← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ولأنه ليس بحرم لله تعالى، أو أنه أُبيح عضد شجرة، فأبيح صيده. دليله: سائر البقاع. وعكسه: مكة والمدينة. واحتج المخالف بما روى عروة بن الزبير، عن أبيه: أنه قال: لما أترى رسول الله ﷺ وجاً قال: "صيد وج وعضاهه حرم مُحرم". والجواب: أنه خبر ضعيف، ونحمله على الاستحباب للخروج من الخلاف. * … * … * ٢١٧ - مسألة مكة أفضل من المدينة في إحدى الروايتين: قال في رواية أبي طالب: وقد سئل عن الجوار بمكة، فقال: كيف لنا به؟ وقد قال النبي ﷺ : "إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب البقاع إلي". وبهذا قال الشافعي. وقال في رواية أبي داود: وقد سئل عن المقام بمكة؛ أحب إليك، أم المدينة؟ فقال: بالمدينة لمن قوي عليه؛ لأنها مُهاجر المسلمين.

стр. 947

وظاهر هذا: أنها أفضل من مكة؛ لأنه قدم المقام فيها على المقام بمكة. وهو قول مالك. وجه الأولى: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ ، وهو في سوق الحزورة بمكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن عبد الله بن عدي بن الحمراء: أنه سمع النبي ﷺ ، وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة، ويقول لمكة، "والله [إنك] لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى [الله ]، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت". وهذا نص؛ لأنه قال: "لخير أرض الله، وأحبها إليه". فإن قيل: يحمل هذا على أنها خير أرض الله بعد المدينة. قيل: لا يمكن هذا؛ لأنه قال ذلك متأسفاً عليها، ألا ترى أنه قال: "لولا أني أُخرجت منك ما خرجت". فلو كانت المدينة التي انتقل إليها خير منها لم يتأسف على تركها.

стр. 948

وأيضاً روى أبو حفص بإسناده عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه". وروى بعضهم عن النبي ﷺ : أنه قال: "صلاة في المسجد الحرام تعدل منه ألف صلاة، وصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمس مئة صلاة". وهذا نص في أن مكة أفضل؛ لأنه أخبر فضل العمل فيها على غيرها من البلاد. وأيضاً فإنها تختص بأنه لا يجوز دخولها بغير إحرام؛ وانها محل للنسك والهدايا، والمدينة بخلاف ذلك. واحتج المخالف بما روى نافع: أن رسول الله ﷺ قال: "المدينة خير من مكة". والجواب: أنا نحمله على الوقت الذي كانت مكة دار حرب، أو نحمله على الوقت الذي كان النبي ﷺ فيها، وكان الشرع يُؤخذ منه.

стр. 949

واحتج بما روي عن النبي ﷺ قال: "إني دعوت للمدينة بمثل ما دعا إبراهيم لمكة، ومثله معه". وقوله: "ولا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعاً، أو شهيداً يوم القيامة". ولم يقل ذلك في غيرها. وقوله: "لا يخرج عنها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه"؛ قاله في الأعرابي الذي استقاله بيعته. وقوله: "أُمرت بقرية تأكل القرى تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد". ولا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلا فضلها على غيرها.

стр. 950

وقوله: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جُحرها". وقوله: "اللهم حبب إلينا المدينة كحُبنا مكة، أو أشد". ولا يجوز أن يسأل ربه أن يُحبب إليه الأدون زيادة على الأعلى. والجواب: أنا نحمل هذه الأخبار ونظائرها على فضلها على سائر البلاد سوى مكة. وكذلك الجواب عن قوله: "اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي، فأسكني أحب البقاع إليك"؛ معناه: بعد مكة بدليل ما ذكرنا من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عدي، وقوله لمكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله تعالى". واحتج بأن عمر أنكر على عبد الله بن عباس قوله: إن مكة خير من المدينة، وقال: أين القائل: لمكة خير من المدينة؟ ولم يُحفظ عن أحد إنكار عليه ما أنكره على ابن عباس.

стр. 951

والجواب: أن إنكاره عليه لم يرفع خلاف عبد الله؛ لأنه لم يُنقل عنه أنه رجع، وأكثر ما فيه أنه سكت، ويجوز أن ذلك هيبة له. واحتج بأن النبي ﷺ مخلوق منها، وهو خير البشر، وتربته أفضل الترب. والجواب: أن التفاضل في الخلقة لا يدل على التفاضل في التربة بدليل أن أحد الأئمة الأربعة أفضل من غيره، ولم يدل على أن تربته أفضل من تربة غيره. واحتج بأن فرض الهجرة إليها يوجب كون المقام بها طاعة وقربة، ويدل على فضلها على سائر البقاع. والجواب: أن المسجد الأقصى قد ورد الشرع بشد الرحال إليه، ولم يدل ذلك على فضله على مكة والمدينة، كذلك هاهنا. * … * … * ٢١٨ - مسألة تُستحب المجاورة بمكة: نص عليه في رواية أبي طالب: وقد سُئل عن الجوار بمكة، قال: وكيف لنا؟ وقد قال النبي ﷺ : "إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب البقاع إلي". وجابر جاور بمكة، وابن عمر كان يقيم بمكة، ومن كان بالمدينة

стр. 952

خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يُكره. دليلنا: أن النبي ﷺ تأسف على المجاورة بقوله: "لولا أن قومي أخرجوني لم أخرج"، فلولا أن الفضيلة في ذلك ما تأسف عليه. رواه أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، وهو في سوق الحزورة بمكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خَرجت". وظاهر هذا: أنه تأسف على ترك المقام بها، فلولا أن فيه فضل ما تأسف عليه. ولأن المقام بها أمنٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ولأ الطاعات فيها يتضاعف ثوابها. ولأنها محل لفعل النُّسك، فيجب أن تكون للمجاورة فيها فضيلة. واحتج المخالف بأن المقام بها يفضي إلى الملل لها. ولأنه لا يأمن مواقعة المحظور، فيتضاعف عليه العذاب. ولأنه يضيق على أهله. والجواب عن قوله: (إنه قد يملها): [أنه] يبطل بالمقام بمسجد

