Полный текст (1 579 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
المرض لم يجزئه، وليس كذلك هاهنا، لأنه أحج عن نفسه في حالةٍ جاز له أن يحج، فأجزئه، كما لو اتصل به الموت.
٢٠ - مسألة
من كان البحر بينه وبين طريق مكة، والغالب منه السلامة، فعليه الحج:
ذكره أبو بكر في كتاب "الخلاف"، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
قال أصحاب الشافعي: فيها قولان.
دليلنا: قول النبي ﷺ : "لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، [أو غاز في سبيل الله] "
[ولأن] الغالب منه السلامة، فهو كالبر.
ولأنه طريق جاز سلوكه للتجارة، فجاز سلوكه للحج والعمرة.
ولأنه أحد المركبين، فجاز وجوب الحج بالقدرة عليه، كالبر.
واحتج المخالف بأن الغالب على البحر الخطر؛ لأنه لا يخلو من
стр. 72
هبوب الريح والعوارض.
والجواب: أنه إنما يشترط في الوجوب: أن يغلب عليه السلامة، وما يعرض غير غالب، فلا يعتد به.
[واحتج بأن عوارض] البحر من جهة الله تعالى، [والبر عوارضه من جهة الآدمي].
والجواب: أنه يعرض على البر العطش والبرد والحر، وذلك من جهة الله تعالى، فلا فرق بينهما.
٢١ - مسألة
الأعمى إذا وجد زادًا وراحلة وقائدًا يقوده، لزمه الخروج بنفسه:
أومأ إليه أحمد في رواية المر وذي، وقد سئل عن رجل له أم ضريرة، ولها مال، أيحج عنها؟ فقال: يحج عنها إذا لم تقدر على الركوب.
فلم يجعل العمى مسقطًا لفرض الحج بنفسه، واعتبر عدم الثبوت على الراحلة.
وقد حكاه أبو حفص عن ابن بطة فقال: استطاعة الضرير: الزاد،
стр. 73
والراحلة، ومن يقوده.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحج بنفسه، ويلزمه في ماله.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧].
وفسر النبي ﷺ السبيل بالزاد والراحلة.
والظاهر: أن كل من وجد زادًا أو راحلة، وجب عليه الحج، فوجب عمل الآية على ظاهرها.
فإن قيل: الآية تقتضي وجوب الحج عليه، ونحن نقول: يجب عليه الحج، وليس فيه أن يفعله بنفسه، [أو] بماله.
قيل له: قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يقتضي قصد البيت، فيجب أن يكون على كل واحد من الناس قصد البيت بنفسه؛ لأن الحج هو القصد.
ولأن الأعمى لا تلحقه مشقة في الثبات على المراكب، وهو كالمبصر الصحيح.
فإن قيل: البصير الصحيح يمكنه [أن] يتصرف بنفسه، والأعمى لا يقدر على التصرف بنفسه.
стр. 74
قيل له: إذا كان معه [من يقوده] فأنه يتمكن من ذلك.
[و] لأنه فقد حاسة، فلا تمنع من وجوب الحج عليه بنفسه.
دليله: الصمم.
ولا يلزم عليه الغضب والكبر؛ لأنه فقد قدرة.
يبين هذا: أن الحاسة مأخوذة من الحس بالأشياء، ولهذا حدها المتكلمون بالحواس الخمس.
فإن قيل: الصمم لا يمنع من التصرف بنفسه، والعمى يمنه من ذلك.
قيل له: الصمم يمنع من مخاطبه الحمال، ومن يبيع منه ويشتري.
وعلى أنه إذا كان معه قائد يرشده ويسدده، فلا يتعذر عليه ذلك، كما لا يتعذر على البصير.
فالأعمى لم يفته إلا العلم بالطريق، ومواضع النسك، وإذا وجد قائدًا يوصل إلى العلم به، فيلزمه، كالبصير إذا كان لا يهتدي الطريق، ولا يعرف المواضع التي تؤدي بها المناسك، وأنه إذا وجد من يهديه ويرشده، لزمه ذلك.
واحتج المخالف بأن الأعمى لا يمكنه أن يتصرف في سفره بنفسه، ألا ترى أنه يحتاج إلى من يركبه، وينزله، ويعينه على قطع المسافة، فهو كالزمن، بل الأعمى أسوأ حالًا من الزمن والمقعد؛ لأن الزمن إذا ركب قدر على أداء فرض الحج راكبًا، والأعمى لا يقدر على أدائه وإن
стр. 75
ركب، حتى يقوده غيره.
والجواب: أن الزمن والمقعد لا يتمكن من النزول والركوب والثبوت على الراحلة، ومباشرة المناسك بنفسه، والأعمى يمكنه ذلك، وإنما يفقد الهداية إلى الجهة التي يحتاج إليها، فإذا أرشده غيره اهتدى، وقام بالنسك، فأتي به، فهو كالبصير الصحيح الذي لا يهتدي النسك، فإنه لا يسقط عنه، كذلك الأعمى.
واحتج بأن الحج عبادة تحتاج في أدائها إلي قطع مسافة، فوجب أن لا يلزم الأعمى قياسًا على الجهاد.
والجواب: أن هذا لا يصح؛ لأن الأعمى يجب عليه الحج بالإجماع، فالوصف غير صحيح.
فإن قيل: يريد به أنه لا يلزمه الحج بنفسه.
قيل له: لا يؤثر في الأصل؛ لأنه لا يلزمه في ماله، ولا في نفسه.
ثم المعنى في الجهاد: أن القصد منه القتال، وهذا لا يحصل من الأعمى، وليس كذلك الحج؛ لأن المقصود منه حضور مواضع النسك، وهذا يمكن للأعمى مع القائد، كما يحصل من البصير.
стр. 76
٢٢ - مسألة
إذا مات وعليه حجة الإسلام، لزم الورثة أن يحجوا عنه من صلب المال من دورية أهله، سواء وصى بذلك، أو لم يوص:
نص عليه في رواية حنبل وابن إبراهيم، فقال: إذا مات، وقد وجب عليه الحج، فهو من جميع المال بمنزلة الدين.
