← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

حمار الوحش، والكبش أكثر قيمة من الضبع، والعنز أكثر قيمة من الغزال، والعناق خير من الأرنب، والجفرة خير من اليربوع، والشاة خير من الحمامة، فدل على أنهم لم يقصدوا القيمة. وقولهم: (إنه لا مشابهة بي الحمامة والشاة) فغير صحيح؛ لأنها تشبهها من جهة أنها تعب وتهدر، كما تعب الشاة. والقياس: أن النعم حيوان مُخرج على وجه التكفير، فوجب أن يكون أصلاً لا على وجه القيمة، كالعتق في كفارة القتل والظهار والوطء في رمضان. ولأن قتل الصيد فعل حرام بالإحرام، فوجب أن يكون المخرج فيه أصلاً بنفسه، كالشاة الواجبة في الطيب واللباس. فإن قيل: لو قتل ما لا نظير له من النعم وجبت عليه قيمته، فإن بلغت هدياً كان بالخيار؛ إن شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام، ثم لا خلاف أنه لو اختار الهدي لم يكن أصلاً في نفسه؛ لأن الأصل ما يجب عليه بنفس القتل، والهدي في ما لا نظير له لا يجب بنفس القتل. قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن ما لا مثل له لا يجوز صرف بدله في الهدي؛ لأنه لا مثل له. فإن قيل: فالعلة تبطل به إذا أفسد الحج؛ فإنه يلزمه بدنة، ويجزئه

стр. 807

أن يخرج بقرة، أو سبعاً من الغنم، وليس الغنم والبقر أصلاً في ذلك. قيل له: الرواية مختلفة في ذلك؛ فروي عنه: لا تجوز البقرة، ولا السبعة من الغنم مع وجود البدنة؛ إلا أنها غير معتبرة بقيمة البدنة، فلم تدخل على ما قلنا. وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب قال: إذا كان عليه جزاء، أو نذر بدنة، فلم يجد بدنة جعل مكانها سبعاً من الغنم. فأجاز الانتقال إذا لم يجد. وروي عنه أنه مُخير بين هذه الثلاثة، وأيها أخرجه كان أصلاً بنفسه، فسقط النقض. وهذا ظاهر كلامه في رواية حنبل قال: العشر من الغنم تجزئ مكان الجزور، وإذا كان عليه بدنة، فنحر عشراً من الغنم، أو قاد ذلك عنه، إن شاء الله. وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: ومن وجبت عليه بدنة، فذبح سبعاً من الغنم أجزأه. ولم يعتبر أن لا يجد البدنة. فإن قيل: الرقبة الواجبة في كفارة القتل من جنس المقتول، فيجب أن يكون في مسألتنا، فلما لم يجب من الجنس، لم يجب مثله في الخلقة.

стр. 808

قيل له: كفارة الوطء والظهار ليس من جنس الوطء والظهار، ومع هذا فتجب، وكذلك مئة من الإبل ليست من جنس الحر، ومع هذا يُضمن بها. فإن قيل: الرقبة في كفارة القتل لا تختلف باختلاف المقتول، وجزاء الصيد يختلف، فوجبت القيمة، كالعبد المقتول. قيل له: دية الآدمي تختلف باختلاف المقتول بالذكورية والأنوثية والخنثى، ومع هذا لا تجب قيمته، وإن ما يجب فيه مقدر. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقدروا وجه الدلالة من الأوجه التي تقدم ذكرها. والجواب عنها: ما مر، فلا وجه لإعادته. واحتج بأن ضمان لزمه من جهة إتلاف الصيد، فأشبه ما لا نظير له من النعم، وإذا كان لآدمي. ولأنه لو كان لآدمي ضمن قيمته، كذلك إذا كان لله قياساً على ما لا نظير له من النعم. والجواب: أن قوله: (ضمان لزمه من جهة إتلاف الصيد) لا تأثير له لذكر الصيد في ذلك؛ لأن الصيد وغيره سواء.

стр. 809

ثم نقول: لا يخلو إما أن نقول بحكم العلة، فوجب أن يضمنه بقيتمه؛ فإنه ينتقض بالإطعام والصيام؛ فإنه يضمنه به، وليس بقيمة له. فإن قلت: فلم تضمنه بمثله، لم يصح في الأصل؛ لأنه لا مثل له، فلا يوصف بذلك. وعلى أن ما لا نظير لذاته، لا مثل له، فلهذا عدل إلى القيمة، كما نقول في ما لا مثل له من الأموال: تجب قيمته، وهذا مما له مثل، فهو كالذي له مثل من الأموال. وأما ضمانه في حق الآدمي فهو مخالف لضمانه في حق الله تعالى، ألا ترى أن العبد يضمن في حق الآدمي وفي حق الله -تعالى- بالكفارة، ويدخل الصوم في ضمان حق الله -تعالى- في قتل الصيد، ولا يدخل في حق الآدمي. واحتج بأنه لا يجب مثله من جنسه، فوجب أن لا يجب مثله في الخلقة من غير جنسه، كما لو أتلف الصيد على آدمي. والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يجب مثله من جنسه، ولا قيمته، ويجب معنى آخر، كالحر يضمن بمئة الإبل، وإن لم تكن من جنسه،

стр. 810

ولا قيمته، وكذلك الجنين يضمن بغُرة، وإن لم تكن من جنسه، ولا بدل عنه، كذلك هاهنا. وأما ضمانه في حق الآدمي فقد تكلمنا عليه. واحتج بأنه تعتبر قيمته فيما دون النفس، كالعبد والشاة والصيد إذا كان لآدمي. والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ما دون النفس، فلو قلنا: إن ذلك مضمون بالمثل بجزء شائع من مثله من الحيوان لم يمتنع، وإن سلمنا ذلك، وهو الأشبه بأصوله؛ لأنه قد قال: في شعرة مد، ولم يوجب ثلث دم، وكان المعنى في ذلك: أن الذي حصل في الجرح نقص فيه، والنقص في ما يُضمن بالمثل لا يُضمن بالمثل، كالطعام إذا تسوس في يد الغاصب، أو بُل بالماء، فنقص، فالواجب ما نقص، لا المثل، كذلك جزاء الصيد. ولأن إيجاب سهم من حيوان يشق، فإذا كان فيه مشقة عدل عنه إلى غيره، ألا ترى أن الإبل إذا نقص عن خمس وعشرين كان فيها من غير جنسها؛ لأن إيجاب سهم من حيوان يشق، كذلك هاهنا نعدل إلى ما نقص من ثمنه؛ لأن إيجاب جزء من المثل يشق. وأما الأصل -وهو إذا كان لآدمي- فقد أجبنا عنه. * … * … *