стр. 953

النبي ﷺ ، والنظر إلى قبره، والنظر إلى وجه النبي ﷺ حال حياته؛ والمداومة للنظر في وجوه الصالحين؛ فإن ذلك مستحب، وإن أدى إلى ما قالوه. وقولهم: لا يأمن مواقعة المحظور، فيتضاعف عليه الوزر؛ فإنه يقابله: أن الثواب يتضاعف. وعلى أنا نمنع المجاورة لمن علم من نفسه مواقعة المحظور. وأما قولهم: إنه يضيق، فلا يصح؛ لأن العادة أنه يعامل أهل الموضع، فينتفع بهم، وينتفعون به، وإذا كان كذلك، لم يُفض إلى ما قالوه. * … * … * ٢١٩ - مسألة الهدي واجب على المحصر: نص عليه في الجماعة؛ أبي طالب، وأبي الحارث، وابن منصور، وغير ذلك. وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: لا هدي عليه. دليلنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فذكر الحصر، وعقبه بالهدي، فاقتضى الظاهر تعلق الهدي بالحصر. فإن قيل: الظاهر مُطرح بالإجماع؛ لأنه يقتضي أن الهدي يجب

стр. 954

بمجرد الحصر، وأحد لا يوجب ذلك، وإذا كان كذلك، ففي الآية إضمار، وتقديرها: فإن أحصرتم، فتحللتم، فما استيسر من الهدي. فإذا كان تقديرها هذا، فالهدي المفعول بعد التحلل غير واجب بالإجماع. قيل له: الظاهر اقتضى وجوب الهدي على المحصر بكل حال، فإن أسقطنا ذلك في موضع بدليل. ولو سلمنا أن فيها إضماراً، فإنا نضمنر فيها: فإن أحصرتم، فأردتم التحلل، فعليكم ما استيسر من الهدي. فإن قيل: يحمل هذا على المريض. قيل: عند مالك: أن المرض لا يبيح التحلل، فلا يصح حمل الآية عليه. فإن قيل: الهدي محله الحرم، وعندكم أن هدي المحصر لا يختص الحرم، فالظاهر مُطرح عندكم. قيل له: الهدي المطلق يختص الحرم، وهذا الهدي ليس بمطلق، وإنما هو واجب لأجل العذر، فاختص بموضع العذر. وأيضاً روى جابر بن عبد الله قال: أحصرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. فنقل حكماً -وهو النحر- وسبباً -وهو الحصر- فاقتضى الظاهر

стр. 955

تعلق الحكم بالسبب. فإن قيل: ذلك الهدي كان تطوعاً؛ لأن الصحابة ألفاً وأربع مئة، والنبي ﷺ ساق سبعين بدنة، وذلك لا يكفي جميعهم، فثبت أن الهدي لم يكن واجباً على جماعتهم. قيل له: النبي ﷺ نحر عن بعضهم، وبعضهم كان قد ساق هدياً، فنحره، ألا ترى أنه روي في بعض الأخبار أنه قال: فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. والنبي ﷺ لم يكن ساق بقراً. على أن من لم يكن معه هدي فإنه كان قد صام بدلاً عن الهدي. والقياس: أنه خرج من نسكه قبل التمام، فلزمه الهدي، كما لو فاته الحج. فإن قيل: الفائت مفرط، فلهذا لزمه الهدي، وهذا غير مفرط. قيل له: فمن حصره المرض هو غير مفرط، ومع هذا يجب عليه، وكذلك المتمتع أو القارن ليس بمفرط، والدم واجب عليهما. فإن قيل: فهو أخف. قيل له: في وجوب القضاء روايتان" نقل أبو طالب عنه: فمن حصره العدو، فإن كان معه هدي نحره، وعليه الحج من قابل، كما فعل النبي ﷺ . وظاهر هذا وجوب القضاء، فعلى هذا لا فرق بينه وبين الفوات.

стр. 956

ونقل ابن القاسم وابن منصور: لا قضاء عليه. فعلى هذا ليس إذا سقط القضاء سقط الهدي؛ لأن الهدي إنما يجب جزاء لما ترك من النُّسك، فهو كما لو لبس أو تطيب في حجة حصر فيها؛ فإن الدم لا يسقط عنه؛ لأنه جبران لذلك، وإن كان القضاء يجب. واحتج المخالف بقول النبي ﷺ : "ليس عليه في المال سوى الزكاة". وقوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه". والجواب: أنه محمول على غير المحصر بمت ذكرنا. واحتج بأنه غير منسوب إلى التفريط، فلم يلزمه الدم. دليله: إذا أكمل الأفعال، فلم يُخل بشيء من الأفعال، لم يلزمه الدم، وإذا أحصر فتحلل، فقد أخل ببعض النُّسك، فلزمه لأجل ذلك الدم؟ واحتج بأنه لما خُفف عنه بالتحلل من إحرامه كان بأن يُخفف عنه في إيجاب الهدي أولى.

стр. 957

والجواب: أن إيجاب الهدي عليه ليس على سبيل التغليظ، وإنما هو جبران لما ترك من النُّسك، كما يلزم القارن والمتمتع الدم، ولا يكون ذلك تغليظاً عليه، كذلك هاهنا. * … * … * ٢٢٠ - مسألة وينحصر المحصر هديه في موضع تحلله من حل، أو حرم، رواية واحدة. وهل يؤخر النحر والتحلل إلى يوم النحر، أم ينحر ويتحلل في وقت الحصر؟ على روايتين: قال في رواية الميموني: إذا حصره العدو، فإذا كان معه هدي نحره مكانه، وحل، وليس عليه أكثر من هذا. وكذلك نقل أبو طالب عنه: إذا أحصر بعدو نحر الهدي، وحل، كما فعل النبي ﷺ . وكذلك نقل ابن منصور عنه: أما هدي المتعة؛ فإنه يذبح يوم النحر، وأما هدي الإحصار؛ فإنه يختلف، يكون من عدو، فيذبح مكانه، ويرجع. وظاهر هذا: أنه ينحر ويتحلل في الحال.