وقال- أيضًا- في رواية الأثرم: يحج عنه من حيث وجب عليه، من حيث أيسر، قيل له: فرجل من أهل بغداد، خرج إلى خراسان فأيسر، ثم يحج عنه؟ فذكر له أن رجلًا قال: يحج عنه من الميقات، فأنكره.
قيل له: فرجل من أهل خراسان، أو من أهل بغداد، خرج إلى البصرة، ومات بها، قال: يحج عنه من حيث وجب عليه.
وقال- أيضًا- في رواية أبي داود في رجل من أهل الري، وجب عليه الحج ببغداد، ومات بنيسابور: يحج عنه من بغداد.
فقد نص على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه إلا أن يوصي بها.
وقال الشافعي: يحج من الميقات.
وقال داود: الحج لا يسقط بالموت.
فالدلالة على وجوب الحج- وإن لم يوص- ما تقدم من حديث ابن الزبير الذي رواه أحمد: أن رجلًا من خثعم أتى النبي ﷺ ، فقال: إن
стр. 77
أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: "أنت أكبر أولاده؟ " قال: نعم، قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان ذلك يجزئ عنه؟ " قال: نعم، قال: "فاحجج عن أبيك".
فشبه قضاء الحج بقضاء الدين، وقد ثبت أن الدين يقضي عنه حيًا وميتًا، الحج لظاهر الخير.
وقوله: "احجج عنه" أمر، وذلك يقتضي الوجوب.
فإن قيل: إنما شبهه بالدين في الجواز، [ .... ]، ونحن نقول بذلك.
قيل له: من حكم الدين إيجاب القضاء، فيجب أن يكون حكم المشبه به كذلك.
وروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: "نعم، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال:"اقضي الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء".
стр. 78
وقوله: "أقضي" أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وتشبيهه بالدين يدل على وجوب القضاء.
وقوله: "أحق" يدل على أنه أولى بالقضاء من الدين.
فإن قيل: الخبر يقتضي جواز القضاء، ونحن كذلك نقول، وإنما خلافنا في الإيجاب في التركة.
قيل له: الحج قد سقط عندك بالموت، وإذا فعل أحد عن أحد لا يكون قضاء، فلا يصح هذا التأويل.
مع أن قوله: "احجج عن أبيك" وقوله: "فاقض" أمر، والأمر يدل على الوجوب.
والقياس: أن الحج حق واجب تصح الوصية به، فوجب ألا يسقط قضاؤه بموته.
دليله: دين الآدمي.
وفيه احتراز من الصلاة والصيام والمال الذي على المكاتب لمولاه؛ لأن الوصية لا تصح بشئ من ذلك.
وفيه احتراز من [الزكاة]؛ لأنه قبل الحول غير واجب، وإذا حال الحول وجب، ولم يسقط.
стр. 79
ولا يلزم عليه الجزية؛ لأنه لا تعرف الرواية فيها، وكان شيخنا يقول: لا تسقط.
وإن شئت احترزت عن الجزية فقلت: حق مستقر تصح الوصية به، والجزية غير مستقرة؛ لأنه يماك إسقاطها بالإسلام، والمستقر ما لا يملك إسقاطه.
فإن قيل: لا نسلم أنه تصح الوصية بالحج الذي كان عليه؛ لأنه يسقط بموته، والذي يجب إخراجه بالوصية غير الذي كان عليه، وإنما الوصية بحج تطوع.
قيل له: نحن أدعين صحة الوصية بالحج في الجملة، وهذا مسلم، فعندنا بالواجب والتطوع، وعندكم بالتطوع.
فإن قيل: المعنى في الديون: أن استيفاها في حياته لا يتعلق برضاه وإذنه، ألا ترى أن صاحب الحق لو أخذ من ماله مقدار حقه من جنس ما عليه جاز؟ فلم يفت بموته إلا أذنه، وذلك غير معتبر، فجاز أن يستوفى يعد موته، وليس كذلك الحج؛ لأنه لو أخرج من ماله في حياته مقدار نفقة الحج بغير إذنه، كذلك بعد موته.
قيل له: علة الأصل تبطل بصدفة الفطر؛ فإن الأب يؤديها عن
стр. 80
ابنه في حال حياته من غير اعتبار إذنه ورضاه، [ومع هذا] تسقط بالموت عندهم.
وعلة الفرع تبطل بالعشر؛ فإنه لو أخرج عنه من ماله في حياته [حياته مقدار] العشر بغير إذنه لم يجز، ومع هذا لا يسقط بموته عندهم على الرواية المشهورة.
وكذلك [ .... ] الشهيد إذا قتل، وهو جنب، ولم يجد الماء، فإنه [ .... ]، ولا يسقط ذلك بموته، وإن كان لا يصح فعله في حال حياته بغير إذنه.
وعلى أنه إنما يصح إخراجه في حال حياته بغير إذنه [ .... ] الإذن من جهته، وبعد الموت قد تعذر ذلك، فلا يمنع ذلك من الإيجاب، كالحي إذا أمتنع من أداء الزكاة، فإنها تؤخذ منه، وإن لم يوجد الإذن؛ لتعذره من جهته.
ولأنه إنما احتيج إلى إذنه في حال حياته؛ ليحصل التمييز بين
стр. 81
الفرض والتطوع، وبعد الوفاة لا يخرج من رأس المال إلا الفرض الذي وجب عليه في حال الحياة، فاستغنى عن إذنه ونيته.
وإن شئت قلت: حق تدخله النيابة، استقر عليه في حال الحياة، فلم يسقط عنه في موته.
دليله: ما ذكرنا.
وفيه احتراز من الصلاة والصيام؛ لأن النيابة لا تدخل في ذلك.
وفيه احتراز من المال على المكاتب، ومن الدية؛ لأن الحق غير مستقر، وفي الجزية نطق.
فإن قيل: لا نسلم أنه مستقر، بل هو مراعي، فإن حج تبينًا استقراره، وإن مات تبينًا عدم الاستقرار.
