← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المعنى، فلا يلزمه إخراجه. قيل له: وكذلك إذا كان الصيد في يده حصل ممسكاً له، وهو منهي عن إمساكه، وإذا كان في بيته لم يحصل هذا المعنى. واحتج بأنه صيد يجب عليه الجزاء بقتله، فلزمه إرساله من رحله. دليله: إذا اصطاده، وهو محرم، أو اصطاده في الحرم. والجواب عنه: أن ما اصطاده يريد أن يبتدئ تملكه، وليس إذا مُنع من ابتداء التملك مُنع من الاستدامة، كالنكاح في حال الإحرام والعدة. واحتج بأنه صيد يضمنه في حق الله -تعالى- بإتلافه، فوجب أن يضمنه بحبسه. أصله: إذا مات في يده. والجواب عنه: ما تقدم، وهو انه إذا مات في يده، فقد وُجِد منه فعل في الصيد، وهو إمساكه بيده، وهذا معدوم هاهنا. * … * … * ٢٠٤ - مسألة إذا اصطاد صيداً، وهو حلال، ثم أحرم، فأرسله من يده حلال أو محرم بغير أمره، لم يضمن: وهذا قياس المذهب؛ لأنا نقول: لو قضى دين غيره بغير إذنه

стр. 912

احتسب له به، لأنه فعل ما كان يلزمه فعله. وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يضمنه. دليلنا: أن المحرم مأمور بإرسال الصيد، فإذا أرسله غيره، فقد فعل ما كان على المحرم أن يفعله، فوجب أن لا يضمن، كما أن من أخذ الشيء المغصوب من يد الغاصب، ورده على المغصوب منه، لم يضمن للغاصب؛ لأنه فعل ما كان على الغاصب أن يفعله. فإن قيل: لا نسلم أن يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش، وإنما يلزمه أن يرفع يده عنه، ولا يمسكه، وله أن يتركه في منزله وفي قفصه. قيل له: أما على أصلنا فيلزمه ذلك، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية صالح وأبي داود؛ لأنه قال: يرسله. وظاهر هذا يقتضي إرسالاً يلحق بالوحش. وأما على قولكم، فإذا لم نسلم دللنا على أنه يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش. والدلالة عليه: أنه صيد لزمه رفع يده عنه لحق الله تعالى، فلزمه إلحاقه بالوحش. دليله: ما اصطاده في حال الإحرام، أو اصطاده في الحرم. فإن قيل: لو كان له مال، فوجبت فيه الزكاة، فجاء غيره، وأخرج منه المقدار الواجب فيه بغير أمره، ضمنه، وإن كان قد فعل ما كان على

стр. 913

رب المال أن يفعله، وكذلك إذا قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم، فجاء غيره، وتصدق بها بغير أمره، ضمنه. قيل له: إنما ضمنه؛ لأن الوجوب لم يتعين في تلك العين؛ لأن له أن يخرج الزكاة من غيرها، وله أن يتصدق -أيضاً- في مسألة النذر بدراهم غيرها، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد تعين عليه وجوب إرسال ذلك الصيد، فإذا أرسله غيره، فقد فعل ما كان على المحرم أن يفعله. وأيضاً فإن الإرسال حق تعلق بهذه العين، وتعين فيها، فإذا فعل غيره لم يضمن، كمن ذبح أضحية غيره بغير أمره لم يضمن. واحتج المخالف بأنه لو أزال يده عنه في غير حال الإحرام ضمنه، فإذا أزالها في حال الإحرام يجب أن يضمنه قياساً على سائر أملاكه. والجواب: أن سائر أملاكه ليس عليه أن يُزيل يده عنها، فإذا أزالها غيرها عنها ضمنه، وليس كذلك الصيد؛ فإن عليه أن يزيل يده عنه، فإذا لم يفعل ذلك، وأزالها غيره، لم يضمن؛ لأنه فعل ما كان على المحرم أن يفعله، فهو كالغاصب. واحتج بأن المحرم إنما لزمه حق الله تعالى، ولزوم حق الله لم يسقط الضمان عن متناوله إذا لم يكن له ولاية على صاحبه بدلالة: أن من وجبت عليه زكاة في ماله، فلم يخرجها، وجاء غيره، فأخرجها بغير أمره، ضمن، وكذلك لو قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم، فتصدق بها غيره بغير أمره.

стр. 914

ولا يلزم عليه الإمام إذا أخرجها؛ لأن له ولاية عليه. والجواب عنه: ما تقدم من الفرق بين المسألتين. * … * … * ٢٠٥ - مسألة في شجرة أصلها في الحرم، وأغصانها في الحل وقف طائر على هذه الأغصان، فقتله مُحل في الحل، فعليه الجزاء في إحدى الروايتين: نقلها صالح وابن منصور وهو اختيار أبي بكر وفي رواية أخرى نقلها ابن منصور لا جزاء. وهو قول الشافعي. وجه الرواية الأولى: أن الشافعي قد قال: إن هذا الغصن لو قطعه ضمنه: فنقول: كل غصن لو أتلفه ضمنه لحرمة الحرم، فإذا أتلف الصيد الواقف عليه ضمنه. دليله: لو كان الأصل والغصن جميعاً في الحرم. ولأن هذا الصيد لو كان في الحرم ضمنه، فإذا كان على ما أصله في الحرم ضمنه. دليله: الغصن. فإن قيل: إنما ضمن الغصن؛ لأن الاعتبار في الشجرة بأصلها،

