الثقافة الغربية المادية أن تملأ الفراغ الروحي في أوروبا الذي أشرنا إليه، ومن خلال هذا المناخ فإن مراكز الحرب تبقى طالما بقي لأمريكا وروسيا مكان يتم فيه التوافق حول المرحلة التالية والتي نتحدث عنها هنا، أي إيجاد مقارنة بين عنصرين استراتيجيين أساسيين: الأخلاق الروسية أو الأخلاق الأمريكية، وهذا ممكن إذا ما كانت القوة العسكرية الأمريكية في مرتبة أعلى منذ بداية الحرب حتى المرحلة الثانية منها.
وهنا في تقدير هذا الاحتمال وعلى ضوء الحرب الأخيرة؛ يجب أن نأخذ باعتبارنا ما كان من قوة الجند لدى الجندي الروسي عند نقص التموين اللوجستي للحرب أكثر منه لدى الجندي الأمريكي. فقد أثبتت الحرب الكورية ضعف العامل المعنوي لدى الجندي الأمريكي؛ منذ أن وجد نفسه محروما من الكفاية اللازمة ومن الشعور بالأمان الذي تمنحه القوة الميكانيكية في وجه العدو. ففي النزاع القادم سوف يعتمد الشعب الأمريكي بأسره على الآليات الجديدة (V ١ - V ٢) أي السلاح الذري وخلافه، فإذا ما نقصه شيء من عدة الوسائل فإنه مضطر إلى الاعتماد على العدة النفسية؛ كما فعلت بريطانيا في الحرب العالمية الأخيرة، حيث تولت العدة النفسية جبر الحيوية القتالية، وإلا فإن الجندي الأمريكي في النهاية سيفقد ثبات تفوقه.
وإذا كانت الحرب القادمة تبنى على كسب الجبهة القطبية وجبهة الباسيفيك والجبهة الإفريقية؛ فإن الحرب ستؤدي مع تطورها إلى النقص حتما في التموين اللازم، مما يستدعي من جانب أمريكا ضخ مصادرها الداخلية في الولايات المتحدة، وهنا سيستعيد الذهان الكوري في الذاكرة التي تسكن أمريكا الشمالية بأسرها، وحينئد سيكون للجانب المعنوي نتائج مثبطة في ميزان النتائج، وهكذا فإن المقارنة بين سائر العوامل الاستراتيجية الداخلية والخارجية ستكون لمصلحة الشيوعية.
стр. 107
وهنا يقودنا الأمر إلى الوجه الثالث في جبهة تنشأ في المدى الجغرافي لأمريكا ككندا مثلا، فلا يعود الأمر سوى خط واحد هو المسارعة نحو حرب كاسحة قادرة على إلغاء روسيا في يسير الزمن، لكن هذا غير ممكن إلا إذا أوتيت أمريكا سلاحا سريا لا تملك روسيا أي فكرة عنه ولا أي حظ في تفاديه.
فإذا كان القدر أراد إنقاذ الرأسمالية فمن المؤكد أن هذا هو الحظ الوحيد الباقي لها عبر قرار سريع مداهم، وإلا فهناك مع الزمن آفاق عدة سوف تبرز؛ فروسيا رغم نجاحها القاري المحتمل في استعادة أوروبا وإفريقية فإن هذا الأفق لا يبدو في روزنامتها، ومع ذلك فإن آلية النزول الضروري لإنهاء الحرب عسكريا؛ عبر معركة على أرض الولايات المتحدة الأمريكية من خلال كندا، هي من شروط الوجه الثالث للحرب، الذي يعني أن تقوم الولايات المتحدة برفع كأس الاحتفال في اتفاقها مع روسيا ومع الكادرات المنتشرة ومع المعدات التدميرية، ثم ترد روسيا على الأمريكان بمثله. لكن من أجل تحقيق هذا الهدف والوصول إلى نهاية
الحرب لا يبقى من إنهاء الحرب سوى شرطين؛ أي أن تقوم ثورة في
أمريكا أو أن تقوم روسيا باحتلال أمريكا، وكلا الأمرين ممكن نتيجة حرب طويلة الأمد وقد بلغ بهما الوهن لدرجة أنه لن يكون النصر أبدا الوسيلة لأي منهما في تحقيق النظام الذي تريده للعالم.
هذه الخلاصة في نتيجة حرب كهذه مفترضة؛ هي وحدها التي يجب استخلاصها لإدراك مدى تأثير الدبلوماسية الغربية الحالية للعالم الغربي على العالم الإسلامي.
стр. 108
الفصل الثالث
الحياد الإسلامي
أولا: العالم الإسلامي والحياد
منذ نهاية الحرب عام ١٩٤٥ تطورت النفسية السياسية وحدها في العالم الاسلامي، وكان الحدثان اللذان أديا إلى هذا التطور هما فلسطين والحرب الكورية، فالسياسة الإسلامية عقب الحرب انطلقت اتجاهاتها نحو انتصار أمريكا من ناحية، ومن ناحية أخرى الاعتماد على الايديولوجية الأممية أي الثقة الكاملة بهيئة الأمم المتحدة.
فقد كان تصاعد قوة أمريكا قد بني على ذلك النصر الكبير على ألمانيا وقوتها التي لا تقهر، وهذا قد رفع من اعتماد العالم الإسلامي على قوة أمريكا، ثم إن العالم الإسلامي لم يكن قد استكمل تحرره من الاستعمار.
لذا كان انحياز العالم الإسلامي نحو أمريكا له معناه لا شعوريا ضد روسيا. هذا الانحياز اللاشعوري قد سار قطاره على خطين هما كلمتا: (Remantism opportunism) فالأولى تعني المواقف التي تسوقها الظروف، والثانية الأحلام التي تسوقها الشعارات. وهكذا غدت الشعارات مثل خطي سكة الحديد لا تلاقي بينهما ولا وعد فيهما لوحدة المسار نحو المستقبل، لاستحالة الجمع بينهما. وقد بنيت السياسة الإسلامية على ما سار به الزمن؛ تناقضا في الوسائل والأفكار، حتى وهي تعالج القضية الفلسطينية.
стр. 109
لا أريد هنا أن أشير إلى الفوضى التي عمت الجبهة الداخلية للعالم العربي والتي تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، ولكني هنا أتحدث عن السياسة في مستوى الحدث. فمنذ أعلن بن غوريون الدولة الصهيونية؛ أعلنت أمريكا الاعتراف بها في منتصف ليل اليوم نفسه، والباقي كله سار في طريقه عبر الأمم المتحدة التي غدت ضد مصالح وحقوق وآمال العالم العربي، وذلك الذي تجلى في قرار الهدنة التعسفي حين أصبحت الجيوش العربية على بضع خمسة كيلومترات من تل أبيب. وهكذا ما إن أعلنت دولة إسرائيل حتى كان التسلح يأتيها من سائر
المرافئ الأوروبية.
ثم إن إسرائيل المسلحة هي التي حاصرت الفيالق المصرية، حتى انتهت الأمور إلى هدنة كاملة، وذلك ما مكن الدولة العبرية من طرد مئة ألف من عرب فلسطين من منازلهم وبيوتهم التي يعيشون فيها، إلى المخيمات التي ازدحمت بهم، واستسلموا لأمل العودة الذي لا يأتي حتى يومنا. (إن) مسار الأحداث التعيسة هذه، قد أزاغ أنظار هذا العالم الإسلامي في تقدير القيمة الجوهرية لإيديولوجية الثقة بالأمم، في الوقت نفسه الذي حلمت فيه رومانسية السياسة العربية بالأمم المتحدة، دون القيام بأيما
جهد في أروقتها تحتل به مركزا في الإطار الدولي كشريك، أو تحقق عبره هدفا محددا. وهكذا فقد الإيمان وبكل بساطة فجأة كما جاء فجأة، ودون دراسة ترمم تصدع الثقة بجدوى الأمم المتحدة، لأن السياسة العربية منذ البداية اعتمدت على الرياح الملائمة التي تسوق المواقف (opportunism)، لأن جذورها في الأساس بنيت على الخوف والاحترام معا للقوة الأمريكية.
فالخوف من أمريكا كان سيد الموقف العربي، وقد غلف برومانسية الثقة بالأمم المتحدة كريشة في مهب رياح السياسة الدولية. لقد انتهت الحرب
стр. 110
العالمية الثانية وكانت كلمة (القنبلة الذرية) كلمة سحرية، وغدت مفتاح القوة السوبر إنسانية في صورة أمريكا التي تملك وحدها القنبلة السحرية، وأضحت بذلك العنصر الوحيد الذي يعتمد عليه في العالم الإسلامي، وذلك ما أحيا الرومانسية مجددا بالأمم المتحدة تحت رعاية أمريكا.
لكن الحرب الباردة ما لبثت أن جاءت بعناصر جديدة، وقد بدأت تبرزها الأوضاع التي تجري في آسيا، وأبرزها النصر الذي حققه نجاح ماوتسي تونغ وهو يطرد البطل الأمريكي، فأضاف إلى المكانة الروسية ٤٠٠ مليون صيني في الوقت الذي كان الرئيس ترومن يتلقى أنباء امتلاك روسيا القنبلة الذرية.
هكذا افتقدت القنبلة الذرية سحرها، لكن أمريكا مع ذلك بقيت تحتفظ بالقوة الأكبر في العالم الصناعي، والتي لا تقهر لولا بلد مجهول في أقصى الشرق هو (كوريا الشمالية)؛ التي أعلنت حربا مدنية ضد كوريا الجنوبية بدعم من روسيا، أدت إلى هزيمتها رغم دعم أمريكا ورقابتها، فغدت جزءا من المفاوضات الدولية منذ اليوم الأول من حزيران/ يونيو ١٩٥٠.
وإذ هذه الأحداث تجري فقد كان لدور اليابان ما تقدمه لتلميذتها (Seoul) ، وهكذا كان العالم يقف على عتبة النصف الثاني من القرن في لحظة ترقب لما يجري في كوريا الشمالية؛ التي احتلتها أمريكا ودمرتها عبر قوتها الحصينة.
لكن المأساة الكورية أخذت معنى مختلفا، والفلاح الروسي الذي أمضى خمس سنوات في النظام الشيوعي في التدريب على شؤون القتال والحرب، قد أفرغ كل خبرته في مواجهة تكنولوجيا الحروب الحديثة.
