مشكلات الحضارة
مالك بن نبي
وجهة العالم الإسلامي
الجزء الثاني (المسألة اليهودية)
آفاق معرفة متجددة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مشكلات الحضارة
وجهة العالم الإسلامي
المسألة اليهودية
стр. 3
وجهة العالم الإسلامي / مالك بن نبي دمشق: دار الفكر، ٢٠١١.- ج ٢ (١٦٠ ص)؛ ٢٥ سم.-
(مشكلات الحضارة).
ISBN: ٩٧٨ - ٩٩٣٣ - ١٠ - ٣١٤ - ٩
١ - ٢١٨,٨ ب ن ن و ٢ - العنوان ٣ - بن نبي ٤ - السلسلة
مكتبة الأسد
стр. 4
مشكلات الحضارة
مالك بن نبي
وجهة العالم الإسلامي
الجزء الثاني
(المسألة اليهودية)
دار الفكر
آفاق معرفة متجددة
стр. 5
الطبعة الأولى: ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
стр. 6
المحتوى
стр. 7
_________
٥ - اليهودي العالمي .......................................................................... ٧٩
٦ - اليهودي الذي رمى القناع .......................................................................... ٨٨
٧ - نهاية عصر .......................................................................... ٩١
٨ - الحرب .......................................................................... ١٠٢
٩ - استراتيجية الحرب القادمة .......................................................................... ١٠٤
الفصل الثالث: الحياد الإسلامي .......................................................................... ١٠٩
أولا: العالم الإسلامي والحياد .......................................................................... ١٠٩
ثانيا: الحياد الإسلامي والدبلوماسية الغربية .......................................................................... ١١٤
ثالثا: نتائج دولية للحياد الإسلامي .......................................................................... ١٢٠
القسم الثاني
العالم الحديث
قضية حضارة .......................................................................... ١٢٧
صدمة عودة الحرب .......................................................................... ١٣٠
تخطيط وتبشير الإسلام .......................................................................... ١٣٥
خطة المسلم .......................................................................... ١٣٧
أخوة وتآخ .......................................................................... ١٤٤
خاتمة
المسارد
١ - مسرد الأعلام (يشمل الأشخاص والدول والأمكنة) .......................................................................... ١٥٣
٢ - مسرد الشعوب والجماعات والمذاهب .......................................................................... ١٥٨
٣ - مسرد المعاهدات والمؤتمرات والاتفاقيات .......................................................................... ١٥٩
стр. 8
كلمة الناشر
(ربما الأوفى أن أخص بالصفحات القادمة جيلا سيأتي؛ يعقب جيلي، لنؤكد لهم- وهم بين أنقاض عالمنا - أن عليهم واجب بناء عالم خاص بهم) [المقدمة ص ٣٠].
ربما كانت الحرقة البادية في كلمات مالك بن نبي هذه، وراء قراره الذي اتخذه يوم ٢٢ - ١ - ١٩٥٢ بحجب كتابه هذا عن النشر، عند فراغه من كتابة السطر الأخير منه.
وإذ يتولى , الأستاذ عمر مسقاوي، الوصي على فكر مالك الآن؛ الإفراج عن هذا الكتاب الوثيقة؛ ليصدر في ٢٢ - ١ - ٢٠١٢، بعد ستين عاما من حجبه، فإن ذلك يثير التساؤل أكان قد آنس في الجيل الجديد رشدا؛ يؤهله لوعي الرسالة التي يحملها؟!
وهذا التساؤل يثير بدوره سؤالا آخر: أكانت أعمال مالك بن نبي الأخرى؛ المنشورة على مدى ستين عاما، قد استقرت في وعي الأجيال التي تعاقبت خلالها، فتلمست عبرها طريق النهوض؟!
لقد أفنى مالك بن نبي عمره في استنهاض الإنسان المسلم، وتأهيله لاستلام راية الحضارة الإنسانية، التي أخذت تترنح في أيدي الغرب، لكن حجم الرواسب التي حملها المسلم معه إبان نكوصه الحضاري، كانت أكبر من طاقة مالك على تصحيح المسار؛ فعاش عمره غريبا يغرد خارج السرب، شأن كل الأنبياء والمصلحين.
стр. 9
وقد استحكمت غربة مالك بن نبي على الساحة الفكرية؛ نتيجة منهجيته الصارمة التي رتب أفكاره عليها؛ ورؤيته البعيدة التي تضع مشروعه النهضوي في إطاره الإنساني الشامل، وفي موقعه على مسار الدورات الحضارية، متميزا بذلك عن مفكري حركة النهضة؛ بشقيها: السلفي العاكف على تراثه يحاول تكييفه مع حاجات العصر، والحداثي الذي يروم قطع صلاته بالتراث؛ ميمما شطر تجارب ليس لها في أرضه جذور، فلم يفهمه أي من التيارين، ولم يمكن تصنيفه ضمن واحد منهما، فكان مرفوضا منهما كليهما ..
لكن غربة مالك بن نبي قد آذنت بالأفول على ما يبدو، فأفكاره التي استعصت على الفهم لدى أجيال النكبة والانتكاس الحضاري، قد أخدت طريقها الآن إلى جيل الشباب الذي استهدفه مالك، وخصه بهذا الكتاب، فأصبحنا نرى كتبه في أيديهم ينهلون منها نظريا، ونرى أفكاره تتحقق نبوءاتها على أيديهم عمليا، بداية لعصر جديد أمسكوا فيه بزمام المبادرة، وأطلقوا عليه اسم (الربيع العربي).
стр. 10
مقدمة الترجمة العربية
عمر مسقاوي
في الصفحات الأخيرة من كتابه الذي سماه (Vocation de l'Islam) الجزء الأول والثاني. نظر مالك بن نبي إلى المشكلة من مكوناتها التاريخية، وكان هذا التقرير يلخص عمق التحدي الذي يواجه العالم الإسلامي، الذي انطلق من المشكلة نفسها؛ القضية الفلسطينية.
هذه الصفحات هي المدى الذي انطلق منه مشروع بن نبي في معالجة القضنة اليهودية وهو يتأمل مصير العالم الإسلامي والعربي واتجاهاته انطلاقا من بداية القرن العشرين.
فكتاب (وجهة العالم الاسلامي) في جزئه الأول ثم في جرئه الثاني؛
حاول الجواب عن سؤال الهيمنة اليهودية بصورة مختلفة عما تناولها مختلف الباحثين.
لقد تحدث مالك بن نبي من شرفة قضية فلسطين منذ نكبة عام ١٩٤٨ م، فبسط رؤيته في صورة وصفيه رؤيوية لمساحة السنين القادمة من القرن العشرين.
ولقد تناولها بن نبي من زاوية (القابلية للاستعمار) في تحليله الذي جاء من منابع أخرى، لم تقف عليها من قبل دراسات حول القضية كنتيجة تاريخية لا يملك العالم العربي حلا راهنا لها في العمق، ما دام الموقف التاريخي من بروز فكرة الاستعمار لم يأخذ سبيله إلى وضع تلك المشكلة
في مدار الحل التاريخي.
стр. 11
وهذا ما يبدو من المقدمة التي افتتح بها مالك بن نبي دراسته في الجزء
الثاني من كتابه (وجهة العالم الإسلامي). يقول بن نبي:
(إن قدرا تميز بطابعه الغريب أحاط بالكاتب؛ يدعونا إلى أن نتمهل قبل أن نكتب مقدمة خاصة لهذه الدراسة التي استرسلنا فيها بعيدا عن حدودها، لنرى أولا إذا كان ما نكتبه يمكن نشره؛ فالقسم الأول من هذه الدراسة (وجهة العالم الإسلامي) الذي نشر في كانون الثاني / يناير ١٩٥١، والقسم الثاني الذي نحن بصدده الآن مختلفان من حيث طبيعتهما.
فالقسم الأول يمكن أن يعتبر في العمق اختصارا لدراسة داخلية للعالم الإسلامي، وبالخصوص (القابلية للاستعمار)، وهذا قد اقتضى العودة إلى استعراضنا خط تطور العالم الإسلامي من قيام حالة القابلية للاستعمار (عصر ما بعد الموحدين) إلى قيام حالة الاستعمار حينما استعمرت أوروبا المسيحية البلاد الإسلامية.
