Полный текст (1 579 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
يحرم عنه بعد الإغماء.
دليله: غير أهل الرفقة.
فإن قيل: ليس عند أبي حنيفة في ذلك نص.
قيل له: إلا أن أصحابكم قد سلموا ذلك.
فإن قيل: فأهل رفقته أخص بحفظ متاعه، والتصرف عليه، فلا يمتنع أن يكونوا أخص بهذا الحكم من غيرهم، كالأب لما كان أخص بالتصرف عن ابنه الصغير، كان أخص بالإحرام عنه عندكم.
قيل له: أهل الرفقة في حفظ متاعه يجرون مجرى الملتقط للمال؛ إنما يأخذه يحفظه على صاحبه، فأما أن يملكوا التصرف فيه، فلا يجوز، وليس كذلك الأب؛ فإنه يملك التصرف في ابنه في ماله بالعقد، فملك الإحرام عنه.
ولأن الإحرام عنه لا يصح إلا بالنية، والمغمى عليه لم توجد منه نية.
فإن قيل: المسألة محمولة على أنه توجد ونوى.
قيل له: تلك النية لا حكم لها؛ لأنه قد عرض ما يقطعها، ألا ترى أنه لو كان صحيحاً، فنوى الإحرام، ثم عزبت نيته، واستعمل بعمل
стр. 667
آخر، ثم أحرم، لم يجزئه.
واحتج المخالف بأن الإحرام ركن من أركان الحج، وفرض من فروضه، فجاز أن يقوم فعل غيره مقام فعله في حال العُذر، ويصير كأنه فعله بنفسه، كما لو كان مريضاً لا يمكنه أن يطوف بنفسه، فطيف به، قام فعل غيره مقام فعله في ثبوت حكم الطواف له، وصار كأنه طاف بنفسه.
والجواب: أنا نقول بموجبه، وأنه يجوز الإحرام عن الغير في الجملة، وهو في حق الصغير والكبير والمريض، وعلى أن فرقاً بين الطواف وبين الإحرام، وذلك أنه لو طاف به غيره، وهو صحيح أجزأه، ولو أحرم عنه غيره، وهو صحيح، لم يجزئه، لأن المأخوذ عليه في الطواف حصوله حول البيت إذا طيف به، فقد حصل حوله، فصار كأنه طاف بنفسه، وإذا أحرم عنه غيره، فلم يحصل فيه معنى يصير به محرماً، فنضير الإحرام عنه أن يطوف غيره عنه، فلا يجزئه.
واحتج بأن أحمد قد وافقنا على أن الإنسان يجوز أن يصير محرماً بإحرام يفعله عنه غيره؛ لأنه يقول: إن الإنسان إذا أحرم عن ابنه الصغير، صار الابن محرماً به، ونحن نقول: إنه إذا أحرم عن المغمى عليه يصير المغمى عليه محرماً.
فإذا حصل الاتفاق على هذه الجملة احتجنا أن ننظر أيُّما أولى بأن يثبت له حكم الإحرام، فقلنا: إن المغمى عليه أولى بذلك من الصبي لوجهين:
стр. 668
أحدهما: أن أحكام العبادات قائمة عليه، ألا ترى أنه يلزمه قضاء الصوم والصلاة؟
والثاني: أن نية الحج قد وجدت منه، وهو عاجز عن أدائها.
والصبي لا تلزمه العبادات، ولا تصح منه النية.
والجواب: أن الصبي أولى بذلك؛ لأن وليه يعقد عليه النكاح والعقود، ولا يعقد رجل من أهل الرفقة النكاح، ولا سائر العقود.
وقولهم: (إن المغمى عليه يتوجه عليه وجوب العبادات) لا يصح على أصلهم؛ لأن عندهم يسقط عنه فرض الصلاة بعد اليوم والليلة.
وعلى أن هذا يوجب أن يصح الإحرام عن النائم؛ لأنه تتوجه عليه العبادات.
وقولهم: (إن نية الحج قد وجدت منه) فقد بيَّنَّا فساد النِّيَّة، فلم يصح ما قاله.
* … * … *
١٤٤ - مسألة
إذا أحرم العبد، ثم عتق قبل الوقوف، أجزأه عن حجة الإسلام:
نص عليه في رواية حرب وابن القاسم وسندي وابن منصور.
стр. 669
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجزئه عن حجة الإسلام.
دليلنا: ما روى عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت رسول الله ﷺ بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله! كيف الحج؟ فقال: "الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه".
فإن قيل: الخبر يقتضي أن حجه تام، ونحن نقول: حجه تام، وليس فيه أن يجزئه من حجة الإسلام.
قيل له: قولهم: (كيف الحج؟) يقتضي حجة الإسلام.
ولأن التعريف يرجع إلى المعهود، وهو حجة الإسلام، فيجب أن يرجع الخبر إليه.
ولأنه وقف بعرفة في زمانه في إحرام صحيح، وهو كامل، فوجب أن يدرك به حجة الإسلام.
دليله: إذا أسلم، وهو حر بالغ.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الإحرام حصل في حال الحرية، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حصل في حال الرِّق.
قيل له: يجوز أن ينعقد الإحرام على سبيل المراعاة، فإذا كمل في حال الوقوف يكون فرضه، ويكون بمنزلة ما لو أحرم بالفرض.
стр. 670
ويبين صحة هذا: أنه ينعقد موقوفاً على الوقوف والإدراك والفوات، فجاز أن يكون موقوفاً على إدراك حجة الإسلام، وعلى التطوع.
وإن شئت قلت: أتى بأفعال إحرامه على كمال حاله، فوجب أن يجزئ عن حجة الإسلام قياساً على ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه أتى بالإحرام وأعماله في حال الكمال.
قيل له: قد بينا: أن الإحرام يقع مُراعي موقوفاً على الوقوف على ما بينا.
فإن قيل: جاز أن يقال: يقع مراعى، فيجب أن نقول: إذا أعتق بعد الوقوف أو بعد الفراغ: أن يجزئه، ويكون مراعى.
قيل له: [ .... ].
واحتج المخالف بأن هذه حجة أُديت بإحرام حصل في حال الرِّقِّ، فوجب أن لا تُجزئ عن حجة الإسلام.
دليله: إذا أعتق بعد الوقوف.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الأفعال وُجدت في حال النقص، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها وُجدت في حال الكمال، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن إحرامه في الابتداء لم يقع بحجة الإسلام بدلالة أنه لو
стр. 671
مضى فيه لم يجزئه عنها، فلم يجز له أن يبني عليه حجة الإسلام، كما لو أحرم بعمرة لم يجز أن يؤدي به حجة الإسلام.
