← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ احتجاج عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو رقيب ﴿على كُلّ نَفْسٍ﴾ صالحة أو طالحة ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ يعلم خيره وشره ويعد لكل جزاءه كمن ليس كذلك ثم استأنف فقال ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء﴾ أي الأصنام ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي سموهم له من هم ونبؤه بأسمائهم ثم قال ﴿أَمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى الأرض﴾ على أم المنقطعة أي بل اتنبؤنه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض فاذا لم يعلمهم على أنهم ليسوا بشيء والمراد نفي أن يكون له شركاء ﴿أَم بظاهر مّنَ القول﴾ بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة كقوله ذلك قَوْلُهُم بأفواههم ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتوها ﴿بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ كيدهم للإسلام بشركهم ﴿وَصُدُّواْ عَنِ السبيل﴾ عن سبيل الله بضم الصاد كوفي وبفتحها غيرهم ومعناه وصدوا المسلمين عن سبيل الله ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ من أحد يقدر على هدايته

стр. 2452

لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِى الحياة الدنيا﴾ بالقتل والأسر وأنواع المحن الرعد (٣٤ _ ٣٧) ﴿وَلَعَذَابُ

стр. 2453

الأخرة أَشَقُّ﴾ أشد لدوامه ﴿وَمَا لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ﴾ من حافظ من عذابه

стр. 2454

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) ﴿مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون﴾ صفتها التي هي في غرابة المثل وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم مثل الجنة أو الخبر ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ كما تقول صفة زيد أسمر ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ ثمرها دائم الوجود لا ينقطع ﴿وِظِلُّهَا﴾ دائم لا ينسخ في الدنيا بالشمس ﴿تِلْكَ عقبى الذين اتقوا﴾ أي الجنة الموصوفة عقبى تقواهم يعني منتهى أمرهم ﴿وعقبى الكافرين النار﴾

стр. 2455

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) ﴿والذين آتيناهم الكتاب﴾ يريد من أسلم من اليهود كابن سلام ونحوه ومن النصارى بأرض الحبشة ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحزاب﴾ أي ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما ﴿مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم وكانوا ينكرون نبوة محمد ﵊ وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ هو جواب للمنكرين أي قل إنما أمرت فيما أنزل إلى بأن أعبد الله ولا أشرك به فانكارهم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به ﴿إليه أدعو﴾ خصوصا لا أدعوا إلى غيره ﴿وإليه﴾ لا إلى غيره ﴿مآب﴾ مرجعي وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لانكاركم

стр. 2456

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧) ﴿وكذلك أنزلناه﴾ ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة اليه الى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿حُكْمًا عَرَبِيّا﴾ حكمة

стр. 2457

عربية مترجمة بلسان العرب وانتصابه على الحال كانوا يدعون رسول الله ﷺ إلى أمور يشاركهم فيها فقيل ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ العلم﴾ أي بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة ﴿ما لك مِنَ الله مِن وَلِىّ وَلاَ وَاقٍ﴾ أي لا ينصرك ناصر ولا يقيك منه واق وهذا من باب النهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين وأن لا يزال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة والا الرعد (٣٨ _ ٤٢) فكان رسول الله ﷺ من شدة الثبات بمكان

стр. 2458

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) وكانوا يعيبونه بالزواج والولادة ويقترحون عليه الآيات وينكرون النسخ فنزل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وذرية﴾ نساء وأولاد ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي ليس في وسعه إتيان الآيات على ما يقترحه قومه وإنما ذلك إلى الله ﴿لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ لكل وقت حكم يكتب على العباد أي يفرض عليهم على ما تقتضيه حكمته

стр. 2459

يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء﴾ ينسخ ما يشاء نسخه ﴿وَيُثَبِّتُ﴾ بدله ما يشاء أو يتركه غير منسوخ أو يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء ويثبت غيره أو يمحو كفر التائبين ويثبت إيمانهم أو يميت من حان أجله وعكسه ويثبّت مدني وشامي وحمزة وعلي ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه

стр. 2460

وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) ﴿وإما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم أو توفيناك قبل ذلك ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب ﴿وَعَلَيْنَا

стр. 2461

الحساب﴾ وعلينا حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم لا عليك فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم

