← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم. وذكره الداودي بالجيم " جلبها" وفسره بالإحضار إلى المصدق، وجزم بأنه تصحيف، وفي المراد بالحق هنا خلاف يأتي في فقه الحديث. (بطح لها بقاع قرقر) "بطح" مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير الذي لم يؤد زكاتها، أي بطح صاحبها لها أي ألقي على وجهه، وقيل: بسط وطرح ومد، وقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، وفي الرواية الرابعة "وقعد بها بقاع قرقر" وفاعل "قعد" صاحب الإبل. ولعله يبطح تارة ويقعد أخرى وهي تطؤه مبطوحاً أو قاعداً، أو لعله يقعد فتنطحه بقرونها فيبطح فتطؤه. والقاع المستوي الواسع من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه، وجمعه قيعة وقيعان. والقرقر المستوي أيضاً من الأرض الواسع وهو بفتح القافين، ذكره النووي. والظاهر أن المراد بالقاع هنا الأرض المستوية المنخفضة عما حولها، وبالقرقر الواسعة، فوصف المكان بالانخفاض والسعة يبعد الهروب ويسمح بالتجمع الكثير والانحصار فيكون أنكى. و"قاع قرقر" يحتمل تنوين "قاع" وعدم تنوينه على الوصف والإضافة. (أوفر ما كانت) في الرواية الثانية "كأوفر ما كانت" وفي الرواية الرابعة "أكثر ما كانت" وفي الرواية السابعة "أعظم ما كانت وأسمنه" وفي رواية البخاري "على خير ما كانت" والمعنى على أحسن الحالات التي كانت عليها عند صاحبها مانع الزكاة، لأنها عنده على حالات، مرة هزيلة ومرة سمينة ومرة صغيرة ومرة كبيرة، ومرة قليلة، ومرة كثيرة. فتأتي على أكملها ليكون ذلك أنكى له لثقلها. (لا يفقد منها فصيلاً واحداً) هذا تأكيد لأوفر ما كانت من حيث الكثرة أي حتى مولودها الذي ذبح صغيراً يجيء على خير حالة عاش عليها وهذا هو المراد بالشيء في قوله عن البقر والغنم "لا يفقد منها شيئاً" وفاعل "يفقد" ضمير يعود على صاحبها. (تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها) في الرواية الرابعة "تستن عليه بقوائمها وأخفافها" أي تجري عليه بأرجلها، وماضي "تطأ" وطئ، فحذفت الواو في المضارع، والأخفاف جمع خف، وهو للبعير بمنزلة الظلف للبقر والغنم والظباء، وكل ذي حافر منشق منقسم وبمنزلة القدم للآدمي والحافر للحمار والبغل والفرس. (كلما مر عليه أولاها) قال النووي: هكذا هو في جميع الأصول في هذا الموضع. قال القاضي عياض: قالوا: هو تغيير وتصحيف، وصوابه ما في الرواية التي بعده -روايتنا الثانية- كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها "روايتنا السابعة كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها" ووجه الخطأ في الرواية الأولى أنه إنما يرد الأول الذي قد مر من قبل، وأما الآخر فلم يمر بعد، فلا يقال: رد أخراها. وقد حاول بعض العلماء توجيه هذه الرواية بأنه يحتمل أن المعنى أن أول الماشية تتلاحق حتى تصل إلى أخراها، ثم إذا أرادت الرجوع بدأت أخراها بالرجوع فتصير أول الرد، وهذا التوجيه حسن

стр. 2172

ومقبول إذا كانت الإبل ستتلاحق في صف مستقيم، فتكون الأخيرة عند الرد أولى مرة، وتكون الأولى عند الرد أولى مرة، ويصبح تقدير العبارة: كلما مر عليه أخراها حتى أولاها رد عليه أولاها. لكن هذا التوجيه إن أصلح الرواية الأولى بهذا التصوير نقل الإشكال إلى الروايات الأخرى. أما إذا كان تلاحق الإبل على هيئة دائرة فلا يقال: كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، وإنما يقال: كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها. (ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء) في الرواية الرابعة "ليس فيها جماء، ولا منكسر قرنها" وكذا في الرواية الخامسة، والعقصاء ملتوية القرنين، والقرن الملتوي مثل الطوق لا ينكل مثل المدبب الذي يصيب بسنه مرة وبعرضه أخرى، والجلحاء التي لا قرن لها، والعضباء مكسورة القرن الداخلي، والجماء كالجلحاء لا قرن لها. وليس معنى نفي وجود هذه الموصوفات استبعاد ما كانت من النعم كذلك في الدنيا، بل المراد حضورها كاملة الأعضاء، فمعنى قوله في الرواية الخامسة: "وتنطحه ذات القرن بقرنها" أي ما هي بطبيعتها ذات قرن سواء أكانت في دنياها بقرن أم لا. (تنطحه بقرونها) "تنطحه" بكسر الطاء، ويجوز الفتح. (الخيل ثلاثة) أي ثلاثة أصناف من حيث ما تعود به على أصحابها من خير وشر. (فأما التي هي له وزر) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "التي" وقع في بعضها "الذي" وهو أوضح وأظهر. (ونواء على أهل الإسلام) "نواء" بكسر النون، وبالمد، أي مناوأة ومعاداة. (فرجل ربطها في سبيل الله) أي أعدها للجهاد، وأصله من الربط، ومنه الرباط، وهو حبس الرجل نفسه في الثغر، وإعداده الأهبة لذلك. (في مرج وروضة) المرج بسكون الراء الأرض الواسعة ذات الزروع والمراعي الخضراء، والروضة البستان. (ولا تقطع طولها) بكسر الطاء وفتح الواو، ويقال: طيلها بالياء، والطول والطيل الحبل الذي تربط فيه. (فاستنت شرفاً أو شرفين) "استنت" أي جرت، والشرف بفتح الشين والراء: العالي من الأرض، أي جرت وارتفعت عالياً أو عاليين، وقيل: المراد شوطاً أو شوطين. (ولا يريد أن يسقيها) جملة حالية من "صاحبها" سيقت لإثبات الأجر عند إرادة السقي من باب أولى، لأنه إذا حصل له هذه الحسنات من غير أن يقصد سقيها فإذا قصده فأولى بأضعاف الحسنات.

