Полный текст (1 579 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
على شعر البهيمة.
ولا يدخل عليه شعر الصيد؛ لأنه يضمنه المحل في الحرم.
أو نقول: شعر لا يتعلق بمنبته حرمه الإحرام، أشبه شعر البهيمة.
وقياس آخر، وهو: أنه معنى يراد للترفه، فإذا فعله المحرم بالمحل لم يلزمه الضمان، كالطيب واللباس.
وعبر عن هذا المعنى بعضهم، فقال: عبر على المحل كراهية المحرمين، فلم يلزمه فدية.
دليله: اللبس.
وهذا ينتقض بالمحرم إذا وطئ المحلة، فإنه يلزمه الفدية، وقد عبر على المحلة هيئة المحرمات، والصحيح ما ذكرنا.
فان قيل: فرق بينهما، وذلك أن اللبس والطيب غير محرم على المحرم في حال العذر على الإطلاق؛ لأن له لبس الإزار والرداء، وإنما نهي عن لبسه على صفة، وهو أن يشتمل عليه بالخياطة.
وكذلك لم ينهه عن التطيب على الإطلاق؛ لأن له أن يلبس ثوباً
стр. 422
مبخراً بعود وند.
وليس كذلك الحلق؛ فإنه محرم على المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق وغيره.
دليله: قتل الصيد.
قيل له: هذا ينتقض بقتل الصيد؛ فإن المحرم يمنع من قتله على الإطلاق في غير حال العذر؛ لأن صيد البحر من جمله الصيد، ومع هذا فلا يمنع منه، وكذلك الذئب عندهم هو صيد لا يمنع، ومع هذا لا يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق غيره، وكذلك لحم الصيد ليس بمجرم على المحرم إذا لم يصد لأجله، ولحمه يجرى مجرى الصيد في باب التحريم إذا ذبح لأجله.
وعلى أن الحلاق واللباس فد تساويا في حق المحرم في إيجاب الفدية عليه، وإن كانا يختلفان من الوجه الذي ذكروه، وهو: أن اللبس يباح في غير حال العذر، والحلق لا يباح، يجب _ أيضاً _ أن يتساويا في حق المحل.
وعلى أن أكثر ما في هذا [أن] تحريم الحلاق أعم من تحريم اللبس، وهذا لا يوجد الفرق بينهما في باب الضمان، ألا ترى أن كل ما يؤكل لحمه من الحيوان لا يباح قتله لغير ضرورة، وما يباح أكله
стр. 423
[يقتل] للضرورة ولغيرها، ثم يتساويان في الضمان في حق الأجنبي إذا أتلفه عليه، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأنه محرم حلق شعر الآدمي، فوجب أن تلزمه الفدية، كما لو حلق رأس نفسه، أو رأس محرم آخر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لو ألبسه المخيط أو طيبه وجب عليه الفدية، فكذلك إذا حلقه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لو ألبسه أو طيبه لم تلزمه الفدية، وليس كذلك هاهنا؛ لأن منبته لا تتعلق به حرمة الإحرام.
ولأن شعر المحرم مضمون بالدم، وما اختلفنا فيه مضمون بالصدقة، فلو كانا سواء لوجب أن يتساويا في مقدار الضمان.
واحتج بأنه معنى نهي عنه المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه، وحق غيره.
دليله: الصيد.
قالوا: ولا يلزم عليه إذا ألبس غيره، أو طيبه؛ أنة لا فدية؛ لأنه لم ينه عن اللبس على الإطلاق، إنما نهي عن لبس على صفة هي المخيط، وكذلك الطيب؛ لم ينه عن ثوب مبخر بعود.
والجواب: أنا قد بينا: أن الصيد لم يمنع منه المحرم على الإطلاق
стр. 424
في حال العذر من الوجه الذي ذكرنا.
وعلى أن الصيد قد يحرم إذا كان للمحل على المحل، ويجب الجزاء بقتله، وهذا إذا كان في المحرم، ولا يحرم شعر المحل على المحل بحال، ولا تجب الفدية عليه بحلقه.
ولأن الله _ تعالى _ أطلق تحريم الصيد بقوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، فلهذا استوى صيده وصيد غيره، وقيد الحلق فقال: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا خطاب للمحرمين خاصة من الوجه الذي ذكرنا، فبان الفرق بينهما.
ولأن الصيد لما منع من قتله في حقه وحق غيره استوى الجزاء، فلو كان الحلق كذلك لاستوى، ولما فرق بينهما، فقال: في شعر المحرم دم، وفي شعر الحلال صدقة، دل على الفرق بينهما.
فإن قيل: اختلافهما في المقدار لا يمنع استواءهما في وجوب الفدية فيهما، كما أن اختلاف المقدار الواجب في شعرة واحدة وفي ثلاث شعرات لا يمنع استواهما في الوجوب، وإنما اختلفا في المقدار؛ لأنه إذا حلق رأس نفسه حصل له الانتفاع به، وإذا حلق رأس غيره حصل الانتفاع به للمحلوق.
قيل له: إنما اختلف المقدار فيما دون الثلاث؛ لأنه لا يقع عليه اسم الجمع المطلق، ويقع على الثلاث، وليس كذلك هاهنا؛ لأن اسم الجمع المطلق قد وجد، وعند مخالفنا ربع الرأس في حق الحلق، فلو
стр. 425
كان ممن تتعلق به الفدية، لوجب أن يستوي حكمه في حقه، كما استوى في حق المحرم.
واحتج بأن الاعتبار بالمحرم، لا بالشعر، كما أن الاعتبار به، لا بالصيد، ألا ترى أن رجلاً لو كان في الحرم، فرمى صيداً في الحل، لزمه الجزاء، وإن كان الصيد في الحل مباحاً؛ لأن حال الرجل يحظر الصيد، كذلك إذا حلق رأس الحلال يجب أن تلزمه الفدية؛ لأن حاله يحظر حلق الشعر.
والجواب: أنه لما كان الاعتبار به في مثل الصيد، لا بالصيد، لزمه بقتل صيد الحل ما يلزمه بقتل صيد الحرم، فلو كان الاعتبار به، لا بالسفر، لوجب أن يلزمه بذلك ما يلزم المحرم.
٨٥ - مسألة
إذا حلق الحلال رأس المحرم، وهو نائم، أو مكره، فالفدية على الحالق:
وذكره أبو بكر في كتاب «الخلاف» عن أحمد في رواية ابن منصور.
