في اللحظة نفسها نظاما استراتيجيا يحاول الفكر من خلاله احتواء المشهد كواجب ذي طبيعة مختلفة تفرض حضورها كاهتمام هو الأفضل مما يحيط بي من مشكلة خاصة أجهل على أي خطة أو اتجاه وضعت حلولها. ومنذ أن يجهل المرء على أي خطة واتجاه وضعت مشكلته الخاصة فإن واجبات ذات طبيعة مختلفة تفرض على ضميره. وهكذا رسمت حدودا لقضية يمليها الضمير من خلالها يحاول فكري احتواء المشهد باعتباره الحل الأفضل لاهتماماتي واهتمامات الأبرياء المساكين.
ففي اللحظة التي أتولى كتابة هذه الصفحات أشعر بنظرتين صامتتين مؤلمتين ترمقان عملي؛ نظرة والدي العجوز التي تهزني حين لا يجد عنده حتى قطعة خبز يواجه بها عجز أيامه؛ مشفوعة بنظرة ابن أختي الطفل الذي لا يجد خبزا يتبلغ به، وذلك عقابا لي جزاء ما أقوم به من دراسة كهذه.
فالله يعلم كم لهذه الكلمات البسيطة من دلالة في الحقيقة. وأنا حينما أخط هذه السطور أضرع إلى الله؛ أن يوفقني لقول الحقيقة كاملة دون تورية ولا تلميح. وهنا فالشيء الذي أستطيع أن أؤكده ولا أخاف أن يكذبني أحد هنا أمام الناس وأمام الله؛ أنني المسلم الوحيد في هذه اللحظة الذي يحاول أن يترك للجيل الذي سيأتي مفتاح ما يخفي الغرب من استبطان طبع عالمنا هذا الذي من حولنا، وغير عابئ بما يثقل كاهله
من عائلة فيها عجوز وطفل.
وحينما أستعمل عبارة الاستبطانوية هذه لمسيرة الغرب؛ فلست أعني هنا المعتقد الديني الغيبي الملازم للأشياء التي صنعت العالم الحالي، بل هو ذلك السر الخفي نفسه الذي يظهر ظلا لبعض الرؤى، إنما لا يشف عن حقيقته، ومن المؤسف أن غبش رؤية ما سوف أشرحه في هذا القسم الثاني يتجلى خيالا في حالات معينة أو يمنحها في حالات أخرى تفسيرا
стр. 37
ناقصا. ففي هذا اليوم مثلا هناك محادثات تدور في باريس بين ممثلين تونسيين والحكومة الفرنسية. وإذ الصحف - كصحيفة الجمهورية الجزائرية - (تسرد الحديث) فإنها تنشره كما يلي: (النقاش يجري في المحادثات، وبعض أعضاء الحكومة الفرنسية منفتحون نحو حل بالطرق الدبلوماسية، بينما الوزير رينه ماير يبدو وكأنما يضبط لجام المحادثات لأنه إلى جانب الحل المتشدد).
هكذا نجد أنفسنا أمام إعلام لا يفي بإعطاء فكرة شاملة عن الموضوع؛
فالصحفي هنا يروي المفاوضات وليس لديه المعيار العام لتقويم ما يجري، بل يكتفي بالجانب البسيط من المناقشة. ثم الصحفي نفسه وهو يروي مقتل لياقت علي خان الرئيس الأول لدولة باكستان سوف يعتمد على تقارير السلطات الغربية بالقول إن الحادث غير إجرامي، فهنا نحن أمام تفسير غير صحيح لكنه يعبر تماما عن واقع نخبتنا الذين يجهلون ما يستبطن الظاهر من عالمنا الحضاري الراهن.
فلو أن قليلا من إدراك بعض نخبتنا لهذا الغور من خفي ما تبدي الأحداث، فإن موت لياقت علي خان هو على العكس من ذلك خسارة قاسية للقوى الغربية وبالخصوص بريطانيا.
وحينما تقوم الحكومة الإيرانية باحتلال شركة الأنكلو أوبل كومباني (١) تبدي صحافتنا الدهشة؛ لأن الوثائق تثبت أن علاقات الشركة بإسرائيل في حدودها الضيقة.
فهذه الدهشة تثبت أن نخبتنا لا تعرف أن الأنكلو إيرانيان ليست مملوكة في الواقع من بريطانيا بل من إسرائيل كما سوف يفهم من الصفحات التالية.
стр. 38
فنخبتنا إذن تعيش عالما لا تعرف منه غير المظاهر، فكيف لنا ونحن في هذا الموقف على سطح الأحداث ألا نرشد الجيل الذي سيأتي بعدنا ونضعه في عمق واقع عالمنا؟
إن هذا الجيل الذي سيخلفنا سيكون في أمس الحاجة إلى معطيات أكثر جدية من عالمنا حين يقوم حجم التركة التي يرثها وقد خلفناها له وراءنا.
استنادا إلى هذا التفصيل فمن الواجب - فيما يخصني - أن أفكر بهذه المسؤولية.
أريد في هذا العمل أن أترك بعض الدلالات والمؤشرات حول عصرنا المادي هذا الذي يلقي بظله على الكلمات فيجرف معه مدلولاتها حين نعبر بها عن أهدافنا في هذه الدراسة.
إن كلمة (VOCATION) يمكن لدلالتها أن تفيد من روح عالمنا شيئا من مرحلة دموية تفتح الطريق إلى ما لا أعرف من إيديولوجية مشكوك فيها.
لكن الكلمة تعبر عن روح القرآن الكريم، فالعدة ليست في السلاح المادي بل العمل الدائم المتواصل المستمر. فالحديث عن وجهة الإسلام (VOCATION) من شأنه رسم طريق نوعية مفضية إلى مكتسبات ونتائج أخلاقية.
وإذا عرف أبناؤنا كيف يتسلحون بالفكرة القرآنية فإنهم سيحملون في النهاية أشرف مهمة (١).
إنها لا تجنح إلى القتل والدمار، لأنه ليس من مهمتها السيطرة على الناس بل الظفر باحترامهم.
стр. 39
القسم الأول
لغز العصر الحديث وما يستبطن
стр. 40
الفصل الأول
اليهود والحضارة الأوربية
أولا: السر الخفي للعالم الحديث
لكي نفهم عالما ما لا يكفي أن ندرسه في مظاهره البادية فحسب، بل من خلال روحه التي تتوارى خلف مظاهره الرائجة، التي تبدو كمصباح سحري خفي يسقط شعاعه على شاشة التاريخ صورا معدة سلفا.
ما يهم الناظر هو ذلك الذكاء واليد التي تبدع هذا التاريخ الاصطناعي المزيف، والتي تكمن خلف هذا التاريخ وهي سبب نتائجه. إنها القوة التي تقود إلى مضاعفة المظاهر، التي نبادر لدرسها في وحدة أساسية تحزمها، لا تراها العين الذكية المدققة، لذا فهي عصية على من لا يعرف كيف يفكر فيها.
فهذا العالم قد أبدع العصر الحديث في تنوعاته المتسارعة والتي برزت في آلاف المظاهر المفاجئة: الديمقراطية. الشمولية. الرأسمالية. الماركسية. العبودية الشخصية. الاسترقاق. العمل الجماعي. الاستعمار. إعلان حقوق الإنسان. نظام الإنديجانا.
ولكن ... هل ثمة شيء ما خلف هذه العناوين وما توارد من هذه المظاهر؟
هل ثمة حقيقة ما تبدو خلف الكلمة نفسها (العالم الحديث)؟
стр. 41
كل امرئ يعرف عندما نسمي عالما حديثا أن هنالك ظاهرة اجتماعية ولدت وسرير ولادتها (أوروبا)، أما تاريخ ولادتها فذلك ما أطلق عليه اسم النهضة الأوروبية (La Renaissance) ، وهنا يمكن أن نسميها (الحضارة الأوروبية المسيحية).
وهكذا يتحدث التاريخ الرسمي المعتمد.
ولكن يبقى لنا السؤال في النهاية: هل هذه الهوية هي أصلية (Authentique) في العمق؟
هل هي الحقيقة كما هي بادية في مظهرها أم لها جذور في موطن لها؟
هنا نشير إلى ما كتبنا من قبل في (شروط النهضة)، فالأحداث الكبيرة لها ولادتان: ولادة تطابق الظاهرة النفسية، وولادة كطابق زمنيا معها.
بالنسبة للمؤرخ فالتوقيت الزمني هو الذي يأخذه بعين الاعتبار، لأنه ينظر إلى الحدث في تسلسله التاريخي. أما عالم الاجتماع والفيلسوف فالتوقيت النفسي هو الذي يأخذه بعين الاعتبار؛ لأنه يشير إلى الحدث في تسلسله السببي.
وهنا لا نقف كثيرا عند ولادة العالم الحديث الذي نسميه النهضة الأوروبية (La Renaissance)؛ لأن الذي يهمنا هو معرفة أي حلقة من التسلسل السببي كانت الولادة.
إن أوروبا هي مهد العالم الحديث، لكن الحدث الرئيسي لكلمة أوروبا في التاريخ هو وصول اليهود إليها كشخصية مستقلة عن الفكرة المسيحية، وهي التي سيطرت على سائر تسلسل حضارتها كما سوف أثبت في الصفحات التالية.
لكي ننطلق من نقطة تكشف لدراستنا فهم تطور العالم الحديث؛ علينا
стр. 42
أن نبدأ من مرحلة تيه الشعب اليهودي (الدياسبورا الشهيرة) وقد انطلق فيها الشعب اليهودي نحو البلاد الأوروبية عقب هدم الهيكل في القدس.
لم يسأل أي مؤرخ: لماذا أخذ الشعب اليهودي هذا الاتجاه دون سواه؟ علما أن الاتجاه نحو آسيا هو الأجدى والأجدر والأوفر لأسباب بادية؛ فاليهود ينتمون من حيث الجنس إلى أصل شرقي، ثم إن الرخاء التجاري والحضاري يحتم اختيار الانطلاق نحو مدن تتلاقى فيها عقدة الطرق التجارية والعالمية، كما هي حركة الانتقال بين الشعوب لألفي عام بين الهند والصين، وهذه الطرق تتلاقى حين تمر بالضرورة عبر الشاطئ اليمني
- الطريق البحري -أو عبر فارس وآسيا الوسطى عبر خطوط القوافل.
هذه العوامل تجعل اليهود من سائر الوجوه يتجهون نحو الشرق وليس نحو الغرب.