стр. 811

١٧٧ - مسألة إذا قتل صيداً لم تحكم فيه الصحابة، جاز أن يكون الحاكمان القاتلين، أو أحدهما: وقد نص أحمد في رواية أبي النصر العجلي على جواز أن يكون الحاكم القاتل وآخر معه. وهو قول الشافعي. وقال مالك: لا يجوز أن يكون الحاكم القاتل. دليلنا: أنه حق لله -تعالى- تتعلق به حقوق الآدميين، فجاز أن يُرجع فيه إلى الواجب عليه. دليله: تقويم مال التجارة لإخراج الزكاة. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. وهذا يقتضي غير القاتل، كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، اقتضى غير من عليه الحق. والجواب: [ .... ]. واحتج بأنه يدل عن متلف، فلم يرجع فيه إلى المتلف.

стр. 812

دليله: حقوق الآدميين. والجواب: أن هناك لا يتعلق به حق لله، وهذا يتعلق به حق لله، فهو كالزكاة. واحتج بأنه تلحقه تهمة في التقويم. والجواب: أنه يبطل بتقويم العروض في الزكاة، وفي دفع الزكاة إلى الفقراء. * … * … * ١٧٨ - مسألة إذا قتل صغار الصيود التي لها مثل، ضمن الصغار بمثلها من النعم، وكذلك إن قتل صيداً أعور، أو مكسور اليدين، فداه بمثله: وقال أحمد في رواية أبي طالب: أذهب إلى حديث عمر: في الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب جفرة، وفي اليربوع جدي. وقال أبو حنيفة: لا تُجزئ العناق والحمل في جزاء الصيد. وقال مالك: يضمن الصغير بالكبير من أمثاله، والأعور يفديه بصحيح. دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. ومثل الصغير صغير، وكذلك مثل الأعور أعور.

стр. 813

فإن قيل: فقد قال في سياقها: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥]. والهدي ما يُجزئ في الأضحية، والصغار لا تجزئ فيها. قيل له: لعمري إنه لا يقع إلا على ما يُجزئ من النعم، ولكن هذا إنما يكون في الهدي المطلق، فأما المقيد؛ فإنه يُحمل على ما قيده، وإن كان ذلك لا يجزئ في الأضحية، كما لو قال: لله علي أن أهدي هذا الدرهم، أو هذا الثوب؛ فإنه يجزئه، ولو أطلق ذكر الهدي لم يجزئ إلا ما يجزئ في الأضحية. والهدي المذكور في الآية مقيد بالمثل، فاعتبر ذلك به. وأيضاً ما روي عن عمر: أنه قال: في الضبع شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الظبي كبش. وأيضاً ما ضمن بالجناية واليد اختلف قدر ضمانه باختلاف حاله، كالأموال. ولأن ضمان الصيج جارٍ مجرى الأموال بدلالة تعلقه بضمان اليد، وتعلقه بالأنعام، ولو كان بمنزلة الكفارات لم يتعلق بذلك، وإذا كان جارياً مجرى ضمان الأموال اختلف باختلاف حال المضمون. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، والهدي لا يكون إلا بكبش سليم.

стр. 814

والجواب عنه: ما تقدم، وإن كان هذا صفة الهدي المطلق. واحتج بقول النبي ﷺ : "في الضبع كبش". والجواب: أنه محمول على الكبير السليم بما تقدم. واحتج بأنه حيوان مُخرج باسم التكفير، فلم يختلف باختلاف حال المتلف. دليله: الكفارة بقتل الآدمي. والجواب: أن هذا الحكم لا يصح بإجماع؛ فإنه لا خلاف أن الجزاء يختلف باختلاف حال الصيد؛ لأنه لا يضمن الضبع بمثل ما يضمن به النعامة. وعلى أن كفارة الآدمي لما لم تُضمن ضمان اليد، لم تختلف باختلاف حال المتلف، وجزاء الصيد لما ضُمن باليد اختلف باختلاف حال المتلف. واحتج بأنه دم وجب لمحظور في الإحرام، فوجب أن يكون دماً كاملاً. دليله: فدية الآدمي. ولأنه دم لا يجوز نحره في غير الحرم، فلم يجز فيه الصغير، كدم التمتع والقران. ولأن ما لا يجوز في سائر الدماء من التمتع والقران والإحصار

стр. 815

واللابس والمتطيب لا يجزئ في جزاء الصيد، كالعمياء والعرجاء والغزال والبقر الوحشي. والجواب: أن تلك الدماء لا تجب على طريق البدل، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذا الدم يجب على طريق البدل بدليل أنه يختلف باختلاف المقتول. * … * … * ١٧٩ - مسألة إذا جرح صيداً ضمن ما نقص منه بالجرح: وقد قال أحمد في رواية الميموني في محرم أخذ صيداً، ثم أرسله: فإن كان أخذه أعيبه، تصدق بشيء لمكان أذاه وإذعاره إياه. وقال أبو بكر في كتاب "التنبيه": ولو نتف ريش طائر، ولم ينهض لنتفه، كان عليه جزاؤه إن تلف، وإن لم يتلف، وصار ممتنعاً ممن أراده، ففيه حكومة. وقال مالك وداود: إن جرح الصيد غير مضمون. دليلنا: أن المحرم ممنوع من تنفير الصيد بدليل قول النبي ﷺ : "لا يُنفر صيدها". والجرح أعظم من التنفير، فإذا كان ممنوعاً منه، فنقول: أتلف