стр. 958

وهو قول الشافعي. ونقل ابن منصور عنه في محرم أحصر بحج، ومعه هدي قد ساقه: لا ينحر إلى يوم النحر، فقيل: قد يئس من الوصول إلى البيت، فقال: وإن يئس، كيف ينحر قبل يوم النحر؟ ولا يحل إلى يوم عرفة، فإن لم يكن معه هدي صام عشرة أيام. وكذلك نقل أبو الحارث عنه في من أحصر بعدو: أقام حتى يعلم أن الحج قد فاته، فإذا فاته الحج نحر الهدي -إن كان معه- في موضعه، ورجع إلى أهله، وعليه الحج من قابل، وإن كان إحصار مرض لم يحل من إحرامه حتى يطوف بالبيت. وكذلك نقل الأثرم عنه في من أحصر بحج، ومعه هدي قد ساقه: لا ينحره إلى يوم النحر. قيل له: قد يئس من الوصول إلى البيت، فقال: وإن يئس. وظاهر هذا: أنه لا ينحر، ولا يتحلل قبل يوم النحر. وهو قول أبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يذبح هدي الإحصار إلا في الحرم، ويجوز ذبحه قبل يوم النحر. فالدلالة على جواز ذبحه في الحل: ما روى جابر بن عبد الله قال:

стр. 959

أحصرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. والحديبية من الحل، ويؤكد هذا ما روى مجاهد قال: نحر رسول الله ﷺ عند الشجرة، وذلك الموضع حل. فإن قيل: الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وروي عن المسور بن مخرمة: أنه قال: كان خباء رسول الله ﷺ في الحل، ومصلاه في الحرم. وروى النجاد بإسناده عن عبد الله بن نيار، عن أبيه: أن النبي ﷺ نحر في الحرم في الحديبية. وروي أن النبي ﷺ أهل هو وأصحابه بذي الحُليفة، فلقيهم أهل مكة بالحديبية، فصدوهم، فلما مضى وقت الحج غلت الدماء في أجواف الهدي، فجعلت تطلب من المنحر، وجعل المشركون يردونها، وهي تضربهم بأخفافها، فقالوا: خل سبيل هديك، فليُنحر في منحره. [ .... ] لو كان النبي ﷺ ذبح هديه في الحرم لما قال الله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].

стр. 960

[ .... ] الهدي فيها مثل منى ونحوها. [ .... ] المحل في القرآن مطلق، فيجب أن يكون الهدي محبوساً على جميع محله. وما ذكروه من أن النبي ﷺ ذبح في الحرم، فيعارضه ما روينا أن مضرب النبي ﷺ كان تحت الشجرة، وهو موضع المسجد، وذلك الموضع في الحل معروف. وما رواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتك في كتاب "المناسك": ثنا أبي قال: نا عبد الله بن رجاء قال: إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس وعبيد بن عمير: أن النبي ﷺ نحر هديه يوم صُد بالتنعيم. قال أبو محمد: يعني: بالحل. [ .... ] قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] ليس يقتضي كونه ممنوعاً من الحرم أبداً، وإنما يقتضي كونه ممنوعاً منه في وقته، وعندنا مُنع منه، ثم زال المنع.

стр. 961

[ .... ] الصد عن الوقت لا يكون؛ لأنه يمكن أن يقيم إلى ذلك الوقت. على أنه محمول على الأمرين. والقياس: أن خارج الحرم موضع إحلاله، فوجب أن يكون موضع ذبح هديه، كالمحصر في الحرم. [ .... ] الحرم محل للهدي في غير حال الإحصار، فكان محلاً لهديه في حال الإحصار، وليس كذلك الحل؛ فإنه ليس بمحل الهدي في غير حال الإحصار، فلم يكن محلاً له في حال الإحصار. [ .... ] لا يمتنع أن يكون محلاً للهدي في غير حال الإحصار، ويكون محلاً في حال الإحصار؛ لأن حال الإحصار حال اضطرار، فجاز فيها ما لا يجوز في حال الاختيار، ألا ترى أنه في حال الاختيار لا يجوز أن يتحلل بالهدي، ويكون تحلله بالأعمال؟ واستباح بالإحصار التحلل بالهدي، واستباح تقديمه على الزمان الذي يتحلل [فيه] من إحرامه في حال الاختيار، فلم يمتنع أن يتعين محل الهدي بالإحصار. [ .... ] لو كان الحل في هذا بمنزلة الحرم، لوجب أن يلزمه

стр. 962

ذبح الهدي في الحل، وأنه يجوز سوقه إلى الحرم، كما لو أحصر في الحرم؛ أنه يلزمه ذبحه فيه، ولا يجوز له أن يذبحه في الحل. [ .... ] وإنما جاز سوقه إلى الحرم؛ لأن محل الهدي هو الحرم، فإذا تمكن منه لم يجز العدول عنه، وإذا لم يتمكن صار معذوراً، فجاز النحر في موضعه، فهو كما لو عطب الهدي في الحل، نحره موضعه لعدم القدرة على إيصاله إلى الحرم. ولأن الذبح أحد سببي التحلل في حق المحصر، فلم يختص الحرم، كالحلق. [ .... ] القارن يجوز أن يحلق خارج الحرم، إلا أن يلزمه دم، ولا يجوز أن يذبح خارج الحرم. [ .... ] القارن يلزمه الذبح في محل نسكه، وهو منى عند فراغه من الرمي، فلا فرق بينهما. ولأن التحلل رخصة، فلو كلفناه الذبح في الحرم كان فيه مشقة عظيمة، والغالب أن الإحصار إذا كان من عدو لم يتمكن من إنفاذ الهدي، ولا إنفاذ من ينوب عنه في ذبح الهدي، فلا يتوصل إلى الرُّخصة. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا

стр. 963

تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فالدلالة من الآية من وجوه: أحدها: أنه واجب على المحصر الهدي، وإطلاقه يقتضي إهداءه إلى الحرم، ألا ترى أنه لو قال: (لله علي هدي) لزمه أن يهدي شاة إلى الحرم، ويذبحها فيه. والثاني: قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ومحل الهدي الحرم، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. والثالث: أنه جعل بلوغ الهدي محله غاية لجواز الحلق، فعُلم أن موضع الذبح غير موضع الإحصار؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]-وهو قد يبلغ- معنى. [ .... ] عن دليله الأول، وأن إطلاق الهدي يقتضي الحرم: فلا نسلم أن الهدي هاهنا مطلق؛ لأن قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] يقتضي أن يكون الإهداء عقيب الإحصار؛ لأن الفاء للتعقيب، وهذا يدل على أن ذبح الهدي في موضع الإحصار. وأما الدليل الثاني من قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وإن محله الحرم، فلا نسلم ذلك أيضاً، بل المحل هاهنا هو الذبح، وإيصاله إلى المستحق، فهو محله، كالموضع الذي يجب الذبح فيه.