لقد كان تكتيك الفلاح الكوري غير متوقع من القيادة الأمريكية؛ حين عطل استخدام سلاحها الآلي كدبابات، وهكذا غدا الجندي الكوري
стр. 111
متفوقا بدرجة عالية على الجندي الأمريكي، وغدا الجندي الأمريكي لا يرى أمنا من الجندي الكوري الذي يفاجئه، حيث لا يجد غير الهروب
نحو البحر.
هكذا أحاطت الأسطورة بالجيش الشمالي الكوري بديلا عن سحر القنبلة الذرية، أما الصحافة فلم تجرؤ على تعليق أو دراسة ظاهرة الحرب الكورية، بل اتجهت نحو أمريكا في تعال ساخر ومستهزئ.
فالمجلة المصورة (ماش) التي تصدر في باريس؛ توجهت نحو الأمريكيين ببعض الأشياء التي يمكن بها أن تحول نظر العالم عن كوريا، ومنها لصحافي طرح تمنيا أن يعم طوفان ينسي الأحداث الجارية، حتى لا يعود ممكنا رواية انتصار الفلاحين الكوريين على الجيش الأول الحديث في العالم.
تلك كانت روح تداعى من خلالها جدار الخوف؛ من شعار الخطر الآسيوي على الحضارة والمدنية الغربية الذي رفعته من قبل السياسة الأمريكية. لكن هذا الشعار لم يلبث أن رفع مجددا ليصرف الأذهان عن العناوين الرئيسية في الصحف، حتى الصحف الكورية التي نقلت أنباء كوريا الشمالية. فالعالم الحديث هكذا؛ بقي أمينا على الدروس التي تعلمها من اليهود؛ صانعيه ومؤلفي فصوله.
وبكل حال فالحرب تحولت إلى مرحلة جديدة، والأسطول الأمريكي المدعوم من الأسطول البريطاني بعد نزوله في (Ineloi) أعطيا معا دفعا معنويا للجيش الأمريكي؛ عبر عنه قائد الجيش وهو يخاطب جنوده ليرفع معنوياتهم في عبارته التاريخية الشهيرة في كانون الأول/ ديسمبر ١٩٥٠ - وكانت هي الكلمة الوحيدة في هذا التاريخ - (ستجلسون في عيد الميلاد القادم في بيوتكم ومع عائلاتكم على مائدة الميلاد؛ وتأكلون
стр. 112
لحم ديك الحبش). لكن قدر هذه الحرب كذب بقساوة كل تشخيص القائد الأمريكي، بل كانت النتيجة على العكس حين بادر المتطوعون الصينيون إلى دخول المعركة، وكان الاندحار الفوضوي للجنود
الأمريكيين يؤخر إلى أجل، وعد عيد الميلاد.
وها نحن اليوم نرى مجرى الأحداث التي نجهل إلى أين ستنتهي (وإن هناك حديثا عن هدنة بتاريخ كتابة هذه السطور في ١٩/ ١/ ١٩٥٢). فقد أضحت الكارثة التي حلت بالجنود الأمريكيين تتطلب البحث عن نتائجها الخطيرة.
إذن فالقوة الأمريكية ليست هي القوة التي لا تندحر، والفلاحون في كوريا الشمالية في جيشهم البدائي؛ أعطوا المثل بما يهدم أوهام العالم، والعالم الإسلامي على الخصوص.
عبر هذا النموذج الذي أعطى المثل؛ نرى كيف أن أحد خطي مسار السياسة الإسلامية، وهو خط المواقف التي تسوقها الظروف (opportunisme) ، قد أصيب بضربة قاسية. كما انهار الخط الآخر من رومانسية الثقة بالأمم المتحدة منذ مناقشة قضية فلسطين، وهكذا مع الحرب الكورية التي مست كبرياء القامة الأمريكية، كانت كلمتا السياسة الإسلامية: المواقف التي توقها الظروف: (opportunisme)، والأحلام التي تسوق الشعارات: (remantisme) ، قد انتهت بالفشل السياسي الذريع.
فالعالم الإسلامي بدأ بعد هذا كله يتجه نحو سياسة قريبة من روسيا؛ حين اختار لنفسه سياسة الحياد. ويبدو أنها بدأت تأخذ هذا الطريق الثاني بعد اغتيال لياقت علي خان في باكستان، والأمير عبد الله في القدس، إذ طرحت هذه الأحداث نفسية سياسية جديدة يمكن تعريفها بكلمة واحدة: الحياد.
стр. 113
ثانيا: الحياد الإسلامي والدبلوماسية الغربية
لم يكن ترابط الفصول الثلاثة السابقة التي قدمناها مجرد فضول حديث، بل هي مقدمات لازمة لفهم الدبلوماسية الغربية وعقلانية عناصرها في موقفها من الحياد الإسلامي أمام الصراع العالمي الراهن.
وإذا كان الدور الأساسي في التحضير للحرب القادمة يعود لليهود، فإن توفير الشروط الملازمة لانفجار الحرب، يرتبط بالحساب اليهودي الذي لا يتبنى حادثا في إشعال فتيل الحرب إلا ويشبعه تحليلا، لذا كان من الطبيعي أن يمر الأمر عبر الخبراء (باروس) أو (رنيه ماير) ليحللوا الواقع، فيستخرجوا منه ما يرسم اتجاها أو إيحاءات تدفع الأمور في الطريق المرسوم.
هذه الاعتبارات الأولية أوحت إلي الطريقة التي أفترضها لمعرفة السبب الذي يحدو باليهودي أن يحسب النتيجة التي على أساسها يبني خطته.
تحليلنا وصل الى احتمالين رئيسيين في أساس الحرب القادمة المفترضة:
الاحتمال الأول: إذا أعلنت أمريكا الحرب في هذه اللحظة؛ فثمة خطر كبير أن تخسرها أو أن تخرج منها ضعيفة هزيلة، بحيث لا يستطيع انتصارها أن يثبت نظاما تفرضه في العالم.
الاحتمال الثاني: العالم الإسلامي إذا ما ظل محايدا، كما شرحنا في الفصول السابقة، ونستثني البلاد المحتلة مباشرة كإفريقية الشمالية وإفريقية السوداء، فإن الاحتمالين إذا وضعناهما بنجوة من اهتمامات اليهودي العالمي، والذي هو المحرك لمسار الدبلوماسية الغربية، فإن العالم الإسلامي سيحقق النتائج التالية:
стр. 114
أ - إن الحياد الإسلامي سيحقق حضورا دوليا مفترضا يجعل كلا من أندونيسيا - أفغانستان - إيران، مع دول الجامعة العربية؛ جزر سلام خارج حرب عالمية، ولكي ندفع بالاحتمال خطوة إلى الأمام، فإن هذه الجزر لن تكون مجرد حياد قدري كما كانوا في عصر قابليتهم للاستعمار، بل هو حياد واع ومفكر وعملي.
ب - مقتضى هذا الحياد في حالة المسلمين في الحرب القادمة، وهذا مجرد افتراض، أن هذه الجزر من السلام ستكون ورشا للعمل والدراسات، فأندونيسيا قد استدعت الاقتصادي الأول في العالم شاخت الذي خطط لاقتصاد الرايخ الألماني، وهو اليوم يشرف على آخر بصمات النظام الاقتصادي الأندونيسي.
وإذا عرفنا نحن المسلمين ما يستطيع هذا الخبير الاقتصادي أن يقدمه، وهو القادم بعد الحرب من بلاد فقيرة كألمانيا، فإن عالما من ستين مليون إنسان؛ يستطيع - إذا كانوا على استعداد لتقديم أفكارهم وأيديهم - أن يضع في خطته سبلا منهجية لاقتصاد يوفر لهم سبق غنى على الفريقين
المتحاربين.
ولأن العمل والأفكار لا يزالان في بدايتهما في الوقت الحاضر، فإن على أندونيسيا أن تواجه الفوضى التي خلفها طابع الاستعمار الهولندي، إذ لكي تخوله خطط شاخت الولوج بالكامل في السوق العالمية الحالية؛ فمنهجية السوق العالمية تم ترتيبها طبق غايات سياسية بين اللاعبين أمريكا وبريطانيا، لذا فهم سيقفون سدا أمام الاقتصاديات الناشئة؛ إذا لم تزود بفاعلية الدخول في السوق بقوة استثنائية، وهنا يقتضينا - حتى لا نركز على مؤشر وحيد له معناه- أن نضيف عنصرا إلى خطة شاخت هو اهتمام البريطانيين بإعادة سائر اليابانيين إلى وطنهم، بعد أن عطلت الحرب كل مرافقهم وإنتاجهم.
стр. 115
وهنا فالجنود اليابانيون يستطيعون أن يجدوا لدى جارتهم أندونيسيا المستقلة الآليات الفعالة لتصنيع البلاد؛ فتاريخ اليابان نفسه هو أمارة التطور السريع في آسيا الحديثة.
لكن الإنكليز سوف يحاولون حينئذ تفادي تجربة جر لليابان في أندونيسيا، بعد أن تجاوزت اليابان في مدى نصف قرن سائر المراجع التي تفصلها عن نظامها القديم البالي، وأصبحت في العصر الحديث هي الأكثر تقدما، لذا فالإنكليز لا يكررون ذلك في أندونيسيا.
ولكن ومع هذا العائق لنفرض لو أن اليابانيين نزلوا في مرافئ أندونيسيا، بكل بساطة وانفتاح وتعاون، أثناء الحرب المتوقعة؛ فإن الاقتصاد الأندونيسي الذي اخترناه نموذجا من بلد إسلامي، سوف يندفع بسوط حاجات هذه الحرب بأقصى طاقته من إنتاج زراعي وصناعي، لأن الطلب سوف يزيد على كل ما تنتج أندونيسيا، وهنا فكل فريق في الحرب كي يسبق الفريق الآخر يعمد إلى شراء إنتاج أندونيسيا ليقع العدو في فراع يربك حركته القتالية.
هذا التنافس حول الطلب ينشط بدون شك حركة الصناعة في أندونيسيا بما يسرع في برنامجها الاقتصادي.
