← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فهاتوا قرآناً من مثله ولأن هذا التفسير يلائم قوله ﴿وادعوا شُهَدَاءَكُم﴾ جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة ﴿مِن دُونِ الله﴾ أي غير الله وهو متعلق بشهداءكم أي ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق أو من يشهد لكم بأنه مثل القرآن ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ إن ذلك مختلق وأنه من كلام محمد ﵇ وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا أنتم بمثله واستعينوا بآلهتكم على ذلك

стр. 72

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ لما أرشدهم إلى الجهة التى منها يتعرفون صدق النبي عله السلام قال لهم فإذا لم تعارضوه وبان عجزكم ووجب تصديقه فآمنوا وخافوا العذاب المعَدَّ لمن كذب وعاند وفيه دليلا على إثبات النبوة صحة كون المتحدى به معجزاً والإخبار بأنهم لن يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله البقرة (٢٤ _ ٢٥) ولما كان العجز عن المعارضة قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لا تكالهم على فصاحتهم واعتمادهم على بلاغتهم سيق الكلام معهم على حسب حسبانهم فجئ بان الذي للشك دون إذا الذي للوجوب وعبَّر عن الإتيان بالفعل لأنه فعل من الأفعال والفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية ٢ التي تعطيك اختصاراً إذ لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل لاستطيل أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله ولا محل لقوله ولن تفعلوا لأنها جملة اعتراضية وحسّن هذا الاعتراض أن لفظ الشرط للتردد فقطع التردد بقوله ولت تفعلوا ولا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في لن تأكيداً وعن الخليل أصلها لا أن وعند الفراء لا أبدلت ألفها نوناً وعند سيبويه حرف موضع لتأكيد نفي المستقبل وإنما علم أنه إخبار عن الغيب على ما هو به حتى صار معجزة لانهم لو عارضوه بشئ لاشتهر فكيف والطاعنون فيه أكثر عدداً من الذابين عنه وشرط في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله لأنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق الرسول وإذا صح

стр. 73

عندهم صدقه ثم لزموا العناد وأبوا الانقياد استوجبوا النار فقيل لهم إن استبنتم العجز فاتركوا العناد فوضع فاتقوا النار موضعه لأن اتقاء النار سبب ترك العناد وهو من باب الكناية وهي من شعب البلاغة وفائدته الإيجاز الذي هو من حيلة القرآن والوقود ما ترفع به النار يعني الحطب وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح وصلة الذى والتى يجب أن تكون معلوماً للمخاطب فيحتمل أن يكونوا سمعوا من أهل الكتاب أو من رسول الله أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى نارا وقودها الناس والحجارة إنما جاءت النار منكرة ثم ومعرفة هنا لأن تلك الآية نزلت بمكة ثم نزلت هذه الآية بالمدينة مشارابها إلى ما عرفوه أولاً ومعنى قوله تعالى وقودها الناس والحجارة أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنها تتقد بالناس والحجارة وهي حجارة الكبريت فهي أشد توقداً وأبطأ خموداً وأنتن رائحة وألصق بالبدن أو الأصنام المعبودة فهي أشد تحسيراً وإنما قرن الناس بالحجارة لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث عبدوها وجعلوها لله أنداداً ونحوه قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ حَصَبُ جهنم أي حطبها فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً في إيلامهم ﴿أُعِدَّتْ للكافرين﴾ هيئت لهم فيه دليل على أن النار مخلوقة خلافاً لما يقوله جهم سنة الله في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطا لا كتساب ما يزلف وتثبيطا عن اقثراف ما يتلف