стр. 915

وأصلها في الحرم، فتبعها الغصن، وليس كذلك الصيد؛ فإن الاعتبار فيه بعينه، وعينه في الحل. قيل: يبطل إذا كان الصيد في الحل، والرامي في الحرم؛ فإن عينه في الحل ويضمنه. وطريقة أخرى، وهو: أن ضمان الصيد إذا اجتمع فيه الموجب والمسقط غُلِّب الإيجاب. دليله: لو كان أحد أبويه أهلي، والآخر وحشي، وهو مما يؤكل؛ فإنه يجب الجزاء تغليباً للإيجاب، وكذلك إذا كان الرامي في الحرم والصيد في الحل، كذلك هاهنا، قد اجتمع فيه موجب، وهو وقوفه على غصن مضمون لحرمة الحرم، ومسقط، وهو وقوفه في الحل، فغلب الإيجاب. واحتج المخالف بأن الرامي والصيد جميعاً في الحل، فلا ضمان، كما لو كان الأصل والفرع جميعاً في الحل. والجواب: أن المعنى هناك: أنه لم يُوجد فيه معنى الإيجاب، وهاهنا وُجِد فيه. واحتج بأن الاعتبار بعين الصيد، وقد أجبنا عنه. فإن قيل: لا يجوز أن يكون الغصن يجري مجرى الحرم في ضمان الصيد، كما لم يجر مجراه في غيره من الأحكام، وقد ثبت أن شجرة

стр. 916

لو كانت في المسجد، وغصنها خارج المسجد، لم يُمنع الجنب من الكون عليها. وكذلك لو حلف: لا دخلت هذه الدار، فجلس على غصن أصله في الدار، وهو خارج منها، أو حلف: ليخرجن منها، فخرج، وجلس على الغصن، لم يحنث. قيل: لا يمتنع أن يكون حكمه حكم الأصل في الحنث والبر، وفي التحريم حق الجنب، ويكون حكمه حكم الأصل في الجزاء بدليل الغصن ليس في حكم الأصل في ما ذكرت، وهو في حكمه في الجزاء لو قطعه قاطع ضمنه، كذلك في الصيد، ويكون إلحاق ضمان بضمان أولى. ولأن اليمين يعتبر فيها الاسم، يعتبر فيها الاسم، واسم الدار لا يقع على ذلك الغصن، والمسجد إنما مُنع الجنب لحرمته، وذلك معدوم فيه. فأما الجزاء المغلب فيه الضمان عند اجتماع الموجب والمسقط، وهاهنا سبب الإيجاب، وهو كونه على ما هو في الحرم. فإن قيل: فالغصن متصل بالشجرة. قيل: الصيد في الحرم منفصل، وهما سواء في الضمان. * فصل: فإن كان في الحرم، فرمى صيداً في الحل، ففيه الجزاء قياساً على المسألة التي تقدمت، وانه قد ضمن في صيد على غصن في الحل. ونقل ابن منصور: لا ضمان عليه.

стр. 917

وجه الرِّواية الأولى: أن الرامي في الحرم يضمن، كما لو كان الصيد في الحرم. ولأن ضمان الصيد يتعلق برامٍ ومرمىً، ثم ثبت أن الرامي لو كان في الحل، والصيد في الحرم، ضمنه، كذلك إذا كان الصيد في الحل، والرامي في الحرم؛ لأنه قد اجتمع منه موجب ومسقط، فغُلب الإيجاب. ووجه الرواية الثانية: أن الصيد في الحل، أشبه إذا كان الرامي في الحل أيضاً. والجواب: أنه لم يُوجد هناك سبب الإيجاب، وهاهنا قد وُجد. * … * … * ٢٠٦ - مسألة ضمان صيد الحرم مضمون على المحل والمحرم: نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي: في حمام الحرم شاة. وفي رواية ابن منصور في قوم أحلة صادوا صيداً في الحرم: عليهم الجزاء. وفي رواية الأثرم في حلال دل حراماً على صيد في الحرم: يكفر الحلال؛ هو في الحرم. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي.

стр. 918

وقال داود: هو غير مضمون. دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ : "في الضبع كبش، إذا أصابه المحرم"، ومن دخل الحرم يُسمى محرماً. قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرماً وكان قتله في الحرم. ولأنه صيد ممنوع من إتلافه لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء، كالصيد الممنوع منه لحرمة الإحرام. فإن قيل: حرمة الإحرام آكد بدلالة أنها تمنع الطيب واللباس والجماع، وحرمة الحرم لا تمنعه. قيل له: هذا اختلاف في غير الصيد، فأما في الصيد فهما متساويان، ألا ترى أنهما متساويان في المنع من تنفيره وجرحه وقتله؟ واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فمنع المحرم من قتل الصيد، وأوجب عليه الجزاء، والحرم جميعه حرام، فدل على أنه لا يجب على غيرهم.

стр. 919

والجواب: أن دليل الخطاب عام في مُحل، وفي الحل، وفي الحرم، فنحمله على مُحل في الحل بدليل ما ذكرنا. واحتج بأن الأصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها، فعليه الدليل. والجواب: أنا قد دللنا على وجوب ذلك. واحتج بأنها بلد من البلاد، فلم يُضمن صيدها، كسائر البلاد. والجواب: أن سائر البلاد لا يُمنع من إتلاف صيدها، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يُمنع من إتلافه لحق الله تعالى، أشبه المحرم. * … * … * ٢٠٧ - مسألة للصوم مدخل في ضمان صيد الحرم: قال في رواية ابن منصور في حلال أصاب صيداً في الحرم: يُحكم عليه، كما يُحكم على المحرم. وظاهر هذا: أنه مثله في الضمان. وقد نص على الصيام في ضمان شجر الحرم في رواية ابن القاسم. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا مدخل للصوم فيه. دليلنا: أنه صيد منع من إتلافه لحق الله تعالى، فجاز أن يدخل