فالحرب القادمة مع الحياد الإسلامي سوف تفتح الطرق لمقايضة تضع المصارف جانبا؛ لصعوبة أو استحالة في التعامل معها، لذا فطبيعة الواقع تفرض نفسها وتصبح مقايضة طن من الحبوب مثلا، أو من الحديد وما تنتجه المناجم، مقابل آلة صناعية تستورد من الدول المتورطة في الحرب، فإن ذلك سيكمل جهوزية مصانعها الميكانيكية، كل ذلك وفق خطتها الاقتصادية التي شرعت تبنيها بإشراف الخبير الألماني شاخت. وهذا كله يفتح للعالم الإسلامي باب التجارة الدولية، التي هي أساس العلاقات الدولية الاقتصادية إذا ما عم نموذج أندونيسيا على البلاد الإسلامية.
стр. 116
لكن هذا كله يبنى على الصورة التي ستنتهي بها الحرب.
فإذا انتهت الحرب بدون مقاتلين، أو أن أحد الفريقين مني بهزيمة ساحقة تهدمت معها مدنه ومصانعه جزئيا، وغدا اقتصاده منهارا كليا، وبات مجتمعه في حزن بالغ، وضاعت تقاليده في فوضى الهزيمة، فماذا يعني هذا الانتصار؟!
هذا الانتصار سيعني أن المنتصر سيبقى في حدود أرضه سيد ركام الحرب ومآسيه، وهو حر لكن في التفكير في مصيبته، لذا فهذا الانتصار لا يخوله إعادة صياغة نظام عالمي جديد، ومن ثم فالمستقبل سيكون أيضا للبلاد التي بقيت محايدة، وكان حيادها فاعلا ومتحفزا مدركا لأبعاد مستقبله، وهنا في ظل هذا السكون البائس الذي سيركن إليه صراع الحرب المتوقعة سيكون لحياد العالم الإسلامي الكلمة العالية، وهي كلمة قرار في عالم جديد، كلمة تأتي من البلاد الإسلامية متضامنة مع هند نهرو تعلن نهاية الفصل في مصير الاستعمار.
فالنصر إذا ما كان لأمريكا في هذه الحرب المتوقعة؛ فالغرب سيفقد حتما السيطرة والرقابة على آسيا وإفريقية، وقد أصبح قدرهما واحدا مع غياب السيطرة الاستعمارية، أما أوروبا فإنها سوف تقتصر على مواردها الخاصة لغير دعم من مشروع مارشال، كما أنها لن تكون قادرة على إعادة بناء اقتصاد سلام (روماني)، لأن مصانعها المهدمة لم تعد لديها الطاقة في موارد مالية محدودة، فالمستعمرات غدت غير موجودة لتقيل عثراتها مع نهضة آسيا وإفريقية.
فإذا أضفنا إلى ذلك كله أن أوروبا ستفقد سوقها الداخلي حين يصبح إنتاجها أدنى من حاجتها الاستهلاكية، فسوف تتحول إلى زبون الصناعة الناشئة في البلاد الإسلامية الآسيوية والهند.
فكيفما كانت نتيجة الحرب القادمة، فالبلاد الإسلامية ستغادر تخلفها
стр. 117
لتصبح في المقام الأول من المنظومة العالمية لأنها الوزن الأوفى، لكن في مناخ الحياد الإسلامي الذي سيزدهر حصاده؛ مخاوف راهنة يمكن أن تنشأ خلف سطور خطة القادة في الغرب.
فعندما يؤكد إيزنهاور منذ عام مضى؛ أن العالم الإسلامي قد بدأ يتقارب ويتضامن فيما بينه بعيدا عن الصراع بين الغرب والشرق في الحرب الباردة، فالجنرال الأمريكي من وحي هذه المخاوف يتحدث بصراحة تشف عما تخفي أفكاره.
فإذا ما قامت حرب في الظروف الحاضرة؛ فسيصبح الرهان منصبا على ربط الإسلام في منظومة الحرب المسلحة، تفاديا لوحدة تستعيد شعار ما تسميه أوروبا (الخطر الإسلامي).
فخطط الاستعمار لما بعد الحرب هي أهم من أفكار الإعداد للحرب،
إنها لتعطيل كل فرصة مادية أو فكرية أو أخلاقية، تبرز خارج هذا الصراع القادم.
فحين يرى الاستعمار بلادا إسلامية كأندونيسيا؛ تملك كل طاقة في تزويد جبهتي الحرب المتوقعة بالمؤن التي تباع بأفضل العروض، فهذا الموقع المتميز سوف يجعل البلاد الإسلامية في المقدمة غنى بمواردها واقتصادها.
فما يعنيه التصريح الثلاثي الشهير الأمريكي البريطاني الفرنسي، ثم التركي (الذي لا يعرف لماذا)، في الدفاع عن الشرق الأوسط، هو الحيلولة دون هذه النتيجة.
وأمام هذا التصريح لا يبدو لي أن القادة العرب يدركون ما هو أبعد من الطابع العسكري لحرب قادمة، في حين أن الإنذار الثلاثي يرسم لما بعد الحرب لو أنها ستقع، أعني الحالة التي سيكون العالم الإسلامي عليها بعد الحرب المتوقعة.
стр. 118
فالخطر الإسلامي الآتي من الحياد في الحرب؛ يجب بكل بساطة تحويله هو ذاته إلى ساحة حرب، حتى لا يستطيع العالم الإسلامي القيام بأي عمل إيجابي، حتى ولا عمل لرفض الاستعمار الذي انهزم بعد الحرب العالمية في صورته التاريخية، وهكذا يحافظ الاستعمار على مستقبل يخلفه في أرضية خرج منها لكي يعود مجددا.
هذا الجانب هو الذي يهم الدبلوماسية الغربية حاليا، فبريطانيا قد انسحبت من الهند، لما رأت الهولنديين يتركون بخارى ويهيئون دبلوماسيتهم الحالية لاستعادة سيطرة الإمبراطورية الاستعمارية الأوروبية.
فماليزيا وسنغافورة هما مجرد قواعد لجنوب شرق آسيا، كما هي إسرائيل في الشرق الأوسط.
أما فورموزا، اليابان، كوريا الجنوبية، والهند الصينية، فهي ليست كما يدعي الغرب سدود حرب قادمة ضد الشيوعية، بل هي مواقع لما بعد هذه الحرب؛ كمرتكزالت نظام يسوده العصر الإسرائيلي، في مدى غير محدد، ويجب أن نضيف بدون شك تلك الاهتمامات المسيطرة، فالمشكلات القائمة والتي تطرح نفسها بطريقة دراماتيكية تضع الغرب في مأزق بين مد وجزر؛ إزاء رجال أثبتوا أن باستطاعتهم أن يجددوا نموذج ستالينغراد في كوريا الشمالية.
من أجل سائر هذه الأسباب، وبالخصوص تلك التي تتعلق بالحالة التي تعقب الحرب القادمة، فإن السياسة الغربية عليها أن تبذل ما تستطيع لإدخال الإسلام في هذا الصراع. ومن هنا، وعلى ضوء هذه الاعتبارات، من الواجب فهم الموقف الأمريكي، فيما يتعلق بقضية شمال إفريقية عموما والقضية المراكشية خصوصا، التي أجل البحث حولها في الأمم المتحدة.
فالحياد الإسلامي أمام سائر هذه الوجوه مشكلة الساعة الرئيسية.
стр. 119
ثالثا: نتائج دولية للحياد الإسلامي
عقب أحداث عبادان في إيران؛ بدا ثمة حياد غامض للعالم الإسلامي الحاضر حيال الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي. والعالم الإسلامي في الواقع وجد نفسه منساقا للتحالف مع
طرح نهرو.
والدبلوماسية الغربية هنا سجلت بضربة واحدة تجاه إيران خسارة مزدوجة، ثم إن الحياد الإسلامي سجل نتيجة أخرى هي التقارب غير المنتظر بين الإسلام والبوذية والبراهيمية في الهند.
فقضية كشمير التي بدأت تطرح في تفاعلها حلا عسكريا يفضي إلى انقطاع نهائي بين الهند وباكستان؛ كان هنالك الوقت الكافي نفسه لاتجاه مخالف عقب اغتيال لياقت علي خان، لولا وجه آخر في قلق السياسة الغربية؛ هو التبشير بالإسلام في الهند، وهو يمثل الخطر الأول في عيون الغرب سابقا على التبشير بالشيوعية.
وكلمة دزرائيلي في بداية القرن هي المعيار في هذه السياسة، وهنا لا بد أن نأخذ العامل اليهودي من أجل الإمساك بهذه القضية، وذلك بقطع النظر عن خلفيات العصر الحديث التي فصلناها في الفصول الأولى من هذه الدراسة.
فاليهود اليوم قد حولوا اهتمامهم نحو الشيوعي حين شعروا أن المقود قد بدأ يفلت من أيديهم منذ أن أصبح الاتحاد السوفييتي خطرا عليهم. إذ لا يزال ثمة فروقات متباينة (nuance) تتيح ليهودي أن يؤدي دورا في إطار الشيوعية، حتى في عصر ستالين، ما لا يستطيعه في إطار إسلامي.
والدستور الشيوعي لا يمنع مواطنا يهوديا أن يتولى مسؤولية في القضاء بأن يصبح قاضيا أو نائبا عاما، لكن أي دستور إسلامي لا يستطيع أن يقبل قاضيا يهوديا.
стр. 120
هذا المعيار البسيط، له اعتباره بحيث يرى اليهودي آفاقه فيما يخصه في مجتمع شيوعي وليس في مجتمع إسلامي. وهنا سيأخذ بالاعتبار أن المجتمع الإسلامي مغلق أمامه نهائيا، لكنه في المجتمع الشيوعي ورغم انقطاع أيما رابط بين اليهودي الروحي وماركس، فإن الباب مفتوح أمامه ليتولى مركزا مفصليا ومتقدما مثل إيليا أهرنبورغ الذي أضحى الكاتب الأول في الاتحاد السوفييتي. هنا يصبح الإسلام في النتيجة طبقا للمعيار اليهودي خطرا مسلما به يتقدم الخطر الشيوعي رتبة واستراتيجية.
