Полный текст (1 579 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
والجواب: أن قوله: (صبغ) لا تأثير له؛ لأن الصبغ وغيره - مما له رائحة تستلذ كالكافور والعود والعنبر وغير ذلك - سواء في المنع، وإيجاب الفدية، وإذا وجب حذف هذا الوصف انتقض بكل ما له رائحة تستلذ، كالتفاح والسفرجل والخوخ والشيح والقيصوم.
وعلى أنا لا نسلم الوصف؛ لأن القصد من العصفر اللون دون الرائحة؛ لأن رائحته غير مستلذة.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أنها طيب، فلهذا منع منها، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ليس بطيب.
ولأنه [إذا] لم ينفض لم تجب به فدية، فلهذا لم تجب به - وإن نفض - كالسواد.
٧٤ - مسألة
إذا خضب المحرم لحيته بالحناء، أو يديه، أو رجليه، فلا فدية عليه، كالمعصفر:
وقد قال أحمد في رواية الميموني: الحناء مثل الزينة، ومن يرخص في الريحان يرخص فيه.
وقال - أيضاً - في رواية محمد بن حرب، وقد سئل عن الخضاب للمحرم، فقال: ليس بمنزلة طيب، ولكنه زينة، وقد كره الزينة عطاء للمحرم.
стр. 387
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية.
دليلنا: ما روى ابن المنذر بإسناده في كتابه عن عكرمة: أن عائشة وأزواج النبي صل الله عليه وسلم كن يخضبن بالحناء، وهن حرم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون بعد التحلل الأول.
قيل له: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم، وأن ذلك لا يقع عليه اسم المحرم على الإطلاق.
ولأن في تلك الحال يجوز استعمال الطيب، فلا معنى لتخصيص الحناء بذلك.
ولأنه يقصد لونه دون رائحته في العادة، فأشبه الوشمة- وهي خضاب يصبغ به- والسواد والنيل.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، وقال: "الحناء طيب ".
стр. 388
وإذا ثبت أنه طيب وجبت فيه الفدية.
والجواب: أن هذا من النبي صل الله عليه وسلم على وجه الزينة، لا أنه طيب في الحقيقة، فمنعت منه لأجل الزينة.
واحتج بأن له رائحة مستلذة، فوجبت الفدية باستعماله في بدنه، كالزعفران، وماء الورد، والمسك.
والجواب: أنه ينتفض بالتفاح والسفرجل والخوخ وسائر الرياحين.
وعلى أن المعنى في الورس والزعفران: أنه تقصد رائحتهما، وهما طيب في العادة، والحناء يقصد لونه دون رائحته، فبان الفرق بينهما.
٧٥ - مسألة
فإن لبس ثوبًا مبخرًا بعود أو ند فعليه الفدية:
وقد قال أحمد في رواية أحمد بن نصر في المحرم يشم الطيب: عليه الكفارة.
وقال في رواية ابن إبراهيم: لا يلبس ثوبًا فيه طيب.
وقال في رواية ابن قاسم- وقد سئل عن المحرم يفترش الفراش والثوب المطيب- فقال: هو بمنزلة ما يلبس.
стр. 389
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه، ويجوز عنده لبس الثوب المطيب والنوم عليه إذا كان جافًا لا ينتفض عليه، وإن كان على ظاهر الثوب طيب- وليس على ما يلي بدنه طيب- جاز لبسه.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عمر: أنه سأل رسول الله صل الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوبًا مسه الورس ولا الزعفران ".
وفي لفظ آخر: نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس والزعفران من الثياب.
وإذا ثبت تحريم لبس الثوب الذي مس الورس والزعفران، فالثوب المصبوغ بهما- أو بغيرهما من الطيب- أولى بالتحريم.
والقياس أنـ[ـه] يعد طيبًا في العادة، فوجب أن يكون محرمًا تتعلق به الفدية قياسًا على استعمال الغالية.
ولأن المقصد من الطيب رائحته لا لعينه، ألا ترى أنه إذا استعمل ماء الورد- وقد ذهبت رائحته- لم تلزمه الفدية؟ فإذا كان كذلك، وجب أن تجزئه الفدية في مسألتنا.
стр. 390
فإن قيل: يبطل بالجلوس في العطارين.
قيل له: ذلك لا يسمى متطيبًا في العادة.
واحتج المخالف بأنه غير مستعمل لجرم الطيب، وإنما تختلف الروائح فقط، والرائحة بانفرادها لا حكم لها؛ لأنه لو جلس في العطارين، أو في الكعبة وهي تجمر، فشم روائح الطيب لم يلزمه شيء.
والجواب: أن دخان العود والند جسم، والزعفران والعنبر والكافور جسم، فاستعماله استعمال لجسم الطيب.
وعلى أنا قد بينا: أن الاعتبار بالرائحة دون جسم الطيب بدليل ماء الورد إذا ذهب ريحه.
وأما إذا جلس في العطارين أو إلى الكعبة، واعتمد شم الروائح، فإن أحمد قد أطلق القول في رواية ابن القاسم، فقال في المحرم يشم الطيب: عليه كفارة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن القاسم في الرجل يحمل معه الطيب، وهو محرم: كيف يجوز هذا؟ وعطاء يقول: إن تعتمد شمه فعليه الفدية.
قيل له: يحمله للتجارة؟ فقال: لا يصلح إلا أن يكون فيما [لا] ريح له.
وهذا يقتضي وجوب الكفارة.
وإن شيخنا يقول: لا فدية عليه في ذلك؛ لأنه لا يسمى متطيبًا في
стр. 391
العادة، وليس كذلك إذا تبخر بالعادة؛ فإنه متطيب في العادة، فلهذا فرقنا بينهما.
٧٦ - مسألة
إذا شم المحرم شيئًا من الرياحين لم يلزمه شيء في إحدى الروايتين:
رواها جعفر بن محمد عنه فقال: المحرم يشم الريحان، ليس هو من الطيب، ورخص فيه.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في المحرم: يشم الريحان، وينظر في المرآة.
