أخوة وتآخ
في المشروع الإسلامي فيما استعرضنا بصورة مقتضبة أشرنا إلى مشروعين لهما كل اعتبار في ارتباطهما بما سميناه: المشروع الخارجي والمشروع الداخلي.
المشروع الداخلي نرى له أهمية مع أننا وضعناه جانبا لطابعه الخاص، وذلك في سبيل الاهتمام الذي أعطيناه للفصل السابق بصورة مكثفه منعتنا من الاهتمام بالمشروع الداخلي ببعض الشرح والتفصيل.
والواقع أننا حينما نستعيد مثلا الوجه المسيحي نرى طابعه التثليث والمحبة معا، وكذلك الوجه المسلم يبرز في عبارتين أساسيتين: الوحدة والأخوة ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ٤٩/ ١٠]، وهنا نتساءل: إلى أي مدى عكست هذه الحقيقة التاريخية حضورهما في المجتمع الإسلامي؟
من المؤكد أن هذا المجتمع قد مرت به مرحلة خاصة ومظلمة في تاريخه، حين انطلقت من القابلية للاستعمار والاستعمار معا، لكن الوضع الحاضر يبدو وكأنما هو على أبواب مخرج من هذه الثنائية.
لا شك أن ثنائية الاستعمار والقابلية للاستعمار قد شوهت القيم الدينية كثيرا، حين افتقدت الشعوب الإسلامية مشاعر الأخوة الإسلامية، التي كانت البساط الاجتماعي الذي افترشه المؤمنون الأول، يشد بعضه بعضا آصرة وحدة كانت رافعة الحضارة والتاريخ الإسلامي.
لقد أشرنا في القسم الأول من هذه الدراسة إلى الأسباب الداخلية التي فككت عرا الشعوب في البلاد الإسلامية حتى بين أهل المدينة الواحدة.
стр. 142
فقد وفرت القابلية للاستعمار متسعا للأسباب الخارجية التي عملت في ظل الإدارة الاستعمارية؛ كي تأخذ مجالها في تقسيم البلاد. فمنذ بداية القرن العشرين في ظل هيمنة الاستعمار وامتداداته خلف جدار التخلف، كانت الجزائر والمغرب يحارب كل منهما أخاه على الحدود التي رسمها الاستعمار في أرض الجدود ليحتلها، لكن شعور الأخوة قد بدأ والحمد لله ينبعث من جديد، وبدأت أصداؤه تتخذ لها مقاعد تتحلق حول القضية الفلسطينية والقضية المراكشية في العالم الإسلامي.
لكن هذه الأخوة التي يعبر عنها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي لا تزال في عمق الشعور، ولا بد أن تنتقل إلى وعي يجند الطاقة في بناء للمؤاخاة هادف وتطوعي بين المسلمين والعالم الإسلامي.
فمع تطور الأحداث والأيام؛ تنامت الأخوة في بسيط العالم الإسلامي، لكن الأخوة لكي تأخذ مداها التاريخي كما بدأت أول مرة، لا بد أن تنتقل من عمق اللاشعور إلى عمل واع؛ يجند الطاقة لبناء عمل تطوعي؛ له في المؤاخاة مواعيد إنجاز؛ في خطط متوالية بين أنحاء العالم الإسلامي.
صحيح أن الأخوة الإسلامية بادية مع تطور الأحداث الراهنة والأيام، لكنها لم تحدد خطة لها أو قضية تجند المؤاخاة في أهدافها، فالتخطيط الهادف في فاعلية الأخوة الإسلامية يضع العالم الإسلامي في التطور المشاع الذي يهيئ لبواكير العالم الآتي، فالأخوة في هذا المنعطف ينبغي ألا تظل في اللاشعور، بل يجب أن تأخذ مكانها في تطور يحقق نتائج ملموسة؛ لها دورها الأكيد والحاسم في معايير نظام جديد. لا بد أن تنتقل الأخوة من مجرد الشعور إلى إرادة العمل، فكل عمل تضامني لا يؤسس لإرادة هادفة، تسوغها عملية تخطيط (وعلى الخصوص في العالم الذي سوف يعقب العالم الحاضر) هو مجرد حلم.
