← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بدخول مكة، وكذلك مصالح أهل مكة متعلقة بهم، ففي إيجاب الإحرام عليه إلحاق مشقة، وهذا المعنى لايوجد في غيرهم؛ لأن الإحرام يلزمهم من الميقات. واحتج بأن كل من لا يستقر عليه القضاء بدخول الحرم محلاً إذا كان ممن يتكرر عليه دخوله، كذلك إذا كان من غيرهم. دليله: إذا حج من سنته. والجواب: أنه إذا حج من سنته فقد فعل ما اقتضاه الأمر، وإذا أخر الحج فلم يفعل ما يقتضيه الأمر، وفرق بين الأمرين وإيجاب القضاء بدلالة أن من أحرم بحجة الإسلام، فأداها، سقط عنه مقتضى الأمر، ولو أفسدها لما لم يفعل مقتضى الأمر، استقر عليه القضاء. واحتج بأن الإحرام لا يجب عليه بالدخول بدليل أنه لو ورد ليدخل، وأقام في مكانه، أو انصرف إلى بلده، لم يجب عليه الإحرام، فثبت أنه يلزمه إذا أراد الدخول، فصار كالطهارة لصلاة النافلة. والجواب: أن وجوب الإحرام يتعلق بإرادة الدخول، فإذا تم الدخول وجب عليه، كما أن الدخول في الإحرام يتعلق بالإرادة، فإذا دخل وجب عليه بالدخول حتى إذا أفسد وجب عليه القضاء. واحتج بأنه لو وجب القضاء بترك الإحرام لأدى إلى إيجاب الإحرام إلى غير نهاية؛ لأنه كلما حضر الميقات لزمه إحرام، فوقع ما يفعله عن الحال دون الماضي، وهذا كما لو نذر أن يصوم أبداً، ثم أفطر، لم يلزمه

стр. 702

القضاء؛ لأن كل يوم مشغول بما وجب فيه من القضاء. والجواب: أن هذا غير صحيح؛ لأن عندنا إذا عاد إلى الميقات في سنة أخرى،÷ فأحرم، والذي يجب لحرمة الميقات أن لا يجاوزه إلى مكة محرماً، وليس عليه أن يأتي بإحرام للميقات، وإذا حضره أحرم بما عليه، لم يلزمه معنى آخر لمجاوزته الميقات، وهذا كما لو أحرم فيه بحجة الإسلام. ومثل هذا ما نقوله جميعاً في الإحرام: أنه يوجب الحج عندنا وعندهم، ولو أحرم بحجة الإسلام أو المنذورة صح، ولا يُقال: قد لزمه بالدخول إحرام، وحجة الإسلام لازمة بالشرع، فيؤدي إلى إيجاب ما لا نهاية. وقد قيل: إن له سبيلاً إلى القضاء من غير ما ذكروه، وهو أن يأتي بإحرام من مكة، فيسقط عن نفسه موجب ما لزمه، وهذا لا يخرج على أصلنا؛ لأن أحمد قال في رواية حرب: يرجع إلى الميقات، فيحرم بحجة، أو عمرة. واحتج بأن هذا أمر مؤقت، فسقط بفوات الوقت، والقضاء يجب بأمر آخر، فموجبه يحتاج إلى دليل. والجواب: أنا إذا اتفقنا أن مجاوزة الميقات توجب إحراماً آخر،

стр. 703

فهو كمن قال: لله عليَّ الحج في هذه السنة؛ لأن الإيجاب تعلق بسبب من جهته، وقد اتفقنا على أن النذر المؤقت لا يسقط بفوات الوقت، كذلك هذا. على أن القضاء عندنا يجب بالأمر السابق. * … * … * ١٥٣ - مسألة إذا أحرم بحجتين، أو عمرتين، لزمه إحرام واحد: نص عليه في رواية أبي طالب وابن منصور في من أهل بحجتين: لا تلزمه إلا حجة. وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه الإحرامان، ثم يرفض إحداهما، ويمضي في الأخرى، فإذا فرغ من هذه قضى الأخرى. وقال داود: يقع إحرامه باطلاً، ولا ينعقد بواحد منهما. فالدلالة على صحة الإحرام في الجملة ما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئٍ ما نوى". ولو خلينا والظاهر لقلنا: يصح إحرامه بهما؛ لأنه نواه، لكن قام

стр. 704

دليل الإجماع على إسقاط أحدهما، فبقى ما عداه على موجب الظاهر. ولأن الزمان يصلح للإحرام بحجة واحدة، فإذا أحرم بحجتين وجب أن يصح بما يصلح له الزمان، ويبطل فيما لا يصلح، كما لو عقد الإمام الهدنة زيادة على المدة صح فيما صح، وكذلك لو باع ملكه وملك غيره، وكذلك إذا أحرم بالحج في غير أشهره لم يصح عندهم بالحج، ويصح بالعمرة. واحتج المخالف بقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"، وهو منهي عن الإحرام بحجتين. وإن قاسوا على الإحرام بالصلاتين، فالمعنى فيه ما نذكره فيما بعد، وهو اعتبار التعيين. والدلالة على أنه ينعقد بأحدهما: أنهما عبادتان لا يصح المضي فيهما بوجه، فلم يصح الإحرام بهما. دليله: الصلاتان. ولا يلزم عليه إذا أحرم بالحج والعمرة في يوم عرفة بالكوفة أن يصح إحرامه بهما، وإن لم يمكن المضي فيهما؛ لأنهما يمكن المضي

стр. 705

فيهما بوجه، وهو إذا كان بمكة، وإن لم يكن المضي فيهما في هذه الحال. وإن شئت قلت: عبادتان لا يصح المضي فيهما، ولا في شيء من أفعالهما بوجه، أشبه الصلاتين. ولا يلزم عليه إذا أحرم الكوفي بالحج والعمرة في يوم عرفة؛ فإنه يصح إحرامه بهما؛ لأنه يمكن المضي في أكثر أفعالهما؛ لأنه يطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، وذلك من أفعال الحج والعمرة. فإن قيل: المعنى في الصلاتين: أنه لما لم يصح الجمع بينهما إذا كانا من جنسين، لم يصح إذا كانا من جنس واحد، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لما صح الجمع بينهما إذا كانا من جنسين، وهو الحج والعمرة، صح إذا كانا من جنس واحد؛ لأنه لو أحرم بصلاتين لم ينعقد بواحدة منهما، ولو أحرم بحجتين لزمه أحدهما، فدل على الفرق بينهما. قيل له: إنما لم يصح الإحرام بأحد الصلاتين، ووقع باطلاً فيهما، وإن اتفق الجنسان، أو اختلفا؛ لأن من شرط صحة الصلاة تعيين النية لها، فلو قلنا: تنعقد إحدى الصلاتين؛ لانعقدت بلا تعيين، وهذا لا يجوز، وليس كذلك الحج؛ فإنه ليس من شرطه تعيين النية، فجاز أن ينعقد بحجة واحدة، ويبطل في الأخرى؛ لأن الوقت يصلح لأحدهما.