وكذلك نقل حرب عنه قال: أما الطيب فلا تقربه، والريحان ليس مثل الطيب.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: فيه الفدية.
قال في رواية أبي طالب والأثرم: لا يشم المحرم الريحان، كرهه ابن عمر، ليس هو من آلة المحرم.
والروايتان فيما يتخذ منه الطيب مثل البنفسج، والورد، والقيصوم،
стр. 392
والياسمين، وهو الذي يتخذ منه الزنبق، والخيري، وهو المنثور، وفيما لا يتخذ منه كالريحان الفارسي، والثمام، والبرم، والنرجس، والمرزيكوش، ففي الجميع روايتان على ظاهر كلام أحمد.
وهو قول شيخنا أبي عبد الله.
وقد قال أحمد في رواية المروذي وابن إبراهيم- وقد سئل عن الريحان والبقول للمحرم- فقال: ما زرعته أنت فلا بأس، وما نبت فلا.
وهذا يقتضي أن جميع ما ينبته يجوز شمه، وامتنع مما ينبت لنفسه؛ لأن جنس الحرم يمنع من أخذه.
ويحتمل أن يكون المذهب رواية واحدة: لا كفارة عليه، ويكون قوله: (ليس من آلة المحرم) على طريق الكراهة دون التحريم.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه بشم شيء من الرياحين فدية.
وللشافعي في شم الريحان الذي لا يتخذ منه الطيب قولان: أصحهما: أن عليه الفدية.
دليلنا: ما رواه أبو بكر، عن عثمان بن عفان: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "المحرم يدخل البستان، ويشم الريحان ".
стр. 393
ولأن من شم شيئًا من هذه الأشياء لا يسمى متطيبًا في العادة، فلم تجب به الفدية، كما لو شم الفاكهة التي لها رائحة طيبة كالأترج، والتفاح، والسفرجل، ونحو ذلك.
ولأنه لو شمه ناسيًا لم تلزمه الفدية، كذلك إذا تعمد شم الأترج والتفاح ونحو ذلك.
أو نقول: إنه لا يتخذ منه الطيب، أشبه ما ذكرنا.
وفيه احتراز من الورد، والبنفسج؛ لأنه يتخذ منه الطيب، وهذه العلة أجود مما قبلها.
واحتج المخالف بما روى الشافعي بإسناده عن جابر: أنه سئل عن المحرم: يشم الريحان؟ فقال: لا.
وروى ابن المنذر، عن جابر قال: لا يشم المحرم الريحان، ولا الطيب.
وروى- أيضًا- عن عمر: أنه كان يكره شم الريحان للمحرم.
وقد روى الأثرم ذلك.
стр. 394
والجواب: أنه يعارض هذا ما روى حمران بن أبان، عن أبان بن عثمان بن عفان: أنه سئل عن المحرم: يدخل البستان؟ قال: نعم، ويشم الريحان.
وروى ابن المنذر عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم [أن] يشم الريحان.
وإذا اختلفوا لم يمكن ترجيح قول بعضهم على بعض.
واحتج بأن الشم تطيب في العادة، فجاز أن تجب به الفدية، كاستعمال الغالية، وشم الزعفران، والورس، والمسك.
والجواب: أنا نقول بموجب هذا، وأنه تجب بالشم فدية إذا كان للطيب مثل الزعفران، والمسك، ونحو ذلك، وما اختلفنا فيه ليس بطيب في العادة، فهو كالفواكه الطيبة الرائحة.
٧٧ - مسألة
إذا حلق المحرم ثلاث شعرات من رأسه- أو قصر- قبل أن يحل له ذلك، فعليه دم في أصح الروايتين:
رواها حنبل عنه فقال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات أهراق لهن
стр. 395
دمًا، فإذا كانت شعرة، أو اثنتين كان فيهما قبضة من طعام.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: في أربع شعرات فصاعدًا دم، فأما الثلاث فما دون فلا دم في رواية المروذي وابن إبراهيم وابن منصور:
فقال في رواية المروذي: كان عطاء يقول: إذا نتف ثلاث شعرات فعليه دم، وكان ابن عيينه يستكثر الدم في ثلاث، ولست أوقت، فإذا نتف متعمدًا أكثر من ثلاث شعرات فعليه دم، والناسي والمعتمد سواء.
قال أبو حنيفة: إذا حلق أو قصر ربع رأسه فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة.
وقال مالك: إن حلق أو نتف مقدارًا يماط به الأذى فعليه دم من غير تقدير ثلاث أو أربع.
وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وتقديره: فحلق، ففدية، ومن حلق ثلاث شعرات يسمى حالقًا.
ولأنه محرم حلق من شعره عددًا يقع عليه اسم الجمع المطلق لم يلجئه الشعر إليه، أشبه إذا حلق ربعه، أو حلق ما يماط به الأذى.
وفيه احتراز من شعر الحلال، ومن شعر البهيمة؛ لقولنا: من شعره.
стр. 396
وفيه احتراز مما دون الثلاث؛ لقولنا: الجمع المطلق.
وفيه احتراز منه إذا نتف شعرًا يؤذيه؛ لأنه ألجأه.
ولأنه إذا كان لابد من تقديره بالثلاث أولى من الربع، لأن الربع لم يقدر به في شيء من الشريعة، والثلاث قد قدرت بها أحكام كثيرة مثل المسح، وخيار الشرط عندهم، وخيار المصراة عندنا، وصوم كفارة اليمين، وصوم المتمتع في الحج، وقال ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].
واحتج المخالف بأنه حلق من رأسه أقل من الربع، أو قدرًا لا يماط به أذى، أشبه إذا حلق شعرة، أو شعرتين.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الثلاث بما دونها؛ لما بينا، وهو: أن الثلاث قد جعلت حدًا في الشريعة في أحكام كثيرة، وخولف بينها وبين ما دونها، والربع لم يثبت حدًا، فبطل ما ذكره.
