← Акыда

Акыда · id 1395

أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب - ت الجوابرة

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (178 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة المحقق] أصول الإيمان مقدمة المحقق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا كتاب "أصول الإيمان" للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، اقتصر فيه على ذكر أحاديث رسول اللَّه ﷺ في أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة. وهذا الكتاب من الكتب المهمة في بيان منهج أهل السنة والجماعة في التحذير من الشرك الذي وقعت فيه معظم الأمة الإسلامية للأسف الشديد، وفيه مباحث كثيرة لبيان هذا النهج العظيم الذي غفل عنه - بل جهله - الكثير من الناس، حتى الدعاة إلى اللَّه ، الذين لا هم لهم إلا الاشتغال بالسياسة والسياسيين والسب والقذف! فتركوا الاشتغال بالأهم وهو معرفة اللَّه وتوحيده الذي قضى فيه الرسول ﷺ ثلاثة عشر عاما وهو يدعو إليه في مكة ولم يدع إلى غير التوحيد، بل كان أصحابه يقتلون ويضربون وهو لا

стр. 2

يملك إلا أن يصبرَهم، بل يقول لهم: «صبرا آل ياسر فإنَّ موعدكم الجَنَّة» (١) ولم يأمرهم بالانتقام ولا بالجهاد ولا بالقتال. فيجب على الدعاةِ في هذا العصر الاهتمام بتعليم الناس توحيد اللَّه ، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، كما كان عليه السلف الصالح، ولن يَصْلحَ آخر هذه الأمة إلا بما صَلحَ أوَّلها. وقد سلكت في تحقيق هذا الكتاب الخطوات التالية: ١ - اعتمدت في التَّحقيقِ على النسخة المطبوعة التي قام الشيخ إسماعيل الأنصاري، والشيخ عبد اللَّه بن عبد اللطيف آل الشيخ بِمقابلتها على مخطوطاتها، وقد اعتمدا على ثلاث نسخ من المخطوطات، فجزاهما اللَّه خيرا. ٢ - خرجت الأحاديث التي وردت في الكتاب تخريجا موسَّعًا، ثم رأيت أن أقتصر في الأحاديث التي خرجها الإمام البخاري أَو مسلم بالاقتصار عليهما، أما إن كان الحديث خارج " الصحيحين" فأتوسع في التخريج. ٣ - ذكرت درجة كل حديث من حيث الصحة والحسن والضعف- إن كان الحديث خارج " الصحيحين "- فإذا كان في " الصحيحين " أو في أحدهما لا أذكر الحكم عليه؛ لأنَّ وجود الحديث في أحدهما أو كليهما هو حكم بصحَّته.

стр. 3

٤ - عَنْوَنْت للأحاديث التي ذكرها المصنِّف ﵀؛ لأنّه لم يعَنْوِنْها جميعا وإِنّما ذكر بعض الأبواب فقط، ووضعت العنوان المضاف بين معكوفتين. ٥ - شرحت الأحاديث التي رأيت أنها بحاجة إِلى شرحٍ باختصارٍ، معتمدا في ذلك على كتب الأئمةِ السابقين والعلَماءِ المعروفين. ٦ - رقمت الأحاديث ترقيما تسلسليّا. ٧ - عَزَوْت الآيات إِلى مواضعها من السور بذكر اسم السورة ورقم الآية. ٨ - كتبت ترجمة مختصرة للإمام محمد بن عبد الوهاب، وعن دعوته الإصلاحية، وسبب تشويه هذه الدعوة لدى العامة. وأَخيرا: فهذا: عملي المتواضع، راجيا من اللَّه العلي القدير أَن يكون خالصا لوجههِ الكريم. وأَرجو من كلِّ أخ محب يقرأ هذا الكتاب أَن يدعو بالخير لمن طبعه وحققه وكان سببا في نشره بهذا الثوب القشيب. وآخر دعوانا أَنِ الحمد لله رب العالمين. وصَلَّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أَجمعين. وكتبه د. باسم فيصل الجوابرة عمان- عين الباشا الأردن

стр. 4

[ترجمة موجزة عن المؤلف] [اسمه ونسبه ومولده ونشأته وطلبه للعلم] اسمه ونسبه ومولده ونشأته هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أَحمد بن راشد التميمي. ولد سنة ١١١٥ هـ الموافقة سنة ١٧٠٣ م في بلدة العيَينة الواقعة شمال الرياض، ونشأ في حِجْر أبيه في تلك البلدة. وقد ظهرت عليه علامات النَّجابة والفطنة في صغره؛ فقد حفظ القرآن الكريم قبل بلوغ العاشرة وبلغ الاحتلام قبل إتمام الاثنتي عشرة سنة، قال أبوه: رأيته أهلا للصلاة بالجماعة، وزوَّجته في ذلك العام. طلبه للعلم درس على والده الفقهَ الحنبلي والتفسيرَ والحديثَ، وكان في صغره مكِبًّا على كتب التفسير والحديث والعقائد، وكان كثير الاعتناء والمطالعة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذهِ العلَّامة ابن القَيِّم. [رحلاته] رحل إِلى مكة قاصدًا حج بيت اللَّه الحرام، ثم زار مسجدَ رسول اللَّه

стр. 5

صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم، والتقى هناك بعلماءِ المدينة النّبويَّة، واستفاد منهم، ثم رحل إِلى البصرة فأقام فيها مدة درَس العلم فيها على جماعة من العلماء، ثم رحل إِلى نجد مرورا بالأحساء، وفي رحلته الطويلة هذه رأى الشيخ بثاقب نظره ما بنجد والأقطار التي زارها من العقائد الضالّة والعادات الفاسدة، فصمّم على القيام بالدعوة إِلى التوحيد ونبذ الخرافات والشِّركِيات، فعندما زار المدينة كان يسمع الاستغاثات الشركيَّةَ برسول اللَّه ﷺ ، ودعاءه من درن اللَّه. وقد كانت نجد مرتعا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتناقض وأصول الدين الصحيحة، فقد كان فيها بعض القبور التي تنسب إِلى بعض الصحابة؛ يحج الناس إِليها، ويطلبون منها حاجاتهم، ويستغيثون بها لدفع كروبهم. وأَغرب من ذلك توسلهم في بلدة منفوحة بفحل النخل واعتقادهم أَن من تؤمّه من العَوَانِسِ تتزوج!! فكانت من تقصده تقول: " يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول "!! ورأَى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة وأَهل البيت رضوان اللَّه عليهم أَجمعين والرسول ﷺ ما لا ينبغي إلا مع رب الأَرباب. كما رأَى في البصرة - وسمع عن العراق والشام ومصر واليمن - من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل ولا يقره الشرع، ووزن تلك الأفكار المنكرة بميزان الوحيين، كتاب اللَّه وسنّة الرسول الأمين ﷺ ، وسيرة أصحابه المتقين؛ فراها بعيدة عن منهج الدين وروحه، ورأى فاعليها لم