стр. 74

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله ﴿وبشر

стр. 75

الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ والمأمور بقوله وبشر الرسول ﵇ أو كل أحد وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به وهو معطوف على فاتقوا كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم أو جملة وصف ثواب المؤمنين معطوفة على جملة البقرة (٢٥) وصف عقاب الكافرين كقولك زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمراً بالعفو والإطلاق والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ومن ثم قال العلماء إذا قال لعبده أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين ولو قال أخبرني مكان بشرني عتقوا جميعاً لأنهم أخبروه ومنه البشرى لظاهر الجلد وتباشير الصبح ما ظهر من اوائل ضوئه واما فبشرهم بعذاب اليم فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد فى غيظ المستهزأبه كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك والصالحة نحوالحسنة في جريها مجرى الاسم والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة واللام للجنس والآية حجة على من جعل الأعمال إيماناً لأنه عطف الأعمال الصالحة على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه ولا يقال إنكم تقولون يجوز أن يدخل المؤمن الجنة بدون الأعمال الصالحة والله تعالى بشر بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً لأن البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان ولا نجعل لصاحب الكبيرة البشارة المطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة ﴿أَنَّ لَهُمْ جنات﴾ أي بأن لهم جنات وموضع أن وما عملت فيه النصب يبشر عند سيبويه خلافاً للخليل وهو كثير في التنزيل والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف والتركيب دائر على

стр. 76

معنى الستر ومنه الجن والجنون والجنين والجنة والجان والجنان وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان والجنة مخلوقة لقوله تعالى ﴿اسكن أَنتَ وزَوْجُكَ الجنة﴾ خلافاً لبعض المعتزلة ومعنى جمع الجنة وتنكيرها أن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي متشلمة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ الجملة في موضع النصب صفة لجنات والمراد من تحت أشجارها كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية وأنهار الجنة تجري في غير أخدود وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها مطردة والجري الأطراد والنهر المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر يقال للنيل نهر مصر واللغة العالية نهر ومدار التركيب على السعة وإسناد الجري إلى الأنهار مجازي وإنما عرف الأنهار لأنه يحتمل أن يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله تعالى واشتعل الرأس شيبا أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى ﴿فيها أنهار من ماء غير آسن﴾ الآية والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها ﴿كُلَّمَا رزقوا﴾ صفة ثانية لجنات أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس فقيل إن ثمارها أشباه البقرة (٢٥) ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله ﴿مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي﴾ أي كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأن الرزق قد ابتدء من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة ونظيره أن تقول رزقني فلان فيقال لك من أين فتقول من بستانه فيقال من أي ثمرة رزقك من بستانه فتقول من الرمان وليس المراد من الثمرة التفاحة الواحدة

стр. 77

أو الرمانة الفذة وإنما المراد نوع من أنواع الثمار ﴿رُزِقْنَا﴾ أي رزقناه فحذف العائد ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا فلما قطع عن الإضافة بنى والمعنى هذا مثل الذى رزقناه من قبل وشبهه بدليل قوله ﴿وَأُتُواْ بِهِ متشابها﴾ وهذا كقولك أبو يوسف أبو حنيفة تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته الضمير في به يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأن قوله هذا الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين وإنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ولم تكن أجناساً أخر لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد ورأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتاً بيناً كان استعجابه به أكثر واستغرابه أوفر وتكريرهم هذا القول عند كل ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم في كل أوان أو إلى الرزق كما أن هذا إشارة إليه والمعنى أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه كما يحكى عن الحسن يؤتى احدهم بالصفحة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل فيقول الملك كل فاللون واحد والطعم مختلف وعنه ﵇ والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة لأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدلها الله مكانها مثلها فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك وقوله وأتوا به متشابهاً جملة معترضة للتقرير كقولك فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل ورأى من الرأي كذا وكان صواباً ومنه وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكذلك يفعلون ﴿ولهم فيها أزواج﴾ ازواج مبتدأ ولهم الخبر وفيها ظرف للإستقرار

стр. 78

﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾ من مساوي الأخلاق لا طمحات ولا مرحات أو مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة من وما لا يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان ولم يقل طاهرة لأن مُّطَهَّرَةٌ أبلغ لأنها تكون للتكثير وفيها إشعار أنهما بأن مطهّراً طهرهن وما ذلك إلا الله ﴿وَهُمْ فِيهَا خالدون﴾ الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع وفيه بطلان قول الجهمية فإنهم يقولون بفناء الجنة وأهلها لأنه تعالى البقرة (٢٦) وصف بأنه الأول والآخر وتحقيق وصف الأولية بسبقه على الخلق احمع فيجب تحقيق وصف الآخرية بالتأخر عن سائر المخلوقات وذا إنما يتحقق بعد فناء الكل فوجب القول به ضرورة ولأنه تعالى باقٍ وأوصفافه باقية فلو كانت الجنة باقية مع أهلها لوقع التشابه بين الخالق والمخلوق وذا محال قلنا الأول في حقه هو الذي لا ابتداء لوجوده والآخر هو الذي لا انتهاء له وفي حقنا الأول هو الفرد السابق والآخر هو الفرد اللاحق واتصافه بهما لبيان صفة الكمال ونفي النقيصة والزوال وذا في تنزيهه عن احتمال الحدوث والفناء لا فيما قالوه وأنى يقع التشابه في البقاء وهو تعالى باقٍ لذاته وبقاؤه واجب الوجود وبقاء الخلق به وهو جائز الوجود

