← Общие книги

Общие книги · id 13925

وجهة العالم الإسلامي - المسألة اليهودية

مالك بن نبي

Полный текст (155 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قرب موقد العائلة في عشية يوم بارد بين أحفاده، يعرف موقعه، وقد أدى دوره في حلقة هذه السلسلة منذ أول خطوة في الحياة يسري به عنصره ويقوده إلى بلده القديم الذي لا ينسى. لذا فهو يعرف أن العمل الذي يقوم به كبير، وبقدر ما هو كبير فالعمل الذي بقي لمتابعة بلوغه إلى محطه النهائي كبير أيضا، وإلا لا معنى لما يقوم به، ومع ذلك فما قدمه آباؤه قد مهد له السبيل حين تخلص من عقدة النقص ودونية آبائه، ولذا فعمله سوف يبدأ عبر ميزان عالم آبائه الذين ولدوه: إنه ميزان القوى والإمكانيات ثم الصعوبات في طريق الانتصار عليها. فالطفل سيشعر أنه ليس إنسانا عاديا؛ فهو ليس اليهودي المبتذل -الإنديجين الأهلي كمجرد غويم (goyim) بسيط عامل من أجل يومه، بل وعلى الأكثر من أجل مرحلته، فاليهودي الذي لديه أفكار، ولتحقيقها مواقيت مدققة وبرامج لها محطها في مقاصدها البعيدة. لذا فالبرامج تتجدد كلما برزت عوامل جديدة مع التاريخ حين تغيب أخرى وقد انتهى دورها واختفت. وإذن فالأمر يتطلب دائما البحث عن ميزان حاضر وملائم لعالم جديد. فالآلة من الوجهة التجارية جاءت ترهص بعالم التكنولوجيا، وهو عالم معقد يتطلب اختصاصا ثم رجلا يتطلع إلى مهنة يتعلمها ليصبح مؤهلا أو عاملا في نطاق التكنولوجيا، ليصبح مهندسا متخصصا وإذ هم من الغوييم الأذكياء فاليهودي يستأجرهم بأفضل الشروط سواء منهم العمال أو المهندسون. لكن اليهودي يختار لنفسه في النهاية رأس الهرم، فهو المعلم (Patron) صاحب العمل أولا، ويمكن أن يكون هو نفسه مهندسا أو مؤهلا ذا كفاءة ويعرف مادته، لكنه سرعان ما يجد نفسه مدفوعا من القوى كافة، ليقود مسيرة عنصره نحو أوروبا، ليكون فيها صاحب العمل أو رئيس عمال يستأجر الأيدي والكفاءات لدى الأوروبيين من حوله

стр. 72

ليقودهم. وهو في مجال الصناعة سرعان ما يجد نفسه في دور الرئيس أو في قمة الهرم؛ لأن الصناعة ترتكز على التمويل، وعبر التمويل يصبح هو الأقوى نفوذا والأوسع شبكة في علاقات البيوت التجارية في العالم لشراء المواد الأولية وبيع الإنتاج بأفضل الشروط. فصاحب العمل اليهودي (Patron) وراءه سائر البنوك التي أنشأها جدوده في كل مكان، وهي دائما خلف تقدمه، فلديه أبناء هم المؤسسون، سواء كانوا في باريس أو لندن، وآخرون في برلين، ومن ثم آخرون في نيويورك؛ فمورجيو في (City) ؛ وهو ابن عم مورجان في (wall Street) وروتشيلد باريس هو ابن عم روتشيلد لندن، و (Shneider du Chreusot) هو ابن عم (schiffer) في نيويورك، وفي كل مكان لديهم أبناء عم ولكل منهم اختصاص. فروكفلر هو ملك البترول، وواحد من أبناء عمه لا بد أن يكون ملك شيء آخر. فمن يجهل أهمية رأسمال أبناء العمومة هؤلاء الدوليين؛ وهم على رأس الإمبراطوريات الاقصادية، وعلى كاهلهم تبنى امتداداتها؟! ففي عام ١٩١٢ تقريبا، اعتقد فورد أن لديه القدرة على اكتشاف تلك السلطة الخفية وفضح نفوذها الذي امتد إلى أمريكا بكاملها، لكن بدا له في النهاية مدى جهله بقوتها الحقيقية التي شاء محاربة سلطتها وتبجحها وتكبرها، لكن (Kahal) الكبير (١) سرعان ما أشرع سهامه تجاه هذا الخارج عن تبعيته من الغوييم الذي استسلم حين رأى نفسه دون مستوى هذا الهجوم، مما اضطره إلى أن يقدم اعتذاره علنا إلى الشعب اليهودي. ففي كل مكان من أوروبا المتحضرة (Civilisé) هناك مستعمرة بإدارة يهودي.

стр. 73

ففي فرنسا مثلا القطاع المالي هو لبنك هولندا، وهذا يعني روتشيلد، أما قطاع المواد الأولية، وهو يشمل المناجم والنقل، فنراه تحت إشراف شنيدر، أما قطاع الإنتاج الاستعماري بما فيه البترول والكوتشوك كذلك من القمح إلى الموز ... إلى (worms) ، فإنهم جميعهم مرتهنون لشركة رينو المنتج الأكبر للسيارات، حتى بدت في ذلك كله رب العمل لها جميعا. فأوروبا أضحى تنظيمها الإداري تحت إشراف يهودي. لقد أفلست شركة فورد ودفعت غاليا ثمن ادعائها القيام بدور المعلم الأكبر في صناعة السيارات. وفي بريطانيا فإن فئة (Goyim) بدت أكثر ذكاء حين عرفت حدودها فلم تضع نفسها في مرتبة المعلم الكبير أو المعلم الثانوي. فالإنكليز فهموا أنه على الجيل منافسة اليهود في نطاق إدارة الأعمال، وغدا أبناء العائلات في بريطانيا يبرزون في نطاق إدارة الأعمال في المؤسسات اليهودية. ففي الزمن الغابر كان التسامح يجري على هامش المجتمع الأوروبي، وكان اليهود عبر هذا التسامح يتسربون إلى داخل المجتمع لعوامل الشفقة بهم والرحمة أو الزمالة الثقافية ثم أخيرا المواطنية ليبلغوا مقاصدهم، حتى أضحى اليهودي في النهاية المعلم (Lemaitre) ؛ أي رب العمل الذي يعمل خلف قناع النظام الاجتماعي الأوروبي الذي خبره في العمق حتى أخره ليحتفظ بتراتبيته هذه. وفي الوصول إلى هذا المقام يكون اليهودي قد أضحى في عمق النظام الاجتماعي الأوربي وقلب كل تراتبية فيه. إنه الآن اليهودي الذي يستقبل بكل تكريم واحترام ابن عمه في العائلة البريطانية كمدير لأعمال الأسرة المالكة، وهو يجد فيها سندها لمهمات ومراكز في نطاق الإمبراطورية البريطانية. لقد كان جده من قبل يريد الارتفاع إلى مستوى المساواة والديمقراطية

стр. 74

في المجتمع الأوروبي، لكنه الآن اليهودي (المودرن) وقد وصل إلى مستوى في اتجاه معاكس حين أضحى طموحه على رأس التراتبية. لذا فالمساواة الآن أصبحت تقتضي أن تتهود الديمقراطية عمليا لتحقيق المساواة من جديد، ولا يعني ذلك الدخول في اليهودية كعقيدة دينية، فاليهودي لا يتسامح مع المؤمنين الجدد لأنه لا يريد له شركاء، إنما من حيث التعامل في الأفكار الجارية فإن خلفية اليهودي الفكرية هو أنه يريد عالما يعمل بجد في سبيل امتيازاته ومصالحه. إنه الآن يجد نفسه اليهودي الذي يفكر وأوروبا هي التي تعمل، فالمجتمع الأوروبي أصبح مقتصرا على نموذجين: الرجل الذي في يده (Serviete) وملفات على مكتبه، والرجل الذي بيده (musette) زوادته، وهو منصرف باكرا إلى عمله. فالأول مدير أعمال - موظف- نائب في المجلس ... والثاني عامل يعمل لحساب سواه، يستيقظ كل يوم مسرعا إلى عمله وبيده زوادته .. فهذا المجتمع الذي يعمل بكامل طاقته لمصلحة اليهودي أصبح أخيرا يفكر مثله ويعمل من أجله. وقضية دريفوس ليست سوى اختبار لمدى يهودية فرنسا. والكاتب الفرنسي درومونه في كتابه (فرنسا اليهودية) (La france juive) في نهاية القرن التاسع عشر لم يكن يدري إلى أي مدى يعبر هنا عن الحقيقة. فهذا الكاتب السياسي الصريح والسليط بدا في النهاية وكأنما هو نفسه أصبح يهوديا حين وقع في الفخ نفسه فمات متزوجا من يهودية. لقد جاءت الآن الصحافة في الوقت الملائم لتنشر على العالم كله الأفكار التي تلد في الهيكل الكبير. ٤ - اليهودي المذهبي المتزمت (Doctrinaire) من لعنة الزمن أو من إرادة شيطانية، فإن عمل اليهودي يبني وبذور تهدمه في تضاعيف بنائه. فاليهود هم الذين ابتدعوا هذا العالم الرأسمالي. وإذا

стр. 75

غدا شيوعيا ووطنيا واشتراكيا فذلك لأنهما جملتان مختلفتان لرد فعل واحد. وهكذا أصبح العالم متهودا، لكن اليهود رأوا أنهم استعجلوا نتائجه هذه بما ليس في خطتهم حينما واصل تطوره الطبيعي، وهكذا بدا وكأنما اليهود ضد عملية التهويد هذه فعمدوا إلى تحويل طريقها بما سارع إليه ماركس. فماركس كان أول من خرج بفكره عن مساره الأساسي (Dèviatiste) ، وذلك قبل أن تستعمل هذه الكلمة، فعمله ولد من شعور خفي وكأنما يحافظ على الرأسمالية في سبيل عنصره، وهكذا عمد اليهود إلى الثورة الروسية أو الثورة الهتلرية بعد ذلك كردة فعل ضد الرأسمالية كما أشرنا. لقد رأى ماركس أن ثمة خطرا يداهم إمبراطورية عنصره، وهكذا قيد المسار حينما طرح كتابه (رأس المال) كمعيار عقدي كي يضيف إلى الرأسمالية نتائج في مصلحة مملكته اليهودية. فالماركسية في الأساس كنظام جاءت تبطئ بالثورة القادمة لأغراض تتصل بالمصالح في المملكة اليهودية. منذ ١٧ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩١٧ فإن حزب الثورة الروسية أصبح يدار عبر اليهود التروتسكينيين، وما هو أكثر دلالة تلك الخطة الخمسية الأولى التي جرى التصويت عليها عام ١٩٢٥ من أجل تصنيع الوطن السوفييتي، لكن التمويل جاء من الرأسمالية اليهودية من وول ستريت. وهنا ينشأ التساؤل التالي: أفكان مورجان شيفر مدير وول ستريت من البلادة في العمل المصرفي حتى يمول السوفييت الجدد في الخطة الخمسية بغير ضمانات؟ أم أن هذه العملية هي تمويل استثماري للبنك بكل ضماناته المصرفية؟ لم يفكر أحد في طرح هذا السؤال الذي نحاول تحليله هنا لأنه ينفذ بدقة إلى عمق الغموض الذي سيطر على عصرنا.

