Полный текст (1 579 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
له، أو كان حالاً فيه، كما يقال: كنت بحضرة فلان؛ يعني: كنت بقربه، لا أني جلست في مجلسه، كذلك أيضاً من كان قريباً من الحرم وجب أن يكون من حاضريه.
واحتج بأن من ليس بمكة لا يوصف بأنه من حاضري المسجد الحرام.
دليله: إذا كان منها على مسافة تقصر فيها الصلاة.
والجواب: أن أحكام المسافرين ثابتة في حقه، فهذا لم يكون من حاضريه، وليس كذلك هاهنا؛ لأن أحكام الحضر ثابتة في حقه، فجاز أن يكون من حاضريه.
٥٨ - مسألة
إذا جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم، ثم عاد إلى ميقات، لم يسقط عنه الدم؛ لبي أو لم يلب:
ذكره الخرقي في "مختصره"، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات ملبياً سقط الدم، وإن لم يعد ملبياً لم يسقط.
وقال الشافعي: يسقط في الحالين إذا عاد قبل أن يطوف.
стр. 317
دليلنا: أنه ترفه لو استدامه لوجب الدم، فإذا قطعه لم يسقط الدم.
دليله: إذا تطيب، أو لبس، ثم غسل الطيب، وخلع اللباس بعد ذلك، فإنه يلزمه الدم، كما لو استدامه، كذلك هاهنا، لو استدام المضي على إحرامه، ولم يرجع، لزمه، كذلك إذا رجع.
فإن قيل: إنما لزم الدم؛ لأنه حصل له هناك الاستمتاع بالطيب، ولبس الثوب، ونزعه وغسله لا يزيلان ذلك، وإنما يقطعان الاستمتاع في الحال، فلزمته الفدية لأجل ما حصل له، وفي مسألتنا إذا عاد لزمته مشقة في العود مقابل ما حصل له من الترفه.
قيل له: فيجب إذا رجع ولم يلب - أو رجع بعدما طاف - أن يسقط عنه أيضاً للمعنى الذي ذكرته.
وعلى أنه لا فرق بينهما، وذلك أنه لما حصل في الميقات، لزمه الإحرام منه، ولم يجز له مجاوزته محلاً، فإذا جاوزه محلاً فقد ترفه بترك الإحرام في ذلك الزمان، فإذا عاد إليه محرماً فلم يزل ذلك الترفه في الزمان الماضي، وإنما حصل منه الرجوع بأحرام في الزمان الثاني.
ولأن كل دم استقر عليه إذا تلبس بالطواف، أو لم يأت بالتلبية، استقر عليه قبل التلبس به وبعد التلبية.
دليله: سائر الدماء المواجبة بقتل الصيد، والحلاق، وتقليم الأظفار، ونحو ذلك.
ولأنه مريد للنسك مر على الميقات محلاً، وأحرم دونه، لزمه الدم.
стр. 318
دليله: إذا لم يعد، أو عاد ولم يلب، أو عاد بعدما طاف.
وقولنا: (مريد للنسك) احتراز من الحطابة والحشاشة.
وقولنا: (أحرم دونه) احتراز منه إذا رجع قبل الإحرام فما بعد.
فإن قيل: إنما لزمه الدم إذا لم يعد؛ لأنه لم يحصل في الميقات محرماً، وهاهنا قد حصل.
قيل له: فإذا عاد بعدما طاف، أو عاد ولم يلب، فقد حصل في الميقات محرماً وعليه الدم.
فإن قيل: إنما لم يسقط عنه الدن إذا عاد يلبـ]ـي [؛ لأن المتروك في الميقات هو التلبية، فإذا لم يأت بها في الميقات، فلم يأت بالمتروك، فلهذا وجب عليه الدم، وإذا لبى فقد أتى بالمتروك، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أن التلبية يلزمه الإتيان بها في الميقات، وإنما يستحب ذلك، ولهذا نقول: ينعقد الإحرام بمجرد النية.
فإن قيل: إذا عاد بعدما طاف فلم يأت بالنسك بإحرام كامل، فلهذا لم يسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه متى عاد قبل الطواف فقد أتى بالنسك بإحرام كامل، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أنه أتى بالنسك بإحرام كامل؛ لأن النقص إذا دخل
стр. 319
على إحرامه بعد مجاوزته [الميقات]، وإحرامه من غيره، وبعوده لا يزول النقص السابق، كما إذا غسل الطيب، وخلع اللباس في الثاني، فإن النقص السابق لا يزول، كذلك هاهنا.
ثم هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يقول: هذا الإحرام مراعى؛ فإن عاد إلى الميقات تبيناً أنه وقع تاماً.
وقد عاد، فلا يصح قوله: إذا طاف في إحرام ناقص.
وعلى أنه كان يجب أن يقول: يسقط الدم لأجل عوده، ويلزمه إعادة الطواف؛ ليأتي به في إحرام كامل.
واحتج المخالف بأنه حصل في الميقات محرماً قبل التلبس بشيء من أفعال النسك التي تلي الإحرام، فلم يلزمه دم الميقات، كما لو أنشأ الإحرام من الميقات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه حصل إحرامه من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم للميقات، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أحرم بعد مجاوزته للميقات، فلزمه دم الميقات، كما لو لم يعد، أو عاد بعدما طاف.
واحتج بأنه لو جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بحجة أو عمرة، ثم جامع فيها، فقضاها، وسقط عنه الدم لترك الميقات، كذلك هاهنا.
والجواب: أن في تلك المسألة روايتين:
إحداهما - وهي الصحيحة -: أنه لا يسقط، فعلى هذا لا فرق بينهما.
والثانية: يسقط، فعلى هذا المعنى فيه: أن الدم قائم مقام النسك
стр. 320
المتروك، [ .... ] وهو الإحرام من الميقات، فإذا قضى ذلك الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك فسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه إذا عاد محرماً، فلم يأت بالمتروك، وهو الإحرام في الميقات، فلهذا لم يسقط، فنظيره في مسألتنا أن يعود محلاً، ويحرم من الميقات، فيسقط الدم.