стр. 79

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب به مثلاً ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذاكلام الله فنزل ﴿إن الله لا يستحيي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يتمثل بها لحقارتها وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم ولا يجوز على القديم التغير وخوف الذم ولكن الترك لما كان من لوازمه عبر عنه به ويجوز أن تقع هذه العبارة فى كلام الكفرة

стр. 80

فقالوا اما يستحيى رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال وهو فن من كلامهم بديع وفيه لغتان التعدي بنفسه وبالجار يقال اسحييته واستحييت منه وهما محتملتان هنا وضرب المثل صنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم وما هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامها وزادته عموماً كقولك أعطني كتاباً ما تريد أي كتاب كان أوصلة للتأكيد كالتي في قوله تعالى فيما نقضهم ميثاقهم كأنه قال لا يستحيى أن يضرب مثلاً ألبتة وبعوضة عطف بيان لمثلا أو مفعول ليضرب ومثلا حال من النكرة مقدمة عليه أو انتصبا مفعولين على أن ضرب بمعنى جعل واشتاقها من البعض وهو القطع كالبضع والعضب يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشئ لأنه قطعة منه والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً وهو القلة والحقارة أو فما زاد عليه في الحجم كأنه أراد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة ولا يقال كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر لأن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات وقد ضربه رسول الله ﷺ مثلا للدنيا ﴿فأما الذين آمنوا فَيَعْلَمُونَ أَنَهُ الحق﴾ الضمير للمثل أو لأن يضرب والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب ﴿مّن رَّبِّهِمْ﴾ في موضع النصب على الحال والعامل معنى الحق وذو الحال الضمير المستتر فيه ﴿وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مثلا﴾ يوقف عليه إذ لو وصل لصار ما بعده البقرة (٢٦) صفة له وليس كذلك وفي قولهم ماذا أراد الله بهذا مثلاً استحقار كما قالت عائشة رضى الله عنها فى عبد الله

стр. 81

بن عمرو يا عجبا لابن عمر وهذا محقرة له ومثلا نصب على التمييز أو على الحال كقوله هذه ناقة الله لكم آية وأما حرف فيه معنى الشرط ولذا يجاب بالفاء وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيده وأنه لا محالة ذاهب قلت أما زيد فذاهب ولذا قال سيبويه في تفسيره مهما يكن من شيء فزيد ذاهب وهذا التفسير يفيد كونه تأكيداً وأنه في معنى الشرط وفي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بليغ بعلمهم أنه الحق ونعي على الكافرين إغفالهم حظهم ورميهم بالكلمة الحمقاء وماذا فيه وجهان أن يكون ذا اسماً موصولاً بمعنى الذى وما استفهاماً فيكون كلمتين وأن تكون ذا مركبة مع ما مجعولتين اسماً واحداً للاستفهام فيكون كلمة واحدة فما على الأول رفع بالابتداء وخبره ذا مع صلته أي أراد والعائد محذوف وعلى الثاني منصوب المحل بأراد والتقدير أي شيء أراد الله والإرادة مصدر أردت الشئ إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك وهي عند المتكلمين معنى يقتضي تخصيص المفعولات بوجه دون وجه والله تعالى موصوف بالإرادة على الحقيقة عند أهل السنة وقال معتزلة بغداد إنه تعالى لا يوصف بالإرادة على الحقيقة فإذا قيل أراد الله كذا فإن كان فعله فمعناه أنه فعل وهو غير ساهٍ ولا مكره عليه وإن كان فعل غيره فمعناه أنه أمر به ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بأما وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة وأن العلم بكونه حقاً من باب الهدى وأن الجهل بحسن موروده من باب الضلالة وأهل الهدى كثير في أنفسهم وإنما يوصفون بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال ولأن القليل من المهتدين كثير في الحقيقة وإن قالوا في الصورة ... إن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا ... والإضلال خلق فعل الضلال في العبد والهداية خلق فعل الاهتداء