стр. 76

من البداية لا بد أن نؤكد أن وول ستريت قد أخذت الضمانات اللازمة من التروتسكيتنيين ورفاقه الذين كانوا على رأس الاتحاد السوفييتي. ولا تنتظر منهم، وقد ذهبوا، تفسيرا لهذه العملية الكبيرة الهامة التي بلغ مجموعها ١٢٥ مليار فرنك فرنسي عام ١٩٢٥؛ لذا علينا أن نبحث في تفسير هذه العمليات المالية الهامة في مفتتح الثورة السوفييتية عبر مستويين: مستوى عام ومستوى يخص اليهود. أما على المستوى العام ففي عام ١٩٢٥ كانت البلاد الغربية الرأسمالية المتحضرة قد أنهت عملياتها في ما فوق التصنع (la surindustria - lisation) ، وقد أصبحت الصناعة أمرا واقعا في بلد أضحى يتقاسمه كل رجاله، أي (serviettes) (المديرون وراء المكاتب)، وحملة (musette) (العمال الأجراء الذي يحملون زوادتهم إلى عملهم). وكان هؤلاء جميعا في المدى النهائي سيصبحون في قليل أو كثير ماركسيين، بمعنى أنهم من الفريق الذي يتأهب لما يسمى المساء الكبير (١) (le grand soir) وذلك قبل أن يستولي مفهوم المادية على العقول والأفكار والتعامل في سائر أوروبا، فالماركسية اعتمدت على الإيديولوجية المادية، وهذا يعني أنها نافية لكل إيديولوجية. في هذه العبارة برزت في الفكر، الخطة الماركسية في التعارض الأساسي بين الماركسية وكل فكرة دينية، وبالخصوص المسيحية والإسلام. ومؤدي هذا أن الإيديولوجية الماركسية ضد كل رابطة ترتبط بعروة غير تلك العروة التي يراد شد وثاقهم فيها فقط، وقد أصبح هذا مفهوما في تلك المرحلة بالخصوص.

стр. 77

ففي حال تمام هذا الوثاق الجديد في العالم المتحضر فإن سائر النظم التربوية ووسائلها؛ وهي: الكتاب المدرسي وكتاب التاريخ بصورة رئيسة، ودور النشر - السينما - الراديو ... وهي كذلك جميعها يهودية. وفي ظل حرارة كهذه (على الخصوص العشرينيات والثلاثينيات) فإنك ستنحو إلى الاعتفاد بينك وبين نفسك، أو يبدأ الشك في اليقين الذي أنت عليه، أما الذين هم أكثر صلابة فهم أقل انجرارا، لكن محدثك الذي يشيع حولك هذا المناخ المادي إذا أنت استشعرت في هذه المكاشفة ريبة، فسوف يدهشك أن الرجل الذي يدعو إلى المادية وترك الإسلام أو المسيحية هو متمسك لا شعوريا برباطه الديني سواء كان الإسلام أو المسيحية (١). لقد كان الجو في تلك الفترة طاغيا ومرددا بكثرة وإلحاح عبر الوسائل المسيطرة، حتى لو أن سبينوزا عاش في هذا العصر الذي طرح فيه هذا السؤال لاختار - دون تردد - المادية كدين ظاهر. باختصار المساء الكبير (le grand soir) جاء، واليهودي يرى العالم يسير برضى منه نحو الخطة السوفييتية. أما في المستوى الخاص: فمهما بدا من المبادرة الرأسمالية في وول ستريت من تمويل الخطة السوفييتية فإنها تعني عمليا عملا هو من رحم اليهودية وابتكارها وذلك هو ظاهر المشهد. إذ نرى في النهاية أن أول بلاد أضحت شيوعية هي روسيا، وهي بلد ليس فيه رأسماليون يهود. ويهود أمريكا أرسلوا رؤوس أموالهم لإقراض الدولة السوفييتية وفي ضمانها، تحت توقيع تروتسكي عبر وول ستريت التي لا تثمر أموالها

стр. 78

بسهولة في برنامج كالخطة الخمسية السوفييتية، وهكذا يتخلون عن أموالهم لتمويل خطة ثورة، لكن صندوقها خاو وجيشها عدو، وقد اعتمد الأرض المحروقة. فالإقراض في خطة خمسية أو عشرية بضمان الدولة السوفييتية هو في نهاية الحساب سيبقى رأس المال اليهودي وحده، ومرصدا في مصلحة ثورة ضد الرأسمالية، وهكذا تغدو لهم وحدهم وحدة الآلة الرئيسية في روسيا لعصر عهد بناء (ما فوق التصنيع) دون أن يكون لأي من الغوييم سنت واحد في مال هو في النهاية ملك الدولة، وهكذا أضحت جميع دول الاتحاد السوفييتي مدينة لخمسة أو ستة من اليهود يمثلون المجلس الأعلى للسوفييت، والباقي يتابع المسار. وهكذا تصبح الأرض كلها تدار بيد تروتسكي من أجل الثورة الكبرى والمساء الكبير وعظمة إسرائيل، لكن الأرض كلها في النهاية لله. ٥ - اليهودي العالمي في بداية عام ١٩٣٧ أو ١٩٣٨ كثير من الهولنديين غمرتهم الدهشة وهم يقرؤون في صحيفتهم اليومية بيانا تضمن تذكيرا مرسلا إلى الشعب الهولندي، وقد أثار بعض النقاش حول الأفكار الهتلرية المتداولة في ذلك العصر ضد اليهود. البيان كان مجرد تذكير في صيغة تعميم إلى جميع الهولنديين: (يرجى من الشعب الهولندي ألا ينسى أن اليهود هم الذين أقاموا إمبراطورية هولندا الاستعمارية، فأصبحت الإمبراطورية هي الأغنى. فقد كانت إمبراطورية الاستعمار هذه تحت سلطتها مساحة خزان ٧٠ مليون مسلم وأكثر، مع وفرة في المواد الأولية تذهب جميعا لتطعم ستة ملايين هولندي). وقد أثرى بعض اليهود ثراء فاحشا وهم يديرون هذا العمل المجزي بصورة خيالية.

стр. 79

كان ذلك تذكيرا بثلاثة قرون خلت وأعلنت شروق العصر الاستعماري. وهنا تعود اليهود أن يكونوا أكثر حكمة وتواريا في غمار المجتمع على سواء بين المواطنين كما هي العادة لكي يعلن البيان عن أن اليهود هم الذي أقاموا إمبراطورية هولندا باعتبارهم الرواد في حركة الاستعمار الغربي بصورة عامة. في الواقع هناك سبب لهذا الاندهاش الذي عبر عنه المؤرخون على طريقة موراس (Maurras) الذين لا يرون من العالم إلا ما كان ظاهرا للعيان في بريقه أو في صخبه، فظاهره هذا يخفي حقيقته التي تبقى في الظل أو في الصمت. فالكنيس العالمي لليهود أعلن لأول مرة بهذا الاسم مع بداية القرن الرابع عشر، ومع استقرار أسرة روشيلد في باريس، ومنذ ذلك التاريخ يصح التساءل كم من هؤلاء العلماء الكبار يستطيعون إدراك أن ترومن ليس سوى صورة، وأن باروخ وارث روتشيلد هو الملك الحقيقي الذي يسير جمهورية الولايات المتحدة، أو هو (المديتشي) الذي شاء اتباع أثر إمبراطور فرنسا الثالث، لكن لم يكن لديه الوقت ليحمل لقب (ملك العرب) وهو في المنفى، وهكذا حمل اليهود الجنسية الفرنسية، وليس العرب بمقتضى مرسوم (Gremieux) . لقد كان ذلك كله بأوامر روتشيلد الذي ربما أراد نوعا من إصلاح ما بدا غير عادل في عزل مشاركيه اليهود الجزائريين في الدين، وهكذا نرتقي إلى نقطة في التاريخ الحقيقي للعالم الحديث الذي يعمل في الخفاء خلف التاريخ الظاهر الذي يقوم اليهود بدورهم فيه أو يقوم العصر الحديث بدوره في سيطرة اليهود على العالم. وهذا يعني كم هم الناس العفويون البسطاء الذين كان اندهاشهم من بيان الكتيس العالمي في هولندا إلى سائر أبناء الشعب مصدره ما أوحى به ظاهر الأمور للمؤرخين أمثال (Maurras) حين قرأ العنوان، أو عبارة

стр. 80

النداء، في عموميتها إلى الشعب الهولندي، فقد وجه الكنيس بيانه كمرجع وطني باعتبار القضية تتعلق بالشعب في عمومه. وأعتقد أن القارئ لهذه السطور سيجد في هذا الإعلان السند الوحيد الحقيقي الذي يضيء فجأة المشكلة الاستعمارية بكل عمقها. فالنداء كان يهدف بصورة مؤكدة أن يعمد اليهود لإعطاء الحياة الأوروبية بأكملها صبغة أفكارهم ومؤسساتهم، ومن ثم فهم لا يستطيعون أن يجعلوا عملهم وكأنما هم غرباء عن الظاهرة الأساسية لتاريخ أوروبا الاستعماري. لكن من أجل الإمساك جيدا بهذه الظاهرة يجب أن يتلاءم ذلك كله مع تاريخ إسرائيل الذي يفسر باستراتيجية في خفي حركته أكثر من ظاهر تاريخ أوروبا. وهكذا تبدو أطروحته وكأنما هي مجرد عمل اقتصادي ظاهر في مرحلة من تطور الرأسمالية في العصر الحديث. هذه الصور من تاريخ أوروبا نستخرجها من خفيها لكي نفسرها، وعلينا أن نعريها مؤقتا من النزعة الاستعمارية لتكشف الطابع الأساسي وهو معرفة الطابع الروحي. إنني أعرف ردة الفعل المفاجئة لدى مؤرخي الظاهرة إذا تحدثنا عن الطابع الروحي لهذه الأطروحة، فيما المؤرخون على طريقة (Maurras) لا يرون من الرأسمالية شيئا آخر سوى المادة؛ أي ذلك الذي له رنينه إذا ألقي على الأرض. فالرأسمال هو بكل حال التعبير المادي المسلموس لسيطرة اليهود على العالم، وإذا نحن تحدثنا عن رأس المال كإرادة وتفكير فإننا نتحدث عن روح في وحدة أدائه، ومن ثم فليس من نشاز السمع الحديث عن الجانب الروحي للرأسمالية في حياتها الداخلية ما دامت هي تفكر. والأمر نفسه الحديث عن روح الطروحات الاقتصادية التي يعطيها الاستعمار كل التفسير بظاهرها.

