← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لا يجمع لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير فلا يحتاج فيه إلى التثنية والجمع فلمح الأصل وقيل المضاف محذوف اى وعلى مواضع سمعهم وقرئ على أسماعهم ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ بالرفع خبر ومبتدأ والبصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي كما أن البصيرة نور القلب وهي ما به يستبصر ويتأمل وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه وهذا البناء لما يشتمل على الشئ كالعصابة والعمامة والقلادة والأسماع داخلة في حكم الختم لا في حكم التغشية لقوله وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم ونصب المفضل وحده غشاوة بإضمار جعل وتكرير الجار في قوله وعلى سمعهم دليل على شدة الختم في الموضعين قال الشيخ الإمام أبو منصور بن على ﵀ الكافر لما لم يسمع قول الحق ولم ينظر فى نفسه وغيره من المخلوقات ليرى آثار الحدوث فيعلم أن لا بد له من صانع جعل كأن على بصره وسمعه غشاوة وإن لم يكن ذلك حقيقة وهذا دليل على أن الأسماع عنده داخلة في حكم التغشية والآية حجة لنا على المعتزلة في الأصلح فإنه أخبر أنه ختم على قلوبهم ولا شك أن ترك الختم أصلح لهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ العذاب مثل النكال بناء ومعنى لأنك تقول أعذب عن الشئ إذا أمسك عنه كما تقول نكل عنه والفرق بين العظيم والكبير أن العظيم يقابل الحقير والكبير يقابل الصغير فكأن العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير ويستعملان في الجثة والأحداث جميعاً تقول رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من التغطية غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات الله ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب لا يعلم كنهه إلا الله

стр. 37

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الأخر﴾ افتتح بذكر

стр. 38

الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ثم ثنى بالكافرين قلوباً وألسنة ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاءً وخداعاً ولذا أنزل فيهم إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار وقال مجاهد أربع آيات من أول السورة في نعت المؤمنين وآيتان في ذكر الكافرين وثلاث عشرة آية في المنافقين نعى عليهم فيها نكرهم وخبثهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم عمههم ودعاهم صمابكما عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة وأصل ناس أناس حذفت همزته تخفيفاً وحذفها كاللازم مع لام التعريف لا يكاد يقال الأناس البقرة (٨ _ ٩) ويشهد لأصله إنسان وأناس وإنس وسموا به لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول فإنك تقول وزن قه افعل وليس معك إلا العين وهو من أسماء الجمع ولام التعريف فيه للجنس ومن موصوفة ويقول صغة لها كأنه قيل ومن الناس ناس يقولون كذا وإنما خصوا الإيمان بالله وباليوم الآخر وهو الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع وإنما سمي بالآخر لتأخره عن الأوقات المنقضية أو الوقت المعهود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار لأنهم أوهموا في هذا المقال أنهم أحاطوا بجانبي الإيمان أوله وآخره وهذا لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى مسائل المبدأ وهي العلم بالصانع وصفاته وأسمائه ومسائل المعاد وهي العلم بالنشور والبعث من القبور والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة وفي تكرير الباء إشارة إلى أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانيين على صفة الصحة والاستحكام إنما طابق قوله ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهو في ذكر شأن الفاعل لا الفعل قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر وهو في ذكر شأن الفعل لا الفاعل لأن المراد إنكار ما ادعوه

стр. 39

ونفيه على أبلغ وجه وآكده وهو إخراج ذواتهم من أن تكون طائفة من المؤمنين ونحوه قوله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ من النار وما هم بخارجين منها﴾ فهوأبلغ من قولك وما يخرجون منها وأطلق الإيمان في الثاني بعد تقييده في الأول لأنه يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه ويحتمل أن يراد نفي أصل الإيمان وفي ضمنه نفي المذكور أولاً والآية تنفي قول الكرامية إن الإيمان هو الإقرار باللسان لا غير لأنه نفى عنهم اسم الإيمان مع وجود الإقرار منهم وتؤيد قول أهل السنة إنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان ودخلت الباء في خبر ما مؤكدة للنفي لأنه يستدل به السامع على الجحد إذا غفل عن أول الكلام ومن موحد اللفظ فلذا قيل يقول وجمع وماهم بمؤمنين نظراً إلى معناه