стр. 964

والذي يبين صحة هذا: أن الحصر لو كان في الحرم تحلل بالهدي، ولم يكن عليه تبليغ الهدي محله، والمستحب المندوب من فجاج مكة، بل كان ما ذكرنا من الذبح، وتفرقة لحمه على مستحقه. ولأنه علق جواز الحلق ببلوغ الهدي محله، والحلق إنما يجوز بعد حصول الذبح، فعُلم أن المراد بالمحل المذبح الذي يجوز بعد حصول الذبح، فعُلم أن المراد بالمحل المذبح الذي يجوز بعد الحلق دون الموضع. وفي هذا جواب عن دليلهم الثالث من الآية. واحتج بأنه دم تعلق وجوبه بالإحرام، فوجب أن يكون موضع إراقته من الحرم. دليله: هدي القران والمتعة وجزاء الصيد. ولأنه دم واجب لاستباحة ما حظره الإحرام -وهو الحلق- على وجه العذر، أشبه فدية الأذى، ولأنه لا يخلو إما أن يكون دم جناية، أو نسك، وكل ذلك يخنص الحرم. والجواب: أنه إن كان القياس على الدماء الواجبة على المحصر، فلا نسلم ذلك، ويجوز ذبحها في موضعه من الحل، كما يجوز له أن يذبح هدي الإحصار فيه. وإن كان القياس على الدماء الواجبة في حق غير المحصر، فالمعنى

стр. 965

في غير المحصر: لما كان موضع محله الحرم، كان موضع نحره الحرم، والمحصر: لما كان موضع محله الحل، جاز أن يكون موضع نحره الحل. ولأن غير المحصر لا مشقة عليه في إيصاله الدم إلى الحرم، وهذا عليه فيه مشقة من الوجه الذي بينا. واحتج بأنه موضوع لإباحة الإحلال على غير وجه البدل، أشبه الطواف. وفيه احتراز عن موضع المتعة؛ لأنه بدل. والجواب: أنه يبطل بالحلاق. على أن الطواف لما اختص بموضع اختص بالحرم، والنحر لما لم يختص بموضع معين لم يختص بالحرم. واحتج بأنه لو كان الحل موضعاً لذبح هدي الإحصار فيه، لما اختلف أن يكون الإحصار في الحل والحرم، ألا ترى أن الحرم لما كان موضعاً له، لم يختلف أن يكون الإحصار في الحل أو الحرم؟ فلما اتفقوا على أنه لو أحصر في الحرم لم يجز ذبحه في الحل، كذلك إذا أحصر في الحل. والجواب عنه: ما تقدم، وهو أن محل الهدي الحرم، فإذا كان الحصر في الحرم، فهو متمكن منه، [أما إذا كان الحصر في الحل، فهو

стр. 966

غير متمكن منه]، فكان معذوراً في تركه، كما إذا عطب الهدي في الحل. وينعكس هذا بالحلاق؛ فإنه لو أحصر في الحرم عن البيت، لم يلزمه الخروج إلى الحل ليحلق، ثم لو وقع الحصر في الحل جاز له الحلاق في موضعه. * فصل: والدلالة على أنه يجوز ذبحه قبل يوم النحر خلافاً لأبي يوسف ومحمد وإحدى الروايتين عن أحمد: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم يخص وقتاً دون وقت. فإن قيل: قد قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾؛ يعني: الوقت الذي يذبح فيه، [كما] يُقال: محل هذا المال كذا؛ يعني: الوقت الذي يحل فيه. قيل: له المراد بالمحل هاهنا: مكان الذبح، وهو موضع التحلل، فإذا بلغ الهدي ذلك، فقد بلغ محله. والذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ثم قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ يعني: في الحج والعمرة، ثم قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا خلاف أن المراد بالمحل في العمرة المكان دون الوقت، كذا المحل في الحج؛ إذ هو محل واحد. فإن قيل: إذا احتمل الوقت والمكان حملناه عليهما جميعاً،

стр. 967

وجعلناهما شرطاً في إباحة الإحلال. قيل له: يجب حمله على ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً؛ من شأن الاستثناء أن يُرد إلى المحكم. وأيضاً الإحصار يباح به ما كان محظوراً عليه في الإحرام لأجل الصيد، فوجب أن يجوز تقديمه على يوم النحر قياساً على نسك الأذى. ولأن دم الإحصار ليس بنسك في نفسه، إنما يجب لأجل ما يحصل له من الإحلال به، ووجدنا الدماء الواجبة في الإحرام ما لم تكن نسكاً جاز تقديم إراقتها قبل يوم النحر، كجزاء الصيد، ودم اللابس، والمتطيب، فوجب أن يكون دم الإحصار بمثابته. ولا يلزم عليه دم المتعة والقران؛ لأنه نسك في نفسه، كالوقوف بعرفة والطواف. وأيضاً المحصر بمنزلة من فاته الحج؛ لأنه يجوز له الإحلال بالهدي، كما يجوز للذي فاته الحج أن يتحلل بعمل العمرة، فلما لم تكن العمرة التي تجب بالفوات مؤقتة، وجب أن لا يكون دم الإحصار مؤقتاً. فإن قيل: هذا دلالة لنا، وذلك أن العمرة التي يتحلل بها من فاته الحج من إحرامه لا يجوز تقديمها على يوم النحر، كذلك دم الإحصار يجب أن لا يجوز تقديمه على يوم النحر. قيل له: الإحصار سبب لجواز الإحلال، وإذا كان السبب موجوداً