من هنا فإن الخطر الإسلامي هو خطر في السياسة الغربية عموما، فحياده في آفاق الحرب القادمة يسبب ضررا كبيرا، حين يصبح عاملا رئيسيا في بنية العصر الآتي لما بعد الحرب، ولمواجهة هذا الضرر الذي يسببه هذا الحياد تجاه الحرب القادمة، تنصرف قيادة العمليات الدولية لدرء مخاطره المستقبلية في آفاق العصر الحاضر.
ونستطيع أن نلمح نذر هذا الخطر على السياسة الغربية؛ من الخطب الرسمية التي ألقيت في الولايات المتحدة منذ عدة أشهر وتناقلتها الصحافة، وهي تنحو إلى الشدة وعدم التهدئة، فهذه اللغة الحازمة في لعبة سياسة القوة التي انطلقت في مساحة الحرب الباردة، لها معناها بما يتجاوز مساحة هذه الحرب، ويشير إلى تحول جدي في الدبلوماسية الأمريكية، وهذا التحول والتوجه تفاعل وتعاظم على ما يبدو مع رجوع تشرشل إلى السلطة.
والبريطاني الأول لم يتوقف كما يبدو عند اقتراح مؤتمر للكبار عقب عودته من واشنطن، وقد ذهب إليها ليضع البصمات النهائية للدبلوماسية الغربية مع أمريكا، بل إن تشرشل سيعطي لمفهوم الكبار مدى يتناول موسكو أيضا؛ حين أعلن بأنه سيذهب شخصيا ليلتقي بستالين، إذ يجري الحديث في أروقة وأندية السياسة في العواصم الغربية عن إمكانية
تجاور وتعاصر بين النظام الشيوعي والنظام الرأسمالي.
стр. 121
فهذه الأطروحة التي كانت منذ عام مضى غير مقبولة؛ غدت على العكس تستعيد بالذاكرة فلس t ة الأنكلوسكسون في التحضير للحرب الأخيرة، حين أصبحت فكرة التحالف مع الاتحاد السوفييتي ضرورة لازمة للإمساك برأس هتلر.
فهذا التقارب يشعرنا ضمنا بمدى الاهتمام بمنع حرب ضد الشيوعية، ما دامت القضية الإسلامية لم تأخذ بعد حيزا في النطاق الدولي، فهل يمكن لهذا الاهتمام أن يصل إلى حد الوفاق مع روسيا عبر توقيع معاهدة بينهما.
هذا ما يبدو فعلا، لكن الشيوعية لن تبقى طويلا لتحول هذا الوفاق مع الرأسمالية إلى نصر بغير سلاح، ولا إراقة دماء، وهو نصر في المدى العقائدي شبيه بما هي الشيوعية في إيطاليا وفرنسا، وهنا؛ فمن المؤكد أن قدر العالم سيكون بصورة نهائية في يد الاتحاد السوفييتي، وهو سوف يفرض نظامه بقوة ليس في أوروبا وأمريكا فحسب بل وكذلك في البلاد الإسلامية.
لا شك أن أفقا كهذا -على فرض حصوله- سيؤدي إلى انتحار الرأسمالية والمسيحية، وهو انتحار يهدف إلى سد الطرق أمام الإسلام.
في البداية هذا الوجه الآخر ليس مستحيلا إذا ما توافر له العامل اليهودي، لكن الخطر الإسلامي يتعاظم بالنسبة لليهود إذا ما نشبت الحرب والحياد الإسلامي لم ينجر للدخول فيها.
وهنا يجب أن نأخذ بالحسبان ما هو غير محسوب في هذه الصيغة السلمية. فاليهود يمكن لهم أن يقبلوا بانتحار الرأسمالية والمسيحية، وهم يستطيعون ذلك إذا لم يصاحبه استشعار بهذا المصير لدى مجتمع الرأسمالية والمسيحية.
وهنا؛ فاليهود ليسوا في هذا المجال سادة اللعبة بصورة مطلقة، فما ليس بالحسبان أن الغربيين لا يقبلون بدون ثمن انتحار حضارتهم.
стр. 122
هنا لا بد أن تفتش الدبلوماسه عن حل آخر يكون وسطا بين اتجاهين:
ألا تترك الشيوعية تقرر مصير العالم، ولا تترك الإسلام ليصبح قوة لها حسابها.
هذا الحل يمكن لسياسة المماطلة أن توفره في تأجيل الحرب بانتظار أن يتورط فيها العالم الإسلامي.
هنا يؤدي عامل الوقت دورا رئيسيا لكن هذا التأجيل لا يفيد نظريا غير روسيا؛ إذ يتيح لها استكمال فريقها الفني، وفي الوقت نفسه يبعث بإشعاعه السياسي، وهنا لا يكون الوقت في مصلحة الغرب إذ سيصبح الحياد الإسلامي بصورة مفاجئة عامل سلام، لكنه سلام عارض ومؤقت.
وهنا لا بد إذن أن يصبح الحياد الإسلامي هدفا وخطة؛ وليس مصادفة تستبعدها مصادفة أخرى في إدارة العالم، وهذا كله ليس حلا لمشكلة لها تأثيرها في الحرب القادمة، بل لها تأثيرها على مخطط مستقبلي بعد الحرب لبناء عالم جديد.
لذا ليس يدهشنا أن نرى الدبلوماسية الغربية في الأسابيع والأشهر القادمة؛ تعمد بكل الوسائل إلى تأجيج الحرب استدراجا؛ إما بالإقناع أو بالوعود أو بالضغط؛ لكي يدخل العالم الإسلامي الحرب كطرف ترتكز عليه السياسة الغربية.
وبكل حال، لن يبقى الأمر طويلا ينتظر؛ لأن الوقت لا يعمل لمصلحته، فالحرب بين الرأسمالية والشيوعية حرب قادمة.
стр. 123
القسم الثاني
العالم الحديث
стр. 124
قضية حضارة
على عتبة العام ١٩٥٢ كل شيء يشير إلى نهاية العصر الحديث في القادم من الأحداث والأيام.
وإذ العصر الحديث قد عفا عليه الزمن وتفتت، فسوف ينهار بناؤه حجرا حجرا، حين يلد عصرا جديدا يليه.
أما الحرائق ودماء الملايين التي سوف تسفك مع الحرب القادمة، فسوف تظل في ذاكرة الشعوب باعتبارها النتيجة الوحيدة لصفحاتها في تاريخ استدار وخلف وراءه حضارة التجار.
أما صفحات العالم الذي سيأتي فما تزال بكرا، فما هي اليد التي ستكتبها وترسم عليها مصير الإنسانية؟
المسلمون وضعوا هذا السؤال المخيف الذي ما يزال يسكن الفكر اليهودي في هذه اللحظة.
كيفما يكون تاريخ العالم الذي سيأتي، فإنه سوف يجد نفسه بالضرورة أمام بعض خصائص موروثة، وأخرى ستكون من لوازم تكوينه.
فالأولى سوف تشكل إرثه من عالم مضى. والثانية سوف تكون من حقيقة وجوده. هناك إذن مشكلتان في طبيعة مختلفة كل منهما عن الأخرى: لأن الأولى وليدة مباشرة لخصائص متعددة بعضها أدى وظيفته أو يكاد، والآخر لم يصل إلى غايته أو ما يزال في مرحلة حمل لم يلد بعد، وستكون هذه كلها تركة عالم سيأتي، وفي معجنه إرث ما خلف
стр. 125
العالم الذي مضى، مضافا إلى خصائص ما هو آت حيث جميعها عدة بناء الحضارة الوليدة الآتية.
في النهاية من أجل العمل في هذا الاتجاه أو ذاك حول هذه الحضارة، يجب أن نأخذ بالحسبان ماذا يمكن أن يكون هذا الإرث؟! بمعنى أن نلقي نظرة على الجوانب المنتهية كما على التي لم تنته بعد من أجل أن نناقش دورها في العصر الحديث.
في الفصل السابق أبرزنا بعضا من هذه الخصائص، لكن هنا يجب أن نقدر الأمور بمنهجية أكثر؛ من أجل أن نستطيع التعريف بها وبنتائجها في تحديد مهمة الإسلام في العالم الذي سيأتي.
لذلك يجب أن نضيف هذه الخصائص إلى جدول شامل؛ من أجل دراسة أكثر سهولة لهذا الإرث فى العصر الجديد:
خصائص انتهت وحققت أهدافها
A - العصر الحاضر متهود؟ B - العصر الحاضر رأسمالي؟ C - العصر الحاضر استعماري؟ D - العصر الحاضر عنصري؟ E - حضارة قارية أو عنصرية (-) أوروبية. F - مادية؟ G - تكنولوجية (+)
H - المسيحيوية (-) Christianisme
خصائص لم تحقق أهدافها
A - الشيوعية؟
B - العالمية والمشكلات التي تطرح على مستوى عالمي (+) C - الاشتراكية (+) D - التخطيطية (+)
E - الذرية: الطاقة الذرية (+)
في هذا الجدول تبدو العناصر التي وصلت إلى أهدافها، وتشكل هذه العناصر حالة (état) ، أما العناصر التي لم تحقق بعد أهدافها ولا تزال قائمة حتى الآن، فهي الطبيعة التاريخية لعصرنا. ومن الملاحظ مع ذلك أن العناصر التي بقيت أهدافها بغير تحقيق، بعضها تجاوزه الزمن وأخرى ما تزال تحمل بذور التأقلم والتحول مع الطابع الجديد في نظام
стр. 126
جديد، أما التي ما تزال اتجاها منها فهي تستطيع أن تستكمل مسيهرتها في العالم الذي سيأتي، حين تندمج في طابعه العام.