والجواب: أنا قد بينا: أنه يقع مراعى في الوقوف:
فإن وقف كاملاً كان الإحرام عن فرضه.
فإن وقف كاملاً كان الإحران عن فرضه.
وإن وقف ناقصاً كان عن تطوعه.
وقد يكون الإحرام مراعى بين الحج والعمرة، وهو إذا نوى الإحرام؛ فإنه ينعقد، ويصرفه إلى أيهما شاء.
وعلى أن الحج والعمرة عبادتان مختلفتان، فلا يجوز أن ينعقد بإحداهما وينصرف إلى الأخرى، وليس كذلك الفرض والتطوع، ألا ترى أن الصلاة لا يجوز أن تنعقد بالظهر، ثم تنصرف إلى العصر، ولا بالعصر ثم تنصرف إلى الظهر، ويجوز أن يصلي في أول الوقت، ثم تنصرف في آخر الوقت إلى الفرض.
والجواب: أن الصلاة والصوم يقعان على سبيل المراعاة عندنا في الصبي، وعند أبي حنيفة في الصلاة في أول الوقت؛ فإنها تقع مراعاة:
فإن بقى على شرط التكليف إلى آخر الوقت كانت عن فرضه.
وإن زال شرط التكليف قبله كانت تطوعاً.
стр. 672
وإذا كفر المرتد بالمال كان موقوفاً، فإن أسلم، أجزأه عن فرضه.
وعلى أن الصلاة تفتقر إلى تعيين النية، ألا ترى أنه لو أطلق النية لم تصح؟ والحج لا يفتقر إلى تعيين النية، ألا ترى أنه يصح أن يطلق النِّية؟
* … * … *
١٤٥ - مسألة
إذا أحرم العبد بإذن سيده لم يكن له أن يُحلله، وكذلك الأمة:
وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد الله وإسحاق بن إبراهيم، ويأتي شرح كلامه فيما بعد.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز له تحليله.
دليلنا: أنه عقد لازم، فإذا وقع بإذن المولى لم يكن له أن يفسخه.
دليله: النكاح.
فإن قيل: العبد يملك البُضع بعقد النكاح، ألا ترى أن بدله، وهو المهر، يلزمه؟ وإذا ملكه لم يجز لغيره أن يفسخه، وإن كان الملك قد حصل له بإذن الغير، كالصغير إذا زوجه أبوه، وتزوج هو بإذن الأب،
стр. 673
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يملك منافعه بالإذن بأمره.
ولأنه غير جائز أن يثبت له حق على مولاه على جهة الاستحقاق، ألا ترى أنه لا يثبت عليه دين لهذه العلة؟ فإذا كان كذلك، صار إذنه له في الإحرام بمنزلة العارية، وللمُعير أن يرجع في عاريته أي وقت شاء.
قيل له: ليس هذا بإعارة، وإنما هو إسقاط حق؛ لأن العبد ممنوع من عقد الإحرام وعقد النكاح لحق سيده، فإذا أذن له فيه، فقد أسقط حقه عنه، ولزمه عقد الإحرام لحق الله تعالى، كما يلزم الحر الذي لا حق لأحد عليه.
يبين صحة هذا: أنه لو كان بمنزلة المعير لوجب إذا رضى به السيد أن يكون للعبد فسخه؛ لأنه يجوز للمستعير أن يرجع في العارية، كما يجوز للمعير، فلما لم يجز للعبد فسخه، ولا يكون بمنزلة المستعير، كذلك السيد لا يجوز فسخه، ولا يكون بمنزلة المعير.
وقياس آخر، وهو: أنه عقد لازم لو لم يأذن لكان له أن يفسخه، وإذا أذن لم يكن له أن يفسخه، كالزوج إذا أذن له لزوجته في حجة التطوع.
فإن قيل: الزوجة تملك منافعها بالإذن، كما تملك سائر الأشياء إذا ملكتها، فلم يكن له أن يرجع فيها، كما لو ملكها شيئاً لم يكن له
стр. 674
أن يرجع فيه، وليس كذلك العبد؛ فإنه يملك من الوجه الذي ذكرنا.
قيل له: قد أجبنا على هذا في السؤال الذي قبله.
واحتج المخالف: بأن إذنه في الإحرام لا يوجب استحقاق منافعه عليه؛ لأنه لا يجوز أن يثبت له على مولاه حق، فصار بمنزلة العارية، وللمعير أن يرجع في ذلك.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج المخالف بأن السيد إذا باع العبد كان للمشترى تحليله منه، فوجب أن يكون ذلك للبائع؛ لأن المشتري يملكه على الوجه الذي كان للبائع مالكاً له.
والجواب: أنه لا يملك تحليله، كما لا يملك البائع، بل ننظر فيه:
فإن علم المشتري أنه محرم لم يكن له فسخ البيع، ولزمه تركه حتى يحج.
وإن لم يكن علم كان له ردُّه بالعيب، وإن لم يكن له تحليله.
* … * … *
١٤٦ - مسألة
فإذا أحرم العبد بغير إذن سيده انعقد إحرامه، وكذلك الزوجة إذا أحرمت بحجة التطوع بغير إذن الزوج:
وهل يجوز للزوج والسيد أن يحلله من الإحرام؟ على روايتين:
стр. 675
إحديهما: يجوز ذلك.
قال في رواية عبد الله في مملوك لرجل قال: إذا دخل أول يوم من رمضان، فامرأته طالق ثلاثاً إن لم يُحرم أول يوم من رمضان: يحرك أول يوم ولا تطلق امرأته. قيل له: فيمنعه سيده أن يخرج إلى مكة؟ قال: لا يعجبني أن يمنعه أن يخرج.
فقد حكم بصحة الإحرام بغير إذنه، ولم يستحب أن يحلله؛ لأنه قال: لا يعجبني أن يمنعه، وظاهر هذا على طريق الاختيار، وهو اختيار شيخنا، وهو قول أكثر الفقهاء.
وفيه رواية أخرى: لا يجوز أن يحلله.
وهو ظاهر كلامه في رواية إسحاق بن إبراهيم في مملوك لرجل قال: إذا دخل أول يوم من رمضان فامرأته طالق ثلاثاً إن لم يُحرم. فقال: يُحرم، ولا تطلق امرأته. قيل له: فإن منعه سيده أن يخرج؟ قال: ليس له أن يمنعه أن يمضي إلى مكة إذا علم منه رُشداً.