واحتج بأن المكي لو ترك الإحرام بالحج من الحرم، وأحرم من الحل، لا دم عليه، كذلك هاهنا.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه لا يجب عليه الإحرام من الحرم على قولنا، بل هو مخير، ولهذا نقول: لو لم يعد، ومضى إلى عرفات، فلا دم.
واحتج [بأنه] لو عاد إلى الميقات محلاً، وأحرم منه، لم يلزمه دم، وعوده هناك حصل بغير نسك، وهاهنا حصل بنسك وعبادة، فلأن لا يلزمه الدم أولى.
والجواب: أن هذا موجب أن لا يلزمه الدم إذا عاد بعدما طاف؛ لأنه عاد بنسك، ومع هذا فالدم لازم له.
وعلى أنه إذا عاد قبل الإحرام فإنما لم يلزمه الدم؛ لأن إحرامه
стр. 321
حصل من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم الميقات، وهاهنا حصل إحرامه بعد الميقات.
واحتج بأنه إنما لزمه الدم بترك الإحرام من الميقات، فإذا عاد فقد تلافى ما كان منه، فلم يلزمه دم، كما لو دفع من عرفات قبل المغيب، ثم عاد قبل طلوع الفجر، وكما لو صاد صيداً، ثم أرسله، وكما لو ضرب رأس رجل، فابيضت عيناه، ثم زال البياض، فإنه لا تلزمه الدية.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يحصل منه التلافي، ومع هذا فلا يسقط عنه الدم، كما لو غسل الطيب، وخلع اللباس، فقد تلافى، ومع هذا لا يسقط عنه الدم، وكذلك إذا أخرج الوديعة من حرزها، ثم ردها إلى الحرز، فقد تلافى، ومع هذا لا يبرأ من ضمانها، وكذلك إذا ترك التشهد الأول، ثم عاد إليه، لم يسقط عنه سجود السهو، كذلك هاهنا.
وعلى أن الدم إنما يجب عندنا بترك الإحرام من الميقات، وإيقاعه في غيره، وذلك لا يرتفع بعوده، فلا نسلم أنه تلافى ما كان منه.
وعلى أنه إذا رجع إلى عرفات قبل المغيب، فإنما يسقط الدم؛ لأن المأخوذ عليه الجمع بين الليل والنهار، وقد حصل له ذلك.
وكذلك إذا أرسل الصيد، فإنما لم يلزمه الضمان؛ لأنه إنما يجب بالإتلاف، وهو غير متلف.
وكذلك إذا عاد ضوء عينه لم يلزمه الضمان؛ لأن الإتلاف غير حاصل.
стр. 322
وليس كذلك هاهنا؛ المأخوذ عليه عقد الأحرام من الميقات، والرجوع إليه لا يقوم مقامة بدليل أنه لو عاد بعدما طاف - أو عاد ولم يلب - لم يسقط.
فإن قيل: لا نسلم أن المأخوذ عليه كونه محرماً في الميقات.
قيل: يدل على ذلك قول النبي ﷺ : "هذه المواقيت لمن مر عليها"، ولا يخلو إما أن يفيد ذلك منع التقدم أو التأخر، وأجتمعنا على جواز التقدم، [فـ]ــعلم أنه أفاد منع التأخر.
ولأنه لو عاد إلى الميقات بعدما طاف فقد وجب عليه الدم، وإن كان قد حصل محرماً في الميقات.
٥٩ - مسألة
المكي إذا خرج إلى الحل، فأحرم منه بالحج، لم يلزمه الدم؛ سواء عاد إلى الحرم، أو لم يعد، ومضى على إحرامه إلى عرفة:
نص عليه في رواية ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان: الحرم
стр. 323
ميقات أهل مكة، فمن خرج من الحرم، فلم يهل، أمرته أن يرجع، وأرى عليه - إذا كان ذلك حدهم - ما أرى على غيرهم إذا جاوز الميقات، فقال أحمد: ليس لهم حد محدود، إلا أنه أعجب إلي أن يحرموا من الحرم، إذا توجهوا إلى منى.
وكذلك نقل الأثرم في رجل تمتع بعمرة، فحل منها، ثم أقام بمكة، فلما كان يوم الترويح خرج إلى التنعيم، وأحرم بالحج، ثم توجه إلى منى وعرفات، ولم يأت البيت: ليس عليه شيء.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يعد إلى الحرم، أو عاد إليه، ولم يلب، فعليه دم، وإن عاد إليه ملبياً فلا دم عليه.
والحكم عنده في المكي كالحكم في ميقات أهل البلدان.
وقال الشافعي: [إذا] لم يعد عليه دم.
دليلنا: أن الحج أحد النسكين، فإذا أحرم به المكي من الحل لم يلزمه دم.
دليله: العمرة.
فإن قيل: المعنى في العمرة: أنه يجب الإحرام لها من الحل، فإذا أحرم به فقد أتى بالواجب، فلهذا لم يلزمه الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الحج يجب الإحرام له من الحرم، فإذا أحرم من الحل - ولم يعد -
стр. 324
فقد أخل بالواجب، فلهذا لزمه الدم.
قيل له: لا نسلم أنه يجب الإحرام بالحج من مكة، بل هو مخير بين الإحرام منها، أو من الحل، كما تخير الإنسان أن يحرم من دويرة أهله، وبين أن يحرم من الميقات.
ولأنه أخل بالإحرام من مكة فلم يلزمه دم.
دليله: غير المكي.
ولأنه لو خرج إلى الميقات الشرعي، فأحرم منه، لم يلزمه دم، كذلك إذا أحرم من أدنى الحل؛ لأنه في الموضعين مخل بالإحرام من مكة.
واحتج المخالف بأنه أخل بالإحرام من ميقاته، أشبه إذا أخل بالإحرام من ميقات بلده.
والجواب: أنا قد بينا: أنه ليس بمحل لإيجاب الإحرام، بل هو مخير بين الإحرام منه، أو من غيره، كما هو مخير في دويرة أهله.
على أن هذا يبطل به إذا [ .... ].