стр. 2173

(هذه الآية الفاذة الجامعة) "الفاذة قليلة النظير"، و"الجامعة" العامة المتناولة لكل خير ومعروف، أي لم ينزل فيها بعينها نص، لكن هذه الآية العامة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]. (ما من صاحب كنز) في كتب اللغة: الكنز اسم للمال المدفون. وقيل: هو الذي لا يدري من كنزه، وقال الطبري: هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في باطن الأرض كان أو على ظهرها. وقال القرطبي: أصله الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة. أما الكنز المستحق عليه الوعيد في الآية ففيه خلاف يأتي في فقه الحديث. (الخيل في نواصيها الخير) أي في وجهها وفي مقدمها، فهو كناية عن اقتران الخير بها، وقد فسر هذا الخير في الحديث الصحيح بالأجر والمغنم. (إلى يوم القيامة) الغاية خارجة، بل قيل: إن المراد إلى قبيل يوم القيامة بيسير. (فلا تغيب شيئاً في بطونها) أي فلا تأكل شيئاً ولا تشرب شيئاً، فقوله "ولو رعاها" وقوله "ولو سقاها" تفسير لما قبلها. (أشراً وبطراً وبذخاً ورياء الناس) "الأشر" بفتح الهمزة والشين هو المرح واللجاج، "والبطر" الطغيان عند الحق، و"البذخ" بفتح الباء والذال بمعنى الأشر والبطر. قاله النووي. (جاء كنزه يوم القيامة شجاعاً أقرع) في الرواية الخامسة "تحول يوم القيامة شجاعاً أقرع" وفي رواية البخاري: "مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع" أي صور له ماله أو ضمن "مثل" معنى التصيير. والشجاع هنا الحية الذكر. وقيل: نوع من الحيات يقوم على ذنبه ويواثب الفارس على فرسه. والأقرع هنا قيل: الذي تمعط شعر رأسه وتلون لكثرة سمه. وقيل: إنه الحية لا شعر برأسها. فالأقرع الذي تمعط وتلون جلد رأسه لكثرة ما جمع فيها من السم. وفي رواية البخاري "له زبيبتان" قيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين. وقيل نابان يخرجان من فيه. وقيل نكتتان سودوان فوق عينيه. وقيل: هما في حلقه مثل زنمتي العنز. (يتبعه فاتحاً فاه) يوهمه بأن كنزه بداخل فمه ومعدته. (فيناديه) الشجاع الأقرع يقول له: (خذ كنزك) من جوفي. (الذي خبأته) عن الناس والفقراء في الدنيا، وكنت تبخل به. (فإذا رأى أنه لا بد منه) أي لا بد من الانقياد لأمر الشجاع.

стр. 2174

(فقضمها قضم الفحل) "الفحل" الذكر من الأنعام. (حلبها على الماء) لفظه لفظ الخبر، أي حقها على صاحبها حلبها على الماء ومعناه الأمر والطلب. قاله النووي. (وإعارة دلوها) أي الدلو الذي تسقى به، ويرفع لها فيه الماء. (وإعارة فحلها) أي ذكرها، والمقصود من إعارته إعارته لمن عنده إناث لتذكيرها. وهذا هو المراد من قوله في الرواية الخامسة: "وإطراق فحلها" أي جعله يطرق الأنثى عند غيره تكرماً. (ومنيحتها) أي إعارة ذات اللبن ليحلب لبنها هدية وهبة. قال أهل اللغة: المنيحة ضربان: أحدهما أن يعطي الإنسان آخر شيئاً هبة، وهذا النوع يكون في الحيوان والأرض والأثاث وغير ذلك. الثاني أن المنيحة ناقة أو بقرة أو شاة ينتفع بلبنها ووبرها وصوفها وشعرها زماناً ثم يردها. (فلم أتقار أن قمت) أي لم يمكني القرار والثبات فقمت. (إلا من قال .... ) المراد من القول هنا الفعل، أي إلا من فعل بماله الكثير. (هكذا. وهكذا. وهكذا) الظاهر أن الرسول ﷺ حين قال هذه الكلمات كان يشير بيده إلى الأمام وإلى الخلف وإلى اليمين وإلى الشمال، وتكون هناك لفظة "هكذا" رابعة لم يذكرها الراوي، وعبارة "من بين يديه ومن خلفه .... إلخ" من كلام الراوي توضيحاً لإشارات الرسول ﷺ ، فالضمير فيها للرسول ﷺ . ويجوز أن تكون من كلام الرسول ﷺ توضيحاً لإشارته، فالضمير للمنفق. والمقصود أن الأكثرين أموالهم الأخسرون إلا من أنفق في وجوه الخير المتعددة. (كلما نفدت أخراها) قال النووي: هكذا ضبطناه "نفدت" بدال مهملة [وكسر الفاء]، "ونفذت" بالذال المعجمة وفتح الفاء، وكلاهما صحيح. اهـ. (وعندي منه دينار إلا دينار) الرفع بدل من "دينار" الأولى، وفي بعض النسخ "إلا ديناراً" بالنصب على الاستثناء. (ما أحب أن أحداً ذاك عندي ذهب) "ذهب" بالرفع خبر "أن" وفي بعض النسخ "ذهباً" بالنصب على التمييز، "وعندي" الخبر. (أمسى ثالثة عندي منه دينار) "أمسى" بفتح السين فعل ماض، و"دينار" فاعل، أي أمسى ودخل في مساء الليلة الثالثة دينار من هذا الذهب عندي. (هكذا. حثا بين يديه .... ) عبارة الرسول ﷺ "هكذا وهكذا وهكذا" بلسانه مع الإشارة بيديه،

стр. 2175

وعبارة الراوي توضيحاً للإشارات "حثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله" أي رمى ما يشبه القبضة إلى الجهات حوله. (كما أنت) معمول لمحذوف تقديره ألزم وضعاً مشبهاً ما أنت عليه. (سمعت لغطاً) بفتح الغين وسكونها، لغتان، أي جلبة وصوتاً غير مفهوم. (عرض له) أي عرض له ما يؤذيه. (وإن زنى وإن سرق) جواب الشرط محذوف، والتقدير: وإن زنى وإن سرق دخل الجنة؟ ، وخص الزنى والسرقة بالذكر لكونهما من أفحش الكبائر. (تعاله) أصله تعال دخلت عليها هاء السكت. (إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة) أي إن المكثرين مالاً في الدنيا هم المقلون حسنات يوم القيامة. (إلا من أعطاه الله خيراً) أي مالاً. (فنفخ فيه) كناية عن إنفاقه. (وعمل فيه خيراً) أي طاعة لله. (فأجلسني في قاع حوله حجارة) القاع المستوي من الأرض. (فانطلق في الحرة) "الحرة" الأرض الملبسة حجارة سوداء. (ما سمعت أحداً يرجع إليك شيئاً) أي يرجع إليك كلاماً ويرد عليك أي ما علمت أحداً معك تكلمه؟ . (بينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش) "بين" ظرف، زيدت عليه الألف أي بين أوقات قعودي في حلقة، والحلقة بإسكان الحاء، وحكى فتحها في لغة رديئة، والملأ الجماعة، ويطلق على الأشراف. ورواية البخاري "جلست إلى ملإ من قريش" وهذا الجلوس والحلقة كان في مسجد المدينة، ففي بعض الروايات "قدمت المدينة، فدخلت مسجدها". (أخشن الثياب. أخشن الجسد. أخشن الوجه) قال النووي: هو بالخاء والشين في الألفاظ الثلاثة، ونقله القاضي عياض هكذا عن الجمهور، وهو من الخشونة، وعند بعضهم في اللفظ الأخير "حسن الوجه" من الحسن، وعند البعض "حسن الشعر والثياب والهيئة" من الحسن، والأصوب خشن من الخشونة. (فقام عليهم) أي وقف.