وبالمقابل فهذه الدراسة في القسم الثاني من (وجهة العالم الإسلامي) هي دراسة خارجية مستقبلية تركز على القضية الإسلامية في إطار القضية العامة التي سوف تأتي). فدراسة الجزء الأول من (وجهة العالم الإسلامي) تناولت شؤونا داخلية انتهت إلى الطرق الجديدة في التجدد النفسي والروحي، وهنا تلاقت دراسة الجزء الثاني من (وجهة العالم الإسلامي) مع الجزء الأول في قسمه الخاص بالتخطيط للدعوة الإسلامية، لكن القسم الأول من كل منهما بدا منفصلا عن موضوع (وجهه العالم الإسلامي) في جزأيه؛ لأنه انصرف إلى عميق رؤيته في مكونات العصر الحديث، وسره الخفي في لغز تأثير الفكر اليهودي في بناء العالم الأوروبي وظاهرة الاستعمار،
ولأن هذا العالم الغربي الأوروبي سيظل في مسيرة النصب الثاني من
стр. 12
القرن العشرين مهيمنا على أي نهضة أو تحرك في العالم الإسلامي والعربي ما دام طريقه لم يستقم في الخروج من مرض القابلية للاستعمار، فقد تبين له أن من تمام دراسته في الجزء الأول التي أفاض فيها نقدا لليقظة الإسلامية على سرير القابلية للاستعمار؛ أن يبسط في الجزء الثاني للجيل القادم معالم الطريق في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ هذا العالم الذي سوف يفرز مسارا جديدا للاستعمار إذا لم يحل العالم الإسلامي والعربي مشكلته الأساسية، لأن الخروج من الاستعمار المباشر نحو الاستقلال السياسي؛ لا يكفي إذا لم يكن نتيجة الخروج من مرض القابلية للاستعمار في الجانب التربوي والثقافي ليرفع من كفاءته في مواجهة مستقبله.
العصر الحديث ووجهة العالم الإسلامي
بداية تاريخية
مع نشوء مصطلح (Renaissance) في بداية القرن التاسع عشر، كما تجلى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كانت هنالك عملية إحياء تاريخي محدد المعالم والصفات، كامل الوجود والمقومات، ينسحب من عمق التراث اليوناني والروماني، ومن خلال هذه التطورات في نظم تطور أوروبا؛ انتقل مفهوم الثقافة إلى إطار أكثر تخصصا وتجريدا في بناء العلوم الاجتماعية والنفسية التطورية، وبدأ مصطلح (Renaissance) يشير إلى بعث وقيامة جديدة استقرت مع آلية عصر الأنوار تتمسك بمفهوم التقدم انطلاقا من المعطيات المضمرة للثقافة الغربية التي ارتبطت بالأرض والنزعة الكمية مع (أوجست كمت) والمادية الوثنية.
فكتاب شروط النهضة الجزائرية هو خلاصة انعكاس هذا الواقع على رؤية بن نبي في تحديد المنطلقات الرئيسية لسلسلة كتبه (مشكلات الحضارة).
стр. 13
كانت الجزائر مساحة التحليل التي انتهت إلى مفهوم القابلية للاستعمار؛ كواقع نفسي يحدد مرحلة معينة من واقع المعنى (المضمر) الذي رسخته الحضارة الإسلامية في عمق الجزائر , في مرحلة الأفول والانسحاب من المسار التاريخي للحضارات,
وكان كتاب (Vocation de L'islam) (وجهة العالم الإسلامي) تحديدا تنطلق فيه استراتيجية مماثلة لاستراتيجية ولادة أوروبا من جديد فى إطار مفهوم (Renaissance)؛ أي إعادة النظر في التراث القديم بعد تصفيته من جميع مؤثرات الحضارة الإسلامية التي أفلت بعد سقوط الأندلس.
فبن نبي في كتابه شروط النهضة الجزائرية تحدث عن الشروط السابقة للحمل، من أجل ولادة جديدة لنهضة الحضارة الإسلامية بعد تصفيتها من جميع مؤثرات عالم ما بعد الموحدين، والمصطلح الأوروبي هنا تحدث عن الوليد الجديد في عصر النهضة، في حين انطلق كتاب (شروط النهضة الجزائرية) من مفهوم القابلية للاستعمار؛ أي واقع الجزائر القائم، وشروط الحمل أولا ثم ولادة النهضة.
إن استراتيجية مفهوم تجديد النهضة (Renaissance) في كتاب شروط النهضة الجزائرية تختلف عن استراتيجية مصطلح تجديد النهضة كمفهوم (Conception) في التاريخ الغربي، رمن هنا (كما تحدث بن نبي في مقدمة الكتاب) كان أثر الاستهجان الذي لقية كتاب شروط النهضة من قرائه المتأثرين بالثقافة الغربية - كما ذكر في مقدمة الكتاب - ناشئا من اعتبار الغرب المصدر الوحيد لرؤية العالم, من هنا بدأت فكرة النهضة في المشروع العربي والإسلامي؛ تتجه نحو الخروج من هذا الواقع القائم؛ كدليل على الإحساس بالفارق بين واقع التخلف لديه وواقع نهضة أوروبا. لذا فهم يفكرون بالنهضة التي يرون نماذجها، ولا يفكرون في بناء نقد نهضوي للخروج من الواقع الذي يعيشونه.
стр. 14
ومن هنا كان شعار القابلية للاستعمار شعار صدمة أطلقه بن نبي للتفكير في بناء النهضة الإسلامية من جديد، لكن صدمته أدت إلى موجة الاستهجان هذه التي لقيها صدور كتابه (شروط النهضة)، وبات من خلال هذه الصدمة مدعوا لطرح المشكلة من جديد في كتابه (وجهة العالم الإسلامي)، حيث الولادة الجديدة (Renaissance) لا بد أن تنطلق من خارج الدائرة التي رسمها الاستعمار، أي خارج القابلية للاستعمار، في الإطار الذي يتصل بالاطراد التاريخي لفاعلية الفكرة الإسلامية التي انطلقت من عاملين أساسيين: الفكرة الإسلامية التي هي أصل الاطراد، ثم المسلم الذي هو السند المحسوس لهذه الفكرة.
القضية مشكلة حضارية
فنشوء الدورة الحضارية يرتبط صعودا وهبوطا من حيث الأساس بالعلاقة العضوية التي تربط الفكرة بسندها، ومن هنا يبدأ دور الإنسان في بناء عالم محيط حوله تتحدد في إطاره قيم الأخلاق ومدى ارتباطها بالمثل العليا والجمال، ومدى التعبير عنها طبقا لهذه المثل بالفاعلية، وارتباطها بالمنطق العملي في تفعيل الوسائل ذات الارتباط الوثيق بالقيم الأخلاقية والجمالية والعمل التقني.
فالعناصر الأربعة: المبدأ الأخلاقي - المبدأ الجمالي- المنطق العملي ثم التقنية، هي الأساس التربوي الذي يحدد معيار الصعود والهبوط بقدر تضامن هذه العناصر في بيئه الفرد الذي هو السند الأساسي لمسار الحضارة.
فالاقتباس من أوروبا، والاتصال بالتطور الكمي في الهيمنة على مسيرة الإنسانية، يتطلب من القابلية للاستعمار أن تنظر إلى الظواهر الغربية الأوروبية على أنها مسألة نسبية لا تعبر عن الحقيقة المطلقة فى مسيرة
стр. 15
التقدم، ومن خلال ذلك يستطيع العالم العربي والإسلامي أن يعرف وجوه النقص في الحضارة الغربية، كما سيتعرف عظمتها الحقيقية، وبهذا تصبح الصلات والمبادرات مع هذا العالم أعظم خصبا، وحينئذ نستطيع أن نبقي مفهوما تبادليا تنسج عليه الولادة الجديدة للنهضة وخياراتها.
وهنا استكمل كتاب (وجهة العالم الإسلامي) نتائجه حينما انتهى إلى بناء طرائق جديدة في سبل النهضة التي بها يدخل العالم الإسلامي مسيرة
العصر، ومن هذه الزاوية بدا الجزء الثاني من وجهة العالم الإسلامي يعالج موضوعا في البنية الفوقية التي هي أساس تكوين الغرب وهو يسير إلى نهايته بعد الحرب العالمية الثانية.