стр. 325
٦٠ - مسألة
إذا جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بحجة أو عمرة، ثم جامع فيها، فعليه قضاؤها، فإن قضاها لم يسقط عنه الدم لترك الميقات في أصح الروايتين:
نص عليه في رواية ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان في رجل جاوز الميقات، فأهل، ثم جامع: فعليه أن يحج من قابل، وعليه بدنة، وليس عليه دم لتركه الميقات. قال أحمد: عليه دم لتركه الميقات، ويمضي في حجته، ويصنع ما يصنع الحاج، ويلزمه ما يلزم المحرم في كل ما أتى؛ لأن الإحرام قائم، وعليه الحج من قابل والهدي.
وفيه رواية أخرى: يسقط عنه الدم.
نص عليه في رواية مهنا في رجل جاوز الميقات إلى مكة، ثم أحرم بعمرة، فأفسدها: عليه قضا [ؤ] ها؛ يرجع إلى الميقات يحرم منه، فسئل: فلا يكون عليه شيء لتركه الميقات أول مرة؟ قال: لا.
وبه قال أبو حنيفة.
ووجه الأولى: أن من أصلنا: أن الدم الواجب بترك الإحرام من الميقات لم يسقط عنه أداء، كذلك إذا قضى الإحرام من الميقات لم يسقط عنه.
стр. 326
وكل دم لم يسقط عنه إذا لم يوجد القضاء، لم يسقط عنه إن وجد القضاء.
دليله: الدم الواجب باللباس والطيب وقتل الصيد في الإحرام الفاسد.
واحتج المخالف بأن الدم قائم مقام النسك المتروك، وهو الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك، فسقط عنه الدم، ألا ترى أنه لو لم يفسد الإحرام حتى عاد إلى الميقات سقط عنه الدم؟
ولا يلزم عليه إذا تطيب في الإحرام الفاسد أو لبس، ثم قضى: أنه لا يسقط عنه الدم؛ لأن الدم هاهنا ليس بقائم مقام نسك متروك، وإنما هو واجب لأجل الجناية، وتلك الجناية لم ترتفع، فلا يسقط عنه الدم.
ولا يلزم عليه إذا ترك رمي الجمار في الإحرام الفاسد، أو الوقوف بالمزدلفة، ثم قضى ذلك الإحرام، فإنه يسقط عنه الدم كما يسقط في مسألتنا.
والجواب: أنا لا نسلم أنه إذا قضى الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك؛ لأنا قد بينا من أصلنا: أنه لو عاد، ولم يفسد الحج، لم يسقط عنه الدم.
стр. 327
٦١ - مسألة
يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب لإحرامه:
ص عليه في رواية حنبل وعبد الله، فقال: لا بأس أن يتطيب قبل أن يحرم. وذهب فيه إلى الحديث.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا يجوز، فإن فعله غسله واستدامه، ولا كفارة عليه.
دليلنا: ما روى ابن بطة في "سننه" بإسناده عن عائشة قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين [لـ] إحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
وروي - أيضاً بإسناده عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يتطيب بالطيب عند الإحرام.
وروى بإسناده عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم.
وقال مرة أخرى: وهو يلبي.
وروي في لفظ آخر عن مسروق، عن عائشة قالت: لقد رأيت
стр. 328
رسول الله ﷺ يلبي، وإني لأنظر إلى ويبص المسك في مفارقه.
وروى أبو بكر الخلال في "العلل" بإسناده عن ابن عباس: أنه سئل عن الطيب قبل الإحرام، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك قبل أن يحرم، أو طيب ذلك؟!.
فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي ﷺ مخصوصاً بذلك، ولهذا قال: "حبب إلى من دنياكم ثلاث: الطيب … ".
قيل له: فقد قال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا يقتضي مساواته.
فإن قيل: يحتمل أن يكون تطيب قبل الغسل، ثم اغتسل للإحرام، فزال ريحه، وبقي أثره، وقد روت عائشة قالت: طيبت رسول الله ﷺ ، وطاف على نسائه.
ومعلوم أنه يغتسل بعد ذلك.
قيل له: قولها: (عند الإحرام) يقتضي معه.
ولأن العادة أن الطيب يكون بعد الغسل، ولأن وبيص الطيب
стр. 329
لا يبقى بعد الغسل، ولأن الطيب معنى يراد به للاستدامة والبقاء، فإذا منع المحرم [من] ابتدائه لم يمنع من استدامته كالنكاح، وعكسه اللباس؛ لأنه لا يراد للاستدامة.
واحتج المخالف بما روى صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالجعرانة إذ أتاه أعرابي، وعليه جبة عليها ردع من خلوق، فقال: يا رسول الله! أحرمت بالعمرة، وعلي هذه، فما أصنع؟ قال: "انزع الجبة، واغسل الصفرة".
والجواب: أنه إنما أمره بغسل ذلك؛ لأنه كان عليه الزعفران، والرجل منهي عن المزعفر.
وعلى أن هذا المنسوخ؛ لأنه كان بالجعرانة، والنبي ﷺ تطيب لإحرامه في حجة الوداع.
واحتج بما روي عن عمر: أنه أنكر على معاوية حيث رأى عليه ثوباً مطيباً.
والجواب: أنه إنما أنكر عليه خوفاً أن يراه الجاهل، ويظن أنه ابتدأ الطيب في إحرامه.
على أن هذا مذهب لعمر، وقد خالفه ابن الزبير، وابن عباس، وعائشة، ومعاوية، وأم حبيبة، وسعد بن أبي وقاص.
стр. 330
ذكره أبو بكر الخلال في كتاب "العلل".
واحتج بأن الطيب معنى يراد للترفه، فإذا منع المحرم من ابتدائه، منع من استدامته، كاللباس.
والجواب: أن اللباس لا يراد للاستدامة والبقاء، وإنما يراد للترفه والنزع، والطيب يراد للاستدامة والبقاء، فهو كالنكاح.
واحتج بأنه طيب فمنع من استدامته، كالطيب الذي له أثر.
والجواب: أن الأثرم ذكر في "مختصر الحج": تطيب بأي طيب الرجال شئت مثل الذريرة والمسك والعنبر والعود.
وهذا يدل على جواز ذلك، فلا نسلم الأصل.