стр. 968

جاز تقديم الذبح والإحلال من الإحرام، وليس كذلك العمرة التي تلزم بالفوات؛ لأن سببها لا يُوجد إلا بفوات الحج، والحج لا يفوت إلا بفوات الوقوف بعرفة، فإذا لم يوجد سبب العمرة لم يجز تقديمها. واحتج المخالف بأنه محرم بالحج، فوجب أن لا يجوز له الإحلال قبل يوم النحر قياساً على غير المحصر. والجواب: أن الذي لم يُحصر لا يجوز إحلاله قبل يوم النحر؛ لأنه أتى بأفعال الحج على الترتيب، وهذا لم يأتِ بشيء من أفعال الحج، وسبب الإحلال موجود، وهو الإحصار، فوجب أن يجوز إحلاله لوجود السبب. فإن قيل: يجوز أن يرتفع الإحصار، ويصل إلى البيت، ولا يجوز أن يحل حتى يتقين أنه لا يمكنه الوصول إليه، فحينئذٍ يحل. قيل له: هذا يوجب أن لا يجوز للمحرم بالعُمرة إذا أُحصر أن يحل بالهدي؛ لأن المتعة ليس مؤقتة، ويجوز أن يرتفع الإحصار، فيصل إلى البيت. فإن قيل: المحصر يذبح الهدي؛ ليحل من إحرامه، كالمتمتع والقارن، ولا خلاف أن دم التمتع والقران لا يجوز تقديمه على يوم النحر، كذلك دم الإحصار. قيل له: [هدي] المتعة ترتبت عليه أفعال الحج والعمرة، وكذلك

стр. 969

هدي القران، فإذا أتى بأفعاله على الترتيب لم يجز تقديم الهدي قبل يوم النحر، وليس كذلك هدي الإحصار؛ لأنه لا ترتيب عليه في الأفعال، وإنما يحل به من الإحرام من غير أن يأتي بأفعال الحج على الترتيب، فهو في حكم من فاته الحج على ما بينا؛ أنه يحل من إحرام الحج من غير أن يأتي بأفعال الحج، ثم العمرة التي يتحلل بها من إحرامه غير مؤقتة، كذلك الدم الذي يتحلل به المحصر من إحرامه يجب أن لا يكون مؤقتاً. * … * … * ٢٢١ - مسألة إذا أُحصر في حج التطوع، فحل منه بالهدي، لم يلزمه القضاء في أصح الروايتين: نص عليه في رواية أبي طالب في ما أخرجه النجاد، فقال: فإن حُصر بعدو، ينحر الهدي، ويحل، كما فعل النبي ﷺ ، فقيل له: فعليه القضاء؟ فقال: لم أسمع فيه قضاء، يحل ويرجع، كما فعل النبي ﷺ . وقال في رواية ابن القاسم: لا يُعيد من أُحصر بعدو حجاً ولا عمرة، إلا أن يكون رجلاً لم يحج قط. وقال -أيضاً- في رواية الميموني: إذا حصره العدو نحر الهدي مكانه، وليس عليه شيء أكثر من هذا. وبهذا قال مالك والشافعي.

стр. 970

وفي رواية أخرى: عليه القضاء. قال في رواية أبي الحارث في ما ذكره النجاد: إذا أُحصر بعدو أقام حتى يعلم أن الحج قد فاته، ونحر الهدي إن كان معه في موضعه، ورجع إلى أهله، وعليه الحج [من] قابل. وقال -أيضاً- في موضع آخر في "مسائل أبي طالب" في المحصر: إن كان معه هدي نحره، وإلا فلا ينحر، وعليه الحج [من] قابل. وبهذا قال أبو حنيفة. وجه الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وتقدير الآية: فإن أحصرتم، فأردتم التحلل، فما استيسر من الهدي. فأوجب الهدي، ولم يوجب القضاء، فلو كان واجباً لبينه، وأمر به، كما أمر بالهدي. فإن قيل: المقصود من الآية بيان ما يتحلل به دون ما يجب إذا تحلل منه، فلهذا لم يذكر القضاء. قيل له: وجوب القضاء من أحكام التحلل، فلو كان واجباً لبينه؛ لأن المتحلل من إحرامه يحتاج إلى معرفة ما يجب عليه التحلل. وأيضاً فإن النبي ﷺ أحرم بالعُمرة في سنة ست، ومعه أصحابه، وكانوا ألفاً وأربع مئة، هكذا روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم

стр. 971

عام الحديبية في بضع عشرة مئة، فلما أُحصر رجع من قابل، ومعه منهم نفر. فلو كان القضاء واجباً لبين لهم النبي ﷺ . فإن قيل: بيانه يكون [تارة] بالفعل؛ وتارة يكون بالقول، وقد بينه بالفعل؛ لأنه قضى تلك العمرة، وسُميت عمرة القضاء. قيل له: فعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب على اختلاف الرواية عن أحمد، ولأنه قد يفعل الواجب والمستحب. وأما تسميتهم أنها قضاء، فلا يدل على الوجوب أيضاً؛ لأن المستحب يُقضى، ويكون القضاء مستحباً. وعلى أنا لا نعرف من سماها بهذا الاسم، فلم يكن فيه حجة. وعلى أنه إنما سُميت بهذا الاسم لقوله في الكتاب: هذا ما قاضى محمد رسول الله سهيل بن عمرو، وكان اشتقاقه من (المقاضاة) و (القضية) دون ما ذكروه. ولأن كل نفل جاز له التحلل منه مع صلاح الوقت له، لم يلزمه القضاء. دليله: لو دخل في الظهر، وهو يظن أن الشمس قد زالت، ثم بان أنها لم تزل، فإن له الخروج من الصلاة، وإذا خرج لم يلزمه القضاء.