стр. 920

الصيام في بدله. دليله: الصيد المضمون بحرمة الإحرام. ونقول: صيد مضمون بالجزاء، فجاز دخول الصوم في جزائه. دليله: ما ذكرنا. وهذا يلزم عليه صيد المدينة؛ فإنه لا مدخل للصوم فيه. ولكن نقول: صيد يُضمن بالإطعام، وكان للصوم مدخل في جزائه. دليله: ما ذكرنا. ولا يلزم عليه صيد المدينة؛ لأنه لا يضمن بالإطعام، وضمانه سلب القاتل. ولأن الصوم أحد أنواع الجزاء، فجاز دخوله في ضمان صيد الحرم. دليله: الطعام والهدي. وإن شئت قلت: فأجرى صيد المحرم جري صيد الحرم. دليله: ما ذكرنا. واحتج المخالف بأن ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال؛ لأنه يجب لحرمة في غير القاتل، وهو الحرم، كما يجب ضمان الأموال لحرمة في غير المتلف، وهو صاحب المال، ثم ثبت أن الصوم لا مدخل له في ضمان الأموال، كذلك في ضمان صيد الحرم. والجواب: أن اعتباره بضمان صيد المحرم أولى من اعتباره

стр. 921

بحقوق الآدميين من وجوه: أحدها: أنه وجب ضمانه لحق الله -تعالى- دون الآدمي، وحقوق الله -تعالى- يدخلها الصيام، وحقوق الآدميين لا مدخل للصيام فيها. ولأن البدل في حقوق الآدميين يجب معيناً، أما المثل في ما له مثل أو القيمة فيما لا مثل له، والبدل في هذا الصيد يجب على وجه التخيير، ولا يتعين، كما أن البدل في صيد الإحرام يجب على التخيير. ولأنه متعلق بالصيد المملوك وغير المملوك، كما أن ضمانه للإحرام يتعلق بالمملوك وغير المملوك. ولو كان بمنزلة حقوق الآدميين لكان مضموناً في حق الصبي والذمي، وعندهم أنه لا يضمنه الصبي والذمي. واحتج بأنه صيد ضُمن لأجل المكان، فلم يكن للصيام مدخل في بدله. دليله: صيد المدينة. والجواب: أن هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأن عنده لا يُضمن صيد المدينة. وأما على أصلنا؛ فإنه لا يُضمن بالإطعام والهدي، وهذا يُضمن بالإطعام والهدي، وكان للصوم مدخل في جزائه. دليله: الصيد المضمون بحرمة الإحرام؛ لأن صيد الحرم يجب

стр. 922

رفع يده عنه، وصيد المدينة لا يجب عليه رفع يده. واحتج بأنه ضمانه يجب لحرمة المكان، فلم يكن للصيام مدخل فيه. دليله: شجر الحرم. والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لأن ابن القاسم روى عنه في الشجرة العظيمة على ما جاء الحديث. فقيل له: فإن لم يجد ذلك قومه، ثم صام؟ فقال: هكذا يلزم في القياس. قيل له: فإنهم يقولون: ليس في الشجرة إذا قطعت صيام. فقال: ولم؟ وما الفرق بين هذا وغيره؟ * … * … * ٢٠٨ - مسألة ما أدخله الحلال الحرم من الصيد؛ فإنه يرسله: نص عليه في رواية الجماعة، منهم صالح في حلال أصاب صيداً في الحل، أو اشتراه، ثم أدخله الحرم: يرسله. وكذلك نقل حرب في محرم -أو غير محرم- أدخل طيراً مما هو صيد الحرم: يخلي سبيله. وكذلك نقل الأثرم وابن إبراهيم.

стр. 923

وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك والشافعي: لا يلزمه إرساله، وله ذبحه والتصرف فيه. دليلنا: أن دخول الحرم يمنع الاصطياد، فوجب أن يمنع إتلاف الصيد بكل حال. دليله: الإحرام. وإن شئت قلت: معنى يوجب تحريم الاصطياد، فأوجب إرسال ما في يده مما اصطاده مثله. دليله: الإحرام. والعبارة الأولى أصح؛ لأن الثانية والثالثة تنتقض بالمدينة؛ فإن دخولها يمنع الاصطياد، ولا يوجب إرسال ما في يديه. نص عليه في رواية الأثرم: وقد سئل [عن الرجل] يدخل المدينة بصيد: أيرسله؟ فقال: ما سمعنا بهذا، ولكن لا يصيد بها شيئاً. فإن قيل: تأثير الإحرام في الحظر؛ لأن الإحرام يحظر الطيب والمخيط والحلق والاستمتاع، ولا يحرم الحرم إلا الصيد والشجر. قيل له: فقطع الشجرة تمنع منه حرمة الحرم، ولا تمنع منه حرمة الإحرام. ولأن حرمة الحرم مؤبدة، وحرمة الإحرام مؤقتة.

стр. 924

ولأنهما -وإن اختلفا في غير الصيد- فقد تساويا في الصيد في باب المنع من ابتداء صيد الحرم وقتله. فإن قيل: إنما مُنع المحرم من ذبح الصيد الذي في يده؛ لأنه لا ضرر عليه في ترك ذلك في زمان إحرامه؛ لأنه يقصر، ولا يطول، وليس كذلك أهل الحرم؛ فإن الضرر عليهم مؤبد، والمشقة من المنع منه دائمة، فلهذا جاز له ذبحه. قيل له: قد مُنع أهل الحرم من الاصطياد على التأبيد، وهو أمر يلتذه الناس، وتطلبه نفوسهم، كما تطلب أكل لحم الصيد، وعُوضوا عن ذلك الأمن بالسُّكنى في الحرم، كذلك لا يمتنع أن يُمنعوا من لحم الصيد، ويُعوضوا عنه الفضيلة بسُكنى الحرم. ولأن بين الحل والحرم متقارب، فإذا ذُبح الصيد أدنى الحل، أمكنهم أكله طرياً، كما لو ذبحوه في الحرم. وقياس آخر، وهو: أنه صيد في الحرم، فوجب الجزاء بقتله. أصله: ما دخل بنفسه. واحتج المخالف بقوله ﷺ : "لا يحل [مال] امرئٍ عن مسلم إلا عن طيب نفس منه". وهذا ماله، فلا يجوز إرساله إلا بطيب نفسه. والجواب: أنه محمول على غير الصيد بما ذكرنا.