وكذلك ما يماط به الأذى لم يتعلق به حد في الأصول، ألا ترى أنه لو غطى يسيرًا من رأسه افتدى؟
واحتج بأن القليل لا يوجب الدم، والكثير يوجبه، فلابد من حد فاصل بينهما، فيجب أن يكون ذلك الحد الربع؛ لأنا وجدنا الربع يقوم مقام الكل في كثير من المواضع، ألا ترى أن الرائي إذا رأى شخصًا يقول: رأيت فلانًا، وإنما رأى أحد جوانبه الأربع.
والجواب: أنا قد بينا: أن الربع لا يجوز أن يكون حدًا هاهنا؛ لأنه
стр. 397
لم يحد حدًا في بعض الأصول، وقد جعل الثلاث حدًا.
وما ذكروه من رؤية مقدم الإنسان فلا يصح؛ لأن الإنسان ليس بمربع، فيكون مقدمه ربعه، وإنما هو مسطح.
وعلى أنه إنما يقول: رأيته؛ إذا عرفه، لا لأجل أنه رأى ربعه، ومتى عرفه بجزء منه يقول: رأيت فلانًا، ورأسه أقل من الربع، وكذلك إذا رأى يده وعرفه بها، قال: رأيته، فبطل ما قاله.
واحتج مالك بأنه قدر لا يؤثر في إماطة الأذى، فلا يجب به الدم.
دليله: ما دون الثلاث.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق.
واحتج بعض أصحابنا بأنه حلق أقل من أربع شعرات، فلم يجب الدم، كما لو حلق شعرتين.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن ما يجزئ في مسح لا يجب به دم.
أصله: ما دون الثلاث.
والجواب: أنه لا يمتنع أن [لا] تتقدر الثلاث في المسح، وتتقدر في الحلق، كما لو يتقدر كشف الرأس بربعه، ويتقدر المسح بربعه عندهم.
والمعنى في الأصل: أنه لا يتناوله اسم الجمع، وهذا بخلافه.
стр. 398
٧٨ - مسألة
فإن حلق شعرة ففيها مد من طعام، وفي شعرتين مدان في أصح الروايات:
نص عليها في رواية أبي داود، فقال: إذا نتف شعرة أطعم مدًا.
وهو اختيار الخرقي.
والثانية: في شعرة قبضة من طعام.
نص عليها في رواية حنبل، فقال: في شعرة، أو شعرتين: قبضـ[ــه] من طعام، وفي ثلاثة دم.
وتتخرج رواية ثالثة: في كل شعرة درهم، أو نصف درهم، وفي الثلاث دم.
نص عليها في ليلة من ليالي منى في رواية إسحاق بن إبراهيم في الرجل يبيت من ليالي منى بمكة: يتصدق بدرهم، أو بنصف درهم.
وكذلك نقل أبو طالب عنه: من غلبته عينه تصدق بدرهم، أو بنصف درهم.
ولا تختلف الرواية: أنه لا يجب ثلث الدم.
واختلف قول الشافعي على ثلاثة أقوال:
أحدها: يجب ثلث الدم.
والثاني: مد.
стр. 399
والثالث: درهم.
فالدلالة على وجوب الضمان في الجملة: أن كل جملة كانت مضمونة، كانت أبعاضها مضمونة، كالصيد.
والدلالة على أنه [لا] يجب ثلث دم: أن في تضمينه بالدم إيجاب أجزاء الحيوان، وإيجاب جزء من حيوان يشق ويحرج، ألا ترى أن زكاة الغنم والبقر من جنسها، ولم يوجب فيها جزءًا من حيوان، وزكاة الإبل قبل خمس وعشرين من غير جنسها؛ لأن إيجاب جزء منها يشق، كذلك هاهنا يشق، فوجب أن يسقط وجوبه.
والدلالة على إيجاب مد: أن للطعام مدخلاً مع الدم في أجزاء العبيد، وفي هذه الكفارات، فإذا كان الطعام له مدخلاً في الصيد كان له مدخل في فدية الأذى؛ لأنه إليه أقرب، وبه أشبه.
واحتج من قال: يجب ثلث دم بأن الدم لما وجب في ثلاث شعرات، وجب في كل واحدة منها ثلث دم.
والجواب: أنا قد بينا: [أن] في إيجاب أجزاء الحيوان مشقة بدليل ما ذكرنا من الزكاة، كذلك هاهنا.
стр. 400
واحتج من قال: (يجب درهم) بأن كل شيء ضمن بمثله، فإذا تعذر مثله كان عليه قيمته من غالب نقد البلد، كذلك هاهنا، قد تعذر إيجاب المثل، فوجب أن يجب من غالب نقد البلد.
والجواب: أنه يبطل بالعبيد، فإذا تعذر مثله عدل إلى الطعام، ولم يعدل إلى الدراهم، كذلك هاهنا.
٧٩ - مسألة
إذا حلق المحرم شعر بدنه لزمته الفدية:
نص عليه في رواية حبيش بن سندي: شعر الرأس واللحية والإبط سواء، لا أعلم أحدًا فرق بينهما.
وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
وقال داود: لا فدية في شعر البدن.
دليلنا: قوله تعالى ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فنص على الرأس لينبه؛ لأن معنى حلق الرأس موجود في حلق البدن وزيادة؛ لأن الحاجة تمس وتدعو إلى حلق الرأس، فإذا نص على وجوب الفدية فيه، كان فيه دلالة على إيجابها في شعر البدن.
стр. 401
فإن قيل: فالآية حجة عليكم؛ لأنه لما خص الرأس بالمنع دل على أن سائر البدن بخلافه.
قيل له: قد بينا: أن التخصيص للرأس أفاد التنبيه على غيره، كما أفاد التخصيص في منع التأفيف التنبيه على غيره من الضرب.
ولأنه محرم ترفه بأخذ شعر لم يلجئه الشعر إليه، فلزمه الضمان كما لو حلق شعر رأسه، ولأن شعر الرأس إنما يحصل بحلقه الترفه فحسب، وإلا فالزينة في تركه، وحلق شعر البدن يحصل به الترفه والزينة، وكان بوجوب الفدية أولى.