стр. 81

لذا، يبدو لنا نموذج التعميم الصادر عن الكنيس العالمي في هولندا هو الأعمق شفافية من سواه وهو يخاطب الشعب الهولندي، وفي يعض الكلمات أثار هذا التعميم التأثير الحقيقي للاستعمار بأجمعه. فإذا كان يراد منا نحن الجزائريين معرفة دور بكري بوشناق (١) في تاريخ الجزائر فهذا لا يكفي في موضوعنا في كشف مدى أصوليتهم كما يكشف هذا البيان مراميه البعيدة. وإذا استثنينا أية معلومات إضافية في هذا السبيل فإن المرامي البعيدة لهذا البيان تكشف - بدون مواربة - حقيقة دورها، بمعنى أن الاستعمار كالرآسمالية هما بعض النشاط العالمي لليهود، وهنا فاليهودي يتموضع في الخطة نفسها وليس في زاوية خاصة من تاريخه في أوروبا، لأنه هو تاريخها الأصيل. فأوروبا بالنسبة لليهودي هي مرحلة ووسيلة ترمي إلى التطلعات البعيدة للشعب المختار كما شرحناه في فصلنا السابق. وفي هذا الوجه من القضية نرى اليهودي يبتكر وسيلة جديدة للبروليتاريا، هي تحريك كل حملة الزوادة (أي العمال الذين يحملون زوادتهم للعمل يوميا) ضد طبقة المديرين أي حملة حقائب الملفات. فقد كانت الثورة الفرنسية تتلخص بانتصار حامل الملفات (serviette) على حامل السيف، فمن أجل أن تصعد يجب أن تنزل أحدا منهما وترفع آخر، والوصية الشهيرة (قسم من أجل أن تسود) هذا الشعار يجسد حقيقة اليهود جدود ميكيافيلي. فالخطة إذن مستمرة في تقلب الشعارات والمواقع في سائر مراحل المسار اليهودي الأوروبي منذ اليهودي المشتت إلى اليهودي المتزمت

стр. 82

ذي المبادئ (Doctrinaire) الذي يهدف بصورة مستمرة إلى تحريك القوى الدنيا ضد الأرستقراطية والنخبة، وهذه الخطة هي الأوفى بالهدف إذا نظرنا إليها في مدى الخطة العامة لليهودي العالمي؛ يسيرها وهو جالس في قمة الهرم. لقد حاولنا في بداية هذه الصفحات أن نمسك بأطراف بدايات مسار الدياسبورا، والتوجهات في شتات وتفرق الشعب اليهودي في العالم، إذ ليس غير اليهودي العالمي وحده الذي يؤرخ لهذا العصر، فمسار الشتات اليهودي وجد وجهته الآن أمام نوع من ردة الخوف الوراثية ضد الشعوب الآسيوية تقابلها كراهية يهودية كما شرحنا في بداية هذه الدراسة، وهذا الذهان يبدو لنا واضحا في شعار القرن العشرين في ظل العصر الحديث (الخطر الآسيوي) الذي أضحى شعار القرن العشرين عبر سائر قنوات الإعلام اليهودية. ولكن إذا نحن تجاوزنا مدى ما يعنيه هذا الشعار، فثمة خطر حقيقي على اليهودي، وهذا الخطر سوف يتعاظم في مشاعره مع ظهور الإسلام؛ إذ مع ظهور الإسلام بدأ الشعور فورا يخطط طريق المستقبل في خطط ظهرت نتائجها عقب السقوط الإسلامي، خطط ترمي إلى تحقيق موقع اليهود وترأب صدع جماعاتهم في آسيا. فاليهود رأوا في العالم طبيعتين من الكائنات: اليهود وهم الشعب المختار، والحظيرة وهي التي يحشر فيها عموم الجنس البشري الغوييم. ولكن قبل ولادة فكرة الثورة البلشفية للثورة العالمية التي أدارها تروتسكي، كانت المشكلة هي كيف توضع هذه الثورة في ظل اليهودية العالمية، ومن ثم بأية طريقة تحكم بها العالم؟ كان البحث في أوروبا عن الوسيلة الأكثر انصياعا والأكثر خصوصية في خدمة مخططاتها، وهكذا من هذا المنطلق قادت خطاها ببطء - كما سبق أن أشرنا - وانتهت إلى فصل أوروبا عن باقي المرتزقة الذين هم

стр. 83

من بقايا الإنسانية. من هنا نشأت هذه (الثقافة الأوروبية) ذات الخصائص الأكثر عنصرية. فالاستعمار لا يستطيع أن يرى نفسه دون هذا المفهوم العنصري؛ إذ بغير هذا المفهوم للعنصرية فالحرب تصبح مجرد غزو، ولكن مع العنصرية فالحرب تصبح استعمارا، فكل العمليات الحربية في آسيا، حتى في المنطقة الإسلامية الأكثر بعدا كمنطقة جنكيز خان وتيمورلنك، كانت الحرب غزوا مجردا لأن العنصرية كانت غائبة عن مدارك الغزاة كما هي بادية في مدارك اليهود. على العكس من ذلك، تبدو الثقافة الأوروبية التي أبدعت بطريق المصادفة أسطورة الجنس الأبيض، كما سوف تبدع فيما بعد أسطورة العنصر الآري، قد حولت حروبها ما وراء البحار إلى حروب استعمارية. ولقد أوضحنا بالتفصيل في هذه الفقرات أصول هذه الثقافة التي تفصل اليوم أوروبا عن بقية الإنسانية. فالعالم أصبح اليوم منقسما بصورة نهائية إلى طبقات ثلاث: اليهود الذين يحكمون أوروبا، والأوروبيون الذين يستعمرون من أجل اليهود، والأهليون، (Les indigènes) الذين أصبحوا مستعمرين. فساحة الاستعمار قادرة أن تجد متسعها في فراغ طبقة القابلية للاستعمار التي لم يكن اليهود فيها أكثر من أجانب كما يراد إثباته، وإذا كان التوسع جائزا في هذا الفصل ولا يؤذي، فالعنصرية في نهاية التحليل هي المسوغ للاستعمار أمام الضمير الأوروبي، ولكنها أيضا أضحت معيار هذا الضمير نفسه: فالأوروبي الذي تتملكه فكرة مبتذلة، حينما ينظر إلى اليهودي الصيني (Judochinois) مثلا، سينظر إليه هو بالمقابل على أنه الأنديجين الأوروبي، ومن الطبيعي أن هذه الحالة من الفكر هي الأكثر شذوذا، وقد نفذت إلى هذا المفهوم من خلال النظام التربوي الذي

стр. 84

تدور حركته عبر الكتب والصحف والسينما والراديو التي هي بأيدي اليهود أو الذين يسيرون بأوامرهم. لقد فهم منذ ذلك الوقت أن شعورا ما تولد في عقلية هذا اليهودي الذي أصبح شيئا فشيئا المعلم والمرجع في أوروبا. وهكذا ذهب يأخذ دوره في استلام شعلة الحضارة عقب سقوط الحضارة الإسلامية. فأوروبا التي استلمت شعلة الحضارة بعد سقوط الحضارة الإسلامية لم يعطها التاريخ الضوء الكافي، لكنها مع ذلك أخذت في معناها وضوحا أكبر في مجرى الأحداث التالية. فمن المعلوم أن القارة المغولية مع جنكيز خان كانت الكارثة الأولى التي أصيبت بها الحضارة الإسلامية، ومن المعلوم بالإضافة إلى ذلك أن هذه الكارثة قد سبقها وفد مسيحي مقيم في (OuJang Bate) هي عاصمة (١) (Horde d'or)، ومن المؤكد أن المؤرخين على طريقة (Maurras) الذين اعتمدوا الوثائق المتداولة التي ركزت على حالة تاريخية مماثلة تضمنتها هذه الوثائق، ولأننا ننظر إليها من زاوية غموض معناها البعيد، نرى أنها ليست وثائق تاريخية فحسب، بل هي الحقيقة التي يهمنا الوقوف عندها. وهذه الحقيقة لا يقدمها ما هو مدون في الوثائق فقط، إذ من خلال التحليل الداخلي لها؛ فالمسيحية كانت في ذلك الزمن مشغولة بانقساماتها الداخلية، والكنيسة الرومانية والبيزنطية في خصام كل منهما بوجه الآخر في العداوة والجدل اللاهوتي، ولم تكونا مهتمتين بالمشكلات العالمية. كما لو افترضنا إرسال بعثة إسلامية تنتمي إلى عصر ما بعد الموحدين إلى كوكب المريخ لتحضير غزو أمريكا، فإنني أرى هذه الوثائق حتى لو أثبتت تاريخها، أن حقيقتها لها مجال آخر ينفي هذا الافتراض؛ لأن معطيات مجتمع ما بعد

стр. 85

الموحدين هي التي تؤخذ بعين الاعتبار. فأنا أعلم أن مجتمعا لديه أفكار لا تتجاوز أمور القبيلة أو المملكة لا يستطيع النظر هكذا إلى البعيد، ولا العمل على بناء علاقات دبلوماسية مع كوكب المريخ. وبناء على هذا التحليل العقلاني الذي آخذه بعين الاعتبار، يبدو لي أن الوفد المسيحي إلى (Oulang B) هو مجرد ترتيب يهودي استطاع تسخير بعض الأنديجيين المسيحيين، أما الأحداث التي أفضت إليها هذه البعثة، فقد رتبت إطارا سابقا لاهتمامات اليهود والعنصر الأوروبي الذي كان لا يزال بعيدا عن النظر إلى المشكلات على المستوى العالمي؛ فسائر الاهتمامات هذه - التي أشرنا إليها - أصلها في (الذهان اليهودي) تتمحور حول الخوف والكراهية، والفكرة نفسها هي أيضا فكرة الاستعمار الذي كان غامض الخفاء في الحقبة الإيديولوجية ليهود الدياسبورا. ويمكن لنا أن نجد هنا التفسير الأكثر وضوحا من سائر هذه الوثائق التاريخية - في حال صحتها - هو معيار هدم قرطاجة، وهو منهج اعتمده اليهود في سائر المشكلات السياسية. وهنا فإن هدم جنكيز خان لبغداد مركز الحضارة الإسلامية قرين هدم قرطاجه (١) بترتيب يهودي مفترض.