стр. 706

فإن قيل: إذا نوى صلاة فريضة ونافلة، كان يجب أن ينعقد الإحرام بصلاة النافلة التي لا تفتقر إلى التعيين. قيل له: كذلك نقول: تحصل له نافلة. وجواب آخر عن أصل السؤال: وهو أنه ليس أنه إذا صح في إحديهما يجب أن يصح فيهما، كمن نوى صومين في يوم رمضان، صح لأحدهما عندهم، ولم يصح للآخر، وإذا نذر أن يحج في عام واحد حجتين، وجبت إحداهما، ولم تجب الأخرى. وعليه أنه ليس إذا لم يتناف الإحرام بهما في صحة أحدهما، يجب أن لا يتنافى في صحتهما معاً، ألا ترى أن المضي فيهما لا يتنافى في صحة أحدهما، ويتنافى في صحة المضي فيهما؟ أما الحج والعمرة فيأتي الكلام عليهما. وقياس آخر، وهو: أن الإحرام فعل من أفعال الحج، فلا يجوز أن يجمع به بين حجتين. أصله: الوقوف، والطواف، والسعي، والرمي. ولأن الحجة الثانية لو كانت منعقدة لم تنفسخ إلا بسبب طارئ بعد الانعقاد، كالفساد والفوات، ولم يحدث سبب يوجب الفسخ، فدل على أنها لا تنعقد. فإن قيل: أخذه في الطواف الذي لا يصلح لهما يوجب الفسخ قبل الطواف في موجب الإحرام، وفعل ما يقتضيه الإحرام ويوجبه،

стр. 707

لا يوجب فسخه. واحتج المخالف بأننا اتفقنا على جواز الجمع بين إحرام الحج والعمرة، والمعنى فيه: وجوب التلبية بهما مع النية، وهو ممن يصح منه الإحرام، وهذا المعنى موجود في إحرام الحجتين أو العمرتين. والجواب: أنه إنما صح الجمع بين إحرام الحج والعمرة؛ لأنه لا يمكنه المضي فيهما، فوجب أن لا يلزماه بإحرام واحد، كالصلاتين. فإن قيل: تعذر المضي فيهما لا يمنع لزومه، ألا ترى أنه لو أحرم بالكوفة يوم عرفة لزمه الإحرام، وإن لم يمكنه المضي فيه؟ وكذلك لو أحرم، وهو محصر، وكذلك إذا أحرم بشيء مجهول انعقد إحرامه للحج، ولا يمكنه المضي فيه، وكذلك إذا أحرم الماسح على الخفين بالصلاة، فمضى وقت المسح لم يمكنه المضي فيها، وإحرامه صحيح. قيل له: قد يستفيد بالإحرام في تلك المواضع فائدة، وهو أنه إذا فاته الحج تحلل بعمرة، وإذا أحرم بشيء مجهول عينه في الثاني، ومضى فيه، وإذا أحرم بالصلاة الماسح حصل له بعض أفعال العبادة، وهذا معدوم في مسألتنا؛ فإنه لا يستفيد بالحجة الثانية شيئاً. واحتج بأن الحج يلزم بالدخول كلزومه بالنذر، ثم النذر تلزم به حجتان وأكثر، كذلك الدخول؛ لأن كل واحد منهما سبب للوجوب. والجواب: أن الزاد والراحلة سبب للوجوب، ولا يجب به

стр. 708

إلا حجة واحدة. وعلى أن الشروع لا يجب اعتباره بالنذر، ألا ترى أنه يصح أن ينذر صلوات كثيرة، ولا يصح أن يشرع في صلوات كثيرة. وعلى أن النذر هو التزام في الذمة، وهي تتسع لوجوب حج، وعمرة، وليس كذلك الإحرام؛ فإنه لا يصح إلا فيما يصلح له الوقت، والوقت لا يصح لحجتين، فلم يصح الشروع فيهما [ .... ] أن ينذر حجتين في سنة واحدة، فتلزمه إحداهما؛ لأن الوقت لا يتسع لهما. * … * … * ١٥٤ - مسألة يضيف الحج إلى العمرة، ولا يضيف العمرة إلى الحج، فإن فعل لم تنعقد العمرة على ظاهر كلام أحمد في مواضع: فقال في رواية المروذي في من قدم يوم عرفة معتمراً، فخاف أن يفوته الحج: إن طاف أدخل الحج على العمرة، ويكون قارناً. قيل له: فيدخل العمرة على الحج؟ قال: لا. وكذلك نقل حنبل عنه: إذا أهل بعمرة، أضاف إليها الحج، وإذا أهل بالحج لم يضف إليه عمرة. وكذلك نقل الأثرم عنه: إذا أهل بعمرة أضاف إليها الحج،

стр. 709

ولا بأس، إنما الشأن في الذي يهل بالحج يضيف إليه عمرة، ثم قال علي: لو كنت بدأت بالعمرة. وكذلك نقل حرب عنه، وقد سأله عن من أهل بالحج، فأراد أن يضم إليها عمرة، فكرهه. وكذلك نقل أبو الحارث عنه قال: إذا أحرم بعمرة، فلا بأس أن يضيف العمرة إلى الحج، فإن فعل فقد أوتي وهو قارن. وبه قال مالك. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا. والثاني: مثل قول أبي حنيفة ومالك. دليلنا: ما احتج به أحمد، ورواه الأثرم في "مسائله" بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي نصر، عن أبيه قال: خرجت أريد الحج، فقلت: أمر بالمدينة، ثم خرجت، فأدركت علياً في الطريق، وهو يهل بعمرة وحجة، فقلت له: يا أبا الحسن! إنما خرجت من الكوفة؛ لأقتدي بك، وقد سبقتني فأهلك بالحج، أفأستطيع أن أدخل معك فيما أنت فيه؟ قال: لا، إنما ذلك لو كنت أهللت بعمرة. فإن قيل: نحمل قوله على الكراهة، ونحن نكره ذلك.