стр. 816

ما هو ممنوع منه لحرمة الإحرام، وكان عليه الجزاء. دليله: جملة الصيد. وكل عين كانت مضمونة، كانت الجناية عليها مضمونة، كالآدميين، وكل جملة كانت مضمونة، كانت أجزاؤها مضمونة، كالثياب والطعام والأموال. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فأوجب الجزاء بالقتل، فدل على أنه لا يجب بغيره. والجواب: أنه إنما أوجب بالقتل جزاء المثل، ونحن لا نوجب ذلك الجزاء، وإنما نوجب ما نقص من قيمته. واحتج بأن جزاء الصيد يجري مجرى الكفارة، والكفارة لا تجب في الإنقاص بدليل كفارة الآدمي. والجواب: أن الجزاء يجري مجرى حقوق الآدميين، ونحن نبين ذلك في مسألة الجماعة إذا اشتركوا في قتل الصيد؟ واحتج بأن الأصل براءة الذمم، فمن ادعى إيجاب حق فيها فعليه الدليل. والجواب: أنا قد دللنا على ذلك. * … * … *

стр. 817

١٨٠ - مسألة بيض النعامة يُضمن بقيمته: نص عليه في رواية حنبل. وقال مالك: يُضمن بعُشر قيمة البدنة. وحُكي عن داود: لا شيء فيه؟ دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن ابن عباس: قضى رسول الله ﷺ في بيض النعامة يصيبه المحرم بثمنه. وبإسناده عن أبي هريرة قال: سُئل رسول الله ﷺ عن بيض النعام، قال: "قيمته". وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة. وروى أبو داود في "المراسيل" بإسناده عن معاوية بن قرة، عن رجل من الأنصار: أن رجلاً محرماً أوطأ راحلته أُدحي نعام، فانطلق الرجل إلى علي، وسأله عن ذلك، فقال له علي: عليك في كل بيضة ضراب ناقة، أو جنين ناقة، فانطلق الرجل إلى نبي الله ﷺ ، فأخبره

стр. 818

بما قال علي، فقال نبي الله ﷺ : "قد قال علي ما سمعت، ولكن هلم إلى الرُخصة، عليك في كل بيضة صيام يوم، أو إطعام مسكين". ولأن البيض صيد؛ لأنه يتطلب، كما يتطلب الصيد الذي لا مثل له. واحتج المخالف بأن الأصل براءة الذمة، وبأن الله -تعالى- أوجب الجزاء بقتل الصيد. والجواب عنه: ما تقدم. واحتج أصحاب مالك على أن في البيض عُشر قيمة البدنة بأنه متولد من حيوان مضمون بالجزاء، فوجب أن يُرد إليه، ويُعتبر فيه، كالجنين. والجواب: أنه يبطل بجنين الصيد؛ فإنه متولد منه، ولا يُعتبر به، وإنما يُعتبر بنفسه. وكذلك لبن الظبية مُتولد منه، ولا يُعتبر بالحيوان، وإنما يُعتبر بنفسه. فأما جنين الآدمية فإنه اعتبر بأمه لأنه من جنس ما يُضمن بمُقدر، وهو الحر، والبيض مما لا مثل له، فضمن بقيمته.

стр. 819

وأجود من هذا: أن ضمان الصيد يجري مجرى ضمان الأموال بدليل أنه يجب في الصغير صغير، وفي الكبير كبير، فضمن بالقيمة كما تُضمن الأموال: ولهذا قلنا: في جنين الصيد ما نقص. * … * … * ١٨١ - مسألة في حمام الحل والحرم شاة: نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي، فقال: في حمام الحرم شاة. وقال في رواية ابن منصور: حمام الحل والحرم سواء. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: في حمام الحرم في الحرم شاة، وفي حمام الحل حكومة، وفي حمام الحرم في الحل روايتان: إحداهما: حكومة. والثانية: شاة. دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: قضى عمر بن الخطاب ﵁ في الطير إذا أصابه شاة. ولك يفرق بين أن يصيبه في الحرم أو الحل. ولأنها حمامة مضمونة بالجزاء، فوجب أن يكون جزاؤها شاة.

стр. 820

دليله: حمامة الحرم. فإن قيل: الحرم ليس له مزية بدليل أنه محل للهدايا، ولا يجوز دخوله بغير إحرام، ومحل للنسك، فجاز أن يكون لحمامة مزية. قيل له: فيجب أن يكون لبقية صيده مزية، كالنعامة والغزال ونحو ذلك. واحتج المخالف بأنه حمام في غير الحرم أشبه الحمام المملوك. والجواب: أن المملوك يستوي في ضمانه الحل والحرم، فلا معنى لقولك: (في غير الحرم) في الأصل. ثم لا يجوز اعتبار ضمان ذلك لحق الآدمي بضمانه لحق الله تعالى بدليل النعامة؛ تضمن بقيمتها في حق الآدمي، وفي حق الله بالبدنة، وكذلك جميع الصيود. * … * … * ١٨٢ - مسألة ويضمن ما دون الحمام بقيمته، كالعصافير، والقطا، والسُّمان، ونحو ذلك: نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي، فقال: كل طير يَعُب مثل

стр. 821

الحمام؛ يشرب كما يشرب الحمام، ففيه شاة، ومان كان مثل العصفور ونحوه، ففيه القيمة، ويلزم المحرم، كما يلزم الحلال في الحرم. وحُكي عن داود: لا يجب في ذلك شيء، وإنما يضمن الحمام خاصة. دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أُصيب من الطير دون الحمام ففيه الفدية. ولأنه صيد حرم قتله لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء. دليله: الحمامة، وسائر الطيور. وقد دل على تحريم قتله عموم قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. وهذا من جملة صيد البر، فوجب أن يكون محرماً. واحتج المخالف بقول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مُسلم إلا عن طيب نفسه". وقوله: "ليس في المال حق سوى الزكاة". والجواب: أنه محمول على غير مسألتنا. واحتج بأن الأصل براءة ذمته. والجواب: أنا قد دللنا على شغلها بما تقدم.