وقياس المذهب يقتضيه في المحرمة إذا جومعت مستكرهة:
стр. 426
لا كفارة عليها.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: الفدية على المحلوق رأسه.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
دليلنا: قول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي عن ما استكرهوا عليه».
والمحرم مستكره، فيجب أن يعفى عنه.
ولأنه شعر زال عن رأسه من غير صنع من جهته، فلم تلزمه الفدية، كما لو تمعط شعره بمرض.
فإن قيل: لو كان كذلك، لما وجبت الفدية أصلاً، كما لا تجب بالتمعط.
قيل له: إنما يجب الضمان في الأصل بحال؛ لأنه ليس هناك حالق يتوجه عليه الضمان، وفي مسألتنا حالق يتوجه عليه الضمان، فأوجبنا الفدية عليه، وهذا كما نقول في المودع: إذا تلفت الوديعة في يده بمرض لم يجب الضمان على أحد، فإذا أتلفها غير المودع لم يجب الضمان على المودع، ووجب على المتلف، كذلك هاهنا.
стр. 427
واحتج المخالف بأن الانتفاع بالحلق حصل للمحرم، فوجب أن تكون الفدية عليه دون غيره، كما لو حلقه بأمره.
ولا يلزم عليه إذا تمعط لعلة؛ لأن الفدية لم تجب أصلًا.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الشعر زال بصنع من جهته، فلزمه الضمان، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه زال من غير صنع من جهته، فلم يضمن، وهما سواء؛ لأن المحرم مأمور حفظ شعره، كالمودع.
واحتج بأن الانتفاع بالحلق للمحرم، فلو أسقطنا الفدية عنه لأسقطناها للعذر لا يمنع وجوب الفدية بدلالة وجوبها على من كان به أذى من رأسه فحلقه، أو كان ناسيًا.
والجواب: أن فريقًا بين العذر بالمرض، وبين العذر بالإكراه، ألا ترى أنه لو احتاج إلى الفطر، لزمه القضاء، ولو صب الماء في حلقه لم يفطر، ولم يلزمه القضاء، فدل على الفرق بينهما.
٨٦ - مسألة
إذا حلق المحرم شعر المحرم بإذنه، فعلى المحلوق شعره فدية، ولا شيء على الحالق:
وقال أبو حنيفة: عليه صدقة، كما قالوا في المحرم إذا حلق شعر المحل.
стр. 428
دليلنا: أنه شعر زال عن المحرم باختياره، فلم يلزم غيره ضمانه.
دليله: لو كان الحالق محلًا.
ولأنه محرم حصل له ترفه باختياره، فلم يلزم الفاعل به ذلك ضمانه.
دليله: لو طيبه، أو ألبسه.
ولا يجوز القياس عليه إذا حلق بغير إذنه؛ لأن الشعر زال عن المحرم بغير اختياره بالتفريط من الحالق، فلزمه الضمان.
٨٧ - مسألة
الحلق في الإحرام نسك يثاب على فعله ويعاقب على تركه:
نص عليه في مواضع ابن إبراهيم، وأبي داود: تقصر المرأة من جميع رأسها قدر الأنملة.
وقال في رواية حنبل والميموني: إن شاء قصر، وإن شاء حلق، والحلق أفضل.
وقال في رواية منها: إذا أخت المرأة التقصير حتى خرجت أيام منى، فعليها دم.
стр. 429
وقال- أيضًا- في رواية بكر بن محمد: إذا اعتمر الرجل، فلابد من أن يحلق، أيقصر، ولا يعتمر حتى شعره، فيمكن حلقه، أو يقصره.
وقال في رواية أبي داود: يعجبني إذا دخل متمتعًا أن يقصر؛ ليكون الحلق للحج.
وهذا كله يدل على أنه نسك، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: إطلاق محظور، كاللباس والطيب.
دليلنا: قوله تعالى:﴾ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴿] الحج: ٢٩ [.
روى ف التفسير: أن المراد به الحلق، وروى: بقايا أفعال الحج مثل رمي الجمار، ونحوه، وهو عليهما جميعًا.
وإذا ثبت أن الحلق من قضاء التفث وقد أمر الله به، وجب أن يكون نسكًا.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴿] الفتح: ٢٧ [.
فامتن علينا بدخولنا على هذه الصفة، فدل على أن الفضل يحصل بها.
ولأنه عبر عن الإحرام بالحلق والتقصير، ولا يعبر عن العبادة إلا
стр. 430
بما هو منها، كقوله:﴾ وَقُرءَانَ الفَجرِ ﴿] الإسراء: ٧٨ [.
ويدل عليه ما روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول الله!
والمقصرين؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا سول الله!
والمقصرين؟ قال: «والمقصرين».
فدعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة واحدة، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء.
فإن قيل: إنما دعا لهم؛ لأن فيه قربة، وهو النظافة.
قيل له: هذا المعنى لا يوجد في التقصير، وقد دعا للمقصرين.
ويروى: أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «اذبحوا، واحلقوا».
فأمرهم بالحلق، وأمره على الوجوب، فدل على لسانه أنه نسك.
ولأن الأمة قد نقلت من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا الحلق للحاج قولًا وفعلًا، كما نقلت سائر المناسك، فدل على أنه نسك، وليس من الأفعال المباحة.
ولأن هذه عبادة لها إحلال وإحرام، فوجب أن يكون من محظوراتها
стр. 431
ما هو قربة فيها، كالصلاة من محظوراتها ما هو واجب فيها.
أصله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأنه محظور في الإحرام، فوجب أن يكون في وقته إطلاق محظور قياسًا على الطيب واللبس وقتل الصيد.
والجواب: أن كونه محظورًا ف حال الإحرام لا يمنع أن يكون قربة عند الإحلال، كالسلام هو محظور في الصلاة، كالكلام والمشي ونحو ذلك ثم يكون مسنونًا في آخرها.
ثم المعنى في سائر المحظورات: أن الشرع لم يرد باستحقاق الثواب عليه، فلهذا لم يكن نسكًا، هاهنا قد ورد، فلهذا كان نسكًا.
واحتج بأنه لو كان من أعمال الحج لوجب إذا فعله قبل وقته] أن [لا يتعلق به وجوب الدم، كالطواف والرمي.
