Полный текст (1 579 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
١٧٠ - مسألة
إذا ذبح الهدي، ثم سُرق، لم يلزمه غيره، وسقط عنه الواجب:
نص عليه في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في رجل نحر، فلم يطعم منه حتى سُرق: لا أرى عليه بأساً، إذا نحره فقد فرغ. قال أحمد: جيد.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا يسقط عنه الواجب حتى يذبح آخر، أو يدفعه إلى المساكين.
دليلنا: أنه لما ذبحه تعلق حق المساكين بعينه؛ لأن عليه أن يتصدق به، وصار كأنه قال: لله علي أن أتصدق بهذا اللحم، أو هذا الثوب، فهلك بغير فعله: أنه لا يضمن.
ولا يلزم عليه إذا تلف قبل الذبح أنه يضمن؛ لأنه ما تعين، ألا ترى أن له بيعه عندنا؟ وإنما تعلق حقهم به.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الحق تعلق بعينه، لا على سبيل البدل عن ما في ذمته، فسقط بتلفه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الحق تعلق بعينه على سبيل البدل عن ما في ذمته، فإذا لم يوصله إلى مستحقه كان ما في ذمته باقياً عليه، كما لو اشترى ثوباً بدين له على رجل، فتلف الثوب قبل القبض: أن له أن يطالبه بما في ذمته.
стр. 772
قيل له: لا نسلم لك الفرع: أن الحق تعلق بعينه على سبيل البدل، بل نقول: تعين ما كان في ذمته، وتعلق الحق بعينه، وإذا تلف بغير فعله لم يضمن اعتباراً بما قدمنا.
يبين صحة هذا: أنه لو وجب في ذمته صلاة، فصلاها، لا نقول: إن هذه بدل عن ما ثبت في ذمته، لكن نقول: هي الصلاة الواجبة، وكذلك إذا وجبت عنه كفارة يمين، فهو مخير بين العتق والإطعام والكسوة، فأيهما أخرج قيل: هذا هو الواجب.
وأما الثوب المشترى إذا تلف قبل القبض [فقد] انفسخ العقد، وصار كأنه لم يكن، فيبقى الدين في ذمة البائع كما كان.
ولأن الذبح قد سقط فرضه عنه، فإذا هلك اللحم تعذرت الصدقة، ولا معنى لإيجاب الذبح؛ لأنهما فرضان مختلفان؛ أحدهما على البدن، والآخر في المال، فإذا أدى فرض البدن لم تلزمه الإعادة بتعذر فرض المال.
واحتج المخالف بأنه معبر عن ما في ذمته، فإذا لم يسلم سقط التعبير، وعاد الحق إلى الذمة، كما [لو] كان له في ذمة رجل دين اشترى به ثوباً، وتلف في يد البائع قبل التسليم.
والجواب عنه: ما تقدم.
وعلى أنه لا فرق بينهما؛ لأنه لما ذبح الهدي، فقد تصرف فيه بعد
стр. 773
تعيينه بأمر الله تعالى، فصار كما لو باع ثوباً بدين عليه، فأمره صاحب الدين بقطعه، ثم تلف قبل قبضه، لم يعد الدين.
واحتج بأنه لم يوصله إلى مستحقه، فوجب أن لا يسقط عنه فرضه، كما لو أكله، أو أتلفه.
والجواب: أنه ليس من حيث لو أتلفه ضمن، يجب إذا تلف بنفسه أن يضمن، ألا ترى أنه لو قال: لله علي أن أتصدق بهذا اللحم، ثم أكله ضمن، ولو تلف بغير فعله لم يضمن؟
* … * … *
١٧١ - مسألة
إذا فسد الحج لزمه القضاء من أبعد الموضعين؛ إما الميقات الشرعي، أو الموضع الذي أحرم منه.
وكذلك إذا أفسد العمرة لزمه القضاء من أبعد الموضعين:
نص عليه في رواية أبي طالب في الرجل يواقع امرأته، وهما معتمران: فسدت عمرتهما، وعليهما قضاؤها من حيث أهلا بالعمرة، ولا يجزئهما إلا من حيث أهلا، الحُرُمات قِصاص.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: إذا أفسدا حجهما بجماع يُهلان من حيث كانا أهلا من مواقيتيهما.
стр. 774
وقال -أيضاً- في رواية ابن مشيش: إذا أفسد الرجل حجه بوطء فعليه الحج من قابل من حين أوجب الإحرام. قيل له: فإن كان من أهل بغداد، وقد أوجب الإحرام على نفسه، ولم يكن له من قابل زاد ولا راحلة؟ [قال]: فعليه متى وجد.
ونقل أبو داود عنه في من أحرم من بغداد، فحُبِس في السجن، ثم خُلي عنه: هل يحرم من هاهنا؟ يعني: من بغداد، قال: يحرم من المواقيت أحب إلي.
فظاهر هذا: أنه لم يلزمه القضاء من أبعد الموضوعين؛ لأن التحلل من الحج لم يكن بإفساد.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء من الميقات، والعمرة من أدنى الحل.
وقال مالك: يلزمه الميقات في الحج والعمرة جميعاً.
دليلنا: أن كل مسافة لزمه قطعها بالإحرام في الأداء، لزمه قطعها بالإحرام في القضاء.
دليله: المسافة من الميقات إلى مكة.
وكل ما لزمه المضي فيه بإحرام، فإذا أفسده لزمه قضاؤه.
دليله: حجة التطوع.
стр. 775
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لزمه بالإفساد ما لو أراد الإحرام ابتداء لزمه، كذلك القضاء، وما زاد على ذلك لا يلزمه في الابتداء، فلم يلزمه في القضاء.
قيل: لو كان هذا صحيحاً لوجب إذا أحرم من الميقات، ثم أفسد، وأقام بمكة: أن يجزئه الإحرام بالقضاء من مكة؛ لأنه لو أراد الإحرام ابتداء لم يلزمه الخروج إلى الميقات، وأجزأه الإحرام من مكة، ولما قالوا: يلزمه الإحرام من الميقات، دل على أن القضاء معتبر بالأداء، فيلزمه الإحرام من الموضع الذي أحرم.
وقياس آخر، وهو: أن الشروع في الحج والعمرة سبب لوجوبه، فجاز أن يتعين به موضع الإيجاب.
أصله: النذر؛ فإنه لو نذر حجة من دويرة أهله، لم يجز له أن يحرم بها من الميقات، ولزمه ذلك من دويرة أهله.
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا نذر أن يحج ماشياً، ولم ينوِ من أين يكون ذلك من حيث حلف.