وقال -أيضاً- في موضع آخر من "مسائل ابن هانئ" في المرأة تحلف بالحج والصوم، ولها زوج؛ هل لها أن تصوم بغير إذنه؟ قال: نعم، فما تصنع وقد ابتليت، وابتلى زوجها، وقد أوجبت على نفسها؟
وقال في رواية ابن منصور امرأة أهلت بالحج، وزوجها كاره، قال: لا ينبغي أن يمنعها، وإن كانت على وجه اليمين، فعليها كفارة.
وقال في موضع آخر من "مسائله" في امرأة أرادها زوجها، فلبت
стр. 676
بحج، أو عمرة: وجب عليها ما لبت.
فقد صرح بأنه لا يجوز له أن يحلله، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا، ذكره في كتاب "الخلاف".
وقال داود: لا ينعقد الإحرام من أصله.
فالدلالة على أنه ينعقد في الجملة: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا حج المملوك أجزأ عنه حجة المملوك، فإن أعتق فعليه حجة الإسلام، وكذلك الأعرابي والصبي مثل هذه القصة، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين".
فوجه الدلالة: أنه أثبت له حجاً صحيحاً، ولم يُفصل بين أن يكون بإذن سيده، أو بغيره.
ولأن الحج من العبادات المحضة، فوجب أن ينعقد بغير إذن سيده، كالصلاة والصيام.
وإن شئت قلت: كل عبادة يصح إحرام العبد بها بإذن السيد صح إحرامه بغير إذنه.
دليله: ما ذكرناه.
ولأنه مكلف، فصح إحرامه بالحج على الإطلاق، كالحر.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "كل عمل ليس عليه
стр. 677
أمرنا فهو رد"، وإحرامه بغير إذن سيده ممنوع منه، فوجب رده.
والجواب: أنه محمول على غير الحج بما ذكرنا.
واحتج بأنه محجور عليه، أشبه الصبي والمجنون.
والجواب: أنه يبطل بالمحجور عليه لسفه، أو فلس.
ثم المعنى في الصبي والمجنون عدم التكليف، وهذا مكلف.
واحتج بأنه عقد من العقود فلهذا لم يصح من العبد؛ ليقف على إجازة السيد، كالنكاح.
والجواب: أن النكاح لا يصح موقوفاً، فلهذا لم يصح من العبد؛ ليقف على إجازة السيد، والإحرام يصح موقوفاً على إجازة السيد.
والدلالة على أن للسيد أن يحلله: أن السيد تملك رقبته، ومتى مضى على إحرامه عطل حق السيد، وكان له منفعة.
ولأن الحر إذا حُصر بغير حق كان له أن يتحلل، فلأن يتحلل العبد بالقهر الواجب أولى وأحرى.
واحتج من قال: (ليس له تحليله) بأنه إحرام انعقد صحيحاً، فلم يملك تحليله.
دليله: لو أذن له في ذلك.
стр. 678
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الإذن بعدمه في الإحرام، كما لم يجز ذلك في عقد النكاح والبيع وغيره من العقود.
ولأنه إذا أذن له فقد رضى بإسقاط حقه من المنفعة.
واحتج بأن الحج عبادة، فأشبه الصلاة والصيام.
والجواب: أنه يملك تحليله من ذلك إذا كان نفلاً، كما يملك في الحج.
واحتج بأن الحج يلزم بالدخول فيه، كما تلزم حجة الفرض ابتداء بالشرع، ثم ثبت أنه لا يملك تحليله في عبادة واجبة، كالصوم والصلاة الفرضين، كذلك هاهنا.
والجواب: أن الصوم والصلاة وجبا بأصل الشرع، فلهذا لم يملك تحليله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وجب بسبب من جهته يقصد به إسقاط حق سيده، فملك تحليله، كالبيع ونحوه.
وتأملت كلام أحمد، فرأيت أكثره يدل على أنه يملك تحليله، وتكون الدلالة على ذلك: عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا اسم عام.
ولأنا قد حكمنا بصحة الإحرام، وإذا صح تعلق به حق الله تعالى، كالحر إذا أحرم بحجة التطوع تعلق بها حق الله، وقد تعلق بمنافعه حق
стр. 679
السيد، فلو قلنا: (له أن يحلله) غلبنا حق السيد على حق الله تعالى، وهذا لا يجوز، ألا ترى أن العدة لما تعلق بها حق الله وحق الزوج، وكان المغلب فيها حق الله، فلو أسقطها الزوج لم تسقط؟ وكذلك القتل في المحاربة المغلب فيه حق الله تعالى، فلو عفا الولي لم يسقط قتله.
ولأنها عبادة تلزم بالدخول فيها، فإذا عقدها بغير إذن سيده لم يملك فسخها.
دليله: الإيمان.
[ولا يلزم عليه الدخول في النوافل] من صلاة التطوع وصوم التطوع أن له أن يحلله؛ لأنه لا يلزم بالدخول فيه.
وما ذكروه من أن مُضيه في الحج تعطيل لحق سيده من منافعه، فلا يمتنع مثل هذا، كالسيد إذا كان ذمياً، وله عبد ذِمِّيُّ، أسلم العبد الذمي؛ فإن إسلامه يوجب قطع استدامة ملك السيد عليه، ويُؤمر بإزالته، ومع هذا فليس له فسخ الإسلام عليه.
وكذلك لو كان السيد مسلماً، وله عبد ذمي، فأسلم، لم يملك فسخ الإسلام عليه، وإن كان -على قول بعضهم- فيه ضرر، وهو نقصان قيمته.
وما ذكروه من ان الحصر بغير حق يثبت التحلل، فأولى أن يثبت بحق، فلا نسلم أن هاهنا حصر ثابت؛ لأنا قد بينا: أنه ليس للسيد أن
стр. 680
يحلله، فإذا تعدى وصده عن البيت جرى مجرى حصر العدو.
* … * … *
١٤٧ - مسألة
فإن أحرمت المرأة بحجة الإسلام لم يجز لزوجها أن يُحللها رواية واحدة:
نص عليه في رواية صالح في امرأة تريد الحج الفرض مع ابنها: فليس لزوجها أن يمنعها، ولا تخرج إلا بإذنه.
وكذلك نقل أبو طالب عنه قال: ليس له أن يمنعها من الفرض.
وهو قول أبي حنيفة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: له أن يحللها.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وتحليلها يمنع وجوب الإتمام عليها، وذلك خلاف مقتضى الظاهر.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ يعني: فإن منعتم، ولم يفرق بين أن يكون المنع من جهة الزوج، أو من جهة غيره.