стр. 822

١٨٣ - مسألة وما حكم فيه صحابيان: أنه مثل للمقتول، استقر حكمهما فيه، فلا يعدل عن ذلك: نص عليه في رواية أبي النصر العجلي، فقال: وما حكم فيه أصحاب رسول الله ﷺ ، فلا يحتاج أن يُحكم عليه مرة أخرى. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: يُستأنف الحكم في ذلك، لا نكتفي بذلك. فأبو حنيفة بنى هذا على أصله، وأنه لا اعتبار بالمثل، وإنما الواجب القيمة. وإنما يختص الخلاف مع مالك في قوله: يُعتبر المثل، إلا أنه لا يكفي في ذلك ما حكمت به الصحابة. دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥]. وهذان عدلان، وقد حكما به. فإن قيل: ظاهره: أنه حكم باقٍ أبداً، وعندك: أنه قد انقطع بحكم الصحابة. قيل له: هذا لا يقتضي تكرار الحكم، كما لو قال: لا تضرب زيداً، ومن ضربه فعليه ديتان؛ لأنه لا تتكرر الديتان بضرب واحد. ولأنه صيد حكم بمثله صحابيان، فلم يجز العدول عن حكمهما.

стр. 823

دليله: الصيد الذي قضيا فيه في وقتهما؛ فإنه لا يعدل عنه إلى غيره. ولأن الصحابة أعرف بذلك وأهدى إليه؛ لأنهم شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا البيان والتأويل، وكانوا أعرف بالأغراض ومعاني الكلام، فكان ما قالوه أولى مما يقوله غيرهم. واحتج المخالف بأنه صيد وجب جزاؤه، فوجب الحكم فيه في وقت الجزاء. دليله: الصيد الذي لم يُحكم فيه بشيء. والجواب: أن ليس هناك حكم، فيُتبع، فلهذا وجب الحكم فيه، وهاهنا حكم سابق، فيجب اتباعه. دليله: ما قضت به في وقتها. * … * … * ١٨٤ - مسألة تعتبر في إخراج الطعام قيمة النظير، لا قيمة الصيد، فإذا قتل صيداً له مثل، وأراد التقويم، وأن يشتري بالقيمة طعاماً؛ فإنه يقوم مثل الصيد: نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي: إذا قتل الصيد، فلم

стр. 824

يكن عنده جزاء قوم المثل، ولم يقوم الصيد؛ لأن الصيد قد عُدل بمثله من النعم، ولا يقوم ثعلب، ولا حمار وحش، ويقومه في الموضع الذي أصابه فيه، وفي ما يقرب منه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك وداود: تُعتبر في ذلك قيمة الصيد. دليلنا: أنه يُخرج في جزاء الصيد، فيجب أن يُعتبر بالذي يليه في التلاوة، كالمثل والصيام، فالمثل يُعتبر بالصيد الذي يليه، وكذلك الإطعام يجب أن يُعتبر بالصيد، كالمثل. قيل له: المثل إنما اعتبر بالصيد؛ لأنه يليه في التلاوة. واحتج المخالف بأنه تقويم في ضمان الصيد، فوجب أن تعتبر قيمة الصيد. أصله: إذا كان لآدمي، وإذا لم يكن له نظير من النعم. والجواب: أن قوله: (تقويم في ضمان الصيد) لا تأثير له في حق الآدمي؛ لأن الصيد وغيره سواءء. وأما الصيد الذي مثل له، فإنما عُدل إلى قيمته؛ لأنه ليس هناك مثل يقوم به، فهو كما لو أتلف شيئاً لا مثل له وجبت قيمته، وهذا مما له مثل، ويمكن اعتبار مثله، فلهذا وجب اعتبار قيمة المثل، كما وجب الرجوع في ما له مثل من المتلفات إليه.

стр. 825

وأما ضمانه في حق الآدمي فقد أجبنا عنه، وبينا أن ضمانه في حق الله -تعالى- يخالف ضمانه في حق الآدمي بدليل دخول الصوم في ضمان حق الله تعالى، وإيجاب الكفارة في قتل العبد، بخلاف ضمانه في حق الآدمي، كذلك هاهنا. واحتجَّ بأن المتلفات في الأصول إذا وجب فيها التقويم، اعتبرت قيمة المتلف بدلالة الثوب والعبد، وإذا كان الصيد لآدمي. والجواب: أن سائر المتلفات لا تُعتبر فيها قيمة المتلف؛ لأنه لا قيمة له، وإنما تُعتبر قيمة نظيره ومثله، يجب أن نقول في الصيد مثل ذلك. وإنما يختلفان في أن قيمة مثل غير الصيد من المتلفات لا تخالف قيمة المتلف؛ لأن مثله يكون من جنسه، وقيمة مثل الصيد ربما خالفت قيمته؛ لأن مثله يكون من غير جنسه. * … * … * ١٨٥ - مسألة إذا جرح صيداً، وغاب عنه، ولم يعرف خبره، فعليه جزاؤه: وقد قال أحمد في رواية أبي طالب في رجل اكترى بيتاً بمكة، فأغلق بابه، فجاء، ففتح، فإذا فيه طير ميت؛ لا يدري كيف مات؟ احتاج أن يذبح شاة. وبهذا قال مالك.

стр. 826

وقال الشافعي: لا ضمان عليه. دليلنا: أن الجراحة سبب للموت، كالضربة سبب لموت الجنين، ثم لو ضرب بطنها، فألقت جنيناً، ضمنه، وإن لم يتحقق موته منها، وكذلك لو جرحه، فبقى أياماً، ثم مات، ضمن لوجود السبب، وإن جاز أن يكون موته من غير ذلك، كذلك هاهنا. واحتج المخالف بأن الأصل الحياة، فلا يضمنه بالشك. والجواب: إن هذا لا يمنع الضمان بدليل الجنين. ويبين [صحة] هذا: أنه لو جرحه، وغاب الصيد عنه، ثم وجده ميتاً، حكمنا بذكاته، وإن جاز أن يكون مات بغيرها. * … * … * ١٨٦ - مسألة كفارة الجزاء على التخيير؛ فإن قتل صيداً له مثل، فهو مُخير؛ إن شاء أخرج المثل، وإن شاء قوم المثل دراهم، واشترى بها طعاماً، وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مُد يوماً. وفي الصيد الذي لا مثل له يُخير بين الإطعام والصيام في أصح الروايتين: رواها أبو القاسم ابن بنت [أحمد بن] منيع في محرم قتل صيداً: يُكفر بما في القرآن، وكل شيء في القرآن (أو) فإنما هو تخيير.