والجواب: أن السلام قربة في الصلاة عند التحلل منها، ثم إذا قدمه على وقته على سبيل السهو تعلق به الجبران، كذلك لا يمنع أن يقع التحلل بالحلق، وإذا قدمه على وقته تعلق به الجبران، وهو الدم.
فإن قيل: لو كان الحلاق يجري مجرى السلام لوجب أن يقع التحلل به، كما يقع بالسلام.
قيل له: في ذلك روايتان:
стр. 432
إحداهما: أن التحلل يقع به وبالرمي، كما يقع التحلل من الصلاة بالسلام.
وقد نص على هذا في مواضع:
فقال في رواية أبي داود في من دخل بعمة، فلم يقصر حتى كان يم التروية: فهذا لم يحل بعد، يقصر، ثم يهل بالحج، ولا شيء عليه، وبئس ما صنع.
ونقل عنه في موضع آخر في المعتمر يقع بامرأته قبل أن يقصر: عليه الفدية.
وكذلك نقل أبو طالب في معتمر طاف فوقع على امرأته قبل أن يسعى: فسدت عمرته وعليه مكانها، وإن طاف وسعى، ثم وطئ قبل أن يحلق، فعليه دم.
وقال- أيضًا- في رواية الأثرم في معتم حل من عمرته، فوقع على امرأته قبل أن يقصر، فعليه دم؛ يذبح شاة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن إبراهيم في محرم وقع بأهله قبل أن يقصر قال: عليه دم.
وهذا صريح في أنه لا يقع التحلل قبل الحلق، أو التقصير، وإنما يقع به، وبه جاءت السنة:
فروى أحمد في «المسند» بإسناده عن عائشة قالت: قال
стр. 433
رسول الله ﷺ : «إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء».
فعلق التحلل بالرمي، والحلاق.
ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم، فوجب أن يقع التحلل منها بمعنى محظور عليه فيها خلال الإحرام، كالصلاة.
فعلى هذا لا يلزم السواك.
وفيه رواية أخرى: يقع التحلل برمي الجمرة، ولا يقف عليه.
أومأ إليه في رواية أبي الحارث فقال: الإحرام قائم عليه، فإذا رمي الجمرة فقد انتقض إحرامه.
وقال- أيضا- في رواية ابن منصور: وقد سئل عن المحرم يغسل رأسه قبل أن يحلقه، فقال: إذا رمى الجمرة فقد انتقض إحرامه، إن شاء غسله.
وقال في رواية ابن منصور في الذي يصيب أهله في العمرة قبل أن يقص: الدم لها كثير.
وهذا يقتضي أنه قد تحلل؛ لأنه لو كان الإحرام باقيًا لأوجب الدم؛ لأنه قد نص على أنه من وطئ في العمرة عليه شاة في رواية أبي طالب.
стр. 434
فعلى هذا: لا يمنع هذا كونه نسكًا، وإن لم يقع التحلل به، كالمبيت في المزدلفة، ورمي الجمار في اليوم الثاني والثالث.
وقد روى أحمد في «المسند» بإسناده عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : «إذا ميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيٍء إلا النساء».
وهذا نص في أن التحلل يقع بالرمي فقط.
٨٨ - مسألة
إذا كان المحرم أصلع، أو محلوق الرأس، استحب إمرار الموسى على رأسه، ولم يجب عليه:
وقد قال: أحمد في راية المروذي في المتمتع: إذا دخل يوم التروية فأعجب إلي أن يقصر، إن دخل في العشر، فأراد أن يحلق حلق، فإن هو دخل في يوم التروية، فحلق فلا بأس به، ويمر الموسى على رأسه يوم الحلق.
وهذا محمول على طريق الاستحباب؛ لأنه قد قال في رواية بكر ابن محمد: لا يعتمر حتى يخرج شعره، فيمكن حلقه، أو تقصيره.
وهذا يدل على أن إمرار الموسى لا يجب، ولا يقوم مقام الحلق.
وقال أبو إسحاق في «تعاليق كتاب العلل»: قد قال أحمد في الذي
стр. 435
يولد، وليس له شيء: كأنه مختون، يمر الموسى على الموضع، كما قال ابن عمر في الأصلع.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجب.
دليلنا: قوله تعالى:﴾ مُحَلِقِينَ رُءُوسَكُم وَمُقَصِرِينَ ﴿] الفتح: ٢٧ [والمراد به: شعور رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق، ولا يقصر، فإذا لم يكن على رأسه شعر لم يتناوله الأمر.
ولأن إمرار الموسى لو كان حلقًا لوجب إذا فعله قبل التحلل أن يجب به الفدية، فلما لم يجب به ثبت أنه ليس بحلق يؤمر به حال التحلل.
ولأن الفرض تعلق بشعر الرأس مع وجوده، فإذا عدم الشعر سقط الفرض، كالطهارة لما تعلقت بالعضو سقطت بعدم العضو.
فإن قيل: فيجب أن لا يستحب إمرار الموسى على رأسه لعدم الشعر.
قيل له: لا فرق بين الأصل والفرع في باب الاستحباب، فإنه يستحب له أن يمر الماء على محل القطع وإن لم يجب، كما نستحبه هاهنا.
نص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله: من قطعت يده من المرفق يغسل الموضع الذي قطع؛ يدير الماء بيده الأخرى.
стр. 436
وقال في رواية مهنا: المتيم يمسح الموضع الذي قطع بالتراب.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عمر: أنه قال في الأصلع: يمر الموسى على رأسه.
ولا يعرف له مخالف ذكره النجاد بإسناده.
والجواب: أن هذا محمول على الاستحباب دون الإيجاب.
واحتج بأنها عبادة متعلقة بالرأس، فإذا لم يكن عليه شعر تعلقت ببشرة الرأس، كالمسح.
والجواب: أنه مأمور في الطهارة بمسح الرأس، والماسح على بشرة الرأس يسمى ماسحًا، فجاز أن تتعلق العبادة بها، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه مأمور بحلق الرأس، وهذا لا يسمى حالقًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يؤمر بالتشبه بالحالق، وإن لم يسم حالقًا، كما أن من أصبح في أول يوم من رمضان، وهو يظن أنه من شعبان، فأكل، ثم استبان له في بعض النهار أنه من رمضان، فإنه يؤمر بالتشبه بالصائم بالإمساك، وإن لم يسم صائمًا.