ورأيت بعضهم لا يسلم ذلك، ويقول: إذا أوجب حجة من دُويرة أهله، جاز أن يحرم بها في الميقات اعتباراً بالفرض.
وإن لم يسلم هذا، فإنه يلزمه الحج ماشياً من دُويرة أهله، وإن لم يجب بأصل الشرع، وهذا مسلم بالإجماع.
ولا يلزم على هذا إذا أحرم بعد مجاوزة الميقات: أنه لا يتعين
стр. 776
موضع الإحرام؛ لأن التعليل للجواز، فلا ينتقض بغير مسألة.
فإن قيل: فرق بين النذر والدخول، وذلك أن الدخول يجب به أدنى ما يصح أن يُتقرب به من ذلك النوع، ولهذا لا يجب بالإحرام إلا عمرة، ولا يجب بالتكبيرة إلا ركعتين.
قيل له: حكم الدخول فيها من دُويرة أهله يجري مجرى النذر المقيد بذلك؛ لأنه يلزمه المضي فيه على الوجه الذي دخل فيه، كما يلزمه ذلك بالنذر.
واحتج المخالف بما روي عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وأحللنا بعمرة، فقدمت مكة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي: "انقضي رأسك، وامشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة"، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، وقال: "هذه مكان عمرتك".
ومعلوم أن عائشة أحرمت من ذي الحُليفة، وقد أمرها أن تقضي من أدنى الحل.
والجواب: أن عائشة أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة، ولم ترفض العمرة، وإنما أمرها أن ترفض أفعال العمرة، وأن تأتي بأفعال الحج، والعمرة التي أتت بها بعد ذلك لم تكن قضاء.
стр. 777
وقد ذكرنا ذلك في ما سلف، وما دللنا عليه بقول النبي ﷺ : "طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعُمرتك"، فأثبت حجاً وعمرة.
وروى جابر: أن النبي ﷺ قال لها: "الآن أحللت من حجك وعُمرتك".
واحتج بأنه قضاء عبادة، فوجب أن يجوز الإحرام بها من كل موضع يجوز الإحرام لأدائها.
أصله: الصلاة.
والجواب: أن الصلاة لا تتعين بموضع في حال الأداء، كذلك في حال القضاء، والحج يتعين الإحرام به بموضع حال الأداء، جاز أن يتعين حال القضاء، كالنذر.
واحتج بأنه موضع يصلح لابتداء إحرامه، فصلح لقضاء ما أفسد منه من غير دم.
دليله: المكان الذي أحرم منه، وكما لو أحرم من الموضع الأبعد.
والجواب: أنه يبطل به إذا أحرم من الميقات، وأفسد، ثم توطن بمكة؛ فإنه لا يجزئه الإحرام للقضاء من مكة، وإن كان يصلح لابتداء
стр. 778
إحرامه بحجة مطلقة، ولا يصلح لقضاء حجة أفسدها أوجبها من دويرة أهله.
واحتج بأنه ينزع بتقديم إحرامه في الأداء، فلم يجب تقديمه في القضاء.
أصله: إذا أحرم في شوال، ثم أفسده.
والجواب: أن حال المكان آكد من حال الزمان، ألا ترى أن مجاوزة ميقات الزمان لا يوجب الدم، ومجاوزة ميقات المكان توجب الدم؟ فبان الفرق بينهما.
* … * … *
١٧٢ - مسألة
ومن فاته الحج بعذر من مرض، أو عدو، أو ضل الطريق، أو أخطأ العدد، أو أبطأ سيره بغير عذر مثل التواني والتشاغل بما لا يعنيه، انقطع إحرام الحج، وتحول إحرام عمرة:
وقد أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب، وقال: إذا فاته الحج تحلل بالعمرة.
وذكره أبو بكر في كتاب "الخلاف".
стр. 779
وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه قال: ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر تحلل بعمرة.
وهذا على أصلنا غير متمتع في فسخ الحج إلى عمرة، وعلى هذا بنى أبو بكر المسألة، وبهذا قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: إحرام الحج باقٍ، ويتحلل منه بعمل عمرة، وهو اختيار شيخنا أبي عبد الله.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن القاسم في الذي يفوته الحج: يفرغ من عمله؛ يعني: عمل الحج.
ويفيد هذا: أنه إذا فاته الحج، وأحرم بحجة أخرى، لم يرفضها، ومضى فيها، وإن أحرم بعمرة أخرى رفضها؛ لأن من كان محرماً بعمرة، فأضاف إليها حجة، لم يرفضها، ومضى فيها، وكان فارقاً، وإن أحرم بعمرة رفضها؛ لأن من كان محرماً بعمرة، فأضاف إليها عمرة أخرى، رفض الثانية، ولم ينعقد إحرامه بها.
وعلى قولهم: إذا أحرم بحجة أخرى، لم يصح إحرامه بالثانية، ورفضها؛ لأن من كان محرماً بحجة، فأحرم بأخرى، لم يصح، ورفض الثانية.
والدلالة على أن الإحرام الحج قد انقطع: ما روى أبو بكر النجاد قال: ثنا موسى بن إسحاق قال: ثنا عبد الله بن محمد قال: ثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء: أن نبي الله ﷺ قال: "من لم يُدرك
стр. 780
فعليه دم، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل".
فوجه الدلالة: أنه قال: "ويجعلها عمرة"، وعندهم ليست عمرة.
ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده: أن أبا أيوب بن زيد خرج حاجاً حتى إذا كان بالنازية أضل رواحله، فطلبهن، فقدم وقد فاته الحج، فسأل عمر، فأمره أن يجعلها عمرة، ويحج من عام المقبل، وعليه ما استيسر من الهدي.
وروي بإسناده في لفظ آخر عن سليمان بن يسار، عن هبار بن الأسود: أنه أهل بالحج، فقدم على عمر رضى الله عنه يوم النحر، وقد أخطأ العدد، فقال: أهل بعمرة، وطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وقصر أو احلق، وحج من قابل، وأهرق دماً.
وقد روى بإسناده عن الأسود، عن عمر وزيد قالا في رجل يفوته الحج: يهل بالعمرة، وعليه أن يحج من قابل.
وبإسناده عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من لم يقف بعرفة إلا بعد طلوع الفجر فقد فاته الحج، وليجعلها عمرة، وليحج قابلاً،
стр. 781
وليهد إن وجد هدياً، وإلا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع.
وبإسناده عن عطاء، عن ابن عباس في من فاته الحج قال: يهل بعمرة، وليس عليه الحج.