стр. 40

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) ﴿يخادعون الله﴾ أي رسول الله فحذف المضاف كقوله ﴿واسأل القرية﴾ كذا قاله أبو علي ﵀ وغيره أى يظهرون غير مافى أنفسهم فالخداع إظهار غير ما في النفس وقد رفع الله منزلة النبي ﷺ حيث جعل خداعه خداعه وهو كقوله ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فوق أيديهم﴾ وقيل معناه يخادعون الله في زعمهم لأنهم يظنون أن الله ممن يصح خداعه وهذا المثال يقع كثيراً لغير اثنين نحو قولك عاقبت اللص وقد قرئ يخدعون الله وهو بيان ليقول أو مستأنف كأنه قيل ولم يدعون الإيمان كاذبين ومامنفعتهم فى ذلك فقيل يخادعون الله ومنفعتهم في ذلك متاركتهم عن المحاربة التي كانت مع من سواهم من الكفار وإجراء أحكام المؤمنين عليهم ونيلهم من الغنائم وغير ذلك قال صاحب الوقوف الوقف لازم على بمؤمنين لأنه لو وصل لصار التقدير وما هم بمؤمينن مخادعين فينتفى الوصف كقولك ما هو برجل كاذب البقرة (٩ _ ١١) والمراد نفي الإيمان عنهم وإثبات الخداع لهم ومن جعل يخادعون حالاً من الضمير في يقول والعامل فيها يقول والتقدير يقول آمنا بالله مخادعين أو حالاً من الضمير في بمؤمنين والعامل فيها اسم الفاعل

стр. 41

والتقدير وما هم بمؤمنين في حال خداعهم لا يقف والوجه الأول ﴿والذين آمنوا﴾ أي يخادعون رسول الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإضمار الكفر ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ﴾ أي وما يعاملون تلك المعالمة المشبهة بمعالمة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم فكأنهم خدعوا أنفسهم وما يخادعون أبو عمرو ونافع ومكي للمطابقة وعذر الأولين أن خدع وخادع هنا بمعنى واحد والنفس ذات الشئ وحقيقته ثم قيل للقلب والروح النفس لأن النفس بهما وللدم نفس لأن قوامها بالدم وللماء نفس لفرط حاجتها إليه والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم والمعنى بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعودهم إلى غيرهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أن حاصل خداعهم يرجع إليهم والشعور علم الشئ علم حس من الشعار وهو ثوب يلي الجسد ومشاعر الإنسان حواسه لأنها آلات الشعور والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له

стр. 42

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) ﴿فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي شك ونفاق لأن الشك تردد بين الأمرين والمنافق متردد في الحديث مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين والمريض متردد بين الحياة والموت ولأن المرض ضد الصحة والفساد يقابل الصحة فصار المرض اسماً لكل فساد والشك والنفاق فساد في القلب ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا﴾ أي ضعفاً عن الانتصار وعجزاً عن الاقتدار وقيل المراد به خلق النفاق في حالة البقاء بخلق أمثاله كما عرف في زيادة الإيمان ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ كوفي أي بكذبهم في قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر فما مع الفعل بمعنى

стр. 43

المصدر والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به يكذبون غيرهم أي بتكذيبهم النبي ﵇ فيما جاء به وقيل هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل صدق ونظيرهما بان الشيء وبين

стр. 44

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ معطوف على يكذبون ويجوز أن يعطف على يقول آمنا لأنك لو قلت ومن الناس من إذا قيل لهم ﴿لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ لكان صحيحاً والفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به وضده الصلاح وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية وكان فساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمايلون الكفار وممالئونهم على المسلمين بافشاء أسرارهم إليهم واغرائهم وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم البقرة (١١ _ ١٤) ﴿قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ بين المؤمنين والكافرين بالمدارة يعني أن صفة المصلحين خلصت لنا وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد لأن إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشئ على حكم كقولك إنما ينطلق زيد وإنما زيد كاتب وما كافة لأنها تكفها عن العمل

стр. 45

أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون فحذف المفعول للعلم به ألا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفى لاعطاء معنى التنبيه على تحقيق ما بعدها والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحققاً كقوله تعالى أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها الامصدرة بنحو ما يتلقى به القسم وقد رد الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ رد وأدله على سخط عظيم والمبالغة فيه

стр. 46

من جهة الاستئناف وما في ألا وإن من التأكيد وتعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله لا يشعرون