قيل: إنما لزمه الإمساك هاهنا، وإن لم يكن صائمًا؛ لأن الصيام
стр. 437
لزمه باطنًا، ومحل الصوم باٍق، فلزمه الإمساك، وهاهنا محل الفرض متعلق بالشعر، وذلك غير موجود، فمثاله: أن يستبين له أنه كان من رمضان بعد دخول الليل، فلا يلزمه الإمساك بفوات الزمان.
ويبين صحة هذا: أن فرض المسح تعلق بالرأس دون الشعر بدلالة أنه لو كان الشعر على بعض رأسه دون بعض كان بالخيار عندهم؛ إن شاء مسح على البشرة، وإن شاء مسح على الشعر، فلم يسقط الفرض لعدم الشعر.
وفي الحلق تعلق بالشعر بدلالة أنه لو كان الشعر في بعض رأسه دون بعض، لم يجز له إمرار الموسى على البشرة، فإذا عدم ما تعلق به الفرض سقط.
فإن قيل: تعلق الفرض به لا يوجب سقوطه بعدمه بدلالة فرض الطهارة يتعلق بالماء، ثم لا يسقط الفرض بعدمه، وكذلك الصوم في أول يوم من رمضان.
قيل له: قد بينا أن الأصول على هذا، وأن الفرض إذا تعلق بمحل مخصوص سقط بفواته، كالطهارة لما تعلقت بالأعضاء سقطت بفواتها، وكذلك الإيجاب إذا تعلق برقبة سقط بفواتها.
وأما الصيام فقد تكلمنا عليه، وأما انتقال الطهارة إلى التيمم عند عدم الماء، فذلك بالشرع لا غيره.
стр. 438
٨٩ - مسألة
إذا حلق لغير عذر لزمه دم، ولم يخير بين ثلاثة أشياء؛ كاللبس والطيب:
نص عليه في رواية سندي الحواتيمي وابن القاسم في المحرم يحلق رأسه من غير أذى ليس هو عندي بمنزلة من يحلق من إذا حلق رأسه من أذي، فهو مخير في الفدية، ومثل هذا لا ينبغي أن يكون مخيرًا.
وبهذا قال أبو حنيفة.
قال الشافعي: يخير كما لو حلق لعذر.
دليلنا: أن الله- تعالى- خير الحالق بين ثلاثة أشياء لوجود معنى، وهو الأذى، فإذا عدم المعنى لم يثبت التخيير، ووجب دم للجناية في حال الإحرام.
ولأنها كفارة وجبت بجناية في الإحرام، لا على طريق العوض، فوجب أن لا يخير بها بين الدم، والإطعام، والصوم.
أصله: الكفارة والتي تجب بالوطء.
ولا يلزم عليه جزاء الصيد؛ لأنه عوض، والحلق من
стр. 439
أذى ليس بجناية.
ولأنه دم يتعلق بمحظور يختص الإحرام، فلا نخيره بينه وبين الصوم.
أصله: الدم الذي يجب بترك الرمي ومجاوزة الميقات.
ولا يلزم عليه جزاء الصيد؛ لأنه لا يختص الإحرام، بدلالة أنه محظور في الحرم.
ولا يلزم عليه الحلق من أذى؛ لأنه غير محظور.
واحتج المخالف بأنه كفارة ثبت فيها التخيير إذا كان سببها مباحًا، فوجب أن يثبت فيها التخيير إذا كان سببها محظورًا.
أصله: جزاء الصيد.
وربما قالوا: الحلاق إتلاف، فلم يختلف حكمه لعذٍر، كقتل الصيد.
والجواب: أنه لا فرق عندك بين ما هو إتلاف، وما ليس بإتلاف؛ لأنه لبس لغير عذر، فكان مخيرًا، واللبس ليس بإتلاف.
ثم الصيد كفارته وجبت على طريق العوض، فإذا خف سببها بالإباحة، خف حكمها، وإذا تغلظ سببها بالحظر، تغلظ حكمها.
ولأن الله- تعالى- نص على التخيير في قتل الصيد في أغلظ
стр. 440
الأحوال، وهو العمد، فلما أوجب الكفارة المخففة في أغلظ الأحوال كان ذلك تنبيهًا على تخفيف حكمها فيما لم تتغلظ فيه، وهو الخطأ، والقتل بعذر.
وأما كفارة اللبس والحلق فنص على حكمها مخففة عند أخف أسبابها، فلم يجز أن يستدل على ثبوت حكم التخفيف في أغلظ الأحوال.
٩٠ - مسألة
إذا غسل المحرم رأسه بالسدر والخطمي لم تلزمه الفدية في إحدى الروايتين:
قال في رواية حنبل: المحرم يدخل الحمام، وليس عليه كفارة، ولا بأس أن يغسل المحرم رأسه وثوبه.
فقد أطلق القول في ذلك.
وقال في رواية أبي داود: حديث ابن عباس: أن رجلًا وقصته ناقته، وهو محرم، فيه خمس سنن: «كفنوه في ثوبين، ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبًا، واغسلوه بماٍء وسدٍر».
أي: في الغسلات كلها، فقد أجاز غسل الميت بالسدر.
وقال أيضًا في الحناء: ليس بطيب، ولا كفارة فيه.
стр. 441
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: فيه الفدية.
قال في رواية صالح: إذا غسل المحرم رأسه بالخطمي افتدى.
وقال أيضًا- في رواية المروذي: لا يغسل رأسه بالخطمي، ولكن يصب على رأسه الماء صبًا، ولا يدلكه.
وروى عنه محمد بن أبي حرب: وقد سئل عن المحرم يغسل بدنه بالمحلب، فكرهه، وكره الأشنان.
وبه قال أبو حنيفة.
وجه الرواية الأولى: ما روى عبد الله بن عباس: أن محرمًا خر من بعيره، فوقص، فمات، فقال النبي ﷺ : «اغسلوه بماٍء وسدٍر، ولا تقربوه طيبًا».
وذلك المحرم كان باقيًا على إحرامه عندنا وعندهم، فثبت أن المحرم غير ممنوع من استعمال ذلك.
فإن قيل: حكم الإحرام بعد الموت أخف منه في حال الحياة، فلذلك جاز استعماله.
قيل له: فيجب أن يجوز استعماله الطيب، وتغطيه الرأس والوجه.
فإن قيل: الحاجة تدعو في الميت؛ لأنه لا ينقيه غيره، فجاز
стр. 442
للحاجة، وهذا المعنى غير موجود في الحي؛ لأنه يزيل الدرن عنه بعد التحلل، فلا حاجة به إليه في الإحرام.