لكن اليهود أداروا ظهورهم لذلك كله، وقادوا خطاهم نحو بلاد أوروبا الفقيرة غير المتحضرة (geallo-romaine) (الرومانية) رغم قساوة المناخ الذي لا يرحم طفلا ولد وتأقلم في بلد حار.
هذا الاتجاه المناقض لمنطق الأمور لا يمكن تفسيره من زاوية ما عرضنا من التساؤلات التي تبنى على واقع عصر مضى، ويظل من دون ذلك حدثا يلقي على تلك النقطة المظلمة شعاعا واحدا؛ إنه الطريق الذي خطه شاؤول الذي أصبح فيما بعد القديس بول.
لقد ترك دمشق حين طلب إليه أبوه - وهو ربي كبير - التوجه نحو الشرق لتعليم الأمم، لكننا نرى في كتاب الأعمال أن القديس بولس أدار ظهره بصورة نهائية لبلاد الشرق، وحول رفيقه في خطته الكهنوتية التي كان قد أعدها، ثم ولى وجهه نحو الغرب ليبشر بالمسيحية.
نحن هنا أمام إرادة نهائية للقديس؛ هي أن يحتفظ لشعب أوروبا بتعليم
стр. 43
المسيحية، وعبر هذه الإرادة نجد أنفسنا وقد تلاقى الطريقان وتطابقا بإحكام: طريق الدياسبورا اليهودية وطريق الفكر المسيحي.
لكن هذا الاتجاه في ظاهره يبدو غير مفهوم، ولذا يطرح سؤالا هاما يتعلق بالرسالة الكهنوتية (ووصية السيد المسيح: هلموا تلمذوا الأمم). فلماذا لم يشأ القديس بولس إذن أن يدعو ويتلمذ الأمم في الشرق؟ ليس لهذا السؤال تفسير تاريخي سوى تفسير واحد لا علاقة له بتكون المسيحية (sa genèse) بل بالمحطة التاريخية لنهاية هذا المسار الذي اتجه إليه القديس بولس، وأنهى أن تكون أوربا هي مهد رسالته الكهنوتية والتي عبرها أصبحت روما مسيحية.
وإذا اعتبرنا العصر الحديثه نتيجة سببية لنشوء أوربا، أو هي مهد نشأته، فإن أوربا في ولادة هذا العصر، لم تكن كما وجدها اليهود قبل
ألفي عام، حين كانت في حالة تخلق ونشوء أولي، بل كانت في كامل
حضورها كما هي اليوم.
وال ذي شذ عن النظر الدقيق هو أن أوروبا اليوم في حيويتها الثقافية والسياسية والمادية تدور حول مركزية اليهود.
فهناك حركة مفصلية أساسية تشكل رافعة دافعة ترسل أو تمسك بالحركة لتسير كما ينبغي وبالاتجاه الذي يجب، فتأثير اليهود في الحضارة
الأوروبية هو الأكثر بروزا في عملها وسماتها: إنهم عقلها وروحها. ففي البلاد الأوروبية نرى الأسماء الأكثر بروزا هي لليهود في ميادين:
البنوك والتجارة والصناعة والمسرح والصحافة والأدب. فسائر النجوم الوطنية البارزة للبلاد هم - بما لا يقبل الجدل - إما
يهود أو متحدرون من أصل يهودي.
فمن الفرنسي الذي لديه قليل من الثقافة لا يعرف برغسون المفكر
стр. 44
الأكبر لفرنسا المعاصرة؟ أو أندريه موروا الكاتب الأبرز؟ أو سارا برنار الأكثر تراجيدية؟ أو مدام كوري التي كسفت شهرة عقلها العملي شهرة
زوجها الذي لم يكن يهوديا؟
ثم في نطاق المال؛ فإن روتشيلد (ذلك المحسن الأكبر) هو المرجع وكذلك شنيدر، وسيتروين التي هي من المؤسسات الصناعية الأكبر، وكذلك رينيه ماير أو (Moch) الذين هم من الوزراء الأكثر شهرة في فرنسا في العصر الحاضر، وكذلك ستافسكي المحتال الأكبر صاحب الفضيحة المالية التي وضعت مالية فرنسا في الحضيض، وأسقطت الحكومة، ومع ذلك فما نشير إليه ليس سوى قائمة مختصرة.
هكذا نرى أمامنا قائمة من القيادات اليهودية في مختلف المواقع والميادين لها دلالتها ومعناها، وأنا هنا أشير إلى المشهورين، وأتجاوز الحديث عن الآلاف التي تترافق بالضرورة مع الانتشار المتسارع لليهود، ويأتي في المقدمة الإنتاج السينمائي والصحف الكبرى (Le Monde -France presse-Combat) والمؤسسون كلهم يهود.
هذا الاستعراض الواسع يبدو للنظر غريبا في طبيعته في بلد ليس يهوديا، لكن شيئا يبدو لي أكثر غرابة؛ هو أن الفرنسي من سائر الطبقات يجد ذلك شيئا طبيعيا له دلالة الاعتراف بتقدم اليهود في بلده، بل أكثر من ذلك فالفرنسي مستعد للموت بدافع الشعور الوطني، لترسيخ هذا التقدم إذا ما داهمه خطر كاحتلال الألمان لفرنسا من عام ١٩٤٠ - ١٩٤٤ مثلا.
هذه النقطة التي أشير إليها هنا كدراسة خارج حياة فرنسي هي هامة على الخصوص من وجهة نظر داخلية، أي كحالة نفسية تخص الفرنسي في غرابتها.
وهذه الحالة تبدو أحيانا حالة استبطان، أو هي حالة انفعال خاص كتلك التي عبر عنها (J.Maritain) هذا الكاتب الكاثوليكي الكبير، إذ تحدث بعبارات عالية عظيمة الدلالة أمام شاب فرنسي متهم بالعداء
стр. 45
للسامية، فصرخ أمامه هذا الكاتب الكبير: لقد أمضيت ثلث عمري على أقدام يهودي مضرج القلب (يقصد السيد المسيح).
هذه الصرخة تعري الواقع، ونرى كيف يقضم اليهودي الروح الفرنسية، لكن الانتشار اليهودي ليس خاصا بفرنسا؛ فالانتشار هنا يعبر عن حالة الأشياء التي تسمى الحضارة الغربية.
ففي إنكلترا يبدو الانتشار اليهودي أكثر دلالة في الماسونية، ورئيسها الملك يطلق عليه اسم غامض الدلالة (الفارس القدوس). وهنا يبدو الجذر العبري للكلمة وفيه كل خفايا اليهود في الحياة الإنكليزية.
ثم إن نائب الملك في الهند ما بين عام ١٩٢٠ - ١٩٢٥ كان هو نفسه يهوديا يتمتع بلقب لورد ريدينغ (Lord Reading) ، ثم هناك من كبار
وزراء الإمبراطورية البريطانية وهو بكل حال ليس دزرائيلي ذلك اليهودي
الذي وقف في مجلس العموم البريطاني وهو يمسك بيده المصحف ويقول: (لن يكون سلام في العالم ما دام هذا الكتاب موجودا).
وكما هو الأمر إذن في فرنسا فكذلك في بريطانيا؛ كبار القادة والماليين والصناعيين والأكبر اختصاصا في الطب، ثم إن الخياط
الأفضل في بريطانيا هو بصورة طبيعية يهودي.
ذلك كله يعبر عن تطابق حالة الشيء مع حالة النفس كما نراه في فرنسا وإنكلترا، وربما كانت هذه الحالة في إنكلترا هي الاتهام الأكبر في هذا السبيل، لأن الحرب الكبرى ١٩٣٩ - ١٩٤٣ لم تقم دفاعا عن سلام الإمبراطورية، بل قامت دفاعا عن اليهود الذين يضطهدهم هتلر فحسب.
وهكذا نرى في هولندا الحالة نفسها في انتشار اليهود كما في أمريكا، ويكفي القول إن هذه البلاد أصبحت ملجأ ليهود العالم، كما أن الذين تركوا البلاد التي ولدوا فيها لسبب أو آخر قد استقبلتهم أمريكا بانفتاح فأينشتاين الذي طرده هتلر من الجامعة الألمانية استقبل من قبل (Princeton).
стр. 46
وكذلك (Wall Street) حيث سيطر الدولار في العالم الحاضر هي يهودية كما هي (City) في إنكلترا. فقد خيم اليهود في أمريكا على مساحة السلطة السياسية في الممارسة العملية، فيما تركت الواجهة لروزفلت وسواه، واليوم تدار السياسة الأمريكية عبر يهودي (Bariel).
فاليهودي لا يقتصر على عمل واحد، بل تبدو أعماله كمن مل وضجر من نجاحاتها كلها وخلفها وراءه ولم يترك أيا منها تملأ هوايته، فهو لا تقوده أيما رغبة يحط عندها اهتمامه، بل هو هاو لكل شيء. فاليهودي مناخم يجول في سائر العواصم، كأكبر موسيقي للكمان في العالم الحديث والقديم حتى (Max Boer" الذي ألقى برصانته أرضا في حلبة لعبة البوكس (Box) ليحظى بها بلقب بطل العالم.
لكن ما يهمنا من كل هذا ذاك الأمريكي الذي هو كابن عمه الأوروبي
يقبل الموت من أجل الدفاع عن التقدم الذي يقوده اليهودي المؤثر بقوة في أعلى درجات التقدير (Prééminence) في الحرب العالمية الثانية التي انتهت لمصلحته.
وأخيرا، لكي أسوغ أطروحة هذا الفصل فقد تحدثنا في أول مقاربتنا
عن إلقاء القنبلة الذرية في صحراء المكسيك الجديدة.
لقد قدم العلماء الطبيعيون والرياضيون، كل من جانبه، الإسهام في صنع القنبلة الذرية، لكن بقي عليهم تجربتها. وتجربة كهذه هامة بدون شك، وتتطلب اسم العالم الذي يحوز شرف استحقاق نجاحها. ومن ضمن كوكبة سائر العلماء الذين ساهموا في صنع القنبلة الذرية، الذي نال شرف الدرجة العليا (Prééminence) في تجربة القنبلة هو اليهودي أوبنهايمر.
من هنا فإن حالة الأشياء هذه والحالة النفسية التي أشرنا إليها كانتا تشكلان في البلاد الأوروبية كلمة واحدة - الحضارة المسيحية.