قيل له: قد حكينا عن أهل اللغة، وأن منهم من قال: أحصره
стр. 681
المرض، وحصره العدو، ومنهم من قال: أحصرتم يصلح لهما، ولم يقل واحد منهم: إنه يستعمل في الزوج.
ولأن الحج عبادة مفروضة، فلا يجوز للزوج أن يمنعها من أدائها، كالصلاة والصيام.
ولا تلزم عليه المنذورة؛ فإن الحكم فيها كالحكم في المفروضة بأصل الشرع، وقد حكينا كلام أحمد في ذلك.
فإن قيل: ليس في اشتغالها بالصلاة إبطال حق الزوج؛ لأنها لا تمتد، ولا تطول، وفي اشتغالها بالحج إبطال حق الزوج؛ لأنه يمتد في الوقت، ويطول بقاؤها على الإحرام.
قيل له: فأفرق بين هذا المعنى، بين صلاة التطوع وصوم التطوع، وبين حج التطوع.
وعلى أن وق الحج لأهل مكة يقصر، ومع هذا تحتاج إلى الإذن عندكم.
فإن قيل: الصلاة تجب عليه، كما تجب عليها، فالوقت لهما واحد، فلا يستضر بتشاغلها فيه.
قيل له: قد تختار أن تصلي في أول الوقت، فلا يمنعها، وإن لم يتعين عليه الصلاة فيه.
على أن استضراره في ما كان حقاً عليه غير مُعتبر بدليل
стр. 682
حبسها في الدين.
واحتج المخالف بما روى عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ قال في امرأة لها مال، ولها زوج، ولا يأذن لها الزوج في الحج: "ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها".
والجواب: أن هذا الحديث، إن كان صحيحاً، فهو محمول على وجه التطوع بدلالة ما قدمنا.
فإن قيل: شرط المال يدل على أن المراد الحج الواجب؛ لأن المال شرط فيه، وليس بشرط في التطوع.
ولأن الحج معرف بالألف واللام، فرجع إلى حجة الإسلام؛ لأن التعريف يرجع إلى المعهود.
قيل له: الحجة المنذورة يُشترط فيها المال، وهي معرفة، فالخبر محمول عليها على إحدى الروايتين.
على أنه ليس في قوله: "لها مال" ما يدل على أن المراد به الفرض؛ لأن المال عون على كل حج النفل، كما هو عون على حج الفرض، فلا يمتنع أن يكون السؤال عن النفل خرج.
وقولهم: (ليس يأذن لها في الحج) لا يختص الفرض؛ لأن الألف واللام للجنس، وهذا كقول النبي ﷺ : "ليس لها أن تُصلي إلا بإذن
стр. 683
زوجها" لا يختص الفرض دون النفل.
واحتج بأنه نوع ملك يتعلق به وجوب النفقة، فوجب أن يستحق به المنع من الحج.
دليله: ملك اليمين.
يبين صحة الجمع: ما روي عن عائشة أنها قالت: النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته؟
والجواب: أن العبد يشتغل بالتطوع عن خدمة المولى، فنظيره من المرأة أن تحرم بحجة التطوع، فيجوز للزوج أن يحللها، فأما إذ أحرمت بحجة الإسلام، فإنما اشتغلت بأداء الفرض، فهي كالعبد إذا اشتغل بأداء الظهر والعصر.
فإن قيل: فالعبد إذا أحرم وجب عليه الحج بالإحرام، ومع هذا فله منعه.
قيل له: قد حكينا في ذلك روايتين:
إحداهما: ليس له منعه.
فعلى هذا: لا نسلم ذلك، ويجب أن تكون هذه الرواية هي الأشبه؛ لأنه قد نص على أن المرأة إذا نذرت لم يكن له منعها، والدخول في الحج من جهته كالنذر.
стр. 684
والثانية: له منعه، وكذلك في المنذورة؛ لأن الإيجاب هناك من جهة العبد وجهة المرأة، فلم تملك إسقاط حق الزوج، وفي مسألتنا الإيجاب من جهة الله، فهو كالصلاة والصيام.
واحتج بأنها حجة واجبة، فكان لزوجها منعها من الخروج لها، كالمنذورة.
والجواب: أنه ليس له المنع من المنذورة، وقد حكينا كلام أحمد في رواية ابن إبراهيم في المرأة تخلف بالحج والصوم، ويريد زوجها منعها، فقال: ليس له ذلك، قد ابتليت وابتلى زوجها.
يعني بقوله: حلفت: نذرت، مع أن النذر وجوبه من جهته، فهو أخف، وما اختلفنا فيه وجوبه بأصل الشرع، فهو آكد.
ويتخرج في رواية أخرى له المنع بناءً على الرواية التي أجاز له تحليل العبد من الحج، وكان المعنى في النذر ما ذكرنا.
واحتج بأن حق الزوج مُضيق يتجدد حالاً فحالاً، والحج موسع؛ لأنه على التراخي، والحقان إذا اجتمعا، ولم يكن بد من تقديم أحدهما وجت تقديم المُضيق منهما إذا كان في تأخيره ضرر على المستحق، ألا ترى أن العبد إذا أحرم بغير إذن المولى كان له أن يحلله لهذا المعنى؟
والجواب: أن الحج غير موسع عندنا، فلا يلزمنا ما ذكره.
стр. 685
فإن قيل: فتصور المسألة في امرأةنذرت أن تحج: أنها تؤديه متى شاءت، والخلاف فيه كالخلاف في حجة الإسلام.
قيل له: لا يمتنع أن نقول: له أن يحللها، كما يحللها في حجة التطوع.
على أن وقت الصلاة في أول الوقت موسع، ومع هذا فلا يُعتبر إذن الزوج فيه، والحج في السنة التي تغلب على ظنها أنها تعجز، فإن الحج مضيق عندكم، ويحتاج إلى إذن الزوج فيه، فلم يصح ما قاله.
* … * … *
١٤٨ - مسألة
إذا اشترى الرجل جارية مُحرمة، وقد كان البائع أذن لها في الإحرام، لم يكن للمشتري أن يحللها:
نص على هذا في رواية الحارث في رجل اشترى جارية محرمة، فهل له أن يطأها؟ فقال: وكيف يطؤها وهي محرمة؟! هذه أذن لها مولاها بالإحرام، وباعها وهي محرمة، يعلم بها المشتري، ثم قال: ما تقول في رجل زوج جارية له، ثم باعها، وعلم المشتري أن لها زوجاً، هل له أن يطأها؟ هذه مثلها، قد أحرمت بإذن سيدها، ليس له أن يطأها حتى تقضي حجها.