стр. 2462

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض﴾ أرض الكفرة ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بما نفتح على المسلمين من بلادهم فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام وذلك من آيات النصرة والغلبة والمعنى عليك البلاغ الذي حملته ولا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من النصرة والظفر ﴿والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا راد لحكمه والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي يعقبه أي يقفيه بالرد والإبطال ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب والمعنى أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس ومحل لا معقب لحكمه النصب على الحال كأنه قيل والله يحكم نافذاً حكمه كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة له تريد حاسراً ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحساب﴾ فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا

стр. 2463

وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) ﴿وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي كفار الأمم الخالية بأنبيائهم والمكر إرادة المكروه في خفية ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة الى مكره الرعد (٤٢ _ ٤٣) فقال ﴿فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا﴾ ثم فسر ذلك بقوله ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار﴾ يعني العاقبة المحمودة لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعدلها جزاءها فهو المكر كله لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة عما يراد بهم الكافر على إرادة الجنس حجازي وأبو عمرو

стр. 2464

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣) ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ المراد بهم كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود قالوا لست مرسلا لهذا قال عطاء هي مكية إلا هذه الآية ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بما أظهر من الأدلة على رسالتي

стр. 2465

والباء دخلت على الفاعل وشهيدا تمييز ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ قيل هو الله والكتاب اللوح المحفوظ دليله قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب أي ومن لدنه علم الكتاب لأن علم من علمه من فضله ولطفه وقيل ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم وقال ابن سلام فيّ نزلت هذه الآية وقيل هو جبريل ﵇ ومن في موضع الجر بالعطف على لفظ الله أو في موضع الرفع بالعطف على محل الجار والمجرور إذ التقدير كفى الله وعلم الكتاب ويرتفع بالمقدر في الظرف فيكون فاعلاً لأن الظرف صلة لمن ومن هنا بمعنى الذي والتقدير من ثبت عنده علم الكتاب وهذا لأن الظرف إذا وقع صلة يعمل عمل الفعل نحو مررت بالذي في الدار أخوه فأخوه فاعل كما تقول بالذي استقر في الدار أخوه وفي القراءة بكسر ميم من يرتفع العلم بالابتداء

стр. 2466

سورة إبراهيم ﵇ مكية اثنتان وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إبراهيم (١)

стр. 2467

الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) ﴿آلر كِتَابٌ﴾ هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب يعني السورة والجملة التي هي ﴿أنزلناه إِلَيْكَ﴾ في موضع الرفع صفة للنكرة ﴿لِتُخْرِجَ الناس﴾ بدعائك إياهم ﴿مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ من الضلالة إلى الهدى ﴿بِإِذْنِ رَبّهِمْ﴾ بتيسيره وتسهيله مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب إبراهيم (١ _ ٥) وذلك ما يمنحهم من التوفيق ﴿إلى صراط﴾ بدل من النور بتكرير العامل ﴿العزيز﴾ الغالب بالانتقام ﴿الحميد﴾ المحمود على الإنعام

стр. 2468

اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) ﴿الله﴾ بالرفع مدني وشامي على هو الله وبالجر وغيرهما على أنه عطف بيان للعزيز الحميد ﴿الذى لَهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ خلقاً وملكاً ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل وهو نقيض الوأل وهو النجاة وهو اسم معنى كالهلاك فقال ﴿وَوَيْلٌ للكافرين مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ وهو مبتدأ وخبر وصفة

стр. 2469

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) ﴿الذين يَسْتَحِبُّونَ﴾ يختارون ويؤثرون ﴿الحياة الدنيا عَلَى الأخرة وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ عن دينه ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجاً والأصل ويبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل الذين مبتدأ خبره ﴿أُوْلَئِكَ فِى ضلال بَعِيدٍ﴾ عن الحق ووصف الضلال بالبعد من

стр. 2470

الإسناد المجازى والبعد في الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد عن طريق الحق فوصف به فعله كما تقول جد جده أو مجرور صفة للكافرين أو منصوب على الذم أو مرفوع على أعنى الذين أو هم الذين