стр. 47
لذا علينا أن ندرس بعمق العلاقة الضيقة بين الحضارة المسيحية والعبقرية اليهودية، وما ندرسه من الآن فصاعدا ليس سوى النتيجة التاريخية البعيدة للفترة التي فيها اتجه المسار اليهودي نحو أوروبا.
وحينما نعود إلى زمن بعيد نستطيع الوقوف على الأسباب الأكيدة التي بها تركزت خصائص الحالة التي تميزت بطابعها المادي كما في طابعها النفسي ووجهت خطا إسرائيل نحو أوروبا دون الاتجاه نحو آسيا. وهذا التأكيد يبدو لنا أكثر منهجية، فقد أضحت هذه الخصائص مترابطة جيلا بعد جيل نتيجة لمنطق ثابت، ويبقى علينا تقييم آليته الخاصة عبر اليهود في
مدى ألفي عام من حياة أوروبا التي تبدو نتائجها في كل ما يجري اليوم من رد فعل في الشرق وفي فلسطين.
في الصفحات التالية سوف نكشف بصورة أعمق الأسباب التي اجترحت المأساة الفلسطينية والتي بها يعيد الفلسطينيون ممارسة دور فلسطين القديم.
كيفما كان الأمر علينا في البداية أن نشير، إلى أن الشعب اليهودي لم يكن مخدوعا، حينما أدار ظهره لعقدة الطرق الآسيوية المزدهرة في العالم القديم، واتجه نحو فقر أوروبا، وكان ذلك كله هو المصير النهائي للشتات. لذا، ومن أجل المعنى التاريخي للمرحلة اليهودية في أوروبا، علينا أن نعود إلى ذلك المسار جنبا إلى جنب أي إلى ألفي عام من التاريخ لتكتشف في داخلها سبب هذه المرحلة.
ثانيا: معنى ومفهوم اتجاه الشتات اليهودي نحو أوروبا
إن مرحلة استقرار الشعب اليهودي في أوروبا مع بداية العصر المسيحي
هي في الواقع خيار بين الرجل الأوروبي والرجل الشرقي.
وإذا نحن قومنا النجاح الاستثنائي لليهود في إقامتهم الجديدة - كما أشرنا - فهم لم يكونوا مغررا بهم أو مخدوعين في هذا الخيار؛ وذلك
стр. 48
يعود لطبيعة الرجل الأوروبي المتفتح. فالخيار المشترك الذي أشرنا إليه قد
مكن لليهود القادمين ما لم يكن مألوفا في الشرق؛ إذ جاؤوا إلى أوروبا مشتتين منبوذين غير فاتحين، لكن الشعب الأوروبي أوسع لهم الإقامة والضيافة، وغدوا في النهاية هم المسيرين الحقيقيين للعمل الأوروبي والثقافة والسياسة والحياة الاقتصادية.
فالذي توافر لليهود في أوروبا لم يكن متوافرا لهم في البلاد الآسيوية،
ما دام اليهود في مصر الفرعونية والإمبراطورية الآشورية يعيشون شروط المنبوذين والعبيد، وفي هذا كله لا يوجد أي نتائج سلبية في النهاية: فاليهودي - بكل بساطة - لا يريد أن يستعيد تجربة آبائه العبيد في آسيا
وفي مصر.
لكن النجاح البالغ والعقلية الإيجابية جدا لليهود في أوربا قد تركا لنا قرينة أخرى مفادها أن هذا الاختيار له أسباب تسوغه هي أكثر إيجابية،
وهي مبنية على معرفة أبعد غورا بالرجل الغربي في أوروبا - ففي ذلك
العصر كانت آسيا هي الحضارة والإمبراطورية، على عكس ما كانت عليه أوروبا، مع أن أوروبا عرفت الحضارة عبر اليونان، وكذلك في عصر الرومان، لكن الحضارة الأولى لم تكن سوى مساحة شريط ضيق على شاطئ المتوسط هو مجرد انعكاس للحضارات الآسيوية القريبة. أما الحضارة الثانية فكانت لا تشكل كما الأولى سوى مساحة ضيقة للمجال الروماني والشمال السلافي البربري.
فالرجل الغربي؛ مع أنه منفتح لسائر الحضارات المحيطة به، إلا أنه كان لا يزال ابن نشأته الأولى (frustre) ؛ فظا في توحش السلوك بغير ثقافة ولا ماض.
أما الرجل الشرقي فهو من جانب رجل رشحت إليه تقاليد الثقافة القديمة وأفكارها فمازجت سلوكه، وهو من جانب آخر ناضج يتأقلم مع
стр. 49
التحولات، عجين إنساني بكر، ولديه استعداد العجين لتقبل كل شكل يحتويه. وهو عجين يخبز ثم يعاد خبزه مجددا في أفران مختلف الحضارات والتي تتابعت في الشرق الأوسط القريب. هنا يتجلى سبب إيجابي رسم الطريق لإسرائيل في هجرتها الجماعية. لكن في كلتا
الطبيعتين الانسانيتين اللتين أشرنا إليهما؛ كانت إحداها للشرق والأخرى للغرب، وهذا يعني تباينا بينهما أكثر عمقا، فكل منهما له طبيعته الذاتية.
فالشعب اليهودي له خصوصية معروفة جدا ولها موقعها في علم النفس الإنساني، وخياره قد وجد مساحته كاملة في العجين الرخو البادي في طبيعة الأوروبي، وهذا هو السبب الأكيد في خيار لا محل له في طبيعة
الشرقي على الخصوص، فالرجل الشرقي يعيش روحه وفكره وينظر إلى
علاقاته مع الآخر من فكره.
إنني أعرف الاعتراضات التي سوف يسوقها القارئ، الذي يفاجأ بهذا التقويم في عصرنا الحاضر. فهذا التقويم سوف يصطدم بما هو عليه
الشرقي اليوم من الجهل، ودون قامة حضور، والذي يناقض ما هو عليه اليوم الأوروبي المثقف والمتوج بإكليل حضارته. لكن إذا أخذنا الأمر في مدى المسار المطلق لكل من الغربي الأوروبي والشرقي خارج اتجاه التاريخ؛ فمن هذه الزاوية نستطيع أن نقدر الأوروبي المنفتح لكل طارئ، والمتشوق لمعرفة كل غامض، في حين أن الشرقي يرى الأمور من خلال عقله وطبق تقاليده وروحه الشرقية.
لكن هذا الاختلاف مجرد اختلاف تصنيف، ويبقى التلاقي بينهما من طبيعة كل منهما، وهنا نحن أمام نفسيتين وعقليتين وعالمي إنسانيتين، للغربي طبعه المنفتح على استقبال أي فكرة من خارجه، ومستعد لتجريد حملة في الدفاع عنها إذا أخذت موقعها، أما الشرقي فهو الذي يحمل
على ظهره ما يبدع من أفكار وهو منطلق نحو الغربي.
стр. 50
ليس هنالك تباين أساسي إذن ما دامت أوروبا استقبلت الفكرة الدينية من خارجها وكان الشرق مهدها، وكذلك سائر الأفكار الدينية. وإذا كان اليهود أنفسهم شرقيين فذلك يعني أنهم عقليون، وما يميزهم عن سائر المشرقيين أن مأساتهم الوطنية لم تدع لهم خيارا آخر سوى أوروبا، وكان ذلك المسرى بهم إلى نهايات أهدافهم.
فأوروبا كانت وحدها القادرة على الآلية المادية لمسارهم.
الأوروبي صادق مع نفسه، وشريف لكنه متطلع إلى المادة أكثر منه مستلهما لصفاء الأخلاق، وهو ذكي فى مداه الجمالي، لكن لا يقيده التزام ثابت ولا أفق بعيد، وذلك ما عبد الطريق للعبة اليهودية بخلاف المشارقة الذين لديهم الخبرة (Raffinée) باليهودي الذين عجنوا لعبته في التعامل سواء في مجال اللاأخلاقية أو الجمود على المبادئ.
فالأوروبي كان - نوعا ما - الآلة الجاهزة لمهمة إسرائيل، وكانت قبل الشتات قد أصابتها محنة حرب العقاب (punique) (وهي اسم لثلاثة حروب بين قرطاجة وروما ١٤٦ - ٢٦٤ قبل المسيح).
وهنا يدور سؤال لم يضعه أي من المؤرخين:
لماذا احتفظت روما لنفسها حينما هزمت أثينا بالثقافة المنشأة والمدارس، على عكى ما فعلت بقرطاجة حينما انهارت أمامها فمسحت المدينة الفينيقية وهدمتها على آخرها ولم تترك من حضارتها ولا من ثقافتها أيما أثر؟
الجميع يعرف تعليمات السياسي الروماني (Caton) : (اهدموا قرطاجة عن آخرها). بيد أن هذه التعليمات نفسها لا تحمل تفسير نكبة قرطاجة، إذ لا بد من أن يبحث عما وراء هذا الموقف والأسباب الأكثر عمقا وذلك بمعزل عن نهاية الطريق الذي خطه التاريخ لنكبة
стр. 51
قرطاجة، فثمة طرق جانبية خفية تفضي إلى الدوافع الحقيقية. فهناك بعبارة أخرى جانب غامض للأشياء في خفي سر هذا التاريخ.
فما قبل الأحداث الكبيرة، أي قبل ألفي عام، ينبغي النظر إلى التأثير اليهودي، كما يقال اليوم، على مؤسسات الإمبراطورية الرومانية، لكن التاريخ لا يملك أي معطى يعتمد عليه في هذا التأثير الذي مر دون أي اهتمام إلى حد القول بأنه غير موجود، ولأن التاريخ يدون دائما وكما في كل عصر الارتكابات الكبيرة لليهود، وبعض فضائح السياسة المالية، كما يجري في العصر الحديث، لكن حينما يكون الأمر تحت إرادة اليهود فإن الفضائح لا يجهر أمرها في حينها بل تتسرب إلينا بعد حين عبر قناة التاريخ، كما يقال، أو على الأقل مع التاريخ الأدبي لروما (في القصص والحكايات).
هكذا بدأ التأثير اليهودي الكبير في حياة الرومان؛ يتسرب من خلال مصادفات المواقف والحدة والانفعال في نبرات شيشرون في مرافعته الشهيرة (ProFlaco) حينما يوجهها نحو خصمه (J. flaviers) (وهو
يهودي روماني).