واحتج المخالف بقول النبي صل الله عليه وسلم: "ليس في المال حق سوى الزكاة ".
والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا بما تقدم.
واحتج بأن الأصل براءة ذمته، فمن أوجب الدم بهذا فعليه الدليل.
والجواب: أنا قد [ ..... ] الأصل لنا على ذلك بما تقدم.
стр. 402
٨٠ - مسألة
إذا حل له الحلق، فحلق جميع رأسه- أو قصر- أجزأه، وإن حلق- أو قصر- أقل من ذلك لم يجزئه على المنصوص في المذهب؛ فإن في رواية ابن إبراهيم وأبي داود:
وقد سئل عن المرأة إذا أرادت أن تقصر من شعرها: تقصر منه كله، أو بعضه؟ قال: منه كله؛ تأخذ منه قدر الأنملة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور، وقد سئل عن "من لبد أو ضفر.
وقال- أيضًا- في رواية حرب: تقصر المرأة من شعرها قدر أنملة من أطراف شعرها كله [ ..... ] رأسها.
وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن حلق أو قصر ربع رأسه أجزأه، وإن كان أقل من ذلك لم يجزئه.
وقال الشافعي على القول الذي يقول: إن الحلق نسك، وإن [ما] يقع به التحلل ثلاث شعرات.
стр. 403
دليلنا: أن النبي صل الله عليه وسلم لم يقتصر على ذلك.
روى أنس: أن النبي صل الله عليه وسلم لما رمى جمرة العقبة أتى بنسكه، فنحره، ثم دعا الحلاق، فبدأ بالشق الأيمن فحلقه.
فدخل تحت قوله: "خذوا عني مناسككم ".
وروى ابن عمر: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "من عقص أو لبد فعليه الحلاق ".
وفائدة ذلك: أن يستوعب الرأس، ولا يمكنه ذلك مع العقص.
ورواه النجاد موقوفًا على عمر، وابن عمر:
فروى بإسناده عن عمر قال: من لبد أو ضفر فليحلق.
وروى ابن عمر قال: من لبد أو ضفر أو فتل، حلق.
وفي لفظ آخر: من لبد رأسه، أو عقص رأسه، أو ضفره، أو عقده، أو فتله، فليحلق.
وفي لفظ آخر: أن رجلاً سأله، وقال: إني جمعت شعري وأنا محرم، فقال ابن عمر: أما سمعت مولاك يقول: "من ضفر رأسه أو
стр. 404
لبَّده، فليحلقه "، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن! إني لم أضفر [هـ]، وإنما جمعته، فقال: عنز وتيس، وتيس عنز!.
وروى بإسناده عن جعفر، عن أبيه، عن علي- ﵇ قال: من عقص رأسه، أو لبده، فلابد من حلاقه.
ولأنه نسك يتعلق بالرأس، فتعلق بجميعه.
أصله: كشفه.
ولأنه حلق أو قصر بعض رأسه، فأشبه الشعرة والشعرتين وأقل من الربع.
ولأنه قد ثبت عندنا: أن المقدار المفروض من مسح الرأس هو الكل؛ لأنها عبادة متعلقة بالرأس، وكذلك الحلق والتقصير.
واحتج المخالف بأنه حلق من رأسه عددًا يقع عليه اسم الجمع المطلق، فأشبه الكل.
والجواب: أن من حلق جميع رأسه لا يقال: حلق منه عددًا.
وعلى أن المعنى في الأصل: أنه استوفى جميع شعره، وهاهنا حلق بعضه، فهو كالشعرة والشعرتين.
стр. 405
٨١ - مسألة
على المحصر حلق أو تقصير في أصح الروايتين:
رواها ابن منصور عنه في المحصر: يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق، ويرجع، وليس عليه قضاء.
وهو قول الشافعي على القول الذي يقول: إن الحلاق نسك.
وفيه رواية أخرى: ليس عليه حلق، ولا يقصر.
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني: إذا حصره العدو؛ فإن كان معه هدي نحره مكانه، وحل، وليس عليه أكثر من هذا.
وهو ظاهر كلام الخرقي- أيضًا- لأنه قال: نحر ما معه من الهدي، وحل.
وبه قال أبو حنيفة.
فعلى هذا يحل من إحرامه بأداء ما يحظره الإحرام من طيب، أو غيره.
وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله صل الله عليه وسلم حلق رأسه في عمرة الحديبية.
стр. 406
وقد كان النبي ﷺ محصرًا في غير الحرم.
وروي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه قال لأصحابه بالحديبية: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا ".
ذكره أبو عبد الله بن عرفة في كتاب "الإستثناء والشروط في القرآن "بإسناده عن المسور بن مخرمة.
فإن قيل: القوم كانوا محصرين في الحديبية، وبعض الحديبية حل وبعضها حرم، وروي: أن النبي صل الله عليه وسلم كان مضربه في الحل، ومصلاه في الحرم، فيحتمل أن الذين أمرهم النبي صل الله عليه وسلم بالحلق كانوا في الحرم، وعندنا أن المحصر إذا كان في الحرم يحلق.
قيل له: النبي صل الله عليه وسلم لم يكن متمكنًا من الحرم بحال بدلالة قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] وكل موضع ذكر المسجد فيه، فالمراد به الحرم، فأخبر أنه كان مصدودًا عنه.
ثم قال: ﴿والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] ومحله الحرم، ويأتي الكلام على هذا السؤال في ذبح هدي المحصر: هل يختص بالحرم، أو لا؟
ولأنه مأمور بالذبح لأجل الإحلال، فوجب أن يكون مأمورًا بالحلق بعده.
دليله: المتمتع والقارن.
стр. 407
ولأن هدي المحصر يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات؛ لأنه يتحلل به من إحرامه، كما يتحلل من فاته الحج بعمل العمرة، ولا خلاف بأن من فاته الحج فإنه يقلق بعد عمل العمرة، كذلك المحصر يجب أن يحلق بعد ذبح الهدي عنه.