قيل له: قد يقوم غيره مقامه في إزالة الدرن من الأشنان ونحوه.
ولأن القصد من السدر والخطمي القصد منه النظافة وإزالة الوسخ والدرن، فهو كالأشنان والماء، وذلك لا يوجب الفدية، ويفارق الدهن؛ لأن ذلك يقصد به الترجيل وإزالة الشعث.
واحتج المخالف بأن هذا يزيل التفث، ويقتل الدواب، فهو كالحلق.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأنا قد بينا: أن القصد منه إزالة الوسخ، فهو كالأشنان.
واحتج بأنه يعتاد استعماله في الشعر، وله رائحة مستلذة، كالدهن.
والجواب: أن السفر جل والتفاح له رائحة مستلذة، ولا يوجب الفدية، وأما الدهن فيحمل به ترحيل الشعر، ولأنه طيب.
واحتج بأن الشعر تارة يستصلح ما يغسل به، وتارة بما يدهن به، فإذا وجبت الفدية بأحدهما، جاز أن تجب بالآخر.
والجواب عنه: ما تقدم.
стр. 443
٩١ - مسألة
إذا قلم ثلاثة أظفار فصاعدًا، ففيها دم، وإن قلم أقل من ذلك، فهو على الروايات التي تقدمت في حلق الشعر:
وقد قال أحمد في رواية مهنا في محرم قص أربع أصابع من يده: فعليه دم، قال عطاء: في شعره مد، وفي شعرتين مدان، وفي ثلاث شعرات فصاعدًا دم. والأظفار أكث من ثلاث شعرات.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن قص خمسة أظفار من يد واحدة، أو رجل واحدة، وجب عليه دم، وإن كان أقل من ذلك، فعليه صدقة في كل ظفر نصف صاع حنطة.
ولأنه قص خمسة أظفار من يدين، أو رجلين، كان عليه اسم الجمع المطلق، لم يلجه الظفر إليه، وأشبه إذا قلم أظفاره يده.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد استعمل منفعة إحديهما، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لم يستعمل.
قيل له: يبطل به إذا حلق ربع رأسه؛ فإنه لم يستعمل المنفعة، ومع هذا ففيه دم.
ولأن القليل لا يوجب الدم، وهو ظفر واحد، والكثير يوجبه،
стр. 444
وأقل ما يتعلق به حكم الكثرة في الأصول هو ثلاثة، وكانت حدًا فاصلًا بين ما يوجب وما لا يوجب بقلم خمسة أظفار، ولا يوجب بقلم ستة عشر ظفرًا، وهو إذا قلم أربعة من كف وأربعة من كف، وأربعة من قدم، وأربعة من قدم.
وهذا ظاهر الفساد.
ولأن ما ذهبوا إليه يؤدي إلى أن يصم بعضه إلى بعض، والذي تقتضيه الأصول عنده الضم، ويجعل بمنزلة الموجود في كف واحدة، وقدم واحدة، كما ضم النجاسات بعضها إلى بعض، فإذا بلغت مقدار درهم كانت بمنزلة المتصلة، وكذلك ضم خرق الخف بعضه إلى بعض، وجعل المتفرق بمنزلة المتصل، وكذلك ضم الجنايات بعضها إلى بعض في الأطراف، فإذا بلغت نصف عشر الدية حملها العاقلة عنده، فيجب أن ينظر مثل هذا في مسألتنا.
وقضم الخمسة من يدين كأنه وجد من يد واحدة.
فإن قيل: المقصد من النجاسة تطهير الثوب منها، فإذا وجد منها مقدار ما يجب غسله لو وجد في موضع واحد، وجب غسله إذا كان في مواضع متفرقة.
стр. 445
وقص الأظفار المقصد فيه الجمال والمنفعة، فإذا لم يحصلا له لم يجب عليه دم.
وأما الخف إذا تخرق فإنه يضم بعضه إلى بعض إذا كان في خف واحد، وأما إذا كان في خفين، فلا يضم كمسألتنا.
فأما الجنايات، فلا تشبه مسألتنا؛ لأنه لو قطع أصابع اليدين وجبت عليه الدية، ولو قطع أصابع إحدى اليدين وجب نصف الدية، وفي قص الأظفار جب في اليدين ما يجب في اليد الواحدة إذا كان في مجلس واحد.
قل له: أما قولك: (إن القصد من الأظفار الجمال والمنفعة) فغير صحيح؛ لأن يسير النجاسة لا تجب إزالته عندهم، القصد موجود، فعلم أن القصد إزالته على صفة، وهو جمع بعضه إلى بعض.
وقوله: (القصد من الأظفار الجمال والمنفعة) غير صحيح؛ لأنه لو قطع ظفره افتدى، وإن لم يوجد هذا المعنى.
وأما قوله: (إن الجنايات أن لا يتداخل أرشها إذا كانت في مجلس، والقص يتداخل إذا كان في مجلس)، فذلك لأن الجنايات حق لآدمي، وحقوق الآدميين يختلف البدل باختلاف المبدل؛ بقلته وكثرته، واليدان أكثر من اليد الواحدة.
فأما تقليم الأظفار فإنه- وإن كان مصرفه إلى الآدميين- فإنه حق لله
стр. 446
تعالى، فلم يجب في اليد الثانية أكثر مما يجب في الأولى، ودخله التقدير.
واحتج المخالف بأنه لم يستكمل منفعة إحدى اليدين بإزالة التفث عنها [، فصار كمن قلم ظفرا أو ظفرين.
والجواب: أنه إذا حلق ربع رأسه، لم يستكمل منفعته بإزالة التفث عنه، ومع هذا فهو كمن حلق جميع رأسه.
وربما قالوا: اليد عضو له نظير في البدن، ولم يستكمل منفعته، فوجب أن لا يلزمه دم، كما لو قلم ظفرين من يد واحدة.
ولا يلزم عليه إذا حلق ربع الرأس؛ أنه يجب به دم، وإن لم يستكمل منفعته؛ لأنه لا نظير له في البدن.
والجواب: أن العضو الذي لا نظير له والعضو الذي له نظير في موجب الإحرام واحد؛ لأن إزالة التفث عن الرأس محرم، كما يحرم عن اليدين والرجلين، والواجب فيهما من الصدقة والدم وما يتداخل على طريقة واحدة، فيجب أن يكونا سواًء في مسألتنا، وأنه لا اعتبار في إكمال الدم باستكمال المنفعة.