وهكذا أضحت المداولة رغم بلاغة شيشرون خاضعة للتأثير اليهودي في موقف الحاكم (Prétoire) ، وبدا من ذلك كله أن اليهود يحتلون في الإمبراطورية مركزا مسيطرا.
لكن مركزا كهذا حين لا يشير إليه التاريخ الروماني لا يفاجئنا. فالتاريخ الخاص بعالمنا هو أيضا لا يحلل أبعاد ما كان يجري حينما يكون العصر مهددا فعلا، وهذا الصمت العام للتاريخ يبدو في جانب آخر نقطة مركزية، لأنه يورث غموضا ليقوم بتحليله من يأتي بعده ويكشف عن معطيات مؤكدة لجيل قادم ينطلق منها لبناء عالمه الخاص به.
стр. 52
لذا علينا هنا في مهمتنا أن نعود إلى لحظة التراجيديا القرطاجية التي تمدنا بمؤشرات ثمينة حول خيار إسرائيل لعصر الدياسبورا. فهناك فيما وراء الأجيال ما يضيء لنا أسرار عالمنا الحاضر في معطياته الأساسية: الاستعمار- القابلية للاستعمار.
لقد عرضنا من قبل مدى تأثير اليهود في روما نفسها، ذلك التأثير الذي مر صامتا بغير تعليق، وسيظل هذا الصمت مخيما ومتابعا المسار مع عصرنا عبر نفوذ امتد بقليل أو كثير حول سائر مدارات الإمبراطورية الرومانية، وعلى الخصوص في حركتها المالية والاقصادية.
لقد كان على الضفة الأخرى الإمبراطورية القرطاجية، وهم أيضا لهم خبرة واسعة في الاقتصاد والتجارة والأعمال بصورة أساسية، فضلا عن مهارات واسعة يتمتعون بها، وأبناء عمهم اليهود ليسوا على استعداد
ليتركوا لهم ولو مقدار بوصة من الأعمال التي يمارسونها في الشرق الغني بتجارته ومصانعه والغرب الغني بالمواد الأولية كالخشب والقصدير الذي كان القرطاجيون يبحثون عنه في شمال بريطانيا (Ecosse).
منذ ذلك التاريخ كانت قضية الهيمنة الاقتصادية قد أخذت مكانها ليس بين روما وقرطاجة فحسب، بل بين يهود روما وتجار قرطاجة، حيث قامت الحرب الضروس ولم تقف ضد قرطاجة بتأثير فعلي من اليهود، مما ألزم جنود قرطاجة أن يكونوا على استعداد بكامل جهوزية لباسهم العسكري الذي يشير إلى العظمة والأبهة الوطنية. هذه الظاهرة تكررت مرة أخرى في التاريخ الحديث ما بين أعوام الحرب العالمية الثانية ٣٩ - ٤٤ حينما هبت سائر جموع أوروبا صارخة (اهدموا ألمانيا) وهم يظنون أنهم يعبرون عن المشاعر الوطنية وحتى الأوامر الدينية، وقد اندفعوا بإيحاء من اليهود ضد الهتلرية التي هي في الحقيقة أضحت خطرا على نفوذهم في العالم. و (Caton) الذي أعطى الأمر بهدم قرطاجة ليس أكثر ولا أقل
стр. 53
من (Maurras) (١) وتشرشل أو روزفلت في العصر الراهن، الذي أصبح عصر إسرائيل كما كان اليهود في عصر روما (٢).
مهما يكن من أمر فإن التراجيديا القرطاجية التي أضاءت جزءا من المأساة الحديثة، والتي قاربها أخيرا هدم الرايخ الثالث، قد أضحت هي أيضا تراجيديا تضيء على الخصوص معطى مركزيا لنفسية اليهود؛ التي هي الكراهية الموروثة نحو آسيا من الآباء إلى الأبناء، في كل ما فصلنا من قريب أو بعيد. فهناك بعض الشعارات التي لا تزال في الذاكرة تطلق من وقت لآخر: الخطر الآسيوي - الخطر الأصفر - الخطر الإسلامي، وهذه الشعارات لها مضمون وهوية تعني إلصاق التهمة سواء بالعنصرية لدى البعض أو بالاستعمار لدى الآخرين، وقليل من الناس يصنفها بالسمة الأعمق للنفسية اليهودية. فالغموض كله والإبهام يستقر بكل دقة في هذه النقطة، ولكن كيفما كان الأمر فقد تبين لنا أن الخيار اليهودي زمن الشتات لم يكن عملا للتعمية، كما أنه ليس محركا لعمق سلبي، فاليهود حينما تركوا بلدهم كانوا يعلمون تماما شروط إقامتهم الجديدة، كما يعلمون تماما المصادر التي تمدهم بمهمتهم في نفسية الرجل الأوروبي.
لذا أداروا ظهورهم قبل ألفي عام لحظوظ الازدهار التجاري الآسيوي.
ألا ترى أنهم قد ضحوا بحاضر مشكوك فيه لحساب مستقبل أكيد؟
стр. 54
ثالثا: جغرافية مسار اليهودي في أوروبا
لفهم نفسية يهودي في الشتات؛ هناك شيء أساسي هو أن اليهودي لا يترك وطنه نهائيا دون أمل في العودة إليه. فالوطن هو الأرض الموعودة لأجداده وأحفادهم، وهو يتمثله عودة نهائية إليه في فكره وأحلامه لأنه القطب الذي يشده إلى قدره.
فإرادة العودة التي لم تفتر؛ ربطته بذلك النسيج الذي يميز الشعب اليهودي بشعور استثنائي نحو وحدته؛ يتفاعل عبر الأجيال والبلاد.
هذا الحنين الذي سيكون نوعا ما العامل الأساس لوحدته الأخلاقية والسياسية عبر سائر قبائله. وجيلنا بنظرة تقوم ما يستطيع اليوم أن يرى
كيف أن اليهودي الأمريكي والإنجليزي والألماني يلتقي في فلسطين مع يهوديي شمالي إفريقية، وهم يتفاعلون جميعا في الفكرة نفسها، لكن استمرار هذه الإرادة في سائر مضمونها - كما سبق أن أشرنا في الفصل الأول - لا يفسر في تحليلنا أسباب هزيمة العرب أمام جيش بن غوريون، وسوف نعود إلى هذه الأسباب لاحقا.
بكل حال لم يعد المجال ممكنا للنظر إلى الحقبة اليهودية كمن يفتتح تاريخ إسرائيل مجددا بقيادة موسى. لكن مسار التاريخ اليهودي بكل حال اتبع طريقين في ظل العصر المسيحي؛ طريق الشاطئ الشمالي للمتوسط وطريق الشاطئ الجنوبي، والاتجاهان اتجها نحو أوروبا، لكن كلا منهما سار في طريق مختلف ظاهرا. فالعنصر الذي تابع الطريق الأول مرورا ببيزنطية حتى البلقان وروسيا؛ أضحى لدى المؤرخين يسمى عنصر (Hasidim)، أما العنصر الذي تابع طريق شمالي إفريقية واستقر في
стр. 55
البرتغال فقد أنشأ فيه مركزا روحيا امتد بإشعاعه شيئا فشيئا نحو أوروبا الغربية، وبصورة أساسية نحو إنكلترا وهولندا (١) .. هذا المسار في كل من الطريقين ليس مسار انقسام موضوعي، وإن كان أطلق على كل منهما اسم، فذلك صنع لدراسة التطور الداخلي للشعب اليهودي. وهنا فإن (Hasidim) سوف يحيي الجيتو في أوروبا الشرقية كما في بولونيا، أما فيما يتعلق ب (bessarabie))kitechine) الذي هو أصلهم الخفي فإن هذا الفريق سوف يرفض كل مظاهر الحياة التقليدية وكذلك كل الأشكال الموروثة عن الآباء، ليعتمد في لندن ونيويورك وأنغرس وأمستردام وباريس كل مظاهر الحياة الغربية، وهذا الأخير هو العنصر الذي سيكون له في النهاية الدور الحاسم في تاريخ الشتات؛ سواء في الحياة الفكرية أو الحياة السياسية، عبر أسماء لامعة كأينشتاين - برغسون
- مورياك - آل روتشيلد وآل ماركس، وجميعهم يهود غربيون.
هذه الفئة تهمنا بشكل خاص لأنها تضعنا في موضوعنا، أي العوامل التي أدت دورا أو أرادت أن تؤدي دورا في مصير العالم الإسلامي، وللتدليل على أهمية دورهم يكفي أن نشير إلى أن يهوديا ولد في
(ghetto) مغربي، وأصبح عبر تغيير مزدوج للاسم والجنسية يدعى (فدوف كوبر) الشهير، وزير الحرب في الحكومة البريطانية، هو الذي أعلن الحرب على ألمانيا الهتلرية عام ١٩٣٩. هكذا تبدو هذه
الخصوصيات في اليهود الغربيين لافتة؛ حين يأتي يهودي إلى بريطانيا تاركا بلدا مسلما، فيصبح بسرعة مسؤولا في إدارة بلد غربي. فهذا مثل صغير نشير إليه في إطار عام محيط بجماعة اليهود الغربيين، وقد امتدت
стр. 56
هذه المرحلة على مدى القرون التي تتابعت على الشاطئ الجنوبي للمتوسط.
لكن هذا المسار لم يحقق أهدافه إلى نهايتها في غرب أوروبا حين ظهر الإسلام فجأة، وانطلقت الدعوة سريعا من مكة إلى البيرينه (pyrenées) ، ويجب أن نضيف أن اليهود وهم في طريقهم التقوا بالإسلام ووجدوا أنفسهم مؤقتا ملزمين بالعيش على أرض الإسلام.
هنا التقت مرحلة الفتح الإسلامي بمرحلة إسرائيل فأضحت خاضعة للإسلام، لكن الحرب تظل في اليهودي عنصر حياة كما هو الماء للسمك في البحر، واليهودي ينتهز الفرص دائما بكفاءة مميزة، ففي انتشار الإسلام دعوة ودولة؛ كانت فرصة اليهود في تموين الجيوش في مسيرة الفتح الإسلامي، ومتعهدو التموين لهم استمرارية واتصال بمسار الفتح والترجمة بين الفاتحين والأهليين (indigènes) ، واليهودي في قيامه بمهمته لا ينسى، إلا مرحليا، الهدف البعيد لدوره كيهودي.