стр. 925

واحتج بما روى أبو الزبير، عن جابر بن عبدالله: [أنه] كان لا يرى بأساً أن يُؤخذ الصيد في الحل، ويُؤكل في الحرم. وروى عطاء: أن عائشة أُهدي لها ظبي في الحرم، فأرسلته، فبلغ هشام بن عروة، فقال: وما علم ابن أبي رباح؟ قد كان ابن الزبير تسع سنين يراها في الأقفاص، وأصحاب النبي ﷺ لا يرون بها بأساً. والجواب: أن أبا بكر النجاج روى بإسناده عن عطاء، عن ابن عمر وابن عباس وعائشة قالوا: من أدخل الحرم صيداً، فإذا ذبحه كان عليه الكفارة. وفي لفظ آخر عن ابن عمر: من أدخل الحرم صيداً، فهو آمن، وكفارته على من قتله. واحتج بأن أدخل مملوكاً في الحرم، فوجب أن لا يجب الجزاء بإتلافه لأجل الحرم. أصله: إذا قطع شجرة من الحل، فأدخلها إلى الحرم، وغرسها فيه، وعلقت، ثم أتلفها. والجواب: أن الشجرة إذا غرسها ملكها، وشجر الحرم المملوك لا يجب بقطعه شيء، كالذي ينبته الناس.

стр. 926

وأما الصيد فإن ملكه وملك غيره في التحريم سواء بدليل الإحرام، وذلك أن حرمة الإحرام يستوي فيها ملكه وملك غيره للصيد، كذا حرمة الحرم. ولأن جنس ما ينبته الناس لا يجب به جزاء، وإن لم يُملك، وهو الرمان والجوز واللوز، وجنس ما يُملك من الصيد إذا كان في الحرم تعلق به الجزاء، فدل على مفارقة أحد الأمرين للآخر. واحتج بأنه لما جاز له أن يملك الصيد في هذه الحال، جاز له إمساكه. دليله: المحل في الحل. والجواب: أنه لا يجوز له تملكه في هذه الحال عندنا، وقد نقل الأثرم عنه في الرجل يشتري القُمري من ملكه، فيحمله العراق، فقال: ما يعجبني. وهذا يقتضي منع التملك. وكذلك نقل أبو طالب عنه أنه قال: لا يخرج القمري من الحرم. وإنما منع؛ لأنه لا يخلو إما أن يصيده، أو يتملكه، وكلاهما ممنوع منه. ثم المعنى في المحل: أنه يجوز أن يبتدئ الاصطياد، فجاز له

стр. 927

القتل، ومن في الحرم لا يجوز له الاصطياد، فلا يجوز له قتل الصيد. واحتج بأن هذا حرم يمنع الاصطياد، فلا يوجب إزالة ملكه عن الصيد، كالمدينة. والجواب: أن حرم مكة أعظم، ألا ترى أنه يمنع من دخولها بغير إحرام، ويضمن صيدها بالسلب؟ * … * … * ٢٠٩ - مسألة شجر الحرم مضمون على المحل والمحرم: نص عليه في رواية عبد الله وأبي طالب وابن القاسم. وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك وداود: هو غير مضمون. دليلنا: أنه مبني على أنه ممنوع من قطعه. والدلالة عليه: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال بالحجون: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولو لم أُخرج منك لما خرجت، لم تحلي لأحد قبلي، ولا تحلين لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، لا يُعضد

стр. 928

شجرها، ولا يُحتش حشيشها، ولا يُصطاد صيدها، ولا يلتقط لُقطتها إلا مُنشد". وإذا ثبت بهذا الخبر أنه ممنوع منه، فنقول: أتلف ما هو ممنوع منه لحرمة الحرم، فلزمه الضمان، كما لو قتل صيد الحرم. وقد دللنا على [أن] صيد الحرم مضمون والشجر مبني على ذلك. ولأنه إجماع الصحابة: روي عن ابن عباس أنه قال: في الدوحة بدنة، وفي الشجرة الجزلة شاة. وعن ابن الزبير أنه قال: في الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. دليله: أنه لا جزاء على غير القاتل. والجواب: أنه إنما أوجب على القاتل جزاء المثل. دليله: أنه لا يوجب على القاتل غير جزاء المثل. ونحن لا نوجب المثل في الشجر. واحتج بأنه لو وجب بقطع شجر الحرم الضمان، لوجب ذلك على

стр. 929

المحرم بقطع شجر الحل، كالصيد. والجواب: أنه باطل بالمنع؛ لأن المحل في الحرم غير ممنوع من قطع الشجر، والمحل في الحرم ممنوع منه. واحتج بأنه أتلف شيئاً من الجامدات دون الحيوانات، فلم يضمنه. دليله: غير الشجر. والجواب: أن غير الشجر لم يُمنع من إتلافه، وهذا قد مُنع منه لحرمة الحرم، فهو كالصيد. واحتج بأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب شغلها إلا بدليل. والجواب: أنا قد دللنا على ذلك. * … * … * ٢١٠ - مسألة وما أنبته الآدميون من الشجر يجوز قطعه، ولا ضمان عليه، وما نبت بنفسه، فلا يجوز قطعه، وإن قطعه ضمنه؛ سواء كان من جنس ما ينبته الآدميون، أو لم يكنْ: وقد قال أحمد في رواية المروذي وابن إبراهيم وأبي طالب: وقد سُئل عن الريحان والبقول في الحرم، فقال: ما زرعته أنت فلا بأس، وما نبت فلا. وظاهر هذا: أن جميع ما يزرعه له أخذه.