стр. 6

يعرفوا لماذا بعث اللَّه الرسل؟ ولماذا بعث اللَّه محمدا ﷺ للناس كافة؟ ورأى أنهم لم يعرفوا حالة الجاهلية وما كان فيها من الوثنية الممقوتة، رآهم غيروا وبدلوا أصول الدين وفروعَه إلا القليل. [بدء دعوة الشيخ الإصلاحية] بعد أَن ثبت وتحقَّق لديه حالتهم السيئة في دينهم ودنياهم، وأيقن أنهم قد أَدخلوا في أصول الإسلام العليا ما يأباه القرآن وتأباه السنة، قوى عقيدتَه بخطئهم وركونهم إِلى البدع ما جاء في السنة بأن المسلمين لا بد أن يغيروا، وأن يسلكوا مسالك الذين قبلهم كالحديث الصحيح (١) «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه. . .» ، وحديث «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» (٢) . حينئذٍ صمّم الشيخ أَن يعلن لقومه بأنهم قد ضلوا الطريق السوي، وزاغوا عن منهج الصواب. وقد ابتدأ الشيخ ﵀ دعوته، يبين لهم أن لا يدعى إِلَّا اللَّه، ولا يذبح ولا ينذر إلا له. ومن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار الاستغاثة بها وصرف النذور إليها، واعتقاد النفع والضر، فبين أَن ذلك كله ضلال وزور، وبأنهم في حالة لا ترضي اللَّه، فلا بد من نبذ ذلك وردِّه.

стр. 7

وعزز كلامه بالآيات من كتاب اللَّه، وأقوال الرسول ﷺ وأَفعاله، وسيرة أَصحابه رضوان اللَّه عليهم أجمعين. [عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة اللَّه عليه ومقتطفات من رسائله وعقائده] عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة اللَّه عليه عقيدة الشيخ هي كعقيدة السلف الصالح، وهي ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المهتدون؛ كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسفيان الثوري وسفيان بن عيَيْنة وابن المبارك والبخاريِّ ومسلم وأَبي داود وسائر أهل " السنَنِ " وأمثالهم ممن تبعهم من أهل الفقه والأثر كالأشعري وابن خزيمة وتقي الدين بن تيمية وابن القيم والذهبي - وغيرهم- رحمهم اللَّه تعالى جميعا. نقول من رسائله وعقائده فمن تلك الرسائل ما كتبه لأهل القصيم: قال ﵀ بعد البسملة: " أشهد اللَّه ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أَني أَعتقد ما يعتقده أهل السنَّة والجماعة من الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره. ومن الإيمان باللَّه؛ الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أَعتقد أن اللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف ولا أمثّل صفاته

стр. 8

بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سَمي له ولا كيف ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأَصدق قيلا، وأحسن حديثا، منزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، ففال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالفرقة النَّاجِيَة وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم وسط في باب وعيد اللَّه، بين المرجئة والوعيدية. وهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية. وهم وسط في باب أصحاب رسول اللَّه ﷺ بين الروافض والخوارج. وأعتقد أن القرآن كلام اللَّه، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، نبينا محمد ﷺ . وأومن بأن اللَّه فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته شيءٌ، وليس شيءٌ في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. وأعتقد بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. وأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم النَّاس

стр. 9

لرب العالمين، حفاة، عراة، غرلا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ وتنشر الدواوين، فآخِذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله. وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدْرِ أَعمالهم. وأومن بشفاعة النبي ﷺ ، وأنه أول شافعٍ وأول مشفع. ولا ينكر شفاعةَ النبي إِلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله. وأما المشركون فليس لهم في الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وأومن بأن الجَنَّة والنَّار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا

стр. 10

تفنيان. وأن المؤمنين يرون ربَّهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته. وأومن بأن نبينا محمَّدا ﷺ خاتم النَّبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهدَ بنبوته. وأفضل أمَّته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة - أهل بيعة الرضوان - ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولَّى أَصحابَ رسول اللِّه، وأَذكر محاسنَهم وأَستغفر لهم وأَكف عن مساوئهم، وأَسكت عمَّا شجر بينهم، وأَعتقد فضلَهم، عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وأترضّى عن أمَّهات المؤمنين المطهرات من كل سوء. وأقرّ بكرامات الأولياء إلا أنهم لا يستحقون من حق اللَّه شيئا كالاستغاثةِ، والنذر، والمَدَد، والاستعانة، والذبح. ولا أَشهد لأَحد من المسلمين بجنَّة ولا نار إلّا من شهد له رسول اللَّه ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء. ولا أكفّر أحدا من المسلمين بذنبه، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.

стр. 11

وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أم فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة. والجهاد ماضٍ منذ بعث اللَّه محمدا ﷺ إِلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجالَ؛ لا يبطله جور جائرٍ ولا عدل عادلٍ. وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين؛ برهم وفاجرهم مما لم يأمروا بمعصية اللَّه. ومَنْ ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحَرمَ الخروج عليه. وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأَحكم عليهم بالظاهر وأَكل سرائرهم إلى اللَّه. وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توحيه الشريعة المحمدية الطاهرة. فهذه عقيدةٌ وجيزة حررّتها وأنا مشتغل البال لتطَّلعوا على ما عندي. واللَّه على ما نقول وكيل ".

стр. 12

قلت: فهذه عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذه الرسالة نقلتها بكاملها؛ لأنها عقيدة أهل السنّة والجماعة دون نقص أَو زيادة، وفيها مِن الفوائدِ العظيمةِ الشيء الكثير. ويجب على كل مسلم أن يعتقد هذه العقيدة، ومن لم يعتقد هذا المعتقد الصحيح السليم فهو ليس من أهل السنَّة والجماعة، بل نخشى عليه من الضلال والزيغ. [الأسباب والدوافع التي أدت إلى عداء ومناهضة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب السلفية الإصلاحية] ١ - لعلَّ من أبرز الأسباب التي أدّت إلى تشنيع الخصوم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب أثناء ظهور الدعوة السلفية- تأْليفا وواقعا- هو ما كان عليه أولئك الخصوم وكثير من المنتسبين إلى الإسلام من الضلال والغي، والبعد عن الصراط المستقيم. ولقد وصل حال كثيرٍ من المسلمين- قبيل ظهور دعوة الشيخ الإمام- إِلى أَحط الدركات في الضلال وفساد الاعتقاد؛ حيث عمّ الجهل وطغى، فعبد غالب المسلمين ربّهم بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير، فظهرت البدع والشركيات بمختلف أنواعها، وصارت هذه الأمور الشركية والمحدثات البدعية من العوائد والمألوفات التي هرم عليها الكبير وشبَّ عليها الصغير، فانعكست الموازين وانقلبت الحقائق وأصبح الحق باطلا والباطل حقا. ٢ - وهناك سببٌ ثان لهذا التحامل والمعاداة للدعوة السلفية، وهو ما