فموضوع الجزء الثاني يعالج مسيرة العصر الحديث خارج نسق دراسة الجزء الأول. وإذا كان الجزء الأول من كتاب وجهة العالم الإسلامي قد انطلق من القضية الفلسطينية وهزيمة العالم العربي والمسلم أمام إسرائيل باعتبارها إحدى نتائج القابلية للاستعمار، لكن قيام دولة إسرائيل في فلسطين من ناحية أخرى بداية مؤشر انهيار الحضارة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، أي في مسيرة النصف الثاني من القرن الماضي؛ من هنا يأتي كتاب وجهة العالم الإسلامي في جزئه الثاني يراقب من بعيد هذا الانهيار في معطيات نتائجه، ويعالج في الوقت نفسه خطط مستقبل العالم الإسلامي بعد نشوء دولة إسرائيل، وقد تأهل نفسيا للخروج من مرض القابلية للاستعمار.
ولأن المراقبة المنهجية تعود إلى البدايات، لذا فهو يطرح القضية اليهودية في عمقها التاريخي من بداية تجسيدها في مسار الحضارة الغربية ومنهجها الاستعماري، ليستشرف تقلبها بكل موضوعية في سني النصف الثاني من القرن العشرين انطلاقا من معطيات الحاضر، وهكذا يضع سيناريو مبنيا على تتابع تاريخية ظاهرة الشتات اليهودي، ثم الحركة اليهودية وهي في هزيم
стр. 16
الحضارة الغربية الذي أرهصت به الحرب العالمية الأولى، ثم قضت الحرب العالمية الثانية على تماسكه في تفصيل تحليلي دقيق.
وفي إطار من التوقع المنطقي لمستقبل حركة اليهود، ابتداء من ظاهرة الشتات اليهودي في أوروبا إلى نهاية العصر الحديث، كان القسم الثاني من الدراسة مهتما والمدى الذي يستطيع فيه العالم الإسلامي، انطلاقا من تجربة الحاضر، أن يمارس دوره في طرائق جديدة لحضوره في المستوى العالمي حين يتأهل حاضره كحامل رسالة هي بلاغ الله إلى الإنسانية في بناء مستقبلها.
ومما زكى الجزء الثاني من الدراسة تلك التفاؤلية التي انصرف إليها
فكر بن نبي عقب نكبة فلسطين كبارق أمل لاح في أحداث برزت دفعة واحدة في المغرب والمشرق؛ وهي الثورة في مراكش ضد الاستعمار الغربي، وموقف محمد الخامس، وسياسة الوفد في عهد نحاس باشا ضد الوجود البريطاني في مصر، وإلغاء معاهدة ١٩٣٥، وقد أخذ ذلك مسارا ثوريا، ثم سياسة مصدق في إيران وتأميم مصافي عبادان ضد الشركات البريطانية، تحديدا في عام ١٩٥١، وهو التاريخ الذي آثار تفاؤل بن نبي، كما عبر عنه في مقدمة الكتاب فقال:
(إن الأحداث التي مرت عام ١٩٥١ رسمت للإنسانية عاما مفصليا على وجه العموم؛ حين أبرزت القضية المراكشية وحدة مسار غدت ضائعة وإلى الأبد منذ عهد تخلف العالم الإسلامي،
هذا الحدث الهام قد داهمني وبالخصوص على مستوى وجودي الشخصي، وقد فرض علي هذا كله فكرة هذا القسم الثاني من الدراسة كعمل مستقل نسبيا عن القسم الأول من (وجهة العالم الإسلامي)؛ إذ ربما الأوفى بي أن أخص بالصفحات التالية جيلا سيأتي ويعقب جيلي لنؤكد لهم، وهم بين أنقاض عالمنا، أن عليهم واجب بناء عالم خاص بهم.
стр. 17
فالعالم الإسلامي سوف يشفى مع الزمن بدون شك من القابلية للاستعمار، وغضبته الحاضرة (أي أحداث عام ١٩٥١) ضد الاستعمار ستساعده بالتأكيد، ولكن كيف؟ ومتى سيشفى؟ إذا لم يبن على وعي منهجي له مقدماته ونتائجه).
ويؤكد بن نبي من خلال تجربته في عقدي الثلاثينيامت والأربعينيابت من القرن المنصرم مخاطر الولوج في دراسة كهذه؛ تكشف سر هذا العصر الحديث:
(ولدت في عصر يدرك نصف الذي يقال بوضوح، لكن الذي يقول كلمة حول النصف الثاني يحاكم بكل قسوة).
(بكل أسف! الاستعماريون فهموني بالنصف الآخر من كلمتي،
ونلت منهم ما أستحق، فأنا في أعينهم لا أسب الاستعمار بل أقتله وهو داخل البيضة، أخنقه من جذوره التي تمتد في مساحة القابلية للاستعمار).
هنا يؤكد مالك بن نبي أن مواجهة الحدث الأبرز فلسطين في العالم العربي والإسلامي؛ ليست في سب الاستعمار، كما أن أحداث عبادان في إيران (مصدق)، ومواجهة بريطانيا في قناة السويس لا تزال كلها مجرد حماس شعبي من روح القابلية للاستعمار، وإذن فالمشكلة لدى بن
نبي هي الخروج من هذا المرض من خلال وعي منهجي له مقدماته ونتائجه.
هذه المعطيات هي التي تقود نحو القضية اليهودية وأساسها في بناء أوروبا والعصر الحديث الذي يلخص مفهوم الاستعمار والعنصرية.
فالذي هو غائب عن الفضاء العربي حول دولة إسرائيل هو المنهج في الرؤية المستقبلة بعد الحرب العالمية، وهنا يقبل بن نبي المخاطرة؛ لأن خبرته نشأت من وعي عميق للمدى الذي يمارسه الاستعمار في الجزائر
стр. 18
كما في العالم العربي والإسلامي، كنموذج رصد للأفكار في المدى الاستخباراتي انتهى إلى سيادة العصر الإسرائيلي.
هذا العصر تنبأ به مالك بن نبي منذ العشرينيات في عبارته الشهيرة؛ في شهادته التي استعرضناها حين قال: إن القرن العشرين هو قرن اليهود -الدولار - المرأة.
ومن هذا التقديم الموجز لفكرته في الجزء الثاني من كتابه (وجهة العالم الإسلامي) يدخل بن نبي في صلب الموضوع، وهنا تتبدى لنا المشكلة اليهودية في معظم صفحاته من خلال بناء أوروبا التاريخي تحت شعار الاستعمار في سائر مظاهر حضوره العسكري أو العلمي أو الثقافي الذي أحاط بفراغ القابلية للاستعمار.
وبن نبي هنا يحاول أن يكشف السر الخفي للعالم الحديث الذي نجده مبسوطا في فصول هذا الكتاب، وهو يبدأ من اتجاه الشتات اليهودي مع بداية العصر المسيحي، وقد مكن ذلك لليهود القادمين ما لم يكن مألوفا
في الشرق؛ فقد جاؤوا أوروبا مشتتين منبوذين غير فاتحين، لكن الشعب الأوروبي أوسع لهم الإقامة، وغدوا في النهاية هم المسيرين الحقيقيين للعمل الأوروبي والثقافة والسياسة والحياة الاقتصادية، ومن هنا تبدأ فصول القسم الأول من الكتاب تتدرج في تفاعل الخطة التاريخية لليهودي من ناحية وللغوييم من ناحية أخرى، وقد تجسد ذلك في النهاية في الحضارة الغربية مع ظاهرة الاستعمار في كامل قوة هيمنتها على رؤية العصر الحديث.