قيل له: الدلالة على أنه مستقر: أن من وجب عليه الحق لا يمكنه [ .... ]، فهذا معنى الاستقرار، والحج بهذه الصفة.
فإن قيل: ولا نسلم: أن الحج تدخله النيابة؛ لأن الحج يقع عن الحاج عندنا، ويكون للمحجوج [عنه] ثواب النفقة.
قيل له: الدلالة على أنه يصح منه: أن تصح فيه الاستبانة، وهو أن يدفع إلى غيره مالًا؛ لينوي عنه، ويلبي عنه، ولا يجوز أن يكون هذا إلا فيما تقع فيه النيابة، ألا ترى أن الصلاة والصيام لما لم تصحَّ النِّيابة
стр. 82
فيهما، لم تصح فيهما الاستبانة؟ ولأن ما صحت الوصية به إذا لم يكن مستحقًا عليه، لم يسقط بموته إذا كان مستحقًا عليه، قياسًا على حقوق الآدميين؛ لأنه إذا أوصى بعبد له لإنسان- وهو لا يستحقه عليه- صحت الوصية، وإذا كان في يده عبد مغصوب يستحق عليه، لم يسقط عنه بموته، ووجب رده على صاحبه.
واحتج المخالف بأن كل من وجبت عليه عبادة، لم يلزم غيره أن يؤديها عنه بعد موته.
دليله: الصلاة.
والجواب: أنه يبطل بالعشر، والغسل إذا وجب عليه قبل القتل.
ثم المعنى في الصلاة: أنه لا تصح الوصية بها، أو لا تنفذ النيابة فيها في حال الحياة، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح الوصية به، ولأن النيابة تدخله، فهو كالدين.
واحتج بأن الحج وجب في حياته على أن يكون عبادة عليه وقربة له، ولا يمكن أداؤه بعد موته على الوجه الذي وجب، فوجب أن يسقط كالصلاة.
стр. 83
والجواب: أن العبادة قد يسقط فرضها، وإن لم تكن قربة له، ولا ثواب له فيها، وهو الصلاة في الدار المغصوبة، عندهم هي صلاة صحيحة، وكذلك الزكاة تؤخذ من الممتنع، ويجبر على إعطائها، وإن لم يكن ذلك قربة إلا بنية وإخلاص.
ثم المعنى في الصلاة ما تقدم.
واحتج بأن هذه حجة لم يأذن بفعلها من وجبت عليه، فوجب أن لا تلزم غيره إذا أداها عنه؛ قياسًا على حال الحياة.
والجواب: أن حالة الحياة إنما تمنع الحج عنه بغير إذنه؛ لإمكان أدائه بإذنه، وإذا مات فقد تعذر إذنه، ألا ترى لو أنه كان صحيحًا وجب أن يؤدي الحج، فلو عجز عنه بزمانه، أو موت، قام فعل غيره مقام فعله؟
واحتج بأنه لا تحاص بالحج ديون، فوجب أن لا يجب إخراجه بغير وصيه، كسائر العطايا.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: تحاص بالحج ديون الآدميين.
نص عليه في الزكاة في رواية ابن القاسم: إذا مات، وعليه دين وزكاة، تحاص الغرماء من الزكاة نصفين.
وعلى أنه ليس إذا لم يحاص يجب أن يسقط بالموت، بدليل أنه
стр. 84
إذا اجتمع غرماء الصحة وغرماء المرض، وضاق المال، فيقدم غرماء الصحة، فلم تسقط حقوق غرماء المرض، بل الدين في الذمة، فلو أبرأه عنه، أو قضاه أجنبي عنه، صح، كذلك هاهنا.
واحتج بأن الحج عبادة يفتقر في أدائها إلى قطع مسافة، فوجب أن تسقط بالموت، كالجهاد.
والجواب: أن الجهاد لا تصح النيابة فيه، وليس ذلك هاهنا؛ لأنه تصح النيابة فيه، وينويه عن صاحب المال، ويلبي عنه.
- فصل:
والدلالة على أنه يجب إخراج الحج عنه من دويرة أهله، كالنيابة عن المعضوب.
ولأن السبب إلى العبادة يجري مجراها في الوجوب، ولهذا يلزم من تعذرت داره من الجامع أن يتسبب إليها، ويأثم بتركها، كما يأثم بتركها.
واحتج المخالف بأن هذه المسافة غير مقصودة، وإنما هو توصل
стр. 85
إلى الواجب، فهو في حال الحياة لا يمكن التوصل إلا بقطعها، وبعد الموت يمكن التوصل عنه من الميقات، فلهذا فرقنا بينهما.
والجواب: أنه يجب أن نقول في المعضوب إذا حج عن نفسه: أن يخرج من الميقات … إلى من يحج عنه من الميقات.
وعلى أن الطهارة غير مقصودة في نفسها، ويجب فعلها.
٢٣ - مسألة
الحج يقع عن المحجوج عنه:
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الحج يقع عن الحاج، وللمحجوج عنه ثواب النفقة.
وفائدة هذا: أن على قولنا تصح [النيابة عنه، لكن من جهته مال]، فيكون له ثوابه.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا يعجبني أن يأخذ دراهم، فيحج بها إلا أن يكون متبرعًا يحج عن أبيه، أو ابنه، أو أخيه.
стр. 86
وكذلك نقل أحمد بن الحسين ويوسف بن موسى عنه في الرجل يريد أن يحج عن أبويه: يبدأ بالأم، إلا أن يكون الأب قد وجب عليه.
وكذلك نقل أبو الحارث، وقد سئل: يحج الرجل عن أبيه، أو عن أمه؟ فقال: إن حج من مال نفسه متبرعًا، وإن كان من مال الميت، فلا يحج وارث عن وارثه.
كأنه يرى أنها وصيه لوارث.
وكذلك نقل أبو داود- وقد سئل: يحج عن أمه؟ - قال: نعم، يقضي عنها دينًا عليها، قيل له: فينفق من ماله، وينوي عنها؟ قال: جائز، قيل له: فالمرأة تحج عن الرجل؟ قال: نعم، إذا كانت محتاجة.