стр. 82

هذا هو الحقيقة عند أهل السنة وسياق الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروباً بها المثل ليس بموضع الاستنكار والاستغراب لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى وإدناء المتوهم من المشاهد فإن كان المتمثل له عظيماً كان المتمثل به كذلك وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك ألا ترى أن الحق لما كان واضحاً جلياً تمثل له بالضياء والنور وأن الباطل لما كان بضد صفته تمثل له بالظلمة ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله لا حال أحقر منها وأقل ولذلك تجعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن وجعلت أقل من الذباب وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلاً لم يستنكر ولم يستبدع ولم يقل للمتمثل البقرة (٢٦ _ ٢٧) استحى من تمثيلها بالبعوضة لأنه مصيب في تمثيله محق في قوله سائق للمثل على قضية مضربه ولبيان أن المؤمنين الذين عادتهم الانصاف والنظر فى الأمور بناظر العقل إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أنه الحق وأن الكفار الذين غلب الجهل على عقولهم إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار وأن ذلك سبب هدى المؤمنين وضلال الفاسقين والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وخشاش الأرض فقالوا أجمع من ذرة وأجرأ من الذباب وأسمع من قراد وأضعف من فراشة وآكل من السوس وأضعف من البعوضة وأعز من مخ البعوض ولكن ديدن المحجوج والمبهوت أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح وإنكار اللائح ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ هو مفعول يضل وليس بمنصوب على الاستثناء لأن يضل لم يستوف مفعوله والفسق الخروج عن القصد والفاسق في الشريعة الخارج عن الأمر بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر عند المعتزلة وسيمر عليك ما يبطله إن شاء الله

стр. 83

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) ﴿الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله﴾ النقض الفسخ وفك التركيب والعهد الموثق والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله أحبار اليهود المتعنتون أو منافقوهم أو الكفار جميعاً وعهد الله ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه ولم يكتموا ذكره أو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم وقيل عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﵇ بأن يقروا بربوبيته وهو قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ ربك من بني آدم﴾ الآية وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين وهو قوله تعالى ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم﴾ وعهد خص به العلماء وهو قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ ﴿مِن بَعْدِ ميثاقه﴾ أصله من الوثاقة وهي إحكام الشئ والضمير للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم ويجوز أن يكون بمعنى ثوثقته كما أن الميعاد بمعنى الوعد أو الله تعالى أى من بعد توثقته عليهم ومن لا بتداء الغاية ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ هو قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين أو قطعهم ما بين الانيباء من الوصلة والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض والأمر طلب الفعل بقول مخصوص على سبيل الاستعلاء وما نكرة موصوفة أو بمعنى الذى وأن يوصل في موضع جر بدل من الهاء أى نوصله أو في موضع رفع أي هو أن يوصل ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ بقطع السبيل والتعويق عن الإيمان ﴿أولئك﴾ مبتدأ ﴿هُمْ﴾ فصل والخبر ﴿الخاسرون﴾ أى المغبونون حيث البقرة (٢٨ _ ٢٩) استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح والعقاب بالثواب

стр. 84

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ معنى الهمزة التي في كيف مثله في قولك أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو الانكار والتعجب ونظيره أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح ﴿وكنتم أمواتا﴾ نطفا فى أصلاب آبائكم والواو للحال وقد مضمرة والاموات جمع ميت كالأقوال جمع قول ويقال لعادم الحياة أصلاً ميت أيضاً كقوله تعالى ﴿بلدة ميتا﴾ ﴿فأحياكم﴾ في الأرحام ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تصبرون إلى الجزاء أو ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخٍ وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن ريد النشور وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن النشور وإنما أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر ولأنها تشتمل على نعمٍ جسام حقها أن تشكر ولا تكفر