стр. 972

ولا تلزم عليه حجة الفرض والنذر إذا أُحصر منها أنه يلزمه القضاء؛ لقولنا: نفل. ولا يلزم عليه الفائت والمفسد؛ لأنه لا يجوز له التحلل. وأيضاً فإن المحصر إنما يلزمه الهدي بدلاً عن الأفعال التي يتركها؛ ليقوم مقامها بدلالة أنه لا يجوز له التحلل إلا بعد الإتيان به، كما لا يجوز لغيره التحلل إلا بعد الإتيان بالأفعال، فثبت أن الهدي أُقيم مقام إكمال الأفعال، وقد ثبت أنه لو تحلل بعد إكماله لم يكن عليه القضاء، كذلك إذا أُحصر، فحل بالهدي. فإن قيل: لو كان الهدي قائماً مقام الأفعال لما لزمه القضاء في حجة الإسلام والنذر؛ لأنه قد وُجد ما يقوم مقام الأفعال التي يتركها، فعلم أن هدي المحصر لإباحة التحلل. قيل له: البدل إذا قام مقام المبدل في شيء لم يجب أن يقوم مقامه في جميع الأشياء، ألا ترى أن المسح على الخف يقوم مقام غسل الرجلين في استباحة الصلاة، ويخالفه في تقدير مُدته، كذلك هاهنا. واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من كسر أو عَرِج فقد حل، وعليه الحج من قابل". ولم يفرق بين أن يكون الحج الذي كُسر فيه فرضاً، أو نفلاً. والجواب: أن الخبر فيه إضمار بالإجماع؛ لأنه من كُسر أو عرج

стр. 973

لم يحل بذلك، فتقديرهم عندهم: من كُسر أو عرج تحلل، وعليه القضاء، وتقديره عندنا: من كُسر أو عرج، ففاته الحج، فعليه القضاء. ونحن نوجب القضاء عليه بذلك الفوات، وإن كان معذوراً فيه. واحتج بأن الله -تعالى- قال: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأوجب إتمامهما بالدخول فيهما، وإذا ألزمناه صار كالواجب بالنذر وبأصل الشرع، ولا خلاف أن الواجب بالنذر وبأصل الشرع إذا أُحصر فيهما لزمه القضاء، كذلك هاهنا. والجواب: أن الظاهر مُطرح بالإجماع هاهنا؛ لأنه لا يلزمه الإتمام هاهنا، وله الخروج منها بالحصر، فلم يكن فيه حجة. وأما حجة الفرض والنذر فقد قاسوا عليها بعبارات منها: أنه لم يحصل منه فعل الحج الذي دخل فيه، فلزمه القضاء، كالفرض والنذر والفائت والمفسد. وكل من أفسد أو فاته الحج، لزمه القضاء، فإذا خرج منه بالإحصار، لزمه القضاء. دليله: النذر والفرض. ولأنه لما لزمه دم الإحصار، لزمه القضاء. دليله: ما ذكرناه. والجواب عن الفائت والمفسد: فإنما لزمه القضاء؛ لأن ذلك حل

стр. 974

بصنع من جهته؛ لأنه إما أن يكون الفوات بخطأ في الطريق أو في العدد من المفسد، فلا شك أن ذلك يُفعل من جهته، فهو متعد فيه، وليس كذلك المحصر؛ فإن المتمتع من جهة غيره، لا صنع له فيه، فأُبيح له التحلل من غير قضاء. وأما الواجب بالشرع وبالنذر؛ فإنه لا يقضيه، ولكنه يتحلل منه، فيصير كأنه لم يرحم، ويعود إلى ما كان قبل إحرامه من وجوب الحج في ذمته، فيفعله إذاً، فكذلك في التطوع إذا تحلل منه، يجب أن يسقط حكم إحرامه، ويعود إلى حالته قبل إحرامه. ولأن الفائت يلزمه أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال بعد زوال الإحصار، فلا يلزمه القضاء. واحتج بأن العذر الخاص في حق آحاد الناس يوجب القضاء، كذلك العام. والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ فإن إسحاق بن إبراهيم نقل عن أحمد في رجل [أهل] بفرض الحج، [فمنعه] والده: يعجبني أن يفي به، فإن منعه سلطان يكون محصراً، عليه ما على المحصر.

стр. 975

وظاهر هذا: أن الحصر الخاص بمنزلة العام. على أن الحصر الخاص يختص ببعض الناس، ولا تلحق مشقة عامة في إيجاب القضاء. * … * … * ٢٢٢ - مسألة إذا أُحصر في حجة الفرض، فحل منها بالهدي، لزمه قضاء الحج، ولم تلزمه عمرة معها: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث وأبي طالب: عليه الحج من قابل، ولم يقل: عمرة. وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء الحج وعمرة. دليلنا: أنه تحلل من حج، فإذا قضى حجه كفاه. دليله: لو تحلل منه قبل يوم النحر، وحج من سنته؛ فإنه لا يلزمه عمرة، ويكفيه الحج. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يفسد، فلهذا لم تجب عليه العمرة، كما لو لم يحل حتى حج من عامه ذلك، وليس كذلك هاهنا؛ لأن المحصر فائت، ومن فاته الحج لزمه بالفوات عمل عمرة، وإذا تحلل

стр. 976

من الحجة الفائتة بغير عمل عمرة، لزمه قضاء العمرة إذا حج في السنة الثانية. قيل له: قولك (إن المحصر فائت) غير صحيح؛ لأن الفائت من فاته الوقوف بعرفة مع بقاء إحرامه، ألا ترى أنه لو لم يحرم بالحج، لم يجز أن يُقال: وجبت عليه عمرة؛ لأنه قد فاته الحج في هذه السنة. وعلى أن دم الإحصار يقوم مقام الطواف الذي يلزم بالفوات، ألا ترى أن المحصر يتحلل بالدم، كما يتحلل من فاته الحج بالطواف؟ وإذا قام الدم مقامه لم يلزمه عمرة. فإن قيل: الهدي لا يقوم مقام الطواف، وإنما جُعل لأجل الإحلال به فقط، ألا ترى أن الطواف الذي يتحلل به لا يجوز قبل يوم النحر، ودم الإحصار يجوز قبل يوم النحر؟ فلو كان قائماً مقام الطواف لما جاز إلا في الوقت الذي يجوز فيه الطواف. قيل له: الصوم في حق المتمع بدل عن الهدي، ويجوز في الوقت الذي لا يجوز فعل الهدي فيه؛ لأن الهدي يختص بيوم النحر، والصوم يجوز في ما قبله، وكذلك صلاة العصر المفعولة في وقت الظهر بحق الجمع بدل عن صلاة الوقت في حال الاختيار، وإن لم يكن هذا وقتاً لها في حال الاختيار. ولأن الطواف يتقدم عندنا على يوم النحر، وهو بعد نصف الليل، فيجب أن يجوز الهدي في ذلك الوقت.