إن القسم الأول من فصول الكتاب خارج موضوع الجزء الأول من كتاب وجهة العالم الإسلامي، لكنه بدا لازما لجيل الغد الذي اجتاز عقبة القابلية للاستعمار ليبني - بكل انفتاح - عالما جديدا في خطط جديدة طرحها في القسم الثاني الذي يصل القارئ بموضوعه الأساس في الجزء
стр. 19
الأول من الكتاب، فقد تابع خطط اليهود في بناء الحضارة الغربية، في سائر مراحلها وبكل موضوعية، حين كان بن نبي يراها جلية أمامه عام ١٩٥١ كمشهد مستمر ومتفاعل في مسيرة الحضارة الغربية إلى نهاية القرن العشرين، وها إن مختلف الدراسات التي ظهرت مؤخرا في مساحة العقود التي تلت؛ قد طرحت تأييدا علميا وتاريخيا حول دراسة بن نبي، لذلك السر الخفي الذي انتهى إلى فوضى ما بعد الحداثة كما تصورها؛ نتيجة حرب عالمية ثالثة تنتهي بقوة التقدم في الأسلحة المدمرة، وقد توقع انهيار الاتحاد السوفسيتي أولا في كلا الحالين.
بقي السؤال المطروح دائما: لماذا أخرج بن نبي هذا الكتاب من التداول فبقي وديعة لدى أصدقائه وغاب عن عناوين إنتاجه؟ إذا نحينا جانبا مصاعب نشر الكتاب في ظل الرقابة الفرنسية الاستعمارية، يبدو بن نبي في سائر إنتاجه في موقع المقاتل في معركة الخروج من القابلية للاستعمار في ثورته ضد الاستعمار، وهنا نراجع مقدمة مذكراته (العفن) (Pourriture) وكان قد أنهى كتبه الثلاثة - أو كاد -في الأول من آذار/ مارس ١٩٥١، حيث قال:
(ولدت في عام ١٩٠٥؛ أي في زمن بدأت تظهر فيه الخطوط الأولى لمجتمع جديد ... فأنا إذن أنتمي إلى جيل أصيب بلعنة الزمن، حين أقفلت فيه دورة حضارة الإسلام القديمة، لتفتح دورة عهد جديد تتضامن فيه في عصرنا القابلية للاستعمار من ناحية والاستعمار من ناحية أخرى. وإذ يظهر أي منهما في مسار الأيام فتلك علامة نظام جديد لكنه غير قابل للتحديد.
لكن هذا النظام في شقين متضامنين ومترابطين في النهاية.
الشق الأول: القابلية للاستعمار نتيجة غروب حضارة الإسلام.
وهي بطبيعتها تبقى على الجمود.
стр. 20
الشق الثاني: الاستعمار الذي نشأ مع عالم الحضارة الغربية وهو يستغل جمودها وسكونها لصالحه).
هذه المقدمة لكتاب (العفن) (Pourriture) التي تزامن شخها مع
تاريخ كتابه هي التي تفسر لماذا كتب بن نبي الجزء الثاني من كتابه (وجهة العالم الإسلامي)، في قريته في فرنسا (Luat) في ٥/ ١٢/ ١٩٥١. أي إن الجزء الثاني الذي تناول قضية اليهود كأحد طرق الكفاح ضد الاستعمار؛ جاء في إطار منهج وضعه بن نبي منذ البداية لمشروعه النهضوي رغم مصاعب الطريق، فهو لا يكتب كمستكشف ليخرج على جمهور القراء بمعلومات جديدة، بل ليعد ما استطاع من قوة المنهج والمنطق، في بناء جيل يستعيد للإنسانة حضارة الإسلام، إثر انهيار مرتقب للعالم الحديث، ومن هنا انصرف إلى كتابه، وقد بدأ يخطه في حماس إلى أن فرغ من إنجازه كما أرخ في ٢٢/ ١/ ١٩٥٢ وهو يوقع آخر صفحة فيه (١).
стр. 21
لكنه ما إن انتهى من صفحات كتابه الجزء الثاني حتى تبين له - على ما يبدو لنا - أن الأمر ما زال يقتضي بيان تفصيل في المشكلات الداخلية التي عرضها في الجزء الأول من كتابه (وجهة العالم الإسلامي) فاسترسل في طرح مضمون كتابه المنشور، وترك كتابه هذا إلى ما سوف يأتي في مساحة النصف الثاني من القرن العشرين (١).
فقد رأى بن نبي أن الشفاء من مرض القابلية للاستعمار يتطلب مزيد وعي في الحياة الداخلية في الثقافة والانضباط والتربية كما حددها في كتابه (شروط النهضة)، وفي المدى العالمي فالأمر يحتم بداية خروج آسيا وإفريقية (محور طنجة - جاكرتا) (أي جغرافيا القابلية للاستعمار) من
стр. 22
تبعية محور واشنطن - موسكو وهي (تمثل جغرافية الاستعمار)، وبدا ذلك خطابا أوليا عبر كتابه (الفكرة الإفريقية الآسيوية)، وهكذا في هجرته إلى القاهرة اعتبارا من عام ١٩٥٦ انصرفت دراساته إلى بناء المؤسسات الذي تجلى في كتابه (فكرة كومنولث إسلامي) عام ١٩٦٠، ثم (الصراع الفكري) عام ١٩٦٠ ثم (ميلاد مجتمع) عام ١٩٦١، و (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) الذي صدر عام ١٩٧٣ وكان قد وضع خطته كما أشار مقرونا بكتابه (الصرع الفكري) عام ١٩٦٠.
ولكي تأخذ هذه المؤسسات دورها كان الواجب يقتضي الوقوف عند حركة الاستعمار في الصراع الفكري الذي تقوده مراصد التوجيه الاستعماري في فكر أبناء القابلية للاستعمار. هنا تعرض في هذا الجانب (لمشكلة الأفكار) وفاعليتها في تنظيم اجتماعي يمنح الفرد طاقته الحضارية في بناء مجتمع له حضوره في المواقف والقرارات الدولية.
ذلك أن ظاهرة رفض (مصطلح القابلية للاستعمار) لم تقتصر على الطلاب الجزائريين والقراء عام ١٩٤٩، أي عام صدور كتابه (شروط النهضة)، بل إن من قراء كتابه وكتبه اللاحقة في مصر بعد ذلك من أعلن استنكاره لهذا المصطلح أيضا اعتبارا من منتصف الخمسينيات، ثم إن الكتاب الإسلاميين أبدوا تحفظات على طروحات بن نبي في هذا المجال، مسجلين بذلك اكتفائية على شاطئ بحر المشكلات التي يواجهها العالم الإسلامي في مسار العصر الحديث.
من هنا يبدو لنا - وهذا نقوله استنتاجا - أن بن نبي لم يشأ أن يطرح كتابه الجزء الثاني حول القضية اليهودية بالطريقة التي عالج فيها موضوعه في تتع أصول أوروبا وما وراء عصر النهضة؛ لأنه سيثير جدلا سجاليا
في عالمنا العربي، وربما بتحريض السر الخفي يصرف عن جوهر خطة بن
стр. 23
نبي في إحياء حيوية الثقافة العربية الإسلامية في بناء فكر جديد، مع أن دور اليهود الذين اتخذوا طريقتهم في عمق مكونات الفكر العربي والإسلامي؛ قد وصل إلى نهايته في دولة إسرائيل التي جاءت تمسح
الحضارة والتاريخ؛ بقوة السيطرة على فراغ القابلية للاستعمار التي تشكل خلفية نفسية أشار إليها بن نبي في كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة).
فالمجتمع الإسلامي افتقد شبكة علاقاته في قوتها التي تعطي لمفهوم المجتمع كفاءته الحضارية، ومن هنا كان (ميلاد مجتمع)، وهو أحد إصدارات إقامته في القاهرة عام ١٩٦١، يهدف إلى إعادة صياغة المواطن والفرد في حيوية مجتمع قادر على مواجهة الأسرار العميقة لدور اليهود في إرباك خطاه.
وقد أكد مالك بن نبي هذا المفهوم في مذكراته؛ فكتب في ٢٦ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٦٢ (إن مجتمعا الفرد فيه ليس لديه موقف محدد من القضايا يؤديه تضامنا مع الجماعة، هو مجتمع مصطنع؛ لأن الأفراد الذين يتألف منهم يعيشون كمتطفلين منذبين؛ لا يشعرون بأي حضور لهم، وذلك ما يهدم في ذاتهم قيمتهم كإنسان).