стр. 47

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء﴾ نصحوهم من وجهين أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده عن الصواب وجره إلى الفساد وثانيهما تبصيرهم الطريق الأسَدَََّ من اتباع ذوي الأحلام فكان من جوابهم أن سفهوهم لتمادي جهلهم وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة وإنما صح اسنادقيل إلى لاتفسدوا وآمنوا مع أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يصح لأنه إسناد إلى لفظ الفعل والممتنع إسناد الفعل إلى معنى الفعل فكأنه قيل وإذا قيل لهم هذا القول ومنه زعموا مطية الكذب وما في كما كافة كما في ربما أو مصدرية كما في بِمَا رحبت واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول ومن معه وهم ناس معهودون أو عبد الله بن سلام وأشياعه أي كما آمن أصحابكم وإخوانكم أو للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم والكاف فى كما آمن في موضع النصب لأنه صفة مصدر محذوف أي إيماناً مثل إيمان الناس ومثله كما آمن السفهاء والاستفهام فى أنؤمن للانكار واللام فى السفهاء مشاربها إلى الناس وانما سفهوهم وهم العقلاء المراجيم لأنهم لجهلهم اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً والسفه سخافة العقل وخفة الحلم ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم هم السفهاء وإنما ذكرهنا لا يعلمون وفيما تقدم لا يشعرون لأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له ولأن الإيمان يحتاج فيه إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة أما الفساد في الأرض فأمر مبني

стр. 48

على العادات فهو كالمحسوس والسفهاء خبران وهم فصل أو مبتدأ والسفهاء خبرهم والجملة خبر ان

стр. 49

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ وقرأ أبو حنيفة ﵀ وإذا لاقوا يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريبا البقرة (١٤ _ ١٦) منه الآية الأولى في بيان مذهب المنافقين والترجمة عن نف وهذه في بيان ما كانوا يعملون مع المؤمنين من الاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم﴾ خلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه وبإلى أبلغ لأن فيه دلالة الابتداء والانتهاء أي إذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ويجوز أن يكون من خلا بمعنى وشياطينهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم وهم اليهود وعن سيبويه أن نون الشياطين أصلية بدليل قولهم تشيطن وعنه أنها زائدة واشتقاقه من شطن إذا بعد لبعده من الصلاح والخبر أو من شاط إذا بطل ومن أسمائه الباطل ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم وإنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالإسمية محققة بأن لأنهم في خطابهم مع المؤمنين في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم أو حديون في الإيمان إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التأكيد والمبالغة وكيف يطعمون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار وأما خطابهم مع إخوانهم فقد كان عن رغبة وقد كان متقبلاً منهم رائجاً عنهم فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتأكيد وقوله ﴿إِنَّمَا نحن مستهزؤون﴾ تأكيد لقوله إنا معكم لأن معناه الثبات على اليهودية وقوله إنما نحن مستهزئون رد للاسلام ودفع له منهم لأن المستهزئ بالشئ

стр. 50

المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو استئناف كأنهم اعترضوا عليهم بقولهم حين قالوا لهم إنا معكم إن كنتم معنا فلم توافقون المؤمنين فقالوا إنما نحن مستهزئون والاستهزاء السخرية والاستخفاف وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ مات على المكان

стр. 51

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) ﴿الله يستهزئ بِهِمُ﴾ أي يجازيهم على استهزائهم فسمى جزاء الاستهزاء باسمه كقوله تعالى وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مثلها فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه فسمى جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتدوا وإن لم يكن الجزاء سيئة واعتداء وهذا لأن الاستهزاء لا يجوز على الله تعالى من حيث الحقيقة لأنه من باب العبث وتعالى عنه قال الزجاج هو الوجه المختار واستئناف قوله الله يستهزىء بهم من غير عطف في غاية الجزالة والفخامة وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء لما ينزل بهم من النكال والذل والهوان ولما كانت نكايات الله وبلاياه تنزل عليهم ساعة فساعة قيل الله يستهزىء بهم ولم يقل الله مستهزئ بهم ليكون طبقا لقوله إنما نحن مستهزئون ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أي يمهلهم عن الزجاج ﴿فِي طغيانهم﴾ في غلوهم في كفرهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حال أي يتحيرون ويترددون وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح

стр. 52

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) ﴿أولئك﴾ مبتدأ خبره ﴿الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ أى استبدلوها به واختاروها البقرة (١٦ _ ١٧) عليه وإنما قال اشتروا الضلالة بالهدى ولم يكونوا على هدى لأنها في قوم آمنوا ثم كفروا أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمد ﷺ فلما جاءهم كفروا به أو جعلوا لتمكنهم منه كأن الهدى قائم فيهم فتركوه بالضلالة وفيه دليل على جواز البيع تعاطياً لأنهم لم يتلفظوا بلفظ الشرا ولكن تركوا الهدى بالضلالة عن اختيارهم وسمي ذلك

