من بعض.
والثاني: ما كان في الموضع الذي نعتبره، فهو في حكم المقيم بمكة بدليل أنه لا يترخص برخص المسافرين، وحدهم بخلاف ذلك.
- فصل:
والدلالة على مالك: أن من كان خارج الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فهو في حكم المقيم بدلالة أنه لا يترخص برخص السفر، فوجب أن يكون من حاضري المسجد الحرام، كمن كان مقيماً بمكة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾] البقرة:١٩٦ [، وحاضر الشيء من لا يحتاج إلى تكلف] للوصول [إليه، وقطع مسافة للحضور فيه، وذلك مقصور على أهل مكة فقط.
والجواب: أن حاضر الشيء هو من كان قريباً منه، أو مجاوراً
стр. 316
له، أو كان حالاً فيه، كما يقال: كنت بحضرة فلان؛ يعني: كنت بقربه، لا أني جلست في مجلسه، كذلك أيضاً من كان قريباً من الحرم وجب أن يكون من حاضريه.
واحتج بأن من ليس بمكة لا يوصف بأنه من حاضري المسجد الحرام.
دليله: إذا كان منها على مسافة تقصر فيها الصلاة.
والجواب: أن أحكام المسافرين ثابتة في حقه، فهذا لم يكون من حاضريه، وليس كذلك هاهنا؛ لأن أحكام الحضر ثابتة في حقه، فجاز أن يكون من حاضريه.
٥٨ - مسألة
إذا جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم، ثم عاد إلى ميقات، لم يسقط عنه الدم؛ لبي أو لم يلب:
ذكره الخرقي في "مختصره"، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات ملبياً سقط الدم، وإن لم يعد ملبياً لم يسقط.
وقال الشافعي: يسقط في الحالين إذا عاد قبل أن يطوف.
стр. 317
دليلنا: أنه ترفه لو استدامه لوجب الدم، فإذا قطعه لم يسقط الدم.
دليله: إذا تطيب، أو لبس، ثم غسل الطيب، وخلع اللباس بعد ذلك، فإنه يلزمه الدم، كما لو استدامه، كذلك هاهنا، لو استدام المضي على إحرامه، ولم يرجع، لزمه، كذلك إذا رجع.
فإن قيل: إنما لزم الدم؛ لأنه حصل له هناك الاستمتاع بالطيب، ولبس الثوب، ونزعه وغسله لا يزيلان ذلك، وإنما يقطعان الاستمتاع في الحال، فلزمته الفدية لأجل ما حصل له، وفي مسألتنا إذا عاد لزمته مشقة في العود مقابل ما حصل له من الترفه.
قيل له: فيجب إذا رجع ولم يلب - أو رجع بعدما طاف - أن يسقط عنه أيضاً للمعنى الذي ذكرته.
وعلى أنه لا فرق بينهما، وذلك أنه لما حصل في الميقات، لزمه الإحرام منه، ولم يجز له مجاوزته محلاً، فإذا جاوزه محلاً فقد ترفه بترك الإحرام في ذلك الزمان، فإذا عاد إليه محرماً فلم يزل ذلك الترفه في الزمان الماضي، وإنما حصل منه الرجوع بأحرام في الزمان الثاني.
ولأن كل دم استقر عليه إذا تلبس بالطواف، أو لم يأت بالتلبية، استقر عليه قبل التلبس به وبعد التلبية.
دليله: سائر الدماء المواجبة بقتل الصيد، والحلاق، وتقليم الأظفار، ونحو ذلك.
ولأنه مريد للنسك مر على الميقات محلاً، وأحرم دونه، لزمه الدم.
стр. 318
دليله: إذا لم يعد، أو عاد ولم يلب، أو عاد بعدما طاف.
وقولنا: (مريد للنسك) احتراز من الحطابة والحشاشة.
وقولنا: (أحرم دونه) احتراز منه إذا رجع قبل الإحرام فما بعد.
فإن قيل: إنما لزمه الدم إذا لم يعد؛ لأنه لم يحصل في الميقات محرماً، وهاهنا قد حصل.
قيل له: فإذا عاد بعدما طاف، أو عاد ولم يلب، فقد حصل في الميقات محرماً وعليه الدم.
فإن قيل: إنما لم يسقط عنه الدن إذا عاد يلبـ]ـي [؛ لأن المتروك في الميقات هو التلبية، فإذا لم يأت بها في الميقات، فلم يأت بالمتروك، فلهذا وجب عليه الدم، وإذا لبى فقد أتى بالمتروك، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أن التلبية يلزمه الإتيان بها في الميقات، وإنما يستحب ذلك، ولهذا نقول: ينعقد الإحرام بمجرد النية.
فإن قيل: إذا عاد بعدما طاف فلم يأت بالنسك بإحرام كامل، فلهذا لم يسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه متى عاد قبل الطواف فقد أتى بالنسك بإحرام كامل، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أنه أتى بالنسك بإحرام كامل؛ لأن النقص إذا دخل
стр. 319
على إحرامه بعد مجاوزته [الميقات]، وإحرامه من غيره، وبعوده لا يزول النقص السابق، كما إذا غسل الطيب، وخلع اللباس في الثاني، فإن النقص السابق لا يزول، كذلك هاهنا.
ثم هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يقول: هذا الإحرام مراعى؛ فإن عاد إلى الميقات تبيناً أنه وقع تاماً.
وقد عاد، فلا يصح قوله: إذا طاف في إحرام ناقص.
وعلى أنه كان يجب أن يقول: يسقط الدم لأجل عوده، ويلزمه إعادة الطواف؛ ليأتي به في إحرام كامل.
واحتج المخالف بأنه حصل في الميقات محرماً قبل التلبس بشيء من أفعال النسك التي تلي الإحرام، فلم يلزمه دم الميقات، كما لو أنشأ الإحرام من الميقات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه حصل إحرامه من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم للميقات، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أحرم بعد مجاوزته للميقات، فلزمه دم الميقات، كما لو لم يعد، أو عاد بعدما طاف.
واحتج بأنه لو جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بحجة أو عمرة، ثم جامع فيها، فقضاها، وسقط عنه الدم لترك الميقات، كذلك هاهنا.
والجواب: أن في تلك المسألة روايتين:
إحداهما - وهي الصحيحة -: أنه لا يسقط، فعلى هذا لا فرق بينهما.
والثانية: يسقط، فعلى هذا المعنى فيه: أن الدم قائم مقام النسك
стр. 320
المتروك، [ .... ] وهو الإحرام من الميقات، فإذا قضى ذلك الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك فسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه إذا عاد محرماً، فلم يأت بالمتروك، وهو الإحرام في الميقات، فلهذا لم يسقط، فنظيره في مسألتنا أن يعود محلاً، ويحرم من الميقات، فيسقط الدم.
واحتج بأن المكي لو ترك الإحرام بالحج من الحرم، وأحرم من الحل، لا دم عليه، كذلك هاهنا.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه لا يجب عليه الإحرام من الحرم على قولنا، بل هو مخير، ولهذا نقول: لو لم يعد، ومضى إلى عرفات، فلا دم.
واحتج [بأنه] لو عاد إلى الميقات محلاً، وأحرم منه، لم يلزمه دم، وعوده هناك حصل بغير نسك، وهاهنا حصل بنسك وعبادة، فلأن لا يلزمه الدم أولى.
والجواب: أن هذا موجب أن لا يلزمه الدم إذا عاد بعدما طاف؛ لأنه عاد بنسك، ومع هذا فالدم لازم له.
وعلى أنه إذا عاد قبل الإحرام فإنما لم يلزمه الدم؛ لأن إحرامه
следующие страницы →