على ضوء هذه الأسس؛ فقد وضعنا إشارة سلبية أمام العناصر التي فقدت دورها، أما الأخرى كالنزعة اليهودية والحضارية والرأسمالية والاستعمارية؛ فهذه الاتجاهات هي حالة غير محسومة، والمجال أمامها ما زال مفتوحا في ختام حرب قادمة، لتسلك سبيلها في إطار إرادة تنظيمية للعالم الجديد. لذلك وضعنا أمامها علامة استفهام، وفي النهاية وضعنا علامات إيجابية أمام حالات واتجاهات ستكون حتما جزءا من التركة التي سيرثها العالم الآتي. فتركة هذا العالم الحاضر نستطيع أن نحددها ما بين عناصر أكيدة إيجابية، وعناصر تطرح للبحث يتركها العصر الحاضر للعالم الجديد كما يلى:
عناصر أكيدة A - تكنولوجيا
B - عالمية
C - اشتراكية D - تخطيطية F - استعمار
عناصر مطروحة كمشكلات
A - يهود
B - استعمار وعنصرية C - رأسمالية وشيوعية D - مادية
هذا البيان يبدو لنا فورا ثغرة تستدعي ملاحظة من ناحية الواقع؛ هي أنها تشير إلى غياب الدين، وبدونه فإن حضارة ما غير ممكنة، فالمسيحية قد أدت مهمتها الحضارية في العالم الحديث، لكن محورها الذي عرفته سيترك المكان خاليا لدين جديد لا بد أن يملأه؛ كي تستعيد الحضارة دورها ورسالتها، أما المادية فلن تحمل أيما إيحاء لروح إنسانية، بل سوف تصاب هذه الروح بضربة الحرب المفاجئة. فالروح في أزمة الحرب لا تبحث أبدا عن إيديولوجية للمعركة، بل عن فكرة تواسي جراحها.
هذه التركة التي عرضناها تبرز من ناحية أخرى كم هي العناصر التي لا
стр. 127
بد للإسلام أن يماثلها تعبيرا وتمثيلا، وكم هي العناصر التي لا بد أن تستثنيها أو نصححها لكي تصبح فكرة مواساة في عالم جديد.
فالإسلام لديه حس النزعة التخطيطية، ولا بد أنه يملك الخبرة العينية التي بها يضبط الطاقة الذرية، ثم يستوعب النزعة الاشتراكية في معناها، كما يجسد العالمية، وهذا هو الشرط الذي سوف يضع جميع العناصر الثابتة وكذلك الاتجاهات في تناغم خطا عالم جديد.
فشرط الإسلام أنه دين قادر في تكوينه على تصحيح الرأسمالية وتعديلها، وكذلك الشيوعية ومحو العنصرية والاستعمار ليأخذ على يد اليهود في إدارة العالم.
وهكذا نرى دور الإسلام في عالم جديد؛ يعتمد على قيمته الداخلية بقدر ما للقيمة الروحية وفاعليتها من قدرة على استيعاب مخلفات عصر مضى في تجدد الحضارة الإنسانية.
صدمة عودة الحرب
في المستوى الإنساني؛ من الصعب تصور كل نتائج حرب سوف تتوفر لها أعظم الوسائل تخريبا، وحيث كل محارب سوف يضمر روحا من العداء لا تعرفها البشرية من قبل، روحا مليئة بالكراهية والعنف لا تبقي ولا تذر. من هنا فإن من الصعب في حرب كهذه تصور نهاية لها على الأرض التي تشتعل عليها، وعلى الشعوب التي ستدخل حلبتها، بحيث لا نستطيع تقدير مدتها؛ ما دامت الأفكار والبواعث في هذه الحرب فوضى؛ ولا وحدة بينها ولا هدف يجمعها.
على كل فحرب بغير أفق عقلاني لسلام تسعى إليه؛ يمكن أن تستمر مئة عام، لكن! وكما أننا تركنا سابقا جانب أفق التهدم الكلي الكارثي،
стр. 128
وما دام أنه ممكن، فلنترك هنا جانب روح التبصير واستقراء النجوم لقدر مقدر لما سوف تنتهي إليه الحرب القادمة.
ما يهمنا هو نتائجها الإنسانية ذات المسحة العقلانية؛ استنادا إلى طبيعة الأشياء التي نراها والتي نعرفها بكامل تفاصيلها، ونحن في زمن على مقربة من حرب تسمى اليوم عبر الصحافة: الحرب الباردة.
هذه المرحلة الغريبة من الحرب؛ هي واحدة من مجمل المظاهر التي نقدرها عاليا، والتي ارتسمت خصائصها في الغرب، ودل عليها ما جرى في الشرق الأقصى من أزمة أخلاقية لا سابق لها.
ففي الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨ اهتزت المرتكزات الأخلاقية للحضارة الحديثة، فكان في كل بلد متحضر موقفان فحسب لهما الحد الأقصى: أقصى البؤس وأقصى السيطرة، والأزمة الاجتماعية تولد بين هذين الموقفين المتعارضين، ومن تعارضهما ينشأ الانقسام الداخلي الذي نرى فيه اليوم السمة النهائية المهتمة به سياسة كل بلد
متحضر؛ حين ينقسم المجتمع فيه إلى رجعيين وتقدميين، وقوميين
وشيوعيين، ولكن في الوقت نفسه كما هو في أمريكا وفي البلاد الغربية كألمانيا وإيطاليا، فأطروحة المدى الحيوي تولد من هذا التعارض، إذ لا بد في أي حرب عالمية أن تصبح نهايتها الأخلاقية أكثر تصدعا كما هو شأن الحرب الأولى في حياة الشعوب، فهناك حتى اليوم الكل يتحدث عن النظام الأخلاقي القادم.
فألمانيا التي عرفت أكبر الكوارث في تاريخها وفقدت كل آمالها في هتلر، لا تؤمن بشيء وبالخصوص لا تؤمن بالقيمة الروحية للمسيحية، أما في الطرف الآخر من العالم فاليابان التي أوشكت على خسارة إمبراطوريتها قد أضاعته في الوقت نفسه الميكادو.
стр. 129
هذان البلدان يعطيان فكرة عن مدى الصدمة التي تحدثها عودة الحرب على المستوى الأخلاقي.
فإيطاليا واليونان وفرنسا وكثير من بلاد أخرى كبولونيا؛ حيث خيال الحرب قد تجاوز الكنيسة والمعبد، وهؤلاء جميعا ليسوا سوى شهود على عصر ثائر، وفي تضاعيفه بحث عن إيمان متجدد بإله جديد.
هذا الاهتمام المقلق يقرأ حتى بين أسطر شيوعي منهزم (١)، فالعالم المتحضر وقد أصبح أكثر استعدادا لليأس وهو يطرح أيما مثال يمنحه مرعى روحيا (spirituelle) (إذا تركنا لهذه الكلمة معناها المادي الأكثر عموما).
لأن العالم ينتظر الحديث عن روح لكنها لا تزال لم تلامس بعد نفسا حيا يدفع مشاعره، فماذا ستكون هذه المشاعر؟ وما النموذج الأخلاقي الذي سوف تنطلق به حرب عالمية قادمة؟!
أمريكا التي تتحدث قليلا عن الروح وتؤمن بالآلة التي تنتج رفاهيتها، ماذا سوف تكون عقب حرب ستهدم آلتها ورفاهيتها؟
ألمانيا التي تهدمت في حربين عالميتين سابقتين هل ستستطيع التفكير في حرب عالمية جديدة؟!.
إنكلترا التي تؤمن بعملة الإسترليني؛ كيف ستدفع ما عليها حينما يغدو مصير نقدها مصير المارك ١٩٢٥؟
فرنسا التي حصرت ثقافتها وحياتها في الإمبراطورية الاستعمارية؛ ماذا ستصبح إذا أضحت بدون إمبراطورية ويسودها العجز والانقسام بسبب الحرب، وكيف ستعيش هي نفسها اليوم في ظل حرب مدنية؟!
стр. 130
في الواقع الحرب ستكون ظاهرة دموية تترك المجال لظاهرة دموية أخرى ثانوية من كل مكان، حيث تبقى ثورة مستمرة في كل مستعمرة تسعى للتحرر أو بلد مستعمرة تستولي على السلطة من خلال طبعة جديدة.
بعبارة أخرى هذا الطوفان الآتي ستكون عناصره غير مترابطة. وسيكون طينا طريا مجددا، إنما بأي طين؟ وبأي وحل؟ وبأي اشمئزاز يتركه في ضمير وروح البلاد المتحضرة .. ؟
ففي البلاد المتحضرة نرى المسيحيين الملتزمين قد هربوا من شبكة الكنيسة، إنها شيء من ذفعة روح إصلاحية مسيحية؛ بدأت تحيي في روحهم التعطش إلى سلام وعدالة تبعد شيئا فشيئا عن المرجعية البابوية.
هناك تعارض مخيف لا يجرؤ أحد على التعبير عنه، وهو سوف يضعهم غدا في اندفاع ما مع الحرب القادمة، يجد المرء نفسه وقد توقف إحساسه كإنسان أو توقف عن أن يكون مسيحيا، وفي خضم هذا النهر من الروح الذي يندفع في مجراه أمام مشهد المدن التي غدت مهدمة، والبلاد التي دخلت المآزق واحتواها الصمت، وخراب الأرض المشتعلة؛ يجد نفسه منساقا إلى مصيره. فهل تستطيع الشيوعية استقبال هذا النهر من الإيمان البائس؟ وهي نفسها في قلب الحرب الأخيرة، قد انزاحت عن سرير الانضباط الذي رسمته المادية الجدلية، ليخرج القلق واليأس إلى مساحة من الروح في الكناسس الأرثوذوكسية، وقد بلغ القسمة في حدوده المادية التي هي نقيضها الأعلى .. وهكذا نرى المسيحية ذهجت تنضم إلى الشيوعية؛ ليعبر كل منهما للآخر عن فكرة مواساة.
فالناجون من طوفان النار والحديد؛ هم الذين تستجيب لهم وجهة الإسلام في مقبل العالم القادم، لكن الإسلام لا يحمل مسؤولية هذا الدور؛ إلا حين يستطيع احتواءهم في ثقافته، أكثر مما يعطيهم قيمه من عالم الغيب كرسالة سماوية.