стр. 13

ألصِق بهذه الدعوة ومجددها وأنصارها من التهم الباطلة والأكاذيب والمفتريات، فقد أصاب هذه الدعوةَ منذ بدء ظهورها حملة مكثفة شنيعة عمّت البلاد والعباد، فلقد أَلصَقَ بعض أدعياء العلم في هذه الدعوة السلفية ما ليس منها! فزعموا أنها مذهب خامس! وأنهم خوارج يستحلّون دماء وأموال المسلمين! وأن صاحبها يدعي النبوة وينتقد الرسول ﷺ !!! إِلى آخر تلك المفتريات. ومما يؤسَف له أن الكثير من العوام يتلقّف هذا الإفك والبهتان عن أولئك المفترين والوضاعين دون أَدْنى تثبتٍ أو تحرٍّ في النقل، بل عمدته في ذلك مجرد التقليد الأعمى! ومما يجدر ذكره- هاهنا- أن بعض الخصوم قد استغلّ ما وقع فيه شرذمة من الأعراب المتحمّسين، - وفي فترةٍ محدودةٍ - ممن تابع هذه الدعوة من التشدد والجفاء، فحكموا بغيا وعدوانا على جميع أَتباع هذه الدعوة، وعلى مر الأزمان بهذا الحكم الجائر، فرموهم أيضا بالتشددِ والجفاء. ٣ - وسببٌ ثالث أدى إِلى عداء الدعوة السلفية هو النزعات السياسية والحروب التي قامت بين أتباع هذه الدعوة وبين الأتراك من جهة، وبين أتباع هذه الدعوة والأشراف (!) من جهة أخرى: يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر سياسي محض كان لتنفير المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز، وخوف الترك مِن أن يقيموا دولة عربية، ولذلك كان الناس يَهِيجون

стр. 14

عليهم تبعا لسخط الدولة، ويسكتون عنهم إذا سكنت ريح السياسة. ويوضح الشيخ محمد رشيد رضا آثار العداء السياسي بين بعض كبار أهل مكة وساستها وأنصار هذه الدعوة، فكان مما أشار إليه أن هؤلاء قد أصدروا عدة منشورات في جريدة القبلة سنة ١٣٣٦ هـ وسنة ١٣٣٧ هـ، تضمّنت رَمْيَ الوهابيين بالكفر وقذفَهم بتكفير أَهل السنة والطعن بالرسول وغير ذلك من الأكاذيب والافتراءات. وكان بعض أهل دمشق وبيروت يتقربون إِلى هؤلاء الكبار- وهم من العلمانيين والقوميين- بطبع الرسائل في تكفيرهم ورميهم بالأكاذيب، ثم سرى ذلك إلى مصر، وظهر له أثرٌ في بعض الجرائد. ٤ - وهناك سبب رابع أدى إِلى تراكم المؤلفات المعادية للدعوة السلفية؛ وهو دفاع هؤلاء الخصوم- وبالأخص الصوفية والرافضة - عن معتقداتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة؛ فإنه لما غلب على حال كثير من المسلمين ظهور الشركيات، وانتشار البدع، واستفحال الخرافات، والغلوّ في الأموات، والاستغاثة بهم، وظهور تشييد المشاهد، وإقامة المزارات على القبور، وزخرفتها وتزيينها وصرف الأموال الطائلة عليها: قامت ضدَّ ذلك كله دعوة الشيخ ﵀. ولقد وجد هؤلاء المتصوفة والرافضة في هذا الواقع مرتعا خصبا لبثِّ سمومهم العقدية، فلمَّا بدت أنوار هذه الدعوة تكشف غياهب الظلام، وتزيل أدران الشرك ونجاساته، وتدعو الناس إِلى تحقيق التوحيد بصفائه ونقائه

стр. 15

أدرك الخصوم أن ظهور هذه الدعوة السلفية نذير بزوال عقائدهم الباطلة، فحشد أولئك الخصوم قواهم، وانبروا في التشنيع بهذه الدعوة وأنصارها، وهم أثناء تشنيعهم يذكرون معتقدهم الصوفي أو الرافضي وغيرهما، ويزيِّنونه للناس ويزعمون أنه الحق! فنجد هؤلاء الصوفية أثناء ردهم على الدعوة السلفية يتبجَّحون بصوفيتهم، ويفتخرون بانتسابهم إِلى الطرق الصوفية، ويدافعون عن التصوف وأدعيائه. والرافضة أثناء مناهضتهم للدعوةِ السلفية يدافعون بكل ما عرف عنهم من كذب وقلب للحقائق عن معتقدهم. ونوضح ذلك بما حدث منهم لما كتب علماء المدينة النَّبويَّة سنة ١٣٤٤ هـ الفتوى حول تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وأجابوا بالحق الذي تعضده الأدلة، فلما ظهرت هذه الفتوى وتم العمل بموجبها وأزيلت القباب والأبنية على القبور، عندئذ قام علماء الرافضة وضجوا وسودوا الصحائف والأوراق في الطعن على هذه الفتوى، والنعيِ للمسلمين على زوال تلك القباب والمزارات!! هذه بعض الأسباب الظاهرة لشدة عداوة الخصوم للدعوة السَّلفيَّة- أَيَّام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - وكثرة المؤلَّفات المناوئة لهذه الدعوة الصادقة الحقة.

стр. 16

[تسمية الدعوة بالوهابية] أَمَّا بالنسبة إِلى كلمة الوهابية؛ فإِنَّ الكثير من الخصوم أطلقوا هذا اللقب على أتباع الدعوة السلفية ويريدون بذلك توهيم الناس أَن الوهابية مذهب جديد أو مستقل عن سائر المذاهب الإسلامية، لذا فإِنَّ الأَصلَ التحاشي من هذا اللّقَبِ، واجتناب ذكرهِ. ومن معاملة اللَّه لهم- أي: خصوم الدعوة- بنقيض قصدهم: أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمَّهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول ﷺ كما زعموا! فلقد صار هذا اللقب الآن- بحمد اللَّه- عَلَما على كلِّ من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإِلى الأخذ بالدليل وإِلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة البدع والخرافات والتمسك بمنهج السلف الصالح ﵃. [مفتريات ألصقت بدعوة الشيخ مع الدحض لها] وَلقد ألصقت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة اللَّه عليه مفتريات كثيرة، وصدَّقها كثير من الناس، حتى شوّهت هذه الدعوة المباركة فأصبح معنى الوهابي عند الناس الجهلة أنه يكره رسول اللَّه ﷺ !! وأنه مذهب خامس!! وأنه ينكر كرامات الأولياء!! وأنه يكفر المسلمين ويستبيح دماءَهم وغير ذلك من المفتريات. . . وسأورد هاهنا عددا منها مع الردِّ عليه.