فقد نص على جواز النيابة، وإن لم يكن من جهة المناب عنه مال.
والدلالة على ذلك: ما تقدم من حديث ابن الزبير.
وقول النبي ﷺ للسائل: "احجج عن أبيك" وشبهه بالدين، فلو كان الحج عن القائل لم يكن حاجًا عن أبيه، وإنما كان حاجًا عن نفسه.
ولأن النبي ﷺ شبه قضاء الحج عن أبيه بقضائه الدين عنه، كما كان قضاء الدين يسقط عنه فرضه، ويقع عنه، كذلك قضاء الحج.
فإن قيل: يحمل قوله: "فحج عنه" على إخراج المال عنه.
ولأن ظاهر الخبر يقتضي جواز حجه عنه بماله وبغير ماله، وعندهم: إن لم يكن له مال، لا يصح الحج عنه.
стр. 87
والقياس: ما صحت الاستنابة فيه، صحت النيابة فيه.
دليله: قضاء الدين، و [الوقوف] بعرفة.
أو نقول: ما صحت الاستنابة فيه، فإذا فعله المستناب، وقع عن المستنيب.
دليله: ما ذكرته.
وفد بينا أنه يستنيب من ينوي عنه، ويلبي عنه، فلولا أنه يقع عن النائب فيه ما صحت النية والنيابة عنه، كما لا يصح أن ينوي فيما يقع عن نفسه عن غيره.
واحتج المخالف بأن كل من لزمه أداء [ما] يوجب الإحرام، كان الإحرام عنه، كمن حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
والجواب: أنه إذا] استأجره لتفرقة [الزكاة، كان العمل مستحقاً عليه، وتكون الزكاة واقعة عن المزكى عنه، [ .... ]، فلو استأجره لذبح هديه كان الذبح مستحقاً عليه، والهدي واقع عن غيره.
وكذلك [ .... ] يستحق العمل على الأخير، ويكون العمل للمستأجر.
стр. 88
وأما من لم يحج عن نفسه، فإنما وقع الحج عنه؛ لأنه لم يسقط الفرض عن نفسه، وهذا قد أسقط الفرض عن نفسه، ألا ترى أن الطواف لا تصح النيابة فيه، وعليه فرضه، وتصح النيابة فيه، [ .... ] أسقط فرضه [ .... ] لو أفسده [ .... ] في الابتداء لنفسه.
والجواب: أن إذا أفسده تبينا أنه لم يكن عن المحجوج عنه؛ لأنه على خلاف ما يتناوله إذنه، وهذا كما لو أمره بشراء شيء على صفة، فاشتراه بخلاف صفته، فيكون لازماً للوكيل.
واحتج بأن الكفارة التي تجب في الإحرام تلزمه، فيجب أن يكون الحج عنه واقعاً، كما لو أحرم عن نفسه في الابتداء.
والجواب: أن ذلك جناية من جهة الحاج لم يتناولها إذن المحجوج عنه، فكان ما يجب في ماله، يدل على ذلك أن هدي الإحصار يجب في مال المحجوج عنه؛ لأنه ليس بجناية من جهة الحاج.
فإن قيل: هدي الإحصار يخلص به من السفر، فيشبه نفقة الرجوع، وذلك في مال المحجوج عنه، كذلك هدي الإحصار.
قيل له: فيجب أن تقول- إذا نوى المقام هناك-: أن يسقط
стр. 89
هدي الإحصار عن المحجوج عنه، كما تسقط نفقة الرجوع، وقد قلت: إنه لا يسقط.
على أن ابن منصور روى عن أحمد في رجل أمر رجلاً أن يرمي عنه، وهو مريض، فنسي الذي أمر حتى رجع إلى مصره: قد أساء المأمور، لكن الدم على الآمر، ذكرها أبو حفص البرمكي في «مجموعه».
واحتج بأنه يفتقر في أدائه إلى قطع مسافة، أشبه إذا جاهد عن غيره: أنه يقع عنه، ويلحق الآمر أجر النفقة.
والجواب: أن الجهاد لا تصح الاستنابة فيه، فلهذا لم تصح النيابة، والحج بخلافه.
٢٤ - مسألة
لا يجوز الاستئجار على الحج، ولا على الطاعات، كالإمامة، والأذان، وتعليم القرآن:
وإنما تصح النيابة في الحج بنفقة يأخذها من غيره، فإن فضل منها شيء رده.
وقد نص على ذلك في الأذان، وذكرناه في كتاب الصلاة، وكذلك الإمامة، ونص على تعليم القرآن، ويأتي ذكره في كتاب
стр. 90
الإجارات، إن شاء الله.
ونص في الحج- أيضاً- في رواية أبي طالب، وقد سئل عن الأجراء الذين يحجون عن الناس، فقال: ما سمعنا أحداً استأجر من يحج عن الميت.
وقال في رواية ابن منصور- وذكر له قول سفيان: أكره أن يستأجر الرجل عن والديه يحج عنهما- فقال أحمد: نحن نكره هذا، إلا أن يعينه في الحج.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وذكر أبو إسحاق في «تعاليقه» كلاماً يدل على جواز أخذ الأجرة، فقال: لا يجوز أن يؤخذ على الخير أجر.
ثم قال: فإن قيل: على هذا فالحج عن الغير يجوز أن يؤخذ عليه الأجر.
فالجواب: أن أفعال الخير على ضربين:
ما كان فرضاً على العامة وغيرهم، مثل الأذان، والصلاة، وما أشبه ذلك، لا يجوز أن يجوز أن يؤخذ عليه أجر.
стр. 91
وما انفرد به من يحج عنه، فهو جائز، مثل فعل البناء لبني المسجد، يجوز أن يأخذ عليه الأجرة؛ لأنه ليس بواجب على الذي يبني بناء المسجد.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد لله، وقد سأله فيمن يكري نفسه للحج، ويحج: لا بأس.
ونقل الكوسج عنه: يكري نفسه ويحج، ذكر ذلك أبو حفص البرمكي في «مجموعة».
وبهذا قال مالك والشافعي.