стр. 2471

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ إلا متكلماً بلغتهم ﴿لِيُبَيّنَ لَهُمْ﴾ ما هو مبعوث به وله فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولون له لم نفهم ما خوطبنا به فإن قلت إن رسولنا ﷺ بعث إلى الناس جميعاً بقوله قُلْ يا أَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة قلت لا يخلو إما إن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فتعين أن ينزل بلسان واحد وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء﴾ من آثر سبب الضلالة ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ من آثر سبب الاهتداء ﴿وَهُوَ العزيز﴾ فلا يغالب على مشيئته ﴿الحكيم﴾ فلا يخذل إلا أهل الخذلان

стр. 2472

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا﴾ التسع ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ بأن أخرج أو أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول كأنه قيل أرسلناه وقلنا له أخرج قومك ﴿مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها أو بأيام الإنعام حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى إبراهيم (٥ _ ٩) وفلق لهم البحر ﴿إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ﴾ على البلايا ﴿شَكُورٍ﴾ على العطايا كأنه قال لكل مؤمن إذ الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر

стр. 2473

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) ﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب﴾ إذ ظرف للنعمة بمعنى الإنعام اي انعامه عليكم إذ ذلك الوقت أو بدل اشتمال من نعمة الله أي اذكروا وقت إنجائكم ﴿وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ ذكر في البقرة يذبحون وفي الأعراف يقتلون بلا واو وهنا مع الواو والحاصل أن التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيراً للعذاب وبياناً له وحيث أثبت الواو جعل التذبيح من حيث إنه زاد على جنس العذاب كأنه جنس آخر ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ﴾ الإشارة إلى العذاب والبلاء المحنة أو إلى الإنجاء والبلاء النعمة ونبلوكم بالشر والخير فتنة

стр. 2474

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي آذن ونظير تأذن وآذن توعد وأوعد ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل كأنه قيل وإذ آذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك والشبه وهو من جملة ما قال موسى لقومه وانتصابه للعطف على نعمة الله عليكم كأنه قيل وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها ﴿لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ نعمة إلى نعمة فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود وقيل إذا سمعت النعمة نعمه الشكر تأهبت للمزيد وقال ابن عباس ﵄ لئن شكرتم بالجد في الطاعة لأزيدنكم بالجد في المثوبة ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ ما أنعمت به عليكم ﴿إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ لمن كفر نعمتي أما في الدنيا فسلب النعمة وأما في العقبى فتوالى النقم

стр. 2475

وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ﴿وَمَن فِى الأرض جَمِيعاً﴾ والناس كلهم ﴿فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ﴾ عن شكركم ﴿حَمِيدٌ﴾ وإن لم يحمده الحامدون وأنم ضررتم أنفسكم حيث حرمتموها الخير الذي لا بد لكم منه

стр. 2476

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ من كلام موسى لقومه أو ابتداء خطاب لأهل عصر محمد ﵇ ﴿والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً أو عطف الذين من بعدهم على قوم نوح ولا إبراهيم (٩ _ ١١) يعلمهم إلا الله اعتراض والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله وعن ابن عباس ﵄ بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون ورُوى أنه ﵇ قال عند نزول هذه الآية كذب النسابون ﴿جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ بالمعجزات ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الضميران يعودان إلى الكفرة أي أخذوا أناملهم بأسنانهم تعجباً أو عضوا عليها تغيظاً أو الثاني يعود إلى الأنبياء أي رد القوم أيديهم في أفواه الرسل كيلا يتكلموا بما أرسلوا به ﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾ من الإيمان بالله والتوحيد ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة

стр. 2477

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى الله شَكٌّ﴾ أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وهو جواب قولهم وإنا لفي شك ﴿فاطر السماوات والأرض

стр. 2478

يَدْعُوكُمْ﴾ إِلَى الإيمان ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ﴾ إِذا آمنتم ولم تجيء مع من إلا في خطاب الكافرين كقوله واتقوه وَأَطِيعُونِ يغفر لكم من ذنوبكم يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم وقال في خطاب المؤمنين هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة إلى أن قال يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وغير ذلك مما يعرف بالاستقرار وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد ﴿وَيُؤَخّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ إلى وقت قد سماه وبين مقداره ﴿قَالُواْ﴾ أي القوم ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ ما أنتم ﴿إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا﴾ لا فضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا ﴿تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آباؤنا﴾ والأصنام ﴿فَأْتُونَا بسلطان مُّبِينٍ﴾ بحجة بينة وقد جاءتهم رسلهم بالبينات وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتاً ولجاجا