стр. 17

الفرية الأولى: الافتراء على الشيخ بأَنه ينتقص الرسول ﷺ ! أَو يكرهه! أَو لا يحب الصلاةَ عليه!! قلت: إِن الكتب التي بين أيدينا من مؤلفات هذا العالم تثبت أن هذا افتراء مبين على الشيخ، بل هو مِن أكثر الناس في عصره تعظما وحبا وإجلالا لرسول اللَّه ﷺ . يقول الشيخ في أحد كتبه التي أرسلها إِلى عبد الرحمن السويدي - أحد علماء العراق - مجيبا عن هذه الافتراءات: " يا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟ " . ومما كتبه ابن الشيخ عبد اللَّه ذاكرا هذه المفتريات ثم معقبا عليها: " ومَن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق معنا علم قطعا أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين؛ تنفيرا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك ". ثم قال: " والذي نعتقده أن مرتبَة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه. وتسَن زيارته إلا أنه لا يشَدّ الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإِذا

стр. 18

قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومَن أنفق أوقاته بالاشتغالِ بالصلاة عليه ﷺ الواردةِ عنه فقد فاز بسعادة الدارين. قلت: هذه عقيدة الشيخ وأتباعه في سيدنا محمد ﷺ سيد ولد آدم، وكل من يقول غير ذلك فهو كاذب مفْترٍ. الفرية الثانية: فرية إنكار كرامات الأولياء! ومن الافتراءات التي ألصقت بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه ينكر كرامات الأولياء. قلت: إِن الشيخ ﵀ لا ينكر كرامات الأولياء كما زعموا، بل يثبت هذه الكرامات بشرط أن يكون وليّا حقيقيّا صحيحا- والولي هو المتبع للكتاب والسنة- مبتعدا عن البدع والخرافات، والشرط الثاني أن كرامة الأولياء هي في حياتهم وليس بعد مماتهم، وأن الميت يَحْتاج بعد موته إِلى دعاء الأحياء، وليس العكس. وهذه العقيدة في الأولياء هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ولم يخالفهم الشيخ في ذلك. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحد كتبه في إثبات كرامات الأولياء: " وأقرّ بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلّا أنهم لا يستحقون من حق اللَّه تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلَّا اللَّه ".

стр. 19

ويقول أيضا: " والواجب علينا حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين اللَّه وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالين، وحق بين باطلين". ويؤكد أَتباع الدعوة من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الاعتقاد ويقِرونه: يقول أحد أتباع الشيخ ﵀: وكذلك حق أوليائه محبتهم والترضي عنهم والإيمان بكرامتهم لا دعاؤهم ليجلبوا لمن دعاهم خيرا لا يقدر على جلبه إلا اللَّه تعالى، أو ليدفعوا عنهم سؤالا يقدر على دفعه إلا هو ؛ فإن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس، هذا إذا تحققت الولاية أو رجيت لشخص معين؛ كظهور اتباع سنة وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان مَن أطال سبحَتَه، ووسع كمه، وأسبل إزاره، ومد يده للتقبيل ولَبِسَ شكلاَ مخصوصا، وجمع الطْبولَ والبيارق وأكل أموالَ عباد اللَّه ظلما وادعاء، ورغب عن سنة المصطفى ﷺ وأحكام شرعه!!! ". ويقول ابن الشيخ محمد - واسمه عبد اللَّه -: " ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أَنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم ".

стр. 20

هذه نصوص من كلام الشيخ وأتباعه تثبت أن الشيخ يقِر بكرامات الأولياء، ولا ينكرها، ولكنَّه- ﵀ ينكر الاستغاثة بهم وطلب الحاجة منهم وصرف العبادة لهم من دون اللَّه . وهذه عقيدة أهل السنَّة والجماعة ولم يخالفهم الشيخ في ذلك. الفرية الثالثة: إن من أَشدِّ الشبهات التي أثيرت على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ شبهة تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وجواز قتالهم! لقد بلغت هذه الفرية الخاطئة الشيخَ الإمامَ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فتعددت ردوده وأجوبته عليها؛ لأن فرية تكفير المسلمين واستباحة دمائهم قد شاعت وذاعت في غالب بلاد المسلمين وانتشرت انتشار النَّار في الهشيم، فقد حرص الشيخ ﵀ على تأكيد هذه الردود، وإعلان براءته مما ألحق به، فأرسل هذه الردود إِلى مختلف البلاد: فقال في إِحدى رسائله: " وأما ما ذكره الأعداء عن أنّي أكفّر بالظن وبالموالاة أو أكفِّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين اللَّه ورسوله ". ويقول في رسالة أخرى ردّا على بعض المفتَرين: " وكذلك تمويهه على الطَّغَام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر. نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! بل نشهد اللَّه على ما يعلمه من قلوبنا بأنَّ من

стр. 21

عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفّر من أشرك باللَّه في ألوهيته بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك ". يقول أحد تلاميذ الشيخ رحمة اللَّه عليه: " والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفا وإِحجاما عن إطلاق الكفر حتى إِنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير اللَّه من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها ". ويقول أيضا في مكان آخر عن معتقد الشيخ في مسألة التكفير: ". . . فإنه لا يكفّر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات اللَّه ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير مَنْ عبد الصالحين ودعاهم مع اللَّه، وجعلهم أَندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإِلهيَّة ". ويقول أيضا: " كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يعلم أنَّه من أعظم الناس إجلالا للعلم والعلماء، ومن أشدّ الناس نهيا عن تكفيرهم وتنقيصهم وأذيّتهم، بل هو ممّن يدِينون بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم. والشيخ ﵀ لم يكفّر إلا من كفَّره اللَّه ورسوله، وأجمعت الأمَّة على كفره، كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين ". هذه بعض النقولِ عن الشيخ وأتباعه في مسألة تكفير المسلمين.

стр. 22

ويظهر من هذه النقولِ الجليةِ براءة الشيخ وكذا أَتباعه وأنصار دعوته من مفتريات وأكاذيب الخصوم في مسألة التكفير. ومَن طالع كتبهم وقرأ رسائلهم تبين له صحّة معتقدهم وسلامة فهمهم لمسألة التكفير، وأَن اعتقادهم فيها هو عين اعتقاد السلف الصالح. [وفاته] ﵀ وبعد حياةٍ مليئةٍ بالعلمِ، والجهادِ، والدعوةِ إِلى اللَّه سبحانه، توفّي الشيخ- ﵀ في بلدة الدرعيّة سنة (١٢٠٦ هـ) . نسأَل اللَّهَ له الرحمةَ والرضوان، وأن يجمَعنا وإيَّاه في غرف الجِنانِ، برحمةِ ربِّنا العظيمِ المنَّان (١) .