وجه الأولى: قوله تعالى:﴾ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴿[الشورى:٢٠] الآية.
والآخذ إنما يريد حرث الدنيا، فيبطل ذلك القربة.
ولأنه أخذ العوض، فتبطل القربة المقصودة بالعمل، بدلالة العتق على مال لا يجوز عن الكفارة.
ولأنها عبادة على البدن، فلا يجوز الاستئجار على فعلها.
دليله: الصلاة والصيام، وعكسه: الزكاة.
فإن قيل: المعني في الأصل: أنه لا تصح النيابة فيه، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح النيابة فيه.
قيل: إذا جاز أن ينوي في الحج، جاز الاستئجار عليه؛ لأن الإمام يستنيب القاضي في الأحكام، ولا يجوز أن يستأجره، والأعمال المجهولة
стр. 92
تصحُّ النيابة فيها، ولا يصح الاستئجار، ويستخلف الإمام في الصلاة إذا أحدث، ولا يجوز أن يستأجر على ذلك.
ولأن من شرط الحج أن يكون قربة لفاعله، فلا يجو الاستئجار عليه.
دليله: ما ذكرنا.
وعكسه: تفرقة الزكاة، وليس من شرطه أن يكون قربة لفاعله؛ لأنه لو استناب كافراً يفرق زكاة ماله على الفقراء، أجزأ عنه على اختلاف في المذهب، كما إذا ستناب الذمي في ذبح أضحيته، صح على اختلاف الروايتين.
فإن قيل: إنما لم يصح من الكافر؛ لأن من شرط صحة الحج أن يقع على وجه القربة، ولا تحصل القربة بفعل الكافر، وليس كذلك المسلم؛ فإنه من أهل القربة، فالقربة تقع بفعله.
قيل له: إذا أخذ الأجرة خرج عن أن يكون فربة، كالعتق بعوض يخرج عن أن يكون قربة.
فإن قيل: أخذ العوض] لا يخرجه عن [أن يكون قربة، كما لم يسلبه أخذ الرزق عن أن يكون قربة، وكما لم تخرج الزكاة عن أن تكون قربة بالاستئجار على فعلها، وذبح الهدي.
стр. 93
قيل له:] أخذ الرزق لا يصح [في الحج، وإنما صح في الأذان والقرآن؛ لأن ذلك الرزق ليس في مقابلة العلم، وإنما يأخذه؛ لأنه له حق في بيت المال، ولهذا المعنى يستحقه الغني والفقير.
[ويبين صحة] هذا، وأنه ليس بمعاوضة: أنه لا يختص بزمان معلوم، ولا بمقدار من الأجرة معلوم، ولو كان عوضاً اختصه.
وأما أخذ الأجرة على تفرقة الزكاة وذبح الأضحية فلما بينا، وهو أنه لا تختص أن تكون قربة لفاعلها، ولهذا يصح أن يفعلها الكافر.
واحتج المخالف بأنه عمل تدخله النيابة، فجاز عقد الإجارة عليه.
أصله: بناء المساجد، وعقد القناطر، والرباطات، وغير ذلك من الأعمال.
والجواب: أن الأعمال المجهولة تدخلها النيابة، ولا يصح عقد الإجارة عليها.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أنه ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها، ولهذا يجوز أن يتولاها الكافر، وفي مسألتنا من شرط الحج أن يكن قربة لفاعله، فلم يجز الاستئجار عليه.
دليله: ما ذكرنا.
стр. 94
واحتج بأن ما جاز أن يفعله الغير تطوعاً، جاز أن يفعله بعقد إجارة.
دليله: تفرقة الزكاة، والأضحية.
والجواب: أن عسيب الفحل يجوز أن يفعله الغير عن الغير تطوعاً، ولا يفعله بعقد إجارة، وكذلك الإمامة الكبرى.
ثم المعني في الأصل- وهو الزكاة والأضحية- ما ذكرنا، وهو أنها ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها، وهذا بخلافه.
٢٥ - مسألة
فإن أخذ نفقة؛ ليحج بها عن غيره، فصد الآخذ بعذر، أو موت في بعض الطريق، لم يلزمه ضمان ما أنفق:
نص عليه غي رواية ابن منصور في رجل أعطي دراهم يحج بها عن إنسان، فمات في بعض الطريق، فليس عليه شيء مما أنفق، ويحجون بالباقي من حيث بلغ هذا الميت.
وقال في رواية المأموني وأحمد بن الحسين فيمن أخذ مالاً ليحج به، فضاع منه، أو قطع عليه الطريق: لا يغرم.
стр. 95
وقال مالك: ما أخذه على وجه الإجارة، فله من الأجرة بحساب ذلك.
وقال الشافعي: إن لم يأت بشيء من المقصود- الذي هو الحج- لا يستحق شيئاً.
وإن مات بعد أن أتى ببعض أركانه فهل يستحق، أو لا؟ على قولين.
دليلنا: أن النفقة دفعت إليه ليقطع بها المسافة التي لا ينفك الحج منها، وجميع أفعال الحج،] صح أن لا يضمن [ما أنفق في بعض المسافة، ويحسب به، كما لو حصل المقصود.
] يبين صحة هذا: أن [النفقة تختلف باختلاف المسافة؛ طولها وقصرها، فعلم أن النفقة على مقابلها، ومقابلة ما يليها من الأفعال.
فإن قيل: المسافة غير مقصودة، وإنما هي سبب إلى العمل المقصود، فهو كما استأجره ليخبز له، فأحضر الدقي والماء والحطب، وسجر التنور، ولم يخبز، لم يستحق شيئاً من الأجرة، وكذلك لو استأجره لبناء دار، فقدم الآلة وما يحتاج إليه للبناء، ولم يبن، لم يستحق شيئاً، كذلك هاهنا، إنما دفع إليه النفقة؛
стр. 96
ليحصل المقصود [وما حصله].
قيل: قطع المسافة مقصود عندنا، ولهذا نقول: إذا مات قبل أن يحج وجب إخراج نفقة من يحج عنه من دويرة أهله، لا من الميقات، فإذا أنفق في بعض الطريق، فقد حصل بعض المقصود الذي كان يلزمه فعله من ماله.