ومما يزكي هذا الشعور لديه هو أن العربي يحمل في دعوته للإسلام نظاما جديدا ذا عمق ديني يخالط الروح في الصلة بين الفاتحين والأهليين الذين تبلغوا الدعوة، ولا يترك أي موقع للعبقرية المادية لدى اليهودي، لذا ألزمته الحقبة الإسلامية التوقف في طريقه؛ لا يستطيع النفاذ إلى أهدافه إلا ثغرة دس خفي ينفذ منها لهدم الحضارة والإمبراطورية الإسلامية، فالعربي في دعوته الروحية كالقرطاجيين القدماء في مكانتهم الاقتصادية والتجارية؛ كلاهما منافس خطير لمسار الشتات اليهودي التاريخي. والإسلام في المدينة المنورة في بداية عهده كان قد تعامل مع اليهود كجزء من وحدة المدينة، وقد فتح الباب لهم لمن أراد الدخول في الإسلام، وكان منهم من دخل الإسلام، فكان المنافق اليهودي يدخل في المجتمع في بدء تكوينه عبر كعب الأحبار؛ الذي أعلن إسلامه علنا وسعى يدبر مؤامرات هزت
стр. 57
الدعوة الإسلامية في بداياتها، كمقتل الخلفاء عمر ثم عثمان ثم علي على الخصوص. ثم مع تطور الحضارة الإسلامية في مداها الفكري بدأت ترى الجماعات السرية كالإسماعيلية والقرامطة وسواها النور مع مسار القرون الأولى للحضارة، ثم كان في مستوى الأمة انقسام هائل من البيرينه إلى الفرات، وحينما عمد هارون الرشيد إلى إهداء شارلمان الساعة الشهيرة التي ورد ذكرها في كتب؛ التاريخ كان الوفد الذي أرسله الخليفة يرأسه بحكم المصادفة يهودي، وهذا الوفد وهديته الشهيرة يؤرخان في الوقت نفسه لبداية النزاع بين الإمبراطور شارلمان والخلفاء الأمويين الذين يحكمون إسبانيا، وكانت هذه بداية الحرب الصليبية. فمن هو (Pierre L'Ermite) الذي سوف يكون في أوروبا فاتحة الحرب الصليبية وبداية هدم الإسلام في أوروبا؟ إن التاريخ الأوروبي لا يتحدث عنه كشيء هام سوى أنه راهب ذهب إلى القدس حاجا ثم عاد ومعه فكرة الحرب الصليبية. لكن يظل السؤال قائما: كيف أصبح هذا الراهب الوجه المركزي الأول في حرب صليبية؟ لست أدري، لكننا نرى فيما بعد (Ignace de Layola) يثير نوعا ما الطريقة نفسها في إسبانيا.
لقد كان هذا الأخير مجرد مهرج من رعايا القصر، ثم أصبح فجأة من الوجوه الكبار في الكنيسة الرومانية. لقد جرد حملة إبادة أرسلت آخر مسلمي إسبانيا إلى المحرقة. ثم أسس بالإضافة إلى ذلك مؤسسات اليسوعيين، الجزويت (jesuites) التي تجرد حربا ضد الإسلام في كل مكان.
إنني أترك هذه النقطة إلى الجيل الآتي بعدي؛ ليضيء ما وراءها عبر سائر الوثائق اللازمة والتي ليست في يدي.
مهما يكن من أمر؛ فإن ظهور الإسلام لم يكن بالنسبة لليهود سوى حادث في الطريق؛ أضاع بعض الوقت في مسارهم على الشاطئ الجنوبي للمتوسط، ولكنه حادث ولود مشرع الأبواب على اختلافها، إذ كان لدى
стр. 58
اليهود الوقت الكافي ليلتقطوا من أرض الإسلام عناصر الحضارة من الجامعات الإسلامية ومشاغل الفنون في قرطبة وتونس ومراكش. فابن ميمون قد أسس تحت إرشاد الأساتذة العرب قواعد الثيولوجية الحبرية اليهودية وأصدر كتابه الشهير (مرشد الضال)، حيث اقتبس العنوان نفسه من كتاب الغزالي (المنقذ من الضلال)، ثم إن واحدا من مشاركيه في العقيدة في قرطبة سوف ينشر أول كتاب في قواعد اللغة العبرية مقتبسا في هذا الحقل من سيبويه وبعض المختصين العرب (١).
فجميع سبل الإبداع الفني وخلاصات طرق الإنتاج في الصلب والحديد التي برع بها العرب؛ أضحت تحت يد ومكتبة الحرفيين الفنانين اليهود، ثم اجتازت هذه الصناعات شيئا فشيئا البيرينه منذ غروب الإمبراطورية الموحدية.
لقد انتقلت العلوم العربية إلى الطب الذي استقر في مدينة مونبيليه ثم انتشر في أوروبا مع امتداد المرحلة اليهودية، وحينما وصلت هذه المرحلة إلى نهاية الحضارة الإسلامية كانت هذه هي البوادر الأولى لإشعاع نهضة الغرب.
لقد كانت ساعة الانعطاف الكبير للتاريخ، وعبره كانت الطريق مفتوحة أتاحت لليهود تعلم التكنولوجيا، ثم أوغلوا في فهم العمق النفسي للعالم الإسلامي، وأضحت لديهم خبرة واسعة كذلك في النفسية الغربية، ومن هذه المقارنة بين النفسيتين بنوا خططهم في تحقيق أهدافهم.
ففي هولندا كان سبينوزا قد نشر أطروحته في الأخلاق فأدخل في الضمير المسيحي العناصر الثيولوجية المستمدة من كتاب ابن ميمون مرشد الضال (Guide de L'Egaré) فابن ميمون أراد أن يفكر يهوديا بكلام
стр. 59
إسلامي، فيما تلميذه سبينوزا أراد أن يؤمن مسيحيا بإرشاد يهودي، لكن أمرا غريبا في هذا المسيحي الذي خرج من اليهودية إلى المسيحية؛ فهو لم يتعرض لليهودية التي أنكرها، بل تعرض للهجوم على الإسلام. فمن ذا الذي
يقول يوما إن الأخلاق (Ethique) لدى سبينوزا هي التي سوف يبتنى عليها من الوجهة النفسية؛ ضمير عصر استعماري آذنت به نذره. ولنتابع إذن خطوة
خطوة مسار اليهودي وشرطه الأولي في الولوج في عمق أوروبا وصولا إلى
سدة قيادته الحالية وعلينا أن نمسك بالمراحل الخاصة التي سوف تقوده يوما إلى حظيرة أسلافه؛ إلى فلسطين وهو اليوم الذي عرفه جيلنا.
رابعا: اليهودي التائه في نفسية الأوروبي
إذا اعتبرنا الأوروبي رجلا يتميز بالبساطة وديناميكية الحركة، فذلك لأنه عاطفي وله حساسية نحو الجمال لدرجة العشق والانفعال بالأشياء التي تجسده أكثر من معناها الأخلاقي. هذه العواطف بالغة الحيوية في نفس الأوروبي، لها في القلب خفقات تضفي على الأشياء معنى الخير والشر دون الوقوف على الأسباب والمعاني.
الكنيسة الرومانية عرفت كيف تبني آليتها اللوترجية على وقع هذه النفسية البسيطة؛ فاعتمدت الغناء في صلواتها والموسيقا.
هذا العالم الذي وصل إليه اليهود، كان اليهودي أمام الضمير المسيحي يتقدمه شيئان متعارضان: فهو أولا القاتل الأبدي للمسيح ابن الله، وهو ثانيا الحامل لوعد الله إلى إبراهيم وذريته، فقد صرح كل من المسيح و (jerem) بانتظار وعد الاختيار الإلهي (Election divine)، وقد امتد إلى القديس بولس من نقطة أخذت مدى واسعا في تداعياتها كما جاء في رسائله (Epîtres) إلى الرومان على الخصوص وذلك عبر السؤال الذي وجهه إليه المسيح في رؤياه (لماذا؟) (pourquoi) الذي اعتمده الفكر البولياني في النهاية:
стр. 60
(Et c'est la pensée paulienne qui primat finalement. On se demande Pourquoi)
كان لابد أن يتم التنسيق في كل شيء بين هاتين النقطتين من التلاقي بين البوليانية وفعل اليهودي أسخريوط؛ لذا بات على اليهودي العيش أولا
ضمن شروط تتناسب وعدم المساس والعزلة، لذا سيعيش منفردا في الجيتو، ولم يكن ذلك لينقص من قدره، فاليهودي ليست لديه وراء علاقاته العائلية والعنصرية مشاعر، وإنما هي أفكار وبرامج، وفي إطار أفكاره وبرامجه، لا يبحث عن وطن جديد، بل ينصرف في النهاية إلى نطاق يتسور محيطه وعنصره.
وذلك لا يبخس من قيمة هذا الشعب ذي الرقبة القاسية كما وصفه الإنجيل، فنفسية اليهود المعقدة تفاجئ التحليل السطحي الذي يقف عاجزا عن التوفيق بين معطيين متعارضين في نفسيته؛ تكبر بغير حدود وقدرة لا تحتمل على ابتلاع الإهانة والإذلال. لكن الجيتو إذا كان لا ينقص من قيمة اليهودي في سائر الحالات وهو بين يدي شعبه، فإن واحدا من الأسباب التي كانت الأساس في تحوله عن الشرق، هو اضطراره إلى الانغمار في المجتمع. فاليهودي في بكين أو طوكيو مثلا لا ترتاح نفسيته إلا حينما يصبح بينهم غير معروف النسب والعنصر، فإذا اتفق أن التقى أحد مع يهودي التقاه صدفة في قطار فتخاصم معه وقال له: يا يهودي. فهنا يغير اليهودي الموقف نحوه ويصبح لطيفا وقريبا.
باختصار؛ إنه لا يريد أن يكون معروفا ولا متعرفا عليه مجددا في كل مناسبة (١). هذا الطابع النفسي هو أصل مفهوم الشركة المغفلة (anonyme) لدى عالم الاجتماع والاقتصاد كما أرى. وأعتقد أن هذه هي الحقيقة التي لم يشر إليها عالم اجتماع أو اقتصاد ما.
стр. 61
فاليهودي لا يستطيع الاندماج في مجتمع أوروبي، إلا ووجوده مغلف بالغموض واللغة والأسطورة، والمسيحي الذي يراه مصادفة يمارس غريزيا إشارة الصليب التي تبعد الروح الشريرة.