стр. 2479

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مثلكم﴾ تسليم لقولهم إنهم بشر مثلهم ﴿ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ بالإيمان والنبوة كما منّ علينا ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بسلطان إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ جواب لقولهم فأتونا بسلطان مبين والمعنى أن الإتيان بالآية التي قد قد اقترحتموها لبس إلينا ولا في استطاعتنا وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ أمر منهم للمؤمنين كافة إبراهيم (١٢ _ ١٧) بالتوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً كأنهم قالوا ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم ألا ترى إلى قوله

стр. 2480

وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله﴾ معناه وأي عذر لنا في ألا نتوكل عليه ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾

стр. 2481

وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كل منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين قال أبو تراب التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والشكر عندالعطاء والصبر عند البلاء ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ على مَا آذَيْتُمُونَا﴾ جواب قسم مضمر أي حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا يمسكوا عن دعائهم ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ أي فليثبت المتوكلون على توكلهم حتى لا يكون تكرار

стр. 2482

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ﴾ سبْلنا لرسْلهم أبو عمرو ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا﴾ من ديارنا ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أي ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم وحلفوا على ذلك والعود بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن معه فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين﴾ القول مضمر أو أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه

стр. 2483

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي أرض الظالمين وديارهم في الحديث من آذى جاره ورثه الله داره ﴿ذلك﴾ الإهلاك والإسكان أي ذلك الأمر حق ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ موقفي وهو موقف الحساب أو المقام مقحم أو خاف قيامي عليه بالعلم كقوله أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كل نفس بما كسبت والمعنى أن ذلك حق للمتقين ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ عذابي وبالياء يعقوب

стр. 2484

وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) ﴿واستفتحوا﴾ واستنصروا الله على أعدائهم وهو معطوف على أوحى إليهم ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ﴾ وخسر كل متكبر بطر ﴿عَنِيدٍ﴾ مجانب للحق معناه فنصروا وظفروا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم وقيل الضمير لكفار ومعناه واستفتح الكفار على الرسل ظناً منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه

стр. 2485

مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) ﴿مِّن وَرَآئِهِ﴾ من بين يديه ﴿جَهَنَّمُ﴾ وهذا وصف حاله وهو في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حيث يبعث ويوقف ﴿ويسقى﴾ معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى ﴿مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾ ما يسيل من جلود اهل النار وصديد عطف بيان الماء لأنه مبهم فبين بقوله صديد

стр. 2486

يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يشربه جرعة جرعة ﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة كقوله لم يكد يراها أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها ﴿وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي أسباب الموت من كل جهة أو من كل مكان من جسده وهذا لفظيع لما يصيبه من الآلام أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها مهلكاً ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ لأنه لو مات لاستراح ﴿وَمِن وَرَائِهِ﴾ ومن بين يديه ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله وأغلظ وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد

стр. 2487

مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) ﴿مَثَلُ الذين﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليكم مثل الذين ﴿كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ جملة

стр. 2488

مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول كيف مثلهم فقيل أعمالهم كرماد ﴿اشتدت بِهِ الريح﴾ الرياح مدني ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح كقولك يوم ماطر وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك شبهها في حبوطها لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى برماد طيرته الريح العاصف ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ﴾ يوم القيامة ﴿مِمَّا كَسَبُواْ﴾ من أعمالهم ﴿على شَيْءٍ﴾ أي لا يرون له أثراً من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء ﴿ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾ إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب

стр. 2489

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم الخطاب لكل أحد ﴿أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض﴾ خالق مضافاً حمزة وعلي ﴿بالحق﴾ بالحكمة والأمر العظيم ولم يخلقها عبثاً ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جديد﴾ اي هو قارد على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم إعلاماً بأنه قادر على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم

стр. 2490

وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) ﴿وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ بمتعذر
следующие страницы →