стр. 710

قيل له: النهي يدل على فساد المنهي عنه، فوجب أن تكون العمرة فاسدة. وأيضاً فإن القارن يفعل ما يفعله على أصلنا، فإذا كان محرماً بالحج لم يستفد بإضافة العمرة إليه فائدة، وقد صارت هذه الأعمال مُستحقة عليه بالحج، ولا يجوز إسقاط عبادة أخرى بها، ولا يجوز استحقاقها بعقد مستأنف عليها. ألا ترى أن المنافع المستأجرة لا يجوز عقد الإجارة عليها؛ لأنها صارت مستحقة بالعقد الأول، ولا يجوز استحقاقها بعقد مستأنف، كذلك هاهنا. فإن قيل: لا نسلم لك هذا الأصل؛ لأن القارن عندنا يفعل ما يفعله المفرد بكل واحد منهما. قيل له: قد دللنا على هذا الأصل فيما تقدم، وهذه المسألة مبنية عليه. فإن قيل: فهذا لا يوجب أن لا يصح الجمع بينهما؛ لأنه لا يستفيد بالجمع بينهما شيئاً. قيل له: إذا عقد عليهما دفعة واحدة فقد صارت أعمال الحج التي مثلها في العمرة مستحقة بالحج والعمرة، وليس كذلك إذا عقد الحج مفرداً؛ فإن عمله قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، كما قلنا في الإجارة.

стр. 711

وأيضاً فإن الحج آكد من العمرة؛ لأنه متفق على وجوبه، والعمرة مختلف في وجوبها. ولأن كل ما في العمرة ففي الحج مثله، ويختص بأشياء زائدة، فلم يجز إدخال الضعيف على القوي، كما لا يجوز إدخال الفراش بملك اليمين على الفراش بالنكاح؛ لأن الفراش بالنكاح أقوى؛ لأنه يتعلق به الظهار، واللعان، والإيلاء، وغير ذلك مما لا يتعلق بالفراش بملك اليمين. واحتج المخالف بأنه لما جاز الجمع بينهما، كذلك إذا تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، كما لو أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحجة. والجواب: أنه إنما جاز الجمع بينهما؛ لأنه تصير أفعال الحج والعمرة مستحقاً بالإحرام، وليس كذلك إذا عقد الحج مفرداً؛ لأن عمله قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، كما قلنا في الإجارة. وأما إدخال الحج على العمرة فإنما جاز، لأنه إدخال القوي على الضعيف، وفي إدخال العمرة على الحج إدخال الضعيف على القوي، وهذا لا يجوز، كما يجوز إدخال فراش النكاح على فراش ملك اليمين، ولا يجوز إدخال فراش ملك اليمين على فراش النكاح؟ واحتج بأن كل شيئين صح الجمع بينهما في عقد واحد، جاز إدخال كل واحد منهما على الآخر، كالأختين، وعكسه نكاح الأختين. والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه إنما جاز الجمع بينهما؛ لأنه

стр. 712

تصير أفعالهما مستحقة بالإحرام، وليس كذلك في إدخال العمرة على الحج؛ لأن عمل الحج قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، ولا يشبه هذا نكاح الأختين؛ لأنه إذا عقد على أحديهما منفردة صح؛ لأنه لا يوجب استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وهاهنا يوجب استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وهاهنا يوجب استحقاق بعقد مستأنف، فهو كما لو استأجر داراً، لم يجز أن يعقد عليها عقداً مستأنفاً في مدة الإجارة، ويجوز أن يعقد على غيرها عقداً مستأنفاً للمعنى الذي ذكرنا. واحتج بأن الإحرام بالحج والعمرة لا يتنافيان بدلالة جواز الإحرام بهما معاً، وليس في إدخال العمرة على الحج أكثر من كونه منهياً عنه، وهذا لا يمنعن لزومه بدلالة الإحرام من الميقات؛ لأنه منهي عنه ويلزمه. والجواب: أن فيه ما هو أكثر من هذا، وهو استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وذلك غير جائز. * … * … * ١٥٥ - مسألة إذا أفسد الحج لم يخرج منه بالإفساد، بل يلزمه المضي في فاسده: نص عليه في رواية عبد الله، وابن منصور، وأبي الحارث: فقال في رواية عبد الله: إذا وطئ، وهو محرم، ثم أصاب صيداً، عليه الجزاء، الإحرام قائم، يُؤمَر أن يتم حجه، ولا يحلق، ولا يصيد.

стр. 713

وفي رواية ابن منصور: إذا جامع، ثم أصاب صيداً، أو حلق، فالإحرام قائم، كلما أصاب من ذلك فعليه كفارة. وفي رواية أبي الحارث: إذا وطئ امرأته وهما محرمان، فسد حجه، يتم هذا، والإحرام قائم، وعليه الحج من قابل، فقيل له: أيهما حجة الفريضة التي أفسدها، أو التي قضى؟ قال: لا أدري. وبهذا قال جماعة الفقهاء. وحُكي عن داود: أنه قال: يخرج منه بالإفساد. دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يفرق بين الفاسد والصحيح. وأيضاً روى أبو بكر النجاد في "سننه" قال: ثنا زكريا قال: ثنا أحمد بن سعيد قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب: أن رجلاً من حذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل النبي ﷺ ، فقال لهما: "أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فأحرما، وتفرقا، ولا يُواكل واحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما، وأهديا". وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

стр. 714

ولأنه إجماع الصحابة. روى النجاد قال: حدثنا القعنبي، عن مالك: أنه بلغه: أن عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة رضى الله عنه سُئِلُوا عن رجل أصاب أهله، وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يُتما حجهما، ثم عليهما الحج من قابل، والهدي. وروى بإسناده عن ابن عباس في رجل أصاب امرأته، وهو محرم: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابل، ويحرمان من حيث أحرما، ويتفرقان، ويهديان جزوراً. ولأنه معنى يجب به قضاء الحج، ولم يخرج منه، كالفوات. واحتج المخالف بما رُوِيَ عن النبي ﷺ : أنه قال: "كُلُّ عمل ليس عليه أمرنا فهو رد". والحج الفاسد ليس عليه أمره. والجواب: أن الذي ليس عليه أمره هو الوطء، وهو مردود، فأما الحج فهو مأمور به. واحتج بأن هذه عبادة، فخرج منها بالفساد، كالصوم وسائر العبادات. والجواب: أن تلك العبادات يخرج منها بقوله، وهو أن يقول:

стр. 715

أخرجت نفسي من هذه العبادة، فلهذا خرج منها بالإفساد، والحج لما يخرج منه بالقول، لم يخرج منه بالإفساد. * … * … * ١٥٦ - مسألة إذا أفسد الحج بالوطء، وعادا للقضاء؛ فإنهما يتفرقان: نص عليه في رواية الأثرم في الرجل يصيب امرأته، وهما محرمان: يتفرقان إذا أعادا الحج في النزول والمحمل والفسطاط، وما أشبه ذلك. وكذلك نقل ابن منصور عنه في الذي يصيب أهله مُهلاً بالحج: يحجان من قابل، ويتفرقان، وأرجو أن يجزئهما هدي واحد. فقد أطلق القول بالتفرق، قال شيخنا أبو عبد الله: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه واجب. والثاني: أنه مستحب. وقال مالك والشافعي: يتفرقان. واختلف أصحاب الشافعي: هل ذلك واجب، أم مستحب؟ على وجهين. وقال أبو حنيفة: لا يتفرقان في الجملة. والدلالة على التفرق في الجملة: ما تقدم من الحديث الذي رواه النجاد، وذكر فيه: "حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه، فأحرما،

стр. 716

وتفرقا، ولا يُواكل واحد منكما صاحبه". وهذا أمر فهو على الوجوب. ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس: فروى النجاد بإسناده عن مجاهد: وقد سئل عن الرجل يأتي امرأته، وهو محرم، قال: كان ذلك في عهد عمر بن الخطاب، فقال: يمضيان بحجهما، والله أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالاً كل واحد منهما بصاحبه، حتى إذا كان من قابل حجَّا، وأهديا، وتفرقا من حيث أصابا حتى ينقضي حجُّهما. وروى مالك عن علي: فإذا أهلا بالحج من قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما. وروى النجاد بإسناده عن الزهري، عن عبيد الله قال: سئل ابن عباس عن رجل أصاب امرأته، وهو محرم، قال: عليها الحج من قابل، ثم يفترقان من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يقضيا نسكهما، وعليهما الهدي. ولأنه إذا كان قد جامعها مرة لم يُؤمن إذا بلغ ذلك الموضع أن يذكره، فتتوق نفسه إليه، فيواقعها، وتفسد الحجة الثانية، فيجب أن

стр. 717

يُفرَّق بينهما؛ لتؤمن هذه الحال، كما يمنع من القُبلة والطِّيب؛ ليأمن مواقعه الوطء. فإن قيل: ففي الابتداء لا يأمن أن يجامعها، فيفسد حجمها، ومع هذا لا يُؤمران بالافتراق، وكذلك إذا لبس القميص مرة، ثم نزعه، فإنه لا يأمن أن يلبسه ثانياً، ومع هذا لا يُفرق بينه وبين قميصه وسائر ثيابه. ولأنه إذا جامع في موضع، وأفسد الحج، فالقضاء بالحذر والإشفاق أولى. ولأنه إذا بلغ ذلك الموضع يستغفر الله، ويحذر أن يعود إليه، فيفسد حجه، فيمسك عنه، فلا يُقدم عليه. قيل له: أما قولك: (إنه في الابتداء لا يأمن أن يجامعها) فلا يصح؛ لأنه ليس هناك داعٍ، وهو ذكره عند بلوغه الموضع. وأما لبسه القميص فغير ممنوع من دواعي اللبس؛ لأنه لا يُمنع من النظر إليه في الوقت الذي تتوق نفسه إلى لبسه، وفي الزوجة مُنع من الدواعي. وقوله: إنه في الحجة الثانية أشد حذراً من الأولى، فهذا يوجب جواز الطيب في القضاء والقُبلة؛ لأنه يتحذر من الوطء. واحتج المخالف بأنه لو وجب الافتراق في القضاء لوجب في الابتداء، ألا ترى أنه لما وجب الامتناع من الجماع في القضاء وجب في الابتداء؟

стр. 718

والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن الأداء ليس فيه داعٍ، وفي القضاء داعٍ. واحتج بأنه لا يُفرق بينهما في الابتداء فلم يفرق بينهما في القضاء قياساً على رمضان إذا جامع فيه امرأته، وأفسد الصوم، ثم أراد القضاء؛ فإنه لا يُفرق بينهما. يبين صحة هذا: أن كل واحد منهما يجب بإفساده الكفارة. والجواب: أن الحج أبلغ في منع الدواعي من الصوم بدليل المنع من الطيب والقبلة، والصوم بخلافه. * فصل: ويفترقان من الموضع الذي وطئها. وهو قول الشافعي. وقال مالك: يتفرقان من حيث يحرمان. دليلنا: ما تقدم من حديث النجاد، وذكر فيه: "حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه، فأحرما، وتفرقا"، فأوجب التفريق في المكان الذي أصابها فيه. ولأن المعنى الذي لأجله أُمر بالتفرق: أنه لا يأمن إذا بلغ ذلك الموضع أن يذكره، فتتوق نفسه إلى مثل ذلك، وهذا المعنى لا يُوجد فيما قبله.

стр. 719

واحتج المخالف بما رُوي عن علي وابن عباس: أنهما قالا: يفترقان من حيث يحرمان. والجواب: أن عمر قد خالفهما، وقال: يفترقان من حيث أصابها. واحتج بأن الذي لأجله أُمر بالافتراث هو خوف الإفساد ثانية، وليس آخر الإحرام بأولى في الاحتياط من أوله. والجواب: أن أول الإحرام لا يوجد فيه ما يدعو إلى فساده، وإنما يوجد في آخره، فلهذا فرقنا بين الابتداء والانتهاء. * … * … * ١٥٧ - مسألة إذا وطئ قبل الوقوف فسد حجه، وعليه بدنة: قال في رواية حنبل ويعقوب بن بختان في الرجل يقع على امرأته، وهو محرم: عليه بدنة، والحج من قابل. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: شاة. دليلنا: إجماع الصحابة. روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس: فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن مجاهد عن عمر بن الخطاب