стр. 86

فالغوييم الأوروبي سينتهي أخيرا إلى مجتمع (indigene) ، لكن ردة فعله عنصرية، فالعنصرية أضحت روح الأوروبي بصورة عفوية، فإذا ما كانت مثلا فتاة مسيحية في حفلة (bal) راقصة، رقصت مع شاب أنديجين، فإنها ستجد نفسها فجأة أمام ذاكرتها في تحذير يأتيها من أحد رفاقها وهو يناديها محذرا، وقد يصدف أن يكون يهوديا: (عزيزتي أنت ترقصين مع أنديجين (أهلي)). وما هو أكثر دلالة حينما وقف دزرائيلي في إحدى جلسات مجلس العموم وحمل بيده المصحف الشريف وصرخ: (ما دام هذا الكتاب موجودا فالسلام لن يعم العالم). فدزرائيلي لم يتحدث كمسؤول بريطاني فحسب، بل وكيهودي عالمي يتكلم أيضا. من الطبيعي أن حالة ما شرحنا قد مرت في ردات فعل طبيعة الأوروبي نفسه وقد أضحت جزءا شاملا لشخصيته، حين استلم صدفة تركة عنصرية دون أن يعرف من الذي أعطاه إياها، ففي ظل هذا الواقع فالأوروبي أصبح يقوده شيئا فشيئا المحرك السحري، ويعمل طبقا لآلية فكرة أجنبية عنه لها تعريفها الخاص. وعلى ضوء ذلك، إذا كانت العنصرية هي المسوغ الأخلاقي للأوروبي الذي محا الشعوب الأمريكية الأصلية قبل كولومبس وقتلها بدم بارد، فهناك إذن معيار يستطيع اليهود عبره أن يميزوا الأخلاق الأوروبية الجيدة من السيئة، لذلك فهم يستحقون ثقتهم كمديرين لمشروعهم. فالاستعمار لا يجد مسوغه لمجرد أطروحة اقتصادية تفسر في إطار أوروبي؛ وإذا كانت تاريخيته تركزت داخل هذا الإطار فإن حقيقته قد تجاوزته بعيدا. وإذا كان الإعلان العام الصادر من الكنيس العالمي لليهود إلى الشعب

стр. 87

الهولندي قد أدهش المؤرخين، فذلك لأنهم لا يعرفون حقيقة تاريخ العالم إلا من خلال ما تدلي به وثائق مصنفة في المكتبات العامة. لكن هذا الإعلان هو إمارة العصر. ٦ - اليهودي الذي رمى القناع يهودي الشتات عرف الفخر والاعتزاز والحلم في عنصره فترة الشتات، فهو لم يخنه، لذا بقي وسط الجموع وبينهم دون أن يفصح عن ذاته (anonyme) ؛ حماية له ولنشاطه في خصوصية عنصره الذي يعمل في الخفاء. والواقع أن أحدا لم يستطع أن يخرق غموض وسر شخصية اليهودي التي تجسد فيها الإذلال الذي به انتزع من أوروبا كلمتي الشفقة والرحمة، لكن الإنجيل - الوثيقة الأدنى ريبة في أفكاره المسبقة - عقد مقارنة أعطانا عبرها في نفسية الشعب اليهودي سمة أساسية؛ حين أطلق عليه اسم هذا الشعب ذو الرقبة القاسية. فحياة اليهودي في الجيتو ألزمته أن يعود إليه وبين كتفيه رقبة صلبة وبها يحقق أهدافه، وإذ هو يدرك بدقته البرجوازية الأوروبية في تفاعل إحساسها بالشفقة والرحمة، فقد استطاع أن يعطي الانطباع الأقصى من الخضوع في قسمات وجهه، وهو يحمل في داخله الكبرياء. بيار أرميت مثل أمام بطريرك القدس الذي سأله عن اسمه فأجابه بكل بساطة: (اسمي بيار وأصدقائي ينادونني أرميت). ثم سأل البطريرك ليعطيه شهادة عن كل المصاعب التي يلاقيها الحجاج المسيحيون من غير المؤمنين (أي المسلمين). لقد عبر عن مجرد اسم وكنية وشهادة، لكنه أصبح العنوان البارز

стр. 88

للحرب الصليبية، والمؤرخون لا يطلبون أكثر من ذلك ليجعلوا منه الشخصية الغامضة في التاريخ. واحد من العاملين في نظام المعابد (Ordre des Emplois) ليس معروفا لدى المؤرخين هو (بيار أرميت)، أما ابن ميمون فهو على علو مكانته في الفكر اليهودي فقد ظهر أمام المسلمين في القاهرة (وقد هاجر إليها من الأندلس) في صورة إمام في أحد المساجد، وقد تحولت إقامته في القاهرة إلى مجرد قصة تروى في أوروبا بكل معانيها. وابن ميمون عاش في القاهرة غير معروف بما هو فيه، وقد تخفى حتى لا يقابل بالرفض الذي لقيه صديقه ابن رشد في قرطبة وهو كان يعرف ذلك جيدا. وهنا يصح الوقوف عند معاني هذه القصة في حياة الرجلين. فما هو معروف من حياة ابن رشد أنه أنهى بكل هدوء مركزه كقاض كبير في الأندلس، لكن يهودي الشتات كابن ميمون مثلا وسواه قد وضع لنفسه طريقا توفر له فيه مجموع ما انطبع عليه من الميزات العملية؛ فهو المواطن في أوروبا الديمقراطية، ثم هو المعلم الأكبر في المرحلة الصناعية. ويبقى رجل (الإدارة والمكتب والملف) كما هو الرجل الذي يخرج من بيته باكرا إلى عمله حاملا بيده زوادته اليومية، فهؤلاء جميعا لم يعودوا شركاءه بل موظفيه وعماله العاملين في ورشته ومديري أعماله. في بداية القرن التاسع عشر كان روتشيلد مجرد دبلوماسي في وزارة الخارجية الفرنسية، (ألكي دورسيه) عين سفيرا في فيينا لكنه بعد فترة من عمله كان منزل روتشيلد هو الذي يستقبل الملك كارول ملك رومانيا حينما زار باريس وليس قصر الإليزيه حيث كان بوانكاريه رئيسا للجمهورية.

стр. 89

أما درومونه (Drumont) المسكين الذي تحدث ببراءة الفرنسي (الغالي) فحذر من الخطر اليهودي في كتابه (فرنسا واليهود) فقد توارى من خلف ستار النسيان مع قضية درايفوس، وربما كان بسبب من يأسه مات متزوجا من يهودية. قضية درايفوس كانت مجرد اختبار استطاع اليهود من خلاله الهيمنة على الحياة الأوروبية، بل على ضميرها وأفكارها والناس والأشياء. فبرغسون أعطى دروسه في السوربون فحمل تلاميذه بكل بلاهة (âneries) أفكاره إلى العالم المتمدن، أما أينشتاين فقد ملأ العالم بأنوار النسبية حتى غدت سيرته وكلماته في الجد والهزل، وقصصه المتداولة، ذخيرة أنباء الصحافة اليومية ومحطات تفسيرها للأحداث والأفكار التي تغنيها (havas) ورويتر و (Harold) بالأخبار كل صباح. وهكذا غدا البوابون في برلين، كما في باريس ولندن، يعرفون آخر ما يقوله أينشتاين، لكن قليل من يتحدث أو يعرف اسم (plank) الفيزيائي الألماني الذي ابتدع نظرية (quanta) التي كانت هي المقدمة في علوم الطبيعة الذرية. أما (أينشتاين) فقد سيطر على المسرح، وموروا على الأدب، واليهودي (مناخم) أحيا على أسطورة موزار الطفل الأعجوبة. في كل مكان كان المفسرون لماركس وتروتسكي يهيئون من الخارج الهجوم الكاسح لطرد ستالين المستغل، ومن هذه الإرادة ولدت الأممية الرابعة. وقد بلغت حتى حلبة المصارعة؛ إذ كان اليهود في حاجة إلى لقب ملكي: ماكس بوير (Max Boer) : هو الذي أخذ هذا اللقب، وهكذا ولدت أسطورة جديدة؛ إنها اليهودي السوبرمان الذي يعترف فيه لليهودي بالقوة الخارقة في كل صحافة وكل إذاعة وكل سينما.

стр. 90

فاليهود يملكون كل شيء ويتركون كل شيء ويمسكون بأيديهم كل شيء. و (لويس بلوم) استلم السلطة في فرنسا ظاهرا وبصورة مباشرة، فاليهود بعد اليوم لن يتخفوا أبدا وراء اسم مستعار ولا جنسية مستعارة. إنهم يهود بكل وضوح، وإنهم استثنائيون. بلفور أعلن عام ١٩١٧ الكلمة الكبرى للعصر الحديث: عودة إسرائيل إلى فلسطين. وأنبياء مودرن أمثال برنار لوكاش - كما تعرف الجزائر - أعلن الجنسية اليهودية قبل أن يعلنها (ترومن) عبر العالم. هكذا ألقى اليهودي بالقناع بعد ألفين من السنين، وكما خرج اليهودي من الجيتو ليصبح مواطنا في بلد أجنبي ها هو اليوم يخرج من الظل، من الخيال، من غمار المجتمع (anonyme) ، إلى إشهار جنسية إسرائيل، وبقدر هذه الجنسية أعلن نفسه مؤلف ومعلم العصر الحديث. هكذا كان تعميم الكنيس العالمي إلى الشعب الهولندي. ومن خلال هذا التعميم قال للشعب الهولندي أنه هو المؤلف لإمبراطوريتهم الاستعمارية، وكانت تلك الكلمة هي الحقيقة الأكثر اختصارا لعلامة الزمن الذي يعني نهاية العصر. ٧ - نهاية عصر كثيرا ما تسير الأفكار إلى أبعد من العقل الذي ابتكرها. وحينما أسس اليهود إمبراطوريتهم العالمية من خلال العنصرية الأوروبية لم يكونوا على علم بيوم يكونون هم فيه ضحايا هذه الأسطورة وضحايا الجنس الأبيض. فالإمبراطورية العالمية هذه بلغت ذروتها في حرب الريف عام ١٩٢٥

стр. 91

حين وضع بلدان متحضران كل قوتهما المادية أمام الأمير عبد الكريم الخطابي وقبيلتين معه في حركته التحريرية. خسائر الأمير أمام الاستعمار الفرنسي كانت نهاية مقاومة الأهليين (les indigènes) ، وهكذا بلغ الاستعمار الذروة سيدا على آسيا وإفريقية كلها. فيد الاستعمار على آسيا وإفريقية أضحت يد تملك، وتأكيدا لهذا الشعار؛ نظم اليهود قافلتين لسباق السيارات في مدى هاتين القارتين: فشركة (Citroen) نظمت سباقا للسيارات من شاطئ المتوسط إلى شنغهاي باسم السباق الأصفر، وفي القافلة الثانية باسم السباق الأسود، كانت السيارات تجتاز إفريقية من الجزائر إلى كيب تاون. فعالم الأنديجين القابل للاستعمار والمستعمر كلاهما أخذ بهما السباقان الأصفر والأسود في أحاديثهم إكبار جرأة وإعجاب استكشاف. فالعالم المتحضر أراد أن يعبر عن المناسبة بنوع من الاحتفالية فيها كل ما يكرس الاستعمار سلطانا إمبراطوريا، ولتأكيد هذه الإمبراطورية أقام معرضا عام ١٩٣١ في باريس عرض فيه إنتاج المستعمرات في آسيا وإفريقية، وجاء الزوار الأوروبيون يتأملون (العادات والتقاليد) للشعوب التي يجرونها وراءهم. لقد غدت الأفكار العنصرية سلما يداولها في مدينة ميونيخ قلب أوروبا؛ رجل داكن اللون، وهو يجلس في مقهى لشرب البيرة ويتحدث عن إله جديد يدعى (العنصر الألماني) ويبشر بدين جديد. لقد تكلم هتلر إلى الشعب الألماني عن الشرط الجائر الذي فرض على الشعب الألماني منذ معاهدة فرساي عام ١٩١٩، وقد رد إلى اليهود جريرة متاعبه ومآسيه.