وعلى أن هذا الاعتبار ليس بصحيح؛ لأنه إذا لم يخلق لكفه إلا
стр. 447
ثلاثة أصابع، وكان الباقيس مقطوعًا، وإذا قلم الظفر الموجود فقد استكمل منفعة العضو، ولا يجب به الدم، ولو خلق لكفه ستة أصابع، وقلم أصابعها الأصلية وجب الدم عليه، وغن لم يستكمل منفعة الكف؛ لأنه قد بقي ظفر طويل.
ثم المعنى في الأصل: أنه قصر أقل من ثلاثة أظفار، فلهذا لم يجب الدم، وليس كذلك في الفرع؛ لأنه قلم ثلاثة فصاعدًا، أشبه إذا قلم خمسة من يد.
واحتج بانا قد جعلنا اليد الواحدة فيما أوجبنا فيها من الفدية بمنزلة اليدين، وأنه يجب في الجميع ما يجب في يد واحدة، وهو دم واحد، فغير جائز أن نقيم أكثر إحداهما مقام اليدين، ألا ترى أنا لما جعلنا أحد الإبطين [بمنزلة الإبطين]، لم يجز أن نقيم أكثر أحدهما مقام الإبطين؟
وكما أنا لما جعلنا ثلاث شعرات بمنزلة الكل في إيجاب الدم فيه إذا حلقه، لم يجز أن نقيم أكثر الثلاث مقام الجميع، كذلك هاهنا.
стр. 448
والجواب: أنا نقيم أكثر الإبطين مقام الإبطين في إيجاب الدم، فإذا حلق من أحدهما ثلاث شعرات، كان [كما لو] حلق الإبطين.
وأما الأكثر من ثلاث شعرات فإنما لم يقم مقام جميع الرأس؛ لأنه لم يحلق ما يقع عليه اسم الجمع المطلق، وهاهنا قد وجد اسم الجمع المطلق.
واحتج بأن هذه جنايات حصلت في أعضاء متفرقة تجب بها كفارة، فوجب ان يعتبر كل عضو على حاله، ولا يضم بعضه إلى بعض، كما لو حلق بعض إبطه، وبعض عانته، وبعض رأسه.
والجواب: أنه يبطل بالجناية على الأعضاء؛ فإنه يضم بعضها إلى بعض في باب الدية وتحمل العاقلة.
وما ذكروه من شعر الإبط والعانة، فإنه يضم بعضه إلى بعض، فإذا كان الجميع ثلاث شعرات وجب الدم.
وأما شعر الرأس واليدين فعندنا أنه في حكم الجنسين، ولهذا نقول: إذا حلق شعر رأسه، وحلق شعر يديه، وجب عليه دمان.
فعلى هذا: إذا حلق شعرتين من رأسه، وشعره من يديه، وجب أن لا تضم في إكمال الدم، كما لم يضم حلق جميع الرأس وجميع البدن في الاقتصار على دم واحد.
стр. 449
٩٢ - مسألة
إذا حلق ثم حلق، أو قلم ثم قلم، أو لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو وطئ ثم وطئ، ولم يكفر عن الأول، فكفارة واحدة في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية ابن منصور في من وقع باربع نسوة - وهو محرم - في يوم واحد، أو أيام متفرقة، فسد حجه، وعليه كفارة واحدة، ما لم يكفر.
وكذلك نقل ابن القاسم: وقد حكي له قول بعضهم: إذا وجبت عليه كفارة في لباس، أو طيب، ونحو ذلك، ثم كفر، ثم عاد بمثله، فعليه الكفارة، وإن لم يكفر حتى عاد، فليس عليه إلا كفارة واحدة، فقال: هو هكذا؛ إذا لم يكفر، فليس عليه إلا كفارة واحدة.
وفيه رواية أخرى: إن كان السبب مختلفًا، كمن لبس بالغداة لبرد، ووقت الظهر لحر، ووقت المغرب لعلة، أو حلق لعلة، ولبس لعلة أخرى، وتطيب لسبب آخر، فعليه لكل واحد كفارة، فإن كان السبب واحدًا، فالكفارة واحدة.
روى ذلك الأثرم عنه في محرم اعتل، فلبس جبة، ثم برئ، ثم اعتل، فلبس جبة، يكفر كفارتين، فإن اعتل علة واحدة، فلبس عمامة، واحتاج في علته في الغد إلى جبة، وبعد غد [إلى] قميص، فإذا كانت
стр. 450
علة واحدة، وكان شيئًا متقاربًا، فكفارة، فإن تداوى بأدوية دواء بعد دواء، فحكمه حكم اللباس.
وقال أبو حنيفة: إن كرر ذلك في مجلس واحد تداخل، وإن كان في مجالس لم يتداخل.
وقال مالك: إذا أفسد الحج بالوطء لزمه الهدي، فإن كرره لم يلزمه هدي، إن كفر عن الأول، أو لم يكفر، فعنده أن الكفارة [لا] تتكرر إذا فعله إلا على وجه الرفض.
وللشافعي قولان:
قال في الجديد: لا يتداخل سواء كان في مجلس، أو مجالس.
وقال في القديم: يتداخل.
ولا يختلف قوله أن الحلق واللبس إذا كان متصلاً، ففدية واحدة.
وجه الرواية الأولى: أن الأفعال التي إذا اتصلت تداخلت، فإنها إذا تفرقت جاز أن تتداخل تحت الأحداث والحدود مثل السرقة وشرب الخمر، وعكسه قتل الصيد؛ لما لم يتداخل حال الاتصال لم يتداخل حال التفرق.
ولأنهما أفعال منع المحرم منها للترفه والاستمتاع، فإذا تكررت منه - ولم يتخللها تكفير - تداخلت قياسًا عليه إذا والى بينهما في وقت متصل.
стр. 451
فإن قيل: لا يجوز اعتبار الاتصال بالانفصال، ألا ترى انه لو حلف: (لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة) فاستدام الأكل إلى آخر النهار لم يحنث؛ لأنه فعل واحد، ولو فرقه حنث.
قيل له: لا تأثير للمجلس والمجالس في ذلك، وإنما الاعتبار في الحنث بالتكرار، فإن تكرر منه دم حنث سواء كان في مجلس، أو مجالس، وإن اتصل لم يحنث بالتكرار.