стр. 2176

(بشر الكانزين) في رواية الإسماعيلي "بشر الكنازين" جمع كناز مبالغة كانز، و"بشر" في الأصل معناه أخبر بخبر يظهر أثره على البشرة من خير أو شر، لكنه غلب على الخير، وأصبح استعماله في الشر من قبيل التهكم، كما في قوله تعالى: ﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣]. (برضف يحمي عليه في نار جهنم) الرضف الحجارة المحماة، واحدها رضفة. (فيوضع على حلمة ثدي أحدهم) الثدي يذكر ويؤنث. والحلمة بفتح الحاء واللام هي طرف الثدي ورأسه، وفي بعض كتب اللغة: لا يقال: ثدي إلا في المرأة، ويقال في الرجل ثندوة. (حتى يخرج من نغض كتفيه) نغض الكتف بضم النون وإسكان الغين بعدها ضاد هو العظم الرقيق الذي على طرف الكتف، وقيل: هو أعلى الكتف. ويقال له أيضاً: الناغض، وقيل: النغضان اللتان ينغضان من أسفل الكتف فيتحركان إذا مشي. (يتزلزل) أي يتحرك ويضطرب الرضف والحجارة المحماة في مرورها من حلمة الثدي إلى عظم الكتف. فضمير الفاعل للرضف، وجعله بعضهم لنغض الكتف، والمعنى أنه يتهرى ويتحرك لنضجه بمرور الرضف. قال القاضي عياض: والصواب أن الحركة والتزلزل إنما هو للرضف. (فوضع القوم رءوسهم) أي خفضوها وأطرقوا، ولم يواجهوه. (فأدبر واتبعته حتى جلس إلى سارية) وهي الاسطوانة أو العمود، والمعنى أنه أدبر وولى عن القوم ولم يخرج من المسجد، وفي رواية البخاري "وأنا لا أدري من هو"؟ وفي روايتنا الثانية عشرة "ثم تنحى فقعد. قال: قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. قال: فقمت إليه" فهاتان الروايتان متعارضتان من حيث معرفة الأحنف له أو عدم معرفته له حين جلس إليه، والقول بتعدد الوقعة مستبعد، ولعل جملة "وأنا لا أدري من هو" في رواية البخاري مؤخرة من تقديم وترتيب الحديث قال كذا ثم ولى فجلس إلى سارية، وأنا لا أدري من هو؟ فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. فتبعته. (ما رأيت هؤلاء القوم إلا كرهوا ما قلت لهم) في الرواية الثانية عشرة "ما شيء سمعتك تقوله قبيل"؟ أي قبيل مجيئك وجلوسك؟ وفي رواية البخاري "لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت"؟ (قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً) حين يلهثون وراء المال والكنز، فالذين يفعلون ذلك لا يعقلون مصلحتهم ولا يعقلون هدف من ينهاهم، وقد فسر هذه الجملة في الحديث نفسه بقوله: "ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئاً". فهي من كلام أبي ذر، وليست من تتمة كلام الرسول ﷺ . (فقال: أترى أحداً؟ ) أي أترى جبل أحد؟ وكانا قريبين منه.

стр. 2177

(فنظرت ما علي من الشمس، وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له) في رواية البخاري "فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار" وكأن أبا ذر فهم من قوله: "أترى أحداً؟ " أنه إشارة إلى قرب نهاية النهار ودخول الظلمة والليل. (مالك ولإخوتك من قريش؟ ) أي: أي شيء حصل لك وحصل لإخوتك من قريش حتى تهاجمهم هذا الهجوم. (لا تعتريهم وتصيب منهم) في رواية الإسماعيلي "لا تعتريهم ولا تصيب منهم". يقال: عروته واعتريته واعتررته: إذا أتيته تطلب منه حاجة، و"لا" نافية والمراد النهي، أي لا تأتهم في مجالسهم ولا تصبهم، ولا تطلب منهم ما تطلب من عدم جمع المال. (لا أسألهم عن دنيا) في رواية البخاري "لا أسألهم دنيا" قال النووي: الأجود حذف "عن" كما في رواية للبخاري، اهـ وفي رواية "ثم قال: لا أسألهم شيئاً من متاعها". (فمر أبو ذر وهو يقول) في الكلام طي، أي فمر أبو ذر، فوقف عليهم وهو يقول. (بكي في ظهورهم .... إلخ) يحتمل أن تكون الرواية في إحدى الروايتين بالمعنى، ويحتمل أن يكون أبو ذر قد قال كل ألفاظ الروايتين، فاقتصر الأحنف على جزء في كل منهما. (ثم تنحى، فقعد) أي ثم تنحى وانصرف عن القوم. فسألت القوم: من يكون؟ فقيل: أبو ذر، فجلس إلى سارية فاتبعته، فقلت له .... إلخ. (ما شيء سمعتك تقول قبيل؟ ) "قبيل" بضم القاف وفتح الباء تصغير "قبل" ظرف مبني على الضم منقطع عن الإضافة، والأصل قبيل هذه اللحظة. (قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ ) كأن الأحنف خاف من التهديد والوعيد الذي رواه أبو ذر أن يشمل أعطيات الأمراء التي يقطعونها ويهبونها لأفراد المسلمين، وكان أبو ذر يرفض قبولها لنفسه، على أساس أنها مال المسلمين لا يملكها الأمير. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث: ]- ١ - من قوله في الرواية الأولى "ما من صاحب ذهب ولا فضة. إلخ" وجوب الزكاة في الذهب والفضة. قال النووي: هذا صريح في وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولا خلاف فيه؛ وكذا باقي المذكورات من الإبل والبقر والغنم. ٢ - وعن قوله "ولا صاحب بقر" قال النووي: هذا أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر، وفيه دليل على وجوب الزكاة في البقر.