стр. 827

وكذلك نقل الميموني عنه في قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٩٥]: فهو في هذا مُخير. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي. وفيه رواية أخرى: أنه على الترتيب؛ إن لم يجد الهدي اشترى طعاماً، فإن كان معسراً -ولم يقدر على القيمة- صام. رواها عنه بكر بن محمد، عن أبيه، عنه، فقال في الفدية: وهو بالخيار، ومن قتل الصيد لا يكون بالخيار، عليه جزاء الصيد، لا يجزئه إلا العدل، ليس هو مُخير في الهدي والصوم والصدقة. وكذلك روى الأثرم عنه: وقد سُئل: هل يطعم في جزاء الصيد؟ فقال: لا، إنما جُعل الطعام ليعلم الصيام؛ لأن من قدر على الطعام قدر على الذبح. وبهذا قال زفر، وحكي عن الشافعي في القديم، وروي ذلك عن ابن عباس وابن سيرين. وجه الدلالة: قوله تعالى:: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وحقيقة (أو) للتخيير؛ قال تعالى:: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍأَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. عُقل من ظاهره التخيير، كذلك هذا.

стр. 828

فإن قيل: قد يرد (أو)، ويراد به الترتيب، قال تعالى: ﴿أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. قيل له: حقيقته التخيير، ولا يُحمل على الترتيب إلا بدلالة، ألا ترى أنه قد يرد -أيضاً- بمعنى الواو، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. ومعناه: ويزيدون. وقال الشاعر: فلو أن البكاء يرد شيئاً بكيت على زياد أو عناق على البرين إذ مضيا جميعاً لشأنهما بحزن واحتراق معناه: زياد وعناق. إلا أنه يُحمل على معنى الواو إلا بدليل. ولأن هذه كفارة واردة بلفظ التخيير، فهي ككفارة اليمين وفدية الأذى.

стр. 829

فإن قيل: لا نسلم لكم: أنها ورادة بلفظ التخيير. قيل له: نعني به: أنه ذكر فيها (أو). ولأن هذه كفارة تتعلق بالإحرام فيها أجناس، فوجب أن يكون فيها التخيير. دليله: كفارة الأذى. ولأنه حق لزمه بإتلاف هو ممنوع منه لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون على التخيير. دليله: كفارة الخلاف. واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "في الضبع شاة"، ولم يُخير. والجواب: أن هذا الخبر قُصد به بيان المقدار، ولم يُقصد به التخيير، أو الترتيب. واحتج المخالف بأن هذه كفارة يتعلق وجوبها بالقتل، أشبه كفارة القتل. والجواب: أن كفارة القتل وردت مرتبة، وهذه وردت بلفظ التخيير، وهي بمنزلة كفارة اليمين وفدية الأذى. ولأن كفارة القتل مبنية على التغليظ، [وهذه مبنية على التخفيف] بدليل اختلافها بصغر المقتول وكبره، فكانت على التخيير.

стр. 830

١٨٧ - مسألة الصوم عن كل مُد بُر يوماً، وعن كل نصف صاع تمراً وشعيراً يوماً: نص على هذا في رواية الأثرم في الفدية، فقال: إن أطعم بُراً فمُد لكل مسكين، وإن أطعم تمراً فنصف صاع لكل مسكين. وقد أطلق القول في رواية حنبل وابن منصور: يصوم عن كل نصف صاع يوماً، وهذا محمول على التمر والشعير. وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل نصف صاع يوماً؛ عن البر والشعير والتمر. وقال مالك والشافعي: يصوم عن كل مُد يوماً؛ من التمر والبر والشعير. وقد تقدم الكلام في ذلك في فدية الأذى. دليلنا: أن من أصلنا: أن لكل مسكين مداً من بُر، أو نصف صاع تمر أو شعير يوماً. وقد دللنا على أن [هذا] الأصل فيما تقدم، ونذكره في باب الكفارات، إن شاء الله. وذهب المخالف إلى أنه يحتاج في هذا الموضع إلى تقدير الطعام لكل مسكين، فوجب تقديره بنصف صاع. دليله: فدية الأذى.

стр. 831

والجواب: أنه لا فرق بين فدية الأذى وبين مسألتنا في ذلك. * … * … * ١٨٨ - مسألة إذا اصطاد الحلال صيداً للمحرم لم يجز للمحرم أكله؛ سواء اصطاده بعلمه، أو بغير علمه: نص على هذا في رواية عبد الله، فقال: إذا أصيد الصيد من أجله لم يأكله المحرم، ولا بأس أن يأكل من الصيد إذا لم يُصد من أجله، إذا اصطاده الحلال. وكذلك نقل أبو طالب عنه، فقال: إذا اصطادوه له لم يأكله، مثل حديث عثمان. وكذلك نقل حنبل، وابن منصور، والمروذي. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أكله إذا لم تكن منه دلالة عليه، أو إشارة إليه. دليلنا: ما روى أحمد، وذكره عبد الله في "مسائله" بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "كلوا لحم الصيد، وأنتم حرم،

стр. 832

ما لم تصيدوه، أو يصد لكم". وروى -أيضاً- بإسناده في لفظ آخر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يُصد لكم". فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به: ما لم تشيروا إليه، أو تدلوا عليه، فيصاد لكم. قيل له: الإشارة والدلالة غير مذكورة في الخبر، فلا يجوز إثباتها إلا بدلالة. وعلى أن تحريم الدلالة والإشارة قد استفيدت بقوله: "ما لم تصيدوه"، وبالإشارة والدلالة يُضاف إليه الصيد. وروى أحمد بإسناده عن سعيد بن المسيب: أن عثمان بن عفان أتى بقطا مذبوح، وهو محرم، فأمر أصحابه أن يأكلوه، ولم يأكل هو، وقال: إنما صيد لي. وكان علي يكره ذلك على كل حال.