نقلتها من كتاب النجاد.
وقال أبو حنيفة: له أن يحللها.
стр. 686
دليلنا: أن الإحرام عقد لازم، فأشبه عقد النكاح، ولا خلاف أنه ليس للمشتري أن يفسخ النكاح، كذلك الإحرام.
واحتج المخالف بأن إذن البائع لا يوجب استحقاق منافعها عليه، وأن له أن يحللها، فإذا باعها انتقل إلى المشتري جميع ما كان للبائع منها، فلما ثبت للبائع ذلك، ثبت كذلك للمشتري.
والجواب: أنا لا نسلم لك هذا، وقد ثبت أن البائع لا يجوز أن يحللها، فالمشتري مثله.
* … * … *
١٤٩ - مسألة
في العبد يدخل مكة مع مولاه بغير إحرام، ثم يأذن له مولاه، أو يعتقه، فيحرم، والصبي يدخل مكة بغير إحرام، ثم يبلغ، أو يأذن له وليه، فيحرم، فلا دم عليهما:
نص عليه في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان في مملوك جاوز المواقيت بغير إحرام، منعه مواليه أن يحرم حتى وقف بعرفة، قال: يحرم مكانه، وليس عليه دم؛ لأن سيده منعه. قال أحمد: جيد، حديث أبي رجاء، عن ابن عباس.
وقال أبو حنيفة في العبد: عليه دم، وفي الصبي: لا دم عليه.
стр. 687
وللشافعي قولان في العبد والصبي.
دليلنا: أن العبد والصبي لم يلزمهما الإحرام من الميقات؛ لأن العبد لا يملك منافع نفسه، وللسيد منعه، وكذلك الصبي لا يملك الإحرام بنفسه، فإذا أخر ما بعد ذلك لم يلزمهما دم، كالمجنون.
ولهذا نقول: لو أذن لهما الولي في الإحرام من الميقات، فلم يحرما، لزمهما دم.
ولأن سبب وجوب العبادة حصل بعد البلوع، فلم يلزمه بترك الفعل شيء، كما لو وجد الزاد والراحلة.
ولأن الحج وجب عليه بمكة، فصار كأهلها.
ونخص أبا حنيفة بأن العبد مولى، فإذا منعه الولي من الإحرام، ثم أحرم بعده، لم يلزمه دم، كالصبي.
فإن قيل: الصبي يصح منه الإحرام، وليس كذلك العبد؛ لأنه لا يصح منه.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل عندنا يصح إحرامه.
واحتج المخالف بأنه ممن تصح منه العبادات، أو ممن يصح منه الإحرام في الحال، فوجب أن يلزمه لتركه في الوقت دم، كالحر.
والجواب: أن الحر يلزمه الإحرام من الميقات، ومع هذا لا يلزمه.
* … * … *
стр. 688
١٥٠ - مسألة
في نصراني دخل مكة، فأسلم، ثم أحرم منها، فعليه دم لترك الميقات في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية أبي طالب في نصراني أسلم بمكة: يخرج إلى الميقات، فيحرم، فإن خشى الفوات أحرم من مكة، وعليه دم.
وبه قال الشافعي.
وفي رواية أخرى: لا شيء عليه، أومأ إليها في رواية حنبل في الذمي يسلم بمكة، ويحرم من مكة، أو من موضع أسلم؟
وكذلك نقل ابن منصور عنه في نصراني أسلم بمكة، ثم أراد أن يحج: هو بمنزلة من وُلد.
وظاهر هذا: أنه لا يلزمه الإحرام من الوقت، ولا دم عليه، وقد ذكرها أبو بكر على روايتين.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وجه الرواية الأولى: أنه حر بالغ عاقل لا يتكرر دخوله إلى مكة، فإذا دخلها لغير قتال، وأحرم دون الميقات، لزمه دم.
стр. 689
دليله: المسلم.
فإن قيل: المسلم لو أحرم من الميقات صح إحرامه، فإذا تركه لزمه دم، وليس كذلك الذمي؛ فإنه لو أحرم من الوقت لم يصح إحرامه، فلا يلزمه دم، كالمجنون.
قيل: إلا أنه يمكنه أن يسلم، ويحرم، فإذا لم يفعل مع التمكن وجب الدم، وكان بمنزلة المسلم إذا ترك الإحرام من الميقات.
يبين صحة هذا: أن من ترك الصلاة حتى فات وقتها، وهو محدث، كان منزلة من ترك الصلاة، وهو متطهر؛ لأنه كان متمكناً من ذلك، كذلك هاهنا.
وأما المجنون فلم يتمكن من إزالة المانع من الإحرام، وليس كذلك الكافر؛ لأنه متمكن من إزالته، فلهذا لزمه الدم؟
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الإسلام يجُب ما قبله".
والجواب: أن الدم يتحدد وجوبه بعد الإسلام، فلا يسقط الإسلام؛ لأنه إنما يجب إذا أحرم من سنته من غير الميقات، وهذا السبب حدث بعد إسلامه، فلم يكن في الخبر حجة.
стр. 690
واحتج بأنه لا يصح منه الإحرام، فلم يلزمه دم بترك الوقت، كالمجنون.
والجواب عنه": ما تقدم.
* … * … *
١٥١ - مسألة
من أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كالتجارة ونحوها، لزمه دخولها بإحرام، سواء كان منزله الميقات، أو وراء الميقات إلينا، أو إلى مكة:
وقد نص على هذا في مواضع:
فقال في رواية ابن منصور: لا يدخلها أحد إلا بإحرام.
وقال في رواية ابن إبراهيم: وقد سئل عن رجل أراد أن يدخل مكة بتجارة: أيجوز أن يدخلها بغير إحرام؟ قال: لا يدخل مكة إلا بالإحرام، ويطوف، ويسعى ويحلف، ثم يحل.
وقال في رواية ابن القاسم وسندي: قد رُخِّص للحطابين والرعاء، ونحن هؤلاء، وقد رجع ابن عمر من بعض الطريق، فدخلها بغير إحرام،
стр. 691
فقيل له: إنهم يقولون ابن عمر لم يكن بلغ الميقات، فمن أجل ذلك دخل بغير إحرام، فقال: الميقات وغيره سواء.
وإنما رجع لاضطراب الناس والفتنة، فدخل كما هو.
وكان ابن عباس يشدد في ذلك، فقيل له: فالنبي ﷺ دخلها يوم الفتح بغير إحرام، فقال: ذلك من أجل الحرب.
وهذا يدخل مع فعل ابن عمر.