стр. 977

ولأنا إذا فرضنا الكلام في العمرة، لم يلزمنا هذا؛ لأن طوافها لا يختص بوقت. فإن قيل: الذي يلزمه الفوات لا يخلو إما أن يكون عمرة، أو عمل عمرة، فإن كانت عمرة لم يجز أن يقوم الدم مقامها، وإن عمل عمرة فكذلك، ألا ترى أنه لو فاته الحج لزمه أن يتحلل منه بعمل عمرة، فإن أراد أن يرجع إلى بلده، ويقيم الدم مقامه لم يجز؟ فدل على أن الدم لا يقوم مقام العمرة. قيل له: قد بينا: أن المحصر ليس بفائت؛ لن الفائت من فاته الوقوف بعرفة مع بقاء إحرامه، وليس الخلاف في الحصر بعد الفوات، وإنما الخلاف في الحصر قبله، وفي هذه الحالة ما لزمته عمرة، ولا عمل عمرة. وعلى أنه لو كان الحصر بعد الفوات لم يضر، وكان له أن يخرج منه بعده. ولأن حرمة الإحرام قبل الفوات أعظم منه بعد فواته، فإذا كان له التحلل قبل الفوات بالدم، فأولى أن يكون له بعده. وذهب المخالف إلى أن هذا فائت، فلزمه أن يأتي بعمل العمرة، كالذي يفوته الحج، وقد أجبنا عنه. * … * … *

стр. 978

٢٢٣ - مسألة هدي الإحصار يُجزئ عنه الصيام: نص عليه في مواضع: فقال في رواية ابن منصور: المحصر إذا لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام قبل أن يحل، فقيل له: يصوم ثلاثة، وسبعة إذا رجع؟ فقال: ليس هو بمنزلة القارن، والمحصر يصومهن كلهن قبل أن يحل. وكذلك نقل أبو الحارث عنه: إذا لم يكن مع المحصر هدي يصوم عشرة أيام قبل يوم النحر، وإذا كان يوم النحر حل، فإذا كان إحرامه بعمرة يصوم عشرة أيام، ثم يحل. وكذلك نقل الأثرم عنه: إذا لم يكن مع المحصر هدي صام عشرة أيام. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ عنه الصوم، وكذلك سائر الجنايات في الإحرام إلا ما أُبيح في حال العذر من حلق الرأس من أذى، وما في معناه. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا. والثاني: مثل قول أبي حنيفة. دليلنا: أن هذا دم تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز أن يقوم الصوم مقامه، كهدي القران والمتعة.

стр. 979

فإن قيل: نص الله -تعالى- على المحصر، فأوجب عليه الهدي، ونص على المتمتع، فأوجب عليه الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، فلا يجوز حمل المحصر على المتمتع؛ إذ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، ألا ترى السارق -وإن كثرت جنايته- لا تُقطع يده ورجله قياساً على المحارب؛ لأن كل واحد منهما منصوص على حكمه؟ وكذلك لا يجوز أن يقاس التيمم على الوضوء في مسح الرأس والرجلين. قيل له: الصوم في آية المحصر مسكوت عنه، وفي آية المتمتع منطوق به، فليس في قياس أحدهما على الآخر حمل المنصوص عليه. وأما امتناع حمل السارق على المحارب، والمتيمم على المتوضئ، فالإجماع منع من ذلك. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأمر بالهدي، وأمره على الوجوب، وفي جواز العدول عنه إلى الصوم إسقاط لوجوب الهدي. والجواب: أنه أوجب الهدي إذا استيسر، وخلافنا إذا عدم الهدي، وتعذر ولم يتيسر، وليس في الآية ما يدل على هذا عنده، فلم يصح الاحتجاج به، وأخذنا وجوبه من طريق القياس، كما أثبتوا جزاء الصيد في الحرم بالقياس على جزاء الصيد على المحرم، وكما أثبتوا كفارة

стр. 980

المفطر بالأكل والشرب بالقياس على الوطء، والمسح على الجُرمُوقين بالقياس على الخفين. واحتج بأن إثبات الأبدال لا يجوز إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، وليس في الصوم توقيف، ولا اتفاق، فلا يجوز إثباته بدلاً عن الهدي. والجواب: أنه يجوز إثبات الأبدال بالقياس، كما جاز إثباتها بخبر الواحد، وكل ما جاز إثباته بخبر الواحد جاز بالقياس. * … * … * ٢٢٤ - مسألة ومقدار الصوم عشرة أيام: نص عليه في رواية الجماعة: الأثرم، وأبي الحارث، وابن منصور، وقد تقدم لفظ كلامه. وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: مثل هذا. والثاني: أنه يقوم الهدي دراهم، ثم الدراهم طعاماً، فيكون عليه الإطعام إن أمكنه، وإن لم يمكنه صام عن كل مُد يوماً قياساً على جزاء الصيد. والثالث: هو مُخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين؛

стр. 981

لكل مسكين مُدَّان قياساً على فدية الأذى. دليلنا: أن هذا المحصر شبيه بالمتمتع؛ لأنه يحصل له الترفه بالإحلال، كما يحصل للمتمتع الترفه بين الإحرامين، م ثبت أن المتمتع إذا وجد الهدي تعين عليه إخراجه، فإن لم يجده صام عشرة أيام، كذلك المحصر يجب أن يكون مثله. ويفارق هذا في جزاء الصيد؛ لأنه يجب على وجه التعديل، واعتبار النظير. ويفارق فدية الأذى؛ لأنها وجبت لارتكاب محظور، لا على وجه التعديل. * … * … * ٢٢٥ - مسألة ولا يجوز التحلل حتى يأتي بالبدل؛ الذي هو الصوم، كما لا يحل حتى يأتي بالمبدل؛ الذي هو الدم: نص عليه رواية ابن منصور، فقال: يصوم العشرة، ثم يحل، وفرق بينه وبين المتمتع والقارن. وكذلك في رواية أبي الحارث: يصوم العشرة قبل يوم النحر، فإذا كان يوم النحر حل.