واحتج المخالف بأن الحلق خارج الحرم ليس بنسك بدليل أنه من توابع الإحرام، فأشبه الرمي.
ولا يلزم عليه الوقوف؛ لأنه ليس من توابعه، وإنما هو من أركانه وفروضه، ولأنه يقع بين التحلل فأشبه الطواف.
وإذا ثبت أنه ليس بنسك خارج الحرم لم يجب على المحصر، كسائر المباحات، ولهذا نقول: إذا كان الحصر في الحرم يجبه عليه الحلق.
والجواب: أن الحلق خارج الحرم عندنا نسك، وقد نص عليه أحمد في رواية أبي داود، ومهنا في من حلق خارج الحرم: ما أعلم عليه شيئاً، ولا بأس؛ حلق في الحرم، أو غير الحرم.
على أن قوله: (هو من [توابع الإحرام) لا] يمنع صحته خارج الحرم، كعقد الإحرام؛ فإنه ليس بمقصود عند أبي حنيفة، وإنما يدخل
стр. 408
به إلى المقصود، ومع هذا فيصح في غير الحرم.
ولأنه إذا كان الوقوف _ وهو معظم الحج _ نسكاً في غير الحرم، فأولى أن يكون كونه نسكاً.
وأما الطواف والرمي [فلما اختص ببقعة] من الحرم لهذا اختص الحرم، والحلاق لا يختص ببقعة منه، ولا فيه منفعة المساكين، فلهذا لم يختص الحرم، كالإحرام والطواف.
وعلى أنه لا يجوز أن تكون العلة كونه من توابع الإحرام؛ لأن الطواف ليس من توابعه، ويختص الحرم.
٨٢ - مسألة
إذا حلق القارن والمتمتع قبل أن يذبح، أو يرمي، فليس عليه إلا دم القران في أصح الروايتين:
نص عليه في رواية أحمد بن الحسن الترمذي في من قدم من نسكه شيئاً، أو أخره، فإن فعل ذلك جاهلاً، أو ناسياً [فلا شيء عليه]، وإن تعمد كان أشد عندي، ومن قال: لا شيء عليه إذا تعمد فقد قال بأكثر الأحاديث.
стр. 409
وظاهر هذا: أن العمد والسهو سواء في إسقاط الجبران.
وبه قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: إن فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً، فلا شيء عليه، وإن فعل ذلك عامداً فعليه دم لمخالفة الترتيب، وهو اختيار أبي بكر.
نص عليه في رواية أبي طالب في من نحر قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن ينحر، أو زار البيت قبل أن يرمي وإن كان ناسياً، فلا بأس وإن كان عامداً فلا؛ إنما هو على النسيان.
وكذلك نقل ابن مسعود عنه: أنه ذكر له قول مالك في من حلق قبل أن يرمي، فقال أحمد: إن كان جاهلاً، فلا شيء عليه، وإن كان عالماً، فعليه دم.
وقال في رواية المروذي في من قدم من نسكه شيئاً قبل شيء ناسياً: لم يكن عليه شيء، وإن فعله متعمداً [فعليه] شيء، فإن جاء بالدم فليس فيه كلام. كأنه رخص فيما هو أقل من الدم.
وظاهر هذا: أنه يجبره بما دون الدم بصدقة.
وقال أبو خيفة: إن كان متمتعاً أو قارناً فحلق قبل أن يذبح، أو يرمي، فعليه دمان؛ دم للقران أو التمتع، ودم للعلق قبل الذبح.
وقال مالك: إن حلق قبل أن يرمي فعليه دم، وان حلق قبل أن يذبح، فلا دم عليه.
стр. 410
وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر بإسناده عن عمرو بن العاص قال: رأيت رسول الله ﷺ بمنى على ناقته، فجاء رجل فقال: ما وصول الله! إني كنت أظن أن الحلق قبل النحر، فحلقت قبل أن أنحر، فقال: «أنحر، ولا حرج»، وجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله! إني كنت أظن أن الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمى، قال: «ارم، ولا حرج»، قال: فما سئل عن شيء يومئذ قدمه رجل أو أخره إلا قال: «افعل، ولا حرج».
[و] روى أحمد بإسناده عن ابن عباس: أن النبي ﷺ سئل عمن حلق قبل أن يذبح، ونحو ذلك، فجعل يقول: «لا حرج، لا حرج».
فلو كان الدم واجباً في ذلك لبينه، وأمر به.
فإن قيل: إنما نفى المأثم، ولم يتعرض لغيره.
يبين صحة هذا: ما روى في حديث عمرو بن العاص: أن رجلاً قال له: إني كنت أظن [أن] الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمي، فقال: «ارم، ولا حرج».
وروى زياد بن علاقة، عن أسامه بن شريك قال: خرجت مع النبي ﷺ حاجاً، وكان الناس يأتونه، فمن قائل يقول: يا رسول الله!
стр. 411
سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئاً، أو أخرت شيئاً، وكان يقول: «لا حرج، لا حرج إلا [على] رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك».
ولا خلاف أن تقديم السعي على الطواف لا يجوز، فعلم أن المراد ما ذكرنا.
قيل له: لو كان الدم واجباً لبينه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعلى أن السؤال مطلق عما يجب عليه الدم؛ لأنه يحتاج إلى معرفته؛ ليخرج من الواجب عليه، ويبرئ ذمته منه.
والذي روي في حديث عمرو بن العاص: أنه حلق قبل الرمي، فالخلاف فيه كالخلاف في مسألتنا، وإنا إذا قلنا: إن الحلاق نسك، فإن ترتيبه على الرمي مستحب لا يجب بتركه دم، وإن قلنا: هو إطلاق محظور، وجب الدم لتقديمه قبل التحلل.
وأما حديث أسامة بن شريك فهو محمول على أنه كان قد طاف طواف القدوم، وسعى خلفه؛ فإن هذا السعي معتد به من الفرض، ويطوف طواف الزيارة، ولا حرج عليه، فيكون الخبر محمولاً على أنه
стр. 412
قدمه على طواف [الزيارة].