ولأنه لو وجبت إذا تفرقت لوجبت كفارات إذا اجتمعت، كالصيد.
ويخص مالكًا بأنه وطء، بأنه وطء صادف إحرامًا لم يتحلل منه، فجاز أن يتعلق به كفارات، كالوطء الأول.
ولأن الوطء معنى تجب به الكفارة، فجاز أن تتكرر بفعله.
دليله: لبس الثياب، وحلق الشعر، وقتل الصيد.
ويخص الشافعي بأن الكفارات تجري مجرى الحدود والطهارات، قال ﷺ : "الحدود كفارات لأهلها".
ثم ثبت أنه لو زنا ثم زنا، أو احدث ثم احدث، فحد واحد، وطهارة واحدة، كذلك الكفارات.
فإن قيل: الحدود والطهارات لا يتعلق بها حق آدمي، والكفارات
стр. 452
يتعلق بها حق آدمي، وهم المساكين، فلم تتداخل.
قيل: علة الأصل تبطل بالصلاة والصيام، لا يتعلق بها حق آدمي، ولا تتداخل.
وعلة الفرع تبطل به إذا كرر اليمين على شيء واحد، وجبت كفارة واحدة.
فغن قيل: الحدود تسقط بالشبهة، والكفارات لا تسقط بالشبهة.
قيل: علة الأصل تبطل بالقتل؛ [فإنه] يسقط بالشبهة، واجتماع أسبابه لا يصير شبهة؛ لأنه لو قتل جماعة لم تتداخل.
وعلى أن الشبهة قد تؤثر في هذه الكفارة عندهم، وهو النسيان؛ لأنه لو لبس أو تطيب ناسيًا، لا كفارة.
ولأنها كفارة لا يتضمن سببها إتلاف نفس، فجاز أن تتداخل عند اجتماع أسبابها، ككفارة اليمين إذا كررها على فعل شيء واحد، ثم حنث.
ولا تلزم عليه كفارة القتل، وقتل الصيد؛ لأن سببها يتضمن إتلاف نفس.
ولا تلزم عليه كفارة الظهار؛ لأنها تتداخل، وهو إذا ظاهر منها فوطئ قبل أن يكفر، وكرر الوطء، فكفارة واحدة.
стр. 453
وكذلك إذا ظاهر من جميع نسائه بلفظ فكفارة.
ولا تلزم عليه كفارة الصوم؛ لأنها تتداخل إذا كرر الوطء في يوم واحد، ولم يكفر.
فإن قيل: إذا كررها على فعل واحد، فهناك يمين واحدة؛ لأنه حنث واحد.
قيل: بل هناك يمينان، بدليل أنه لو قال: والله لا دخلت هذه الدار، ثم قال: والله لا حلفت، ثم قال: والله لا دخلت هذه الدار التي حلف عليها حنث.
ولأنها عبادة تجبر بالكفارة، فجاز أن تتداخل كفارتها، كالصوم إذا كرر الوطء في يوم واحد.
وليس لهم أن يقولوا: هناك لا تتكرر الكفارة في اليوم الواحد؛ لأنا لا نسلم هذا، بل عندنا تتكرر إذا كفر عن الوطء الأول، ثم وطئ ثانيًا.
واحتج المخالف بأن هذه جنايات حصلت منه في حال الإحرام من غير أن تتعلق بسبب واحد، ولا حصلت في مجلس واحد، فوجب أن يجبر كل واحد منهما بدم قياسًا على جنسين مختلفين مثل الحلاق، وتقليم الأظفار، واللباس، والطيب.
ولا يلزم عليه إذا حصل منه مرارًا على وجه الرفض؛ لأنه قد تعلق
стр. 454
بسبب واحد، ألا ترى انه لا يختلف أن يكون ذلك من جنس واحد، أو جنسين؟
والجواب: أنه لا تأثير لقولك: ولا حصلت في مجلس واحد؛ لأن ما يحصل في مجلس ومجلسين سواء، ألا ترى أنه لو تكرر منه قتل الصيد في مجلس واحد تكرر الجزاء.
وكذلك لا تأثير له في الأصل؛ لأنه لو فعل جنسين مختلفين في مجلس واحد، جبر كل واحد بدم عندك.
ثم لا يجوز اعتبار الجنس الواحد بالجنسين في باب التداخل بدليل الحدود؛ إذا كانت من جنس واحد تداخلت، وإذا كانت من أجناس لم تتداخل
واحتج بان القياس [أنه] يجب عليه لكل مرة كفارة، وإن كان ذلك في مجلس واحد؛ لأنها جنايات في الإحرام، وهي كقتل الصيد، إلا إذا تركنا القياس في مجلس واحد لدلالة الإجماع، وحملنا حكم المجلسين والمجالس الكثيرة على موجب القياس.
والجواب: أنهم لما أجمعوا على التداخل في مجلس واحد، وجب التداخل في مجالس؛ لأن الأصول توجب التسوية بين المجلس والمجالس.
стр. 455
واحتج بأن هذه أفعال تفرقت في أوقات لو انفرد كل واحد منها، وجبت به كفارة، فإذا اجتمعت وجبت بكل واحدة كفارة، كما لو كفر عن الأول.
والجواب: أنه إذا كفر عن الأول فقد سد لخلل الذي هتكه، فإذا عاد فهتكه، كان عليه كفارة ثانية، كالحدود؛ إذا حد عن الأول، ثم عاد، فعليه حد ثان، وليس كذلك إذا لم يكفر.
ولأنه لم يحصل جبران فعله بالفعل الثاني لم يصادف حرمة مهتوك، فهو كما لو زنا، ولم يحد، فعاد فزنا ثانيًا، فعليه حد واحد، كذلك هاهنا.
واحتج بأنهما فعلان مفترقان، لو كفر عن الأول لزمته كفارة عن الثاني، فوجب أن تلزمه، وإن لم يكفر، كالصيدين، وكما لو كانا من جنسين مثل إن حلق وقلم، وتطيب ولبس.
والجواب عن الصيدين: أن فيهما روايتين:
روى حنبل عنه: أنه إذا لم يكفر عن الأول، فكفارة واحدة.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
وروى الجماعة أن عليه للثاني كفارة ثانية.
فعلى هذا: الفرق بينهما أن قتل الصيدين لو اتصل لم يتداخل، كذلك إذا تفرقت جاز أن تتداخل.