ففي كتاب (الصراع الفكري) أشار بن نبي إلى هذا الجانب الذي عزل الفكر الإسلامي عن الإسهام في صنع العصر بفعل القابلية للاستعمار، فقد أصبح سلوك المسلم في نطاق العصر الحديث في حكم العقل الشرطي كما يحدده بافلوف، أي إنه لا يستطيع توجيه فكره وعمله باختياره طبقا لمقاييس يحددها عقله ويعيها ضميره، وهنا تبدأ الخطة التي يضعها الاستعمار استنادا إلى هذا السلوك الشرطي الذي ينتج عند المسلم بصفة طبيعية جراء الدوافع المتعلقه بغريزة الدفاع عن النفس، وهي الدوافع التي انطلقت من الهجوم الاستعماري في غرة القرن العشرين.
стр. 24
وينتج عن هذه الإيحاءات التي تسلطها على مشاعره من وقت إلى آخر المختبرات الخاصة، أنها ترفع توترات الدفاع عن النفس فوق الدرجة اللائقة حتى يكون الفرد في حالة شاذة، ويمكن أن نقول دون تردد إن هذه الدوافع المنطلقة في حالة غير عادية نتيجة الإيحاءات السلبية هي التي جعلت المسلم فيها منبوذ القرن العشرين، أي الشخص الذي يعيش على هامش المجتمع العالمي.
ويصف بن نبي ما يلاحظ بشأنه فعلا حينما نراقب سلوك المسلم في المناطق الخارجة عن دار الإسلام أو القائمة على حدوده، أي في مناطق الاتصال بعالم الآخرين، نجده يسلك غالبا مسلك المتهم أو المتهم؛ أي مسلك الفرد الذي يعيش خارج المجتمع العالمي في القرن العشرين، وذلك ما يلقي ثقلا على مصيره في الوقت الذي يتقرر فيه مصير العالم بإجماع الإنسانية.
هذه النقطة التي أوردها مالك بن نبي في كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) عام ١٩٦٠ نجد صورتها في الأحداث الحاضرة؛ حيث المراصد الاستعمارية للصرع الفكري منذ بداية القرن الواحد والعشرين استطاعت بفعل القابلية للاستعمار البعيدة عن فهم العالم، وتحليل المرامي الأساسية للدفاع عن النفس، استطاعت المراصد الاستعمارية في هذا الجو النفسي أن تضع المسلم والعالم الإسلامي منبوذا، وفق تعبير بن نبي، بفعل السلوك الخارج عن حدوده، ومثاله ما جرى أو نسب إليه في ١١ أيلول/ سبتمبر، فضلا عن المبادرات الفردية التي تضعه في قفص المراصد الاستخبارية، أعني في قفص المصطلح المتداول (الإرهاب) الذي أصبح قضية في مستوى العالم غطت ما يجري في فلسطين من خطة إسرائيلية هي طابع العنصرية في أقصى درجات العداء للإسلام، هذا الدين الذي هو المرجع الأخير لوحدة الإنسانية.
من هنا نرى بن نبي قد اهتم في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته
стр. 25
بتأسيس بنية الفكر والثقافة كمشكلة حضارة لصلاح العالم الإسلامي، وطوى - على ما يبدو - نهائيا نشر كتابه هذا حول القضية اليهودية، إذ تركه لجيل قادم عسى أن تكون رؤيته قد نضجت في مرحلة ملائمة.
من هنا اهتم قبل وفاته بسنوات ثلاث بدور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين، وذلك عبر محاضراته التي ألقاها في دمشق ونشرت تحت عنوان (مجالس دمشق)، ففي هذه المحاضرات طرح مشكلة العالم الإسلامي في محور طنجة - جاكرتا في بداية السبعينيات، من زاوية تزكي
حضور الجيل المسلم كما سائر القوى والشعوب في صنع الحدث على المستوى العالمي، ذلك أن العالم كله أصبح - كما قال في كتابه (الفكرة الإفريقية الآسيوية) - في مسار واحد نحو المصير، وذلك ما لم يدركه الفكر الإسلامي الذي ما زال مطبوعا بعقد تاريخ الحضارة الإسلامية، وهذا ما حجب عنه النظرة النقدية للتراث التي تفتح أبواب المواجهة لما وراء أكمة السر الخفي؛ الذي حاول فيه طرح المشكلة اليهودية كواقع فاعل في مسيرة العصر.
لقد توفي بن نبي عام ١٩٧٣ وكان كتب مقدمة لنشر كتاب (وجهة العالم الإسلامي) الجزء الأول أكد فيها أن العالم الاسلامي منذ نشر كتابه بالفرنسية في بداية الخمسينيات حتى عام ١٩٧٠ تاريخ تجديد الطبعة الفرنسية، لم يتقدم بأي خطوة يبنى عليها. ولذلك فهو مهدد بالمصير الذي تنبأ به في ختام كتابه الجزء الثاني وهو نهاية العالم الإسلامي.
إن سائر ما عرضناه من أسباب غياب الجزء الثاني من (وجهة العالم الإسلامي) الذي كتبه بالفرنسية والذي نترجمه إلى العربية، سوف يطرح السؤال مجددا بصورة معاكسة: وإذن لماذا نعمد اليوم إلى نشره مترجما إلى العربية؟
في الواقع هذا السؤال مطروح، وقد تداولت مع أصدقائي من تلاميذ
стр. 26
بن نبي، ورأيت إلحاحا في استكمال كامل تراث بن نبي، فهذا الكتاب يكشف عمق خلفية بعض دراسات مالك بن نبي في تحديده لطابع العصر الحديث.
وإذ إن المسار اليهودي في عمق مكونات العقل الأوروبي قد أخذ مداه إلى نهايته، وألقت أوروبا وأمريكا القناع أمام مصير الإنسانية بمثل ما فعل اليهود، وأضحت إسرائيل القوة الكبرى في الشرق الأوسط، وأنزل الستار عن سائر مهازل القرن العشرين في ساحتنا العربية والإسلامية، فإن كتاب بن نبي الغائب أو المغيب لا حرج عليه أن يأخذ مكانه في رواية العصر الحديث، فبن نبي لم يطرح المشكلة اليهودية لمحاكمتها بل لمحاكمة القصور الذي يعبر عنه بالقابلية للاستعمار، أما المشكلة اليهودية فقد عالجها بكل رصانة الباحث وبكل موضوعية واحترام، لقد أدان أذاها الخفي والمعلن في حرب على الحضارة الإسلامية، لكنه قدر في الوقت نفسه مدى فاعلية تخطيطها وتضامنها، هذا التضامن ووحدة الهدف في آليته الدقيقة شأن هام في منطق الفاعلية الذي هو أساس حيوية مشروع بن
نبي في طرح المنهج الفكري.
هذا الكتاب المترجم من الأصل الفرنسي نضيفه إلى السلسلة عملا بالتفويض المعطى لنا في وصية مالك بن نبي ﵀، وعسى أن نكون قد وفقنا في اجتهادنا.
وقد طلبت من صديقنا الدكتور رضوان السيد الكاتب والباحث في الحضارة الإسلامية والعصر الحديث الاطلاع على هذا الكتاب، فتفضل بقراءته وزودنا بكلمة حول هذه الدراسة، فشكرا على مساهمته القيمة.
عمر مسقاوي طرابلس في ٢٠/ ١/ ٢٠١١
стр. 27
هذا الكتاب
رضوا ن السيد
عرفت كتب الأستاذ مالك بن نبي منذ الستينيات من القرن الماضي، وبواسطة الأستاذ عمر مسقاوي ودار الفكر. لكنني ما عرفت هذا النص بالطبع، الذي يقول مترجمه ومقدمة الآن إنه ظل مطويا بالفرنسية بين أوراق الأستاذ مالك بن نبي منذ إنجازه له عام ١٩٥١. ومع ذلك فإن شذراب من الأطروحات المتداولة في الكتاب موجودة عرضا في مؤلفات الأستاذ بن نبي الأخرى، وبخاصة المنشور منها بعد العام
١٩٦٧.