واحتج بأنه إنما منع من الطيب في الإحرام؛ لئلا يدعوه ذلك إلى الوطء، وهذا موجود في استدامة الطيب.
والجواب: أنه منع المحرم من عقد النكاح؛ لئلا تدعوه نفسه إلى الوطء، ثم لا يمنع من استدامته.
٦٢ - مسألة
إذا أحرم بنسك، ثم نسي ما أحرم به، فهو مخير؛ إن شاء صيره حجاً، وإن شاء صيره عمرة:
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان في
стр. 331
رجل أهل لا يدري بحج أو عمرة، فأوجب عليه أن يجمعهما، قال أحمد: أنا أقول: إن كان أهل بحج، فشاء أن يجعله عمرة فعل، وإن كان أهل بحج وعمرة، ولم يسق، وشاء أن يجعلهما عمرة فعل.
وظاهر هذا أنه لا يتعين عليه صرفه إلى القران، ولا إلى الحج.
وكذلك نقل أبو داود عنه في رجل لبى، فنسي؛ لا يدري بحج أو عمرة: يجعلهما عمرة، ثم يلبي من مكة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: يصير قارناً.
والثاني: يجتهد، ويعمل على حسب ما يؤديه اجتهاده إليه.
والدلالة على أنه لا يلزمه صرفه إلى القران، ولا إلى الحج: هو أن براءة ذمته عن كل واحد، فلم يجب إلزامه ذلك بالنسك.
ولأنه لو نذر الإحرام بنسك، وشك، فلم يدر الحج أو القران أو العمرة، [لا] يلزمه إلا العمرة؛ لأنها في اليقين، وما زاد عليها محتمل، كذلك هاهنا.
وتحريره: أن الإحرام سبب يلزم به فعل العبادة كالنذر، ثم ثبت أنه لو شك في النذر لم تلزمه إلا عمرة، ولم يلزمه التحري، كذلك في الإحرام.
стр. 332
ولأنه لو أحرم إحراماً مطلقاً صح، وكان لو صرفه إلى أحد النسكين.
نص عليه في رواية مهنا في من أحرم، ولم ينو حجاً ولا عمرة حتى مضت أيام، قال: يقدم مكة بعمرة، ويطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم يلحق أو يقصر، ثم يحرم بالحج، كذلك هاهنا.
واحتج لقوله: (إنه يصير قارناً) [بـ]ـأنه تيقن الدخول في العبادة، فيجب أن لا يخرج منها إلا بيقين، كما لو نسي صلاة من يوم لا يعرفها، فإنه تلزمه صلاة يوم كامل، كذلك هاهنا.
والجواب: أنه يبطل بمن نذر الإحرام بنسك، وشك، فإنه لا يلزمه إلا العمرة، وإن كان تيقن شغل ذمته بالنسك.
ولأنه يقابل هذا اليقين مثله، وهو أن الأصل براءة ذمته، فلم يجز شغلها بالقران إلا بيقين.
ولأنه يبطل بمن تيقن الطلاق، وشك في عدده، فإنه تيقن الطلاق، ومع هذا فلا تلزمه الثلاث.
واحتج لقوله بالاجتهاد بأنه بالاجتهاد يمكنه التوصل إلى غير ما أحرم به، فجاز ذلك كما لو شاك في عين القبلة.
والجواب: أنه باطل على أصله بالمصلي إذا شك في عدد الركعات، فإنه لا يجتهد في ذلك، وإن كان يتوصل به إلى معرفة ذلك، وكذلك
стр. 333
إذا شك في عدد الطلاق.
وعلى أنه قد قيل: إن القبلة [مما] لا يتعلق بفعله، [فـ]ـيجوز أن يجتهد فيه، كالوقت لما لم يتعلق [بـ]ـــفعله اجتهد فيه، وهذا شك لحقه في فعله، فلم يجتهد فيه، كالحاكم إذا وجد في ديوانه حكماً حكم فيه، فلا يجوز العمل به إلا بعد أن يتيقنه، [و] كالمصلي إذا شك في عدد الركعات.
ولأن القبلة عليها علامات ودلائل يمكن التوصل بها إلى معرفتها.
٦٣ - مسألة
لا يجوز للمحرمة لبس القفازين:
نص عليه في رواية ابن منصور، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: لها ذلك.
وللشافعي قولان:
أحدهما: هو مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهي النساء في الإحرام عن القفاز،
стр. 334
والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب.
وروى ابن المنذر عن الليث بن سعد، عن النبي ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين".
وهذا نهي، والنهي يدل على التحريم.
فإن قيل: هذه الأخبار غير مشهورة، ولا نعرفها.
قيل له: حديث ابن عمر مشهور رواه أحمد في "مسنده" وأبو داود، وحديث الليث رواه ابن المنذر.
فإن قيل: يحمل النهي على التنزيه دون التحريم.
قيل له: لا يمكن ذلك؛ لأن النبي ﷺ بدأ بالنهي عن القفازين، ثم عطف النقاب وما مسه الورس والزعفران، والنهي عن النقاب والورس نهي تحريم، كذلك القفازان المعطوف عليهما.
ولأنهما إذا لم يحرما عليها لم يكره ذلك، كما لا يكره لبس المخيط والخفين.
والقياس: انه عضو يلحقه حكم التيمم، أو يباح لمن أراد نكاحها رؤيته، فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في اللباس، كالوجه.
стр. 335
فإن قيل: لو كان حكم الكفين حكم الوجه في تعلق الإحرام لوجب عليها كشفهما، كما يجب عليها كشف الوجه، ولوجب إذا غطتهما بكمها أن لا تلزمها الفدية، كما [لا] تلزمها إذا غطت وجهها بكمها.
قيل له: ليس إذا جاز لها تغطيتهما بكميها يجب أن يجوز بالقفازين المخيطين على قدر الكفين، كما يجوز للمحرم تغطية قدميه بإزاره، ولا يجوز له تغطية قدميه بالخفين المعمولين على قدر الرجلين.
ولأن الرجل لما لزمه كشف عضو، وهو الرأس، تعلق الإحرام بغير ذلك العضو، فمنع من لبس المخيط في جميع بدنه، كذلك المرأة لما لزمها كشف عضو، وهو الوجه، وجب أن يتعلق حكم الإحرام بغير ذلك العضو، وليس ذلك إلا اليدين.