стр. 720

قال: يقضيان حجهما، والله أعلم بحجهما، وعليهما الحج من قابل، ويفترقان من حيث وقع عليها، وينحر عنه وعنها جزوراً. وروى بإسناده عن الحكم بن عُتيبة، عن علي قال: يفترقان، ولا يجتمعان إلا وهما حلالان، وينحر كل واحد منهما جزوراً، وعليهما الحج من قابل، يُحرمان بمثل ما كانا أحرما به في أول مرة، وإذا مرا بالمكان الذي أصابها فيه تفرقا، فلم يجتمعا إلا وهما حلالان. وروى بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن رجل أصاب امرأته، وهو محرم فقال: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابل، ويحرمان من حيث أحرما، ويفترقان، ويهديان جزوراً. والقياس: أنه وطء صادف إحراماً بالحج تاماً، فأوجب البدنة. دليله: لو وطئ بعد الوقوف وقبل الرمي. ولا يلزم عليه وطء دون الفرج؛ لأن ذلك ليس لوطء في الحقيقة. ولا يلزم عليه إذا وطئ بعد رمي جمرة العقبة وقبل الطواف؛ لأنه لم يصادف إحراماً تاماً. ولا يلزم عليه إذا وطئ في العمرة: أنه تجب شاة؛ لقولنا: في الحج. فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الجماع لا يوجب القضاء،

стр. 721

والجماع قبل الوقوف يوجب القضاء. قيل: لا فرق بينهما على أصلنا في أن الجمع يوجب القضاء. وقياس آخر، وهو: أن ما يجب بمواقعة محظورات الإحرام لا يختلف قبل الوجوب وبعده بدلالة الفدية الواحبة بالحلق واللباس وقتل الصيد، ونحو ذلك. وإن شئت قلت: كل ما إذا فعله بعد الوقوف وجب به كفارة، فإذا فعله قبل الوقوف وجب به تلك الكفارة، كالطيب واللباس. فإن قيل: فعل تلك الأشياء لا يتعلق الفساد بها، والوطء يتعلق الفساد به، فجاز أن يختلف قبل الوقوف وبعده. قيل: كونه موجباً للفساد يدل على تأكده، وإيجاب الشاة يدل على تخفيفه، وهذا لا يجوز. ولأن سلامه في الصلاة من ركعتين يتعلق به الفساد إذا كان على وجه العمد، وتركه دعاء القنوت والتشهد الأول لا يفسد عندهم، ثم هما سواء في الجُبران. واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال للذي جامع امرأته قبل الوقوف: "عليكما الهدي، واذهبا، واقضيا ما عليكما". وظاهره يقتضي أن عليهما أدنى ما يقع عليه اسم الهدي. والجواب: أنه محمول على البدنة بدليل ما ذكرنا. واحتج بأنه معنى يوجب قضاء الإحرام، فلا يوجب بدنة قياساً على

стр. 722

الفوات والتحلل بالإحصار. والجواب: أن الفوات والإحصار يحصل من غير تفريط في العادة؛ لأنه يقع خطأ؛ لأن الإنسان لا يقصد تفويت الحج على نفسه، فخُفف الأمر فيه، فلم تجب به الكفارة العظمى، والوطء أمر محظور، ويقع عن عمد وقصد، فغُلظ الأمر فيه بإيجاب الكفارة العظمى. وجواب آخر، وهو: أن الفدية بالجماع أغلظ حكماً من الفوات، ألا ترى أن فساد صوم رمضان بالجماه يوجب القضاء وعتق رقبة، وفواته بترك النية إلى بعد الزوال يوجب القضاء فقط، كذلك الحج فساده بالوطء يوجب القضاء وبدنة، فواته يوجب القضاء، ولا يوجب بدنة. واحتج بأن إيجاب البدنة في هذا الموضوع يوجب تغليظين في فعل واحد، وهو القضاء والبدنة، ولا سبيل إلى ذلك. والجواب: أن الوطء في رمضان يجب به القضاء والكفارة العظمى، وهما تغليظان. * … * … * ١٥٨ - مسألة إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل، فسد حجه: نص عليه في رواية الأثرم وأبي الحارث والمروذي:

стр. 723

فقال في رواية الأثرم: والذي يصيب أهله قبل أن يرمي الجمرة فحجه فاسد. وكذلك نقل أبو الحارث في الذي يطأ، ولم يرم الجمرة: أفسد حجه، وإن وطئ بعد رمي الجمرة، فعليه أن يأتي مسجد عائشة، فيحرم بعمرة، فتكون أربعة أميال مكان أربعة أميال، وعليه دم. وكذلك نقل المروذي في من وطئ قبل رمي الجمرة: فسد حجه، وعليه الحج من قابل، فإن رمى وحلق وذبح، ووطئ قبل أن يزور البيت، فعليه دم، ويعتمر؛ يخرج إلى التنعيم؛ لأنه من منى إلى مكة أربعة أميال، ومن التنعيم أربعة أميال. فقد بين أن المسافة من التنعيم مثل المسافة من منى إلى مكة؛ لأنه كان يلزمه الدخول إلى مكة للطواف بالإحرام الأول. وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: عليه بدنة، وحجه تام. دليلنا: أنه وطء صادف إحراماً تاماً، فأفسده. دليله: إذا وطئ قبل الوقوف. ولا يلزم عليه إذا وطئ بعد الرمي؛ لأن الوطء لم يصادف إحراماً تاماً. ولأن الوطء من محظورات الإحرام، فوجب أن يستوي حكمه قبل الوقوف وبعده، كسائر المحظورات.

стр. 724

ولأن الحج عبادة يجوز أن يطرأ عليها الفساد، فجاز ورود الفساد عليها إلى أن يحل منها. دليله: الصوم والصلاة. فإن قيل: الحج آكد من الصلاة؛ لأن مواقعة الأفعال المحظورة لا توجب الخروج من الإحرام، وتوجب الخروج من الصلاة والصوم، فإذا كان كذلك، لم يمنع أن يرد الفساد عليها إلى أن يحل منها، ولا يرد على الحج. قيل له: إذا فسد الصوم بغير عذر، وجب عليه الإمساك بقية نهاره، ولم يدل على أن الفساد لا يرد عليه إلى أن يحل منه. على أنه إذا دل هذا على تأكيد الحج، دل على تأكيد القضاء؛ لأن في إيجابه تأكيداً للحج. فإن قيل: لا يؤمن ورود الفساد على الصوم والصلاة إلا بعد استيفاء أفعالهما والخروج منهما، وقد يؤمن ورود الفساد على الحج قبل استيفاء فرضه بدلالة أنه لو وطئ قبل الطواف وبعد الحلق لم يفسد حجه. قيل له: لأنه بالحلق يتحلل مما مضى من الأفعال، كما أنه بالتسليم يخرج من الصلاة، وبالإفطار يخرج من الصوم. فإن قيل: لو كان كذلك، لارتفع تحريم الوطء، كما يرتفع بالخروج من الصلاة.