يتضمن الكتاب فكرتين رئيسيتين: أن اليهود عندما تهجروا من إسبانيا مضوا إلى أوروبا الشرقية والعربية قصدا، وأنهم بمقتضى ذلك استطاعوا السيطرة على العالم الحديث الذي ظهرت تكويناته الفكرية والسياسية في القارة القديمة؛ بما في ذلك الرأسمالية الغربية والماركسية الروسية والأوروبية. وقد كان يكتب ذلك والحرب الباردة في بداية عهدها في الحرب الكورية. وهذه الأفكار كانت شائعة ومتداولة في النصف الأول من القرن العشرين. إنما اللافت ليس فكرة السطوة اليهودية القائمة على عالمي الأفكار والمال؛ بل اندراج ذلك في المقولة الكبرى للأستاذ بن نبي بشأن القابلية للاستعمار. وقد شرح ذلك في (وجهة العالم الإسلامي) الجزء الأول، وهو يتابع هذه الرؤية العميقة في هذا الجزء. فبالنسبة له، جاء الاستعمار إلى عالم المسلمين بسبب القابلية له في عالم ما بعد
стр. 28
الموحدين، وهو يمكن أن يذهب في النضال الآسيوي/ الإفريقي؛ لكن الخطر بقاء أو تخليد القابلية للاستعمار، والمشكلة اليهودية العويصة جزء من هذه القابلية، أو يمكن أن تبقى كذلك بسبب اختراق اليهود للغرب والشرق، وحصول الهولوكوست، وأول نتائجه قيام دولة إسرائيل.
إن الأستاذ بن نبي يقدم بهذه الطريقة منهجا لفهم كبريات ما بعد الحرب الثانية، والصراع الرأسمالي/ الشيوعي، وموقف وموقع المسلمين من هذه الأمور، وكيف يمكن الخروج من الاستعمار والقابلية له في الوقت نفسه. ومن هذه الوجهة فإن الكتاب الجديد يستحق القراءة والتقدير. وفي مقدمة الأستاذ مسقاوي إضاءات لا يستهان بها تتعلق بالمنهج والمقاربة، كما تتعلق بالسياق.
стр. 29
مقدمة المؤلف
ليس من المعتاد أن يكتب لقسم ثان من دراسة، مقدمة خاصة؛ لكن قدرا تميز بطابعه الغريب، أحاط بالكاتب، يدعونا إلى أن نتمهل لنكتب مقدمة خاصة لهذه الدراسة، التي استرسلنا بها بعيدا عن حدودها، لنرى أولا إذا كان ما نكتبه يمكن نشره أو أنه لا يمكن نشره.
فالقسم الأول من هذه الدراسة (وجهة العالم الإسلامي) الذي نشر في كانون الثاني/ يناير والقسم الثاني الذي نحن بصدده الآن مختلفان من حيث طبيعتهما. فالقسم الأول يمكن أن يعتبر في العمق اختصارا لدراسة داخلية للعالم الإسلامي، وبالخصوص من زاوية (القابلية للاستعمار)، وهذا قد اقتضى العودة إلى استعراضنا خط تطور العالم الإسلامي من قيام حالة القابلية للاستعمار (عصر ما بعد الموحدين)، إلى قيام حالة الاستعمار حينما استعمرت أوروبا المسيحية البلاد الإسلامية. بالمقابل فهذه الدراسة في القسم الثاني من (وجهة العالم الإسلامي) هي دراسة خارجية مستقبلية تركز على القضية الإسلامية في إطار القضية العامة التي سوف تأتي.
فالأحداث التي مرت عام ١٩٥١ رسمت للإنسانية عاما مفصليا على وجه العموم، وعلى الخصوص للعالم الإسلامي الذي سيأتي، وذلك ما أوحى إلي القسم الثاني من هذه الدراسة، حين أبرزت القضية المراكشية مشكلة وحدة مسار غدت ضائعة وإلى الأبد منذ عهد تخلف العالم الإسلامي.
هذا الحدث الهام الذي برز في ذلك العام قد داهمني، وبالخصوص
стр. 30
على مستوى وجودي الشخصي، واتخذ لسبعة أشهر مضت طابع أزمة لم أعرف لها حلا، وقد فرض هذا كله علي فكرة هذا القسم الثاني من الدراسة كعمل مستقل نسبيا عن القسم الأول من وجهة العالم الإسلامي. لذا رأيت للحظة راودتني أن أعطيها عنوانا خاصا: الطروحات الحدية للإسلام " Les tables modernes de L' Islam" لكن عنوانا كهذا يبدو غير كاف ليشير من ناحية أخرى إلى عمل يستر وراءه الوحدة الأساسية لهذه الدراسة؛ فهذا العنوان بدا لي وكأنما هو طريقة للهروب إلى عنوان جديد لا صلة له بالطابع الخاص للقسم الثاني من الدراسة.
لذا ربما الأوفى أن أخص بالصفحات القادمة جيلا سيأتي؛ يعقب جيلي، لنؤكد لهم وهم بين أنقاض عالمنا، أن عليهم واجب بناء عالم
خاص بهم.
فمصلحتهم لا غنى عنها في هذا القسم الثاني من الدراسة إذا ما وجد رجال الغد في ركام عالمنا بعض المعطيات الأساسية لبناء جديد ..
فالمعطى الأساس الذي سوف تبنى عليه هذه الدراسة، سوف يرشد الجيل الذي يأتي بعدنا بشكل أفضل، حين يعرف أنه ليس عليه أن يفرق
في أوحال أي من خصائص عصرنا الأكثر بروزا وظهورا والأكثر جدلا، بل على العكس من ذلك عليه أن يبني عالمه الروحي الذي يرتكز عليه مجرى عمقه الخفي:
" Ce qui constitue son mystère son cour son d'ombre sur fond cache son arcane ''
هذا الاهتمام هو الذي أتطلع إليه هنا من أجل أن يعلم الجيل الجديد مسبقا أن عليه أن يحرر مستقبله من هذه التركة.
علي أن أشير هنا إلى أن رجل المستقبل سوف يباشر عالمه وقد تجاوز
стр. 31
الاهتمام الذي تمر به سياستنا في هذا العصر كما تجاوز ما نحلم به ونتطلع إليه، أو ما تحققه مقاربتنا العقلية المنطقية، أعني ثقافتنا الأكثر اهتماما بماضينا المجيد من مستقبلنا غير الأكيد.
فالاتجاهات التي أشرت إليها للتطور الإسلامي إنما كانت لمجرد التذكير بها في ضوء الأحداث الجارية.
فالعالم الإسلامي اليوم يواجه، بدون شك، وببطولة وحيوية، وأحيانا بجرأة كبيرة، الاستعمار حيث تلقى هذا الأخير في هذا العام الجاري، عام (١٩٥١)، ضربات قوية ومفاجئة من مصدق والنحاس باشا في الشرق، كما قامت الأحزاب الوطنية في شمال إفريقية بضربات مماثلة، لكن لا نكاد نلمس قضية في هذه السياسة لها اتصال بالجانب الآخر من المشكلة وهي القابلية للاستعمار.
ففي شباط/ فبراير الماضي أبرزت الحوادث في المغرب الطابع الدراماتيكي للموقف البطولي لجلالة ملك المغرب سيدي محمد بن يوسف، لكنه من ناحية أخرى كان محاطا في قصره بالآلاف من رعيته الذين يحركهم الخارج، وتبدو هذه الانتصارات على الاستعمار وفي معيار معين كأنما هي انتصار على القابلية للاستعمار في ظاهرها، وهذا الجانب من الانتصارات يظل في اللاوعي حين يغيب عنها وعيها في نتائجها. مع تطور إدراكنا للمشكلة فالمطلوب إذن أن تصبح هذه الانتصارات في صافي الوعي ليروها انتصارا على مشكلة خاصة جديرة بالمعالجة.
فإذا افترضنا أن العالم الإسلامي، بحكم مسراه المستقبلي، وبغير وعي خاص للمشكلة، لم يعد فعلا (قابلا للاستعمار)، فذلك أمر هام لكنه دون أن يدري، وقد تجاوز المرض، وأصبح في دور النقاهة الأكثر حساسية لمدى الخروج من مرض قاتل، وهنا عليه أن يقيس دائما، وبكل
стр. 32
اهتمام، درجة تحسنه وصولا إلى الشفاء التام حتى لا يقع في انعكاسات خطيرة.