فوجه الدلالة: أن بعضهم يقول: يجعلها عمرة، وبعضهم يقول: يهل بعمرة، وبعضهم يقول: يحل بعمرة، وعندهم أنه يهل بالحج، ويحل به.
فإن قيل: فيحمل قول النبي ﷺ : "يجعلها عمرة"، وقول الصحابة: يحل بعمرة؛ معناه: بأفعال عمرة.
قيل له: هذا خلاف الحقيقة، فلو كان المراد ما قلت لقال: يحل بأفعال عمرة، ولقال: يجعلها أفعال عمرة.
فإن قيل: فقد روي عن عمر في لفظ آخر رواه البخاري عن سليمان ابن يسار: أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجاً حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة أضل رواحله، ثم إنه قدم على عمر يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال: اصنع كما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإذا أدركت قابل فاحجج، وأهد ما استيسر من الهدي.
فلو كان بالفعل معتمراً لم يقل: اصنع كما يصنع المعتمر.
стр. 782
قيل له: قوله: (اصنع كما يصنع المعتمر) لا يمنع كونه معتمراً، كما قال النبي ﷺ لعائشة لما حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت"، فلم يدل هذا على أنها لم تكن حاجة، كذلك هاهنا.
وأيضاً فإن ما يفعله بعد فوات الحج هو عمل عمرة، فوجب أن يكون مؤدياً بإحرام العمرة.
دليله: إذا أحرم بعمرة مبتدأة.
فإن قيل: لو كان كذلك لوجب إذا بقي محرماً إلى قابل، وطاف وسعى في أشهر الحج: أن يكون متمتعاً، كما لو أحرم بعمرة مبتدأة.
قيل له: إنما لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج وأفعالهما في سنة واحدة، ولهذا نقول: لو أحرم بالعمرة في رمضان، وطاف لها في شوال، وحج من سنته، لم يكن متمتعاً؛ لعدم المعنى الذي ذكرنا، فأولى أن لا يكون متمتعاً إذا وجد ذلك في سنتين.
وأيضاً لو كان إحرام الحج باقياً بعد الفوات، لجاز بقاؤه عليه، وأداء أفعال الحج به في السنة القابلة، كما لو أحرم بعد مضي الوقت، ولما لم نقل هذا دل على أنه قد انقطع.
فإن قيل: امتناع جواز أداء أفعال الحج به في السنة القابلة لا يمنع بقاء إحرام الحج، ألا ترى أنه لو لم يفته الحج، وأدرك عرفة، ومضى وقته، كان إحرام الحج باقياً إلى أن يطوف [طواف] الزيارة ومعلوم أنه
стр. 783
لا يمكنه أداء أفعال الحج في السنة القابلة.
قيل له: إنما لم يجز هناك؛ لأنه إحرام قد أسقط فرض الحج، وهو الوقوف، ولهذا لم يسقط به فرضاً ثانياً، وهذا بخلافه.
وأيضاً لو أحرم بعمرة لم يصح، فلو كان إحرام الحج باقياً لصح، كما لو أحرم بها قبل الفوات، ويصير قارناً.
ولأن الإحرام إما أن يكون إحراماً يؤدي به عمرة، أو إحراماً يؤدي به حجة، فأما إحرام يؤدي به عمل عمرة فلا.
فإن قيل: الطواف الذي يتحلل به عند الفوات هو الذي أوجبه إحرام الحج، وليس هو عمل عمرة.
قيل له: لو كان كذلك، لجاز فعله قبل الوقوف بعرفة؛ لأن طواف الزيارة لا يثبت حكمه قبل الوقوف.
ولأن بقاء طواف الزيارة لا يمنع الطيب واللبس والحلق، والذي يفوته الحج ممنوع من ذلك كله، فدل على أنه ليس هو الطواف الذي أوجبه إحرام الحج.
واحتج المخالف على بقاء إحرام الحج بأن القارن إذا فاته الحج يمضي في عمرته، ويتحلل مع ذلك من الحج بالطواف والسعي، فلو كان إحرامه للحج قد انقطع بالفوات، وصار إحرام عمرة حقيقية، لما جاز
стр. 784
له المضي فيها؛ لأن من كان محرماً بعمرة، فأضاف إليها أخرى، لم ينعقد إحرامه بالثانية، [ .... ] فلما اتفقنا على جواز المضي في الإحرامين، دل على أن إحرام الحج باقٍ، وأن ما يتحلل به من الحج عمل عمرة.
والجواب: أنه إنما جاز المضي فيهما؛ لأن إحرامه في الابتداء صح على وجه يمكنه المضي فيه، فلهذا لم يُؤمر برفضها، وليس كذلك إذا أحرم بعمرتين، أو بعمرة وعمرة بعدها؛ لأنه لا يمكنه المضي فيهما، فلهذا لم ينعقد بالثانية، ونظير هذا من سبقه الحدث بعدما دخل في صلات، بنى عليها عندهم وعندنا على إحدى الروايتين، ولو قارن الحدث ابتداء الصلاة لم تنعقد، وكان الفرق بينهما أنه في إحدى الموضعين انعقد على وجه الصحة، وفي الآخر على وجه الفساد.
وأجود من هذا: أنه إنما مُنع من إدخال عمرة على عمرة إذا كان يلزمه المضي في كل واحد منهما، وعمرة القران لا تلزمه أفعالها؛ لأنها داخلة في أفعال الحج.
واحتج بأنه لو فاته الحج، وبقى على إحرامه إلى قابل، وطاف وسعى في أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك: أنه لا يكون متمتعاً، فلو كان إحرامه تحول إلى إحرام عمرة، لوجب أن يكون متمتعاً، كمن أحرم بعمرة في غير أشهر الحج، وطاف وسعى لها في أشهر الحج، أن يكون متمتعاً.
стр. 785
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن النبي ﷺ قد كان أمر أصحابه بالفسخ، ومعناه: أن يجعلوا إحرامهم بالحج عمرة، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فلو قلنا: إن إحرامه بالحج يتحول بالفوات إحرام عمرة، لكان فيه فسخ الحج، وقد بينا أن ذلك منسوخ.
والجواب: أن فسخ الحج إلى العمرة باق لم يُنسخ، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم بما فيه كفاية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قصد به بيان التمام في ما يرجع إلى الإحرام من الميقات، أو من دويرة أهله، وقد بينا ذلك في ما تقدم.
ولأنه محمول على الأمر بالتمام على وجه لا يدخل عليه الفساد، والفسخ عندنا ليس بإفساد له.