стр. 143
ولكي تجدد الأخوة الإسلامية حضورها؛ عليها أن تعي دورها في خطة مؤاخاة بكل أبعادها الفنية. وهذا التحديد في جانبه العملي والفني في حاضر عالمنا الإسلامي قضية شائكة حتما وغير مؤهلة للتطبيق. لذا وعصرنا الذي هو على وشك النهاية؛ ينبغي الإعداد لمناخ العصر الآتي الذي يتسع فيه النطاق لمؤاخاة أبعد من السلوك الفردي، لأنها تمتد إلى حركة؛ بخطتها الفنية التضامنية كفصل من فصول علم الاجتماع، وهنا ونحن نتحدث بعبارات وصيغ جديدة، لكن النموذج الأمثل الذي يحقق نتيجة ما نرمي إليه من المؤاخاة؛ ما كان عليه مجتمع المدينة بقيادة الرسول (ص). فالرسول الأكرم لم يبلغ آيات الوحي في قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ٤٩/ ١٠] بل هو آخى وقام بتعبئة تنظيم عملي للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكانت المؤاخاة هذه هي النقطة العملية التي انطلقت بها المسيرة بفاعلية أكبر مما تكون عليه أخوة بنت علاقة حميمة بدافع سلوك أخلاقي. فالرسول (ص) ترك لنا عمق المنهج الفني العملي لبناء أخوة هي الأوفى بولادة مجتمع إسلامي وتطوره، وهذه الأصول الفنية العملية هي التي ستعيد للأخوة الإسلامية في العالم الإسلامي وجهتها رسالة وطريقا، وهنا نذكر ما جاء في الأثر من أن الإسلام سيعود غريبا كما بدأ.
من هنا فاتباع هدي الرسول (ص) ليس بالأماني والانتظار الغيبي، وإنما هو خطة طريق وعمل؛ تقوم على فنية المؤاخاة استعدادا لمهمة في مستوى الرسالة في عالم جديد.
ولنا نموذجان كمسلمين: الأول في الصين والآخر في الجزائر: (سن يات) الصيني الذي أصبح أخا لعبد الله بن إبراهيم الجزائري. فالأخوان تحابا كما أنهما لأب وأم واحدة يتبادلان الرسائل فيما بينهما بانتظام ويرث أي منهما الآخر، وهذا يعني أن ثمة شيئا جديدا في تاريخ العالم
стр. 144
الإسلامي يؤذن بما بعده؛ إذا ما أصبح هذا الجديد من الأشياء نمط انفتاح وتعارف بين مسلم في باريس ومسلم في جاكرتا. وآخران أحدهما
في لندن والثاني في داكار، وواحد في برلين وآخر في كراتشي، فهذه
الصلات إذا ما أحكمت روابطها فسوف تتفاعل تضاعفا بصورة طبيعية بين شانغهاي والرباط.
فالأخوة الإسلامية حينما أصبحت حقيقة اجتماعية في التاريخ الإسلامي، كانت المدى للدفعة الأولى التي أرساها الرسول (ص) في مجتمع المدينة؛ في حيوية باكرت الأرض الطيبة فيه بغرس خطة عمل لبناء مجتمع، وإذا كان لكل خيار خطة اختصاص في تنفيذها، وللمؤاخاة بين المؤمنين خطة تطبيق عملي، فهما بعض ما كان في مؤاخاة (سن يات) الصيني وعبد الله بن إبراهيم الجزائري من تطبيق عملي فني، إذ كل منهما خفض الجناح لأخيه فكانت وحدة التطلعات على سواء بينهما في نطاقهما الخاص، لكن النطاق العام له مداه الواسع في تنظيم؛ يسكب هذه المقاربات في قيادة مسارها وميزان نشاطها، فيؤشر إلى وحدة المسار تفاعلا أو ترهلا، وهو يمنحنا في النهاية زادا من الوجهة الكمية، حصاد ما تفاعل من المؤاخاة لسعي مرتحل دائما لأفق جديد.