стр. 930

وقال أبو حنيفة: إن كان من جنس ما ينبته الناس جاز قطعه؛ سواء أنبته منبت، أو لم ينبته، مثل شجر الجوز، واللوز، وغيره، وإن كان مما لا ينبته الناس، فأنبت منبت لم يجب بقطعه جزاء، وإن نبت بنفسه وجب فيه الجزاء، كالقصب ونحوه. وقال الشافعي: يجب بإتلافه الجزاء سواء أنبته الناس، أو نبت بنفسه. فالدلالة على [أن] ما نبت بنفسه لا يجوز قطعه، ويجب به الجزاء، وإن كان من جنس ما ينبته الناس: ما تقدم من قول النبي ﷺ : "لا يُعضد شجرها"، وهذا عام. ولأنه شجر نام غير مؤذٍ نبت أصله في الحرم، لم ينبته آدمي، فوجب أن يُمنع من إتلافه. دليله: ما لا ينبته الناس إذا نبت بنفسه. وقولنا: (شجر) احتراز من الإذخِر. وقولنا: (نامٍ) احتراز من اليابس. وقولنا: (غير مؤذٍ) احتراز من الشوك. (نبت أصله في الحرم) [احتراز] مما نبت أصله في الحل. (لم ينبته آدمي) احتراز مما أنبته الآدمي. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس من جنس المملوك، وهذا من جنسه.

стр. 931

قيل له: فما أنبته الآدمي مما ليس من جنس المملوك يُضمن بالجزاء عندك. ولأن ما أنبته الناس فهو مملوك؛ يجوز أخذه في الحرم، والانتفاع به، كالأنعام. وما لم ينبته الناس فهو مباح الأصل، كالصيد، ولا يجوز تناوله في الحرم. واحتج المخالف بأن هذا مما ينبته الناس، فلم يُمنع من أخذه. دليله: ما أنبته الآدمي من الزرع. والجواب: أن ذلك مملوك، فهو كالأنعام، وهذا مباح الأصل، فهو كالصيد. ولأنه لا يجوز اعتبار ما ينبت بنفسه بما ينبته الناس، ألا ترى أن الشجر الذي لا ينبته الناس لو أنبته منبت لم يجب بقطعه جزاء، ولو نبت بأصله وجب الجزاء. * فصل: والدلالة على أن ما أنبته الآدميون يجوز أخذه: أنه غرس أنبته آدمي، فكان له قطعه. دليله: الزرع والعوسج. ولأنه مملوك الأصل، فهو كالأنعام.

стр. 932

واحتج المخالف بعموم قول النبي ﷺ : "لا يُعضد شجرها". والجواب: أنه مُنع من قطع شجر الحرم، وشجر الحرم ما أُضيف إليه، وهو الذي لا يملكه أحد، فأما المملوك فهو شجر مالكه، فيُضاف إليه، لا إلى الحرم، فلا يتناول الخبر. واحتج بأنه شجر نامٍ غير مؤذٍ أصله في الحرم، أشبه ما نبت بنفسه. والجواب: أن ذلك غير مملوك، وهذا مملوك. ولأن ذلك نبت بنفسه، وهذا أنبته الآدمي، فهو كالرزع. واحتج بأن الصيد ممنوع منه في الحرم، ولا فرق بين ما يدخل بنفسه إلى الحرم، وبين أن يدخله آدمي، ثم يخليه في باب أنه يمنع من أخذه وصيده، كذلك في الشجر. والجواب: [ .... ]. * … * … * ٢١١ - مسألة يضمن الشجرة الكبيرة بالبقرة، والصغيرة بالشاة: نص على هذا في رواية أبي طالب وابن إبراهيم والمروذي، فقال: في الشجرة العظيمة إذا قُطعت بقرة. ذكره أبو بكر في "التنبيه".

стр. 933

وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يضمنها بالقيمة. دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس وابن الزبير. ولأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فضُمن بمُقدر، كالصيد المقتول في الحرم يُضمن الكبير بمقدر، والصغير بمثله وقد دللنا على ذلك فيما تقدم في جزاء الصيد؛ هل هو مضمون بالمثل، أم لا؟ والمخالف بنى هذا على ذلك الأصل. * … * … * ٢١٢ - مسألة لا يجوز أن يُرعى حشيش الحرم: وقد قال أحمد في رواية الفضل بن زياد، وقد سأله عن معنى قول النبي ﷺ : "لا يُخْتلى خلاها"، فقال: لا يحتش من حشيش الحرم، ولا يعضد شجرة. فقيل له: يأخذ المقرعة من الشجر؟ فقال: ما كان يابساً. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يجوز. وهو اختيار أبي حفص العكبري، وحكى فيه قول أحمد في رواية

стр. 934

إبراهيم بن هانئ: لا بأس أن يحتش المحرم. ولم يفرق بين حشيش الحرم والحل. ذكره أبو إسحاق في خلاف مالك. دليلنا: أنه لما لم يجز أن يتلفه بنفسه، لم يجز له أن يُرسل عليه ما يتلفه، كالصيد. يبين صحة هذا: أنه لما جاز له إتلاف الإذخر بنفسه، جاز -أيضاً- أن يُرسل عليه ما يتلفه. فإن قيل: المعنى في الصيد: أنه يمكن الاحتراز من إتلافه، وإرسال ما يتلفه، وليس كذلك الرعي؛ فإنه لا يمكن الاحتراز منه، فعُفي عنه. قيل له: إدخالها إلى الحرم وإرسالها للرعي يمكن الاحتراز منه، فيجب أن يُضمن، وإنما لا يمكن الاحتراز منه إذا أدخل بهائمه لحاجته، فرعت، فهذا لا يجب به الجزاء؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. يبين صحة هذا: أنه لو أدخل كلباً إلى الحرم، فأخذ صيداً، لم يجب على مُدخله شيء، ولو أرسله على الصيد، وأغراه، ضمنه، كذلك الحشيش مثله. وأيضاً فإن الرعي يؤدي إلى إتلاف حشيش الحرم، فمُنع منه، كالقطع.