وإن شئت قلت: شخص محرم بالنسك، فلا يجوز له لبس القفازين من غير عذر.
دليله: الرجل.
فإن قيل: لو كانت بمنزلة الرجل في تحريم المخيط لوجب أن يحرم عليها لبس القميص والسراويل والخفين كالرجل، فلما اتفقنا على أنه لا يحرم عليها لبس هذه الأشياء، فتخالف الرجل كذلك في القفازين.
قيل له: كفا المرأة بمنزلة كفي الرجل؛ لأنهما ليستا بعورة منهما
стр. 336
عند المخالف، وعندنا على أحدى الروايتين، فلما حرم على الرجل ليس القفازين وجب أن يحرم على المرأة، وليس كذلك سائر بدنها، فإنه مخالف لبدن الرجل؛ فإن بدنها عورة، وبدن الرجل ليس بعورة، فجاز لها ان تستر بدنها بكل ما يستره من مخيط وغيره، ولا يجوز ذلك للرجل بالمخيط.
فإن قيل: لو كان كذلك لم يجز لها أن تغطي كفيها بكميها كما لا يجوز للرجل.
قيل له: الرجل يحرم عليه لبس القميص، فكيف يستر كفيه بكمية؟ والمرأة يباح لها لبس القميص للعلة التي ذكرنا، ويشق عليها مع لبس القميص أن تحترز من الكمين، فرخص لها في ذلك.
فإن قيل: ما بين سرته وركبته عورة، فكان يجب أن يجوز له لبس السراويل، كما يجوز للمرأة.
قيل له: لا يمكنه لبس السراويل إلا بأن تستر قدميه وساقيه بالسراويل، وذلك ليس بعورة منه، فمنع من ذلك.
واحتج المخالف بأن كل حالة جاز لها أن تلبس فيها الخفين جاز لها أن تلبس فيهـ[ــا] القفازين.
دليله: بعد رمي الجمرة، وإذا كانت حلالاً.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار ما بعد الرمي وإذا كانت حلالاً بحالة
стр. 337
الإحرام بدليل أنه يجوز لها في تلك الحال أن تغطي وجهها، كذلك لا يمتنع أن يكون ذلك في اليدين في تلك الحال، ولا يجوز في حال الإحرام.
واحتج بأنه معمول على قدر العضو، فلا يحرم على المحرمة لبسه.
دليله: الخف.
والجواب: أن قدمها عورة عندنا، وإذا ظهر منها بطلت صلاتها، فلهذا جاز لها تغطيته بكل شيء، كسائر بدنها، وليس كذلك الكفان؛ فإنه ليس بعورة عندهم، وعندنا في إحدى الروايتين محرم عليها فيها ما يحرم على الرجل في كفيه.
وإن شئت قلت: القدمان لا يتعلق بهما حكم التيمم، والكفان يتعلق بهما حكم التيمم، أشبه الوجه.
٦٤ - مسألة
إذا لم يجد المحرم الإزار لبس السراويل، ولا فداء عليه:
نص عليه في رواية بكر بن محمد: وذكر له: إذا لم يجد إزاراً يلبس السراويل، قال: أذهب إليه.
وفي رواية مهنا - أيضاً - وقد حكي له أنه ناظر بعض أصحاب الشافعي في قطع الخفين، وإن سبيل السراويل وسبيل الخف واحد،
стр. 338
فتبسم أبو عبد الله، وقال: ما أحسن ما احتججت عليه.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: إن لبس سراويل وجبت الفدية.
واختلف أصحاب أبي حنيفة: هل يجوز له لبسه؟
فقال الطحاوي: لا يجوز له لبسه حتى يفتقه.
وقال الرازي: يجوز له لبسه، ويفتدي، وبه قال أصحاب مالك.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس: أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يخطب - يقول: "من لم يجد إزاراً، ووجد سراويل، فليلبسها، ومن لم يجد نعلين، ووجد خفين، فليلبسهما" قلت: ولم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا.
ورواه أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ ، وقد خطب بعرفات، فقال: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً، فليلبس سراويل".
стр. 339
وروى النجاد بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً، فليلبس سراويل".
وروى النجاد بإسناده عن بكر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ صلى صلاةً، فلما انصرف لبى، ولبى القوم، وفي القوم رجل أعرابي عليه سرا [و] يل، فلبا معهم كما لبوا، فقال رسول الله ﷺ : "السراويل إزار من لا إزار له، والخفان نعلا من لا نعل له".
فأجاز لبس السراويل إذا لم يجد إزاراً، وإذا ثبت جواز لبسه، ثبت أنه لا فدية فيه؛ لأن أحداً لا يفرق بين الأمرين، ولأن النبي بين حكم اللبس وجوازه، وأعرض عن ذكر الفدية، ولو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن من جهل جواز اللبس كان بأن يجهل وجوب الفدية أولى.
فإن قيل: قوله: "فليلبس سراويل"؛ يعني به: بعدما يفتقه، كما
стр. 340
قال: "فليلبس خفين" وأراد به بعدما يفتقهما أسفل من الكعبين.
قيل له: حمله على هذا يبطل فائدة قوله: "فمن لم يجد إزاراً" لأنه إذا فتقه جاز أن يتزر به مع وجود الإزار؛ لأن جواز لبسه بعد فتقه لا يشتبه على أحد، فحمل الخير عليه لا يفيد شيئاً، ولهذا نقول في الخفين ما نقوله في السراويل، والكلام عليه يأتي.
فإن قيل: فأكثر ما فيه إباحة لبسه على جهته في حال عدم الإزار، وليس فيه نفي وجوب الفدية، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف.
قيل [له]: لو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأنه إذا كانت إباحته مع الفدية لا يجوز أن يلبس اللبس، ولا يبين ما يجب عليه، ولاسيما وهو بعرفات يخاطب المحرمين الذين يحتاجون إلى معرفة الفدية، كما يحتاجون أن يعلموا إباحة اللبس، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
والقياس أنه لبس أباحه الشرع نطقاً، فوجب أن لا تجب به الفدية.