فقد نص على ما ذكرنا.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان وراء الميقات إلينا لم يجز دخولها بغير إحرام لقتال أو غيره، وإن كان من أهل الميقات، أو كان من رواء الميقات إلى مكة، لم يلزمه دخولها بإحرام.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: يجوز دخولها بغير إحرام إذا لم يكن مُريداً للنسك.
وقد أومأ أحمد إلى مثل هذا في رواية الأثرم والمروذي: لا يعجبني أن يدخل مكة تاجر ولا غيره إلا بإحرام تعظيماً للحرم، وقد دخلها ابن عمر بغير إحرام.
وظاهر هذا: أنه على طريق الاختيار، والمذهب على ما حكينا.
стр. 692
والدلالة عليه: ما روى أبو شريح الكعبي: أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة حين دخلها، وعلى رأسه عمامة سوداء: "إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار".
فلا يخلو إما أن يكون أراد به القتال، أو دخولها بغير إحرام، فلما اتفق الجميع على جواز القتال فيها متى عرض مثل ذلك الحال، علمنا أن التخصيص وقع لدخولها بغير إحرام.
فإن قيل: إنما أراد به القتال، ولهذا دخلها بأُهبة الحرب وعُدتها؛ لأنه كان لا يأمن الغدر والنَّكث.
قيل له: قد بينا جواز القتال فيها لغيره متى عرض مثل تلك الحال، فعلمنا أن التخصيص وقع لدخولها بغير إحرام.
وقد ورى بعض من نصر هذه المسألة: عن خُصيف، عن سعيد ابن جبير قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم، إلا من كان أهله دون الميقات".
وروى أبو حفص في كتابه بإسناده عن مجاهد وطاوس قالا: ما دخل رسول الله ﷺ قط -هو ولأصحابه- إلا وهم محرمون.
وأفعال النبي ﷺ تقتضي الوجوب.
ولأن كل من لا يتكرر دخوله إلى مكة إذا دخلها لغير قتال، وهو
стр. 693
من أهل فرض الحج، لزمه الإحرام.
دليله: لو دخلها مريداً للنسك.
وفيه احتراز من دخولها لقتال، ومن يتكرر دخوله كالحطابة والرعاء، ومن العبد والصبي والمجنون.
فإن قيل: إذا كان مريداً للنسك فإن الميقات موضع للنسك، وهو الإحرام، فلم يجز أن يتجاوز بغير فعله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير مريد للنسك، فلم يتعين عليه فعل الإحرام فيه.
قيل له: إذا أراد دخولها فقد أراد النُّسك في محله، فيجب أن يأتي به.
ولأن كل معنى إذا فعله المريد للنسك أوجب دماً، جاز أن يوجبه إذا لم يرده.
دليله: قتل صيد الحرم.
ولأنه لو نذر المشي إلى بيت الله، أو نذر دخول مكة، لزمه أن يدخلها بأحد النُّسكين، فلولا أن إحرامه نسك يختص بدخولها، لم يُوجب عليه غير ما نذره.
ولأنها تختص بأشياء منها: وجوب الجزاء على قاتل الصيد، والتحلل من الإحرام بها، واختصاصها بالهدايا.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس: أن الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله! الحج في كل سنة، أو مرة واحدة؟ قال: "بل، مرة واحدة،
стр. 694
وما زاد فهو تطوع".
وروي أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله! أعمرتنا هذه لعامنا، أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد".
فدل على أن الحج والعمرة بعد أدائهما مرة تطوع، وإذا كان تطوعاً لم يلزمه.
والجواب: أنا لا نوجب عليه حجة أخرى، بل نقول: إذا أراد دخولها لا يدخلها إلا محرماً، ومتى دخلها على هذه الصفة كان تطوعاً، كما نقول: إذا أراد أن يصلي يتطهر ويكبر ويقرأ، ومتى فعل ذلك كان متطوعاً، ولهذا نقول: لا فرق بين أن يدخلها بحج، أو عمرة.
ولأن الخبر تضمن ما وجب بإيجاب الله تعالى، وكلامنا فيما وجب من جهة المكلف، ولهذا لم يدخل النذر تحته.
واحتج بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "هذه المواقيت لأهلها، ولكل آتٍ عليها من غير أهلها ممن أراد حجة، أو عمرة".
فظاهر هذا: أن من مر على الميقات غير مريد للحج والعمرة لم يلزمه الإحرام بحال.
والجواب: أن الخبر قُصد به بيان حد المواقيت التي يجب الإحرام
стр. 695
منها، ولم يُقصد به بيان من أراد الجواز عليها؛ هل يلزمه الإحرام، أم لا؟
وقوله: "ممَّن أراد حجاً، أو عمرة"؛ معناه: أنه يلزمه الإحرام بكل حال، ومن لا يريد النُّسك تارة يلزمه الإحرام إذا أراد دخول مكة، وتارة لا يلزمه إذا أراد مجاوزة الميقات إلى [ .... ] وما قبله.
ففائدة التخصيص لمن أراد النُّسك يرجع إلى هذا.
ولأن قوله: "ممن أراد حجاً، أو عمرة"؛ معناه: من أراد مكان الحج والعمرة، وقد يُسمى مكان العبادة باسمها، كقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: ٤٠] الآية.
فإن قيل: هذا مجاز.
قيل له: قوله: "من أراد الحج والعمرة" يقتضي شرط إرادتها، وذلك غير معتبر باتفاق، فكل منا ترك الظاهر من وجه.
واحتج بما روي عن ابن عمر: أنه دخلها بغير إحرام.
والجواب: أن هذا محمول على أنه دخلها بغير إحرام من الميقات، وهو أنه يجوز أن يكون قصد ما قبل الحرم، فلما حصل هناك قصد
стр. 696
مكة، فأحرم من ذلك الموضع.
وعلى أنه يقابلها ما رواه الأثرم وغيره بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس قال: لا يدخل مكة تاجر ولا طالب حاجة إلا وهو محرم.
واحتج بأنه دخل موضع النُّسك غير مريد للنسك، فلم يلزمه الإحرام، كما لو تكرر دخوله بأن يكون حطاباً، ودخلها لقتال.
والجواب: أنا لو كلفنا هؤلاء الدُّخول إليها بإحرام مع تكرر ذلك منهم لأدى إلى مشقة عظيمة، وأن يبقوا على إحرامهم أبداً؛ لأنهم يدخلون ويخرجون في كل يوم، ولاستضر أهل مكة أيضاً؛ لأن مصالحهم متعلقة بهم، فصاروا مخصوصين بذلك.