واحتج بأن إحرامه بفوات الحج، ولو صار إحرام عمرة، لوجب أن يلزمه الخروج إلى التنعيم قبل الطواف، ومتى لم يخرج إليه لزمه دم.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم في من قدم حاجاً فطاف وسعى، ثم مرض، فحيل بينه وبين الحج حتى مضت أيامه: يحل بعمرة. قيل له: يُجدد إهلالاً للعمرة، أم يجزئه الإهلال الأول؟ فقال: يجزئه الإهلال الأول.
стр. 786
والجواب: أنه إنما يجب الدم إذا أدخل النقص في إحرامه بترك ما يجب عليه بالإحرام من الوقت، وهو لم يجب عليه الإحرام إلا على هذه الصفة، فلم يدخل النقص في إحرامه بترك الوقت، فلهذا لم يلزمه دم.
ولهذا نقول: يجوز فسخ الحج إلى العمرة، ولا يلزمه دم لترك الإحرام بها من التنعيم؛ للمعنى الذي ذكرنا.
واحتج بأنه ليس في فوات الحج إلا تعذر المضي في الحج، وتعذر المضي فيه لا يوجب أن يصير إحرامه إحرام عمرة.
الدليل عليه: المحصر.
والجواب: أن المحصر لا يلزمه بعد التعذر عمل العمرة، فلهذا لم يصر محرماً بها، وهذا يلزمه، فوجب أن يكون مؤدياً بإحرام العمرة، كما لو أحرم بعمرة مبتدأة.
واحتج بأنها لو انتقلت عمرة لأجزأته عن عمرة الإسلام، فلما لم تجزئه عنها وجب أن لا تكون عمرة.
والجواب: أنه إنما تجزئه عن عمرة الإسلام؛ لأنها قد وجبت عليه بالشرع، فلم تسقط إحداهما الأخرى، كما لو نذر عمرة؛ فإنها لا تسقط عمرة الإسلام.
ويبين صحة هذا: أن غير الفائت لا يلزمه أن يأتي بأفعال العمرة وعمرة الإسلام.
* … * … *
стр. 787
١٧٣ - مسألة
ويلزمه مع العمرة القضاء والهدي في أصح الروايتين:
نقلها ابن القاسم والميموني.
وهو قول مالك والشافعي.
ونقل أبو طالب عنه: يلزمه الهدي، ولا يلزمه القضاء.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء، ولا يلزمه الهدي.
والدلالة على وجول القضاء: ما تقدم من حديث عطاء، عن النبي ﷺ قال: "من لم يُدرك فعليه دم، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل".
ولأننا روينا عن عمر وابن عمر: أن عليه القضاء والهدي.
فإن قيل: فقد خالف ابن عباس، وقال: لا قضاء.
قيل: [ .... ].
ولأنه لم يكمل أفعال حجه بتفريط كان منه، فوجب أن يكون عليه القضاء، كما لو أفسد.
ولا يلزم عليه فسخ الحج إلى العمرة؛ أنه لو كان محرماً بحجة تطوع، ثم فسخ الحج، كان عليه قضاء الحج؛ لأنه إنما يجوز له فسخ الحج إلى العمرة؛ ليستفيد به فضيلة التمتع، ولا يحصل هذا إلا بالحج.
стр. 788
وقد أومأ أحمد إلى هذ في رواية ابن منصور، فقال في القارن: له أن يحل إذا لم يسقِ الهدي، ولا بد له أن يهل بالحج من عامه.
واحتج من قال: (لا قضاء) بحديث الأقرع بن حابس قال: قلت: يا رسول اللهّ مرة، أو أكثر؟ قال: "بل مرة، وما زاد تطوع".
وظاهره: أن لا يجب عليه أكثر من مرة واحدة، وإذا أوجبنا عليه القضاء، فقد أوجبنا عليه أكثر من ذلك.
والجواب: أن هذا محمول على من لم يحرم بالحج دفعة تانية.
واحتج بأنه لم يوجد من جهته فعل يفسد الإحرام، فلم يلزمه القضاء، كالمحصر.
والجواب: أن في ذلك -أيضاً- روايتين، نقل أبو طالب: عليه القضاء.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
ولأن المحصر لم يوجد من جهته تفريط، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لم يكمل أفعال حجه بتفريط كان منه، فهو كالمفسد.
* فصل:
والدلالة على أن عليه الهدي: ما تقدم من حديث عطاء، عن النبي ﷺ قال: "من لم يدرك فعليه دم".
وهذا أمر فاقتضى الوجوب.
стр. 789
ولأنه إجماع الصحابة؛ قد روينا ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، كلهم يوجب عليه الهدي.
فإن قيل: يحمل هذا على الاستحباب.
قيل: ظاهر الأمر يقتضي الوجوب.
على أنهم أُمروا بالهدي والقضاء أمراً واحداً، وقد ثبت وجوب القضاء، كذلك الهدي.
والقياس: أن الفوات سبب يجب به قضاء الحج، فوجب أن يجب به الهدي.
دليله: الإفساد.
ولا يلزم عليه فسخ الحج إلى العمرة؛ لأنه يجب به هدي، وهو هدي التمتع.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه واقع المحظور في الإحرام، ولزمه دم جناية، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لم يواقع المحظور، وقد تحلل منه بالطواف، فلم يلزمه للتحلل دم، كالمفرد إذا لم يفته.
قيل له: المحصر لم يواقع المحظور في الإحرام، ويلزمه دم للتحلل، وأما المفرد إذا لم يفته، فالمعنى فيه: أنه أكمل النسك، فلهذا لم يلزمه الدم، وهاهنا لم يكمله، فهو كالمحصور.
وقياس آخر، وهو: أنه تحلل من نسكه قبل الفراغ منه، فكان عليه الهدي.
стр. 790
دليله: المحصر.
ولا يلزم عليه فسخ الحج إلى العمرة؛ لأنا قد بينا أنه يجب به هدي، وهو هدي التمتع.
فإن قيل: المحصر حجه لنا؛ لأنه لو كان فوات الحج يوجب دماً، لوجب أن يلزم المحصر دمان؛ أحدهما لإحلاله بغير طواف، والآخر للفوات؛ لأن المحصر فائت الحج، فلما اتفقوا أنه يجب عليه دم واحد للإحلال بغير طواف فقط، عُلم أن فوات الحج لا يوجب دماً.
قيل له: إن تحلل بعد الطواف لزمه هديان؛ هدي تحلل به من إحرامه، وهدي لما يلحقه من الفوات.
وإن كان قد تحلل منه قبل فواته، فلا يجب هدي الفوات؛ لأنه تحلل من إحرام قبل أن يلحقه الفوات.