стр. 833

وروى بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال: ما صيد، وأنت محرم، فلا تأكله. وروى حنبل بإسناده عن أبي قتادة قال: خرجت مع النبي ﷺ زمن الحديبية، فأحرم أصحابي، ولم أحرم، فرأيت حماراً، فحملت عليه، فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله ﷺ ، وذكرت أني لم أكن أحرمت، و [إني] إنما اصطدته، فأمر أصحابه فأكلوا، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له. والقياس: أنه صيد لأجله، فحرم عليه أكله. دليله: إذا أشار إليه، أو دل عليه من صاده. وقد قيل: إن الأمر بالاصطياد له ونية المأمور أن يصطاد له أقوى من الدلالة عليه؛ لأن الدلالة لا تنقل الملك بحال، والأمر ونية المأمور ينقلان الملك؛ لأن من أمر غيره بشراء سلعة، فاشتراها له، ملكها الآمر. وهذا لا يسلمه المخالف؛ لأن أبا بكر الرازي قال: إذا أمره [أن] يصيد له جاز له أكله إذا لم تكن منه إشارة، والمعتمد في المسألة على السُّنة.

стр. 834

واحتج المخالف بما روى مالك، عن أبي النضر، عن نافع مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة: أنه كان مع النبي ﷺ حتى إذا كا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه، ثم سأل أصحابه أن يناولوه سوطه، فأبوا [عليه]، فسألهم رمحه، فأبوا، فأخذه، ثم شد على الحمار، فقتله، ثم أكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ ، وأبى بعضهم، فلما أدركوا النبي ﷺ سألوه عن ذلك، فقال: "هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا". فأباح لهم أكله إن لم يكونوا أشاروا، ولم يُفرق بين أن يكون قد اصطيد لهم، أو لغيرهم. والجواب: أن أبا قتادة اصطاده لنفسه، وما اصطاده الحلال لنفسه لم يحرم على المحرم أكله إلا بالدلالة والمعرفة. واحتج بما روى طلحة بن عبيد الله: أن النبي ﷺ سُئل عن الحلال يصطاد الصيد؛ أيأكله المحرم؟ قال: "نعم". ولم يفرق بين ما صيد له أو للحلال. والجواب: أنه محمول على أنه صاده الحلال لنفسه. واحتج بما روي: أن النبي ﷺ مر بالروحاء، فإذا هو بحمار وحش

стр. 835

عقير فيه سهم قد مات، فقال النبي ﷺ : "دعوه حتى يجئ صاحبه"، فجاء رجل من بهز، فقال: يا رسول الله! هذه رميتي، فكلوه. فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق. وهم محرمون، ولم يفرق. والجواب عنه: ما تقدم. واحتج بأن الصيد مُذكى، ولم يوجد منه دلالة عليه، ولا إشارة إليه، فوجب أن يجوز أكله، كما لو قتله الحلال لنفسه. والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لم يوجد من المحرم فيه سبب، ولا من الصائد نية لكون الصيد له، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الصائد نوى أن يكون الصيد للمحرم. ولأن المعنى في الأصل: أنه لا تعلق للمحرم [به]، فلهذا لم يحرم عليه، وهذا صيد له به تعلق، فحرم عليه، كالإشارة والدلالة. * … * … * ١٨٩ - مسألة إذا قتل المحرم صيداً، ثم أكل منه، لم يلزمه للأكل شيء: نص عليه في رواية ابن منصور، فقال: إذا قتل المحرم الصيد، ثم أكله، فكفَّارة واحدة.

стр. 836

وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه حرام ما أكل. دليلنا: أنه ضمنهه بإتلافه، فلا يضمنه بأكله. أصله: إذا قتل الحلال صيداً في الحرم، ثم أكله، أو كسر بيضة من الصيد، ثم أكلها، أو قطع شجر الحرم، وانتفع به؛ فإنه لا يضمنه بالانتفاع، كذلك هاهنا. فإن قيل: هذا يبطل بمن ذبح شاة غيره، ثم أكلها. قيل له: لا يلزم؛ لأنه لم يضمنها، وإنما ضمن ما أتلف منها. فإن قيل: إنما لم يضمن صيد الحرم؛ لأنه غير محرم عليه أكله، وكذلك بيض الصيد. قيل له: لا نسلم هذا؛ لأن الحلال إذا قتل صيداً في الحرم حَرُم عليه أكله، كما يحرم على المحرم، وكذلك بيض الصيد إذا كسره يحرم عليه أكله، وكذلك شجر الحرم إذا قطعه، فلا فرق بينهما. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: وقد سئل: هل يؤكل الصيد في الحرم؟ فقال: إذا ذُبح في الحل. فظاهر هذا أنه لا يؤكل إذا ذُبح في الحرم.