стр. 92

كانت كلمة هتلر تبعث الحماس في قلوب الشعب الألماني وتثير أعصابه حين انتفخت أوداجه غضبا ثم انتفشت فخرا وعنفوانا، لقد آثر حاضرا هشا وبه صادر مستقبلا. لقد تحدث عن العنصر الآري كعنصر أعلى يسود بالحق الإلهي ليرفع معنويات الشعب الألماني من نتائج مؤتمر فرساي، ولتعود إليه مكانته وكل عظمته في الأرض ليبني عليها مستقبله وهو في المقدمة بين الأمم. كان هذا كله الأساس الايديولوجي للوطنية - الاشتراكية - أي النازية، وهو مذهب يعلو لديهم بعظمته الجميع، ولعلو مكانتها غدت حدوده مغلقة بطبيعتها على من دونها في العالم، وغدت لا تتعدى نتائجها حدود عنصرها. لكننا في العصور السابقة نرى القضية اليهودية وقد أعطت بدفعة واحدة، مستوى استثنائيا حين وضعت الجميع دون العنصرية اليهودية، وبذلك اختصرت كل قضية الحضارة المسيحية. من هنا جاءت الايديولوجية الهتلرية تطرح مع كل مخاطرها مخاطر أخرى في الحياة الأوروبية هي في عمقها مخاطر يهودية بكل حال. درومونه (Dumont) استشف المشكلة في كتابه حين كتب حول هذا الموضوع، لكنه كان عملا فرديا. فالقضية الوطنية الاشتراكية كانت عقدة حزب صنعه رجل فكانت (دولة الرايخ الثالث)، وقد طبع فكره على المؤسسات وقوانين الدولة؛ حتى أصبحت مبادئ الحزب هي نفسها فكر الشعب كله، مع علمائه ومهندسيه وحرفييه وضباطه وجنوده. لقد حاول اليهود السخرية من البداية، وهم في الخارج لكن في داخل المجتمع الألماني، فأثبت هتلر أنه يعرف الإجراء التقليدي (Classique) في رفضه تعاون اليهود الألمان وملياراتهم، حين جاؤوا يدخلون في حركته. أما أرقام غوبلز في الإعلام الخارجي فقد كانت أكثر بلاغة وفاعلية من سخرية اليهود، فالعالم عرف أن ٨٥ % من الأبنية في برلين ملكها يهود،

стр. 93

وكذلك سائر دور السينما والمسارح والراديو والصحافة والبنوك. لقد كانت هذه كلها في أيديهم وكذلك التجارة الصغيرة وآلاف المهن الحرفية، وبكلمة واحدة لقد أصبح الشعب الألماني إما مستأجرا أو عاملا أو موظفا أو زبونا لليهود. عبر هذه الدعاية التي نظمت بإتقان؛ كان كل بلد متحضر لديه في النهاية شيء يناقش به حقيقة أرقام غوبلز في بلده هو أيضا. فقد نظر إلى اليهودية بصورة غير مباشرة كأحجية يتداولونها فيما بينهم، وغدا كل يريد أن يعرف لها بمعنى. لذا غدت أسطورة اليهودي ينظر إليها بأهمية أقل، لكن اليهودي وهو يرمي القناع - كما أوضحنا في الفصل السابق - فقد بدأت بعض النظرات المتطفلة تحاول الولوج فيها واستشفافها أحجية حية كشفنا معناها وأسرارها. فأسطورة اليهودي هذه غدت ظاهرة وشائعة حين أسفرت عن وجهها، وكان اليهودي هو نفسه أكثر اندهاشا حين انكشفت على حقيقتها فأصبحت أسطورة عالم بكامله. وبالرغم من بعض الإشاعات وبعض الخلافات وبعض الفضائح وبعض المواقف العلنية كقضية دريفوس في فرنسا، فقد كانت أوروبا تريد الحفاظ على سر واجهتها وظاهرة تاريخيتها العزيزة على قلب موراس (Maurras) ، لذا كان هتلر هو الخطر الأول الجدي على هذه الأسطورة في صراحة موقفه. فهو الأوروبي الأول الذي حاول فهم سر أوروبا الغامض على حقيقته. فاليهود ظنوا أنهم قد ثبتوا إلى الأبد قدر ومستقبل هذا العالم الذي صنفوا شعوبه في طبقات ثلاث من الناس: المستعمرون - الإنديجانيون (الأهليون) - الاستعمار الأوروبي والشعب المختار وإسرائيل على رأسه.

стр. 94

لكن رجلا وقف أمامهم يتحدث في ميونخ ويريد أن يكون هو نفسه مستقبل أحد الألفيتين واضعا العنصر الألماني على رأس سلم جميع الشعوب، واليهود في أسفل السلم الإنساني، أي هم أدنى من الأنديجين (أهل البلاد الأصليين). فالخطر هنا إذن بالغ الأثر، وأكبر أثره على اليهودي الذي لم يخطر له من قبل أن يقيم له حسابا بكل الوسائل. وهنا كانت الحرب هي الوسيلة الوحيدة الفعالة ضد هذا الرجل الذي يمتلك السلاح الأقوى على الأرض، والأقوى صناعيا، والمنظم بأهم جهوزية فكرية وتقنية. وهكذا أعلنت الحرب عام ١٩٣٩. إن تاريخ هذه المأساة لا يهمنا بذاته، ولكن بعض المظاهر النفسية التي برزت أثناء الحرب تستحق الانتباه؛ لأنها تكمل في الواقع المشهد الخاص باليهود أنفسهم، وما تميزت به هذه الحرب من خصائص وحشية وفظيعة كما هو معروف. فمن حيث المبدأ؛ فكل حرب هي غير إنسانية بطبيعتها، لكن حرب ١٩٣٩ - ١٩٤٥ كانت بكل معنى الكلمة وحشية، فصحافي بريطاني كان طرح سؤالا عام ١٩٤٣ على إحدى السيدات البريطانيات بالنص التالي: (لو أن زرا أمامك لآلة تفجير إذا ضغطت عليه تهدمت ألمانيا كليا بما فيها من النساء والأطفال والشيوخ والكلاب والقطط). أجابت السيدة البريطانية: (أعتقد أني لا أتردد ثانية واحدة). إذن بالنسبة للضمير الأوروبي، فإن المصلحة اليهودية اتحدت بالحالة النفسية الأوروبية في هذه الحرب مع بعض الأشياء الرئيسية، ويأتي في مقدمتها أن الأوامر تجاوزت نهائيا القيم الدينية العلوية، وكل مبدأ أخلاقي إنساني، وهذا يفضي نوعا ما إلى المعيار الداخلي للسيطرة

стр. 95

اليهودية على الحضارة الحديثة. فبعض مراحل هذه الوحشية المتصاعدة تضيء بشكل واضح خصوصية النفسية اليهودية. فألمانيا بلد ديمقراطي وفيه بصورة طبيعية العديد من المواطنين اليهود. فهؤلاء أظهروا الصلة الطبيعية التي توحدهم مع الشعب الألماني ومع مواطنيهم في وستفاليا مثلا الوطن الجرماني، ومن ثم ففي الحرب حين تقررها الولايات المتحدة، الأمريكية وبريطانيا، فهذا يعني أن يصبح السكان والمدنيون من الشعب جميعا هدف مدفعيتهما وغاراتهما كهدف استراتيجي. فالمهندس اليهودي الذي خطط لبناء أهم سد مائي في مان (Man) لمصلحة المدينة، لم يجد حرجا أن يخون مهنته ليشرح للقيادة الأنكلوساكسونية سر معطياته الفنية في بنائه؛ كي تحسن التصويب لهدمه بطائراتها، وهكذا قامت غارة وحشية من الطيران الملكي الفرنسي (R.A.F) واستطاعت تهديمه، وانطلقت ملايين الأمتار من المياه لتغرق المدن والملايين من السكان المدنيين الألمان نساء وأطفالا وشيوخا. من الصعب تصور فكرة هذه الغارة وهي تستهدف المدنيين فقط، أي المسالمين من المواطنين المدنيين غير المسلحين، وذلك ليستقر في ذهن الألماني عبر ذلك المهندس اليهودي الذي يفترض أنه ألماني أو من أي بلد آخر؛ أن اليهودي لا يرتبط بأي بلد ما حتى ولو عاش فيه قرونا. ففي كل بلد من بلاد الغوييم ينشئ اليهود بصيغة أو بأخرى مجتمعا سريا له مصالحه وموضوعاته الخاصة به تحت ظاهر المجتمع، ومن خلاله تستطيع أن تواجه جذريا المصالح ومواضيع الوطن الذي يعيشون فيه. لكن ما هو أكثر خصوصية في هذه الحرب هو خسارة ألمانيا نفسها، إذ لا بد هنا أن نضع الحدث في معيار التسليم بنظام العالم الذي لا مفر