واحتج المخالف بأنه لم يواقع المحظور في إحرامه، وقد تحلل منه بالطواف، فلا يلزمه للتحلل دم.
دليله: من لم يفته.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه يبطل بالمحصر؛ لم يواقع محظوراً، ولو يلزمه الدم.
والمعنى في غير الفائت أنه أكمل أفعال نسكه، وهذا بخلافه.
واحتج بأنه لو كان فوات الحج يوجب دماً، لوجب أن يلزم المحصر دمان؛ أحدهما لإحلاله بغير طواف، والآخر للفوات؛ لأن المحصر
стр. 791
فائت الحج، فلما وجب عليه دم واحد لإحلال بغير طواف، عُلم أن فوات الحج لا يوجب دماً.
والجواب عنه: ما تقدم من أن المحصر إذا فاته الحج لزمه دمان؛ أحدهما للإحصار، والآخر للفوات.
واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فلا تجب بفواتها قياساً على الصوم.
والجواب: أن كفارة الحج عند المخالف آكد من كفارة الصوم؛ لأنها تتكرر بتكرر الوطء، وتجب مع العذر، وهو النسيان، وكفارة الصوم لا تتكرر، ولا تجب إلا بضرب من المأثم.
* فصل:
ويلزمه إخراج الدم في السنة الثانية.
نص عليه في رواية ابن القاسم في الذي يفوته الحج: يفرغ من عمله، فإن كان ساق هدياً نحره، وإذا كان قابلاً فعليه دم للفوات، ولا يجزئه الذي كان معه؛ لأنه قد وجب عليه أن ينحره حين ساقه، وعليه دم غيره ينحره من قابل.
وكذلك نقل أبو طالب عنه، فقال: لا ينحر إلا من قابل.
ونقل عنه أيضاً: إذا وطئ فأفسد، فإذا حج من قابل أهدى.
стр. 792
فقد أطلق القول: أنه يجب في السنة الثانية، ويجب أن يكون بعد التحلل من القضاء، كما قلنا في دم التمتع: يكون في يوم النحر بعد التحلل من الحج.
واختلف أصحاب الشافعي؛ فمنهم من قال: فيه قولان، ومنهم من قال وجهان:
أحدهما: يجب بالتحلل من الفوات، كما يجب على المحصر بالتحلل، وعلى المفسد بالإفساد.
والثاني: يجب في السنة إذا أحرم في القضاء.
وإليه ذهب المروزي في "الشرح"، وقال: وهو بمنزلة المتمتع إذا تحلل من العمرة، وأحرم بالحج.
فالدلالة على أنه يكون في السنة الثانية: ما تقدم في حديث عمر: أنه قال للفائت: حُجَّ من قابل، وأهرق دماً. وكذلك عن ابن عمر، فأوجبا الدم في السنة الثانية؛ لأنه أمر بالتحلل في السنة الأولى؛ ليحصل له الاستمتاع باللبس والطيب والحلق في ما بين الإحرامين، فهو كالمتمتع، وقد ثبت: أن المتمتع يلزمه الدم إذا تحلل من الإحرام الثاني عندنا، وعندهم إذا أحرم بالثاني، كذلك هاهنا.
ويفارق هذا ما قالوه من دم الحلاق والطيب واللباس أنه يخرجه من سنته؛ لأن هناك نسك واحد، فلهذا لزمه إخراجه في سنته، وهاهنا نسكان، فهو كالمتمتع.
стр. 793
١٧٤ - مسألة
تجب الفدية بقتل الصيد خطأً:
نص على هذا في رواية حنبل، وصالح، وأبي طالب، وعبد الله، والأثرم.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وقال داود: لا جزاء بقتل الخطأ.
ونقل صالح عن أحمد مثل هذا.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "الضبع صيد إذا أصابه المحرم ففيه الجزاء كبش مُسن، ويُؤكل".
ولم يفرق بين العمد والخطأ.
ولأنه قتل الصيد في حال إحرامه، فأشبه العمد.
وكل حيوان لو قتله عمداً وجب به كفارة، فإذا قتله خطأ وجب به أيضاً.
دليله: الآدمي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥].
стр. 794
فدل أن من قتله خطأ لا جزاء.
والجواب: أن الآية حجة لنا من وجه، وهو أنها تقتضي أن من نسي الإحرام، فقتل الصيد معتمداً يلزمه الجزاء، وعندهم لا يلزمه.
وعلى أن تخصيص العمد بالذكر أفاد ما ذكره في أثناء الآية من الوعيد، وهو قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا الوعيد يختص العامد دون المخطئ، فلهذا خُص العمد بالذكر.
واحتج بقوله ﷺ : "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان".
والجواب: أنه محمول على رفع المأثم بما ذكرنا.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن أبي حذيفة، عن ابن عباس قال: ليس عليه في الخطأ شيء.
والجواب: أنه يقابله ما روى النجاد بإسناده عن الحكم: أن عمر كتب: ليحكم عليه في الخطأ والعمد.
وروى أحمد بن مسعود في رجل ألقى [جوالق] على ظبي، فأُمر بالجزاء.
قال أحمد في رواية الأثرم: وهذا لا يكون عمداً.
واحتج بأن الأصل براءة الذمم إلا أن يرد الشرع.
стр. 795
والجواب: أنا قد روينا الشرع في ذلك.
واحتج بأنه لو تطيب، أو لبس ناسياً، فلا جزاء عليه، كذلك الصيد.
والجواب: أن في ذلك روايتين، والصحيح أنه يستوي العمد والخطأ.
* … * … *
١٧٥ - مسألة
العائد لقتل الصيد عليه الجزاء ثانياً:
نص عليه في رواية ابن القاسم، وسندي، وإحدى الروايتين عن حنبل.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وروى حنبل في موضع آخر: لا جزاء عليه، وينتقم الله منه.
وهو قول داود.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فذكر جنس الصيد بالألف واللام احتراز من قتله فعليه مثله، فاقتضى الظاهر: أن من قتل صيداً لزمه مثله، ومن قتل صيدين أو أكثر، لزمه مثل ذلك.
فإن قيل: الآية إنما تناولت جنس الصيود، وإنما أُريد بها صيداً
стр. 796
واحداً بدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، فأتى بلفظ التوحيد، ولو كان المراد الجنس لكان يقول: مثلها، فيكني عنه بلفظ الجمع.
قيل: الجمع على ضربين:
جمع من طريق اللفظ، كقولك: الرجال والنساء، والكناية تعود إلى الجمع بلفظ الجمع، كقولك: الرجال رأيتهم.