стр. 53

شراء فصار دليلاً لنا على أن من أخذ شيا من غيره وترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم به والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء يقال ضل منزله فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين ﴿فَمَا رَبِحَت تجارتهم﴾ الربح الفضل على رأس المال والتجارة صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري للربح وإسناد الربح إلى التجارة من الإسناد المجازي ومعناه فما ربحوا في تجارتهم إذ التجارة لا تربح ولما وقع شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ذكر الربح والتجارة ترشيحاً له كقوله ... ولما رأيت النسر عز ابن دأية ... وعشش في وكريه جاش له صدري ... لما شبه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذكر التعشيش والوكر ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر والمعنى أن مطلوب التجار سلامة رأس المال والربح وهؤلاء قد أضاعوهما فرأس مالهم الهدى ولم يبق لهم مع الضلالة وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأغراض الدنيوية لأن الضال خاسر ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح وقيل الذين صفة أولئك وفما ربحت تجارتهم إلى آخر الآية في محل الرفع خبر أولئك

стр. 54

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) ﴿مّثْلُهُمْ كَمِثْلِِ الذي استوقد نَاراً﴾ لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر ولقد كثر ذلك في الكتب السماوية ومن سور الإنجيل سورة الأمثال والمثل في أصل كلامهم هو المثل وهو النظير يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ثم قيل للقول السائر المثل مضربه بمورده مثل ولم يضربوا مثلاً إلا قولاً فيه غرابة ولذا حوفظ عليه فلا يغير وقد استعير المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة كأنه قيل حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً وكذلك قوله مَّثَلُ الجنة التى وعد المتقون أي فيما قصصنا

стр. 55

عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة الشأن ثم أخذ في بيان عجائبها ولله المثل الأعلى أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة ووضع الذي موضع الذين كقوله وخضتم كالذى خاضوا فلا يكون تمثيل الجماعة بالواحد أو قصد جنس المستوقدين أو أريد الفوج الذي استوقد ناراً على أن ذوات المنافقين لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد ومعنى البقرة (١٧ _ ١٨) استوقد أوقد ووقود النار سطوعها والنار جوهر لطيف مضى حار محرق واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطراباً ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الإضاءة فرط الإنارة ومصداقه قوله هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً وهي في الآية متعدية ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء وجواب فلما ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ وهو ظرف زمان والعامل فيه جوابه مثل إذا وما موصولة وحوله نصب على الظرف أو نكرة موصوفة والتقدير فلما أضاءت شيئاً ثابتاً حوله وجمع الضمير وتوحيد للحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى والنور ضوء النار وضوء كل نير ومعنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به والمعنى أخذ الله بنورهم وأمسكه وما يمسك فلا مرسل له فكان أبلغ من الإذهاب ولم يقل ذهب الله بضوئهم لقوله فلما أضاءت لأن ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة والمراد إزالة النور عنهم رأساً ولو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً ألا ترى كيف ذكر عقيبه ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات﴾ والظلمة عرض ينافي النور وكيف جمعها وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة لا تراءى فيها شبحان وهو قوله ﴿لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ وترك بمعنى طرح

стр. 56

وخلى إذا علق بواحد فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه وتركهم في ظلمات أصله هم في ظلمات ثم دخل ترك فنصب الجزأين والمفعول الساقط من لا يبصرون من قبيل المتروك المطروح لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً وإنما شبهت حالهم بحال المستوقد لأنهم غب الإضاءة وقعوا في ظلمة وحيرة نعم المنافق خابط فى ظلمات الكفر أبدا ولكن المراد ما استضاءوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق المفضية بهم إلى ظلمة العقاب السرمدي وللآية تفسير آخر وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد والضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات وتنكير النار للتعظيم

стр. 57

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ أي هم صم كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم وان ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كائما إيفت مشاعرهم وطريقته عند علماء البيان طريقة قولهم هم ليوث للشجعان وبحور الاسخياء إلا أن هذا في الصفات وذلك في الأسماء وما في الآية تشبيه بليغ في الأصح لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ لا يعودون إلى الهدى البقرة (١٩) بعد أن باعوه أو عن الضلالة بعد أن اشتروها لتنوع الرجوع إلى الشئ وعنه أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون

стр. 58

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) ﴿أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السماء فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ ثنى الله في شأنهم بتمثيل آخر لزيادة الكشف والإضاح شبه المنافق فى التمثيل الأول المستوقد نارا وإظهار الإيمان بالإضاءة وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار وهنا شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من جهة أهل الإسلام بالصواعق والمعنى أو كمثل ذوي صيب فحذف مثل لدلالة العطف عليه وذوي لدلالة يجعلون عليه والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء بهذه الصفة فلقوا منها ما لقوا فهذا تشبيه أشياء بأسشياء إلا أنه لم يصرح بذكر المشبهات كما صرح في قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء﴾ وقول امرئ القيس ... كأن قلوب الطير رطباً ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي ... بل جاء به مطوياً ذكره على سنن الاستعارة والصحيح أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء بقدر شبهه به بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولاً بعضها من بعض لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما فعل امرئ القيس وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامنت وتلاصقت حتى عادت شيئاً واحداً بأخرى مثلها كقوله تعالى ﴿مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لم يحملوها﴾ الآية فالمراد تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة

стр. 59

وحمل ما سواها من الأوقار لا يشعر من ذلك إلا بما يمر بدفيه من الكد والتعب وكقوله واضرب لَهُم مثل الحياة الدنيا كما ءانزلنا من السماء فالمراد قلة بقاء زهرة الحياة الدنيا كقلة بقاء الخضر فهو تشبيه كيفية بكيفية فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحداً فلا فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدة الأمر بما يكابد من طفئت ناره بعد أيقادها في ظلمة الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق والتمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر ولذا أخروهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ وعطف احد التمثيلين على الآخر بأولأنها في أصلها لتساوي شيئين فصاعداً في الشك عند البعض ثم استعيرت لمجرد التساوي كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا وقوله تعالى ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ أى الآثم والكفور سيان فى وجوب العصاين فكذا هنا معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين وأن الكيفيتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل فبأيتهما مثلتها البقرة (١٩) فأنت مصيب وإن مثلها بهما جميعاً فكذلك والصيب المطر الذي يصوب أى ينزل ويقع ويقال للسحاب صيب أيضاً وتنكير صيب لأنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول والسماء هذه المظلة وعن الحسن أنها موج مكفوف والفائدة في ذكر السماء والصيب لا يكون إلا من السماء أنه جاء بالسماء معرفة فأفاد أنه غمام أخذ بآفاق السماء ونفى أن يكون من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق لأن كل أفق من آفاقها سماء ففي التعريف مبالغة كما في تنكير صيب

стр. 60

وتركيبه وبنائه وفيه دليل على أن السحاب من السماء ينحدر منها يأخذ ماءه وقيل إنه يأخذ من البحر ويرتفع ظلمات مرفوع بالجار والمجرور لأنه قد قوى لكونه صفة لصيب بخلاف مالو قلت ابتداء فيه ظلمات ففيه خلاف بين الأخفش وسيبويه والرعد الصوت الذي يسمع من السحاب لاصطكاك أجرامه أو ملك يسوق السحاب والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشئ بريقاً إذا لمع والضمير في فيه يعود إلى الصيب فقد جعل الصيب مكاناً للظلمات فإن أريد به السحاب فظلماته إذا كان أسحم مطبقا سحمته وتطبيقه مضموما إليهما ظلمة الليل وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه بتتابع القطر وظلمة أظلال غمامه مع ظلمة الليل وجعل الصيب مكاناً للرعد والبرق على إرادة السحاب به ظاهر وكذا إن اريد به المطر لأنهما متلبسان به في الجملة ولم يجمع الرعد والبرق لأنهما مصدران في الأصل يقال رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً فروعي حكم الأصل بأن ترك جمعهما ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ الضمير لأصحاب الصيب وإن كان محذوفاً كما فى قوله أو هم قائلون لأن المحذوف باقٍ معناه وإن سقط لفظه ولا محل ليجعلون لكونه مستأنفاً لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلاً قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال يكاد البرق يخطف أبصارهم وإنما ذكر الأصابع ولم يذكر الانامل ورءوس الأصابع هي التي تجعل في الأذان اتساعاً كقوله فاقطعوا ايديهما والمراد إلى الرسغ ولأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل وإنما لم يذكر الأصبع الخاص الذي تسدّ به الأذن لأن السبابة فعالة من السب فكان

стр. 61

اجتنابها أولى بآداب القرآن ولم يذكر المسبحة لأنها مستحدثة غير مشهورة ﴿مّنَ الصواعق﴾ متعلق بيجعلون أي من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم والصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة نار قالوا تنقدح من السحاب إذا اصطكت أحرامه وهى نار لطيفة جديدة لا تمر بشئ إلاَّ أتت عليه إلاَّ أنها مع حدتها سريعة الخمود يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو نصفها ثم طفئت ويقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق ﴿حَذَرَ الموت﴾ مفعول له والموت فساد بنية الحيوان أو البقرة (١٩ _ ٢١) عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة ﴿والله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ يعني أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط فهو مجاز هذه الجملة اعتراض لا محل لها