والقياس: أنه ذبح يجوز العلق عقيبه، فجاز قبله.
أصله: إذا كان عليه دم الطيب واللباس وجزاء الصيد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الدم [دم] جبران، وليس بنسك، وليس كذلك في دم التمتع والقران؛ فإنه دم نسك، فكان الحلق مرتباً عليه.
قيل له: فالدم في حق المفرد دم نسك، ومع هذا فلا يترتب الحلق عليه؛ لأنه لو حلق قبل أن يذبح لم يلزمه دم لأجل ذلك.
فإن قيل: الدم في حق المفرد تطوع، وليس بواجب، والدم الذي يثبت في حق القارن والمتمتع واجب، فلهذا اعتبر الترتيب فيه.
قيل له: طواف القدوم غير واجب، ومع هذا فإن السعي يترتب عليه، فلو كان الترتيب في الحلق مستحق لاستوى فيه التطوع والواجب؛ كطواف القدوم مع السعي.
ولأن كل حالة جاز للمفرد أن يخلق رأسه فيها، جاز للقارن أن يحلق رأسه فيها.
دليله: بعد الذبح.
وإذا شئت قلت: حلق بعد الرمي، فلم يلزمه دم، كما لو حلق بعد الذبح.
والعبارة الأولى أجود؛ لأنه لو حلق قبل الرمي كان حكمه عندنا
стр. 413
حكمه قبل الرمي إذا قلنا: إن الحلاق نسك.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فنهى عن الحلق قبل الذبح، ومخالفنا لا ينهى عنه، بل يبيحه، وإذا ثبت أنه منهي عنه ثبت أنه يلزمه دم؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما.
قال: وليس لقاتل أن يقول: إن الآية نزلت في المحصر، وخلافنا في القارن؛ لأنها عامة، ونزولها على سبب لا يمنع عمومها، ولأن من قال: الحلق نسك، لا يفرق بين المحصر وغيره في أن للمحصر أن يحلق قبل أن يذبح.
والجواب: أنا نحمل ذلك على الاستحباب؛ لأنا نستحب الترتيب دون الإيجاب.
وهكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]؛ يعني: الحلق.
وهكذا الجواب عن قول النبي ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، وكانوا محصرين في الحرم.
واحتج بأن هذه مناسك تفعل بحكم الإحرام المتقدم، فوجب أن
стр. 414
لا يباح ترك الترتيب فيها، كالطواف، والسعي، والرمي، وطواف الصدر، ومخالفنا يقول: الأفضل أن يرتب، فإن تركه جاز، وإذا ثبت أنه منهي عن ترك الترتيب، ثبت أنه يجب دم؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما.
والجواب: أن المروذي قال: سئل أبو عبد الله عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل البيت، [فقال]: لا يجوز حتى يبدأ بالبيت، وذهب إلى قول سفيان: يعيد إذا كان عامداً، فإذا كان جاهلاً أرجو.
وظاهر هذا: أن الترتيب يسقط في ذلك في حال النسيان.
ونقل ابن منصور: وقد سئل عن من بدأ بالصفا والمروة قبل البيت، [فقال]: لا يجزئه.
وظاهر هذا: إيجاب الترتيب في العمد والسهو، وهو المذهب الصحيح.
ونقل ابن منصور وطاهر في موضع آخر: إذا طاف بالصفا والمروة قبل البيت في العمرة، ثم حلق، عليه دم.
وظاهر هذا: أنه يجزئه، ويجبره بدم، ويكون الفرق بينهما: أن السعي لما كان مرتباً على الطواف لم يفترق الحال بين طواف الفرض وبين طواف التطوع.
وكان يجب _ أيضاً _ أن يعتبر مخالفنا الترتيب في الذبح التطوع والفرض.
ولأن ترتيب السعي مع الطواف معتبر في حق المفرد والقارن
стр. 415
سواء، كذلك يجب أن نقول في الحلق مع الذبح: يستوي فيه القارن والمتمتع والمفرد.
واحتج بأنه قدم الحلاق على الذبح، فلزمه دم، كما لو قدمه على الرمي.
والجواب: أنا إذا قلنا: إن الحلاق نسك، فلا دم عليه، ولا يجب الترتيب بينه وبين الرمي، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الترمذي، وقد سوى بينهما _ أيضاً _ في رواية أبي طالب وابن مسعود.
وإن قلنا: الحلاق إطلاق محظور، وجب عليه دم.
ولأنه حلق قبل التحلل الأول، كما لو تطيب، أو لبس.
ويقابل هذا بمثله بأنه حلق قبل الرمي، أشبه إذا حلق بعد الذبح، وهكذا الحكم فيه إن قاسوا ترتيب الرمي على الطواف، فإنه غير واجب.
٨٣ - مسألة
إذا أخر الحلاق عن أيام النحر لم يلزمه دم في أصح الروايتين:
رواها صالح في من لم يحلق حتى مضت أيام منى: فإن جاء بدم، فلا بأس، وإن لم يجيء فأرجو أن لا يكون عليه شيء.
وكذلك نقل حرب عنه في امرأة نسيت أن تأخذ من شعرها حتى
стр. 416
خرجت من مكة، ثم أخذته بعد ذلك بأيام: أرجو أن لا يكون به بأس، وإن تصدقت بشيء أحب إلي.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: يلزمه دم.
نص عليه في رواية مهنا في امرأة حجت، فنفست، فلم تأخذ من شعرها حتى خرجت من مكة بعد أيام: يكون عليها دم.
وبه قال أبو حنيفة.
وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأجاز فعله بعد بلوغ الهدي، ولم يخصه بوقت.
وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، قيل: هو الحلق، ولم يخصه بوقت، وإذا لم يختص بوقت لم يجب بتأخيره دم.
والقياس أنه فعله في وقت جوازه، فلم يجب بتأخيره إليه دم، كالسعي.
ولهذه العلة قلنا: إن الطواف غير موقت بأيام النحر.