ثم مثال الحج من الخبز والبناء أن يتأهب للخروج والسير بالذهاب والمجيء من بلده، ويشتري ما يحتاج إليه، فلا يحسب له شيء من النفقة، فأما إذا شرع في السير، فمثاله أن يلصق الخبز في التنور قبل نضاجه، فيستحق الأجرة، أو يبني بعض البناء، فينهدم، أو يمتنع، فيستحق الأجرة.
٢٦ - مسألة
فإن أخذ مالاً؛ ليحج به عن ميت، فقرن، لم يضمن النفقة، وكان دم القران في مال الحاج:
نص عليه في رواية حنبل: إذا قرن أو تمتع، فالدم في ماله، والحج والعمرة عن صاحب المال.
стр. 97
قال أبو حنيفة: يضمن النفقة.
دليلنا: أنه قد أتى بالمأمور به وزيادة، فلم يضمن، كما لو أفرد الحج والعمرة.
فإن قيل: إنما ضمن؛ لأنه خالف ما أمره به.
قيل: قد أتى بالمأمور وزاد، فهو كما [لو] قال له: بع بعشرين ديناراً، فباع بزيادة على ذلك.
٢٧ - مسألة
إذا أمره أن يحج عنه، وأمره آخر بمثل ذلك، فأهل بحجة عن أحدهما، لا ينوي واحداً منهما بعينه، وقع إحرامه عن نفسه، وليس له أن يصرفه إلى واحد منهما:
وهذا ظاهر كلامه في رواية بكر بن محمد: إذا حج عن رجل يقول في أول ما يلبي: عن فلان، فاعتبر التعيين.
وكذلك نقل حرب عنه فيمن أخذ حجة عن اثنين، فهو ضامن، وإن كان نوى أحدهما وسمى، فهو الذي نواه، وعليه الأخذ.
وقال - أيضاً - في رجل أخذ حجة من رجل، وحمله آخر؛ ليحج عن أمه: لم يجز، إلا أن يكون قد نوى.
стр. 98
وقال أبو حنيفة والشافعي: له صرفه إلى أحدهما.
دليلنا: أنه لم يعين الإحرام عن أحدهما، فلم يكن له صرفه إلى أحدهما.
دليله: لو أحرم طلقاً، لا عن أحدهما، فإنه يقع عن نفسه، ولا يصرفه إلى أحدهما.
ولأنه لو [أذنا له في] شراء سلعة، فاشترى لأحدهما لا يعينه، لم يكن له تعيينه.
واحتج المخالف بأن [الجهالة لا تمنع صحة] الإحرام، بدلالة أنه لو أحرم لا ينوي به حجاً ولا عمرة، انعقد إحرامه، وله [أن يصرفه إلى أيهما شاء، كذلك] إذا أحرم عن أحدهما لا ينوي واحداً بعينه.
والجواب: أنه ليس [من حيث صح إحرامه] بالمجهول، صح أن يحرم عن المجهول، ألا ترى أن الإقرار، يصح بالمجهول، ولا يصح [لمجهول؟ وكذلك] الوصية [تصح] بالمجهول، ولا تصح لمجهول.
стр. 99
وعلى أنه لا يمتنع أن يقع الإحرام [مطلقاً، ويعينه] بحج، أو عمرة، ولا يعينه لأحدهما، كما لو أحرم مطلقاً كان له أن يعينه بحج، أو عمرة، ولا [يكون له صرفه] إلى أحدهما.
٢٨ - مسألة
إذا حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لم يجز عن الغير:
نص عليه [في رواية صالح وإسماعيل بن سعيد]:
فقال في رواية صالح: لا يحج أحد عن أحد لم يحج عن نفسه، وقد بين النبي ﷺ فقال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة».
وقال في رواية إسماعيل - وقد سئل عن الصرورة أهل بالحج عن غيره - قال: لا يحج فإن فعل لا يجزئه ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال لمن لبى عن غيره، وهو صرورة: «اجعلها عن نفسك».
فقد نص: أنه لا يجزئ عن الغير، واختلف أصحابنا: هل يقع
стр. 100
عن نفسه، أم لا؟
فقال ألخرقي: يقع عن نفسه.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو بكر في كتاب «الخلاف»: لا يقع عن نفسه، ولا عن غيره.
فعلى قوله لا ينعقد الإحرام.
وقال أبو حفص العكبري في «شرح ألخرقي «: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه.
ونقل محمد بن ماهان في رجل عليه دين، وليس له مال: يحج الحج عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم.
وظاهر هذا: جواز الحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
وقال أبو حنيفة ومالك وداود: يجزئ عن الغير.
فالدلالة: أنه لا يجرئ عن الغير: ما روى عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: «من شبرمة؟» قال: أخي، أو قريب لي، قال: «[هل] حججت قط؟» قال: لا، قال: «اجعل هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وروي في لفظ آخر: «فعن نفسك فلب»
стр. 101
وفي لفظ آخر رواه أبو إسحاق الشالنجي قال: «لب - أو حج - عن نفسك، ثم عن شبرمة»
وروي في لفظ آخر: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وروي [. . . .]: «هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وهذه الألفاظ كلها نصوص؛ لأنه منعه من الحج عن غيره، وعليه فرض الحج.
فإن قيل: قوله: «حج عن نفسك» يقتضي وجوب استئناف الحج عن نفسه، وعندكم أنه كان حاجا عن نفسه.
قيل له: قوله: «حج عن نفسك» معناه: استدمة عن نفسك؛ لأنه إذا قيل لمن هو متلبس بالحج: حج، معناه: استدم، كما قيل للمؤمن: آمن، معناه: استدم الإيمان.
فان قيل: قوله: «اجعلها عنك» يدل على: أن الإحرام كان واقعاً عن شبرمة؛ لأنه لو كان انعقد عنه لما احتاج أن يجعله عن نفسه.