стр. 96

منه حين يتابع التاريخ الإنساني مسيرته. إذ لو اعتبرنا العامل المادي هو وحده حتمي التقدير، لبدا لنا من المستحيل هزيمة ألمانيا وهي في شهر حزيران/ يونيو ١٩٤٠؛ إذ كانت تحقق في ذلك الوقت النجاح كله في احتلال فرنسا حين غدت سائر شواطئ الأطلنطي تحت سلطة جيشها. لكن بعد نزول الجيش البريطاني في دنكرك كان كل شيء ضد ألمانيا (المنتصرة) قد تحقق، رغم طيرانها المدمر في اكتساحه الكبير الذي وضع تحت سلطته هولندا وبلجيكا وفرنسا بكامل جهوزية صناعية فريدة في العالم، فقد كانت سيطرته حتى ذلك اليوم محكمة على سائر مصادر أوروبا الغربية من نارفيك وحتى حدود إسبانيا. وكان الجيش الألماني هو الأقوى في العالم حين توافرت له من الشروط المادية ما يحقق له النصر النهائي على العدو الوحيد، لكن إنكلترا رغم تفوق ألمانيا ظلت واقفة مع ملكتها في ثبات تاريخي ويسجل لها. لقد كان أمام هتلر السلام الذي أراد تحقيقه لألمانيا ما عدا خطوتين خرجتا من حسابه: الأولى اقتحام مضيق (Calais) لاحتلال بريطانيا، وكذلك المتوسط لاحتلال شمال إفريقية، وهاتان الخطوتان كانتا تبدوان قبل آخر حزيران/ يونيو ١٩٤٠ لعبة أطفال بالمفهوم الحربي بالقياس لهذه الانتصارات. وفي الأشهر التالية، ورغم أن القيادة البريطانية قد أعادت تنظيم هيكليتها، فقد بقي الألمان في تجهيزهم يستطيعون احتلال جزيرة كريت، ولا يكلفهم ذلك سوى وحدة من الجيش المظلي تنزل في الجزيرة رغم البحرية البريطانية. كما أن احتلال شمال المغرب يمكن أن يتم بسهولة من كل النواحي، وهذا ما تم بعد عامين في تونس؛ أي حينما تغيرت كل شروط الحرب لمصلحة الحلفاء. -...ولكن لماذا لم يرد هتلر أن يقوم بهاتين الخطوتين اللاحقتين؟ - هذا السؤال لا يوجه أبدا إلى النظام العسكري؛ فقد أثبتنا كل

стр. 97

المعطيات التي لها معناها في الجواب عن هذا السؤال لكن في جلسات محاكمة نومبرغ أتيح لنا أن نستمع إلى هذا الجواب من ناحية أخرى إذ صرح (فون روبرتروب) وزير الخارجية: (لقد خسرنا الحرب لأننا لم نعلن حربا وطنية بل حربا أوروبية). فالسؤال إذن طرح طبق معيار نفسي: هو الإطار المعنوي الذي أثار حركة الفكرة الهتلرية. وهتلر هو الذي أثار لأول مرة في تاريخ أوروبا المشكلة اليهودية. إذ إنه فتح المجال لكل ما له طابع يهودي انطبع في الحضارة الحديثة. لكن ذلك لم يجده نفعا لأن الألمان ارتكبوا خطأين كلفاهم خسارة محققة للحرب وذلك بسبب تأثير الفكر اليهودي نفسه الذي يقود لا شعوريا قراراته الكبرى في قيادة الحرب. في الواقع فإن أساس العقيدة الهتلرية، وهي خلاصة سائر الفلسفة الألمانية للرايخ الثالث، لم تكن سوى أسطورة العنصرية في نتيجتها المزدوجة: الأوروبية (L'europeanisme) ثم النزعة الاستعمارية المنبعثة من جديد والمسماة: (أوروافريك) كهدف وحيد. هذان المفهومان (ويرى فيهما الخلاصة اليهودية التي تختصر كل تاريخ الدياسبورا) هما بكل دقة أساس للقرار العسكري في حزيران/ يونيو ١٩٤٠. في الواقع فإن الفكرة الأوروبيانية في الأساس تتعارض بصيغتها مع احتلال بريطانيا، ما دام أن هتلر يأمل تحقيقا لمفهوم الوطن في وحدة أوروبا، وهذه كانت مهمة (هس) (إحدى الشخصيات الرئيسية للوطنية -الاشتراكية) التي شرحها في ربيع ١٩٤١ حين أجرى اتصالا سريعا مع إنكلترا فاجأ به العالم، وعلى ضوء ذلك انتهت بأن لزم كل من بريطانيا وألمانيا الصمت.

стр. 98

فمع فشل هذه المهمة الغامضة تبين لهتلر بأنه ليس على معرفة كافية بالقضية اليهودية. كيفما كان الأمر فهتلر عندما أراد أن يستعيد حريته في العمل كان ذلك قد تآخر؛ فالإنزال في بريطانيا غدا مستحيلا منذ أن افتتح (Hostilités) دعاية كراهية ضد روسيا في حزيران/ يونيو ١٩٤١. في الوقت نفسه فإن فكرة أوروبا الإفريقية هي التي عطلت حركة هتلر أمام امتداد محتمل للعمليات العسكرية في شمال إفريقية. إن احتمالا مماثلا كهذا دون النظر إلى العلاقات مع شعوب شمال إفريقية أصبح غير ممكن، لأن هذه الشعوب التي كانت في بداية الحرب لا تنتظر سوى إشارة لتسهيل أي اجتياح مضاد، كان ذلك فيها بهدف التحرر من الاستعمار، ومن ثم فهتلر ظن بأنه هو المحرر في نظر الأهليين، ومن ثم لا يستطيع أن يأتي محررا لإفريقية الشمالية دون أن يهاجم ويرفض هو نفسه العقيدة الاستعمارية لأوروبا الإفريقية لذا فضل في نهاية الحساب الهدنة في ٢٥ حزيران/ يونيو ١٩٤٠، والتي حافظت على الستاتيكو الإفريقي. هكذا نرى جيدا أن الخطأين الكبيرين لهتلر في قيادة الحرب ليسا خطأين عسكريين بل هما ذوا طابع إيديولوجي. وبوصولنا إلى هذه النتيجة الجانبية؛ كان هتلر الذي اعتقد بقدرته على إلغاء الطابع اليهودي في العالم غدا يفعل كل ما بوسعه أن يفعله لينجو من سيطرة الحلفاء على خطوطه. هذا التعارض في العمل يفسر في الواقع كيف أن رجل أوروبا لا يريد أن يبصر بكل صفاء الطابع الصحيح للمشكلة اليهودية؛ لأنه هو نفسه، بقدر ما يكون أوروبيا يعكس لاشعوريا هذا الطابع العنصري نفسه، فهتلر لم يعرف أن المشكلة بدأت في داخله وفي أفكاره العامة وانعكاساتها على نفسه.

стр. 99

فبدلا من أن يتعامل مع مشكلة ٩٥% من الأبنية في برلين التي يملكها اليهود؛ كان عليه أن يتعامل بداية مع ٩٥% من الأفكار المتداولة في ألمانيا، وبالأولى في إنكلترا والتي جاءت من اليهود. ولكنه من ناحية أخرى لو استطاع وضع المشكلة بمعيار حالته الداخلية فإنه لن يأمل ولو للحظة بأي تحالف مع إنكلترا التي هي يهودية ٩٥%. ومن هنا فكل هذه القرارات العسكرية التي أفضت إلى الحرب كان يمكن أن تتغير وربما يتغير معها مصير العالم. فهتلر لم يحسن أبدا تقدير الحضارة الحديثة التي هو جزء منها؛ إذ من المتسحيل على أوروبي أن يتخلص من أخطاء الفوهرر الحتمية التي ترتبط بصورة أساسية بتركته الثقافية والأخلاقية. فأيما أوروبي لا يستطيع التفكير إلا طبق الجدلية اليهودية. فهتلر أراد محاربة اليهود مستعملا وسائلهم وأفكارهم الأساسية؛ العنصرية والاستعمار: لقد خسر الحرب. وذلك هو الشيء الضروري لتاريخ الإنسانية، فالحرب لم تكن تخسر في العالم كله إلا أمام الاحتمال الذي يأتي مطابقا شيئا فشيئا للأحداث التي أدت إلى الهزيمة. فهتلر قال كلمة تاريخية موجها كلامه لأعدائه. وهل هو الوحيد الذي لم يكن مخدوعا؟ (سأطحنهم وأبددهم). لكن ألمانيا في النهاية سحقت بكل معنى الكلمة تحت مطر القنابل. وأعداء هتلر الذين أملوا بنصر يتيح لهم السيطرة على العالم كليا وبصورة نهائية؛ لم يحققوا سوى نصر مسحوق تذروه الرياح، وهو هش حيث لم يستطع أن يصمد على الاستمرار في عالم متغير (boulversé) ومضطرب، فعدم الاستقرار، والأفكار والضغط الداخلي والخارجي، وتصاعد التسلح، هذه كلها كانت نتيجة حرب أوطان ظنت أنها ربحت هذه الحرب، هذا إذا وضعنا جانبا

стр. 100

حالة روسيا التي مثلت حالة من التاريخ ينظر إليها في مجملها بعيدة عن نتائج الحرب. إن نتائج كهذه أفقدت الحضارة الحديثة سائر مرتكزاتها المادية والروحية، ولم تعد سوى حلقة في سلسلة البربرية التي تميزت بها الحرب، كما أشرنا، وخلفت نتائج معنوية وأحزان وآلالم حياة؛ فقر وقلة، وقد أدى هذا إلى اهتزاز المعتقدات الدينية في العديد من الضمائر، بما فيها المسيحية في مجملها، التي وجدت نفسها شريكة في صورة تبدو نهائية. وزاد الطين بلة شعور تجلت فيه أوروبا شيئا فشيئا وقد بدت الكنيسة مسؤولة في قسط وافر من هذه الفوضى الاجتماعية والأخلاقية السائدة. من جهة أخرى فإن رأس المال الذي ينظم كل الحركة الأوروبية قد أفرغته الحرب، والباقي ابتلعه التسلح المتصاعد الذي هو سمة المرحلة التي نعيشها، والتي أضحت الحرب الباردة طابع حركتها. وهكذا وجدت أوروبا حاضرا جفت فيه شجرة عطائها. وأخيرا فأوروبا هذه التي حققت رفاهية مختلف حاجاتها بقوة الإمبراطورية الاستعمارية؛ قد بدأ أمامها العديد من الحاجات والمطالب التي تقلقها، لأن واسع مستعمراتها تحديدا، قد بدأ يفر من سلطانها تحت شعار الاستقلال، كما هي الهند وبورما وأندونيسيا وطرابلس. فالحضارة الحديثة في النتيجة وصلت إلى جوهرها الحقيقي، لا مسيحية رأسمالية، ولا استعمارية. وليس هناك في التاريخ حضارة تستطيع العيش فقط برصيدها الأخير، فهذه استحالة منطقية واجتماعية. أخيرا؛ نحن نقيس ونحاكم عالما في نهايته. فالعالم الحديث بدأ يميل نحو الغروب لكنه غروب يبطئ هزيمه شيئا فشيئا وبهدوء كما هو الليل الذي لف شيئا فشيئا المجتمع الإسلامي عقب سقوط الموحدين.