стр. 2178

٣ - ومن قوله "أوفر ما كانت. لا يفقد منها فصيلاً واحداً ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء" شدة الوعيد بأنكى وأشد الأمور والأحوال، لأنها تكون عنده على حالات مختلفة من العظم والسمن والكثرة، والعقاب بأكمل حالاتها. ٤ - من قوله عن الخيل "ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها" أخذ أبو حنيفة وجوب الزكاة في الخيل، ومذهبه التفريق بين ما إذا كانت الخيل كلها ذكوراً فلا زكاة فيها، وبين ما إذا كانت إناثاً فقط، أو إناثاً وذكوراً فتجب فيها الزكاة، وهذا التفريق يضعف من استدلاله بالحديث لأن الحديث لم يفرق بين الذكور والإناث، ثم هو معارض بالحديث الصحيح الصريح الذي سبق في باب النصاب ومقدار الزكاة برقم [٧] ولفظه "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". ومذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء أنه لا زكاة في الخيل بحال ويتأولون حديث الباب بعدة تأويلات: (أ) يحتمل أن المراد بحق الله في ظهورها ورقابها الجهاد في سبيل الله والجهاد قد يكون واجباً بها إذا تعين. (ب) ويحتمل أن يراد بحق الله في ظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته وهذا على الندب، ويراد بحق الله في رقابها الإحسان إليها، والقيام بعلفها وسائر مؤنها. (جـ) ويحتمل أن المراد بحق الله في ظهورها ورقابها حق الله مما يكسب عن طريقها. قالها النووي. ومن المعلوم أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. ٥ - ومن قوله "فشربت منه ولا يريد أن يسقيها .... إلخ"، التنبيه بالأقل على الأكثر. لأنه إذا كانت هذه الحسنات حاصلة له، من غير أن يقصد سقيها كان السقي مع القصد أولى بأضعاف الحسنات. ٦ - ومن قوله "ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ الإشارة إلى التمسك بالعموم. ٧ - وقد يحتج به من قال: لا يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ ، وإنما كان يحكم بالوحي، قال النووي: ويجاب للجمهور القائلين بجواز الاجتهاد بأنه لم يظهر له فيها شيء. اهـ أي لم يتبين له وجه يجتهد به ويحكم، فجواز اجتهاده لا يوجب اجتهاده هنا. ٨ - ومن قوله في الرواية الثانية "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته ... إلخ" أخذ أن الكنز المتوعد عليه هو الذي لم تخرج منه الزكاة، وأن ما بقي بعد إخراج الزكاة لا وعيد على تملكه، وأن المال الذي لم يبلغ نصاباً لا يكون كنزاً. قال الحافظ ابن حجر ملخصاً كلام ابن رشيد: مال لم تجب فيه الصدقة لا يسمى كنزاً، لأنه معفو عنه، فليكن ما أخرجت منه الزكاة كذلك، لأنه عفي عنه بإخراج ما وجب منه، فلا يسمى كنزاً. ثم عرض الحافظ ابن حجر أحاديث تؤيد هذا فقال: أخرج مالك والشافعي عن ابن عمر موقوفاً:

стр. 2179

"ما أدي زكاته فليس بكنز". وأخرجه البيهقي بلفظ: "كل ما أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً على وجه الأرض". وأخرجه الحاكم عن جابر بلفظ: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك". وأخرجه أبو داود مرفوعاً بلفظ: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم". ثم نقل قول ابن عبد البر: والجمهور على أن الكنز المذموم ما لم تؤد زكاته، ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من أهل الزهد كأبي ذر. وسيأتي شرح ما ذهب إليه من ذلك قريباً. ونقل النووي عن القاضي عياض قوله: اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن والحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد. فأما مال أخرجت زكاته فليس بكنز وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة. وقيل: المراد بالآية: أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك. وقيل: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أديت زكاته. وقيل: هو ما فضل عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال. واتفق أئمة الفتوى على القول الأول، وهو الصحيح، لقوله ﷺ : "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته ... " وذكر عقابه، وفي الحديث الآخر عند البخاري: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع .... " وفي آخره، "فيقول: أنا كنزك". اهـ. ٩ - ومن قوله في الرواية الثانية "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة. ١٠ - ومن ظاهر قوله في الرواية الرابعة والخامسة في حق الإبل "حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنيحتها وحمل عليها في سبيل الله". ظاهر هذا أن في المال حقاً سوى الزكاة. قال المازري: يحتمل أن يكون هذا الحق في موضع ووقت تتعين فيه المواساة. وقال القاضي عياض: لعل الحق كان قبل وجوب الزكاة. وقال النووي: اختلف السلف في معنى قول الله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ [الذاريات: ١٩] فقال الجمهور: المراد به الزكاة، وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب ومكارم الأخلاق، لأن الآية إخبار عن وصف قوم أثنى عليهم بخصال كريمة، فلا يقتضي الوجوب كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧] فالمراد من الحق القدر الزائد على الواجب، ولا عقاب بتركه، وإنما ذكره في الحديث استطراداً، كأنه لما ذكر حقها الواجب أولاً أتبعه بكمال الحق، ولما ذكر ما يذم على فعله ذكر ما يمتدح بفعله. وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة. وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة، وأن في المال حقاً سوى الزكاة من فك الأسير وإطعام المضطر والمواساة في العسرة وصلة القرابة. اهـ. ١١ - ومن قوله "حلبها على الماء" الرفق بالفقراء والمساكين، والحث على تيسير حصولهم على حقهم، فوصولهم إلى موضع السقي أسهل وأمكن من وصولهم إلى المنازل.

стр. 2180

١٢ - ومن قوله "خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني"، "هذا مالك الذي كنت تبخل به". أن من أنواع التعذيب يوم القيامة التقريع والتوبيخ والإيلام بالقول والفعل. ١٣ - ومن الرواية الخامسة وما قبلها يؤخذ أن الله يحيي البهائم ليعاقب بها مانع الزكاة. ١٤ - وأن العقاب من جنس العمل، وبنقيض القصد، لأنه منع حق الله منها لينتفع هو بما يمنعه فكان ما قصد الانتفاع به أضر الأشياء عليه. قال الحافظ ابن حجر: والحكمة في كونها تعاد كلها مع أن حق الله فيها إنما هو في بعضها؛ أن الحق في جميع المال غير متميز، ولأن المال لما لم تخرج زكاته كان كله غير مطهر. ١٥ - ومن قوله في الرواية السادسة "هم الأخسرون ورب الكعبة" جواز الحلف من غير تحليف. قال النووي: بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة كتوكيد أمر وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول الله ﷺ في هذا النوع لهذا المعنى. ١٦ - ومن قوله في الرواية السادسة "من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله" الحث على الصدقة في وجوه الخير المتعددة، بحيث لا يقتصر على نوع واحد من وجوه الخير، بل يعدد الوجوه ما وجد إلى ذلك سبيلاً. ١٧ - ومن قوله في الرواية الثامنة "يا أبا ذر" مناداة العالم والكبير صاحبه بكنيته إذا كان جليلاً. ١٨ - ومن قوله في الرواية الثامنة أيضاً "فهممت أن أتبعه، ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك، فانتظرته" مدى التزام الصحابة بأوامر الرسول ﷺ ومدى حرصهم وخوفهم عليه ﷺ . ١٩ - وفي قوله "قال: وإن زنى وإن سرق" دليل لمذهب أهل الحق أنه لا يخلد في النار أصحاب الكبائر من المؤمنين، خلافاً للخوارج والمعتزلة. ٢٠ - ومن الرواية التاسعة من قوله: "فقلت: أبو ذر" جواز تسمية الإنسان نفسه بكنيته إذا كان مشهوراً بها وقد كثر مثله في الحديث. ٢١ - ومن الرواية العاشرة زهد أبي ذر وتقشفه، وجرأته في دعوته إلى ما يعتقد أنه حق، من غير أن يخشى في الله لومة لائم. قال النووي: والمعروف من مذهب أبي ذر أن الكنز كل ما فضل عن حاجة الإنسان. اهـ. أي إن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله. وحمل على ذلك الآية والأحاديث. وقد روى البخاري قصته مع معاوية ومع عثمان ومع الملأ من قريش وحاصلها من واقع شرح الحافظ ابن حجر وغيره: أن أبا ذر كان قد سمع رسول الله ﷺ يقول له: "إذا بلغ البناء بالمدينة