وأما دخولها لقتال [ .... ].
واحتج بأن القربة المفعولة لحرمة المكان لا تجب بالشرع.
دليله: تحية المسجد.
والجواب: أنه باطل بتفرقة لحم الهدي في الحرم.
على أنا لا نقول: إن دخول مكة يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام كان، كما نقول: لا نصلي إلا بطهارة أي
стр. 697
طهارة كانت، فلو تظهر قبل الوقت للنفل، ثم دخل الوقت، جاز أن يصلي الفرض بتلك الطهارة.
على أن تحية المسجد لم تجب؛ لأنها لا تختص بمسجد بعينه، فتلحق المشقة في إيجابها، فيجري حكمها مجرى الحطابة، وهذا بخلافه.
ولأن تحية المسجد لا تجب إذا أراد الفريضة، والإحرام من الميقات يجب إذا أراد الحج.
واحتج بأنه لو كان دخول مكة يوجب الإحرام، لوجب أن لا ينوب عنها الإحرام بحجة الإسلام، كما لو نذر حجة، لم تنب عنها حجة الإسلام.
والجواب: أنا لا نقول: إن دخول مكة يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام كان، كما نقول: لا نصلي إلا بطهارة أي طهارة كانت، فلو تطهر للنفل جاز أن يصلي به الفرض، كذلك هاهنا.
وذكر بعضهم هذا الاستدلال بعبارة أخرى، فقال: لو كان واجباً لكان على من دخلها بحجة الإسلام وعمرته أن يقضيه؛ لأن الدخول إلى الحرم قد خلا عن الإحرام لسنته، وإنما دخلها لواجب سابق.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنا لا نقول: إن دخولها يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام، كما لا يصلي إلا
стр. 698
متطهراً أي طهارة كانت.
وأما أبو حنيفة فالدلالة عليه- وأن من كان منزله الميقات أو وراء الميقات إلى مكة: أنه لا يجوز له دخولها بغير إحرام-: ما تقدم من حديث شريح، وهو عام، وحديث ابن عباس، والقياس على من مكان منزله وراء الميقات إلينا بالعبارة التي تقدمت، وهو: أن من لا يتكرر دخوله، فإذا دخلها لغير قتال، وهو من أهل فرض الحج، لم يجز له دخولها بغير إحرام.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يجتاز بالميقات، فلهذا لزمه الإحرام، وهذا لا يجتاز به.
قيل له: قريته ميقاته، ولهذا لا يجوز أن يتجاوزها إذا أراد الإحرام إلا محرماً.
وعلى أن الإحرام لتعظيم الحرم دون الميقات؛ لأنه إذا اجتاز بالميقات لدخول قرية في الحل لم يجب عليه الإحرام، فإذا كان دون الميقات، فأراد أن يدخل الحرم، استحب له أن يحرم، فدل على أنه لحرمة الحرم وتعظيمه وتشريفه، فإذا وجب على من كان منزلة وراء الميقات إلينا، وجب على من كان منزلة وراء الميقات إلى مكة.
* … * … *
стр. 699
١٥٢ - مسألة
إذا جاوز الميقات غير محرم لزمه إحرام على وجه القضاء، فإن أدى به حجة الإسلام في سنته سقط عنه، وإن أخره إلى السنة الثانية لم تجزأه حجة الإسلام عنه، ولزمه حجة، أو عمرة:
أومأ إليه أحمد في رواية حرب في من قدم مكة من بلد بعيد تاجراً، فدخل مكة بغير إحرام: يرجع إلى الميقات، فيُهل بعمرة إن كان في غير أيام الحج، وإن كان في أيام الحج أهل بحجة.
وظاهر هذا: أنه أوجب عليه القضاء؛ لأنه مر بالرجوع والإحرام بحج أو عمرة على نحو ما كان يلزمه إذا دخلها.
وقال في رواية أبي طالب في من دخل مكة بغير إحرام، وهو يريد الحج: فإن كان عليه وقت رجع إلى الميقات فأهل منه، ولا شيء عليه.
وظاهر هذا: أنه لا شيء عليه من إحرام آخر.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك، والشافعي على القول الذي قال: إن الإحرام من الميقات واجب: لا يلزمه شيء إذا تجاوزه ودخل.
دليلنا: أنه إذا أراد دخولها لزمه أن يحرم، فإذت لم يفعل فقد ترك إحراماً لزمه، فعليه أن يأتي به، كما لو قال: لله عليَّ إحرام، وقد تركه؛
стр. 700
فإنه يلزمه الإتيان به.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الوجوب لا يسقط بحجة الإسلام.
قيل: ليس إذا سقط الوجوب بفعل واجب آخر ما يدل على سقوط الوجوب، كما أن الطهارة واجبة لصلاة الفرض، فلو توضأ لصلاة جنازة، سقط بذلك ما وجب عليه، ولم يدل على أن الطهارة لم تكن وجبت.
ولأنه إحرام واجب، فجاز أن يلزمه فعله بعد مضي وقته، كإحرام حجة الإسلام.
واحتج المخالف بأنها قربة مفعولة لحرمة المكان، فوجب أن لا تُقضى، كتحية المسجد.
والجواب: أن تحية المسجد ليست واجبة، فلم يجب قضاؤها، والإحرام في مسألتنا واجب، فإذا لم يفعله لم يسقط وجوبه.
واحتج بأنه دخل على صفة لو حج من سنته لم يستقر عليه القضاء، كذلك وإن لم يحج من سنته.
أصله: من يتكرر دخوله إلى مكة.
والجواب: أنه يبطل بمن دخل مكة مُهلاً بحجة، ثم أفسدها.
ولأنه إذا حج بعد فعل المأمور به، وإذا لم يحج فقد ترك المأمور به، وليس إذا لم يلزمه القضاء من أدى الفعل وجب أن يلزم من لم يفعل شيئاً.
ولأن من يتكرر دخوله لا يلزمهم الإحرام؛ لأن مصالحهم متعلقة
стр. 701
بدخول مكة، وكذلك مصالح أهل مكة متعلقة بهم، ففي إيجاب الإحرام عليه إلحاق مشقة، وهذا المعنى لايوجد في غيرهم؛ لأن الإحرام يلزمهم من الميقات.
واحتج بأن كل من لا يستقر عليه القضاء بدخول الحرم محلاً إذا كان ممن يتكرر عليه دخوله، كذلك إذا كان من غيرهم.
دليله: إذا حج من سنته.