стр. 725

قيل له: إنما لم يرتفع؛ لأنه قد بقى من الإحرام بقية لم يتحلل منها، فلهذا بقى شيء من محظوراته. واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من وقف بعرفة فقد تم حجه". وورود الفساد عليه بالجماع يمنع تمامه. والجواب: أنه لا خلاف أنه لم يتم؛ لأنه قد بقى عليه ركن من أركان الحج، وهو الطواف، فعلم أن المراد به: قد قارب التمام، كما قال النبي ﷺ : "إذا رفع الرجل رأسه من السجدة فقد تمت صلاته"؛ يعني: قاربت التمام. واحتج بأنه لو جامع بعد سقوط فرض الوقوف، فوجب أن لا يفسد حجه، كما لو جامع بعد رمي جمرة العقبة والحلق. ولأنه قد أمن فوات الحج، فوجب أن يأمن فساده.

стр. 726

دليله: ما ذكرنا. والجواب: أن الأمن من الفوات لا يوجب الأمن من الفساد بدلالة العمرة تأمن فواتها، ولا تأمن فسادها. فإن قيل: زمان الفوات يطلق على ما يجوز أن يفوت بحال، والعمرة لا تفوت بحال؛ لأنها ليست مؤقتة. قيل له: إذا كانت العمرة لا فوات فيها بحال، والحج يفوت في حالة، ولا يفوت في أخرى، فالأمن من الفوات في العمرة آكد من الفوات في الحج، وكذلك إذا صلى ركعتين من صلاة الجمعة فقد أمن فواتها، ومع هذا يلحقها الفساد، وكذلك من نوى قبل الزوال الصيام فقد أمن فوات الصوم، ولا يأمن فساده. ثم المعنى في الأصل: أن الوطء صادف إحراماً تحلل منه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه صادف إحراماً تاماً. يبين صحة هذا: أن التلبية مستحبة، وبعد الرمي قد انقطعت. واحتج بأن ما بعد الوقوف من أفعال الحج لو تركها لم يبطل حجه، ألا ترى أن الحاج إذا مات بعد الوقوف لم يبطل حجه، ولم يجب استيفاؤه وقضاؤه، ففعلها بعد الجماع لا يكون أسوأ حالاً من تركها رأساً.

стр. 727

والجواب: أن الترك أخف من الإفساد بدليل: أنه لو ترك صوم رمضان، فلم ينوه لم تلزمه كفارة، ولو تركه بوطء أو أكل، لزمته كفارة، وكان الفرق بينهما حصول الفساد في أحدهما دون الآخر، كذلك هاهنا. ولأنه إنما يفسد الحج بترك الأفعال؛ لأن بعضها يسقط بفواته، وهو الرمي، وبعضها لا يسقط، لكن وقته على التراخي، وهو الطواف، فلهذا لم يكن تركه مبطل، فأما لم يكن تركه مبطل، فأما هاهنا فعلته: أن الفساد صادف إحراماً كاملاً. واحتج بأن الطواف ركن من أركان الحج، وجمرة العقبة من توابعه، ثم اتفقوا أن بقاء الطواف لا يوجب فساد الحج إذا حصل الجماع قبله وبعد الرمي، فبقاء الرمي أحرى. والجواب: أن بقاء الطواف لم يوجب الفساد؛ لأنه التحلل من العبادة، وقد سبق الفساد بالرمي والحلاق، وليس كذلك الرمي؛ لأنه لم يسبقه تحلل، فلهذا إذا طرأ الفساد أفسد. واحتج بإن الفساد معنى يجب به القضاء، فلم يصح وجوده بعد الوقوف. [والجواب: أن وجوده بعد الوقوف] كوجوده قبله، فيتعلق به الفساد في الموضعين جميعاً. * … * … *

стр. 728

١٥٩ - مسألة إذا وطئ بعد الرمي، وقبل طواف الإفاضة، مضى في بقية الحج في الإحرام الذي أفسده، ويحرم بعد ذلك من التنعيم؛ ليقضي الطواف والسعي بإحرام صحيح: وقد أطلق أحمد القول في رواية الجماعة في ما تقدم: أنه يحرم بعمرة، ولم يقل: يمضي في بقية إحرامه. وقوله: يحرم بعمرة؛ معناه: يحرم؛ ليفعل أفعال العمرة؛ الذي هو الطواف والسعي. وقد نقل عنه ما يدل على أنه مضى في ما بقي؛ لأنه قال في رواية الفضل بن زياد في من واقع قبل الزيارة: يعتمر من التنعيم بعد انقضاء أيام التشريق. فقد أمره بتأخير الإحرام بعد أيام التشريق، وليس هذا إلا لاشتغاله ببقية أفعال الحج؛ لأن القضاء إنما يكون تمام ما بقى عليه. وقال -أيضاً- في رواية محمد بن أبي حرب فيمن نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى بلده: يدخل معتمراً، فيطوف بعمرة، ثم يطوف طواف الزيارة. وهو قول مالك خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: يأتي بما

стр. 729

بقي عليه من غير إحرام. دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال في الذي يصيب أهله قبل أن ينفر: يعتمر، ويهدي. وقوله: يعتمر؛ معناه: يحرم بإحرام عمرة. ولأنه ركن من أركان الحج، فكان من شرطه الإتيان به في إحرام صحيح. دليله: الوقوف. ولا يلزم عليه الإحرام أنه ركن، ولا تفتقر صحته إلى إحرام يتقدمه؛ لأنه لا سبيل إلى ذلك؛ لأنه لو افتقر إلى إحرام قبله، لافتقر الثاني إلى ثالث إلى ما لا نهاية له. فإن قيل: الوقوف يؤتي به في إحرام تام، وهذا يأتي به بعد التحلل من إحرامه. قيل له: الإحرام باقٍ ما لم يطف، وإنما تحلل من بعض المحظورات. والدلالة على أنه يجب عليه دم بهذا الوطء، فلولا أن الإحرام باقٍ لم يلزمه بدليل: أنه لو وطئ بعد الطواف لم يلزمه. فإن قيل: إنما لزمه الدم؛ لأن حكم الإحرام باقٍ، كالحيض إذا انقطع يبقى حكمه.