стр. 23

[باب معرفة اللَّه والإيمان به] [رد الشرك] ١ - باب معرفة اللَّه والإيمان به [رد الشرك] ١ / - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «قال اللَّه تعالى: أنا أغْنى الشركاءِ عن الشِّركِ، من عملَ عملا أشركَ فيه معِي غيري تَركْته وشركَه» . رواه مسلم. ــ ١ - رواه مسلم كتاب الزهد (٤ / ٢٢٨٩) (رقم ٢٩٨٥) . الشرك باللَّه ينقسم إِلى قسمين: شركٌ أكبر، وهو أعظم الذنوب؛ لأن اللَّه تعالى أخبر أنه لا يغفر إلا بالتربة منه؛ فمن هذا الشرك: دعاء غير اللَّه والاستغاثة بغير اللَّه والذبح لغير اللَّه والنذر لغير اللَّه. والقسم الآخر من الشرك: الشرك الأصغر ومنه: الرياء، والحلف بغير اللَّه، وقول الرجل: ما شاء اللَّه وشئت، وقوله: ما لي إلا اللَّه وأنت، وأنا متوكل على اللَّه وعليك. يقول الشيخ المصنِّف ﵀ في " كتاب القواعد الأربعة ": اعلم أرشدك اللَّه لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد اللَّه وحده مخلصا له الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فإذا عرفت أن اللَّه خلقك لعبادته فاعلم أَنَّ العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أَنَّ الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة، فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النَّار، عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك لعل اللَّه أَنْ يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك باللَّه، الذي قال اللَّه تعالى فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها اللَّه تعالى في كتابه: القاعدة الأولى: أَن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول اللَّه ﷺ مقِرون بأن اللَّه تعالى هو الخالق المدبِّر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام. والدليل قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ القاعدة الثانية: أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إِليهم إِلا لطلب القربة والشفاعة. فدليل القربة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبة: فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير اللَّه فيما لا يقدر عليه إلا اللَّه. والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ والشفاعة المثبة: هي التي تطلب من اللَّه، والشافع مكرمٌ بالشفاعة، والمشفوع له من رضي اللَّه قوله وعمله بعد الإذن، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ القاعدة الثالثة: أن النبي ﷺ ظهر على أناسٍ متفرقين في عبادتهم؛ منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر وقاتلهم رسول اللَّه ﷺ ولم يفرق بينهم. والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ودليل الشمس والقمر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فصلت: ٣٧] . ودليل الملائكة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ ودليل الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ودليل الصالحين قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ وحديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع النبي ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرةٌ يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول اللَّه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» ، الحديث (١) . القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين، لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائمٌ في الرخاء والشدة. والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾

стр. 24

[إن اللَّه لا ينام] ٢ - وعن أبي موسى ﵁ قال: «قام فينا رسول اللَّه ﷺ بخمس كلمات فقال: "إنَّ اللَّه تعالى لا ينام ولا ينبَغِي له أنْ ينامَ، يخْفِض القِسطَ ويرفَعه، يرفع إليه عمَل الليلِ قبل عملِ النَّهارِ، وعمل النهارِ قبل عملِ اللَّيلِ، حِجابه النور، لو كشَفه لأَحرقتْ سبحات وجهِهِ ما انْتَهى إليهِ بصره من خَلْقِهِ» . رواه مسلم. ــ ٢ - رواه مسلم كتاب الإيمان (١ / ١٦١) (رقم: ١٧٩) . قال البغوي: قوله ﷺ : «يخفض القسط ويرفعه» فيل: أراد به الميزان كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي: ذوات القسط وهو العدل، وسمّى الميزان قسطا لأن العدل في القسمة يقع به، وأراد أَنَّ اللَّه يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرفوعة إليه وبما يوزن من أرزاقهم النازلة من عنده. . . وقيل: أراد بالقسط الرزق الذي هو قسط كل مخلوقٍ يخفضه مرة فيقتره، ويرفعه مرة فيبسطه، يريد أنه مقدر الرزق وقاسمه كما قال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وقوله: سبحات وجهه، أي: نور وجهه. قال الخطابي: ومعنى الكلام أنَّه لم يطلع الخلق من جلال عظمته إلا على مقدار ما تطقه قلوبهم وتحتمله قواهم، ولو أطلعهم على كنه عظمته لانخلعت أفئدتهم وزهقت أنفسهم، ولو سلَّط نوره على الأرض والجبال لاحترقت وذابت كما قال في قصة موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾

стр. 25

[إثبات أَنَّ لله يمينا] ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «يمين اللَّه ملأى (١) لا تغيضها (٢) نفقة، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض ".» أخرجاه. ــ ٣ - رواه البخاري كتاب التفسير (٨ / ٣٥٢) (رقم ٤٦٨٤) ، وفية زيادة، وكتاب التوحيد (١٣ / ٣٩٣) (رقم ٧٤١١) ، ومسلم كتاب الزكاة (٢ / ٦٩٠) (رقم ٩٩٣) . وكل من أخرج الحديث أخرجه بالياء إلا في " صحيح البخاري كتاب التفسير وفي " الشرح " ذكرها بالياء، وأما في كتاب التوحيد في الموضعين فقد ذكرها بالياء. لا يغيضها: أي لا ينقصها، من غاض الماء إذا ذهب في الأرض. سحاء: السح: الصب الدائم، أي: دائمة العطاء. ويدل الحديث - مع إثباته صفة اليمين لله - على زيادة الغنى وكمال السعة والنهاية في الجود والبسط في العطاء.

стр. 26

[علم اللَّه سبحانه] ٤ - وعن أبي ذرّ ﵁ قال: «رأى رسول اللَّه ﷺ شاتَينْ ينْتَطِحانِ فقال: " أتدري فيم يَنْتَطِحَان يا أبا ذر؟ "، قلت: لا، قال: " لكِنِ اللَّه يدري وَسَيحكم بينهمَا» . رواه أحمد. ــ ٤ - رواه أحمد (٥ / ١٦٢) : ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سليمان عن منذر الثوري عن أشياخ لهم عن أبي ذر. ورواه عن ابن معاوية ثنا الأَعمش عن منذر بن يعلى عن أشياخ لهم عن أبي ذر، وفي إسناده مجهول. ورواه أحمد (٥ / ١٧٣) والبزار كما في " كشف الأستار " (٤ / ١٦٢) (رقم: ٣٤٥٠، ٣٤٥١) من طريق حماد بن سلمة أنا ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن عن ثروان عن الهزيل بن شرحبيل عن أبي ذر «أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان جالسا وشاتان تقترنان فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها، قال: فضحك رسول اللَّه ﷺ ، فقيل له: ما يضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: " عجبت لها، والذي نفسي بيده ليقادنّ لها يوم القيامة» . وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وله شواهد انظرها في "مجمع الزوائد " (١٠ / ٣٥٢) منها ما رواه أحمد (٢ / ٢٣٥) من طريق ابن أبي عدي عن شعبة عن العلاء عن أبيه، ورواه (٢ / ٢٣٥، ٣٠١) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن العلاء عن أبيه. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لَتؤَدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء تنطحها» . قال الهيثمي (١٠ / ٣٥٢) : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