والجواب: أنه إذا حج من سنته فقد فعل ما اقتضاه الأمر، وإذا أخر الحج فلم يفعل ما يقتضيه الأمر، وفرق بين الأمرين وإيجاب القضاء بدلالة أن من أحرم بحجة الإسلام، فأداها، سقط عنه مقتضى الأمر، ولو أفسدها لما لم يفعل مقتضى الأمر، استقر عليه القضاء.
واحتج بأن الإحرام لا يجب عليه بالدخول بدليل أنه لو ورد ليدخل، وأقام في مكانه، أو انصرف إلى بلده، لم يجب عليه الإحرام، فثبت أنه يلزمه إذا أراد الدخول، فصار كالطهارة لصلاة النافلة.
والجواب: أن وجوب الإحرام يتعلق بإرادة الدخول، فإذا تم الدخول وجب عليه، كما أن الدخول في الإحرام يتعلق بالإرادة، فإذا دخل وجب عليه بالدخول حتى إذا أفسد وجب عليه القضاء.
واحتج بأنه لو وجب القضاء بترك الإحرام لأدى إلى إيجاب الإحرام إلى غير نهاية؛ لأنه كلما حضر الميقات لزمه إحرام، فوقع ما يفعله عن الحال دون الماضي، وهذا كما لو نذر أن يصوم أبداً، ثم أفطر، لم يلزمه
стр. 702
القضاء؛ لأن كل يوم مشغول بما وجب فيه من القضاء.
والجواب: أن هذا غير صحيح؛ لأن عندنا إذا عاد إلى الميقات في سنة أخرى،÷ فأحرم، والذي يجب لحرمة الميقات أن لا يجاوزه إلى مكة محرماً، وليس عليه أن يأتي بإحرام للميقات، وإذا حضره أحرم بما عليه، لم يلزمه معنى آخر لمجاوزته الميقات، وهذا كما لو أحرم فيه بحجة الإسلام.
ومثل هذا ما نقوله جميعاً في الإحرام: أنه يوجب الحج عندنا وعندهم، ولو أحرم بحجة الإسلام أو المنذورة صح، ولا يُقال: قد لزمه بالدخول إحرام، وحجة الإسلام لازمة بالشرع، فيؤدي إلى إيجاب ما لا نهاية.
وقد قيل: إن له سبيلاً إلى القضاء من غير ما ذكروه، وهو أن يأتي بإحرام من مكة، فيسقط عن نفسه موجب ما لزمه، وهذا لا يخرج على أصلنا؛ لأن أحمد قال في رواية حرب: يرجع إلى الميقات، فيحرم بحجة، أو عمرة.
واحتج بأن هذا أمر مؤقت، فسقط بفوات الوقت، والقضاء يجب بأمر آخر، فموجبه يحتاج إلى دليل.
والجواب: أنا إذا اتفقنا أن مجاوزة الميقات توجب إحراماً آخر،
стр. 703
فهو كمن قال: لله عليَّ الحج في هذه السنة؛ لأن الإيجاب تعلق بسبب من جهته، وقد اتفقنا على أن النذر المؤقت لا يسقط بفوات الوقت، كذلك هذا.
على أن القضاء عندنا يجب بالأمر السابق.
* … * … *
١٥٣ - مسألة
إذا أحرم بحجتين، أو عمرتين، لزمه إحرام واحد:
نص عليه في رواية أبي طالب وابن منصور في من أهل بحجتين: لا تلزمه إلا حجة.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الإحرامان، ثم يرفض إحداهما، ويمضي في الأخرى، فإذا فرغ من هذه قضى الأخرى.
وقال داود: يقع إحرامه باطلاً، ولا ينعقد بواحد منهما.
فالدلالة على صحة الإحرام في الجملة ما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئٍ ما نوى".
ولو خلينا والظاهر لقلنا: يصح إحرامه بهما؛ لأنه نواه، لكن قام
стр. 704
دليل الإجماع على إسقاط أحدهما، فبقى ما عداه على موجب الظاهر.
ولأن الزمان يصلح للإحرام بحجة واحدة، فإذا أحرم بحجتين وجب أن يصح بما يصلح له الزمان، ويبطل فيما لا يصلح، كما لو عقد الإمام الهدنة زيادة على المدة صح فيما صح، وكذلك لو باع ملكه وملك غيره، وكذلك إذا أحرم بالحج في غير أشهره لم يصح عندهم بالحج، ويصح بالعمرة.
واحتج المخالف بقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"، وهو منهي عن الإحرام بحجتين.
وإن قاسوا على الإحرام بالصلاتين، فالمعنى فيه ما نذكره فيما بعد، وهو اعتبار التعيين.
والدلالة على أنه ينعقد بأحدهما: أنهما عبادتان لا يصح المضي فيهما بوجه، فلم يصح الإحرام بهما.
دليله: الصلاتان.
ولا يلزم عليه إذا أحرم بالحج والعمرة في يوم عرفة بالكوفة أن يصح إحرامه بهما، وإن لم يمكن المضي فيهما؛ لأنهما يمكن المضي
стр. 705
فيهما بوجه، وهو إذا كان بمكة، وإن لم يكن المضي فيهما في هذه الحال.
وإن شئت قلت: عبادتان لا يصح المضي فيهما، ولا في شيء من أفعالهما بوجه، أشبه الصلاتين.
ولا يلزم عليه إذا أحرم الكوفي بالحج والعمرة في يوم عرفة؛ فإنه يصح إحرامه بهما؛ لأنه يمكن المضي في أكثر أفعالهما؛ لأنه يطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، وذلك من أفعال الحج والعمرة.
فإن قيل: المعنى في الصلاتين: أنه لما لم يصح الجمع بينهما إذا كانا من جنسين، لم يصح إذا كانا من جنس واحد، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لما صح الجمع بينهما إذا كانا من جنسين، وهو الحج والعمرة، صح إذا كانا من جنس واحد؛ لأنه لو أحرم بصلاتين لم ينعقد بواحدة منهما، ولو أحرم بحجتين لزمه أحدهما، فدل على الفرق بينهما.
قيل له: إنما لم يصح الإحرام بأحد الصلاتين، ووقع باطلاً فيهما، وإن اتفق الجنسان، أو اختلفا؛ لأن من شرط صحة الصلاة تعيين النية لها، فلو قلنا: تنعقد إحدى الصلاتين؛ لانعقدت بلا تعيين، وهذا لا يجوز، وليس كذلك الحج؛ فإنه ليس من شرطه تعيين النية، فجاز أن ينعقد بحجة واحدة، ويبطل في الأخرى؛ لأن الوقت يصلح لأحدهما.
следующие страницы →