قيل له: قوله: «اجعلها» كناية عن التلبية، وإشارة إليها؛ لأنه رآه
стр. 102
يلبي عن شبرمة، فقال: اجعل هذه التلبية عن نفسك؛ فإن الإحرام واقع عنك.
فإن قيل: فلم لا يون كناية عن الحجة؟ وقد تقدم ذكرها أيضاً؛ لأن في الخبر: «هل حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «اجعلها عن نفسك».
قيل: إنه إنما وجب حمله على التلبية؛ لأنه قد صرح به في لفظ آخر، فقال: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وجواب آخر، وهو: أنه لو كان المراد صرف الإحرام عن شبرمة بعد انعقاده [عنه إلى نفسه]، لكان فيه فسخ حج إلى حج، وذلك غير جائز، فعلم أن المراد به: التلبية، أو المراد به: استدامة الإحرام عن نفسك.
فإن قيل: فسخ الإحرام كان جائزاً في ذلك الوقت، وهذه القصة كانت في حجة الودع، وقد أمر أصحابه بالفسخ لمن لم يسق الهدي.
قيل له: فسخ الإحرام كان ثابتاً على وجه مخصوص، وهو أن يفسخه إلى عمرة، فأما فسخ الحج إلى حج آخر، وفعله شخص عن شخص، فلم يكن ذلك جائزاً في الشرع، فلم يجز حمل الخبر عليه.
فإن قيل: قوله: «هذه عنك» فيه إضمار، يحتمل أن يريد: اجعل
стр. 103
هذه عنك، ويحتمل: هذه واقعة عنك.
قيل له: قوله:» هذه» إشارة إلى موجود، وهي الحجة التي أحرم بها، وعندك لا تكون هذه عنه، وإنما يكون مثلها عنه بإحرام مستأنف.
فإن قيل: فقد روي: أن النبي ﷺ سمع رجلاً يلبي عن نبيشة فقال له: «هل حججت قط؟» قال: لا، فقال: «هذه عن نبيشة، ثم حج عن نفسك».
قيل: هذا غير صحيح.
قال: كان الحسن بن عمارة يروي هذا الحديث، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عباس، وكان وهم الحسن بن عمارة، ثم رجع في آخر عمره إلى الصواب من حديث شبرمة، وترك رواية حديث نبيشة.
والحسن بن عمارة ضعيف في الجملة.
وعلى أنهما لو تعارضا كان تقديم المشهور المتفق على صحته أولى.
стр. 104
والقياس: أنه لم يؤد فرض الحج عن نفسه، فلا يجوز أن يؤديه عن غيره، كالمراهق.
فإن قيل: المراهق لا ينعقد إحرامه، وحجه ليس بحج صحيح، ألا ترى أنه لو حج عن نفسه لم يجز؟
قيل له: لا نسلم هذا، بل عندنا أن حجه صحيح، كالبالغ.
فإن قيل: فالمعنى: أنه لا ينعقد نذره، وليس كذلك الصرورة؛ فإنه ينعقد نذره، فانعقد إحرامه عن غيره.
قيل له: علة الفرع تبطل بالمحرم؛ فإنه ينعقد نذره بالحج، ولا ينعقد إحرامه.
وعلى أنه إذا نذر لا يجب إحضاره مواضع النسك لتأديته، وليس كذلك الإحرام؛ فإنه يجب إحضاره مواضع النسك، وأمره بتأديته.
ولأنه لا ينعقد نذره، وينعقد لم سلامه، كذلك لا ينعقد نذره، وينعقد إحرامه.
[وأيضاً فإنه إذا حضر ذلك الموضع] تعين عليه أداء الفرض عن نفسه، فلا يجوز أن يؤدي عن غيره، كما لو حضر الوقعة، ووقف في صف القتال، ونوى أن يقاتل عن غيره، كان عن نفسه.
стр. 105
فإن قيل: لمَّا لم يجز أن ينوي القتال عن غره استوي فيه حكم المرة الأولى والثانية، وليس كذلك الحج؛ لأنه له أن ينوي عن غيره بعدما يحج عن نفسه مرة، كذلك الابتداء.
قيل له: إنما لم يجز أن ينوي بالقتال عن غيره في المرة الثانية؛ لأنه يتعين عليه بالحضور في الدفعة الثانية، وليس كذلك في الحج في الدفعة الثانية؛ لأنه لا يتعين عليه بالحضور، وفي الدفعة الأولى يتعين فكانت بمثابة كل حضور ينوى به الجهاد.
وأيضاً فإن الإحرام ركن من أركان الحج، فبقاؤه عليه يمنع أداءه عن غيره، كطواف الزيارة.
فإن قيل: الطواف موجب بالإحرام، والأصول فرقت بين موجبات الإحرام وبين الإحرام نفسه في أن حكم موجباته لا يتعين بالنية، ويتعين حكم الإحرام، ألا ترى أن موجبات الصلاة لا تتعين بالنية، ويتعين الإحرام؟
وبيان هذا: أنه لو أحرم بالصلاة بنيه النفل لم يجز صرف موجباتها - وهو الركوع والسجود - إلى الفرض، ولو أراد صرفها إلى الفرض قبل الإحرام بها صح، كذلك الطواف لا يجوز صرفه إلى غيره بعد أن تلبس بالإحرام عن نفسه، ويجوز قبل التلبس به.
قيل له: موجبات الصلاة تابعة لإحرامها، ألا ترى أنها لا تنفرد بنية، ولا بوقت، ولا بمكان؟ فجاز أن يكون الاعتبار بإحرام الصلاة، وليس
стр. 106
كذلك الطواف وغيره من أركان الحج؛ لأنه ليس في حكم التابع للإحرام، ألا ترى أنه ينفرد الطواف بنية؟ فلو طاف حول البيت لطلب غريم له لم يجزه، وكذلك ينفرد بوقت يخالف وقت الإحرام، وبمكان، فجرى في ذلك مجرى الإحرام، فلما لم يجز أداؤه عن غيره، وعليه فرضه، كذلك الإحرام به.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأ حج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق».
قال: فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يسأله: أحججت عن نفسك، أو لا؟ ولو كان الحكم يختلف لسأله.