فالانتصارات حين تأتي بحكم المصادفة تجعلنا سعداء حين يزايلنا المرض في شفاء مفاجئ، لكن القارئ يفهم بالتأكيد مدى الغموض في هذه النتائج حين توفرها مصادفة غير مؤكدة وطارئة، أي غير محصنة بمراجعة منهجية لأسباب المرض في مرحلته الاجتماعية.
فالعفوية والتجريبية والعاطفة النبيلة والغضب المقدس؛ ذلك كله, هو طابع السياسة الإسلامية اليوم، كالغضب الذي يبديه مصدق ضد احتلال عبادان، والنحاس باشا ضد احتلال السويس.
وقد تشفى أمراض بأعجوبة عقب غضب كهذا، ولكن متى؟ وكيف؟ هذه مشكلات لا تفرضها التجريبية كما لا تطرحها كمشكلة.
فالعالم الإسلامي سوف يشفى مع الزمن - بدون شك - من قابلية الاستعمار، وغضبته الحاضرة ضد الاستعمار ستساعده بالتأكيد، ولكن كيف؟ ومتى سيشفى؟. إذا لم يبن على وعي منهجي له مقدماته ونتائجه.
أعتقد أن المشكلة طرحت لأول مرة في دراسة نشرتها منذ ثلاثة أعوام تحت عنوان (شروط النهضة)، لكن هذه الدراسة أتاحت لي أن أعتبر بلدي لا يعي مطلقا مرضه حين أعلن عن استنكاره لأنني قلت على وجه التحديد: كي نتخلص من الاستعمار يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار.
فالرفض الذي ظهر من أبناء بلدي أتاح بصورة طبيعية لجانب الميكافيلية الإدارية الاستعمارية دورها حين تحرض مستعينة بغطاء الوطنية، وذلك ما أكد لي أن الجانب العاطفي يقضي على الجانب العقلي في فكر كثير من المسلمين (وهنا أتحدث عن أولئك الذين فوجئوا
стр. 33
ورفضوا فعلا، ولكن هناك آخرون لهم حساباتهم على الأقل في الجزائر).
لكن هذه الاعتبارات التي تمثل القسم الأول من موضوع الدراسة لا تهم القسم الثاني سوى أنها عبء تركة يخلفها عالمنا كمشكلة لعالم يأتي بعدنا.
فاهتمامنا هنا يسوده نوع من الشعور بأن هذا العام ١٩٥١ هو العام الذي يعلن نهاية المرحلة التاريخية للعالم الحديث، وأن جيلنا هو آخر شهوده. فكل شيء في هذه اللحظة يتحدث عن نهاية العالم الحديث الذي عرفه جدودنا وآباؤنا، والذي عرفناه بعدهم ونشرف على مداه الوحيد؛ الذي انتهى إلى كتلتين ليس لهما من غدهما إلا أن تتحطم إحداهما مما يحتم على الجيل أن يبني عالما جديدا.
فنحن أمام هذا الأفق من المستقبل الذي سيصبح فيه جيلنا من الماضي، ولا بد مع ذلك أن ينصرف الاهتمام إلى المساهمة في بناء هذا العالم الذي سيأتي، وأن نشير في الحدود الجغرافية التي هي لعالمنا إلى تلك الفجوات الخطيرة التي نعرفها جيدا؛ إلى ذلك الفراغ الروحي وتلك المباذل الطافية على سطح المجتمع والتي لا بد من إزالتها وتعقيم الأرض منها قبل أن يوضع عليها أسس البناء الجديد. فمن المؤكد أن عالمنا هذا قد وصل إلى نهايته، وحين يطويه المعاد الأخروي فهل سوف يطويه كما انتهى إليه، أو أنه سوف يتاح له بناء نفسه بطريقة أخرى؟
ولكن من أجل أن نبقى في نطاق الكفاءة الإنسانية للأشياء فلنضع جانبا المعاد الأخروي.
ففي أعقاب الحرب القادمة سيكون هنالك واحد من اثتين:
فالعالم الجديد سيكون إما شيوعيا أو رأسماليا؛ واحد منهما لا بد أن يختفي. والأخير هو الذي يحتمل أن يبقى دون الآخر، ولكن كيفما كانت
стр. 34
الشروط الجديدة التي تعقب الحرب فستكون هناك مرحلة وسيطة حيث ستجد فيه عوامل تاريخية نعرفها، وأشياء تشكل أجزاء من عالمنا الحالي لكنها ستمثل نوعا من إرث يرثه عالم سيعقب عالمنا، إنه عالم أطفالنا.
ومن الطبيعي أن جيلنا بقدر ما يعي هذه العوامل والأشياء التي أشرنا إليها فإنه بشيء من استعراض الماضي على ضوء خبرته المأساوية سيكون مهتما بأن يحيط جيل أطفالنا بسائر تجربته. وفي عمل كهذا سوف يلقي بضوء على الأفق لكنه في الوقت نفسه سوف يعرض مستقبل أطفالنا للخطر إذا ما بقي ذلك كله في هامش اللامبالاة فلا يقوم بجد مجمل العوامل المتحولة إليه من عالمنا، لذا نحن نسعى هنا أن نرسم له طريقا حتى لا تجد هذه العوامل مكانا لها في عالمهم.
فعمل كهذا في النتيجة لن يكون بغير فائدة حين يكون فيه ما ينير
سبيلهم.
ليس في نيتي هنا أن ألخص المأساة التي لحقت بالعائلة جراء اهتماماتي في هذا السبيل، فأنا الآن لست قادرا على مواجهتها، فلطالما سردتها في مجال آخر تحت عنوان معبر (العفن) الذي أحاط بحياتي حتى عام ١٩٣٩، فالرؤية ما تزال فصولها تتوالى، ولذا فأنا غير قادر على ختامها المؤلم، لكن من ناحية أخرى ليس من الإفاضة الحديث هنا عما يشكل جزءا من المرتكزات الأخلاقية لهذا العمل.
ولدت في بلد وفي عمر يدرك بوضوح نصف الذي يقال، لكن الذي يقول كلمة حول النصف الثاني سوف يحاكم بكل قساوة. فأنا هنا أكتب لإخوتي القابلين للاستعمار والمستعمرين في الجزائر، لكن إخوتي لم يفهموا أفكاري حين عرضتها بفاعلية، وهكذا سببت لهم نوعا من الشعور بالإهانة والرفض ضد مصطلح القابلية للاستعمار وحده.
بكل أسف الاستعماريون فهموني بالنصف الآخر من كلمتي، ونلت
стр. 35
منهم ما أستحق؛ فأنا في أعينهم لا أسب استعمارهم بل أقتله وهو داخل البيضة، أخنقه في جذوره التي تمتد في مساحة القابلية للاستعمار.
في بداية مهمتي منذ عشرين سنة لم يكن في حسابي بكل تأكيد أن تمنحني الإدارة الاستعمارية المساعدة لأحاربها، لذا لم أضع في الحساب سوى هؤلاء الذين هم إخوتي، أولئك الذين اتخذوا في محاربة الاستعمار مهنتهم أمام الجمهور. هؤلاء رفضوا كل مساعدة لي، بل على العكس حاربوني بالأسلحة نفسها التي تحاربني بها الإدارة الاستعمارية، وهذه ليست سوى إشارة لها دلالتها، ومع ذلك فالحكم على فكرتي وجهدي وعملي موقع علنا بمئة من مواطني ومئة من العلماء ومئة من منقذي البلاد.
فالاستعمار كثير الحذر من الأفكار، ويعرف مدى قوة الفكرة حينما يواجه خططه بالقوة، لكن القلق لا يعتريه ما دامت القابلية للاستعمار هي نفسها تعمل في ظروف مماثلة، فمع ظهور كتاب (شروط النهضة) لم تقم الإدارة بمصادرة الكتاب، بل منعت كتابا آخر ظهر في الوقت نفسه وكان للناشر نفسه الذي نشر كتابي. لقد كان ذلك تفريقا في المعاملة بين الكتابين له دلالته، لأن جمعية الطلبة في الجزائر تولت هي المهمة حين حكمت على كتابي وطنيا عبر بيان منفصل نشر في الصحافة التقدمية، أما جمعية العلماء في الجزائر فقامت من جهتها بالتقليل من قيمة الكتاب. وهكذا أصبحت الإدارة تربح الجولة بغير تعب، ومن جهة أخرى فالكاتب خسر المعركة بغير سلاح، ولكن ...