стр. 730

قيل: لو كان كذلك، لوجب إذا وطئ قبل الطواف: أن يلزمه الدم؛ لأن حكم الإحرام باقٍ، وهو الرمي والبيتوتة، ولما لم يلزمه هناك ولزمه هاهنا، علمنا أن هاهنا إحرام باقٍ. ولأنه قد بقى عليه ركن من أركان الحج، وأركانه تفعل في الإحرام، كالوقوف. ويفارق هذا الحيض إذا انقطع؛ لأنه قد زال الحيض، ولهذا لو وطئ لم يلزمه الكفارة على القول القديم. وذهب المخالف إلى هذا السؤال، وقد أجبنا عنه، وذهب إلى أنه طواف، فلم يفتقر إلى إحرام. دليله: طواف الوداع. والجواب: أنه يلزم عليه طواف القدوم. وذهب إلى أنه يفعل بعد التحلل، أشبه الرمي. والجواب: أنه لم يبق عليه شيء من الإحرام، وهاهنا قد بقي عليه بدليل إيجاب الدم عليه. وذهب إلى أن هذا يُفضي إلى أن يفعل حجة بإحرامين. والجواب: أنه غير ممتنع، كما لم يمتنع الخروج منها بتحللين. وذهب إلى أن الإحرام التام يقف فساده على وطء تام، وهو الوطء في الفرج، فيجب أن يفتقب الفساد بالوطء التام إلى إحرام تام، وإذا رمى الجمرة فليس هناك إحرام تام، فلم يتعلق به الفساد.

стр. 731

والجواب: أنا لا نسلم هذا على الصحيح من الروايتين، بل نقول: إن الحج يفسد بالإنزال عن وطء دون الفرج. ولو سلمناه فغير ممتنع أن لا يتعلق الفساد إلا بوطءٍ تام، ولا يتعلق بوطء غير تام، كما قالوا في إيجاب البدنة: تجب بوطء تام، ولا تجب بما دون الفرج. وعلى أن المعنى الذي لأجله لم يفسد إلا بالوطء التام، وهو: قوة الوطء التام، وهذا يقتضي أن يُفسد الإحرام الناقص؛ لأن ما أفسد التام أولى أن يُفسد الناقص. وعلى أنه غير ممتنع أن يتعلق به الفساد في الإحرام الناقص، كما تعلق في الإحرام التام بدليل البدنة تجب في الإحرام الصحيح، وتجب بالوطء في الإحرام الفاسد. وعلى أنا نقول بموجب هذا، وأنه يفتقر إلى إحرام تام؛ لأن ما بقي من أفعال بالإحرام له تام، ولم يتحلل عنه، إنما التحلل لما فرغ منه. فإن قيل: ما ذهبتم إليه يفضي إلى أن تجب عليه زيادة على ما بقي عليه؛ لأنه لو كان قد سعى عقيب طواف القدوم؛ لسقط عنه السعي، وعلى قولكم إذا أحرم يلزمه طواف وسعي، وهذا زيادة على الواجب. قيل: إنما لزمه ذلك؛ لأنه قد لزمه أن يبتدئ إحراماً تاماً، والإحرام

стр. 732

التام لا يتضمن أقل من طواف وسعي، وهو إحرام العمرة، فلو أسقطنا عنه السعي كان فيه تبغيض للإحرام في بعض أفعاله. * … * … * ١٦٠ - مسألة يباح له بعد التحلل الأول كل شيء إلا النساء، فلا يجوز له الوطء في الفرج، ولا القبلة، ولا اللمس بشهوة، ولا عقد النكاح، ويباح له ما عدا ذلك من الطيب، وقتل الصيد، وغير ذلك: وهو ظاهر كلام أصحابنا، فقال الخرقي: حل له كل شيء إلا النساء. وقال أبو بكر: يتطيب، ويصيد، ولا يقرب النساء حتى يطوف. وروى أبو طالب عن أحمد: أنه سأله عن الرجل يُقبِّل بعد رمي الجمرة قبل أن يزور البيت، فقال: ليس عليه شيء، قد حل له كل شيء إلا النساء، وقد قضى المناسك، وعطاء يرخص فيه. وظاهر هذا: أن اللمس لشهوة مباح، وإنما يحرم الوطء في الفرج، وقد حكينا اختلاف المذهب بماذا يحصل التحلل الأول: فرُوي عنه: برمي الجمرة. ورُوي عنه: بالرمي والحِلاق.

стр. 733

وقال أبو حنيفة: يباح كل شيء إلا النساء؛ في الفرج ودون الفرج والقبلة. وقال الشافعي: يحل له اللباس وترجيل الشعر والحلق وتقيلم الأظفار قولاً واحداً، فأما عقد النكاح واللمس والوطء في ما دون الفرح والاصطياد، فعلى قولين: أحدهما: يحل. والثاني: لا يحل. واختلف أصحابه في الطيب على طريقتين: منهم من قال: على قولين. ومنهم من قال: يحل قولاً واحداً. دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء". فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يُضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذاك، أم لا؟!. وروى أبو بكر بإسناده عن عائشة قالت: طيبت رسول الله ﷺ قبل إحرامه، وطيبته بمنى قبل أن يزور البيت.

стр. 734

ولأن الاصطياد والطيب ليس من جنس ما يفسد الحج، ولا من توابعه، فلا تقف استباحته على التحلل الثاني، كاللبس. ولا تلزم عليه القُبلة؛ لأنها من توابع ما يفسد الحج، وهو الوطء. وكل حالة تحلل المحرم في اللبس، تحلل في الصيد والطيب. دليله: بعد الطواف. وأما القبلة واللمس لشهوة، فلا تحل؛ لما تقدم من حديث ابن عباس: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء". وروى -أيضاً- أحمد في "المسند" بإسناده عن عائشة عن النبي ﷺ "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء". ولأنه استمتاه بالنساء، فوجب أن تقف استباحته على التحلل الثاني. أصله: الجماع في الفرج. ولنها حالة تمنع الحاج من الوطء في الفرج، فمنعته من القبلة واللمس، كقبل الرمي. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. والجواب: أن [هذا من] إطلاق المحرم [على] من حظر عليه جميع المظوات، وهذا لا نسلمه بعد التحلل [الأول].