لا بد من مركزية تنظيم يراقب المستجد عبر مؤشر سنوي لحركة العالم الإسلامي، ونموذج المسلم الصيني والمسلم الجزائري صالح للتعميم كوسيلة تحقق واحدة من الشروط العامة لوحدة العالم الإسلامي في العصر الآتي.
стр. 145
خاتمة
إن الجزء الأول المنشور في هذه الدراسة هو النتيجة التي تغني عن تقديم مزيد في هذا الفصل، لكن وأنا أنتهي من الجزء الثاني سيكون العالم قد أخذ مساره في منعطف تبدو فصول هذا الجزء من وجهة العالم الإسلامي بعض اهتماماته.
من ناحية أخرى فإن تصريح تشرشل منذ أيام بعد رحلته إلى واشنطن يشعر باحتمال الهجوم على الصين الشيوعية إذا لم توقع الهدنة في كوريا، وتصريح تشرثل يترابط مع التصريح الذي أدلى به رئيس وزراء اليابان حول معاهدة سلام مع الصين الوطنية بما يشير إلى أن الضغط الدولي قد ارتفع عام ١٩٥٢ أعلى مما نفكر.
من ناحية أخرى يبدو الجيش الشعبي في مصر متجها نحو حرب ضد بريطانيا، وفي إيران يوحي تصريح حسين فاطمي باتجاه نحو إلغاء معاهدة الصداقة البريطانية - الإيرانية عام ١٩٥١، ومن مؤشرات ذلك أن مصدق أغلق القنصليات البريطانية على كامل الأراضي الإيرانية.
هذه الأحداث تدعم مظهر الحياد في البلاد العربية، وهذا ما يؤيد مظاهرات احتجاج وغضب منذ ثلاثة أيام في تونس بسبب اعتقال مؤسسي حزب الدستور الجديد، لكن توقيف القادة الشيوعيين في تونس أعطى مادة للتفكير؛ أفلم يعد الغربيون مهتمين بدفع البلاد العربية إلى ما وراء موقفهم الحاضر، أي دفعهم مرحلة إلى التخلي عن مزايا حيادهم باختيارهم أو رغما عنهم، والانضمام إلى فريق هذا المعسكر أو فريق ذلك المعسكر في الحرب القادمة؟
стр. 146
هذا الافتراض ممكن سواء في الخطة العسكرية أو في الخطة السياسية.
والغربيون يعرفون جيدا أن مواقف العالم العربي مع هذا الفريق أو ذاك لا أثر لها ولا فاعلية، لكن الصداقة مع العالم العربي تحكمها مصلحة مزدوجة؛ هي القواعد التي على البلاد العربية أن تقدمها لهم، ليحققوا استراتيجية الحرب عبر هذه القواعد في أمرين:
١ - استعمال هذه القواعد في أية خطط عسكرية.
٢ - أن تصبح البلاد العربية هي نفسها مسرح العمليات الحربية.
إذن هنالك حاجة لدى الغربيين في صداقتهم هذه، بقدر ما يحددها مستشاروهم اليهود.
من هنا قد تبدو مظاهرات الاحتجاج والاستنكار في الساحة العربية ضد الغربيين؛ هي الغطاء لصداقتهم للعالم العربي التي تنمو في خدمة استراتيجيتهم الحربية والسياسية.
بكل حال فالمهم هو الخط السياسي الذي على العالم أن يخطه بعد الحرب التي ستأتي.
فمستقبل هذا العالم سوف يرتكز على بعض المعطيات التي تأخذ في حسابها عبرا ودروسا من الماضي؛ لا بد أن تدخل مخططه العام في حركة نشاطه. وهنا من الجنون وقلة التبصر نسيان السر الخفي في بنية وتكوين العصر الحاضر الذي فصلناه في هذه الدراسة، ومن ثمراته دولة إسرائيل التي لن تجد لها مكانا في العالم الذي سيأتي. بكل حال كيف ما كانت هذه النهاية فإن على العالم الإسلامي أن يتبوأ مكانه الخاص في النظام الجديد، ولكن قبل كل شيء عليه بناء قيادة مركزية (Etat mageur) قادرة على أن ترى وعدا باستراتيجية سلام مستقر لمدي بعيد.