هكذا في بضع كلمات (حيث أنا في هذا العام ١٩٥١، وبالرغم مما ألحقت بعائلتي من مأساة، أراني أضع حلا للمأساة العالمية التي سوف تظهر عقب الحرب العالمية الثالثة القادمة إذ بين المأساتين علالا أكيدة).
ففي حياة تتخذ من الواقع طابعا استراتيجيا فإن المشكلات فيها تأخذ
стр. 36
في اللحظة نفسها نظاما استراتيجيا يحاول الفكر من خلاله احتواء المشهد كواجب ذي طبيعة مختلفة تفرض حضورها كاهتمام هو الأفضل مما يحيط بي من مشكلة خاصة أجهل على أي خطة أو اتجاه وضعت حلولها. ومنذ أن يجهل المرء على أي خطة واتجاه وضعت مشكلته الخاصة فإن واجبات ذات طبيعة مختلفة تفرض على ضميره. وهكذا رسمت حدودا لقضية يمليها الضمير من خلالها يحاول فكري احتواء المشهد باعتباره الحل الأفضل لاهتماماتي واهتمامات الأبرياء المساكين.
ففي اللحظة التي أتولى كتابة هذه الصفحات أشعر بنظرتين صامتتين مؤلمتين ترمقان عملي؛ نظرة والدي العجوز التي تهزني حين لا يجد عنده حتى قطعة خبز يواجه بها عجز أيامه؛ مشفوعة بنظرة ابن أختي الطفل الذي لا يجد خبزا يتبلغ به، وذلك عقابا لي جزاء ما أقوم به من دراسة كهذه.
فالله يعلم كم لهذه الكلمات البسيطة من دلالة في الحقيقة. وأنا حينما أخط هذه السطور أضرع إلى الله؛ أن يوفقني لقول الحقيقة كاملة دون تورية ولا تلميح. وهنا فالشيء الذي أستطيع أن أؤكده ولا أخاف أن يكذبني أحد هنا أمام الناس وأمام الله؛ أنني المسلم الوحيد في هذه اللحظة الذي يحاول أن يترك للجيل الذي سيأتي مفتاح ما يخفي الغرب من استبطان طبع عالمنا هذا الذي من حولنا، وغير عابئ بما يثقل كاهله
من عائلة فيها عجوز وطفل.
وحينما أستعمل عبارة الاستبطانوية هذه لمسيرة الغرب؛ فلست أعني هنا المعتقد الديني الغيبي الملازم للأشياء التي صنعت العالم الحالي، بل هو ذلك السر الخفي نفسه الذي يظهر ظلا لبعض الرؤى، إنما لا يشف عن حقيقته، ومن المؤسف أن غبش رؤية ما سوف أشرحه في هذا القسم الثاني يتجلى خيالا في حالات معينة أو يمنحها في حالات أخرى تفسيرا
стр. 37
ناقصا. ففي هذا اليوم مثلا هناك محادثات تدور في باريس بين ممثلين تونسيين والحكومة الفرنسية. وإذ الصحف - كصحيفة الجمهورية الجزائرية - (تسرد الحديث) فإنها تنشره كما يلي: (النقاش يجري في المحادثات، وبعض أعضاء الحكومة الفرنسية منفتحون نحو حل بالطرق الدبلوماسية، بينما الوزير رينه ماير يبدو وكأنما يضبط لجام المحادثات لأنه إلى جانب الحل المتشدد).
هكذا نجد أنفسنا أمام إعلام لا يفي بإعطاء فكرة شاملة عن الموضوع؛
فالصحفي هنا يروي المفاوضات وليس لديه المعيار العام لتقويم ما يجري، بل يكتفي بالجانب البسيط من المناقشة. ثم الصحفي نفسه وهو يروي مقتل لياقت علي خان الرئيس الأول لدولة باكستان سوف يعتمد على تقارير السلطات الغربية بالقول إن الحادث غير إجرامي، فهنا نحن أمام تفسير غير صحيح لكنه يعبر تماما عن واقع نخبتنا الذين يجهلون ما يستبطن الظاهر من عالمنا الحضاري الراهن.
فلو أن قليلا من إدراك بعض نخبتنا لهذا الغور من خفي ما تبدي الأحداث، فإن موت لياقت علي خان هو على العكس من ذلك خسارة قاسية للقوى الغربية وبالخصوص بريطانيا.
وحينما تقوم الحكومة الإيرانية باحتلال شركة الأنكلو أوبل كومباني (١) تبدي صحافتنا الدهشة؛ لأن الوثائق تثبت أن علاقات الشركة بإسرائيل في حدودها الضيقة.
فهذه الدهشة تثبت أن نخبتنا لا تعرف أن الأنكلو إيرانيان ليست مملوكة في الواقع من بريطانيا بل من إسرائيل كما سوف يفهم من الصفحات التالية.
стр. 38
فنخبتنا إذن تعيش عالما لا تعرف منه غير المظاهر، فكيف لنا ونحن في هذا الموقف على سطح الأحداث ألا نرشد الجيل الذي سيأتي بعدنا ونضعه في عمق واقع عالمنا؟
إن هذا الجيل الذي سيخلفنا سيكون في أمس الحاجة إلى معطيات أكثر جدية من عالمنا حين يقوم حجم التركة التي يرثها وقد خلفناها له وراءنا.
استنادا إلى هذا التفصيل فمن الواجب - فيما يخصني - أن أفكر بهذه المسؤولية.
أريد في هذا العمل أن أترك بعض الدلالات والمؤشرات حول عصرنا المادي هذا الذي يلقي بظله على الكلمات فيجرف معه مدلولاتها حين نعبر بها عن أهدافنا في هذه الدراسة.
إن كلمة (VOCATION) يمكن لدلالتها أن تفيد من روح عالمنا شيئا من مرحلة دموية تفتح الطريق إلى ما لا أعرف من إيديولوجية مشكوك فيها.
لكن الكلمة تعبر عن روح القرآن الكريم، فالعدة ليست في السلاح المادي بل العمل الدائم المتواصل المستمر. فالحديث عن وجهة الإسلام (VOCATION) من شأنه رسم طريق نوعية مفضية إلى مكتسبات ونتائج أخلاقية.
وإذا عرف أبناؤنا كيف يتسلحون بالفكرة القرآنية فإنهم سيحملون في النهاية أشرف مهمة (١).
إنها لا تجنح إلى القتل والدمار، لأنه ليس من مهمتها السيطرة على الناس بل الظفر باحترامهم.
стр. 39
القسم الأول
لغز العصر الحديث وما يستبطن
стр. 40
الفصل الأول
اليهود والحضارة الأوربية
أولا: السر الخفي للعالم الحديث
لكي نفهم عالما ما لا يكفي أن ندرسه في مظاهره البادية فحسب، بل من خلال روحه التي تتوارى خلف مظاهره الرائجة، التي تبدو كمصباح سحري خفي يسقط شعاعه على شاشة التاريخ صورا معدة سلفا.
ما يهم الناظر هو ذلك الذكاء واليد التي تبدع هذا التاريخ الاصطناعي المزيف، والتي تكمن خلف هذا التاريخ وهي سبب نتائجه. إنها القوة التي تقود إلى مضاعفة المظاهر، التي نبادر لدرسها في وحدة أساسية تحزمها، لا تراها العين الذكية المدققة، لذا فهي عصية على من لا يعرف كيف يفكر فيها.
فهذا العالم قد أبدع العصر الحديث في تنوعاته المتسارعة والتي برزت في آلاف المظاهر المفاجئة: الديمقراطية. الشمولية. الرأسمالية. الماركسية. العبودية الشخصية. الاسترقاق. العمل الجماعي. الاستعمار. إعلان حقوق الإنسان. نظام الإنديجانا.
ولكن ... هل ثمة شيء ما خلف هذه العناوين وما توارد من هذه المظاهر؟
هل ثمة حقيقة ما تبدو خلف الكلمة نفسها (العالم الحديث)؟