стр. 62

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) ﴿يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم﴾ الخطف الأخذ بسرعة وكاد يستعمل لتقريب الفعل جداً وموضع يخطف نصب لأنه خبر كاد ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم﴾ كل ظرف وما نكرة موصوفة معناها الوقت والعائد محذوف أي كل وقت أضاء لهم فيه والعامل فيه جوابها وهو ﴿مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أي في ضوئه وهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وماا هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين وأضاء متعد أى كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف أو غير متعدٍ أي كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره والمشي جنس الحركة المخصوصة فإذا اشتد فهو سعي فإذا ازداد فهو عدوٌ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ أظلم غير متعدٍ وذكر مع أضاء كلما ومع أظلم إذا لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف ﴿قَامُواْ﴾ وقفوا وثبتوا

стр. 63

في مكانهم ومنه قام الماء إذا جمد ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بسمعهم﴾ يقصف الرعد ﴿وأبصارهم﴾ بوميض البرق ومفعول شاء محذوف لدلالة الجواب عليه أي ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما ولقد تكاثر هذا الحذف في شاء وأراد لا يكادون يبرزون المفعول إلا فى الشئ المستغرب كنحو قوله ... فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع ... وقوله تعالى لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً وَلَوْ أَرَاد الله أن يتخذْ وَلَدًا ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن الله قادر على كل شيء

стр. 64

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) لما عدد الله فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ويحظيها عند الله ويرديها أقبل عليهم بالخطاب وهو من الالتفات المذكور فقال ﴿يا أَيُّهَا الناس﴾ قال علقمة ما في القرآن يا أيها الناس فهو خطاب لأهل مكة وما فيه يا أيها الذين آمنوا فهو خطاب لأهل المدينة وهذا خطاب لمشركى مكة ويا حرف وضع لنداء البعيد وأي والهمزة للقريب ثم استعمل فى مناداة من غفل وسها وإن قرب ودنا تنزيلاً له منزلة من بعد ونأى فإذا نودي به القريب المقاطن فذاك للتوكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معتنى به جداً وقول الداعي يا رب ووهأفرب إليه من حبل الوريد استقصار منه لنفسه واستبعاد لها عن مظان الزلفى هظما لنفسه البقرة (٢١ _ ٢٢) وإقراراً عليها بالتفريط مع فرط التهالك على استجابة دعوته وأى وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن ذو والذى وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهمامه فلا بد أن

стр. 65

يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يتضح المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه يا أي والتابع له صفته نحويا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه استقلال زيد فمم ينفك عن الصفة وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لتأكيد معنى النداء وللعوض عما يستحقه أي من الإضافة وكثر النداء في القرآن على هذه الطريقة لأن ما نادى الله به عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده أمور عظام وخطوب جسام يجب عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم إليها وهم عنها غافلون فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ وحدوه قال ابن عباس رضى الله عنهما كل عبادة في القرآن فهي توحيد ﴿الذي خَلَقَكُمْ﴾ صفة موضحة مميزة لأنهم كانوا يسمون الآلهة أرباباً والخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء وعند المعتزلة إيجاد الشيء على تقدير واستواء وهذا بناء على أن المعدوم شيء عندهم لأن الشيء ما صح أن يعلم ويخبر عنه عندهم وعندنا هو اسم للموجود خلقكم بالادغام أبو عمرو ﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ احتج عليهم بأنه خالقهم وخالق من قبلهم لأنهم كانوا مقرين بذلك فقيل لهم إن كنتم مقرين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي اعبدوا على رجاء أن تتقوا فتنجوا بسببه من العذاب ولعل للترجي والإطماع ولكنه إطماع من كريم فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه وبه قال سيبويه وقال قطرب هو بمعنى كي أي لكي تتقوا

стр. 66

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض﴾ أي صير ومحل الذي نصب على المدح أو رفع بإضمار هو ﴿فراشاً﴾ بساطاً تقعدون عليها وتنامون وتتقلبون وهو مفعول ثانٍ لجعل وليس فيه دليل على أن الأرض مسطحة أو كرية إذ الافتراش ممكن على التقديرين ﴿والسماء بِنَاءً﴾ سقفاً كقوله تعالى وجعلنا