стр. 982

وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا. والثاني: يحل قبل الصيام. دليلنا: أن الصوم قائم مقام الهدي، ثم ثبت أنه لا يجوز له أن يتحلل قبل ذبح الهدي، كذلك في الصوم؛ الذي هو قائم مقامه، وكان المعنى فيه: أن الهدي أُقيم مقام الأفعال الباقية عليه من الحج، ثم ثبت أنه لو لم يكن محصراً لم يتحلل حتى يكمل الأفعال، كذلك هاهنا. واحتج المخالف بأنه صيام وجب بالإحرام، فجاز أن يتقدمه التحلل. دليله: صوم دم التمتع والقران وقتل الصيد وغير ذلك. والجواب: أن مبدلات تلك الدماء لا يقف التحلل عليها، كذلك أبدالها، وليس كذلك هذا الصوم؛ لأن مبدله يقف التحلل عليه، كذلك بدله؛ لأن الدبل قائم مقام المبدل. * … * … * ٢٢٦ - مسألة إذا وقف بعرفة، وصُد عن البيت، فله التحلل على ظاهر قول أحمد في المحصر: له التحلل، ولم يُفرق: وقد صرح به رواية أبي طالب في المحصر عن مكة: فيه اختلاف، فإن حصر بُعذر ينحر الهدي، ويحل، كما فعل النبي ﷺ بالحديبية.

стр. 983

وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا وقف بعرفة لم يجز له التحلل. دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يفرق بين أن يكون الحصر عن جميع الأركان، أو عن بعضها. ولأنه مصدود عن البيت بغير حق، فجاز له التحلل. دليله: لو لم يُمكن من الوقوف بعرفة. وقيل: إحرام تام، فجاز التحلل منه بالإحصار. دليله: قبل الوقوف. ونريد بقولنا: (تام): أن محظوراته كلها باقية، والتلبية مسنونة، وبقاء التلبية يدل على بقاء الإحرام. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يحصل له أكثر الأركان، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يحصل له أكثر أركان الحج. أو يمكنه فعل الأكثر، فلا يجوز أن يتحلل بالهدي؛ لأن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأصول. قيل له: إذا وقف بعرفة فقد أتى بالإحرام والوقوف، وبقى عليه ركنان آخران، وهما: الطواف [والسعي]، فلم يصح قوله: قد أتى بأكثر أركان الإحرام. ولأن معظمها وأكثرها لا يقوم مقام الكل يدل عليه أن محظوراته كلها باقية، والتلبية مسنونة، ولو كان المعظم بمنزلة الكل لوجب أن

стр. 984

تكون المحظورات قد حلت، والتلبية قد انقطعت. وأيضاً فإن الوقوف لا يتغير به حكم الإحرام إلا في الأمن من الفوات، والأمن من الفوات لا يدل على المنع من التحلل بالإحصار بدليل أن إحرام العمرة لا يفوت، ومع هذا فإنه يكون له التحلل منه بالإحصار، وقد نص على ذلك أحمد في رواية أبي الحارث. فإن قيل: لو لم نجعله محصراً في العمرة لبقى محرماً لا يحل له شيء، فنضيق عليه، فأبحنا له التحلل تسهيلاً عليه، وتخفيفاً عنه، وليس كذلك المحرم بالحج إذا وقف بعرفة؛ لأنه يمكنه أن يحلق، فيحل له كل شيء إلا النساء، فلا يضيق عليه. قيل: في ترك النساء مشقة؛ لأن الطباع داعية إلى ذلك محتاجة إليه، فلم يصح ما قاله. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذه تمنع جواز التحلل قبل الطواف. والجواب: أن هذا غير مُمكن من الإتمام، فلا يدخل تحت الظاهر. واحتج بما روي عن النبي ﷺ قال: "من وقف بعرفة فقد تم حجه"، والإحلال بالهدي يمنع تمامه؛ لأنه يوجب فسخه، والظاهر يمنع منه.

стр. 985

والجواب: أن معنى قوله: "قد تم" قرب التمام، كما قال لعبد الله ابن مسعود، وقد علمه التشهد: "إذا قلت هذا - أو قضيت هذا- قضيت صلاتك"، وروي: "فقد تمت صلاتك"، ومعناه: قرب التمام؛ لأنه قد بقي عليه الخروج منها. وعلى أن التمام لا يمنع الفسخ، كمن يرتد، فينفسخ حجه. واحتج بأنه يمكنه الوقوف بعرفة، فلا يجوز له أن يتحلل بالهدي، كما لو لم يحصر، وكما لو مُنع من الصفا والمروة والمزدلفة. الجواب: أنه غير ممنوع من البيت، ولا من الوقوف، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ممنوع من البيت بغير حق، أشبه إذا منع قبل الوقوف. واحتج بأنه موضع يؤدي فيه ركن من أركان الحج، فإذا قدر على الوصول إليه في الحج لم يجز له أن يتحلل بالهدي، كما لو أمكنه الوصول إلى البيت، ومُنع من الوقوف. والجواب: أنه يجوز له التحلل هاهنا، كما يجوز له إذا مُنع من الوقوف والبيت جميعاً، بل هذا أولى؛ لأنه إذا مُنع من الموقف فاته الحج فيلزمه القضاء على الصحيح من الروايتين. ولأنه مصدود عن إكمال فرض نسكه بغير حق، وكان له التحلل،
следующие страницы →