стр. 131
فقائمة العناصر التي لم تنته خصائصها في العالم الحاضر والتي ضمها الجدول الذي وصفناه في الفصل السابق يبقى على الجيل القادم أن يستكمل نواقصها، وفوق ذلك فالعالم يستطيع أن يكون شيوعيا أو رأسماليا بعد الحرب، وهذا سوف يعتمد على الظواهر الثورية الجانبية التي سوف ترافق النزاع المسلح مع نزعة الحياد الإسلامي بالتضامن مع الهند. لكن الحل ليس بيد العالم الإسلامي في كل حال، فدور الإسلام يرتسم في طليعة الأشياء نفسها، وفي التطور الإنساني قبل وبعد الحرب القادمة. لأن قائمة العناصر التي ستدخل في التركة هي التي سيرثها العالم القادم ومنها العالمية كأحد الاتجاهات الأساسية لعالمنا الحاضر، رغم نزعة استنساب أملتها بعض الانحرافات الكاريكاتورية، أمثال عصبة الأمم المتحدة السابقة، والتي برزت في الحاضر كهيئة الأمم المتحدة أو المواطن العالمي، فكل تسابق في هذا الاتجاه أضحى ذا طبيعة أدت أغراضها وانتهت كحالة توازن طبيعي للعالم الآتي، فهذه العالمية ستعبر على الخصوص عن وحدة معنوية ستلتحم على الخصوص مع الفكرة القرآنية التي يؤيدها ويفسرها مجرى الأحداث. وهناك في الواقع أمر لا مرد له، في الأحداث الجارية حاليا؛ إنه
الحرب، وهي ضرورية من الوجهة التاريخية والغيبية من أجل تحقيق أكبر
تحول في الجانب الإنساني، لكن إذا حظيت الإنسانية هذه المرة ببعض حظوظ الخلاص من الهدم الكلي، وكانت التكنولوجيا لا تمتلك أي إمكانية حرب تلي الحرب القادمة، إذن فالناجون من طوفان قادم ليس لديهم سوى خيار واحد: السلام أو نهاية العالم، وإذن فالسلام لا يعود قضية مثالية أو سياسية، بل طابعا أساسيا لحفظ النوع، وهنا فالإسلام يمثل الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية الوحيدة الملائمة لما يقتضيه عالم قادم. فقد يكون رأسماليا أو شيوعيا من الوجهة السياسية، لكن سلامه
стр. 132
يعتمد على قاعدة معنوية تلتحم بنهاياته أي بالإسلام الذي هو الكلمة الأخيرة لنهاية العالم (١).
تخطيط وتبشير الإسلام
مع الحرب القادمة تزداد الحاجة - كما لم يكن من قبل - إلى روح جامعة، روح لها دورها الفاعل في حل المشكلات في سلم عالمي، حيث الحضارة في هذه المرحلة لا تختصر في قارة أو جنس، بل تشمل الإنسان على اختلاف الألوان والأنفس كما هو التعبير القرآني.
ففي قائمة القيم الروحية الحالية حيث لا مجال لترقب وحي جديد بعد ختام الوحي بالإسلام، يبدو الإسلام (٢) وحده هو المؤهل لمستقبل رسالة تفي بشروط البقاء على هذا الكوكب لسائر الأجيال المستقبلية، لكن إمكانية كهذه لا تحمل أي تأكيد.
فالإسلام مثلا لثلاثين عاما من القرن الأول لظهوره بالرسالة المحمدية، بلغ العالم أجمع حين كان انتشاره هذا المفاجئ بقيادة الرسول. وأصحابه الأول، وهنا لا نريد أن نعود إلى قضية صفين أو إلى أسباب أخرى حولت الثقافة الإسلامية إلى ثقافة إمبراطورية حالت دون انتشار كلي. (٣)
стр. 133
وهنا لا يجب أن نتهم القيمة العينية الأصلية للإسلام، بل نتهم الرجال حين لم يدركوا ضوابط الشروط التي حققت هذا الانتشار السريع.
فالعالم الإسلامي هذه المرة يمكن أن يفشل إذا لم يلتزم المعايير والمعطيات الداخلية والخارجية للمشكلة.
فمن أجل القيام بهذه المهمة فإن العالم الإسلامي ملزم أن يتعامل ويناقش قائمة جردة التركة التي ورثها العصر الجديد، إذ ثمة معطيات محددة لا بد للثقافة الإسلامية في مهمتها الجديدة أن تستوعبها لتأخذ بعدا عالميا.
وهنا في النطاق الخاص كما في النطاق العام يجب أن تأخذ سائر الأنشطة طابع العمل المشترك المتعاون في ظل عمل تخطيطي، والدعوة للإسلام ليست استثناء في هذا النطاق.
والعالم الإسلامي ارتسمت جغرافيته كنبات المراعي، حيثما اتفق وصول أقدام الفاتحين في تبليغ الرسالة، وها هي أربعة عشر قرنا ارتسمت عبرها جغرافية العالم الإسلامي.
لكن لما هو آت؛ فالأمر يتطلب مسارا مختلفا يغرس في حقل المدى العالمي بكل دقة علمية، وفي طرق مدروسة تأخذ بعين الاعتبار سائر العوامل المقبولة والمرفوضة في مدى شعاع الدعوة، ثم يسلكها في خطة مقررة تحدد المراحل والوسائل والأهداف.
فالمسلمون المعاصرون اليوم تغيب عنهم، أو يرون بصعوبة، التشعبات البعيدة التي تفرغها مشكلات واقعية ملموسة.
ففي واقعنا الحاضر مثلا يبدو أمامنا الاستعمار، إنما بغير احتلال للأرض، ولذا فالأرض ستؤول إلينا، أما القابلية للاستعمار فمن الممكن
أن تغيب عن فكر مخطط الدعوة إلى الإسلام باعتبارها شيئا يقع وراء مشكلات الدعوة وليس أمامها. وهنا فالمشكلة التي أراها اليوم هي على العكس شيئا راهنا مشاهدا بصورة أساسية في حياتنا الآن، وعلى
стр. 134
الخصوص في مستقبل الجيل الآتي، ومن المؤكد بعد الحرب القادمة، إذا ما بقي العالم على قيد الحياة وتأهب لإعادة البناء بطريقة أو بأخرى، فإما أن يستعير من الإسلام قيمه الأخلاقية، أو أن يستعير قيما صنعت من اليهود مثلا بمختلف عناصرها، فإذا كانت الحالة الأخيرة، فلن يكون مستحيلا حينئذ أن تتضافر المصالح والأفكار ضد العالم الإسلامي، كما كان من قبل تضامن الاستعمار، وهو يعمل بإدارة اليهود.
والدعوة التبشيرية (Proselytisime) إلى الإسلام كما نراها تعالج مشكلة واقعية مسلمومعة (Concret) ينبني عليها نظام جديد ومضمون لا يملك فيه عصر استعماري أن يتكرر مجددا كما جرى في مسيرة التاريخ.
من هنا فالمرتقب لدور العالم الإسلامي بعد الحرب سياسة طويلة المدى واستراتيجية فاعلة هادئة، استراتيجية تسعى نحو مستقبل تزول فيه أسباب الحرب.
هذه التوجيهات عليه أن يدركها قارئ الواقعية حتى ولو كانت لا تجد لديه وعيا في حالته الراهنة، إذ يبقى في النهاية أن نعرف المنهج والوسائل والمراحل، وهي جوانب تدخل في مستوى عملية التخطيط التي وضعناها في خانة مشكلة لم تتحقق بعد نتائجها في عصرنا وفقا للجدول الذي أشرنا إليه.
خطة المسلم
إذا عرفنا التبشير والدعوة إلى الإسلام وصفها استراتيجية عليا للسلام، فذلك في مصلحة السلام أكثر مما هو لمصلحتها.
والاستراتيجية كفكرة لا بد أن تبنى على مركزية قيادة عليا (Etat mageur)
تراقب وتوجه بصورة مستمرة برنامج أداء رسالتها في وجهتي نظر: الأولى داخلية توفر الوسائل اللازمة لتقود جيدا برنامجها العملي، والثانية وجهة نظر خارجية.
стр. 135
هذه المركزية العليا هي بذاتها العنصر الأول للاستراتيجية، وذلك من خلال وجهين:
الوجه الأول يتعلق بالخطة في جانبها الداخلي لتقوم بدراسة واقع البلاد الإسلامية نفسها وتزود الاستراتيجية بالوسائل، والوجه الثاني يتعلق بجانبها الخارجي الذي هو البلاد غير الإسلامية التي تشكل مساحة هذه الاستراتيجية.
فالخطة في جانبها الداخلي هي عملية تحليلية أشرنا إليها في القسم الأول من الدراسة، وألقينا الضوء على العوامل المرتبطة بالقابلية للاستعمار في العالم الإسلامي، ثم هي عملية تركيبية أشرنا إليها في كتابنا شروط النهضة حين حددنا الوسائل ليكون في مجموعها الخلاص النهائي من القابلية للاستعمار. ففي مرحلة الدعوة مع العالم الجديد؛ لا نستطيع
رؤية المستقبل الروحي للعالم الإسلامي كما هو اليوم بين يدي البرجوازيين ولا الأميين، ولا كذلك العلماء في واقعهم الحاضر. فوجهة العالم الإسلامي تتطلب بصفة عامة نخبة مختارة، ثم الدعوة إلى الإسلام تتطلب سبلا متنوعة أكثر تحديدا، تنطلق من مركزية قيادة الاستراتيجية العليا.
هنا ليس في رغبتنا أن نردد ما سبق أن قلناه في التعريفة عموما بالثقافة، لكن في هذا الإطار العام؛ هناك مكان لأن نأخذ بالحسبان ما يقتضيه العمل من اختصاص يرفد القيادة العليا للدعوة الإسلامية، وهنا تبدو القيمة الخلقية والمسلكية والفكرية للفرد في المقام الأول، سواء في الأداء الروحي أم في بيئة المحيط حوله، والذي يعمل فيه، ولا ضير هنا أن يكون طبيبا، صيدلانيا، محاميا، قاضيا، علمانيا؛ فالداعية الذي
يحمل راية الدين والعقيدة ويتحدث إلى الجمهور بها ويسلكها في الضمير الإنساني، عليه أن يكون أول الملتزمين بها بوصفه قدوة.
فتكوين الأطر العاملة في مسار الدعوة؛ يفترض مسبقا الإيمان الديني
стр. 136
لدى الفرد حتى لا تقع الدعوة في إحراج السلوك الفردي، أو بالكذب الأكثر بشاعة.
هذه الأطر تبدأ من القاعدة الأخلاقية، ثم القاعدة الفكرية المبنية على الثقافة العامة. أعني جمالية الأداء وأخلاقية السلوك، والمنطق العملي في المبادرة، وتبقى الخبرة الفنية تضاف إلى ما نسميه تقنية الدعوة والتبشير بالإسلام (١)، إذ الخبرة الفنية في سائر مجالاتها تساهم في الوقت نفسه بالخطة الداخلية وهي على باب التصدي للمهمة، كما تساهم في الخطة الخارجية حين التنفيذ المباشر.