دليله: لبس الإزار والنعلين.
ولا يلزم عليه لبس القميص والبرنس لشدة حر أو برد أنه مباح، وتجب الفدية؛ لأن إباحته باجتهاد، لا من جهة النطق.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر: أن رجلاً سأل النبي ﷺ عما يلبسه المحرم: فقال: "لا يلبس المحرم القميص، ولا السَّراويلات،
стр. 341
ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين"، فنهى عن السراويل نهياً عاماً.
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا كان واجداً للإزار بدليل حديث ابن عباس.
واحتج بأنه لو لبسه مع وجود الإزار لزم دم، كذلك إذا لبسه مع عدمه كالقميص.
والجواب: أن هذا موضوع فاسد؛ لأنه لا يجوز اعتبار حالة العذر بحالة عدم العذر في وجوب الضمان؛ لأن وجوب الضمان طريقه التغليظ، فلا يستدل بذلك في حالة عدم العذر.
ثم المعنى في القميص: أنه ممنوع من لبسه، فلهذا كانت عليه الفدية، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لبس أباحه الشرع نطقاً، فلم تجب به الفدية.
دليله: لبس الإزار والنعلين.
وقد دللنا على إباحة الشرع نطقاً بحديث ابن عباس.
واحتج بأن إباحة لبسه في حالة عدم الإزار لا تمنع وجوب الدم؛ لأن ما يستبيحه المحرم إذا كان فيه ضرر من الاستمتاع، فإنه لا يختلف حال العذر وغيره.
والجواب: أن للعذر تأثير في إسقاط الفدية بدليل أن الصيد إذا
стр. 342
صال عليه، فقتله دفعاً عن نفسه، فلا فدية عليه، وكذلك ترك طواف الصدر يوجب دماً، ويختلف حال العذر وغيره، ألا ترى أن المرأة لو تركته - وهي طاهر - لزمها دم، و [لو] تركته - وهي حائض - لم يلزمها شيء، وبهذا وردت السنة عن النبي ﷺ : أنه رخص للحيض في ترك طواف الصدر، ولم يوجب عليهن شيئاً.
ثم المعنى في الأصل: هو إذا لبسه لشدة برد أو حر أن ذلك لإحياء نفسه، ولهذا تأثير في الضمان بدليل أنه إذا أكل طعام غيره لإحياء نفسه ضمنه، وليس كذلك هاهنا؛ لأن السراويل بدل عن مبدل هو المئزر، ومن شأن البدل أن يقوم مقام المبدل بدليل التيمم والصيام في الكفارة، وقد ثبت أن المئزر لا يوجب الكفارة، كذلك ما قام مقامه.
فإن لم يسلموا أن هذا بدل فالدلالة عليه قول ﵇: "فإن لم يجد الإزار، فليلبس السراويل".
وهذه صيغة بدل كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة:٦]، وقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢].
стр. 343
٦٥ - مسألة
إذا لم يجد المحرم النعلين لبس الخفين، ولا يقطعهما، ولا فدية عليه:
نص عليه في رواية أبي طالب ومهناً وبكر بن محمد وإسحاق، ونقل أبو داود عنه في من لبس الخف، وهو يجد النعل، إلا أنه لا يمكنه لبسهما: يلبسه، ويفتدي.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز لبسهما على صفتهما]، بل يقطعهما أسفل من الكعبين، فإن لبسهما افتدى.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس وقول النبي ﷺ : "فمن لم يجد النعلين، فليلبس خفين".
فأجاز لبس الخفين إذا لم يجد النعلين، وإذا ثبت جواز لبسه ثبت أنه لا فدية عليه؛ لأن أحداً لا يفرق بين الأمرين.
ولأن النبي ﷺ بين حكم اللبس وجوازه، وأعرض عن ذكر الفدية، ولو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن من جهل جواز اللبس كان بأن يجهل وجوب الفدية أولى.
فإن قيل: قوله "فليلبس خفين"؛ يعني: من بعد ما يقطعه.
قيل له: حمله على هذا يبطل فائدة قوله: "فمن لم يجد النعلين"؛
стр. 344
لأنه إذا قطعه جاز أن يلبس مع وجود النعلين.
وعلى أن جواز لبسه بعد قطعه لا يشتبه على أحد، فحمل الخبر عليه لا يفيد شيئاً.
فإن قيل: أكثر ما فيه جواز لبسه، وليس فيه نفي وجوب الفدية.
قيل له: لو كانت الفدية واجبة لبين.
وروى أبو حفص العكبري في "شرحه" بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عبد الرحمن بن عوف يطوف وعليه خفان، فقال له عمر: تطوف وعليك خفان؟ فقال: لقد لبستهما مع من هو خير منك.
يعنى: رسول الله ﷺ .
ولأنه لبس أباحه الشرع نطقاً، فلم يتعلق به وجوب الفدية قياساً على لبس الإزار والنعلين.
ولأن في قطعة ضرراً عليه، كما أن عليه في فتق السراويل ضرر [اً].
ثم قد ثبت أنه يجوز لبس السراويل عند عدم الإزار على قول الشافعي، كذلك هاهنا.
فإن قيل: القصد من المئزر الستر، وبفتق السراويل لا يوجد الستر، والنعلين المقصود منهما متابعة المشي عليهما، وهذا يحصل من الخف
стр. 345
المقطوع، وكذلك المرأة القصد في حقها من لبس القميص الستر، ولا يحصل ذلك بفتقه.
قيل له: ليس كذلك؛ لأنه يمكنه أن يفتقه، ثم يستر به عورته من غير أن يلبسه على هيئته، وكذلك المرأة يمكنها أن تستر عورتها بقميص وإزار من غير أن تلبس السراويل والخفين.
فإن قيل: الفرق بين الخف والسراويل: أن الخف يقصد به منفعة نفسه، ويفعله لمعنى فيه، وليس كذلك السراويل وقميص المرأة وخفها؛ لأنه يفعله لمنعني في غيره، وهو أنه يستر العورة لأجل الغير؛ لئلا ينظر إليها، والأصول فرقت بين أن يفعل الشيء لمعنى في نفسه، أو في غيره، ألا ترى أنه لو اضطر إلى أكل الصيد، فقتله، كان عليه الجزاء؛ لأنـ[ـه] قتله لمعنى في نفسه، وهو حاجته إليه، ولو صال عليه الصيد فقتله، لم يكن عليه الجزاء؛ لأنه قتله لمعنى في الصيد.