стр. 735

ولأن من أصلهم أنه بالتحلل الأول يخرج من الإحرام، فكيف يصح هذا الاستدلال؟ واحتج بما روي عن عمر: أنه خطب فقال: إذا ذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب، ولم ينكر ذلك أحد. والجواب: أنهم لم ينكروه؛ لأنهم لم يعرفوا خبر ابن عباس وعائشة. وقد روي عن ابن عمر: أنه ذكر هذا عن عمر، ثم ذكر حديث عائشة، وقال: سنة رسول الله ﷺ أحق أن يُؤخذ بها من سنة عمر. واحتج بأن الطيب من توابع الوطء ودواعيه، فهو كالقبلة. والجواب: أنه لو كان كذلك، لحرم في الاعتكاف، كما تحرم دواعي الجماع. * … * … * ١٦١ - مسألة جماع الناسي يفسد الإحرام: نص عليه في رواية أبي طالب وصالح وحنبل: فقال في رواية أبي طالب: ثلاثة في الحج العمد والنسيان والخطأ سواء: إذا جامع أهله، وإذا قتل الصيد، والشعر إذا حلقه. وقال في رواية صالح وحنبل: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوعان

стр. 736

عنه، يلزمه لو وطئ أهله ناسياً، وهو محرم، أن لا يكون عليه شيء، وإذا قتل صيداً ناسياً لا يكون عليه شيء. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك. وللشافعي قولان" قال في الجديد: لا يفسد، ولا شيء عليه. وقال في القديم مثل قولنا. دليلنا: أن الوطء سبب يجب به قضاء الحج، فاستوى فيه العمد والخطأ. دليله: فوات الحج. فإن قيل: الفوات ترك ركن مأمور به، فلهذا استوى حكم العامد والناسي، كترك الركوع والسجود والقيام والقعود في أداء الصلاة، وترك النية في الصلاة، وليس كذلك الجماع؛ لأنه فعل منهي عنه في العبادة، فيختلف حكم العامد والساهي، كالأكل في الصوم. قيل له: هذا باطل بالحلق، وقتل الصيد، والأكل والجماع في الصلاة، والمشي فيها، والحدث؛ فإنه منهي عنه، ويستوي عمده وخطؤه. وعلة الأصل تبطل بخطأ عرفة.

стр. 737

وقياس آخر، وهو: أنه وطء في موضع مخصوص في إحرام تام، فأفسده. دليله: وطء العامد. ولأنها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها سهواً، كالصلاة. ولأنه معنى يوجب الهدي، فاستوى عمده وسهوه، كترك الإحرام من الميقات. واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه". فعم، ولم يخص. والجواب عنه: ما تقدم في مسألة المحرم إذا تطيب ناسياً. واحتج بأنها عبادة يفسدها الوطء عمداً، فلم يفسدها سهوه، كالصيام. والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأن الصوم يفسد بوطء الناسي، وقد تقدم الكلام عليه. مع أن هذا يبطل بالصلاة؛ فإن جماع الناسي فيها يفسدها؛ عمداً وسهواً. واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها كفارة، فوجب أن يكون في

стр. 738

محظوراتها ما يختلف حكم عمده وسهوه قياساً على الصوم؛ منه ما يختلف حكم عمده وسهوه، وهو الأكل. والجواب: أنا نقول بموجبه على إحدى الروايتين في الطيب واللباس يختلف حكم عمده وسهوه. وعلى الرواية الأخرى لا يختلف في باب الحج، ويختلف في باب الصوم، وكأن المعنى فيه: أن الصيام ليس عليه أمارة تدل [على] كونه صائماً، فلهذا جاز أن يُعذر في النسيان، والمحرم عليه أمارة تدل على كونه محرماً، وهو التجرد والتلبية وأعمال النسك، فلم يُعذر. فإن قيل: هذا يبطل بالطهارة، وليس عليها أمارة، ومع هذا يستوي عمدها وسهوها في الفساد. قيل له: إنما تعتبر الأمارة في حال التلبس بالعبادة [ .... ]. وعلى أن الصوم اختلف فيه العمد والخطأ في ما يختص محظوراته، كالأكل، فأما الجماع فلا يختص الحج. وعلى أن هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأن عنده أن جميع محظورات الصيام يختلف حكم عمدها وسهوها، فلا يصح قوله: فجاز أن يكون في محظوراتها ما يختلف، وجميعها تختلف. واحتج بأن الوطء القصد منه الاستمتاع دون الإتلاف،

стр. 739

فاختلف عمده وسهوه. دليله: اللباس والطيب. والجواب: أن في ذلك روايتين: إحديهما -وهي الصحيحة-: أنه يستوي عمده وسهوه. فعلى هذا: لا فرق بينهما. والثانية: يفرق بينهما أن الوطء أغلظ بدليل أنه يرتفق به شخصان، والطيب واللباس يرتفق به شخص واحد، والوطء في ملك الغير أشد من الطيب واللباس في ملك الغير، والإباحة لا تجري في جنسه. ولأن الوطء في الصوم يوجب الكفارة، وغيره من محظورات الصوم لا يوجب الكفارة، فدل على تأكيده. فإن قاسوا على الاستمتاع في ما دون الفرج، فالمعنى فيه: أن عمده لا يفسده، فخطأه لا يفسد، وليس كذلك هذا؛ لأن عمده يؤثر في الحج، كذلك خطؤه، كقتل الصيد. وإن قالوا: لو ألزمناه القضاء لم يؤمن مثل ذلك في القضاء. فالجواب: أنه يبطل بالفوات، ومجاوزة الميقات، وبإيجاب الكفارة في قتل الصيد، وبالوطء في الصلاة ناسياً، وبالحدث في الطهارة ناسياً. * … * … *

стр. 740

١٦٢ - مسألة إذا وطئ دون الفرج، فأنزل، أو قبل، أو لمس، فأنزل، فسد حجه في إحدى الروايتين: نص عليها في رواية المروذي وأبي طالب وابن إبراهيم: فقال: في رواية المروذي في المحرم يُقبل امرأته: عليه دم، فإن أنزل أفسد حجه. وقال في رواية أبي طالب في محرم أتى أهله في ما دون الفرج: فسد حجه؛ لأنه قد قضى حاجته. وقال -أيضاً- في رواية ابن إبراهيم في محرم وطئ دون الفرج، فأنزل: فسد حجه، فإن لم ينزل فعليه بدنة. وبهذا قال مالك. وفيه رواية أخرى: لا يفسد حجه. رواها الميموني وابن منصور: قال في رواية الميموني: إذا باشر حتى يُمني، فالحسن وعطاء يقولان: حجه فاسد. وأرجو أن يكون هذا أهون، ويكون جائزاً، وابن عباس جعل عليه بدنة. وقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في المحرم يجامع
следующие страницы →