стр. 837

فإن قيل: ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال، فإذا ضُمن من وجه آخر، ألا ترى أن الحلالين إذا قتلا صيداً في الحرم لزمهما جميعاً جزاء واحد، وما يضمن أحدُهما يسقط ضمانه عن الآخر، كما لو استهلكا مالاً لآدمي؟ فإذا كان كذلك، وقد ضمن جزاء الصيد، لم يلزمه ضمانه بأكلة أخرى. وليس كذلك ضمان الصيد الذي يقتله المحرم؛ لأنه يجوز أن يُضمن من وجهين، ألا ترى أن محرمين لو قتلا صيداً لزم كل واحد منهما جزاء كامل، وما يضمنه أحدهما لا يسقط ضمانه عن الآخر؟ فإذا كان كذلك، لم يمتنع في مسألتنا أن يضمنه مرتين؛ مرة بالقتل، ومرة بالأكل. قيل له: لا نسلم لك هذا، بل نقول في ضمان الصيد في حق المحرم: يضمن من وجه واحد، وأن اثنين لو اشتركا لم يلزمهما إلا جزاء واحد، كصيد الحرم سواء، ويجري الضمان فيهما مجرى ضمان الأموال سواء. فإن قيل: ضمان البيض يتعلق على المحرم بإتلاف المعنى الذي يتولد منه الصيد في الثاني بدلالة: أن البيضة لو كانت مذرة لم يجب عليه جزاؤها بالكسر، يبطل ذلك المعنى، ويضمن، فإذا أكلها بعد

стр. 838

ذلك، فلم يتلف منها بالأكل ما يتعلق به الضمان. وكذلك شجر الحرم يتعلق ضمانه بإخراجه عن حد الثمر، ألا ترى أن الشجرة لو كانت يابسة لم يتعلق بقطعها شيء؟ وبالقطع تخرج عن حد الثمر، فإذا انتفع به بعد ذلك، فلم يتلف ما يتعلق به الضمان، وليس كذلك الصيد؛ لأن ضمانه غير مقصور على إتلاف حياته، وإنما يتعلق بإتلاف هذه الأجزاء الموجودة، ألا ترى أنه لو نتف ريشه، أو كسر قرنه، لضمنه، وإن لم يقتله؟ فدل على أن كل جزء منه مضمون؛ سواء كان في إتلافه إتلاف حياة، أو لم يكن. فإن كان كذلك، وجب إذا أتلف جزءاً منه بالأكل أن يضمن. قيل له: هذا يبطل بصيد الحرم؛ فإن جزاءه غير مقصور على إتلاف حياته، ومع هذا، فلا ضمان عليه بأكل لحمه. وكذلك شاة الغير إذا قتلها؛ فإن ضمانها غير مقصور على إتلاف حياتها، ومع هذا، فلا ضمان عليه بأكل اللحم، كذلك هاهنا. وقياس آخر، وهو: أنه أكل الميتة، فلا يجب عليه الضمان، كما لو أكل من لحم ميتة أخرى. فإن قيل: إنما يجب عليه ضمان ما أكل من ميتة أخرى؛ لأنها ليست بدلاً عن شيء وجب عليه إخراجه من ماله حتى يصير بأكلها كالعائد فيما ضمنه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الصيد المقتول بدل

стр. 839

عن الجزاء الذي أخرجه عن ملكه، فإذا أكله صار كالعائد فيما أخرجه. قيل له: هذا يبطل بما تقدم من صيد الحرم؛ فإن له بدلاً، وإذا أكله لم يصر عائداً فيما أخرجه، وكذلك أكل البيضة، والانتفاع بالغصن، وأكل لحم شاة الغير إذا قلتها. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِي﴾ [المائدة: ٩٥]؛ يعني: بما لزمه من إخراج الجزاء، فلو لم يجب عليه جزاء ما أكل، لم يكن ذائقاً وبال أمره؛ لأنه قد حصل له منه بإزاء ما أخرجه عن ملكه. والجواب: أن الوبال هو الثقل والشدة، ومن اصطاد صيداً، وقتله، وأوجبنا عليه الضمان، ثقل عليه ذلك، واشتد، فقد ذاق وبال أمره، ولا سيما إذا كان يعتقد أن الصيد من كسبه، وأنه يأكل كسبه، فإذا أوجبنا عليه ضمان الجملة، فقد وجد معنى الوبال. وعلى أن عندنا الجزاء أكثر من القيمة؛ لأن الحمامة تُضمن بالشاة، والنعامة بالبدنة، ومعلوم أن الحمامة لا تساوي شاة، ولا النعامة بدنة، فهو ذائق وبال أمره، وإن لم نوجب عليه الجزاء بالأكل. واحتج بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا".

стр. 840

فمنع من الأكل لأجل الإشارة، ومعلوم أن الإشارة لا تمنع جواز الذكاة، فعُلم أنه إنما منع من أكله؛ لأن المشير يلزمه الجزاء، فيصير بأكله كالعائد في الجزاء، فدل على وجوب جزاء ما أكله. والجواب: أنه إنما منع ذلك لأجل الإشارة؛ لأن له تعلقاً بقتل الصيد، ولهذا نقول: لو صيد لأجله حرم عليه أكله؛ لأن له به تعلقاً. فأما أن يكون المنع لما ذكر من أنه يصير بأكله كالعائد، فلا. واحتج بأنه مُحرم عليه أكله، فوجب أن يضمن. دليله: لو أكل من جزاء الصيد. قالوا: ولا يلزم عليه صيد الحرم؛ لأنه غير مُحرم عليه أكله عندنا. والجواب: أنه لا يمتنع أن يضمن ما يأكله من الإحرام، ولا يضمن ما يأكله من لحم الصيد، بدليل صيد الحرم؛ لو أكل من جزائه ضمنه، ولو أكل من لحمه ضمنه، وكذلك بدل جزاء البيضة، والشجرة، وشاة الغير. واحتج بأن الأكل فعل حرمه الإحرام، فوجب أن يتعلق به الجزاء، كالقتل. والجواب: أن الأكل حرم عليه لكونه ميتة، لا لكونه محرماً، يدل عليه أنه مُحرم على غيره من المحرمين والمحلين لكونه ميتة عندنا. وعلى أنا لو سلمنا ذلك، وأن المنع قائم بعد إتلافه، لم يتعلق به