فاليهودي يعرف بأنه محاط بالكراهية الصامتة والغريزية، سواء كانت الكراهية من الشعب أو من الأمير، لذا فهو يوظف حياته ونشاطه لمصلحة الجيتو الذي ينتمي إليه والذي يجد عنده الأمان والخصوصية.
لكن إذا كانت (لاسيتي) في البداية هي الجيتو كنموذج فقد أصبحت شيئا فشيئا في قلب لندن، وعقل أمة، ومرجع الإمبراطورية بما يضاهي باكنغهام ويزيد، وقد أسس أول تنظيم لمستقبل الإمبراطورية عبر بنك بريطانيا.
ولأن الشعب استيقظ مزاجه مع النهضة في جمالية الحضارة، كما تطور ذوق الأمير منذ الحملة الصليبية نحو الفخامة في الأشياء والجواهر، فقد انتهى الجميع زبائن الجيتو، وقد توفر لديه كل ما يرضي الذوق والروح، وهكذا استعاد اليهودي عبر علاقاته التجارية ما يفك عزلته شيئا فشيئا، وانطلق يندمج في الحياة الوطنية.
كان على اليهودي أولا، وقد عرف طبيعة الأوروبي في العمل كرجل جيد وسريع التأثر وقلبه يفيض شفقة، أن يبدأ ليحقق أول ثورة في أوروبا
على التقاليد.
فأمام شعوره بما غلف وجوده من نظرة ريبة واحتقار في عيني المسيحي، بدأ يطرح في إحساس الأوروبي أسطورة اليهودي الهائم على وجهه، بدلا من صورة يهودي جشع ووثني كافر دنيء وقاس تبعث على
الاشمئزاز. وهكذا انتقل إلى صورة عاطفية تستثير الشفقة والخير تجاه اليهودي الذي يهيم على وجهه جزاء خطاياه لغير مستقر. كانت هذه أسطورة اليهودي في الشتات في غابر الزمان، ولدت عبر
стр. 62
الأجيال والجدود كانوا يقصونها حكايات لأطفالهم الصغار يثيرون فيها المصير المؤلم، مصير ذلك الفقير المتسكع الضائع، ومع كل إطلالة جيل كان تداول هذه القصة في ذاكرة الأطفال. والذي يرويها يضعها بالمعيار التربوي ضمن تقاليد أوروبا المسيحية في العطف على المشردين والفقراء، وهكذا وصلت هذه الدورة من تتابع الأجيال إلى القرن التاسع عشر، وأعتقد أن حركة أوجين (Eugène) هي التي وضعت حولها الكلمة الأخيرة.
لقد كان هذا هو المعيار الذي وضع اليهودي في تقاليد أوروبا في مراحله الأولى هو نزعة الشفقة والرحمة الأوروبية.
стр. 63
الفصل الثاني
صورة اليهودي كمحور في تطور الحضارة الغربية (١)
١ - اليهودي المثقف Intellectuel
في أوروبا العصر الوسيط كانت الحياة الفكرية من اهتمام الكهنة، ويحتقرها النبلاء حين لم تكن الحياة الفكرية في مدى نشاطهم واهتمامهم، وهكذا غدت الأديرة هي المعنية بالشأن الفكري بصورة رئيسية، لكن مع نظام المدن برزت وجوه كبيرة من علماء النهضة.
لقد كانت استعادة النهضة لدورها مع بروز البرجوازية تدفع نخبة جديدة (Laique) من البرجوازيين؛ أي نخبة خارج نطاق الكهنة، وقد بدأت تأخذ سبيلها. فالأفكار المتداولة بين اتجاه وآخر في القارة الأوروبية احتدمت نقاشاتها في ليدن وسلامنك وجنيف مع سبينوزا الذي نوقش كتابه الأخلاق (Ethique) وقرئ (Montaine) كما استشير نوسترادان (Nostradanus).
ففي كل ميدان، حتى ميدان السحر والعرافة، كانت النهضة تبرز اسما
يهوديا أو وجها يهوديا في مقدمة الوجوه.
ولسنا هنا في معرض بيان مفصل عن تاريخ مساهمة اليهود في الأفكار
стр. 64
في أوروبا، يكفي أن نشير إلى الفوائد التي جنتها الطائفة اليهودية من هذا الإسهام، فالشعب اليهودي هو الوحيد الذي عرف كيف يجمع نشاطاته في هدف واحد هو تنظيمها الداخلي، بمعنى أن يوظف مختلف الإنجاز في خدمة الهدف النهائي الذي يسعى إليه مجتمع جيد التنظيم. وهنا ليس بالضرورة أن يوجه كل فرد يهودي نشاطه نحو هذا الهدف بالذات، بل المجتمع اليهودي من خلال تنظيم داخلي يدفع بنشاطه نحو هذا الهدف.
ففي جماعة تتأهب لولوج عالم جديد يصبح الضمير في البداية حسا مشتركا، يقود اليهودي لبلوغ القمة. وفي هذه المرحلة يتوزع الحس الفردي لدى اليهود ليأخذ من عمله مواقعه، وتبقى الجماعة ردء نشاطه في بلوغ موقعه المتقدم في ريادة أهله وجماعته في النهاية.
فالهدف هو تجميع الطاقات المختلفة، وفي مسار تجمعه غاية واحدة؛ حتى حين يكون عمل اليهودي فرديا، فإنه يصب بطبيعته في صالح المجموعة (كصائغ) أمستردام مثلا، إذا ما قدم جوهرة فنية إلى نبيل مسيحي برجوازي، فهذه مبادرة تحسب نتائجها في مصلحة الطائفة بأجمعها.
فاليهودي في هذه المجموعة كمجتمع سواء، تتساوى فيه خواطره أو مبادراته مع مصلحة الطائفة بأجمعها، فهو يرى نفسه في مجتمع كشركة سرية لها مكانتها في نشاطه، وتضطره أن يفكر ويتنبأ مسارها المستقبلي. كحالة سبينوزا مثلا الذي كان عليه فعلا أن ينظر بما هو أبعد من عصره، في كل ما يقتضيه ذلك من مواجهة الإسلام، وهذه الفرضية تثبت وتؤكد ما سيكون فيما بعد من تحديد مركز اليهود المتضامن طيلة عصر الاستعمار الذي كان قد بدأ.
وإذا ما حللنا هذه النقطة لزمن سابق عليها فإننا نراها تتعلق بمساهمة اليهود في تكوين الأفكار في أوروبا، وعلى الخصوص فكرة الاستعمار، إذ نجدها ردة فعل خاصة في العقلية اليهودية أشرنا إليها قبل، وهي ترتكز على الكراهية لكل ما هو آسيوي، وهي ردة فعل مزدوجة: الكراهية لآسيا وللإسلام معا.
стр. 65
لقد كان اليهودي شاهدا لظهور هذا الدين، وقد احتك بالعالم كما ذكرنا، وكذلك بالحضارة الإسلامية، لكنها بالنسبة إليه لم تكن تجربة خاسرة؛ فقد استخلص من خلالها على الخصوص نتيجة عرف منها أنه في أوروبا، ومن خلال الوسائل التي يملكها استطاع أن يحقق فاعلية نفوذ (١) لا يستطيع مثله في العالم الإسلامي على العموم إلا إذا اتخذ الدس الخفي وسيلة.
ويبدو ذلك بينا حينما وصل الإسلام إلى أوروبا وأصبح فيه معنيا بالوعظ والإرشاد في قومه، إذ بدت له منذ ذلك الزمن مصاعب كالتي كان يلاقيها اليهودي من قبل في آسيا الإسلامية ولا يستطيع تخطيها.
هذه النقطة أضاءت له أكثر من درس في التاريخ الرسمي لليهود، وهكذا برز الرد فجأة من جوف الظلام، على ما هو كفاء هذه المصاعب التي برزت أمامه في ظل العصر الإسلامي في الأندلس التي أشرنا إليها، وهما إينياس دي لوايولا وبيار وير؛ وهما شخصيتان مؤهلتان تماما، وكانت الشخصية الأخيرة إينياس قد تولت بالإضافة إلى إبادة المسلمين إبادة اليهود أيضا.
هاتان الشخصيتان وهما تقومان بإبادة المسلمين عبر محاكم التفتيش كانتا على غير علم بما بات نقطة رئيسية في النفسية اليهودية؛ أي العمل الذي أصبح متداولا باستخفاف في عصرنا حين قامت أمة متحضرة يذبح بعضها بعضا وبدم بارد رغم وحدة الانتماء للدين من أجل تحقيق نصر ملائم في لعبة الحرب والسياسة.
هؤلاء هم اليهود الذين علموا العالم المتحضر نزعة المولوشيزم " Molochisme" ، حتى غدت مذبحة محاكم التفتيش التي تناولت بعض
стр. 66
اليهود في عملية إبادة عامة ليست شيئا هاما إذا ما نظرنا للأمور بنتائجها البعيدة، فهذه الوسيلة حالت دون مشكلة خطيرة في تلك المرحلة من شأنها هز الضمير المسيحي. وسؤالنا يبدو هنا: لماذا ذبح المسيحيون المسلمين الذين يعظمون السيد المسيح ويجلون السيدة مريم، في حين أن اليهود يكرهون في تعاليمهم جميع القديسين المسيحيين ومع ذلك فقد جرى الاحتفاظ بهم؟.
والجواب الذي ينير الحقيقة بصورة أوضح، والتي يجهلها التاريخ
الرسمي، هو أن المجتمع اليهودي تم الاحتفاظ به لبناء أفضل العلاقات المستقبلية، وفيليب الثاني ملك إسبانيا استخدم أفضل رجاله من اليهود حينما وجد مجالا لينقل عبرهم أمواله من مدريد إلى لندن أو هولندا، ومن هنا بدأ المال اليهودي يؤدي دورا عالميا. ثم إن اليهود من دون ذلك كله لا يريدون الإسلام ولا المسلمين في هذه الأرض (أوروبا)، التي رتب فيها
كل اهتمام ليكون وسيلة سياسية عالمية؛ عرف عصرنا بدون شك سائر قواعده وأشكاله التي تتجلى في الرأسمالية - الاستعمار- العنصرية.
وفي النتيجة، إذا كان اليهودي قد انخرط في الحياة الثقافية التي ازدهرت مع عصر النهضة (La Renaissance) الأوروبية فذلك ليس سوى نزعه هواية للجمال؛ إذ اليهود عرفوا دائما الجمع بين المفيد لهم
والجميل.