стр. 2181

سلعاً -جبل قريب من المدينة- فارتحل إلى الشام". فلما بلغ البناء سلعاً في عهد عثمان ارتحل إلى الشام، فأقام بها فرأى ما عليه معاوية وأغنياء المسلمين من البذخ والإسراف في مظاهر الدنيا وبهجتها، وصورة فقراء المسلمين والمحتاجين في مخيلته، فاستقر عنده أن الإسلام لا يقبل هذا الوضع ولا يستسيغه، فدعا الأغنياء إلى بذل أموالهم مستدلاً بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥]. وكان يقول للناس: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم. وانتشر خبره في دمشق وانزعج المسلمون لدعوته، فدعاه معاوية وناقشه، وقال له إن الآيات نزلت في أهل الكتاب، فصدرها يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة .... ﴾ إلخ الآية: قال له أبو ذر: نزلت فينا وفيهم. وذكر له الأحاديث التي رواها الإمام مسلم -روايتنا السابعة وما بعدها- واشتد النقاش والجدل، وأبو ذر متمسك بقوله، فكتب معاوية إلى عثمان يقول: إن أبا ذر يفسد علينا، إن كان لك بالشام حاجة فابعث إليه. فكتب إليه عثمان: أن أقدم علي. فقدم، فدخل على عثمان، وهو يخشى أن يتهمه بأنه من الخوارج، فكشف أبو ذر رأسه، وقال: والله ما أنا منهم، سيماهم التحليق" يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت. قال له عثمان: إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة. لكن أبا ذر وقف مع أهل المدينة الموقف نفسه الذي وقفه مع أهل الشام وكان منه ما كان، وما جاء في رواياتنا، حتى أصبح الناس يفرون من لقائه وحتى اشتكوا إلى عثمان من إيذائه لهم، فدعاه عثمان وقال له: اختر مكاناً تقيم فيه وتنح عن المدينة، فاختار الربذة، وهي قرية بين مكة والمدينة، وكان يذهب إليها في زمن النبي ﷺ ، ولعل أهلها كانوا فقراء فعاش بينهم أبو ذر دون شكوى بقية حياته، ومات بها، ﵁ وعن الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ٢٢ - ومن قوله "إلا دينار أرصده لدين" جواز الاستقراض. ٢٣ - وتقديم وفاء الدين على صدقة التطوع. ٢٤ - والحث على وفاء الديون وأداء الأمانات. ٢٥ - وفيه الحض على إنفاق المال في الحياة وفي الصحة، وترجيحه على إنفاقه عند الموت، وذلك أن كثيراً من الأغنياء يشح بإخراج ما عنده مادام في عافية، فيأمل البقاء، ويخشى الفقر، فمن خالف شيطانه وقهر نفسه إيثاراً لثواب الآخرة فاز، ومن بخل بذلك لم يأمن الجور في الوصية، وإن سلم لم يأمن تأخير تنجيز ما أوصى به أو تركه أو غير ذلك من الآفات، ولا سيما إن خلف وارثاً غير موفق، فيبذره في أسرع وقت، ويبقى وباله على الذي جمعه. ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح.

стр. 2182

(٢٩١) باب الترغيب في الإنفاق والتحذير من الإمساك ٢٠٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: "قال الله ﵎: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك" وقال "يمين الله ملأى (وقال ابن نمير ملآن) سحاء. لا يغيضها شيء الليل والنهار". ٢٠٠٧ - هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال: قال رسول الله ﷺ "إن الله قال لي أنفق أنفق عليك" وقال رسول الله ﷺ "يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" قال "وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض". ٢٠٠٨ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله". قال أبو قلابة وبدأ بالعيال ثم قال أبو قلابة وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. ٢٠٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك". ٢٠١٠ - عن خيثمة قال: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم. قال: قال رسول الله ﷺ "كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته".

стр. 2183

٢٠١١ - عن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال "ألك مال غيره؟ " فقال: لا. فقال "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمان مائة درهم. فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه. ثم قال "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا" يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك. ٢٠١٢ - عن جابر ﵁ أن رجلاً من الأنصار (يقال له أبو مذكور) أعتق غلاماً له عن دبر يقال له يعقوب وساق الحديث بمعنى حديث الليث. ٢٠١٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحى، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس فلما نزلت هذه الآية ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله يقول في كتابه ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحى، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت. قال رسول الله ﷺ "بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح، قد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين" فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. ٢٠١٤ - عن أنس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قال أبو طلحة أرى ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت أرضي بريحا لله. قال: فقال رسول الله ﷺ "اجعلها في قرابتك" قال: فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب. ٢٠١٥ - عن ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله ﷺ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال "لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك".

стр. 2184

٢٠١٦ - عن زينب امرأة عبد الله ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن" قالت: فرجعت إلى عبد الله، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد. وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم. قالت: فقال لي عبد الله بل ائتيه أنت. قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها. قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة. قالت: فخرج علينا بلال. فقلنا: له ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله. فقال له رسول الله ﷺ "من هما؟ " فقال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله ﷺ "أي الزيانب؟ " قال: امرأة عبد الله. فقال له رسول الله ﷺ "لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة". ٢٠١٧ - عن زينب امرأة عبد الله ﵂ بمثله سواء. قال: قالت كنت في المسجد فرآني النبي ﷺ فقال "تصدقن ولو من حليكن" وساق الحديث بنحو حديث أبي الأحوص. ٢٠١٨ - عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله هل لي أجر في بني أبي سلمة؟ أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني. فقال "نعم لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم". ٢٠١٩ - عن أبي مسعود البدري ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة".

стр. 2185

٢٠٢٠ - عن أسماء ﵂ قالت: قلت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة (أو راهبة) أفأصلها؟ قال "نعم". ٢٠٢١ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال "نعم. صلي أمك". ٢٠٢٢ - عن عائشة ﵂ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم". ٢٠٢٣ - عن حذيفة ﵁ (في حديث قتيبة قال: قال نبيكم ﷺ وقال ابن أبي شيبة عن النبي ﷺ قال "كل معروف صدقة". ٢٠٢٤ - عن أبي ذر ﵁ أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة. وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".