стр. 85

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض﴾ أى لأجلكم ولا نتفاعكم به في دنياكم ودينكم أما الأول فظاهر وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم وما فيه من التذكير بالآخرة لأن ملاذها تذكر ثوابها ومكارهها تذكر عقابها وقد استدل الكرخي وأبو بكر الرازي والمعتزلة بقوله خلق لكم على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها خلقت مباحة في الأصل ﴿جَمِيعاً﴾ نصب على الحال من ما ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السماء﴾ الاستواء الاعتدال والاستقامة يقال استوى العود أي قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل أي قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه قوله تعالى ثم استوى إلى السماء أي أقبل وعمد إلى خلق

стр. 86

السموات بعد ما خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل ثم استوى إلى فوق والضمير في ﴿فسوّاهنّ﴾ مبهم يفسره ﴿سَبْعَ سماوات﴾ كقولهم ربه رجلاً وقيل الضمير راجع إلى السماء ولفظها واحد ومعناها الجمع لأنها في معنى الجنس ومعنى تسويتهن تعديل خلقن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور أو إتمام خلقهمن وثم هنا لبيان فضل خلق السموات على خلق الأرض ولا يناقض هذا قوله والأرض بعد ذلك دحاها لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء وأما دحوها فمتأخر وعن الحسن خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق البقرة (٢٩ _ ٣١) منه السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض فذلك قوله تعالى ﴿كانتا رتقا﴾ وهو الالتزاق ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم وهو وأخواته مدني غير ورش وَهُوَ هو وأبو عمرو وعلي جعلوا الواو كأنها من نفس الكلمة فصار بمنزلة عضد وهم يقولون فى عضد عضد بالسكون

стр. 87

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) لما خلق الله تعالى الأرض أسكن فيها الجن وأسكن في السماء الملائكة فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورءوس الجبال وأقاموا مكانهم فأمر نبيه ﵇ أن يذكر قصتهم فقال ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة﴾ إذ نصب بإضمار اذكر والملائكة جمع ملاك كالشمائل جمع شمأل والحاق التاء بتأنيث الجمع ﴿إِنّي جَاعِلٌ﴾ أي مصير من جعل الذي له مفعولان وهما ﴿فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ وهو من يخلف غيره فعيلة بمعنى فاعلة وزيدت الهاء للمبالغة والمعنى خليفة منكم

стр. 88

لأنهم كانوا سكان الأرض فخلقهم فيها آدم وذريته ولم يقل خلاف أو خلفاء لأنه أريد بالخليفة آدم واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم أو اريد من يخلفكم أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك أو خليفة مني لأن آدم كان خليفة الله في أرضه وكذلك كل نبى قال الله تعالى ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ وإنما أخبرهم بذلك ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم أو ليعلِّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنياً عن المشاورة ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يجهل وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى أو من جهة اللوح أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر ﴿وَيَسْفِكُ الدماء﴾ أي يصب والواو في ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ للحال كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان ﴿بِحَمْدِكَ﴾ في موضع الحال أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك كقوله تعالى ﴿وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر﴾ أي دخلوا كافرين ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ونطهر أنفسنا لك وقيل التسبيح والتقديس تبعيد الله من السوء من سبح في الأرض وقدس فيها إذا ذهب فيها وأبعد ﴿قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من الحكم في ذلك ما هو خفي عليكم يعني يكون فيهم الأنبساء والأولياء والعلماء وما بمعنى الذي وهو مفعول أعلم والعائد محذوف أى مالا تعلمونه إنى حجازى وأبو عمرو

стр. 89

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) ﴿وعلم آدم﴾ هو اسم أعجمي وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزر واشتقاقهم آدم من أديم الأرض أو من الأدمة كاشتقاقهم يعقوب من العقب وإدريس من الدرس وإبليس من البقرة (٣١ _ ٣٤) الإبلاس ﴿الأسماء كُلَّهَا﴾ أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً مدلولاً عليه بذكر الأسماء إذ الإسم يدل على المسمى وعوض منه اللام كقوله تعالى