стр. 935

ولأن ما ضُمن [بالقطع، ضُمن] بإرسال البهيمة عليه للقطع. دليله: زرع الآدمي. واحتج المخالف بما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يُختلى خلاها إلا لعلف الدواب". والجواب: أن هذا لم يذكره النبي ﷺ في حشيش الحرم، وإنما ذكره في المدينة، وذلك يجوز رعيه وقطعه؛ لأنه يجوز أن يُؤخذ من شجرها ما دعت الحاجة لرواحلهم من الوسائد والعوارض والمساند، وأخذ العلف للإبل؛ لأن المدينة لا يقاربها شجر، ولا زرع، فلو منعنا من احتطابها لأضررنا بأهل البلدان؛ فإنهم لا يجدون شيئاً غيرها، وليس كذلك مكة؛ لأنه يقاربها من القرى والبلدان ما يُحتطب ويُحتش منها ويُرعى، فلهذا فرقنا بينهما. واحتج بأن الهدايا تدخل الحرم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، ومعلوم أنها لا تخلو من أن ترعى منها، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه [الإنكار] عليهم في ذلك. والجواب: أن الهدايا لا تدخل الحرم للرعي، وإنما تدخل للذبح فيه، وما تتناوله في حال السوق إلى الذبح لا يمكن التحرز منه، فهو

стр. 936

معفو عنه، وفي مسألتنا يمكن التحرز منه. واحتج بأنه أُبيح لهم قطع العوسج والشوك؛ لأن في ترك ذلك ضرراً عليهم؛ لأنهم يتأذون به، وأبيح لهم الإذخر لحاجتهم إليه لبيوتهم وموتاهم، وجب أن تكون إباحة الرعي أولى لحاجتهم إليه. والجواب: أن جواز قطع العوسج والشوك لا يدل على جواز أخذ غيره، ألا ترى أنه يجوز قتل سباع الحرم، وما فيه أذية، ولم يدل على جواز قتل صيده؟ وأما الإذخر؛ فإنه يفارق الحشيش، ألا ترى أنه يجوز إتلافه بنفسه، والحشيش لا يجوز إتلافه بنفسه؟ على أنا قد بينا أن الحاجة لا تدعو إلى ذلك. * … * … * ٢١٣ - مسألة صيد المدينة مُحرم اصطياده، وكذلك شجرها يحرم قطعه: وقد نص على تحريم الصيد في رواية الأثرم وحنبل وأبي مسعود. وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحرم صيدها، ولا قطع شجرها. دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر بن عبد الله [قال]: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم بيت الله وآمنه، وإني حرمت المدينة

стр. 937

ما بين لابتيها؛ لا يقطع عضاهها، ولا يُصاد صيدها". وبإسناده عن أبي هريرة قال: حرم رسول الله ما بين لابتيها؛ لا يُنفر صيدها، ولا يُعضد شجرها؛ يعني: المدينة. وبإسناده عن عامر بن سعيد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إني أحرم ما بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم مكة؛ لا يُقطع عضاها، ولا يُقتل صيدها، ولا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه، والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون". وبإسناده عن علي [أنه] كان يقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: أسر هذا إليك رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلى رسول الله ﷺ بشيء خاص دون الناس إلا بشيء سمعته من صحيفة في قراب سيفي، فلم يزالوا حتى أخرج الصحيفة، [فإذا فيها]: "إن إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم المدينة ما بين حريتها وحماها [كُله]؛ لا يُختلى خلاها، ولا يُنفر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها إلا لمن أشار بها، ولا يُقطع شجرها إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يُحمل فيها سلاح لقتال".

стр. 938

فإن قيل: الامتناع من صيد المدينة وشجرها حكم تعم [به] البلوى، و [ذلك] لا يثبت من طريق الآحاد، وهذه أخبار آحاد. قيل: عندنا يجوز أن يثبت ذلك من طريق الآحاد. وعلى أنه لا يمتنع أن يكون قد بينه بياناً عاماً، ونُقل إلينا نقلاً خاصاً، كما أن حجته شهدها الخاص والعام، ونُقلت إلينا نقلاً خاصاً، وكذلك رجمه لماعز شهده جماعة الصحابة، ونُقل إلينا نقلاً خاصاً. فإن قيل: يجوز أن يكون النبي ﷺ منع من ذلك غير أهل المدينة حتى لا يضيق عليهم معاشهم، ويُشاركوا في مباحاتهم [ .... ] ورفقائهم. قيل له: النهي عن ذلك نهي عام. وعلى أن عندك أن ذلك مباح في حق أهل المدينة وغيرهم، ثم لو صح هذا التأويل في المدينة، لوجب أن يقول [ .... ] في مكة؛ لأن اللفظ واحد. ولأن المدينة حرم لله تعالى أشبه مكة.