стр. 101

فالعالم الحديث الذي زرع العنف سيموت بالعنف، وهذا الموت العنيف للعالم الذي لا روابط عميقة في حياته سيؤدي به إلى حرب أخرى يوقد نارها حاليا. ٨ - الحرب يسود بعض العصور مناخ انتظاري، لكأن المنتظر رسول أو نبي أو مخلص أو كاهن يزع أمل انتظار التغيير أو الخلاص، هذا الانتظار هو من خصائص العصور النبوية في مسيرة التاريخ لكن العالم اليوم يعيش في مأزق الحاضر، لذا فهو لا ينتظر سوى الحرب كحل ممكن لسائر المشاكل. فمصيرنا - كما يبدو - معلق بحرب في حدي نهايتها المطلق أي الهزيمة أو النصر. فالحرب في عصرنا هي الاستراتيجية السائدة في النظام الرأسمالي أو النظام السوفييتي، إنه إحدى الخصائص المأساوية لعصرنا. لكن هذا الإرهاص الاجتماعي المنتظر كما يبدو لا يهز الضمير المسلم بما فيه الكفاية. في الحقيقة كثير من المسلمين، بل ثم جميعا، يستطيعون تقاسم هم الحرب مع غيرهم، لكن إطار توقعهم يقف عند هذا الحد، فهم يتصورون الحدث لكنهم غير ملتزمين به ولا متورطون بخططه ولا يسودهم تفكير أو استخلاص استراتيجي له بصورة أولية. وكما أشرنا في الفصل السابق، فعالم العصر الحديث سينتهي وسيعقبه عالم جديد، وإذا ما جاء هذا العالم ولم يكن فيه للمسلمين أي دور محدد، ولا تقدير عوامله وقواه التي ستدخل في لعبة مستقبله الخاص ومستقبل أطفالهم، فإن علاج هذه الثغرة يأتي من استخلاص النتائج الممكنة من تلك الحرب القادمة، وهذا ما أحاول في هذه الأسطر استخلاصه في حرب كهذه ممكنة، فعلى ضوئها يمكن لنا أن نفهم بشكل أفضل مستقبل العالم الإسلامي الذي هو أساس هذه الدراسة في جزأيها الأول والثاني.

стр. 102

من أجل ذلك يجب أن نتصور أولا مشكلة الحرب التي لابد في النهاية أن تقع بين أمريكا وروسيا السوفييتية، وهنا لن يوجه لهذه الحرب سوى نهاية واحدة ممكنة نتيجة التعارض بين النظامين الذي سينتهي بانتفائه إما بزوال واحد من كلا النظامين أو كليهما دفعة واحدة. هناك إذن احتمالات ثلاثة: انتصار الرأسمالية- انتصار الشيوعية-زوال كلا النظامين المتعارضين، ثم هنالك احتمال رابع هو الوفاق بين الشرق والغرب، لكن هذه الفرصة الأخيرة لا تلفت انتباهنا لأنها لا تتجه في الوقت الحاضر إلى حل مستقبلي بينهما لإزالة هذا التعارض. وتصورنا لهذه الحالة أنه يبنى على وفاق تعلنه روسيا مع الولايات المتحدة، لكن احتمالا كهذا يتعارض مع العقيدة الشيوعية نفسها، ومفادها أن النظام الرأسمالي لا بد أن يغيب في النهاية من تلقاء نفسه نتيجة الصراع الطبقي في تعارضاته الداخلية. وفي هذه الحالة لا تعود لروسيا أي حاجة للحرب كي تحقق نصرا نهائيا. ثم إن الرأسمالية في حالة حرب؛ قوتها تكمن في أنها تنذر روسيا صراحة أو ضمنا بالصواريخ والأسلحة المتطورة المتبادلة لتحقيق السلام النهائي، لذا لا يوجد مناخ انتظار نهاية كهذه، ولذا فالحرب لا تستقيم إلا من خلال هذا التعارض بين النظامين. يضاف إلى ذلك أن السياسة الأمريكية في ظل الحرب تتنامى وتتفاعل حركتها بشكل أفضل من السياسة السوفييتية، لذا فإن فرضية الوفاق هي من الهشاشة بحيث لا تستقيم، وإذا هي - فرضا - استقامت فستجد نفسها مسوقة بصورة أكثر واقعية لانتصار الشيوعية في النهاية. هناك إذن مجال للمواجهة عبر الاحتمالات الثلاثة التي أشرنا إليها،

стр. 103

ولكل احتمال منها نتائج تلقي بظلالها وضرورات تأثيرها على العالم الإسلامي. من الطبيعي أنه ليس من العادة الحديث عن تاريخ حرب عبر افتراضات سابقة على نشوئها، لكنني هنا مضطر إلى اللجوء إلى هذه الطريقة نظرا لظروف هذه الدراسة؛ فحالتي هنا هي حالة مؤرخ لشيء غير متأكد من وجوده الشخصي حين حصوله، لكنه في الوقت نفسه يرغب في الدخول في احتمالات الحرب الرئيسية؛ مخافة أن يغادر الحياة قبل أن يراها، وإذ هو هنا يكتب لجيل سيأتي بعده فإنه سيحاول استشراف نتائج قد تكون استثنائية غير منتظرة، فالمؤرخ هنا ملزم بتقويم خصائص هذا الحدث، لأن حظوظ أي من هذه الفرضيات بدأت تلقي بضوء على نتائجها في عالم سيأتي بعد عالمنا الحاضر. ٩ - استراتيجية الحرب القادمة إن الطابع المريع الذي اتخذته الحرب الماضية بتأثير الفكر اليهودي سوف يجعل الحرب القادمة شاملة وتقع نتائجها على الغالب والمغلوب معا. إنها ستكون مذبحة للأطفال والنساء والشيوخ، فضلا عن تهديم المدن والثروات كأهداف سياسية، وإحداث خراب يصيب المدنيين وكذلك منابع الأنهار والمصانع العائدة لطرفي الحرب. من هنا فإن قرارا بالحرب يضع دفعة واحدة أولاها وأخراها في مخاطرها، وهو لذلك غير ممكن قريبا اتخاذ قرار كهذا لدى روسيا، وكذلك لدى أمريكا التي تحاذر الولوج فيه؛ إذ لو أن حربا كهذه أخذت مجراها فإن ربع الساعة الأولى لتحرك الجيوش نحو جبهة أو عدة جبهات؛ تصبح آسيا وإفريقية مرشحتان بدلا من أوروبا، وهنا فالقارة الإفريقية مؤهلة لتكون قارة عمليات حرب في صورتها الأخيرة، وربما هذا يفسر المحاضرة التي ألقاها منذ وقت قريب رئيس الأركان الأنكلوساكسوني في نيروبي.

стр. 104

وإذن لا نستطيع منذ الآن أن نقدر ساحة المعركة، فمن المؤكد في النهاية أن المدنيين والتجمعات الصناعية سيعمهم الخراب ويخلف وراءه الأرض المحروقة، فخصائص تقنية هذه الحرب تفرض نفسها وتنذر بخراب لا مرد له وفي كل مكان. فمن الوجهة الاستراتيجية الخطوة الأولى لهذه الحرب ستعمد إلى تهديم المنابع الحيوية بصورة كلية وبالغة القساوة، بحيث لا تدع شيئا يدب، حتى إنها تلحق بالحصان وعربته، فالخراب سيتقدم حتى يشمل الوسائل الطبيعية للوجود الإنساني. وتحقيق هذا الهدف سوف يرتبط بمصادر التموين وبالمواد الأولية وبالرجال الملونين في الجيش الأمريكي، لذا فإن الولايات المتحدة قد تنطلق من قواعدها الجوية لتقوم بهجوم ساحق واستراتيجي ضد روسيا الشمالية دفعة واحدة؛ لكن هذا يمكن أن يجابه باستراتيجية مماثلة وهي احتلال ألاسكا للوصول عبر كندا إلى أرض الولايات المتحدة. وإذن فالحرب المنتظرة منذ الدقيقة الثانية ستعم المناطق القطبية والمناطق الاستوائية دفعة واحدة، بمعنى أن الحرب ستعم العالم الغربي كله وكذلك العالم الاسلامي. وإذا وضعنا هذه الاعتبارات في المستوى الإنساني فهناك نتائج تفرض نفسها؛ فاحتلال روسيا لأوروبا الغربية سيعني بالضرورة انهيار الرأسمالية ثم تراجع الأفكار المسيحية التي تبنى عليها في المرحلة الحاضرة؛ وهما ما هو لازم بالضرورة للعنصر الأمني والعنصر الروحي. وإذا كان الشائع اليوم القول بأن أوروبا خرجت من مرجعية المسيحية (Dechristanisé) فماذا سيقال في العالمية الثانية التي ستكون نتيجة للحرب التي نتحدث عنها؟ لا شك أن هذا يعتمد على حظوظ الحرب في

стр. 105

نتيجتها، ولمن يكون له النصر، أهو في مصلحة هذا الطرف؟ وهنا سيصبح الضمير الأوروبي إما شيوعيا أو لا ملتزما، لكن المسيحية لن يكون لها محل في نتيجة الحرب. فالمسيحية قد أدت مهمتها في التاريخ كيفما كان النصر في مصلحة أي من الطرفين وهذه هي إحدى النتائج الكبرى للحرب القادمة التي نتوقعها. فإذا ما أنزلنا هذه الاعتبارات جميعا على واقع العالم الإسلامي فهناك بكل الوجوه يأتي التحرر من الاستعمار في المقدمة. ففي اللحظة التي سيغيب فيها الضمير المسيحي مع نهاية الحرب المفترضة هذه؛ فإن الضمير الإسلامي على العكس سيصاحب تحرره السياسي حيوية انتماء روحي جامع؛ يستعيد زخمه في مدى واقع العالم الإسلامي، ثم إن تأثير الفعل ورد الفعل الحربي في إفريقية سيقود بالضرورة إلى وحدة الترابط بين الإسلام الإفريقي عموما، أي المسلمين السود والبيض على سواء، كل يعطي من أجل الوحدة والحيوية التي تضم صفاء عفوية الضمير الشعبي لدى المسلمين السود، مع روحانية المسلمين البيض المثقلة بالعلم المكتسب من مناهله القريبة من الحضارة الإسلامية. تلك خطوط مفترضة لسيطرة مناخ روحي على إفريقية كلها. هذا التوقع يظل صالحا حتى لو أخذنا باحتمال نصر عسكري لروسيا في إفريقية كلها، فإذا كانت الشيوعية تبرز في أوروبا كدين جديد في ضمائر خلت من الالتزام العقدي بعد خروج المسيحية منها، فإن هذا الاحتمال في إفريقية غير وارد لأن الضمائر المسلمة بعد الحرب ستجد نفسها في شروط أخلاقية جديدة كما أشرنا، وليس للشيوعية أن تأخذ دورها كدين بل كسياسة، ربما سياسة جديدة لنظام جديد. فالشيوعية في أوروبا يمكن لها عبر تنظيماتها التي تستجيب لعمق