стр. 90

﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ ولا يصح أن يقدر وعلم آدم مسميات الأسماء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لأن التعليم تعلق بالأسماء لا بالمسميات لقوله تعالى أنبئونى بأسماء هؤلاء وانبئهم بأسمائهم ولم يقل أنبئونى بهؤلاء وأنبهئهم بهم ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا وعن ابن عباس رضى الله عنهما علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمعرفة ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة﴾ أي عرض المسميات وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت ﴿فَقَالَ أَنبِئُونِي﴾ أخبروني ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا

стр. 91

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) ﴿قَالُواْ سبحانك﴾ تنزيهاً لك أن يخفى عليك شيء أو عن الاعتراض عليك في تدبيرك وأفادتنا الآية أن علم الأسماء فوق النخلى للعبادة فكيف بعلم الشريعة انتصابه على المصدر تقديره سبحت الله تسبيحاً ﴿لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ وليس فيه علم الاسماء وما بمعنى الذي والعلم بمعنى المعلوم أي لا معلوم لنا إلى الذي علمتنا ﴿إِنَّكَ أَنتَ العليم﴾ غير المعلم ﴿الحكيم﴾ فيما قضيت وقدرت والكاف اسم إن وأنت مبتدا وما بعده خبره والجملة خبران أو أنت فصل والخبر العلم والحكيم خبر ثان

стр. 92

قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) ﴿قال يا آدم أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم﴾ سمى كل شيء باسمه ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أعلم غيب السماوات والأرض﴾ أي أعلم ما غاب فيهما عنكم

стр. 93

مما كان ومما يكون ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ تظهرون ﴿وما كنتم تكتمون﴾ تسرون

стр. 94

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) ﴿وإذ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ﴾ أي اخضعوا له وأقروا بالفضل له عن أبي بن كعب وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان ذلك انحناء ولم يكن خروراً على الذقن والجمهور على أن المأمور به وضع الوجه على الأرض وكان السجود تحية لآدم ﵇ في الصحيح إذ لو كان لله تعالى لما امتنع عنه إبليس وكان سجود التحية جائزاً فيما مضى ثم نسخ بقوله ﵇ لسلمان حين أراد أن يسجد له لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا لله تعالى ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ الاستثناء متصل لأنه كان من الملائكة كذا قاله على وابن عباس وابن البقرة (٣٤ _ ٣٦) مسعود رضى الله عنهم ولأن الأصل أن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه ولهذا قال مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تسجد إذ أمرتك وقوله كان من الجن معناه صار من الجن كقوله فَكَانَ مِنَ المغرقين وقيل الاستثناء منقطع لأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بالنص وهو قول الحسن وقتادة ولأنه خلق من نار والملائكة خلقوا من النور ولأنه أبى وعصى واستكبر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ولا يستكبرون عن عبادته ولأنه قال أَفَتَتَّخِذُونَهُ وذريته أولياء من دونى ولا نسل للملائكة وعن الجاحظ أن الجن والملائكة جنس واحد فمن طهر منهم فهو ملك ومن خبث فهو شيطان ومن كان بين بين فهو جن ﴿أبى﴾ امتنع مما أمر به ﴿واستكبر﴾ تكبر عنه ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ وصار من الكافرين بإبائه واستكباره ورده الأمر لا بترك العمل بالأمر لأن ترك السجود لا يخرج من الإيمان ولا يكون كفراً عند أهل السنة خلافاً للمعتزلة والخوارج أو كان من الكافرين في علم الله أي وكان في علم الله أنه يكفر بعد إيمانه لا أنه كان