стр. 939

وقد دل على صحة هذه التسمية ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: "المدينة حرم من بين كذا إلى كذا، من أحدث فيها حدثاً، أو آوى مُحدثاً، لعنه الله". ولم توجد هذه التسمية لغير مكة والمدينة. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. والجواب: أنه محمول على غير المدينة، كما كان محمولاً عندك على غير مكة. واحتج بأن أبا عمير أخا أنس كان له نُغير يلعب به، فقال له النبي ﷺ : "يا أبا عُمير! ما فعل النُّغير؟ ". فلم ينكر عليه صيده وإمساكه. وروي عن عائشة قالت: كان لآل النبي ﷺ وحش، فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض كراهية أن يؤذيه. والجواب: أن هذا محمول على أنه لم يكن من صيد المدينة، وإنما أُدخل إليها، وذلك غير ممنوع من إتلافه. ونص عليه أحمد في رواية بكر بن محمد: وقد سئل عن المدينة

стр. 940

يُدخل إليها الصيد، يُذبح؟ قال: نعم. قال: والطير الأهلي يكون بالمدينة لأناس أن يُذبح، ومكة لا يُذبح بها شيء من الطير، ولا الصيد؛ كان بها، أو أدخل. فقد نص على ذلك، وفرق بينها وبين مكة. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إن بعض الناس احتج بحديث أنس: "يا أبا عمير! ما فعل النُّغير؟ " فقال: ذاك لعله صعو كان عندهم. واحتج بأنها بقعة يجوز دخولها بغير إحرام، أو بقعة لا تصلح لأداء نسك، أو بقية لا يجوز ذبح الهدايا فيها، فلم يُمنع صيدها. دليله: سائر البقاع. والجواب: أن ما بعد الميقات وقبل الحرم لا يجوز دخوله بغير إحرام، وصيده مباح، فامتنع أن تكون العلة في إباحته الصيد ما ذكره، وكذلك عرفات؛ تصلح لأداء نسك، وهو الوقوف، وصيدها مباح. ثم لا يجوز اعتبار المدينة بسائر البقاع في جواز الصيد، كما لم يجز اعتيادها في كراهية الصيد. ولأن هذا يخالف الأخبار. واحتج بأنه لو كان صيدها محرم، لوجب أن يُحرم ما يُدخل إليها، كالمسجد الحرام. والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: من جهة السنة، وهو: أن النبي ﷺ قال في صيد مكة:

стр. 941

"لا يُنفر صيدها"، وأقر أبا عمير على الصيد. والثاني: أنه يباح من شجر المدينة وعلفها قدر الحاجة. ولأن جزاء الصيد يختص الواجد للقاتل، ومكة بخلاف ذلك. * … * … * ٢١٤ - مسألة يُضمن صيد المدينة وشجرها بالجزاء في أصح الروايتين: نص عليه في رواية الأثرم: وقيل له: هؤلاء يقولون: صيدها حلال؛ لأنه لو كان حراماً كان يقول: فيه الجزاء، فقال: قد جعل النبي ﷺ سلبه لمن وجده. قيل له: السلب أكثر من الجزاء! قال من وجه قد رُوي هذا، وهو صحيح. وفيه رواية أخرى: لا جزاء فيه. نص عليه في رواية بكر بن محمد فقال: ما سمعنا: أن النبي ﷺ ولا أحداً من أصحاب النبي ﷺ حكموا في صيد المدينة، وإنما حرمها رسول الله ﷺ ، فحرم صيدها، وشجرها أن يعضد، وأن يُختلى خلاها، وأن يقطع بها الحشيش، فنصير إلى ما قال النبي ﷺ ، ولم يبلغنا أن أحداً

стр. 942

من أصحاب النبي ﷺ حكم فيه بجزاء صيد، فالنبي ﷺ حرمها. وللشافعي قولان، كالروايتين. وقال مالك: لا جزاء. فالدلالة على وجوب الجزاء: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن سليمان بن أبي عبد الله قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة التي حرم رسول الله ﷺ ، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه، فقال: إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم، وقال: "من رأيتموه يصيد فيه فلكم سلبه"، ولا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئت أعطيتكم. وروى بإسناده أن سعداً خرج، فرأى عبيداً من عبيد المدينة قطعوا من شجر المدينة، فسلبهم متاعهم، فجاء مواليهم إلى سعد، فقالوا: إن غلمانك أخذوا متاع غلماننا، فمُر فليردوه علينا، فقال: ليس غلماني، ولكن أنا أخذته، سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يُقطع من شجر المدينة، وقال: "من فعل ذلك فلمن وجده سلبه"، فهو شيء أطعمنيه رسول الله ﷺ ، ولكن سلوني من مالي. فإن قيل: القصد بها الزجر عن الاصطياد، والمنع منه، دون الحقيقة،

стр. 943

كقوله: "من بنى مسجداً، ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة". وأراد بذلك الزيادة في الحث والترغيب دون التحقيق. قيل له: الظاهر من قوله: "فله سلبه" يقتضي الإيجاب، فمن حمله على الزجر احتاج إلى دليل، مع أنه قد تقدم منه بيان الزجر بقوله: "وإني مُحرم المدينة"، ولو كان المراد به الزجر لم يمنع سعد من تسليم السلب. وأيضاً فإن المدينة بقعة يحرم صيدها، فوجب أن يكون مضموناً بالجزاء. دليله: مكة. أو نقول: كل حرمة حرمت الاصطياد، أوجبت الجزاء. دليله: الإحرام والحرم. واحتج المخالف بأنها بقعة يجوز دخولها بغير إحرام، وبقعة لا تصلح لأداء النُّسك، ولا تصلح لذبح الهدايا، فلا يُضمن صيدها بالجزاء. دليله: سائر البقاع. والجواب عنه: ما تقدم أن سائر البقاع لا يحرم صيدها، وليس