стр. 67

السماء سقفا محفوظا وهو مصدر سمي به المبنى ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً﴾ مطراً ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ بالماء نعم خروج الثمرات بقدرته ومشيئته وإيجاده ولكن جعل الماء سبباً في خروجها كماء الفحل في خلق الولد وهو قادر على إنشاء الكل بلا سبب كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجاً لها من حال إلى حال وناقلاً من مرتبة إلى مرتبة حكماً وعبراً للنظار بعيون الاستبصار ومن في ﴿مِنَ الثمرات﴾ للتبعيض أو للبيان ﴿رِزْقاً﴾ مفعول له إن كانت للتبعيض ومفعول به لأخرج إن كانت للبيان وإنما قيل الثمرات دون الثمر والثمار وإن كان الثمر المخرج بماء السماء البقرة (٢٢ _ ٢٣) كثيراً لأن المراد جماعة الثمرة ولأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية ﴿لَكُمْ﴾ صفة جارية على الرزق إن أريد به العين وإن جعل اسماً للمعنى فهو مفعول به كأنه قيل رزقا إياكم ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ هو متعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أنداداً لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد وأن لا يجعل له ند ولا شريك ويجوز أن يكون الذي رفعاً على الابتداء وخبره فلا تجعلوا ودخول الفاء لأن الكلام يتضمن الجزاء أي الذي حفكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية فلا تتخذوا له شركاء والند المثل ولا يقال إلا للمثل المخالف والمناوئ ومعنى قولهم ليس لله ند ولا ضد نفي ما يسد مسده ونفي ما ينافيه ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنها لا تخلق شيئاً ولا ترزق والله الخالق الرازق أو مفعول تعلمون متروك أي وأنتم من أهل العلم وجعل الأصنام لله أنداداً غاية الجهل والجملة حال من الضمير في فلا تجعلوا

стр. 68

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) ولما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويبطل الإشراك لخلقهم أحياء قادرين وخلق الأرض التي هي مثواهم ومستقرهم وخلق السماء التي هي

стр. 69

كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار وما سواه من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الثمار رزقاً لبني آدم فهذا كله دليل موصل إلى التوحيد مبطل للإشراك لأن شيئاً من المخلوقات لا يقدر على إيجاد شيء منها عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد ﷺ وما يقرر إعجاز القرآن فقال ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا﴾ ما نكرة موصوفة أو بمعنى الذي ﴿على عَبْدِنَا﴾ محمد ﵇ والعبد اسم لمملوك من جنس العقلاء والمملوك موجود قهر بالاستيلاء وقيل نزلنا دون أنزلنا لأن المراد به النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من محازه لمكان التحدي وذلك أنهم كانوا يقولون لو كان هذا من عند الله لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة وآيات غب آيات على حسب النوازل وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً شيئاً فشيئاً لا يلقي الناظم ديوان شعره دفعة ولا يرمي الناثر بخطبه ضربة فلو أنزله الله لأنزله جملة قال الله تعالى ﴿وَقَالَ الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ فقيل إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على تدريج ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ أي فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه وهلموا نجماً فرداً من نجومه سورة من أصغر السور والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات وواوها إن كانت أصلاً فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة محوزة على حيالها كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد كاحتواء سور المدينة على ما فيها وإما البقرة (٢٣ _ ٢٤) أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضاً في نفسها مرتبة

стр. 70

طوال وأوساط وقصار أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين وإن كانت منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسؤرة التي هي البقية من الشئ وأما الفائدة في تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً فهي كثيرة ولذا أنزل الله تعالى التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السور وبوب المصنفون في كل فن كتبهم أبواباً موشحة الصدور بالتراجم منها أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتمل على أصناف كان أحسن من أن يكون بياناً واحداً ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأبعث على الدرس والتحصيل منه ولو استمر الكتاب بطوله ومن ثم جزّأ القراء القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة فيعظم عند ما حفظه ويجل في نفسه ومنه حديث أنس رضى الله عنه كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل فينا ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ متعلق بسورة صفة لها والضمير لما نزلنا أي بسورة كائنة من مثله يعني فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم أو لعبدنا أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك ورد الضمير إلى المنزل أولى لقوله تعالى ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مثله﴾ ﴿فأتوا بعشر سور مثله﴾ ﴿على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ ولأن الكلام مع رد الضمير إلى المنزل أحسن ترتيباً وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه وهو مسوق إليه فإن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم نبذاً مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله ﷺ أن يقال وإن ارتبتم في أن محمداً منزل عليه

стр. 71

فهاتوا قرآناً من مثله ولأن هذا التفسير يلائم قوله ﴿وادعوا شُهَدَاءَكُم﴾ جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة ﴿مِن دُونِ الله﴾ أي غير الله وهو متعلق بشهداءكم أي ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق أو من يشهد لكم بأنه مثل القرآن ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ إن ذلك مختلق وأنه من كلام محمد ﵇ وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا أنتم بمثله واستعينوا بآلهتكم على ذلك