стр. 2186

٢٠٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال "إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاث مائة مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله، وعزل حجراً عن طريق الناس أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاث مائة السلامى، فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" قال أبو توبة وربما قال "يمسي". ٢٠٢٦ - وبهذا الإسناد مثله غير أنه قال "أو أمر بمعروف" وقال "فإنه يمسي يومئذ". ٢٠٢٧ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "خلق كل إنسان" بنحو حديث معاوية عن زيد وقال "فإنه يمشي يومئذ". ٢٠٢٨ - عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال "على كل مسلم صدقة" قيل أرأيت إن لم يجد؟ قال "يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق" قال: قيل أرأيت إن لم يستطع؟ قال "يعين ذا الحاجة الملهوف" قال: قيل له أرأيت إن لم يستطع؟ قال "يأمر بالمعروف أو الخير" قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال "يمسك عن الشر فإنها صدقة". ٢٠٢٩ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس". قال "تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة" قال "والكلمة الطيبة صدقة وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة". ٢٠٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " ما من يوم يصبح

стр. 2187

العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً". ٢٠٣١ - عن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "تصدقوا فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها لو جئتنا بها بالأمس قبلتها فأما الآن فلا حاجة لي بها فلا يجد من يقبلها". ٢٠٣٢ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحداً يأخذها منه. ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء" وفي رواية ابن براد "وترى الرجل". ٢٠٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً". ٢٠٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل فيقول لا أرب لي فيه". ٢٠٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة. فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت: ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي. ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي. ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً". ٢٠٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما تصدق أحد بصدقة من

стр. 2188

طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله". ٢٠٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم". ٢٠٣٨ - عن سهيل بهذا الإسناد وفي حديث روح "من الكسب الطيب فيضعها في حقها وفي حديث سليمان فيضعها في موضعها". ٢٠٣٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم﴾ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ". ٢٠٤٠ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول "من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل". ٢٠٤١ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة". زاد ابن حجر قال الأعمش وحدثني عمرو بن مرة عن خيثمة مثله وزاد فيه "ولو بكلمة طيبة" وقال إسحق قال الأعمش عن عمرو بن مرة عن خيثمة.

стр. 2189

٢٠٤٢ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ النار فأعرض وأشاح ثم قال "اتقوا النار" ثم أعرض وأشاح حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثم قال "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة" ولم يذكر أبو كريب كأنما وقال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش. ٢٠٤٣ - عن عدي بن حاتم ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه ثلاث مرار ثم قال "اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة". ٢٠٤٤ - عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار. قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة. فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ إلى آخر الآية ﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾ والآية التي في الحشر ﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره (حتى قال) ولو بشق تمرة" قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". ٢٠٤٥ - حدثني عون بن أبي جحيفة قال سمعت المنذر بن جرير عن أبيه قال كنا عند رسول الله ﷺ صدر النهار. بمثل حديث ابن جعفر وفي حديث ابن معاذ من الزيادة قال: ثم صلى الظهر ثم خطب.

стр. 2190

٢٠٤٦ - عن المنذر بن جرير عن أبيه قال كنت جالساً عند النبي ﷺ فأتاه قوم مجتابي النمار. وساقوا الحديث بقصته وفيه فصلى الظهر ثم صعد منبراً صغيراً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "أما بعد فإن الله أنزل في كتابه ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم .... ﴾ الآية". ٢٠٤٧ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فذكر بمعنى حديثهم. ٢٠٤٨ - عن أبي مسعود ﵁ قال أمرنا بالصدقة قال: كنا نحامل قال فتصدق أبو عقيل بنصف صاع. قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه فقال المنافقون إن الله لغني عن صدقة هذا وما فعل هذا الآخر إلا رياء فنزلت ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ ولم يلفظ بشر بالمطوعين. ٢٠٤٩ - عن شعبة بهذا الإسناد وفي حديث سعيد بن الربيع قال كنا نحامل على ظهورنا. ٢٠٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به "ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بعس وتروح بعس إن أجرها لعظيم". ٢٠٥١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى فذكر خصالاً وقال "من منح منيحة غدت بصدقة وراحت بصدقة صبوحها وغبوقها". ٢٠٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "مثل المنفق والمتصدق كمثل رجل عليه جبتان أو جنتان من لدن ثديهما إلى تراقيهما، فإذا أراد المنفق (وقال الآخر فإذا أراد

стр. 2191

المتصدق) أن يتصدق سبغت عليه أو مرت، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت عليه وأخذت كل حلقة موضعها حتى تجن بنانه وتعفو أثره" قال فقال أبو هريرة فقال يوسعها فلا تتسع. ٢٠٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال ضرب رسول الله ﷺ "مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشي أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها". قال فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا توسع. ٢٠٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جنتان من حديد، إذا هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه حتى تعفي أثره، وإذا هم البخيل بصدقة تقلصت عليه وانضمت يداه إلى تراقيه وانقبضت كل حلقة إلى صاحبتها" قال فسمعت رسول الله ﷺ يقول "فيجهد أن يوسعها فلا يستطيع". ٢٠٥٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية. فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية. قال: اللهم لك الحمد على زانية. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني. قال: اللهم لك الحمد على غني. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق. فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق. فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته". ٢٠٥٦ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال "إن الخازن المسلم الأمين الذي

стр. 2192

ينفذ (وربما قال يعطي) ما أمر به فيعطيه كاملا موفراً طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين". ٢٠٥٧ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً". ٢٠٥٨ - عن منصور بهذا الإسناد وقال "من طعام زوجها". ٢٠٥٩ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها وله مثله بما اكتسب ولها بما أنفقت وللخازن مثل ذلك، من غير أن ينتقص من أجورهم شيئاً". ٢٠٦٠ - عن عمير مولى آبي اللحم قال كنت مملوكاً فسألت رسول الله ﷺ أأتصدق من مال موالي بشيء؟ قال: "نعم. والأجر بينكما نصفان". ٢٠٦١ - عن عمير مولى آبي اللحم قال أمرني مولاي أن أقدد لحماً، فجاءني مسكين فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي فضربني. فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. فدعاه. فقال "لم ضربته؟ " فقال يعطي طعامي بغير أن آمره فقال "الأجر بينكما". ٢٠٦٢ - عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له".

стр. 2193

٢٠٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة يا عبد الله هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة. ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد. ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة. ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان". قال أبو بكر الصديق يا رسول الله ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله ﷺ "نعم وأرجو أن تكون منهم". ٢٠٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فل، هلم" فقال أبو بكر يا رسول الله ذلك الذي لا توى عليه قال رسول الله ﷺ "إني لأرجو أن تكون منهم". ٢٠٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من أصبح منكم اليوم صائماً؟ " قال أبو بكر ﵁ أنا قال "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر ﵁ أنا قال "فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر ﵁ أنا قال "فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ " قال أبو بكر ﵁ أنا فقال رسول الله ﷺ "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة". ٢٠٦٦ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال لي رسول الله ﷺ "أنفقي (أو انضحي أو انفحي) ولا تحصي فيحصي الله عليك". ٢٠٦٧ - عن أسماء ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "انفحي أو انضحي أو انفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك".