وجمع من طريق المعنى مثل من هي موضوعة للجمع عن طريق المعنى، فالكناية تعود إليها بلفظ التوحيد، كقول القائل: من دخل داري فله درهم.
كذلك الصيد اسم للجنس من طريق المعنى؛ لأنا استدللنا على ذلك بالألف واللام؛ لأنه لما لم يرد العهد عُلم أن المراد به الجنس؛ لأن لفظه لفظ الجمع، فعادت الكناية إليه بلفظ التوحيد.
ويدل عليه -أيضاً- ما تقدم من حديث جابر، عن النبي ﷺ : "الضبع صيد، إذا أصابه المحرم ففيه الجزاء كبش".
ولم يفرق فيه بين الدفعة الأولى والثانية.
ولأنه حيوان مضمون بالكفارة، فوجب أن تتكرر الكفارة بتكرر قتله، كالآدمي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥].
стр. 797
ومنها دليلان:
أحدهما: أنه ذكر الجزاء في قتل الصيد، وعلقه بلفظ من بقوله: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥].
والجزاء إذا علق بلفظ من اقتضى استحقاق دفعه عند وجود شرطه، ولا يتكرر وجود الشرط، كقول القائل: من دخل داري فله درهم؛ فإنه يقتضي استحقاق الدرهم دفعة بدخول واحد، ولا يتكرر الاستحقاق بتكرر الدخول، كذلك هاهنا.
وهذه دلالة من داود.
والثاني من الآية: أنه قال في سياقها: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] فدل على أنه لا تجب عليه كفارة أخرى.
والجواب عن الدلالة الأولى، فهو: أن الجزاء إذا عُلق بلفظ من فإنه على ضربين:
أحدهما: أن يكون الفعل المعلق به الجزاء واقعاً في محل، فلا يقتضي تكرار الجزء بتكرره، كما ذكره من قوله: من دخل داري فله درهم.
والثاني: أن يكون واقعاً في محال مختلفة، فيتكرر الاستحقاق بتكرره نحو قوله: من دخل دوري فله بدخول كل دار درهم؛ فإنه إذا
стр. 798
تكرر منه الدخول الاستحقاق؛ لاختلاف المحال، كذلك الجزاء متعلق بقتل الصيد، والقتل يقع في صيد وصيود مختلفة، فاقتضى ذلك تكرار الجزاء بتكرر القتل في كل صيد.
والجواب عن الدلالة الثانية من الآية، فهو: أن ذكره -تعالى- للانتقام لا يدل على أنه لا حق هناك غيره، كما قال -تعالى- في آية المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولم يمنع هذا من إيجاب حق آخر يتعلق بالغرم.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم، ثم عاد، قيل له: اذهب فينتقم الله منك.
والجواب: أن عموم في الكتاب والسنة يقضي على قول الصحابي.
واحتج بأن الأصل براءة الذمم، فمن ادعى إيجاب حق آخر فعليه الدليل.
والجواب: أنا قد دللنا على ذلك في ما تقدم.
واحتج بأنه لو تكرر منه الوطء واللباس والطيب والحلاق وتقليم الأظافر تداخلت الكفارة، كذلك يجب أن نقول مثله في جزاء الصيد؛ لأنه من محظورات الإحرام.
والجواب: أن الصيد يجري مجرى ضمان الأموال بدليل أنه يختلف باختلاف المقتول بالصغر والكبر، وضمان الأموال يتكرر
стр. 799
بتكرُّر سببه، وليس كذلك الطيب واللباس والوطء؛ لأن جبرانها لا يجري مجرى ضمان الأموال، فهي أخف، فجاز أن تتداخل.
* … * … *
١٧٦ - مسألة
إذا قتل صيداً له مثل من النعم ضمنه بمثله:
نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: إذا أصاب صيداً فهو على ما حكم أصحاب رسول الله ﷺ ، وكل ما سمي فيه شيء فهو على ذلك، وفي الضبع شاة.
وقال في رواية ابن منصور: قد تقدم فيه حكم فهو على ذلك.
وقال -أيضاً- في رواية أبي داود في الذي يصيب الصيد: يتبع ما جاء، قد حُكم وفُرغ منه.
وهو قول مالك والشافعي وداود.
وقال أبو حنيفة: يضمنه بقيته، ثم يصرف تلك القيمة في النعم إذا شاء، ولا يجوز صرفها إلا في النعم التي تجوز في الهدايا.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].
فأوجب مثل المقتول من النعم، وعندهم لا يجب ذلك.
فإن قيل: المراد بالمثل هاهنا: مثل من طريق القيمة، لا من طريق الصورة.
стр. 800
يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ونهى عن قتل جنس الصيد، فدخل تحته ما له نظير، وما لا نظير له، ولا خلاف أنه لو قتل ما لا نظير له وجبت عليه قيمته، فثبت أن القيمة مرادة بالمثل، فيصير كأنه قال: فجزاء قيمة ما قتل، ولو قال ذلك لوجب اعتبار القيمة في جنس الصيد، كذلك إذا كان تقديره ما ذكرنا.
وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ أفاد أن الهدي الذي تصرف القيمة فيه يجب أن يكون منه؛ لئلا يتوهم أن كل ما يقع عليه اسم الهدي يجرئ.
قيل له: لا نسلم أن الآية تناولت جنس الصيود التي لا مثل لها؛ لأنه لما قيد المثل من النعم، علمنا أن ما لا مثل له لم يدخل تحت الظاهر، وإنما استفدنا حكم ذلك من غيرها.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، وهذا في النائي عن البيت، فأما أهل مكة، ومن كان منها على ما لا تقصر فيه الصلاة، فلم يدخل في هذا؛ لأن استطاعته [ليس في] الزاد والراحلة.
وقولهم: (إن قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يقتضي أن يكون الهدي منه) فغير صحيح؛ لأن حقيقة الكلام تقتضي أن تكون (من) للجنس، فيكون المثل من جنس النعم، فمن عدل بها عن ذلك، فقد عدل عن حقيقة اللفظ.
стр. 801
وعلى أن قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يقتضي وجوب صرفة ذلك في النعم، وهم لا يوجبون ذلك.
فإن قيل: إذا تنازعنا في المراد بالمثل، كان حمله على القيمة أولى من حمله على المثل من جهة الخلقة والصورة؛ لأن فيه حمل الآية على عمومها؛ لأنه يدخل تحتها ما له نظير، وما لا نظير له، وفي حمله على المثل من جهة الخلقة تخصيص الآية.
قيل له: لسنا نسلم العموم حين يكون حمله عليه أولى من تخصيصه؛ لأنا قد بينا أنها تناولت مثلاً من طريق الصورة من النعم.