стр. 841

الضمان، كما نقول في من أتلف شاة الغير: فإنه ممنوع من إتلاف جلدها عليه، ولو أتلفها لم يجب عليه الضمان؛ لكونه ميتة لا قيمة له، كذلك هاهنا. واحتج بأنه لو لم يضمنه، لكان راجعاً في الجزاء. والجواب: أنه يبطل بما ذكرنا من صيد الحرم، والبيض، شجر الحرم، وشاة الغير؛ فإنه لا يضمن بالتصرف، ولا يؤدي ذلك إلى الرجوع في الجزاء. * … * … * ١٩٠ - مسألة فإن أكل المحرم من لحم صيد صيد لأجله، وجب عليه الجزاء: وللشافعي قولان؛ أصحهما: لا جزاء عليه. دليلنا: أنه إتلاف ممنوع منه لحرمة الإحرام، فتعلق به الجزاء. دليله: لو قتل الصيد. ويبين صحة هذا: أن هذا الصيد مباح أكله لغيره من المحرمين والمحلين، وإنما هو حرام في حق من صيد لأجله، فعُلم أن تحريمه لحرمة الإحرام. واحتج المخالف بأنه إتلاف لحم صيد، فلا يلزمه، كما لو أكل

стр. 842

لحم الصيد الذي قتله، وكما لو أحرقه بالنار. والجواب عن لحم الصيد الذي قتله: فإنما لم يضمنه؛ لأن المنع لأجل الإحرام، والمنع هاهنا لحرمة الإحرام. وأما إذا أحرقه بالنار، فلا نعرف الرواية فيه. وعلى أنا لو سلمنا ذلك، فلا يمتنع أن لا يضمنه إذا حرقه، ويضمنه إذا أكله، كالطيب إذا حرقه لم يضمنه، ولو تطيب به ضمنه. وعلى أنه إذا حرقه، فلم ينتفع به، وإذا أكله، فقد انتفع به. * … * … * ١٩١ - مسألة إذا اضطُر المحرم إلى ميتة وصيد أكل الميتة، ولم يأكل الصيد: نص عليه في رواية أبي داود، وعبد الله، وحنبل، وحرب. وهو قول أبو حنيفة ومالك. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا. والثاني: يذبح الصيد، ويأكله، وعليه جزاؤه. دليلنا: أنه ثبت عندنا: أن الصيد الذي يذبحه المحرم ميتة لا تؤكل في [غير] حال الضرورة، وكما لا تؤكل ميتة أخرى، فإذا اضطر إليهما

стр. 843

وجب أن يختار أكل الميتة على قتل الصيد وأكله؛ لأن الحظر في قتل الصيد يحصل من وجوه: أحدهما: أخذه. والثاني: قتله. والثالث: أكله. وكل واحد من ذلك محظور في غير حال الضرورة، وليس في أكل الميتة حظر إلا من وجه واحد على وجوه، فيأكل الميتة، ويترك قتل الصيد. فإن قيل: هذا يبطل ببيض الصيد، وهو ممنوع من كسره وأكله، ثم يجوز له أكله، ويترك الميتة. قيل: لا نعرف هذا عن أصحابنا. فإن قيل: القتل يفعله بعوض، وهو الفدية، وتجوز استباحة ما حرم عليه بالفدية، كاللبس. قيل: لأنه مضطر إلى ذلك، وهذا غير مضطر لوجود الميتة. فإن قيل: فما تقولون إذا اضطر المحرم إلى أكل ميتة، وصيد ذبحه محرم؛ أيهما يأكل؟ قيل له: يأكل ذبيحة المحرم، ويترك الميتة؛ لأنه لا يحتاج إلى أن يفعل في الصيد غير الأكل، وهو أخف حكماً من الميتة؛ لأن من الناس من يقول: إنه مذكَّى.

стр. 844

واحتج المخالف بأن الصيد أيسر حالاً من الميتة؛ لأن من الناس من يقول: إنه مذكى، وإن أكله مباح، والميتة متفق على تحريمها، فيجب أن يعدل عنها إلى ما هو أيسر حالاً منها. والجواب: أنا قد بينا: أن الحظر متعلق بالصيد من وجوه، ويأكل الميتة من وجه آخر، فكيف يكون الصيج أيسر حالاً منها؟! * … * … * ١٩٢ - مسألة إذا ذبح المحرم صيداً، فهو ميتة لا يحل أكله: نص عليه في رواية حنبل، فقال: إذا ذبح المحرم [صيداً] لم يأكله حلال، ولا حرام، وهو بمنزلة الميتة. وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم. وقال أبو بكر في تعليق البرمكي عنه: إذا أبان المحرم صيداً، فاصطاده حلال، فعلى المحرم الجزاء، ولا يأكل الحلال ولا المحرم من الصيد؛ لأنه في حكم الميتة. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا. والثاني: هو مباح.

стр. 845

دليلنا: أنه ممنوع من ذبحه من جهة الدين لمعنى فيه، أشبه ذبيحة المجوسي والمرتد. وإن شئت قلت: إنه محرم عليه ذبحه لحق الله -تعالى- لمعنى فيه، أشبه ما ذكرنا. ولا يلزم عليه إذا ذبح شاة غيره بغير إذن صاحبها؛ أنها تؤكل على اختلاف أصحابنا؛ لأنه ممنوع من ذبحها لحق الآدمي، ألا ترى لو أنه لو أذن له صاحبها في ذبحها زال المنع؟ وليس كذلك هاهنا؛ لأن المنع لحق الله تعالى، ألا ترى أن المنع لا يرتفع بإباحة الآدمي؟ ولا يلزم عليه إذا ذبح شاة من قفاها؛ أنه تؤكل؛ لأنه غير ممنوع من ذبحها، وإنما مُنع من قطع ما لا يحتاج إلى قطعه في صحة الذكاة، فصار مثل أن يذبحها ويجرحها من ظهرها. على أنه إن قصد ذبحها من القفا لم يُبح أكلها، وإنما قال أصحابنا: إذا التوت عليه، فمرت السكين على القفا والمرى والودجين أكل. ولا يلزم عليه إذا ذبحها بسكين من ذهب؛ لأنه مُنع من ذبحه لمعنى في غيره وفي الآية، فصار مثل أن ذبح شاة غيره. ولا يلزم عليه إذا ساق هدياً إلى مكة، أو أوجب أضحية؛ أنه ممنوع من ذبحها، ومع هذا يجوز أكلها؛ لأنه غير مُحرم عليه ذبحها؛ لأن له أن يستبدل بها.
следующие страницы →