стр. 95

كافراً أبداً في علم الله وهي مسألة الموافاة

стр. 96

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) ﴿وقلنا يا آدم اسكن﴾ أمر من سكن الدار يسكنها سكنى إذا أقام فيها ويقال سكن المتحرك سكوناً ﴿أَنتَ﴾ تأكيد للمستكن في اسكن ليصح عطف ﴿وَزَوْجُكَ﴾ عليه ﴿الجنة﴾ هي جنة الخلد التي وعدت للمتقين للنقل المشهور واللام للتعريف وقالت المعتزلة كانت بستاناً باليمن لأن الجنة لا تكليف فيها ولا خروج عنها قلنا إنما لا يخرج منها من دخلها جزاء وقد دخل النبي ﵇ ليلة المعراج ثم خرج منها وأهل الجنة يكلفون المعروفة والتوحيد ﴿وَكُلاَ مِنْهَا﴾ من ثمارها فحذف المضاف ﴿رَغَدًا﴾ وصف للمصدر أي أكلاً رغداً واسعاً ﴿حيث شئتما﴾ وبابه بغير همز أبو عمرو وحيث للمكان المبهم أي أيَّ مكان من الجنة شئتما ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ أي الحنطة ولذا قيل كيف لا يعصي الإنسان وقوته من شجرة العصيان أو الكرمة لأنها أصل كل فتنة أو التينة ﴿فَتَكُونَا﴾ جزم عطف على تقربا أو نصب جواب للنهي ﴿مِنَ الظالمين﴾ من الذين ظلموا أنفسهم أو من الضارين انفسهم

стр. 97

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا﴾ أي عن الشجرة أي فحملها الشيطان على الزلة بسببها وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها أو فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما فأزالهما حمزة وزلة آدم بالخطأ في التأويل إما بحمل النهي على التنزيه دون التحريم أو بحمل اللام على تعريف العهد وكأن الله تعالى أراد الجنس والأول الوجه وهذا دليل على أنه يجوز إطلاق اسم الزلة على الأنبياء ﵈ كما قال مشايخ بخارى فإنه اسم الفعل يقع على خلاف الأمر من غير قصد إلى الخلاف كزلة الماشي في الطين وقال مشايخ سمرقند لا يطلق اسم الزلة على أفعالهم كما لا تطلق المعصية وإنما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا البقرة (٣٦ _ ٣٨) عليه ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم والكرامة أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في عنها وقد توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له أخرج منها فإنك رجيم لأنه منع عن

стр. 98

دخولها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء وروي أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية حتى دخلت به وقيل قام عند الباب فنادى ﴿وَقُلْنَا اهبطوا﴾ الهبوط النزول إلى الأرض والخطاب لآدم وحواء وإبليس وقيل والحية والصحيح لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما لانهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم حعلا كأنهما الإنس كلهم ويدل عليه قوله تعالى قال اهبطا منها جميعا ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ المراد به ما عليه الناس من التباغي والتعادي وتضليل بعضهم لبعض والجملة في موضع الحال من الواو في اهبطوا أي اهبطوا متعادين ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع استقرار أو استقرار ﴿ومتاع﴾ وتمتع بالعيش ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى يوم القيامة أو إلى الموت قل إبراهيهم بن أدهم أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً

стр. 99

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) ﴿فتلقى آدم مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها وبنصب آدم ورفع كلمات مكي على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به وهن قوله تعالى ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن أحب الكلام إلى الله تعالى ما قاله أبونا آدم حيث اقترف الخطيئة سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال يا رب ألم تنفخ فيَّ من روحك ألم تسبق رحمتك غضبك ألم تسكنى جنتك وهو تعالى يقول بلى بلى قال فلم أخرجتني من الجنة قال بشؤم معصيتك قال تبت أراجعي أنت إليها قال نعم ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فرجع عليه بالرحمة والقبول واكتفى بذكر توبة آدم

стр. 100

لأن حواء كانت تبعاً له ولقد طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب﴾ الكثير القبول للتوبة ﴿الرحيم﴾ على عباده

стр. 101

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) ﴿قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ حال أي مجتمعين وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد أو لأن الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض أو لما نيط به من زيادة قوله ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ أي رسول أبعثه إليكم أو كتاب أنزله عليكم بدليل قوله تعالى ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا﴾ في مقابلة قوله ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ أى بالقبول والإيمان به البقرة (٣٨ _ ٤١) ﴿فلا خوف عليهم﴾ فى المستقبل فلا خوف بالفتح فى كل القرآن ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك فلا خوفَ بالفتح في كل القرآن يعقوب.