والثاني: أنه شبهه بالدين، ومعلوم أن من كان عليه دين جاز أن يؤدى دين غيره.
وروي عن علي ﵇ قال: استقبلت النبي ﷺ جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: «حجي عن أبيك».
ولم يسألها: أحججت عن نفسك، أم لا؟
والجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ علم من حال السائل أنه
стр. 107
قد حج عن نفسه، فلهذا أجاز له النيابة عن أبيه.
وهذا هو الظاهر من حال الخثعمية، لأنها [سالت النبي ﷺ بعد] منصرفه من المزدلفة إلى منى حيث كان الفضل رديفه، والظاهر من حال من يكون في ذلك الموضع: أنه قد حج، فلذلك لم يستفصل.
وعلى أن الخبر اقتضى السؤال عن جواز النيابة في الجملة، فأما مواضعه فغير مقصود بيانها به.
وأما تشبيهه بالدين، فإنما شبهه بقضاء الدين في حق من كان قد حج عن نفسه، والتشبيه في ذلك الموضع صحيح.
وعلى أن النبي ﷺ شبه النفع الحاصل بقضاء الحج بالنفع الحاصل بقضاء الدين، فيحتاج أن يثبت قضاء الحج حتى يكون نفعه كنفع قضاء الديون.
واحتج بأن هذا مما تصح فيه النيابة، فوجب أن يجوز أداؤه عن غيره قبل أدائه عن نفسه، كالدين والزكاة.
ولا يلزم عليه طواف الزيارة، لأن التعليل لجواز أدائه من غيره قبل أدائه عن نفسه بحال، وهذا مستمر في الطواف، ولأنه إذا لم يكن محرمًا جاز له أن يحرم عن غيره، ويطوف عنه.
والجواب: أن [قوله]: (هذا مما تصح فيه النيابة) رجوع عن كلامه
стр. 108
في المسألة التي قبلها، وان الحج لا تدخله النيابة، وإنما يكون له ثواب النفقة، ونسأل الله حسن التوفيق.
مع أن الفرق بين الحج وبين الزكاة والكفارة والدين واضح، وذلك أن الاستنابة تصح في هذه الأفعال في جميع أحوال من وجب عليه، سواء عجز عن فعلها في نفسه، أو لم يعجز، كذلك لا تختص بحال للنائب دون حال، وليس كذلك الحج، فإنه لا يجوز أن يستنيب فيه مع قدرته عليه، ويجوز مع عجزه عن نفسه، فلما اختص بحال دون حال لمن وجب عليه، جاز أن يختص بحال للنائب دون حال.
ولأنه إذا نوع إحرامًا مطلقًا- وعليه فرضه- انصرف إليه، ولو أخرج صدقة إلى الفقراء، أو أعتق رقبة، لم ينصرف بإطلاقه إلى الزكاة والكفارة.
ولأن بقاء بعض الدين والزكاة لا يمنع أداء دين غيره، كذلك بقاء جميعه، وليس كذلك الحج، لأن بقاء بعضه عليه، يمنع أداءه من غيره، كذلك بقاء جميعه.
فإن قيل: على هذا كل جزء من الدين والزكاة له حكٌم قائم بنفسه، لأنه لو أدى جزءًا من الزكاة وقع موقعه، وإن لم يؤد الباقي، وكذلك
стр. 109
الدين، وليس كذلك الحج، لأن بعضه لا يثبت حكمه بنفسه، بدليل أنه لو أفسد بعضه، فسد جميعه.
قيل له: لا فرق بينهما، وذلك أنه قد ثبت حكم بعضه بنفسه، ألا ترى أنه لو أحرم، ووقف بعرفة، وأخر طواف الزيارة إلى أن عاد إلى بلده، لم يفسد ما عمله، بل يثبت حكمه؟ وكذلك لو أفسد الطواف، ولم يفسد ما تقدم، فهو كالزكاة والكفارة.
واحتج بأنه لو أحرم عن نفسه في هذه الحال صح إحرامه، كذلك إذا أحرم عن غيره قياسًا على من حج مرة.
[والجواب: أنه] لا يجوز اعتبار من حج مرة بمن لم يحج، كما لم يجز اعتبار من طاف مرة بمن لم يطف في جواز النيابة.
ولأنه إذا حج مرة لم يتعين عليه الحج، وإذا لم يحج يتعين عليه الحج بالحضور، فلم تصح النيابة فيه كالجهاد.
ولأن المعنى في الأصل: أنه أسقط فرض الحج عن نفسه، وليس كذلك في مسألتنا، لأنه لم يسقط فرض الحج عن نفسه، فهو كالمراهق.
стр. 110
٢٩ - مسألة
إذا كان عليه حجة الإسلام، فأحرم به ينوي تطوعًا، وقع عن حجة الإسلام في أصح الروايتين:
وهذا ظاهر كلام الخرقي، لأنه قال في المسألة التي قبلها: لأنه إذا حج عن غيره من لم يحج عن نفسه انعقدت الحجة عنه، وإن لم ينوها عن نفسه.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور وعبد الله فيمن نذر أن يحج- وما حج حجة الإسلام: لا يجزئه حتى يبدأ بفريضة الله، ثم يقضي ما أوجب على نفسه.
وظاهر هذا: أنه لا يصح منه فعل حجٍة ير الفريضة، سواء أحرم بغيرها، أو أراد الإحرام بغيرها.
وهو قول الشافعي.
وفي رواية أخرى: أنه إذا أحرم ينوي به تطوعًا أجزأه عما نواه.
أومأ إليه أحمد في رواية ابن القاسم في الرجل يحج ينوي التطوع: فالحج والصوم سواء، لا يجزئ إلا بينة.
وظاهر هذا: أنه تعين أن نية الفرض شرط في صحة ذلك، وهو ظاهر كلام أبي بكر ذكره في "كتاب الخلاف" فقال: وكيف يجزئ فرض، وقد قصد به نافلة؟! وكيف يجزئ إحرام عن زيد لعمرو؟! فلا
следующие страницы →