مالك بن نبي
Luat clairet ٢٢ - ١ - ١٩٥٢
_________
نهرو: ١١٧، ١٤٣
نوسترادان: ٦٤
نيروبي: ١٠٤
نيويورك: ١٣٩
نيويورك: ٥٦، ٧٣
هارون الرشيد: ٥٨
هتلر: ٤٦، ٩٢ - ٩٤، ٩٧ - ٩٨
هتلر: ٩٩ - ١٠٠، ١٢٢ هس: ٩٨
الهند الصينية: ١٤٢
الهند: ٤٣، ٤٦، ١٠١، ١١٧، ١١٩ - ١٢٠؛ ١٤٠، ١٤٢ - ١٤٣
هولندا: ٤٦، ٥٦، ٥٩، ٦٧، ٧٤، ٧٩ - ٨٠، ٨٢؛ ٩٧
واشنطن: ٢٠، ١٢١، ١٤٨
وستفاليا: ٩٦
الولايات المتحدة = أمريكا ولتر. ج فيشل: ٨٦ (ح)
اليابان: ١١١، ١١٦، ١١٩، ١٣١، ١٤٠، ١٤٢، ١٤٨
اليونان: ٤٩، ١٣٢
Bariel: ٤٧ Calais: مضيق): ٩٧)
Caton: ٥١، ٥٣ Heine: شاعر يهودي) ٧٠)
Hord d'or: ٨٥ Ignace de Layola: ٥٨ J. Flaviers: ٥٢
(Luat): قرية مالك بن نبي في فرنسا
١٩ - ٢٠ (ح)
ل. Maritain: ٤٥
Maurras: ،٥٤، ٧٩ - ٨١، ٨٥
٩٤
Max Boer: ٤٧ Oulang Bat: ٨٥ - ٨٦ Patron: رجل أعمال يهودي) ٧٣) Pierre L'Ermite: ((بيار أرميت
٥٨، ٨٨ - ٨٩
Plank: ٩٠ Schiffer: ٧٣ Seoul: ١١١
Wall Street: ٤٧، ٧٣، ٧٦
стр. 153
٢ - مسرد الشعوب والجماعات والمذاهب
стр. 154
٣ - مسرد المعاهدات والمؤتمرات والاتفاقيات
стр. 155
PROBLEMS OF CIVILISATION
THE PATH OF THE ISLAMIC WORLD - Part (٢)
Wijhat al-Alam al-Isiami Malik bin nabi
في هذا الكتاب الجديد الذي ينشر للمرة الأولى، يتوجه مالك بن نبي إلى جيل جديد يعقب جيله، ليؤكد لهم، وهم بين أنقاض عالمه، أن عليهم واجب بناء عالم خاص بهم. وضع المفكر مالك بن نبي الخطط التي يراها مجدية للنهوض بالعالم الاسلامي، وحدد له وجهته نحو المعاصرة والحداثة.
كيف أثر الفكر اليهودي في بناء أوربا؟ وكيف تشكلت الظاهرة الاستعمارية؟ وكيف استطاع اليهود لم شملهم وتأليف قوى سياسية وثقافية واقتصادية فاعلة على الصعيد الأوربي والعالم؟ لماذا يحاول الغربيون إجهاض أي نهضة أو تحرك إيجابي في العالمين الإسلامي والعربي؟! هل يمكن أن يحقق العرب والمسلمون أي نهوض دوف التخلص من مرض القابلية للاستعمار؟!.
هذه الاسئلة هي التي درسها مالك بن نبي في هذا الكتاب. وذكر أنه عندما تتحقق النهضة. يستطيع العالم العربي أن يعرف أكثر وجوه النقص في الحضارة الغربية. كما سيتعرف على مصادر عظمتها .. وعندها ستكون العلاقات والصلات بين الغرب والعالم الإسلامي أكثر خصبا.