وأما إذا قتل من جنسين ففيه - أيضًا - روايتان:
стр. 456
إحداهما: تتداخل.
رواه ابن منصور عنه: أنه سئل عن محرم من طيبًا، ولبس ثوبًا، وحلق رأسه، ولبس الخفين، وما أشبه ذلك مما لا ينبغي له أن يفعل، قال: عليه كفارة واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد فعليه دم لكل واحد.
وقد نص على التداخل في الجنسين، وهذا اختيار أبي بكر، ذكره في كتاب "الخلاف".
ووجهه: أنها أفعال مضمونة ببدل، لا على سبيل التعديل، فإذا فعلت في وقت واحد لم تجب إلا كفارة واحدة.
دليله: إذا كانت من جنس واحد.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
وروى عنه ابن منصور في موضع آخر كلامًا يقتضي: أنها لا تتداخل، فقال ابن منصور: قلت: قال سفيان: في الطيب كفارة، وفي الثياب كفارة، وفي الشعر كفارة، قال أحمد: جيد، في كل واحد كفارة.
فقد أوجب كفارات، ولم يعتبر تكفيرًا متقدمًا عن الفعل الأول.
وقال في موضع آخر من "مسائله": إذا جامع، ثم أصاب صيدًا، أو حلق رأسه، أو أشباه ذلك، فالإحرام قائم، وكلما أصاب من
стр. 457
ذلك فعليه كفارة.
وقال - أيضًا - في رواية ابن إبراهيم في محرم مرض في الطريق، فحلق رأسه، ولبس ثيابه والحلي: عليه هدي.
فعلى هذا: الفرق بينهما أن تلك أفعال مختلفة، وموجباتها، مختلفة، فإذا اجتمعت لم تتداخل، كما لو زنا، وقذف، وشرب الخمر، فعليه لكل واحد حد؛ لانهالا أجناس مختلفة، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه جنس واحد، وفعل واحد، فجاز أن تتداخل، كالزنا إذا تكرر، والسرقة إذا تكررت، ولما يحد.
ولأن الأجناس المختلفة اتصلت، ولم تتداخل، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الجنس الواحد لو اتصل تداخل، كذلك إذا تفرق، فبان الفرق بينهما.
٩٣ - مسألة
إذا وطئ وكفر، ثم وطئ ثانيًا، فعليه كفارة ثانية:
وهي [ ..... ] على قياس قول أحمد في الصائم: إذا وطئ في اليوم الواحد مرتين، وقد كفر عن الأول، فعليه كفارة ثانية، وهي العتق.
стр. 458
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: عليه شاة.
دليلنا: انه وطء صادف إحرامًا لم يتحلل منه بشيء، أشبه الأول.
ولأنه كلما ابتدأ به [وجبت] كفارة، فإذا كرره وجبت تلك الكفارة، كاللباس، والطيب.
واحتج المخالف بأنه استمتاع لم يفسد الحج، فلم تجب به بدنة، كالوطء دون الفرج.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يفسد، وتجب به بدنة، كالنعامة.
وعلى أن الوطء دون الفرج لو ابتدأ به لم تجب بدنة، كذلك إذا كرره، وهذا لو ابتدأ به وجبت به، كذلك إذا كرره، كقتل النعامة.
واحتج بأنه وطء صادف إحرامًا نقصت حرمته بالوطء، فصار كما لو وطئ بعد التحلل، وقد نص أحمد على الشاة في رواية بكر بن محمد.
والجواب: أن الوطء هناك صادف إحرامًا تحلل منه بدليل أنه تباح فيه جميع المحظورات غير النساء.
واحتج بأنها عبادة تجب بالوطء فيها الكفارة العظمى، فلا يتكرر الوطء، كالصوم.
والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأنها تتكرر عندنا إذا كفر عن الأول.
стр. 459
وعلى أن الحج يفارق الصوم؛ لأن محظوراته بعد الفساد يتعلق بها الجزاء، كما يتعلق بها قبل الفساد، والصوم بخلافه.
٩٤ - مسألة
إذا جمع في حلق الشعر بين الرأس والبدن دفعة واحدة؛ فحلق من شعر رأسه ثلاث شعرات فصاعدًا، ومن بدنه ثلاث شعرات فصاعدًا، فعليه فديتان:
نص عليه في رواية المروذي، وجعفر بن محمد، وعبد الله، وابن إبراهيم [قال]: في الرأس كفارة، وفي البدن كفارة، خلافًا لأبي حنيفة ومالك والشافعي في قولهم: كفارة واحدة، كما لو حلقه من أحدهما.
دليلنا: أن الرأس والبدن في حكم الجنسين بدليل: أن النسك يتعلق بأخذ شعر الرأس دون البدن، فجرى مجرى من حلق وغطى رأسه، أو حلق ولبس في بدنه، فإنه يلزمه كفارتان.
وكذلك في اللباس؛ لأن الرأس يمنع من المخيط وغير المخيط، والبدن يمنع المخيط فقط.
وكذلك في الطيب؛ قالوا: لو دهن رأسه بالزيت افتدى، ولو دهن بدنه لم تجب فدية.
стр. 460
ولأن شعر البدن لا يتعلق بالنسك بأخذه، فلم يضم إلى شعر الرأس، كشعر الصيد.
واحتج المخالف بأنه لو جمع بين الرأس والجسد في اللباس والطيب، لزمته كفارة واحدة.
نص عليه في رواية أبي طالب في من لبس عمامة وجبة: فهو كفارة إذا لم يفرق.
وقال في رواية الأثرم: إذا اعتل علة واحدة، فلبس اليوم عمامة، واحتاج في الغد في علته هذه، فلبس جبة، واحتاج إلى قميص في علته، وكان [شيئًا] متقاربًا، فكفارة، أرجو.
والجواب: أنا قد بينا: أنها في حكم الجنسين في الحلاق واللباس.
وعلى أن الحلاق إتلاف فهو آكد، ولهذا سووا بين عمده وسهوه، واللباس بخلافه، فهو اخف.
٩٥ - مسألة
فإن أصاب صيدًا، وحلق، وتطيب، ولبس على وجه الرفض لإحرامه، فعليه لكل واحد من ذلك كفارة:
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور في من أحرم دون الميقات، ثم ترك إحرامه: فهو لا يستطيع أن يتركه، وهو محرم، وكل ما أصاب
следующие страницы →