فإن قيل: إذا حملنا المثل على القيمة كان موافقاً للأصول وإذا حملناه على المثل من جهة الخلقة كان مخالفاً لها؛ لأنا قد وجدنا قيمة الشيء مثلاً له في الأصول، ولم نجد مثله في الخلقة من غير جنسه مثلاً له.
قيل له: إنما يكون أولى إذا كان اللفظ ينتظم جنس الصيود، وقد بينا: أن اللفظ خاص، فلا يجوز اطراح اللفظ [ .... ] الأصول.
على أنا نتكلم على ذلك في ما بعد.
فإن قيل: فقد قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، فلو كان المراد به المثل من جهة الخلقة لما احتيج إلى حكمين عدلين؛ لأن العدالة يحتاج إليها في ما يعلم بالخبر دون المشاهدة والمماثلة من جهة الخلقة،
стр. 802
[والمماثلة من جهة الخلقة] تعلم بالحس والمشاهدة، والقيمة تعلم من جهة الاجتهاد.
قيل له: الحكم بالمثل من طريق الخلقة يحتاج إلى اثنين، لأنه ينظر إلى ما يشبه المقتول من النعم، وهذا يحتاج فيه إلى نظر واجتهاد أكثر من القيمة، وتُشترط فيه العدالة أيضاً؛ أنه مما يدق ويخفى، فهو مجبر بما يغلب على ظنه، فافتقر إلى العدالة.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، والتخيير إذا حصل بين أشياء، فكل واحد منهما متعلق بما تعلق به الآخر، فكأنه قال: مثل هو هدي، أو مثل هو إطعام مساكين، أو مثل هو صيام.
وهذا لا يكون إلا على قول من أوجب القيمة، فإلى أي الأصناف الثلاثة صرفها كانت هي المثل.
قيل له: نحن -وإن قلنا: يضمن بنظيره- فإنه مخير بين النظير وبين قيمته طعاماً، وبين الصيام عن كل مد يوماً، فلم يصح.
فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾.
ظاهره يقتضي: أنه حكم باقٍ أبداً، وهذا لا يكون إلا في القيمة التي تختلف باختلاف الأزمان، فأما المثل من طريق الخلقة؛ فإنهما إذا حكما به كان ذلك باقياً، فلا يُحتاج إلى الحكمين فيه.
стр. 803
قيل له: الآية تقتضي أن يحكم به ذوا عدل، ونحن نقول بظاهره، وهو الحكم السابق من جهة الصحابة، يقتضي هذا تكرار الحكم.
فإن قيل: فنحمل قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ على أنه صفة للمقتول، وهو أولى من حمله على أنه صفة للجزاء؛ لأن الآية قد قُرئت بقراءتين؛ فقرأ أهل الكوفة بالرفع، وقرأ غيرهم بالإضافة.
فعلى قراءة الرفع إذا جعلناه صفة للمقتول لم يُفصل بين العامل والمعمول؛ لأن قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مِّثْلُ﴾ صفته، و ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، و ﴿قَتَلَ﴾ صلة الذي، وهو العامل في قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ و ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ في موضع نصب، والعامل فيه ﴿قَتَلَ﴾، ولا بد من راجع يرجع من الصلة إلى الموصول.
ولو جعلنا قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صفة للجزاء فصلنا بين العامل؛ الذي هو الجزاء، ومعموله؛ الذي هو من النعم؛ لأن من يجعل النعم صفة للجزاء يجعل العامل فيه قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾، والمعمول؛ الذي هو قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ فاصل؛ هو ما وصلتها، ومن لم يفصل بين العامل ومعموله كان أولى.
فهذا على قراءة الرفع.
وأما على قراءة الإضافة فقد يراد بالإضافة إلى الشيء نفس الشيء، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ﴾ [البقرة: ١٣٧]، ومعناه: آمنوا بما آمنتم به.
стр. 804
وقول الشاعر:
مثلي لا يُحسن قولاً يَغفر
أي: أنا لا أحسن.
فعلى القراءتين جميعاً حمله على المقتول ممكن.
قالوا: والنعم قد يتناول الوحش، قال أبو عبيدة: النعم يتناول الوحش، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] بهائم وغير بهائم لم يكن بإضافة البهائم إلى الأنعام معنى، وإنما أباح من جملة الأنعام البهائم، ولم يبح السباع؛ لأنها لا تُسمى بهائم، وإنما تُسمى كواسب.
قيل له: النعم لا تتناول الوحش، وما ذكروه عن أبي عبيدة غير معروف، وأما الآية فلا حجة فيها؛ لأنها تدل على أن كل نعم بهيمة، ولا تدل على أن كل بهيمة نعم.
وعلى أن هذا لا يصح حمله على أنه صفة للمقتول؛ لأنه يؤدي إلى التكرار؛ لأنه يحصل تقديره: لا تقتلوا الصيد، ومن قتل الصيد، فجزاء مثل ما قتل من الصيد.
وأيضاً ما روى جابر عن النبي ﷺ قال: "الضبع صيد إذا أصابه المحرم، وفيه الجزاء كبش".
стр. 805
فإن قيل: يحتمل أن يكون معناه: إذا اختار الهدي، وكانت قيمته قيمة شاة.
قيل: قوله: "فيه كبش" أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وعلى قولهم لا يجب، وإنما هو موقوف على اختياره.
وأيضاً إجماع الصحابة روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وابن الزبير: أنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الأيل وبقر الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي اليربوع بجفرة، وفي الأرنب بعناق.
فإن قيل: حكموا بذلك على طريق القيمة، ألا ترى أنه روي عنهم: أنهم حكموا في الحمامة بشاة، ولا مشابهة بين الشاة والحمامة في الخلقة؟
قيل لع: لا يمكن حمله على هذا لوجوه:
أحدها: أنهم قضوا بذلك في أوقات مختلفة، وبلدان مختلفة، والقيمة تختلف باختلاف البلدان والأوقات والأسعار، ولا يجوز أن تتفق قضاياهم على شيء واحد.
الثاني: أنهم قضوا في اليربوع بجفرة، وعندهم لا يجوز إخراج ذلك وصرف القيمة فيه؛ لأنه لا يجزئ في الهدايا.
والثالث: أن البدنة أكثر قيمة من النعامة، والبقرة أكثر قيمة من
стр. 806
حمار الوحش، والكبش أكثر قيمة من الضبع، والعنز أكثر قيمة من الغزال، والعناق خير من الأرنب، والجفرة خير من اليربوع، والشاة خير من الحمامة، فدل على أنهم لم يقصدوا القيمة.