стр. 27

[إثبات السمع والبصر لله] ٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁ «أَنَّ رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ويضع إبهامَيهِ على أذنيهِ والتي تلِيهَا على عينيه» . رواه أبو داود وابن حبَّان وابن أبي حاتم. ــ ٥ - رواه أبو داود كتاب السنَّة (٤ / ٢٣٣) (رقم: ٤٧٢٨) ، وابن خزيمة في " التوحيد " (١ / ٩٧) (رقم: ٤٦) وابن حبان (١ / ٤٩٨) (رقم: ٢٦٥) ، والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ١٧٩) والحاكم (١ / ٢٤) كلهم من طريق عبد اللَّه بن يزيد المقرئ حدثنا حرملة بن عمران عن أبي يونس مولى أبي هريرة - اسمه سليم بن جبير - عن أبي هريرة. قال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي. وَوَضْعِه ﷺ أصبعه على أذنيهِ وعينيهِ عند قراءته سميعا بصيرا، معناه إثبات صفة السمع والبصر للَّه على ما يليق بجلال اللَّه وعظمته، فللَّه سمع وبصر ولكن ليس كسمعنا ولا بصرنا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال ابن أبي العزّ في " شرح العقيدة الطحاوية " (١ / ٥٧) : اتفق أهل السنة على أَنَّ اللَّه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظا مجملا يراد به المعنى الصحيح وهو ما نفاه عنه القرآن ودل عليه العقل من أَنَّ خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات ولا يماثله شيء من المخلوفات في شيء من صفاته. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة المشبهة. . ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم اهـ. قال العلَّامة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀: " ومن الإيمان باللَّه أيضا الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف للَّه يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذه هي عقيدة أهل السنَّة والجماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وأَتباعهم بإحسان، وهي التي نقلها الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه " المقالات " عن أصحاب الحديث وأهل السنَّة ونقلها غيره من أهل العلم والإيمان. قال الأوزاعي ﵀: سئل الزهري ومكحول عن آيات الصفات فقالا: أَمرّوها كما جاءت. وقال الوليد بن مسلم ﵀: سئل مالك، والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري ﵏ عن الأخبار الواردة في الصفات فقالوا جميعا: أَمِروها كما جاءت بلا كيف. وقال الأوزاعي ﵀: كنا والتابعون متوافرون نقول: إِن اللَّه سبحانه على عرشه ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات. ولما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمة اللَّه عليهما عن الاستواء قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن اللَّه الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق ". ولما سئل الإمام مالك ﵀ عن ذلك قال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة "، ثم قال للسائل: " ما أراك إلا رجل سوء! وأمر به فاخرج ". وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين أم سلمة ﵂. وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن المبارك رحمة اللَّه عليه: " نعرف ربَّنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ". وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدا لا يمكن نقله في هذا المقام، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في هذا الباب مثل كتاب " السنَّة " لعبد اللَّه ابن الأمام أحمد، وكتاب " التوحيد " للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب " السنة " لأبي قاسم اللالكائي الطبري، وكتاب " السنَّة " لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد أوضح فيه ﵀ عقيدة أهل السنة ونقل فيه الكثير من كلامهم والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بالتدمرية قد بسط فيها المقام وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية والرد على المخالفين بما يظهر الحق ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات أنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه. أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا للَّه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم أو أثبته له رسوله محمد ﷺ في سنته الصحيحة إثباتا بلا تمثيل ونزّهوه سبحانه عن مشابهته خلقه تنزيها بريئا من التعطيل ففازوا بالسلامة من التناقض وعملوا بالأدلة كلها. وهذه سنة اللَّه سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله وبذل وسعه في ذلك وأخلص لله في طلبه أَنَّ يوفقه للحق ويظهر حجته؛ كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره المشهور عند كلامه على قول اللَّه : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ - الآية- كلاما حسنا في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته، قال ﵀ ما نصه: " للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإِنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن اللَّه فإن اللَّه لا يشبهه شيء من خلقه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه اللَّه بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف اللَّه به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف اللَّه نفسه به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال اللَّه ونفى عن اللَّه تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى ".

стр. 28

[مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا اللَّه] ٦ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «مفاتِيح الغيبِ خمس لا يعلَمها إِلا اللَّه: لا يعلم ما في غدٍ إِلا اللَّه، ولا يعلم ما تَغِيض الأرحام إلا اللَّه، ولا يعلم متى يأتي المطر أَحد إلا اللَّه، ولا تدري نفس بأَيِّ أرضٍ تموت إلا اللَّه، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا اللَّه ﵎» . رواه البخاريّ ومسلم. ــ ٦ - رواه البخاري كتاب الإستسقاء (٢ / ٥٢٤) (رقم: ١٠٣٩) ، والتفسير (٨ / ٣٧٥) (رقم: ٤٦٩٧) ، والتوحيد (١٣ / ٣٦١) (رقم: ٧٣٧٩) ، ولم أجد الحديث من مسند ابن عمر عند مسلم، وقد أخرج مسلم (١ / ٣٩) (رقم: ٩) نحوه عن أبي هريرة. شرح الحديث: هذا الحديث الشريف رد على من يدَّعي علم الغيب من الكهنة والسحرة. قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٨ / ٥١٤) : قال الشيخ أبو محمد بن أبي جَمرَة: " عبَّر بالمفاتيح لتقريب الأمر على السامع لأن كل شيِء جعل بينك وبينه حجاب فقد غيّب عنك، والتوصل إِلى معرفته في العادة من الباب فإذا أغلق الباب احتيج إِلى المفتاح فإذا كان الشيء الذي لا يطلع على الغيب إلا بتوصيله لا يعرف موضعه فكيف يعرف المغيب" اهـ ملخصا. قال ابن كثير في تفسير سورة لقمان (٣ / ٤٥٥) : " قال قتادة: أشياء استأثر اللَّه بهن فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة أَو في أي شهر أو ليل أو نهار، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلا أو نهارا، ولا يعلم أحد ما في الأرحام ذكر أم أنثى أحمر أو أسود، وما هو؟ ولا تدري يا ابن آدم متى تموت لعلك الميت غدا لعلك المصاب غدا اهـ. قلت: أما من يدَّعي بأن هناك أجهزة تكشف عن الجنين في بطن أمه هل هو ذكر أم أنثى؟ فهذا لا يدخل في علم الغيب لأن التوصل إِلى ذلك كان بواسطة أجهزة فلو قال قائل: أنا أعلم ما في بطن الأم ثم شق بطنها فعلم ما فيه هل نقول: إِنه علم الغيب، ثم إِن هذه الأجهزة ليست دقيقة تماما، بل كثيرا ما تخطئ، فكم من حامل قيل لها: إن ما في بطنك ولد فإِذا هو أنثى!!

стр. 29

[إثبات صفة الفرح لله] ٧ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لله أشد فرحا بتوبةِ عبدِهِ حينَ يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ فانفلتَتْ منه وعليها طعامه وشرابه فَأَيِسَ منها، فَأَتَى شجرة فاضطجع في ظلِّها وقد أَيسَ من راحلته، فبينما هو كذلك إِذْ هو بها قائِمةٌ عنده فأخذ بِخِطامِها فقال من شدِّةِ الفرح: اللَّهم أَنت عبدي وأَنا ربّكَ، أَخطأَ من شاة الفرح» . أخرجاه. ــ ٧ - رواه البخاري كتاب الدعوات (١١ / ١٠٢) (رقم: ٦٣٠٩) ومسلم (٤ / ٢١٠٥) (رقم: ٢٧٤٧) . هذا الحديث يثبت صفة الفرح لله ، مع الاعتقاد بأن اللَّه منزه عن صفات المخلوقين. والتوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على فعله والعزم على عدم العودة ورد المظلمة إن كانت أو طلب البراءة من صاحبها وهي أبلغ ضروب الاعتذار. قال الحافظ في "الفتح" (١١ / ١٠٨) : قال عياض فيه: " إِن ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال الدهشة وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علمي وفائدة شرعية لا على الهزل والمحاكاة والعبث ".