стр. 944

كذلك هاهنا؛ لأنه يحرم صيدها، أشبه الحرم. * … * … * ٢١٥ - مسألة وجزاء صيدها سلب القاتل، يكون للذي سلبه: نص عليه في رواية الأثرم، فقال: وقد جعل النبي ﷺ سلبه لمن أخذه، من كم وجه قد رُوي. وللشافعي قولان على القول الذي يقول: إنه مضمون: أحدهما: مثل قولنا. والثاني: يتصدق به على مساكين حرم المدينة. دليلنا: ما تقدم من قول النبي ﷺ : "من رأيتموه يَصيد فيه فلكم سلبه". وقوله: "من رأيتموه" ينتظم أهل المدينة وغيرهم. وقوله: "فلكم" إضافة بلام الملك، فاقتضى ذلك أن يكون ملكاً لمن أخذه. ولأن سعد بن أبي وقاص امتنع من رد السلب، وقال: طُعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولم ينكر واحد من الصحابة عليه ذلك، فدل على أن المسألة إجماع. ولأنه لما جاز لمن شاهده يصيد بها أخذ سلبه، جاز أن يملكه،

стр. 945

كالقاتل إذا انفرد بقتل الكافر؛ لما جاز له أخذ سلبه، جاز أن ينفرد بملكه دون أهل الوقعة. واحتج المخالف بأن هذا صيد مضمون بالجزاء، فوجب أن ينصرف جزاؤه إلى أهل حرمه. دليله: حرم مكة. والجواب: أن جزاء صيد المدينة لما فارق جزاء صيد مكة في الصفة، وهو أن صيد المدينة يُضمن بسلب القاتل، وصيد مكة يُضمن بمثله فيما له مثل، أو بالقيمة فيما لا مثل له، جاز أن يفارقه في المصرف، ألا ترى أن المأخوذ من الفئ والغنيمة لما خالف الزكاة في المقدار، خالفه في المصرف؟ * … * … * ٢١٦ - مسألة ولا يحرك صيد وج، ولا شجرها، وهي بالطائف: قال الشافعي: يُمنع من صيدها، وقتل الصيد بها، وهل يضمن؟ على قولين. دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وقال النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مُسلم إلا عن طيب نفس منه".

стр. 946

ولأنه ليس بحرم لله تعالى، أو أنه أُبيح عضد شجرة، فأبيح صيده. دليله: سائر البقاع. وعكسه: مكة والمدينة. واحتج المخالف بما روى عروة بن الزبير، عن أبيه: أنه قال: لما أترى رسول الله ﷺ وجاً قال: "صيد وج وعضاهه حرم مُحرم". والجواب: أنه خبر ضعيف، ونحمله على الاستحباب للخروج من الخلاف. * … * … * ٢١٧ - مسألة مكة أفضل من المدينة في إحدى الروايتين: قال في رواية أبي طالب: وقد سئل عن الجوار بمكة، فقال: كيف لنا به؟ وقد قال النبي ﷺ : "إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب البقاع إلي". وبهذا قال الشافعي. وقال في رواية أبي داود: وقد سئل عن المقام بمكة؛ أحب إليك، أم المدينة؟ فقال: بالمدينة لمن قوي عليه؛ لأنها مُهاجر المسلمين.

стр. 947

وظاهر هذا: أنها أفضل من مكة؛ لأنه قدم المقام فيها على المقام بمكة. وهو قول مالك. وجه الأولى: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ ، وهو في سوق الحزورة بمكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن عبد الله بن عدي بن الحمراء: أنه سمع النبي ﷺ ، وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة، ويقول لمكة، "والله [إنك] لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى [الله ]، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت". وهذا نص؛ لأنه قال: "لخير أرض الله، وأحبها إليه". فإن قيل: يحمل هذا على أنها خير أرض الله بعد المدينة. قيل: لا يمكن هذا؛ لأنه قال ذلك متأسفاً عليها، ألا ترى أنه قال: "لولا أني أُخرجت منك ما خرجت". فلو كانت المدينة التي انتقل إليها خير منها لم يتأسف على تركها.

стр. 948

وأيضاً روى أبو حفص بإسناده عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه". وروى بعضهم عن النبي ﷺ : أنه قال: "صلاة في المسجد الحرام تعدل منه ألف صلاة، وصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمس مئة صلاة". وهذا نص في أن مكة أفضل؛ لأنه أخبر فضل العمل فيها على غيرها من البلاد. وأيضاً فإنها تختص بأنه لا يجوز دخولها بغير إحرام؛ وانها محل للنسك والهدايا، والمدينة بخلاف ذلك. واحتج المخالف بما روى نافع: أن رسول الله ﷺ قال: "المدينة خير من مكة". والجواب: أنا نحمله على الوقت الذي كانت مكة دار حرب، أو نحمله على الوقت الذي كان النبي ﷺ فيها، وكان الشرع يُؤخذ منه.

стр. 949

واحتج بما روي عن النبي ﷺ قال: "إني دعوت للمدينة بمثل ما دعا إبراهيم لمكة، ومثله معه". وقوله: "ولا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعاً، أو شهيداً يوم القيامة". ولم يقل ذلك في غيرها. وقوله: "لا يخرج عنها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه"؛ قاله في الأعرابي الذي استقاله بيعته. وقوله: "أُمرت بقرية تأكل القرى تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد". ولا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلا فضلها على غيرها.

стр. 950

وقوله: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جُحرها". وقوله: "اللهم حبب إلينا المدينة كحُبنا مكة، أو أشد". ولا يجوز أن يسأل ربه أن يُحبب إليه الأدون زيادة على الأعلى. والجواب: أنا نحمل هذه الأخبار ونظائرها على فضلها على سائر البلاد سوى مكة. وكذلك الجواب عن قوله: "اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي، فأسكني أحب البقاع إليك"؛ معناه: بعد مكة بدليل ما ذكرنا من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عدي، وقوله لمكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله تعالى". واحتج بأن عمر أنكر على عبد الله بن عباس قوله: إن مكة خير من المدينة، وقال: أين القائل: لمكة خير من المدينة؟ ولم يُحفظ عن أحد إنكار عليه ما أنكره على ابن عباس.
следующие страницы →