وقولهم: (إنه لا مشابهة بي الحمامة والشاة) فغير صحيح؛ لأنها تشبهها من جهة أنها تعب وتهدر، كما تعب الشاة.
والقياس: أن النعم حيوان مُخرج على وجه التكفير، فوجب أن يكون أصلاً لا على وجه القيمة، كالعتق في كفارة القتل والظهار والوطء في رمضان.
ولأن قتل الصيد فعل حرام بالإحرام، فوجب أن يكون المخرج فيه أصلاً بنفسه، كالشاة الواجبة في الطيب واللباس.
فإن قيل: لو قتل ما لا نظير له من النعم وجبت عليه قيمته، فإن بلغت هدياً كان بالخيار؛ إن شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام، ثم لا خلاف أنه لو اختار الهدي لم يكن أصلاً في نفسه؛ لأن الأصل ما يجب عليه بنفس القتل، والهدي في ما لا نظير له لا يجب بنفس القتل.
قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن ما لا مثل له لا يجوز صرف بدله في الهدي؛ لأنه لا مثل له.
فإن قيل: فالعلة تبطل به إذا أفسد الحج؛ فإنه يلزمه بدنة، ويجزئه
стр. 807
أن يخرج بقرة، أو سبعاً من الغنم، وليس الغنم والبقر أصلاً في ذلك.
قيل له: الرواية مختلفة في ذلك؛ فروي عنه: لا تجوز البقرة، ولا السبعة من الغنم مع وجود البدنة؛ إلا أنها غير معتبرة بقيمة البدنة، فلم تدخل على ما قلنا.
وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب قال: إذا كان عليه جزاء، أو نذر بدنة، فلم يجد بدنة جعل مكانها سبعاً من الغنم.
فأجاز الانتقال إذا لم يجد.
وروي عنه أنه مُخير بين هذه الثلاثة، وأيها أخرجه كان أصلاً بنفسه، فسقط النقض.
وهذا ظاهر كلامه في رواية حنبل قال: العشر من الغنم تجزئ مكان الجزور، وإذا كان عليه بدنة، فنحر عشراً من الغنم، أو قاد ذلك عنه، إن شاء الله.
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: ومن وجبت عليه بدنة، فذبح سبعاً من الغنم أجزأه.
ولم يعتبر أن لا يجد البدنة.
فإن قيل: الرقبة الواجبة في كفارة القتل من جنس المقتول، فيجب أن يكون في مسألتنا، فلما لم يجب من الجنس، لم يجب مثله في الخلقة.
стр. 808
قيل له: كفارة الوطء والظهار ليس من جنس الوطء والظهار، ومع هذا فتجب، وكذلك مئة من الإبل ليست من جنس الحر، ومع هذا يُضمن بها.
فإن قيل: الرقبة في كفارة القتل لا تختلف باختلاف المقتول، وجزاء الصيد يختلف، فوجبت القيمة، كالعبد المقتول.
قيل له: دية الآدمي تختلف باختلاف المقتول بالذكورية والأنوثية والخنثى، ومع هذا لا تجب قيمته، وإن ما يجب فيه مقدر.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقدروا وجه الدلالة من الأوجه التي تقدم ذكرها.
والجواب عنها: ما مر، فلا وجه لإعادته.
واحتج بأن ضمان لزمه من جهة إتلاف الصيد، فأشبه ما لا نظير له من النعم، وإذا كان لآدمي.
ولأنه لو كان لآدمي ضمن قيمته، كذلك إذا كان لله قياساً على ما لا نظير له من النعم.
والجواب: أن قوله: (ضمان لزمه من جهة إتلاف الصيد) لا تأثير له لذكر الصيد في ذلك؛ لأن الصيد وغيره سواء.
стр. 809
ثم نقول: لا يخلو إما أن نقول بحكم العلة، فوجب أن يضمنه بقيتمه؛ فإنه ينتقض بالإطعام والصيام؛ فإنه يضمنه به، وليس بقيمة له.
فإن قلت: فلم تضمنه بمثله، لم يصح في الأصل؛ لأنه لا مثل له، فلا يوصف بذلك.
وعلى أن ما لا نظير لذاته، لا مثل له، فلهذا عدل إلى القيمة، كما نقول في ما لا مثل له من الأموال: تجب قيمته، وهذا مما له مثل، فهو كالذي له مثل من الأموال.
وأما ضمانه في حق الآدمي فهو مخالف لضمانه في حق الله تعالى، ألا ترى أن العبد يضمن في حق الآدمي وفي حق الله -تعالى- بالكفارة، ويدخل الصوم في ضمان حق الله -تعالى- في قتل الصيد، ولا يدخل في حق الآدمي.
واحتج بأنه لا يجب مثله من جنسه، فوجب أن لا يجب مثله في الخلقة من غير جنسه، كما لو أتلف الصيد على آدمي.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يجب مثله من جنسه، ولا قيمته، ويجب معنى آخر، كالحر يضمن بمئة الإبل، وإن لم تكن من جنسه،
стр. 810
ولا قيمته، وكذلك الجنين يضمن بغُرة، وإن لم تكن من جنسه، ولا بدل عنه، كذلك هاهنا.
وأما ضمانه في حق الآدمي فقد تكلمنا عليه.
واحتج بأنه تعتبر قيمته فيما دون النفس، كالعبد والشاة والصيد إذا كان لآدمي.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ما دون النفس، فلو قلنا: إن ذلك مضمون بالمثل بجزء شائع من مثله من الحيوان لم يمتنع، وإن سلمنا ذلك، وهو الأشبه بأصوله؛ لأنه قد قال: في شعرة مد، ولم يوجب ثلث دم، وكان المعنى في ذلك: أن الذي حصل في الجرح نقص فيه، والنقص في ما يُضمن بالمثل لا يُضمن بالمثل، كالطعام إذا تسوس في يد الغاصب، أو بُل بالماء، فنقص، فالواجب ما نقص، لا المثل، كذلك جزاء الصيد.
ولأن إيجاب سهم من حيوان يشق، فإذا كان فيه مشقة عدل عنه إلى غيره، ألا ترى أن الإبل إذا نقص عن خمس وعشرين كان فيها من غير جنسها؛ لأن إيجاب سهم من حيوان يشق، كذلك هاهنا نعدل إلى ما نقص من ثمنه؛ لأن إيجاب جزء من المثل يشق.
وأما الأصل -وهو إذا كان لآدمي- فقد أجبنا عنه.
* … * … *
следующие страницы →