стр. 106

الثقافة الغربية المادية أن تملأ الفراغ الروحي في أوروبا الذي أشرنا إليه، ومن خلال هذا المناخ فإن مراكز الحرب تبقى طالما بقي لأمريكا وروسيا مكان يتم فيه التوافق حول المرحلة التالية والتي نتحدث عنها هنا، أي إيجاد مقارنة بين عنصرين استراتيجيين أساسيين: الأخلاق الروسية أو الأخلاق الأمريكية، وهذا ممكن إذا ما كانت القوة العسكرية الأمريكية في مرتبة أعلى منذ بداية الحرب حتى المرحلة الثانية منها. وهنا في تقدير هذا الاحتمال وعلى ضوء الحرب الأخيرة؛ يجب أن نأخذ باعتبارنا ما كان من قوة الجند لدى الجندي الروسي عند نقص التموين اللوجستي للحرب أكثر منه لدى الجندي الأمريكي. فقد أثبتت الحرب الكورية ضعف العامل المعنوي لدى الجندي الأمريكي؛ منذ أن وجد نفسه محروما من الكفاية اللازمة ومن الشعور بالأمان الذي تمنحه القوة الميكانيكية في وجه العدو. ففي النزاع القادم سوف يعتمد الشعب الأمريكي بأسره على الآليات الجديدة (V ١ - V ٢) أي السلاح الذري وخلافه، فإذا ما نقصه شيء من عدة الوسائل فإنه مضطر إلى الاعتماد على العدة النفسية؛ كما فعلت بريطانيا في الحرب العالمية الأخيرة، حيث تولت العدة النفسية جبر الحيوية القتالية، وإلا فإن الجندي الأمريكي في النهاية سيفقد ثبات تفوقه. وإذا كانت الحرب القادمة تبنى على كسب الجبهة القطبية وجبهة الباسيفيك والجبهة الإفريقية؛ فإن الحرب ستؤدي مع تطورها إلى النقص حتما في التموين اللازم، مما يستدعي من جانب أمريكا ضخ مصادرها الداخلية في الولايات المتحدة، وهنا سيستعيد الذهان الكوري في الذاكرة التي تسكن أمريكا الشمالية بأسرها، وحينئد سيكون للجانب المعنوي نتائج مثبطة في ميزان النتائج، وهكذا فإن المقارنة بين سائر العوامل الاستراتيجية الداخلية والخارجية ستكون لمصلحة الشيوعية.

стр. 107

وهنا يقودنا الأمر إلى الوجه الثالث في جبهة تنشأ في المدى الجغرافي لأمريكا ككندا مثلا، فلا يعود الأمر سوى خط واحد هو المسارعة نحو حرب كاسحة قادرة على إلغاء روسيا في يسير الزمن، لكن هذا غير ممكن إلا إذا أوتيت أمريكا سلاحا سريا لا تملك روسيا أي فكرة عنه ولا أي حظ في تفاديه. فإذا كان القدر أراد إنقاذ الرأسمالية فمن المؤكد أن هذا هو الحظ الوحيد الباقي لها عبر قرار سريع مداهم، وإلا فهناك مع الزمن آفاق عدة سوف تبرز؛ فروسيا رغم نجاحها القاري المحتمل في استعادة أوروبا وإفريقية فإن هذا الأفق لا يبدو في روزنامتها، ومع ذلك فإن آلية النزول الضروري لإنهاء الحرب عسكريا؛ عبر معركة على أرض الولايات المتحدة الأمريكية من خلال كندا، هي من شروط الوجه الثالث للحرب، الذي يعني أن تقوم الولايات المتحدة برفع كأس الاحتفال في اتفاقها مع روسيا ومع الكادرات المنتشرة ومع المعدات التدميرية، ثم ترد روسيا على الأمريكان بمثله. لكن من أجل تحقيق هذا الهدف والوصول إلى نهاية الحرب لا يبقى من إنهاء الحرب سوى شرطين؛ أي أن تقوم ثورة في أمريكا أو أن تقوم روسيا باحتلال أمريكا، وكلا الأمرين ممكن نتيجة حرب طويلة الأمد وقد بلغ بهما الوهن لدرجة أنه لن يكون النصر أبدا الوسيلة لأي منهما في تحقيق النظام الذي تريده للعالم. هذه الخلاصة في نتيجة حرب كهذه مفترضة؛ هي وحدها التي يجب استخلاصها لإدراك مدى تأثير الدبلوماسية الغربية الحالية للعالم الغربي على العالم الإسلامي.

стр. 108

الفصل الثالث الحياد الإسلامي أولا: العالم الإسلامي والحياد منذ نهاية الحرب عام ١٩٤٥ تطورت النفسية السياسية وحدها في العالم الاسلامي، وكان الحدثان اللذان أديا إلى هذا التطور هما فلسطين والحرب الكورية، فالسياسة الإسلامية عقب الحرب انطلقت اتجاهاتها نحو انتصار أمريكا من ناحية، ومن ناحية أخرى الاعتماد على الايديولوجية الأممية أي الثقة الكاملة بهيئة الأمم المتحدة. فقد كان تصاعد قوة أمريكا قد بني على ذلك النصر الكبير على ألمانيا وقوتها التي لا تقهر، وهذا قد رفع من اعتماد العالم الإسلامي على قوة أمريكا، ثم إن العالم الإسلامي لم يكن قد استكمل تحرره من الاستعمار. لذا كان انحياز العالم الإسلامي نحو أمريكا له معناه لا شعوريا ضد روسيا. هذا الانحياز اللاشعوري قد سار قطاره على خطين هما كلمتا: (Remantism opportunism) فالأولى تعني المواقف التي تسوقها الظروف، والثانية الأحلام التي تسوقها الشعارات. وهكذا غدت الشعارات مثل خطي سكة الحديد لا تلاقي بينهما ولا وعد فيهما لوحدة المسار نحو المستقبل، لاستحالة الجمع بينهما. وقد بنيت السياسة الإسلامية على ما سار به الزمن؛ تناقضا في الوسائل والأفكار، حتى وهي تعالج القضية الفلسطينية.

стр. 109

لا أريد هنا أن أشير إلى الفوضى التي عمت الجبهة الداخلية للعالم العربي والتي تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، ولكني هنا أتحدث عن السياسة في مستوى الحدث. فمنذ أعلن بن غوريون الدولة الصهيونية؛ أعلنت أمريكا الاعتراف بها في منتصف ليل اليوم نفسه، والباقي كله سار في طريقه عبر الأمم المتحدة التي غدت ضد مصالح وحقوق وآمال العالم العربي، وذلك الذي تجلى في قرار الهدنة التعسفي حين أصبحت الجيوش العربية على بضع خمسة كيلومترات من تل أبيب. وهكذا ما إن أعلنت دولة إسرائيل حتى كان التسلح يأتيها من سائر المرافئ الأوروبية. ثم إن إسرائيل المسلحة هي التي حاصرت الفيالق المصرية، حتى انتهت الأمور إلى هدنة كاملة، وذلك ما مكن الدولة العبرية من طرد مئة ألف من عرب فلسطين من منازلهم وبيوتهم التي يعيشون فيها، إلى المخيمات التي ازدحمت بهم، واستسلموا لأمل العودة الذي لا يأتي حتى يومنا. (إن) مسار الأحداث التعيسة هذه، قد أزاغ أنظار هذا العالم الإسلامي في تقدير القيمة الجوهرية لإيديولوجية الثقة بالأمم، في الوقت نفسه الذي حلمت فيه رومانسية السياسة العربية بالأمم المتحدة، دون القيام بأيما جهد في أروقتها تحتل به مركزا في الإطار الدولي كشريك، أو تحقق عبره هدفا محددا. وهكذا فقد الإيمان وبكل بساطة فجأة كما جاء فجأة، ودون دراسة ترمم تصدع الثقة بجدوى الأمم المتحدة، لأن السياسة العربية منذ البداية اعتمدت على الرياح الملائمة التي تسوق المواقف (opportunism)، لأن جذورها في الأساس بنيت على الخوف والاحترام معا للقوة الأمريكية. فالخوف من أمريكا كان سيد الموقف العربي، وقد غلف برومانسية الثقة بالأمم المتحدة كريشة في مهب رياح السياسة الدولية. لقد انتهت الحرب

стр. 110

العالمية الثانية وكانت كلمة (القنبلة الذرية) كلمة سحرية، وغدت مفتاح القوة السوبر إنسانية في صورة أمريكا التي تملك وحدها القنبلة السحرية، وأضحت بذلك العنصر الوحيد الذي يعتمد عليه في العالم الإسلامي، وذلك ما أحيا الرومانسية مجددا بالأمم المتحدة تحت رعاية أمريكا. لكن الحرب الباردة ما لبثت أن جاءت بعناصر جديدة، وقد بدأت تبرزها الأوضاع التي تجري في آسيا، وأبرزها النصر الذي حققه نجاح ماوتسي تونغ وهو يطرد البطل الأمريكي، فأضاف إلى المكانة الروسية ٤٠٠ مليون صيني في الوقت الذي كان الرئيس ترومن يتلقى أنباء امتلاك روسيا القنبلة الذرية. هكذا افتقدت القنبلة الذرية سحرها، لكن أمريكا مع ذلك بقيت تحتفظ بالقوة الأكبر في العالم الصناعي، والتي لا تقهر لولا بلد مجهول في أقصى الشرق هو (كوريا الشمالية)؛ التي أعلنت حربا مدنية ضد كوريا الجنوبية بدعم من روسيا، أدت إلى هزيمتها رغم دعم أمريكا ورقابتها، فغدت جزءا من المفاوضات الدولية منذ اليوم الأول من حزيران/ يونيو ١٩٥٠. وإذ هذه الأحداث تجري فقد كان لدور اليابان ما تقدمه لتلميذتها (Seoul) ، وهكذا كان العالم يقف على عتبة النصف الثاني من القرن في لحظة ترقب لما يجري في كوريا الشمالية؛ التي احتلتها أمريكا ودمرتها عبر قوتها الحصينة. لكن المأساة الكورية أخذت معنى مختلفا، والفلاح الروسي الذي أمضى خمس سنوات في النظام الشيوعي في التدريب على شؤون القتال والحرب، قد أفرغ كل خبرته في مواجهة تكنولوجيا الحروب الحديثة. لقد كان تكتيك الفلاح الكوري غير متوقع من القيادة الأمريكية؛ حين عطل استخدام سلاحها الآلي كدبابات، وهكذا غدا الجندي الكوري
следующие страницы →