ولأن لبس السراويل ألجأه الشرع إليه؛ ليستر عورته، فلم تتعلق به فدية، كالحائض بترك طواف الوداع، وهذا المعنى معدوم في الخفين.
قيل له: إذا كان الفدية تسقط عنه بلبس السراويل لما ذكرت، وهو ستر العورة لأجل الغير، فيجب إذا لم يكون بحضرته أحد يحتاج إلى ستر العورة لأجله أن تلزمه الفدية؛ لأن لبسه في هذه الحال لا لمعنى من غيره.
стр. 346
وقولهم: (إن الشرع ألجأه إلى لبسه) غير صحيح؛ لأنا قد بينا أنه يفتقه، ويستر عورته، والحائض ما ألجأها الشرع إلى ترك الطواف؛ لأنها تقدر أن تقيم حتى تطهر وتطوف، وإنما خفف الشرع عنها ذلك.
وأما استشهاده بالصيد، فلا معنى له؛ لأنه إن اضطر إلى أكله، فإنما يقتله لمعنى في نفسه، وهو ضرر الجوع، وإن قتله لأنه صال عليه، فإنما قتله - أيضاً - لمعنى في نفسه، وهو خوفه على نفسه، ألا ترى أنه لو لم يخف لم يجز له قتله؟ وخوفه على معنى فيه نفسه.
واحتج المخالف بما تقدم من حديث ابن عمر: "فإن لم يجد النعليم فليلبس الخفين، ويقطعهما أسفل من الكعبين".
فنص على القطع، وهذا مقيد، وخبر ابن عباس مطلق، والمقيد يقضي على المطلق.
والجواب: أنا نقابل هذا بحديث ابن عباس، وهو أولى من وجوه:
أحدها: أنه لم يختلف فيه، وخبر ابن عمر اختلف في اتصاله، فقال أبو داود في "سننه": رواه مرسى بن طارق، عن موسى بن عقبة موقوفاً على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب.
والثاني: أن لفظ خبر ابن عباس لم يختلف، وخبر ابن عمر اختلف؛ فروي القطع، وروي ترك القطع، رواه أبو بكر النجاد في كتابه عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "السراويل لمن لم يجد النعلين".
стр. 347
والثالث: أن خبرنا رواه ابن عباس [وغيره]، [وخبرهم] تفرد بروايته ابن عمر.
والرابع: خبرنا عملت عليه الأئمة؛ عمر، وعلي، وابن عباس، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص.
فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن الأسود قال: سألت عمر بن الخطاب قلت: من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، وقال: الخفان نعلان لمن لا نعل له.
وروى - أيضاً - عن الحارث، عن علي قال: السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين.
وبإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه قال: إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين.
وبإسناده عن مولى الحسن بن علي قال: رأيت على المسور بن مخزمة خفين وهو محرم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أمرتنا به عائشة.
وروى بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عبد الرحمن بن عوف في سفر ومعنا حاد - أو مغني - فأتاه عمر في بعض الليل، فقال: ألا أرى أن يطلع الفجر، اذكر الله، ثم التفت فرأى عليه خفين، وهو محرم، فقال: وخفين؟ فقال: قد لبستهما مع من هو خير منك.
стр. 348
وجواب رابع، وهو: أنا نحمل قوله: "وليقطعهما" على الجواز، وتكون فائدة التخصيص: أنه يكره قطعهما لغير الإحرام؛ لما فيه من الفساد.
وأما قولهم: (إن خبرنا مقيد، وخبركم مطلق) فإنما يكون المقيد يقضي على المطلق إذا لم يمكن تأويله، وقد تأولنا التقييد على الجواز دون الإيجاب.
وعلى أن أبا بكر المروذي قال: احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النبي ﷺ وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، ورد هذا الكلام.
وظاهر هذا أنه لم يحمل المطلق على المقيد.
فإن قيل: فخبرنا فيه زيادة لفظ، وهو القطع.
قيل له: وخبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بغير قطع.
وإن قاسوا عليه إذا لبسهما مع وجود النعلين، فالمعنى فيه: أنه ممنوع منه، وهاهنا قد أباحه الشرع نطقاً، فهو كخف المرأة.
وإن قالوا: ليس في لبسه أكثر من أنه معذور، وذلك لا يسقط الكفارة، كلبس القميص في شدة البرد.
فالجواب عنه: ما تقدم.
стр. 349
واحتج بأن كل عضو لا يجبب تغطيته، لا يجوز ستره بالمخيط، كبقية البدن.
والجواب: أنه يبطل بالساق والقدم؛ يسترهما بلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، وإن لم يجب تغطيته.
ولأن المعنى في الأصل: أن الشرع لم يبحه، وهذا بخلافه.
واحتج بأنه عضو في أحد طرفي الطهارة، فلا يجوز تغطيته بالمخيط، كالوجه.
والجواب: أن الوجه لا يجوز تغطيته بمخيط، ولا بغيره، وفلا معنى لتخصيصه بالمخيط، وإذا سقط ذلك، انتقض إذا غطى رجليه بإزاره.
ولأن اليدين ليست بطرف الطهارة، فلا يجوز تغطيتهما بالمخيط [ .... ] القفازين، والمعنى في الأصل ما تقدم.
٦٦ - مسألة
إذا لبس [الخفين] المقطوعين مع وجود النعلين افتدى:
قال في رواية إبراهيم - وقد سئل عن لبس الخفين دون الكعبين - فقال: يلبسه ما لم يقدر على النعلين؛ إذا اضطر إلى لبسهما.
وقال في رواية الأثرم: لا يلبس نعلاً لها قيد - وهو السير يجعل في
стр. 350
الزمام معترضاً - فقيل له: فالخف المـ[ـقـ]ـطوع؟ فقال: هذا أشد.
وقال - أيضاً - في رواية المروذي: أكره المحمل الذي على النعل والعقب، وكان عطاء يقول: فيه دم.