ولا يلزمه عليه إذا أخر صوم دم المتعة، أو أخر دم المتعة عن وقته؛ لأن فيه روايتين، والصحيح أنه لا يجب به دم.
فان قيل: المعنى في السعي: أنه لا يجب فعله في الإحرام، فهو كطواف الصدر، والحلق يجب فعله في الإحرام، فأشبه الرمي.
قيل له: علة الأصل تبطل بالرمي في اليوم الثاني والثالث؛ لم
стр. 417
يجب فعله في الإحرام، ومع هذا يجب بتأخيره دم.
وقوله: (وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يفعل في الإحرام، فهو كالرمي والوقوف) فالمعنى في الرمي: أنه ليس بوقت لجواز فعله، فلهذا وجب عليه الدم بتأخيره، وليس كذلك الحلق؛ لأنه أخره إلى وقت جواز فعله، فهو كالسعي.
ولأن ما بعد هذه الأيام الثلاثة وقت يجوز فيه الحلق، فلم يجب بالتأخير إليه دم.
دليله: إذا أخره إلى اليوم الثاني.
فإن قيل: المعنى هناك: أنه لم يؤخره عن وقته، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أخره عن وقته.
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأنه غير مؤقت عندنا.
وإن شئت احترزت عن تأخير صوم الثلاثة بأنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، والصيام بدل عن النسك، وليس بنسك، ولتأخير البدل تأثير في إيجاب الفدية بدليل قضاء رمضان إذا أخره.
واحتج المخالف بأنه نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون مؤقتا، كالوقوف والرمي.
ولهذه العلة قلنا: إن الطواف مؤقت بأيام النحر.
ولا يلزم عليه السعي؛ لأنه لا يجب فعله في الإحرام؛ لأنة يجوز أن يفعله بعد طواف الزيارة، وبعد طواف الزيارة لا يكون محرماً.
стр. 418
والجواب: أن قوله: (يجب فعله في الإحرام) لا تأثير له؛ لأن ما لا يجب فعله في الإحرام وما يجب سواء بدليل الرمي؛ لا يجب في الإحرام، ومع هذا يجب بتأخيره الدم.
ثم المعنى في الأصل: أن ذلك أخره عن وقت جواز فعله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لم يؤخره عن وقت جواز فعله، فهو كالسعي.
واحتج بأنه موضوع للإحلال من الإحرام، فأشبه الطواف.
والجواب: أن الطواف غير مؤقت عندنا، ولا يجب بتأخيره دم مثل مسألتنا، ويأتي الكلام عليه، إن شاء الله.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إذا أخر صوم التمتع عن وقته وجب بتأخيره دم، هلا قلتم هاهنا كذلك؟
قيل: في ذلك روايتان، والصحيح: أنه لا دم فيه.
على أن صوم دم التمتع ليس بنسك، وإنما هو بدل عن النسك، وقد يجب بتأخير البدل ما لا يجب بتأخير المبدل بدليل قضاء رمضان؛ يجب بتأخيره فدية، ولا تجب بتأخير رمضان.
٨٤ - مسألة
إذا حلق المحرم رأس حلال، فلا شيء عليه:
نص عليه في رواية ابن منصور، وحرب، ومهنا:
стр. 419
فقال في رواية ابن منصور: وقد سئل: يقصر المحرم رأس الحلال؟ قال: نعم.
وفي رواية مهنا: إذا حلق المحرم رأس حلال، وهو نائم، أو كاره، لا كفارة عليه.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية؛ يطعم شيئاً.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا خطاب للمحرمين، [فنهاهم] من حلق رؤوسهم، فدل على أن لهم أن يحلقوا رؤوس المحلين.
فإن قيل: تقديره: لا يحلق أحد رأسه، ولا رأس غيره، كما قال تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، لا يقتل أحد نفسه، ولا نفس غيره.
قيل له: قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] خطاب للمحرمين، فلا يدخل فيهم غيرهم، وقوله: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ خطاب لجميع المكلفين، وكان ذلك في المكلفين بمنزلة قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ في المحرمين.
فإن قيل: العادة أنهم لا يحلقون رؤوسهم، وإنما يحلقون رؤوس
стр. 420
غيرهم، فحمل النهي على ذلك.
قيل له: قد ثبت أن هذا خطاب للمحرمين، فإن لم يتأت فعله في نفسه، حمل على فعله في محرم مثله؛ لأن قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا﴾ خطاب لكل واحد منهم، وقوله: ﴿رُءُوسَكُمْ﴾ لفظ الجمع المعرف فيقتضي جنس رؤوس المحرمين.
والقياس: أنه حلق شعر محل، فلا يلزمه الفدية.
دليله: إذا كان الحالق حلالاً.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه إذا حلق شعر نفسه لم تلزمه الفدية، وكذلك إذا حلق شعر محل، وليس كذلك المحرم؛ [فإنه] إذا حلق شعر نفسه لزمته الفدية.
قيل: إذا كان الحالق حلالاً فاستوى شعره وشعر المحلوق؛ لأن كل واحد منهما شعر محل، فلم تختلف [ ...... ] الفدية، وليس كذلك إذا كان الحالق محرماً؛ لأن شعره مخالف لشعر المحل، فلهذا افترقا في وجوب الفدية.
وقياس آخر: وهو: أنه شعر لا يختلف باختلاف المكان، فإذا لم يضمنه المحل لم يضمنه المحرم قياساً على شعر البهيمة.
أو نقول: كل شعر لم يضمنه المحل لم يضمنه المحرم قياساً
стр. 421
على شعر البهيمة.
ولا يدخل عليه شعر الصيد؛ لأنه يضمنه المحل في الحرم.
أو نقول: شعر لا يتعلق بمنبته حرمه الإحرام، أشبه شعر البهيمة.
وقياس آخر، وهو: أنه معنى يراد للترفه، فإذا فعله المحرم بالمحل لم يلزمه الضمان، كالطيب واللباس.
وعبر عن هذا المعنى بعضهم، فقال: عبر على المحل كراهية المحرمين، فلم يلزمه فدية.