إن مبنى أداء الدعاة المسلمين في التعريف بالإسلام كمفهوم غيبي موحى به هو عقدي في بنية الإيمان، وأخلاقي في معايير السلوك، واجتماعي في شبكة التواصل في المحيط كحق وطني ثم عالمي في مداه الإنساني، لذا لا بد للداعي أن يكون على علم بالأديان الأخرى بالقياس نفسه (٢).
وينبغي ألا يفوت الداعية في جانب آخر لغة العادات والتقاليد للبلاد الأجنبية التي ترتكز عليها مهمته، فعليه أن يألفها وتألفه في النتيجة، لأن على الخطة الخارجية أن تراعي عالم المفهوم الديني والغربي
والاجتماعي.
فهو مفهوم متنوع بقدر كبير، ومراعاته تدخل في الخبرة الفنية، فرجل البداوة في الكونغو يختلف عن الياباني المتحضر، كما يختلف عن الرجل الأكثر حداثة في نيويورك.
هذا التنوع يستدعي تنوع الطرائق في مقاربة المهمة، فليس هنالك طريقة واحدة، إذ لكل طريقة مجالها ووسطها الخاص بها. بكل حال فإذا أردنا تعدادا في هذا المجال فثمة طرائق ثلاث للدعوة.
стр. 137
الطريقة الأوروبية التي تخص بلاد الغرب بما فيها أمريكا وأستراليا، والطريقة الآسيوية التي تخص الهند والصين واليابان، وأخيرا الطريقة الإفريقية.
هذا التصنيف يوحي فورا بالفروقات التي يجب تبينها على كل طريقة.
ففي إفريقية السوداء مثلا لا تكون الدعوة إلى الإسلام بالعودة إلى الوسائل الفنية والتقنية كما هو الأمر في أوروبا (١).
والفرق ليس خاصا بعامل واحد بل بعوامل متعددة؛ ففي أوروبا لا تزال الروح الإنسانية غذاء سهلا ومباشرا من أيما ثقافة تنطبع على صفحتها. أما الدين المنظم في السلوك اليومي فليس ممكنا في أوروبا حيث المسيحية والحضارة هما طابع خلفيتهم في الحياة، أما الإفريقي الأسود الذي ولد ونما فكره في أوروبا فإن خلفيته من العداء للإسلام جاءت لاحقا من تطورها مع فكرة الاستعمار. بكل حال فإن الطريقة الإفريقية يمكن أن تكون مباشرة طبيعية وعفوية، وقريبا مما يجري في الحالة الحاضرة، إذ الإسلام يتقدم هناك بغير دعاة مختصين.
أما طريقة الدعوة في أوروبا فالأمر مختلف، وهنا يترك المجال للمختص ليمارس دوره، وعليه أن يعرف جيدا الغرب: تاريخه، ثقافته، نفسيته، وفنونه، ثم مأساته الداخلية، وخلفياته، وشكه الغريب، واستقامته التي تفوق التصور.
وهنا فالأمر يتطلب عملية تطهير ونزع سم التأثير اليهودي في الفكر، فالرجل الغربي في طبيعته يحمل براءة طفل ناضج، إنه سريع المبادرة، لكنه متحفظ الحماس؛ يتذوق اللعبة والمجازفة، يكره ويحب بعاطفة.
إنها طبيعة جميلة لولا أن اليهود شوهوها.
стр. 138
هنا تبرز قضية الدعوة وهي تبنى على أرضية خلفيتها ضد الإسلامية، وهي خلفية تدفع بجذورها التاريخية عميقا؛ لذا فالعمل على أرض كهذه لا بد أن يبدأ بجو غير مباشر؛ من ترغيب خارج حدود هذه الخلفية، أعني العودة بالإنسان الأوروبي إلى أصالته وعفويته، إنما بغير تشوف الطفل، إذا آنس المصلحة والرغبة في مرمى سروره.
فإذا ما توطدت بعد الحرب العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب، واختيار أطفال مميزين لاعتبارات جمالية وإحساس أخلاقي، فإن ميزتهم تفتح الطريق إلى تبادلات عكسية مع وحدة المناخ الحضاري القادم مع العصر الذي سيأتي، وهي لذلك تفتح الطريق لزيارات متبادلة؛ إذا ما الطلاب قضوا عطلتهم لدى عائلات أوروبية، فيتركون بذلك مناخا لأفضل سفراء بين الأديان والشعوب والتقاليد، في طابعها العفوي الذي
يلج عبره الأوروبي تعرفا على كل مجهول منه أو غير معروف لديه، في
طابع الحياة الإسلامية العائلية. وبالمقابل إذا ما لبى أطفال أوروبيون دعوة لقضاء عطلتهم لدى أسر مسلمة؛ يتعرفون عبرها ما ينزع إليه الطفل لهوا مسليا بريئا؛ في مناخ إسلامي يعودون به إلى أهليهم، وهم يحدثونهم عرضا عن إطار الحياة الإسلامية؛ صفاء طفولة، ورغبة اكتشاف خارج حدود خلفية تاريخية بنيت ضد الإسلام.
هذه المقدمات العفوية؛ تفتح الطريق بصورة عملية لعمل عبر المختصين؛ مثل محاضرات، أفلام، راديو. إلخ .. وهذا العمل يقوده مركز معلومات في كل عاصمة؛ تنظم فيه جولات في عمق المدينة التي
تعرف تاريخها.
هذا المركز إذا ما قام بمهمة حضارية من بين عشرة مراكز؛ فإن النتيجة ستصبح أجدى: اقتصاديا، وسياسيا، وأخلاقيا، من خمسين عاما مضت من الصراعات والحملات الاستعمارية والدعايات التجارية.
стр. 139
أما في آسيا فالدعوة للإسلام تضع مشكلتها بأسلوب المنهج الآسيوي؛ الذي يستقي طريقته من منهجين دفعة واحدة. فآسيا هي في الواقع أرض الإسلام المتجذر فيها بقوة كما هو في إفريقية، ولكن في الوقت نفسه هناك بلاد اليابان حيث الإسلام هو أيضا غريب عنها كما هي أوروبا وأستراليا وأمريكا.
هنا يجب أن نأخذ بالاعتبار من ناحية أخرى جمهورين من الإنسانية هما الأكثر بروزا، وكل منهما جمع منغلق على نفسه (sur le globe) كما هو الأمر بين الهند والصين، لكن بالنسبة إلى الصين فالمشكلة تطرح كما هي في وسط إفريقية؛ حيث الإسلام أصبح دينا أهليا بالجوار مع المسيحية، فالمسلمون الصينيون يشكلون طائفة هامة من ستين مليونا على الأقل، والإسلام هناك واسع ومتوطن اجتماعيا بمدى واسع، والدعاة الوعاظ يجدون مكانهم ووسائلهم المرتبطة بمركزيتهم العليا (١).
فالصين مركز أساسي للإسلام في الشرق الأدنى في مدى منشوريا وكوريا شمالي اليابان والفلبين، وإلى الشرق الهند الصينية وسيام وبورما، وإلى الجنوب اليابان، والشعب الياباني سيكون أكثر تأثرا بالمسلم الصيني من المسلم العربي؛ بسبب ردة الفعل ضد الأبيض الذي ولد من أوروبا العنصرية، حيث مر الأوروبي في كل مكان كمستعمر أو كجندي احتلال.
والمشكلة ستطرح بالشروط نفسها في الهند، إذا لم يكن الإسلام معزولا عن الجمهور الهندي في حدود مصطنعة نشأت مع دولة باكستان.
وهنا مهما تكن رابطة التعاطف الأخرى التي تربطنا بإخواننا الباكستانيين، فإنه لا يفوتنا شعور بالامتعاض من استقلالهم عن الهند إذا ما أردنا النظر في عمق الأشياء.
стр. 140
وقد قلنا في القسم الأول من هذه الدراسة كلمة معبرة؛ هي أن الدولة الباكستانية التي انفصلت عن الهند فإن انطباعنا عن هذا الحدث يلزمنا أن نرى فيه الدهاء والخبث من السياسة البريطانية الاستعمارية في الهند.
مهما يكن من أمر، فإن إخواننا في باكستان يستطيعون هم أيضا أن يؤدوا دورا هاما في التاريخ الأخلاقي في العالم الآتي، وهم الآن يستحقون في الوقت الحاضر شرف السبق في إرسال بعثة سلام للإسلام في العالم. وإذا استثنينا إفريقية السوداء، فإن باكستان هي البلد الإسلامي الذي كثف جهوده في الدعوة إلى الإسلام، وأرسل بعثات إلى الخارج، وبالخصوص بريطانيا
وسويسرا، لكن هذه الأعمال التي تستحق إعجابنا الكبير هي غير كاملة، إذا ما أهملت الجمع الإنساني البارز الذي يمثل شعب الهند، وقد أشحنا النظر عن هذا الجمع في تطوره بإدارة واعية لنهرو الذي سوف يلعب دورا في الدرجة الأولى في العالم، كالذي تلعب فيه الصين.
فإذا ما بقيت بصفة عامة كل سياسة وكل استراتيجية لا تأخذ باعتبارها تطور الملايين التي تمثلها الهند والصين؛ فإن الخطة ستؤدي إلى الفشل كما هي السياسة والاستراتيجية الأمريكية في هذه اللحظة، وهذا يجعلنا نقول كم هي سياسة باكستان ضد التفاهم مع الهند تبدو خطيرة، وكم نحن نأمل أن تحل قضية كشمير سلميا. وهنا نضيف بأن الواجب يدعو إلى الذهاب نحو عمق الأشياء. فبقاء شعب كشمير جزءا من الشعب الهندي لا يضر الإسلام كما لا ينفعه، ولكن أعتقد أن تشرشل رأى - مع شديد الأسف - أن أمرا كهذا هو فتح في سياسته البريطانية القائمة على الدهاء لصالح الاستعمار.
مهما يكن من أمر؛ فالعالم الجديد يسير الآن بقطار البناء في صين ماو تسي تونغ، والهند بقيادة نهرو، وهذه هي الحقيقة الكبرى، واليهود أثبتوا أنهم لا يجهلون ذلك، وهنا فالإسلام إما أن يربح كل شيء أو يخسر كل شيء.