стр. 2194

٢٠٦٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي؟ فقال "ارضخي ما استطعت ولا توعي فيوعي الله عليك". ٢٠٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول "يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة". ٢٠٧٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه". ٢٠٧١ - عن أبي سعيد الخدري (أو عن أبي هريرة ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ بمثل حديث عبيد الله وقال "ورجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه". ٢٠٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم؟ فقال "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى. ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا ألا وقد كان لفلان". ٢٠٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ فقال "أما وأبيك لتنبأنه أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان".

стр. 2195

عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد نحو حديث جرير غير أنه قال أي الصدقة أفضل. -[المعنى العام]- اكتفينا بما سيذكر في فقه الحديث عن المعنى العام خوفاً من التكرار، وقد لاحظنا ذلك في فقه الحديث فأضفنا ما كان حقه أن يذكر هنا والله ولي التوفيق. -[المباحث العربية]- الرواية (١) و (٢) (يبلغ به النبي) عبارة تفيد رفع الحديث، كأنه قال عن النبي ﷺ ، والأصل عن أبي هريرة قول أو حديث يبلغ به النبي ﷺ أو ينقله عنه، وضمير الفاعل في قوله بعد ذلك "قال" للنبي ﷺ . (أنفق أنفق عليك) الخطاب في الرواية الأولى لابن آدم منذ ولد لآدم إلى يوم أن ينتهي أولاده من الدنيا، وفي الرواية الثانية ظاهره أنه لرسول الله ﷺ ، ويحتمل أنه لابن آدم أيضاً، وفي الرواية حذف عبارة "يا ابن آدم". والمعنى: أنفق في وجوه الخير ما أعطيك أعوضك عما أنفقت وأخلف عليك وأزيد، فإن إنفاقك إنفاق من ملكه محدود ويخشى النفاد وفي طبعه شح وقبض، أما إنفاق الله فهو إنفاق المالك المطلق الذي لا تنفد خزائنه الكريم المعطى. (وقال يمين الله ملأى) في ملحق الرواية الأولى "ملآن" قال النووي: هكذا وقعت رواية ابن نمير، قالوا: وهو غلط منه، وصوابه "ملأى" كما في سائر الروايات، ثم ضبطوا رواية ابن نمير من وجهين: أحدهما: إسكان اللام وبعدها همزة. والثاني: "ملان" بفتح اللام بلا همزة. وفاعل "قال" للنبي ﷺ ، وذكرت للإشارة إلى أن مقولها حديث نبوي بخلاف ما قبلها، فهو حديث قدسي، وهذا واضح في الرواية الثانية. (سحاء) السح الصب الدائم، وقد ضبط "سحاء" بالتنوين على المصدر وبدون تنوين على الوصف بوزن فعلاء، صفة لليد، قال النووي: والأول هو الأصح الأشهر. (لا يغيضها شيء) أي لا ينقصها شيء، أي لا ينقص ما فيها إنفاق مهما بلغ، يقال: غاض الماء: نقص، وغاض الله الماء: نقصه، فهو لازم ومتعد. (الليل والنهار) قال النووي عن الرواية الثانية: ضبطناه بوجهين. نصب "الليل والنهار" ورفعهما، النصب على الظرف، والرفع على أنه فاعل. اهـ.

стр. 2196

ويمكن الرفع على الرواية الأولى على أنه بدل من "شيء" أي لا يغيضها الليل والنهار، والنصب على الظرفية، وفاعل "يغيضها" على الرواية الثانية ضمير يعود على المفهوم من المقام، أي لا يغيضها الإنفاق في الليل والنهار، والمراد من ذكر الليل والنهار الدوام وشمول جميع الأزمنة، وتقديم الليل على النهار للإشارة إلى أنهما عنده سواء فهو جل شأنه لا تأخذه سنة ولا نوم. (أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض؟ ) "أرأيتم" معناها أخبروني، عن طريق المجاز المرسل في الهمزة، إذ المراد منها مطلق الطلب من أصل معناها وهو طلب الفهم، والمجاز المرسل في الرؤية بإرادة ما يتسبب عنها غالباً من الإخبار عما رأى، فالعلاقة في الأول الإطلاق بعد التقييد وفي الثاني ذكر السبب، فآل الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ "أخبروني" و"ما" استفهامية، والمعنى أخبروني عن جواب هذا الاستفهام ماذا أنفق على عباده؟ وكم أعطاهم منذ خلق السموات والأرض حتى اليوم؟ والجواب: كثير لا يحصى، فرتب عليه هذا الكثير لم ينقص ما كان وما هو في يمينه. (فإنه لم يغض ما في يمينه) ضمير اسم "إن" للإنفاق الكثير المفهوم من إنفاقه مذ خلق السماء والأرض، وفاعل "يغض" ضميره أيضاً على أنه متعد، أو لفظ "ما" الموصول في "ما في يمينه" على أنه لازم، والفاء فصيحة في جواب شرط مقدر، أي إذا كان قد أنفق الكثير والكثير مذ خلق السموات والأرض ويمينه دائماً ملأى فإن هذا الإنفاق لم ينقص ما في يمينه. (قال: وعرشه على الماء) الظاهر أن موقع هذه الجملة بعد قوله "مذ خلق السماء والأرض" أي مذ لم يكن سماء ولا أرض ومذ خلقتا. (وبيده الأخرى القبض) لا يطلق على الأخرى شمال كما في المخلوقات، فكلتا يديه -جل شأنه- يمين، قال النووي: "القبض" ضبطوه بوجهين، أحدهما: بالفاء بعدها ياء. والثاني بالقاف والباء. قال القاضي: وهو الموجود لأكثر الرواة، وهو الأشهر والمعروف، قال: ومعنى "القبض" الموت، وأما "الفيض" بالفاء فالإحسان والعطاء والرزق الواسع، قال: وقد يكون بمعنى "القبض" بالقاف، أي الموت، يقولون: فاضت نفسه إذا مات. اهـ والمناسب في الحديث تفسير القبض بإهلاك ما أعطى وسلبه، لتتم المقابلة. كما في قوله تعالى: ﴿والله يقبض ويبسط﴾ [البقرة: ٢٤٥]. (يرفع ويخفض) قال النووي: جاء في رواية أخرى "وبيده الميزان يخفض ويرفع" فقد يكون عبارة عن الرزق ومقاديره، وقد يكون عبارة عن جملة المقادير، فتقدير الرزق يقتره على من يشاء، ويوسعه على من يشاء، وجملة المقادير عبارة عن التصرف بالخلق، يعز ويذل. اهـ والأولى جملة المقادير، وعموم الرفع والخفض، ويدخل الرفع والخفض بالرزق دخولاً أولياً. وهذا الحديث مما يقال فيه: متشابه الصفات، ونحن نذكر بعض ما قيل فيه، ثم نعقب: قال الإمام المازري: هذا مما يتأول، لأن اليمين إذا كانت بمعنى المناسبة للشمال لا يوصف بها الباري ، لأنها تتضمن إثبات الشمال، وهذا يتضمن التحديد، ويتقدس الله سبحانه