بهذا قال أبو حنيفة، ومالك.
وللشافعي قولان.
دليلنا: أن النبي ﷺ أباح لبسهما عند عدم النعلين بقوله: "فمن لم يجد النعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين".
فعلق جواز لبس المقطوع بشرط عدم النعلين، فدل على أنه لا يجوز عند عدم الشرط.
فإن قيل: لو كان لبسه بعد قطعه يوجب الفدية، لم يشترط النبي ﷺ القطع؛ لأن حكمه بعد القطع حكمه قبله، فلما شرط دل على اختلاف الحكم.
قيل له: إنما أباح ذلك عند عدم النعلين، وأجاز لبسهما؛ لأنه يقارب النعلين، ولم يبح ذلك لإسقاط الكفارة.
فإن قيل: فهما بعد القطع في حكم النعلين بدليل امتناع المسح.
قيل له: الخف الذي فيه خرق قدره ثلاث أصابع لا يجوز المسح عليه، ويمنع المحرم من لبسه، وإن لبسه افتدى.
стр. 351
وأيضاً فإنه ستر قدميه بما يعد للمشي عادة، فأشبه الخف.
٦٧ - مسألة
إذا لبس المحرم القباء، فادخل كتفيه فيه لزمته الفدية:
قال في رواية حرب: لا يلبس الدواج ولا شيئاً يدخل منكبيه فيه.
وقال في رواية إبراهيم: إذا لبس القباء لا يدخل عاتقه فيه.
وهو قول مالك والشافعي.
وقول أبو حنيفة: لا فدية عليه.
دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي - كرم الله وجهه - قال: من اضطر إلى لبس قباء، وهو محرم، ولم يكن له غيره، فلينكس القباء، وليلبسه.
وهذا يمنع إدخال منكبيه فيه.
ولأنه لبس مخيطاً على الوجه الذي يلبس مثله في العادة، فلزمته الفدية، كما لو لبس القميص والسراويل.
واحتج المخالف بأن المخيط لم يشتمل على بدنه على الوجه المعتاد، فهو كما لو ارتدى بالقميص.
والجواب: أنه لم يلبسه على الوجه الذي يلبس مثله في العادة،
стр. 352
وهاهنا لبسه على الوجه المعتاد.
واحتج بأنه لبس يحتاج في حفظه إلى تكلف، كما لو ارتدى به.
والجواب عنه: ما تقدم.
٦٨ - مسألة
للمحرم أن يغطي وجهه في أصح الروايتين:
رواهما حنبل وابن مشيش عنه في محرم مات: يغطي وجهه، ولا يغطي رأسه.
وكذلك نقل حنبل عنه، وقد سئل عن المحرم: يعطي وجهه؟ قال: لا بأس بذلك.
وكذلك نقل أبو داود عنه: يغطي وجهه وحاجبيه.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: لا يغطي وجهه.
رواها ابن منصور وإسماعيل بن سعيد الشالنجي في المحرم يموت: لا يغطى رأسه، ولا وجهه.
وأومأ إليه - أيضاً - في رواية أبي طالب: يخمر أسفل من الأنف، ووضع يده على فمه دون أنفه يغطيه من الغبار.
وبهذا قال أبو حنيفة.
стр. 353
وقال مالك: لا يغطي وجهه، فإن غطاه فلا فدية عليه.
ومن أصحابه من قال: فيها روايتان.
وجه الرواية الأولى: ما روى أحمد في "المسند" قال: ثنا هشيم قال: أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلاً كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته، وهو محرم، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً".
فوجه الدلالة: أنه خص الرأس بالكشف، فدل على أن الوجه مخالف له؛ لأنهما لو كانا سواء لما خص الرأس، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
وروى سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أبي حرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "وخمروا وجهه، ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيباً؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً".
وهذا نص.
ولأنه إجماع الصحابة، روي عن عثمان، وزيد، وابن الزبير،
стр. 354
وجابر، وابن عباس، وسعد:
فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن الفرافصة قال: رأيت عثمان، وزيد، وابن الزبير يغطون وجوههم - وهم محرمون - إلى قصاص الشعر.
وروى بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: ليغشى وجهه بثوبه، وأهوى إلى شعر رأسه، وأشار أبو الزبير بثوبه حتى رأسه.
وبإسناده عن عطاء، عن ابن عباس قال: المحرم يغطي وجهه ما دون الحاجب.
وبإسناده عن عائشة بنت سعد قالت: كان أبي يأمر الرجال أن يخمروا وجوههم وهم حرم، وينهي النساء عن ذلك.
فإن قيل: يقابل هذا ما رواه النجاد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: المحرم لا يغطي وجهه إلا دون الحنك.
وفي لفظ آخر: ما فوق الذقن من الوجه، ولا يخمر المحرم.
قيل له: وقد روى النجاد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه.
стр. 355
فإما أن تتعارض الروايتان، فتسقطان، ويسلم قول غيره، أو يكون ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنه يعضده قول غيره من الصحابة.
فإن قيل: فقد قال في الخبر الذي رويتموه: الذقن من الرأس.
قيل له: لا يجوز أن تجعل هذا خلافاً؛ لأنه معترف بأن إحرام الرجل في رأسه، وإنما ذهب إلى أن ما فوق الذقن يدخل في اسم الرأس، وهذا غير صحيح؛ لأن حقيقة اسم الرأس لا يتناول الوجه، فكان هذا القول مطرحاً.
والقياس أن ما وجب كشفه في أحد الجنسين، لم يجب كشفه في الجنس الآخر.
أصله: الرأس؛ لما وجب كشفه في جنس الرجال، لم يجب كشفه في جنس النساء.
وكل عضو لا تتعلق به سنة التقصير من الرجل، لا تتعلق به حرمة التخمير قياساً على سائر بدنه.
وفيه احتراز من وجه المرأة.
واحتج المخالف بما روى أبو بكرة النجاد بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه قال: "اغسلوه بماء وسدر، ولا تحنطوه، ولا تخمروا وجهه؛ فإنه يبعث [يوم القيامة ملبياً].
следующие страницы →