فالمفيد هو من أجل خروج اليهود فورا من عزلتهم المعنوية داخل
أسوار الجيتو، أما المدى البعيد فهو إدارة هذه الحياة الفكرية الوليدة بكاملها والتي نبدت من جماع نسغ قوة الحضارة الحديثة وهي تطرح إنتاجها للذين يهزون نخلتها.
والمجتمع الأوروبي الذي فتح أبوابه لأولئك اليهود البؤساء والمساكين مع ازدياد عددهم، عليهم أن يحتلوا الآن المكان الأهم في الحياة الثقافية والفكرية.
стр. 67
٢ - اليهودي المواطن
هذا المجتمع الأوروبي حيث المال والشفقة والتفكر قد أخذ دوره عمليا؛ لكن اليهودي ما يزال قابعا في الجيتو، يقبل الدخول في المجتمع لكنه لا يقبل المسامحة. وإذا ما أتيح له أن يترك لنفسه حبل الاندماج أو العيش ببساطة في غمار الجمهور فإنه يضيع فيه؛ ويفقد امتياز خصوصيته، لكنه لا يقبل أن يصل إلى درجة البرجوازي الغوييم (Goyim) الذي يقدم يد ابنته ليهودي بالغ الثراء، كما لا يقبل بالمقابل أن يقدم يد ابنته إلى
ذلك الثري؛ لأن بعض اليهود يحرصون على التكافؤ في الزواج بينهم، وهنا لا يرغب اليهودي في تزويج من هو أقل شأنا ومركزا منه ولا يتلاءم
مع خصوصياته وأفكاره وعاداته. ومن أجل ألا يبدو هذا التكافؤ أمام الضمير المسيحي طبقة أعلى حسبا ومقاما في الخصوصيات بين اليهود؛ كان يرى الحل في دفع أوروبا نحو هدم حواجز التقاليد فيها كما رأينا بثورتين: إحداهما ضد التقاليد، والأخرى ثورة في الحياة الفكرية والثقافية. وذلك ما دفع أوروبا لثورة سياسية قلبت معايير التراتبية الأوروبية وكان ذلك لمصلحة اليهود.
وإذ كان الشعب في أوروبا مزاجيا مستسلما لقوى غيبية من التشاؤم والتطير أو التفاؤل، أميا عفويا في عمق تكوينه التراتبي، فإنه بكل حال أوروبي نشيط وشريف، وللأمير مقامه كفارس فخور بعنصره معتد بدمه لدرجة لا تقوى عليه الدسائس، لكن ثغرة في حصانته هذه يمكن عبرها
أن يؤتى من خلفه.
هاتان اللوحتان ذواتا دلالة تتيح لليهودي بلوغ ما يجول في خاطره من فكرة أساسية هي رفع مستواه بأن تسوى هذه التراتبية أرضا ليتاح له بلوغ القمة في المجتمع الغربي، إذ رغم حاجز الأمير ومقامه السامي الذي لا يغريه المال يمكن من ثغرة في هذه الحصانة أن تجوس الجذور.
стр. 68
ذلك أن صلابة هذا الحاجز في بنية المجتمع الغربي قد اعتراها شرخ (frissur) أو نقطة رخوة، فالشعب كان قديما في مرتبة العبد للأمير، لكن غارات الفرنك والنورمان حققا تحريرا ما من تلك العبودية، وقد أنقص ذلك جزءا من السلطة المطلقة للأمير، صحيح أن النفوذ اليهودي كما هو باد في (City) الجيتو الأول قد أضحى له المقام الأول في إنكلترا، لكن الذي في الجانب الآخر هو الأساس؛ لأن الأمير الحامي لسلطته المطلقة وعبر هذا الشرخ في المجتمع الغربي قد تركت اليهودي أن يضع فيها
خلاصة عبقريته التي تبدت في ثورة (كرومويل) التي كانت الزاوية التي
جمدت المجتمع البريطاني كتلة واحدة على سواء، وعبر هذه الكتلة (Bloc) عرفت كلمة الديمقراطية، ولم تكن بعد قد لفظت كمفهوم تعبر عنه الكلمة، لكن سائر الأفكار التي تم تداولها قد انتهت في سائر الأعمال، ومن هنا أضحى من الواجب فهم الأشياء على ضوء دراما عصرنا الحاضر (١).
فمن أجل صنع ثورة فالأمر لا يتطلب سوى تداول فكرة، شريطة أن تمسك ببنائها، ثم تعمل على توفير الشروط المادية والنفسية لهذه الثورة كي تنفجر، وإلا فسوف تنتهي إلى لا شيء. (وهو أساس الانهيار السياسي ثم العسكري لألمانيا المحتلة في أوروبا لفقدان الثورة هذه الشروط). ويمكن عبر هذه الأسس فهم لماذا لا يستطيع أي حزب أن يسحب
اليهود من أوروبا ما دام أنه في حوزتهم الوسائل المادية والإيديولوجية.
عبر هذه الوسائل المحكمة جرد اليهود حملتهم المضادة في جوانب أخرى حياتية يمسكون بزمامها في المال والاقتصاد؛ وهي: شح المواد
стр. 69
الغذائية، والغلاء في الأسعار، مما يجعل الحياة معقدة في كل صعيد حتى من الوجهة الإدارية، وكان هذا هو الإعداد الجيد لصنع ثورة.
وإذا ما أبدى أحد استغرابه فسأل: بأي إمكانية وخبرة يستطيع اليهود هذا كله؟
فالجواب يضيع في الظلام مغفلا من أي مرجع رغم أنف وذقن السلطة.
والأمر نفسه لو تساءلنا: من صنع الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩؟ لا يوجد واحد من الفرسان ولا النبلاء إلا ويعرف، ولا مؤرخ إلا ويحمل في يده الوثائق التي تثبت دور جان جاك روسو والإنسيكلوبديين في قيام الثورة. وإذا ما سألنا حتى المواطن والمواطنة: من الذي أخذ القرار بهدم الباستيل فسيقولون جميعا: هو كل من أراد أن يعبر عن أفكاره الخاصة ومواقفه عدا الذي جاء من اليهود فقوة هذا الأخير على وجه الدقة هي التي صنعت
الثورة من دون الثوريين الذين لا يعرفون أية قوة في الظلام دفعتهم، وكان
هذا هو المعول الأخير في هدم الباستيل.
فهل كان ميرابو يعرف أكثر من الآخرين؟ أنا أشك في أن هذا الخطيب لم يحمل معه الفكرة من ألمانيا من صالونات الرومانسية حيث رأى النور كتاب الشاعر اليهودي (La jaune gloire) (Heine) وهو تمام الزمن الذي رأت فيه النور الفكرة الرئيسية للتصريح بحقوق الإنسان والمواطن.
هذا التصريح أعد على الخصوص إعلانا لمواطنيه اليهود. ويجب أن نشير إلى أهمية حدث كهذا في بلاد كالجزائر حيث (الإنديجين) القابلين للاستعمار والمستعمرين كانوا يطالبون دائما بالمواطنية التي تتيح لهم التصويت مع المستعمرين وأسوة بهم، وإذا كان أمكن تصور إعطاء الحق نفسه لليهود فإنه يقال لنا - نحن الجزائريين - بصوت عال: اليهودي ليس لديه مشاعر خارج وسطه وعنصره، فهو لا يفتش خارجها، أما الصداقة
стр. 70
فهي أدنى سبب في البحث عن المواطنية، فإذا كان مهما أن يصبح مواطنا
فليس ذلك من أجل أن ينتخب، بل من أجل أن يعمل في إطار المجتمع
فيختار لنفسه أن يدعى (Durant-Dupont) إذا كان اسم ليفي يزعجه حتى لا يوسم بالجيتو بين السكان فيكشف دوره الخفي، أو حاملا نجمة صفراء أو علامة أخرى تميزه، بل يغور غير معروف (inconnu) في عموم سكان المدينة.
فإعلان حقوق الإنسان والمواطن كان لازما في إطار خطة عمل اليهودي في العالم، وهو الأكثر أهمية إذا ما اعتبر في فرنسا في مستوى القانون كي يعمل في ظله.
من خلال هذه الصفة (المواطن) كان اليهودي قد أخد من سائر أوروبا بعض لون الأرض التي يعيش فيها، ولن يسمى أحد بعد ذلك باسم دافيد، إسحاق، إسرائيل، بل دزرائيلي أو ابنهايمر أو فرنسيس دكرواسي.
والجد اليهودي الذي أنهى أيامه بهدوء في آخر جيتو، قرب موقد النار في ليل بارد، وهو يسمر مع أطفاله الصغار، يتأمل الطفل مارسيل والصغيرة (Ginette) وهما يعبثان بلحيته الأبوية ويحلم بالطريق المرسوم لمسارهم.
إنهم في أوروبا الآن ولم يكونوا مغررا بهم، فأوروبا مستعدة لتستقبل الجميع من أجل سعادة (Ginette) وسادة مارسيل المعلم (Patron) .
٣ - اليهودي المودرن
ستكون كلمة (الحديث) بالنسبة لليهودي لا معنى لها؛ لأن اليهودي كالأشياء الثابتة مع الزمن لا عمر لها لأنها لا تتغير أبدا.
فاليهودي الآن أصبح مواطنا قد نزع عنه اللحية واللباس وكل ما يميزه كيهودي، لكن أفكاره هي نفسها على مر الزمن. إنها استمرار يوم هو أحد حلقاته الأولى وقد رأى المسار اليهودي الأول، إنه هو والجد الذي كان
стр. 71
قرب موقد العائلة في عشية يوم بارد بين أحفاده، يعرف موقعه، وقد أدى دوره في حلقة هذه السلسلة منذ أول خطوة في الحياة يسري به عنصره ويقوده إلى بلده القديم الذي لا ينسى.
لذا فهو يعرف أن العمل الذي يقوم به كبير، وبقدر ما هو كبير فالعمل الذي بقي لمتابعة بلوغه إلى محطه النهائي كبير أيضا، وإلا لا معنى لما يقوم به، ومع ذلك فما قدمه آباؤه قد مهد له السبيل حين تخلص من عقدة النقص ودونية آبائه، ولذا فعمله سوف يبدأ عبر ميزان عالم آبائه الذين ولدوه: إنه ميزان القوى والإمكانيات ثم الصعوبات في طريق الانتصار عليها.