стр. 102

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أولئك﴾ مبتدأ والخبر ﴿أصحاب النار﴾ أي أهلها ومستحقوها والجملة في موضع الرفع خبر المتبدأ أعني والذين ﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾

стр. 103

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) ﴿يا بني إسرائيل﴾ هو يعقوب ﵇ وهو لقب له ومعناه في لسانهم صفوة الله أو عبد الله فإسرا هو العبد أو الصفوة وإيل هو الله بالعبرية وهو غير منصرف لوجود العليمة والعجمة ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ذكرهم النعمة أن لا يخلوا بشكرها ويطيعوا مانحها وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق ومن العفو عن اتخاذ العجل والتوبة عليهم وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد ﷺ المبشر به فى التوراة والإنجيل ﴿وأوفوا﴾ أدواوافيا تاماً يقال وفيت له بالعهد فأنا وافٍ به وأوفيت له بالعهد فأنا موف به والاختيار أوفيت وعليه نزل التنزيل ﴿بِعَهْدِي﴾ بما عهاد تمونى عليه من الإيمان بي والطاعة لي أو من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بما

стр. 104

عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم والعهد يضاف إلى المعاهد والعاهد جميعاً وعن قتادة هما لئن أقمتم ولأكفرن وقال أهل الإشارة أوفوا في دار محنتي على بساط خدمتي بحفظ حرمتي أوف في دار نعمتي على بساط كرامتي بسرور رؤيتي ﴿وإياى فارهبون﴾ فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك زيدا رهبته وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد وإيّايَ منصوب بفعل مضمر دل عليه ما بعده وتقديره فارهبوا إياي فارهبون وحذف الأول لأن الثاني يدل عليه وإنما لم ينتصب بقوله فارهبون لأنه أخذ مفعوله وهو الياء المحذوفة وكسرة النون دليل الياء كما لا يجوز نصب زيد فى زيدا فاضربه باضرب الذى هو ظاهر

стр. 105

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) ﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ يعنى القرآن ﴿مصدقا﴾ حال مؤكد من الهاء المحذوفة كأنه قيل أنزلته مصدقاً ﴿لِّمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة يعني في العبادة والتوحيد والنبوة وأمر محمد ﵇ ﴿وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي أول من كفر به أو أول حزب أو فوج كافر به أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته والضمير في به يعود إلى القرآن ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ﴾ ولا تستبدلوا البقرة (٤١ _ ٤٥) ﴿بآياتي﴾ بتغييرها وتحريفها ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ قال الحسن هو الدنيا بحذافيرها وقيل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم خافوا عليها الفوات لو اتبعوا رسول الله ﴿وإياى فاتقون﴾ فخافوني فارهبوني فاتقوني بالياء في الحالين وكذلك كل ياء محذوفة في الخط يعقوب

стр. 106

وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ لبس الحق بالباطل خلطه والباء إن كانت صلة مثلها في قولك لبست الشئ بالشئ خلطته به كان المعنى ولا تكتيوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذى كتبتم حتى لايميز بين حقها وباطلكم وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك

стр. 107

كتبت بالقلم كان المعنى ولا تجعلوا الحق ملتبساً مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ هو مجزوم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا أو منصوب بإضمار أن والواو بمعنى الجمع أي ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كقولك لا تأكل السمك وتشرب اللبن وهما أمران متميزان لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس منهما وكتمانهم الحق أن يقولوا لانجد في التوراة صفة محمد أو حكم كذا ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في حال علمكم أنكم لابسون وكاتمون وهو أقبح لهم لأن الجهل بالقبيح ربما عذر مرتكبه

стр. 108

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ أي صلاة المسلمين وزكاتهم ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ منهم لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم أي أسملوا وعملوا عمل أهل الإسلام وجاز أن يراد بالركوع الصلاة كما يعبر عنا بالسجود وأن يكون أمر بالصلاة مع المصلين يعني في الجماعة أي صلوها مع المصلين لا منفردين

стр. 109

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) والهمزة في ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس﴾ للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم ﴿بالبر﴾ أي سعة الخير والمعورف ومنه البر لسعته ويتناول كل خير ومنه قولهم صدقت وبررت وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد ﵇ ولا يتبعونه وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون وإذا أتوا بالصدقات ليفرقوها خانوا فيها ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ وتتركونها من البر كالمنسيات ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ تبكيت أى تتلون التوراة وفيها نعت محمد ﵇ أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أفلا تفطنون لقبيح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وهو توبيخ عظيم

стр. 110

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) ﴿واستعينوا﴾ على حوائجكم إلى الله ﴿بالصبر والصلاة﴾ أي بالجمع
следующие страницы →