стр. 72

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ لما أرشدهم إلى الجهة التى منها يتعرفون صدق النبي عله السلام قال لهم فإذا لم تعارضوه وبان عجزكم ووجب تصديقه فآمنوا وخافوا العذاب المعَدَّ لمن كذب وعاند وفيه دليلا على إثبات النبوة صحة كون المتحدى به معجزاً والإخبار بأنهم لن يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله البقرة (٢٤ _ ٢٥) ولما كان العجز عن المعارضة قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لا تكالهم على فصاحتهم واعتمادهم على بلاغتهم سيق الكلام معهم على حسب حسبانهم فجئ بان الذي للشك دون إذا الذي للوجوب وعبَّر عن الإتيان بالفعل لأنه فعل من الأفعال والفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية ٢ التي تعطيك اختصاراً إذ لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل لاستطيل أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله ولا محل لقوله ولن تفعلوا لأنها جملة اعتراضية وحسّن هذا الاعتراض أن لفظ الشرط للتردد فقطع التردد بقوله ولت تفعلوا ولا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في لن تأكيداً وعن الخليل أصلها لا أن وعند الفراء لا أبدلت ألفها نوناً وعند سيبويه حرف موضع لتأكيد نفي المستقبل وإنما علم أنه إخبار عن الغيب على ما هو به حتى صار معجزة لانهم لو عارضوه بشئ لاشتهر فكيف والطاعنون فيه أكثر عدداً من الذابين عنه وشرط في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله لأنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق الرسول وإذا صح

стр. 73

عندهم صدقه ثم لزموا العناد وأبوا الانقياد استوجبوا النار فقيل لهم إن استبنتم العجز فاتركوا العناد فوضع فاتقوا النار موضعه لأن اتقاء النار سبب ترك العناد وهو من باب الكناية وهي من شعب البلاغة وفائدته الإيجاز الذي هو من حيلة القرآن والوقود ما ترفع به النار يعني الحطب وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح وصلة الذى والتى يجب أن تكون معلوماً للمخاطب فيحتمل أن يكونوا سمعوا من أهل الكتاب أو من رسول الله أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى نارا وقودها الناس والحجارة إنما جاءت النار منكرة ثم ومعرفة هنا لأن تلك الآية نزلت بمكة ثم نزلت هذه الآية بالمدينة مشارابها إلى ما عرفوه أولاً ومعنى قوله تعالى وقودها الناس والحجارة أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنها تتقد بالناس والحجارة وهي حجارة الكبريت فهي أشد توقداً وأبطأ خموداً وأنتن رائحة وألصق بالبدن أو الأصنام المعبودة فهي أشد تحسيراً وإنما قرن الناس بالحجارة لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث عبدوها وجعلوها لله أنداداً ونحوه قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ حَصَبُ جهنم أي حطبها فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً في إيلامهم ﴿أُعِدَّتْ للكافرين﴾ هيئت لهم فيه دليل على أن النار مخلوقة خلافاً لما يقوله جهم سنة الله في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطا لا كتساب ما يزلف وتثبيطا عن اقثراف ما يتلف

стр. 74

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله ﴿وبشر

стр. 75

الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ والمأمور بقوله وبشر الرسول ﵇ أو كل أحد وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به وهو معطوف على فاتقوا كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم أو جملة وصف ثواب المؤمنين معطوفة على جملة البقرة (٢٥) وصف عقاب الكافرين كقولك زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمراً بالعفو والإطلاق والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ومن ثم قال العلماء إذا قال لعبده أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين ولو قال أخبرني مكان بشرني عتقوا جميعاً لأنهم أخبروه ومنه البشرى لظاهر الجلد وتباشير الصبح ما ظهر من اوائل ضوئه واما فبشرهم بعذاب اليم فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد فى غيظ المستهزأبه كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك والصالحة نحوالحسنة في جريها مجرى الاسم والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة واللام للجنس والآية حجة على من جعل الأعمال إيماناً لأنه عطف الأعمال الصالحة على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه ولا يقال إنكم تقولون يجوز أن يدخل المؤمن الجنة بدون الأعمال الصالحة والله تعالى بشر بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً لأن البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان ولا نجعل لصاحب الكبيرة البشارة المطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة ﴿أَنَّ لَهُمْ جنات﴾ أي بأن لهم جنات وموضع أن وما عملت فيه النصب يبشر عند سيبويه خلافاً للخليل وهو كثير في التنزيل والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف والتركيب دائر على
следующие страницы →