فالطفل سيشعر أنه ليس إنسانا عاديا؛ فهو ليس اليهودي المبتذل -الإنديجين الأهلي كمجرد غويم (goyim) بسيط عامل من أجل يومه، بل وعلى الأكثر من أجل مرحلته، فاليهودي الذي لديه أفكار، ولتحقيقها مواقيت مدققة وبرامج لها محطها في مقاصدها البعيدة. لذا فالبرامج تتجدد كلما برزت عوامل جديدة مع التاريخ حين تغيب أخرى وقد انتهى دورها واختفت.
وإذن فالأمر يتطلب دائما البحث عن ميزان حاضر وملائم لعالم جديد. فالآلة من الوجهة التجارية جاءت ترهص بعالم التكنولوجيا، وهو عالم معقد يتطلب اختصاصا ثم رجلا يتطلع إلى مهنة يتعلمها ليصبح مؤهلا أو عاملا في نطاق التكنولوجيا، ليصبح مهندسا متخصصا وإذ هم من الغوييم الأذكياء فاليهودي يستأجرهم بأفضل الشروط سواء منهم العمال أو المهندسون.
لكن اليهودي يختار لنفسه في النهاية رأس الهرم، فهو المعلم (Patron) صاحب العمل أولا، ويمكن أن يكون هو نفسه مهندسا أو مؤهلا ذا كفاءة ويعرف مادته، لكنه سرعان ما يجد نفسه مدفوعا من القوى كافة، ليقود مسيرة عنصره نحو أوروبا، ليكون فيها صاحب العمل أو رئيس عمال يستأجر الأيدي والكفاءات لدى الأوروبيين من حوله
стр. 72
ليقودهم. وهو في مجال الصناعة سرعان ما يجد نفسه في دور الرئيس أو
في قمة الهرم؛ لأن الصناعة ترتكز على التمويل، وعبر التمويل يصبح هو الأقوى نفوذا والأوسع شبكة في علاقات البيوت التجارية في العالم لشراء المواد الأولية وبيع الإنتاج بأفضل الشروط.
فصاحب العمل اليهودي (Patron) وراءه سائر البنوك التي أنشأها جدوده في كل مكان، وهي دائما خلف تقدمه، فلديه أبناء هم
المؤسسون، سواء كانوا في باريس أو لندن، وآخرون في برلين، ومن ثم آخرون في نيويورك؛ فمورجيو في (City) ؛ وهو ابن عم مورجان في
(wall Street) وروتشيلد باريس هو ابن عم روتشيلد لندن، و (Shneider du Chreusot) هو ابن عم (schiffer) في نيويورك، وفي كل مكان لديهم أبناء عم ولكل منهم اختصاص. فروكفلر هو ملك البترول، وواحد من أبناء عمه لا بد أن يكون ملك شيء آخر.
فمن يجهل أهمية رأسمال أبناء العمومة هؤلاء الدوليين؛ وهم على رأس الإمبراطوريات الاقصادية، وعلى كاهلهم تبنى امتداداتها؟!
ففي عام ١٩١٢ تقريبا، اعتقد فورد أن لديه القدرة على اكتشاف تلك السلطة الخفية وفضح نفوذها الذي امتد إلى أمريكا بكاملها، لكن بدا له في النهاية مدى جهله بقوتها الحقيقية التي شاء محاربة سلطتها وتبجحها وتكبرها، لكن (Kahal) الكبير (١) سرعان ما أشرع سهامه تجاه هذا الخارج عن تبعيته من الغوييم الذي استسلم حين رأى نفسه دون مستوى هذا الهجوم، مما اضطره إلى أن يقدم اعتذاره علنا إلى الشعب اليهودي. ففي كل مكان من أوروبا المتحضرة (Civilisé) هناك مستعمرة بإدارة
يهودي.
стр. 73
ففي فرنسا مثلا القطاع المالي هو لبنك هولندا، وهذا يعني روتشيلد،
أما قطاع المواد الأولية، وهو يشمل المناجم والنقل، فنراه تحت إشراف شنيدر، أما قطاع الإنتاج الاستعماري بما فيه البترول والكوتشوك كذلك من القمح إلى الموز ... إلى (worms) ، فإنهم جميعهم مرتهنون لشركة رينو المنتج الأكبر للسيارات، حتى بدت في ذلك كله رب العمل لها جميعا. فأوروبا أضحى تنظيمها الإداري تحت إشراف يهودي.
لقد أفلست شركة فورد ودفعت غاليا ثمن ادعائها القيام بدور المعلم الأكبر في صناعة السيارات.
وفي بريطانيا فإن فئة (Goyim) بدت أكثر ذكاء حين عرفت حدودها فلم تضع نفسها في مرتبة المعلم الكبير أو المعلم الثانوي.
فالإنكليز فهموا أنه على الجيل منافسة اليهود في نطاق إدارة الأعمال، وغدا أبناء العائلات في بريطانيا يبرزون في نطاق إدارة الأعمال في المؤسسات اليهودية.
ففي الزمن الغابر كان التسامح يجري على هامش المجتمع الأوروبي، وكان اليهود عبر هذا التسامح يتسربون إلى داخل المجتمع لعوامل الشفقة بهم والرحمة أو الزمالة الثقافية ثم أخيرا المواطنية ليبلغوا مقاصدهم، حتى أضحى اليهودي في النهاية المعلم (Lemaitre) ؛ أي رب العمل الذي يعمل خلف قناع النظام الاجتماعي الأوروبي الذي خبره في العمق حتى أخره ليحتفظ بتراتبيته هذه. وفي الوصول إلى هذا المقام يكون اليهودي قد أضحى في عمق النظام الاجتماعي الأوربي وقلب كل تراتبية فيه.
إنه الآن اليهودي الذي يستقبل بكل تكريم واحترام ابن عمه في العائلة البريطانية كمدير لأعمال الأسرة المالكة، وهو يجد فيها سندها لمهمات ومراكز في نطاق الإمبراطورية البريطانية.
لقد كان جده من قبل يريد الارتفاع إلى مستوى المساواة والديمقراطية
стр. 74
في المجتمع الأوروبي، لكنه الآن اليهودي (المودرن) وقد وصل إلى
مستوى في اتجاه معاكس حين أضحى طموحه على رأس التراتبية.
لذا فالمساواة الآن أصبحت تقتضي أن تتهود الديمقراطية عمليا لتحقيق المساواة من جديد، ولا يعني ذلك الدخول في اليهودية كعقيدة دينية، فاليهودي لا يتسامح مع المؤمنين الجدد لأنه لا يريد له شركاء، إنما من حيث التعامل في الأفكار الجارية فإن خلفية اليهودي الفكرية هو أنه يريد عالما يعمل بجد في سبيل امتيازاته ومصالحه. إنه الآن يجد نفسه اليهودي الذي يفكر وأوروبا هي التي تعمل، فالمجتمع الأوروبي أصبح مقتصرا على نموذجين: الرجل الذي في يده (Serviete) وملفات على مكتبه، والرجل الذي بيده (musette) زوادته، وهو منصرف باكرا إلى عمله. فالأول مدير أعمال - موظف- نائب في المجلس ... والثاني عامل يعمل لحساب سواه، يستيقظ كل يوم مسرعا إلى عمله وبيده زوادته ..
فهذا المجتمع الذي يعمل بكامل طاقته لمصلحة اليهودي أصبح أخيرا يفكر مثله ويعمل من أجله. وقضية دريفوس ليست سوى اختبار لمدى يهودية فرنسا. والكاتب الفرنسي درومونه في كتابه (فرنسا اليهودية) (La france juive) في نهاية القرن التاسع عشر لم يكن يدري إلى أي مدى يعبر هنا عن الحقيقة. فهذا الكاتب السياسي الصريح والسليط بدا في النهاية وكأنما هو نفسه أصبح يهوديا حين وقع في الفخ نفسه فمات متزوجا من يهودية. لقد جاءت الآن الصحافة في الوقت الملائم لتنشر على العالم كله الأفكار التي تلد في الهيكل الكبير.
٤ - اليهودي المذهبي المتزمت (Doctrinaire)
من لعنة الزمن أو من إرادة شيطانية، فإن عمل اليهودي يبني وبذور تهدمه
في تضاعيف بنائه. فاليهود هم الذين ابتدعوا هذا العالم الرأسمالي. وإذا
стр. 75
غدا شيوعيا ووطنيا واشتراكيا فذلك لأنهما جملتان مختلفتان لرد فعل واحد. وهكذا أصبح العالم متهودا، لكن اليهود رأوا أنهم استعجلوا نتائجه هذه بما ليس في خطتهم حينما واصل تطوره الطبيعي، وهكذا بدا وكأنما اليهود ضد عملية التهويد هذه فعمدوا إلى تحويل طريقها بما سارع
إليه ماركس.
فماركس كان أول من خرج بفكره عن مساره الأساسي (Dèviatiste) ، وذلك قبل أن تستعمل هذه الكلمة، فعمله ولد من شعور خفي وكأنما يحافظ على الرأسمالية في سبيل عنصره، وهكذا عمد اليهود إلى الثورة الروسية أو الثورة الهتلرية بعد ذلك كردة فعل ضد الرأسمالية كما أشرنا.
لقد رأى ماركس أن ثمة خطرا يداهم إمبراطورية عنصره، وهكذا قيد المسار حينما طرح كتابه (رأس المال) كمعيار عقدي كي يضيف إلى الرأسمالية نتائج في مصلحة مملكته اليهودية.
فالماركسية في الأساس كنظام جاءت تبطئ بالثورة القادمة لأغراض تتصل بالمصالح في المملكة اليهودية.
منذ ١٧ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩١٧ فإن حزب الثورة الروسية أصبح يدار عبر اليهود التروتسكينيين، وما هو أكثر دلالة تلك الخطة الخمسية الأولى التي جرى التصويت عليها عام ١٩٢٥ من أجل تصنيع الوطن السوفييتي، لكن التمويل جاء من الرأسمالية اليهودية من وول ستريت. وهنا ينشأ التساؤل التالي:
أفكان مورجان شيفر مدير وول ستريت من البلادة في العمل المصرفي حتى يمول السوفييت الجدد في الخطة الخمسية بغير ضمانات؟ أم أن هذه العملية هي تمويل استثماري للبنك بكل ضماناته المصرفية؟
لم يفكر أحد في طرح هذا السؤال الذي نحاول تحليله هنا لأنه ينفذ بدقة إلى عمق الغموض الذي سيطر على عصرنا.