стр. 141
أخوة وتآخ
في المشروع الإسلامي فيما استعرضنا بصورة مقتضبة أشرنا إلى مشروعين لهما كل اعتبار في ارتباطهما بما سميناه: المشروع الخارجي والمشروع الداخلي.
المشروع الداخلي نرى له أهمية مع أننا وضعناه جانبا لطابعه الخاص، وذلك في سبيل الاهتمام الذي أعطيناه للفصل السابق بصورة مكثفه منعتنا من الاهتمام بالمشروع الداخلي ببعض الشرح والتفصيل.
والواقع أننا حينما نستعيد مثلا الوجه المسيحي نرى طابعه التثليث والمحبة معا، وكذلك الوجه المسلم يبرز في عبارتين أساسيتين: الوحدة والأخوة ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ٤٩/ ١٠]، وهنا نتساءل: إلى أي مدى عكست هذه الحقيقة التاريخية حضورهما في المجتمع الإسلامي؟
من المؤكد أن هذا المجتمع قد مرت به مرحلة خاصة ومظلمة في تاريخه، حين انطلقت من القابلية للاستعمار والاستعمار معا، لكن الوضع الحاضر يبدو وكأنما هو على أبواب مخرج من هذه الثنائية.
لا شك أن ثنائية الاستعمار والقابلية للاستعمار قد شوهت القيم الدينية كثيرا، حين افتقدت الشعوب الإسلامية مشاعر الأخوة الإسلامية، التي كانت البساط الاجتماعي الذي افترشه المؤمنون الأول، يشد بعضه بعضا آصرة وحدة كانت رافعة الحضارة والتاريخ الإسلامي.
لقد أشرنا في القسم الأول من هذه الدراسة إلى الأسباب الداخلية التي فككت عرا الشعوب في البلاد الإسلامية حتى بين أهل المدينة الواحدة.
стр. 142
فقد وفرت القابلية للاستعمار متسعا للأسباب الخارجية التي عملت في ظل الإدارة الاستعمارية؛ كي تأخذ مجالها في تقسيم البلاد. فمنذ بداية القرن العشرين في ظل هيمنة الاستعمار وامتداداته خلف جدار التخلف، كانت الجزائر والمغرب يحارب كل منهما أخاه على الحدود التي رسمها الاستعمار في أرض الجدود ليحتلها، لكن شعور الأخوة قد بدأ والحمد لله ينبعث من جديد، وبدأت أصداؤه تتخذ لها مقاعد تتحلق حول القضية الفلسطينية والقضية المراكشية في العالم الإسلامي.
لكن هذه الأخوة التي يعبر عنها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي لا تزال في عمق الشعور، ولا بد أن تنتقل إلى وعي يجند الطاقة في بناء للمؤاخاة هادف وتطوعي بين المسلمين والعالم الإسلامي.
فمع تطور الأحداث والأيام؛ تنامت الأخوة في بسيط العالم الإسلامي، لكن الأخوة لكي تأخذ مداها التاريخي كما بدأت أول مرة، لا بد أن تنتقل من عمق اللاشعور إلى عمل واع؛ يجند الطاقة لبناء عمل تطوعي؛ له في المؤاخاة مواعيد إنجاز؛ في خطط متوالية بين أنحاء العالم الإسلامي.
صحيح أن الأخوة الإسلامية بادية مع تطور الأحداث الراهنة والأيام، لكنها لم تحدد خطة لها أو قضية تجند المؤاخاة في أهدافها، فالتخطيط الهادف في فاعلية الأخوة الإسلامية يضع العالم الإسلامي في التطور المشاع الذي يهيئ لبواكير العالم الآتي، فالأخوة في هذا المنعطف ينبغي ألا تظل في اللاشعور، بل يجب أن تأخذ مكانها في تطور يحقق نتائج ملموسة؛ لها دورها الأكيد والحاسم في معايير نظام جديد. لا بد أن تنتقل الأخوة من مجرد الشعور إلى إرادة العمل، فكل عمل تضامني لا يؤسس لإرادة هادفة، تسوغها عملية تخطيط (وعلى الخصوص في العالم الذي سوف يعقب العالم الحاضر) هو مجرد حلم.
стр. 143
ولكي تجدد الأخوة الإسلامية حضورها؛ عليها أن تعي دورها في خطة مؤاخاة بكل أبعادها الفنية. وهذا التحديد في جانبه العملي والفني في حاضر عالمنا الإسلامي قضية شائكة حتما وغير مؤهلة للتطبيق. لذا وعصرنا الذي هو على وشك النهاية؛ ينبغي الإعداد لمناخ العصر الآتي الذي يتسع فيه النطاق لمؤاخاة أبعد من السلوك الفردي، لأنها تمتد إلى حركة؛ بخطتها الفنية التضامنية كفصل من فصول علم الاجتماع، وهنا ونحن نتحدث بعبارات وصيغ جديدة، لكن النموذج الأمثل الذي يحقق نتيجة ما نرمي إليه من المؤاخاة؛ ما كان عليه مجتمع المدينة بقيادة الرسول (ص). فالرسول الأكرم لم يبلغ آيات الوحي في قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ٤٩/ ١٠] بل هو آخى وقام بتعبئة تنظيم عملي للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكانت المؤاخاة هذه هي النقطة العملية التي انطلقت بها المسيرة بفاعلية أكبر مما تكون عليه أخوة بنت علاقة حميمة بدافع سلوك أخلاقي. فالرسول (ص) ترك لنا عمق المنهج الفني العملي لبناء أخوة هي الأوفى بولادة مجتمع إسلامي وتطوره، وهذه الأصول الفنية العملية هي التي ستعيد للأخوة الإسلامية في العالم الإسلامي وجهتها رسالة وطريقا، وهنا نذكر ما جاء في الأثر من أن الإسلام سيعود غريبا كما بدأ.
من هنا فاتباع هدي الرسول (ص) ليس بالأماني والانتظار الغيبي، وإنما هو خطة طريق وعمل؛ تقوم على فنية المؤاخاة استعدادا لمهمة في مستوى الرسالة في عالم جديد.
ولنا نموذجان كمسلمين: الأول في الصين والآخر في الجزائر: (سن يات) الصيني الذي أصبح أخا لعبد الله بن إبراهيم الجزائري. فالأخوان تحابا كما أنهما لأب وأم واحدة يتبادلان الرسائل فيما بينهما بانتظام ويرث أي منهما الآخر، وهذا يعني أن ثمة شيئا جديدا في تاريخ العالم
стр. 144
الإسلامي يؤذن بما بعده؛ إذا ما أصبح هذا الجديد من الأشياء نمط انفتاح وتعارف بين مسلم في باريس ومسلم في جاكرتا. وآخران أحدهما
في لندن والثاني في داكار، وواحد في برلين وآخر في كراتشي، فهذه
الصلات إذا ما أحكمت روابطها فسوف تتفاعل تضاعفا بصورة طبيعية بين شانغهاي والرباط.
فالأخوة الإسلامية حينما أصبحت حقيقة اجتماعية في التاريخ الإسلامي، كانت المدى للدفعة الأولى التي أرساها الرسول (ص) في مجتمع المدينة؛ في حيوية باكرت الأرض الطيبة فيه بغرس خطة عمل لبناء مجتمع، وإذا كان لكل خيار خطة اختصاص في تنفيذها، وللمؤاخاة بين المؤمنين خطة تطبيق عملي، فهما بعض ما كان في مؤاخاة (سن يات) الصيني وعبد الله بن إبراهيم الجزائري من تطبيق عملي فني، إذ كل منهما خفض الجناح لأخيه فكانت وحدة التطلعات على سواء بينهما في نطاقهما الخاص، لكن النطاق العام له مداه الواسع في تنظيم؛ يسكب هذه المقاربات في قيادة مسارها وميزان نشاطها، فيؤشر إلى وحدة المسار تفاعلا أو ترهلا، وهو يمنحنا في النهاية زادا من الوجهة الكمية، حصاد ما تفاعل من المؤاخاة لسعي مرتحل دائما لأفق جديد.
لا بد من مركزية تنظيم يراقب المستجد عبر مؤشر سنوي لحركة العالم الإسلامي، ونموذج المسلم الصيني والمسلم الجزائري صالح للتعميم كوسيلة تحقق واحدة من الشروط العامة لوحدة العالم الإسلامي في العصر الآتي.
стр. 145
خاتمة
إن الجزء الأول المنشور في هذه الدراسة هو النتيجة التي تغني عن تقديم مزيد في هذا الفصل، لكن وأنا أنتهي من الجزء الثاني سيكون العالم قد أخذ مساره في منعطف تبدو فصول هذا الجزء من وجهة العالم الإسلامي بعض اهتماماته.
من ناحية أخرى فإن تصريح تشرشل منذ أيام بعد رحلته إلى واشنطن يشعر باحتمال الهجوم على الصين الشيوعية إذا لم توقع الهدنة في كوريا، وتصريح تشرثل يترابط مع التصريح الذي أدلى به رئيس وزراء اليابان حول معاهدة سلام مع الصين الوطنية بما يشير إلى أن الضغط الدولي قد ارتفع عام ١٩٥٢ أعلى مما نفكر.
من ناحية أخرى يبدو الجيش الشعبي في مصر متجها نحو حرب ضد بريطانيا، وفي إيران يوحي تصريح حسين فاطمي باتجاه نحو إلغاء معاهدة الصداقة البريطانية - الإيرانية عام ١٩٥١، ومن مؤشرات ذلك أن مصدق أغلق القنصليات البريطانية على كامل الأراضي الإيرانية.
هذه الأحداث تدعم مظهر الحياد في البلاد العربية، وهذا ما يؤيد مظاهرات احتجاج وغضب منذ ثلاثة أيام في تونس بسبب اعتقال مؤسسي حزب الدستور الجديد، لكن توقيف القادة الشيوعيين في تونس أعطى مادة للتفكير؛ أفلم يعد الغربيون مهتمين بدفع البلاد العربية إلى ما وراء موقفهم الحاضر، أي دفعهم مرحلة إلى التخلي عن مزايا حيادهم باختيارهم أو رغما عنهم، والانضمام إلى فريق هذا المعسكر أو فريق ذلك المعسكر في الحرب القادمة؟