стр. 30

[إثبات صفة اليد لله ] ٨ - وعن أبي موسى ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: «إن اللَّه يَبسط يده باللَّيلِ ليتوبَ مسيء النهار ويبسط يده بالنَّهارِ ليتوبَ مسيء اللَّيلِ حتى تَطْلعَ الشَّمس من مَغرِبها» . رواه مسلم. ــ ٨ - رواه مسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١١٣) (رقم: ٢٧٥٩) . يثبت هذا الحديث صِفةَ اليد لله ، وهذه اليد ليست كيدنا بل يد تليق بجلال اللَّه دون تشبيه، ولا تمثيل ولا تعطيل. ويثبت- أَيضا- أن التوبة لا يختص قبولها بوقت معين إلا ما حدده الرسول ﷺ قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها.

стр. 31

[إثبات صفة الرحمة لله ] ٩ - ولهما عن عمر ﵁ قال: «قدِمَ على رسول اللَّه ﷺ بِسَبيِ هوازِنَ؛ فإذا امرأة من السبيِ تسعى إذْ وجدت صبيا في السَّبي فأخذته فأَلزقته بِبطنِها فأرضعته، فقال النبي ﷺ : " أَترَونَ هذه المرأَةَ طارِحة ولدها في النَّارِ؟! " قلنا: لا واللَّه! فقال: " لَلَّه أَرحم بعبادِهِ من هذهِ بولدِها» . ــ ٩ - رواه البخاري كتاب الأدب (١٠ / ٤٢٦) (رقم: ٥٩٩٩) ومسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٩) (رقم: ٢٧٥٤) . قال الحافظ في "الفتح" (١١ / ٤٣٠) : " وعرف من سياقه أنها كانت فقدت صبيا وتضرّرت باجتماع اللبن في ثديها فكانت إذا وجدت صبيا أرضعته ليخف عنها فلما وجدت صبيها بعينه أخذته فالتزمته. . . ". وفي الحديث إشارة إِلى أنه ينبغي للمرء أن يجعل تعلّقه في جميع أموره باللَّه وحده وأن كل من فرض أن فيه رحمة ما حتى يقصد لأجلها فاللَّه أرحم منه فليقصد العاقل لحاجته من هو أشد له رحمة.

стр. 32

[سعة رحمة اللَّه ] ١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لما خلق اللَّه الخلْقَ كتبَ في كتابٍ فهو عندَه فوق العرش: إِن رحمتي غَلبَتْ غضبي» . رواه البخاري. ــ ١٠ - رواه البخاري كتاب بدء الخلق (٦ / ٢٨٧) (رقم: ٣١٩٤) وكتاب التوحيد (١٣ / ٤٠٤) (رقم: ٧٤٢٢) ، (١٣ / ٤٤٠) (رقم: ٧٤٥٣) ، ومسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٧) (رقم: ٢٧٥١) . قال أَبو سليمان الخطابي: أَراد بالكتاب أحد شيئين: إما القضاء الذي قضاه وأوجبه كقوله : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: قضى اللَّه، ويكون معنى قوله: " فهو عنده فوق العرش " أي: فعلم ذلك عند اللَّه فوق العرش لا ينساه ولا ينسخه ولا يبدله كقوله : ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ وإِما أن يكون أراد بالكتاب اللوح المحفوظ الذي فيه ذكر الخلق وبيان أمورهم وذكر آجالهم وأرزاقهم والأقضية النافذة فيهم ومآل عواقب أمورهم. قلت: ويثبت هذا الحديث العرش، وأنه سبحانه فوق العَرش على السماء، ويثبت صفة الرحمة والغضب لله .

стр. 33

[جعل اللَّه الرحمة في مائة جزء] ١١ - ولهما عنه أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: «جعل اللَّه الرَّحمةَ مائةَ جزءٍ، فأَمسك عندَه تسعة وتسعينَ جزءا وأَنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزءِ تتراحَم الخلائِق حتى تَرفَع الدَّابَّة حافِرها عن ولدها خَشْيةَ أَنْ تصيبَه» . ــ ١١ - رواه البخاري كتاب الأدب (١٠ / ٤٣١) (رقم: ٦٠٠٠) ، ومسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٨) (رقم: ٢٧٥٢.) . قال الحافظ (١٠ / ٤٣١) : قال القرطبي: مقتضى هذا الحديث أن اللَّه علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحدٍ انتظمت به مصالحهم وحصلت به مرافقهم فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي فبلغت مائة، وكلها للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فإن رحيما من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها ويفهم من هذا أن الكفار لا يبقى لهم حظ من الرحمة لا من جنس رحمات الدنيا ولا من غيرها إذا كمل كل ما كان في علم اللَّه من الرحمات للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ١٢ - ولمسلمٍ معناه من حديث سلمان، وفيه: «كل رحمةٍ طِباق ما بين السَّماءِ والأَرض» وفيه «فإذا كان يوم القيامةِ كمَّلَهَا بهذِهِ الرَّحمَةِ» . ١٢ - رواه مسلم (٤ / ٢١٠٩) (رقم: ٢٧٥٣) .

стр. 34

[تعجيل حسنات الكافر في الدنيا] ١٣ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّ الكافِرَ إذا عمِلَ حسنة أطعِمَ بها طعمَة في الدنيا، وأمَّا المؤْمِن فإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِر له حسناتِهِ في الآخرة ويعقِبه رزقا في الدنيا على طاعتِهِ» رواه مسلم. ــ ١٣ - رواه مسلم كتاب صفات المنافقين (٤ / ٢١٦٢) (رقم: ٢٨٠٨) من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس به. قال النووي في " شرح صحيح مسلم " (١٧ / ١٥٠) : أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات على كفر لا ثواب له في الآخرة ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا متقربا إِلى اللَّه تعالى. وصرح في هذا الحديث بأنه يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات، أي: بما فعله متقربا به إلى اللَّه تعالى، فيما لا تفتقر صحته إلى النية كصلة الرحم والصدق والعتق والضيافة وتسهيل الخيرات ونحوها، وأمَّا المؤمن فيدخر له حسناته وثواب أعماله إلى الآخرة ويجزى بها مع ذلك أيضا في الدنيا ولا مانع من جزائه بها في الدنيا والآخرة، وقد جاء الشرع به فيجب اعتقاده. وأمَّا إذا فعل الكافر مثل هذه الحسنات ثم أسلم فإنه يثاب عليها في الآخرة على المذهب الصحيح ".