دليله: اللبس.
وهذا ينتقض بالمحرم إذا وطئ المحلة، فإنه يلزمه الفدية، وقد عبر على المحلة هيئة المحرمات، والصحيح ما ذكرنا.
فان قيل: فرق بينهما، وذلك أن اللبس والطيب غير محرم على المحرم في حال العذر على الإطلاق؛ لأن له لبس الإزار والرداء، وإنما نهي عن لبسه على صفة، وهو أن يشتمل عليه بالخياطة.
وكذلك لم ينهه عن التطيب على الإطلاق؛ لأن له أن يلبس ثوباً
стр. 422
مبخراً بعود وند.
وليس كذلك الحلق؛ فإنه محرم على المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق وغيره.
دليله: قتل الصيد.
قيل له: هذا ينتقض بقتل الصيد؛ فإن المحرم يمنع من قتله على الإطلاق في غير حال العذر؛ لأن صيد البحر من جمله الصيد، ومع هذا فلا يمنع منه، وكذلك الذئب عندهم هو صيد لا يمنع، ومع هذا لا يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق غيره، وكذلك لحم الصيد ليس بمجرم على المحرم إذا لم يصد لأجله، ولحمه يجرى مجرى الصيد في باب التحريم إذا ذبح لأجله.
وعلى أن الحلاق واللباس فد تساويا في حق المحرم في إيجاب الفدية عليه، وإن كانا يختلفان من الوجه الذي ذكروه، وهو: أن اللبس يباح في غير حال العذر، والحلق لا يباح، يجب _ أيضاً _ أن يتساويا في حق المحل.
وعلى أن أكثر ما في هذا [أن] تحريم الحلاق أعم من تحريم اللبس، وهذا لا يوجد الفرق بينهما في باب الضمان، ألا ترى أن كل ما يؤكل لحمه من الحيوان لا يباح قتله لغير ضرورة، وما يباح أكله
стр. 423
[يقتل] للضرورة ولغيرها، ثم يتساويان في الضمان في حق الأجنبي إذا أتلفه عليه، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأنه محرم حلق شعر الآدمي، فوجب أن تلزمه الفدية، كما لو حلق رأس نفسه، أو رأس محرم آخر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لو ألبسه المخيط أو طيبه وجب عليه الفدية، فكذلك إذا حلقه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لو ألبسه أو طيبه لم تلزمه الفدية، وليس كذلك هاهنا؛ لأن منبته لا تتعلق به حرمة الإحرام.
ولأن شعر المحرم مضمون بالدم، وما اختلفنا فيه مضمون بالصدقة، فلو كانا سواء لوجب أن يتساويا في مقدار الضمان.
واحتج بأنه معنى نهي عنه المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه، وحق غيره.
دليله: الصيد.
قالوا: ولا يلزم عليه إذا ألبس غيره، أو طيبه؛ أنة لا فدية؛ لأنه لم ينه عن اللبس على الإطلاق، إنما نهي عن لبس على صفة هي المخيط، وكذلك الطيب؛ لم ينه عن ثوب مبخر بعود.
والجواب: أنا قد بينا: أن الصيد لم يمنع منه المحرم على الإطلاق
стр. 424
في حال العذر من الوجه الذي ذكرنا.
وعلى أن الصيد قد يحرم إذا كان للمحل على المحل، ويجب الجزاء بقتله، وهذا إذا كان في المحرم، ولا يحرم شعر المحل على المحل بحال، ولا تجب الفدية عليه بحلقه.
ولأن الله _ تعالى _ أطلق تحريم الصيد بقوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، فلهذا استوى صيده وصيد غيره، وقيد الحلق فقال: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا خطاب للمحرمين خاصة من الوجه الذي ذكرنا، فبان الفرق بينهما.
ولأن الصيد لما منع من قتله في حقه وحق غيره استوى الجزاء، فلو كان الحلق كذلك لاستوى، ولما فرق بينهما، فقال: في شعر المحرم دم، وفي شعر الحلال صدقة، دل على الفرق بينهما.
فإن قيل: اختلافهما في المقدار لا يمنع استواءهما في وجوب الفدية فيهما، كما أن اختلاف المقدار الواجب في شعرة واحدة وفي ثلاث شعرات لا يمنع استواهما في الوجوب، وإنما اختلفا في المقدار؛ لأنه إذا حلق رأس نفسه حصل له الانتفاع به، وإذا حلق رأس غيره حصل الانتفاع به للمحلوق.
قيل له: إنما اختلف المقدار فيما دون الثلاث؛ لأنه لا يقع عليه اسم الجمع المطلق، ويقع على الثلاث، وليس كذلك هاهنا؛ لأن اسم الجمع المطلق قد وجد، وعند مخالفنا ربع الرأس في حق الحلق، فلو
стр. 425
كان ممن تتعلق به الفدية، لوجب أن يستوي حكمه في حقه، كما استوى في حق المحرم.
واحتج بأن الاعتبار بالمحرم، لا بالشعر، كما أن الاعتبار به، لا بالصيد، ألا ترى أن رجلاً لو كان في الحرم، فرمى صيداً في الحل، لزمه الجزاء، وإن كان الصيد في الحل مباحاً؛ لأن حال الرجل يحظر الصيد، كذلك إذا حلق رأس الحلال يجب أن تلزمه الفدية؛ لأن حاله يحظر حلق الشعر.
والجواب: أنه لما كان الاعتبار به في مثل الصيد، لا بالصيد، لزمه بقتل صيد الحل ما يلزمه بقتل صيد الحرم، فلو كان الاعتبار به، لا بالسفر، لوجب أن يلزمه بذلك ما يلزم المحرم.
٨٥ - مسألة
إذا حلق الحلال رأس المحرم، وهو نائم، أو مكره، فالفدية على الحالق:
وذكره أبو بكر في كتاب «الخلاف» عن أحمد في رواية ابن منصور.
وقياس المذهب يقتضيه في المحرمة إذا جومعت مستكرهة:
следующие страницы →