стр. 35

[إثبات صفة الرضى لله ] ١٤ - وله عنه مرفوعا: «إِن اللَّه ليرضى عن العبدِ يأْكل الأَكْلَةَ فيحمَده عليها، ويشرب الشَّربةَ فيحمَده عليها» . ــ ١٤ - رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء (٤ / ٢٠٩٥) (رقم: ٢٧٣٤) . وفي هذا الحديث يثبت الرسول ﷺ لرَبه صفة الرضى، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة لله من غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فنثبت صفة الفرح، فرحا يليق بجلال وجه اللَّه وعظيم سلطانه. وانظر " مجموع الفتاوى " للإمام ابن تيميّة (٥ / ٢٦) .

стр. 36

[عظمة اللَّه ] ١٥ - وعن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أطَّتِ السَّماء وحقَّ لها أن تئطَّ ما فيها موضِع أَربَعِ أَصابع إلَّا وفيه مَلك ساجد للهِ تعالى، واللَّهِ لو تعلمونَ ما أَعلم لضحِكْتم قليلا وَلَبكيتم كثيرا وما تلذَّذْتم بالنِّساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدَاتِ تجأَرونَ إلى اللَّه تعالى» . رواه التِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ. قوله: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولَبكَيتم كثيرا» ؛ في

стр. 37

" الصَّحيحَين " (١) . من حديث أَنس. ــ ١٥ - رواه الترمذي كتاب الزهد (٤ / ٤٨١) (رقم: ٢٣١٢) ، وابن ماجه كتاب الزهد (٢ / ١٤٠٢) (رقم: ٤١٩٠) ، وأحمد (٥ / ١٧٣) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٤٤) ، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب " العظمة " (٤ / ٩٨٢) (رقم: ٥٠٧) ، والحاكم في " المستدرك" (٢ / ٥١٠) ، وأبو نعيم في " دلائل النبوة" (ص: ٣٧٩) ، والبيهقي في " شعب الإيمان" (١ / ٤٨٤) (رقم: ٧٨٣، ٧٨٤) كلهم من طريق إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر به. وعند بعضهم زيادة. قال الترمذي: حسن غريب. وفال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال البوصيريَ: قلت: في إسناده إبراهيم بن مهاجر صدوق لين الحفظ. وقد توبع: فرواه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٢٦٩) من طريق زائدة بن أبي الرقاد ثنا زياد النميري عن أنس به مختصرا. وزائدة منكر الحديث وزياد النميري ضعيف. أطَّت السماء: الأطيط هو صوت الأقناب، وأطيط الإبل: صوتها وحنينها، أي: خرج لها صوت لكثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت. لخرجتم: أي: من منازلكم. الصعدات: أي: الطرق، وقيل: فناء باب الدار وممر الناس بين يديه، وقيل: المراد بالصعدات البراري والصحاري. تجأرون إلى اللَّه: أي: تتضرعون إليه بالدعاء ليدفع عنكم البلاء. لو تعلمون ما أعلم: أي: من عقاب اللَّه للعصاة وشدة المناقشة يوم الحساب لبكيتم كثيرا، أي: من خشية اللَّه ترجيحا للخوف على الرجاء وخوفا من سوء الخاتمة.

стр. 38

[حرمة التألي على اللَّه] ١٦ - ولمسلمٍ عن جنْدب ﵁ مرفوعا: «قالَ رجل: واللَّهِ لا يَغفِر اللَّه لفلانٌ، فقال اللَّه : من ذا الَّذي يَتَأَلَّى علي أَنْ لا أَغفرَ لفلانٍ؟ إِني قد غفرت له وأَحبطت عملكَ» . ــ ١٦ - رواه مسلم كتاب البر والصلة (٤ / ٢٠٢٣) (رقم: ٢٦٢١) . يتألى: يحلف، والأَلية اليمين. قال النووي في " شرح مسلم " (١٦ / ١٧٤) : " وفيه دلالة لمذهب أهل السنَّة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء اللَّه غفرانها، واحتجت المعتزلة به في إِحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر، ومذهب أهل السنَّة أنها لا تحبط إلا بالكفرِ، ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أسقطت حسناته في مقابلة سيئاته، وسمي إحباطا مجازا، ويحتمل أنه جرىَ منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم" اهـ.

стр. 39

[المؤمن بين الرجاء والخوف] ١٧ - وله عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعا: «لو يعلم المؤمِن ما عند اللَّهِ من العقوبة ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أَحد، وَلو يعلم الكافر ما عند اللَّهِ من الرحمَةِ ما قَنِطَ من جنَّتِهِ أَحد» . ــ ١٧ - رواه مسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٩) (رقم: ٢٧٥٥) . ورواه البخاري كتاب الرقاق (١١ / ٣٠١) (رقم: ٦٤٦٩) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بمعناه وفيه زيادة. قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣٠٣) : " قيل: المراد إن الكافر لو يعلم سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه من عظم العذاب فيحصل له الرجاء، أو المراد أن متعلق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إِلى مقابلها يطمعه في الرحمة، فمن علم أن من صفات اللَّه تعالى الرحمة لمن أراد أن يرحمه والانتقام ممّن أراد أن ينتقم منه: لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه، وذلك باعث على مجانبة السيئة ولو كانت صغيرة وملازمة الطاعة ولو كانت قليلة، وقيل: في الجملة الثانية نوع إشكال فإن الجنَّة لم تخلق للكافر ولا طمع له فيها فغير مستبعد أن يطمع في الجَنَّة من لا يعتقد كفر نفسه فَيشكل ترتب الجراب على ما قبله. وأجيب: بأن هذه الكلمة سيقت لترغيب المؤمن في سعة رحمة اللَّه التي لو علمها الكافر الذي كتب علية أنه يختم عليه أنه لا حظ له في الرحمة لتطاول إليها ولم ييأس منها إما بإيمانه المشروط وإِمّا لقطع نظره عن الشرط مع تيقنه بأنه على الباطل واستمراره عليه عنادا، فإذا كان هذا حال الكافر فكيف لا يطمع فيها المؤمن الذي هداه اللَّه للإيمان! ؟ " اهـ.

стр. 40

[قرب الجَنَّة والنَّار من الإنسان] ١٨ - وللبخاريِّ عن ابن مسعود - رضي اللَّه عنة- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «الجنَّة أَقرب إلى أَحدِكم من شِراكِ نعلِهِ، والنَّار مِثل ذلك» . ــ ١٨ - رواه البخاري كتاب الرقاق (١١ / ٣٢١) (رقم: ٦٤٨٨) . الشِراك: هو السير الذي يدخل فيه إصبع الرجْل ويطلق على كل سير وقي به القدم. قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣٢١) : قال ابن بطال: " فيه أن الطاعة موصلة إِلى الجنَّة وأن المعصية مقربة إلى النَّار، وأن الطاعة والمعصية قد تكون من أيسر الأشياء، وجاء في الحديث: «إِن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه لا يلقي لها بالا، يرفعه اللَّه بها درجات، وإِن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنَّم» (١) . وقال أيضا: فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل الخير أن يأتيه ولا في قليل من الشر أن يجتنبه؛ فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه اللَّه بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها. قال ابن الجوزي: معنى الحديث أَنَّ تحصيل الجَنَّة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنَّار كذلك بمرافقة الهوى وفعل المعصية.
следующие страницы →