стр. 2197

عن التجسيم والحد. وإنما خاطبهم رسول الله ﷺ بما يفهمونه، وأراد الإخبار بأن الله تعالى لا ينقصه الإنفاق، ولا يمسك خشية الإملاق، جل الله عن ذلك، وعبر ﷺ عن توالي النعم بسح اليمين، لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه. قال: ويحتمل أن يريد بذلك أن قدرة الله على الأشياء على وجه واحد، لا يختلف ضعفاً وقوة، وأن المقدرات تقع بها على جهة واحدة، ولا تختلف قوة وضعفاً كما يختلف فعلنا باليمين والشمال، تعالى الله عن صفات المخلوقين، ومشابهة المحدثين. وأما قوله: "وبيده الأخرى القبض" فمعناه أنه وإن كانت قدرته واحدة فإنه يفعل بها المختلفات، ولما كان ذلك فينا لا يمكن إلا بيدين عبر عن قدرته على التصرف في ذلك باليدين ليفهم المعنى المراد بما اعتادوه من الخطاب على سبيل المجاز. هذا آخر كلام المازري، نقله النووي واقتصر عليه. وقال القاضي عياض ما حاصله: لما كان الشيء الطيب المحبوب يوضع في اليمين، ولما كان العطاء يتم باليمين عبر بها، وليس المراد الجارحة. وقال الزين بن المنير: ما مؤداه أنه كناية لتثبيت المعاني المعقولة من الأذهان وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات، أي لا يتشكك في الكثرة كما لا يتشكك فيمن يمينه ممتلئة لا تنقص، لا أن الامتلاء كالامتلاء المعهود، ولا أن الممتلئ جارحة. وقال الترمذي في جامعه: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهاً، ولا نقول: كيف؟ هكذا روى عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم. اهـ. وما قاله الترمذي أسلم وأدخل في الإيمان بالله وصفاته، والمشاركة بين الخالق والمخلوق في الاسم لا تستلزم المشاركة في كنه المسمى ومستلزماته، فنحن لنا علم وإرادة وقدرة ووجود وحياة، ولكنها تختلف اختلافاً كلياً عنها في الباري ، فهي لا تكاد تشترك معها في غير الاسم، ولا تقاس صفات الباري على صفاتنا، فيقال مثلاً: اليمين تقتضي جهة وحدوداً وحيزاً إلخ، فهذا كله في المخلوق ولا يقاس عليه الغائب. تعالى الله عن ذلك، والدخول في ذلك دخول في تصور الخالق ومحاولة لتصور ما لا يدخل في تصورنا، فالإمساك واجب، والسؤال عنه بدعة مردودة، وعلينا الإيمان به كما ورد. والله أعلم. الرواية (٣، ٤، ٥، ٦، ٧) (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار .... ودينار .... ودينار) مشاركة الثلاثة في الأفضلية لا تمنع أن يكون بعضها أفضل من بعض، والمفاضلة بينها واضحة في الرواية الرابعة، وقد فهم أبو قلابة أفضلية الأول على أخويه في الرواية الثالثة -ربما من التقديم- فقال ما قال. (وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم) عن الحاجة وعن السؤال وعن الانحراف، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا رجل أعظم، والوصف بالصغار لتأكيد معنى العالة.

стр. 2198

(ودينار أنفقته في رقبة) أي في عتق رقبة. (إذ جاءه قهرمان له) القهرمان بفتح القاف وإسكان الهاء وفتح الراء، وهو الخازن القائم بحوائج الإنسان، وهو بمعنى الوكيل، وهو بلسان الفرس. قاله النووي. (أعتق عبداً له عن دبر) المدبر هو الذي علق عتقه على موت سيده. (يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك) القول هنا مراد به الفعل والإشارة، فرسول الله ﷺ عبر عن هذه الجهات بالإشارة بيده. (وكان أحب أمواله إليه بيرحى) بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء وفتح الحاء، مقصور، في محل رفع أو نصب، وضبط كذلك ممدوداً "بيرحاء" وضبط الممدود أيضاً بكسر الباء مع فتح الراء وضمها، وفي بعض روايات مسلم "بريحاء" بفتح الباء وكسر الراء، وفي كتاب أبي داود " باريحاء" وهو اسم لبستان به بئر. وليس اسماً للبئر كما قيل، بدليل قوله: "وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب". الرواية (٨، ٩) (وكانت مستقبلة المسجد) أي مقابلته. قال النووي. وهذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة، بفتح الجيم وكسر الدال. (قام أبو طلحة إلى رسول الله) أي ذهب إليه. (أرجو برها وذخرها) أي أرجو فضلها وثوابها وادخارها عند الله، والبر اسم جامع لأنواع الخيرات. (بخ) قال النووي: قال أهل اللغة: يقال: بخ بإسكان الخاء، وتنوينها مكسورة، وحكى القاضي الكسر بلا تنوين، وحكى الأحمر التشديد فيه. قال القاضي: وروي بالرفع، فإذا كررت فالاختيار تحريك الأول منوناً وإسكان الثاني. قال ابن دريد: معناه تعظيم الأمر وتفخيمه، وسكنت الخاء فيه كسكون اللام في "هل وبل". ومن قال: بخ بكسره منوناً شبهه بالأصوات كصه ومه. قال ابن السكيت: "بخ بخ" و"به به" بمعنى واحد. وقال الداودي: بخ كلمة تقال إذا حمد الفعل. وقال غيره: تقال عند الإعجاب والرضا والمدح، وتكرر للمبالغة. (ذلك مال رابح) قال النووي: ضبطناه هنا بوجهين، بالياء المثناة، وبالباء الموحدة، فمن رواه بالموحدة فمعناه طاهر، [أي ذو ربح] ومن رواه "رايح" بالمثناة فمعناه رايح عليك أجره ونفعه في الآخرة. اهـ[أي يروح عليك أجره ويغدو] والتنوين في "رابح" للتعظيم، وتكرير الجملة تأكيد لأهمية الخبر.

стр. 2199

(قد سمعت ما قلت فيها) أي قد علمت تفويضك لي بصرفها في سبيل الله حيث أشاء. (أن تجعلها في الأقربين) لك، وفي الرواية التاسعة "اجعلها في قرابتك" أي أقاربك الأقرب منهم فالأقرب. (فجعلها في حسان وأبي بن كعب) قال النووي: وهما يجتمعان معه في الجد السابع. اهـ والظاهر أنه لم يكن له قرابة أقرب مسلمة فقيرة. الرواية (١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧) (أعتقت وليدة) أي جارية بغض النظر عن صغرها أو عدم صغرها، فكل مولود ولد. (لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) قال النووي: هكذا وقعت اللفظة في صحيح مسلم "أخوالك" باللام. ووقعت في رواية البخاري "أخواتك" بالتاء. قال القاضي: لعله أصح بدليل رواية مالك في الموطأ "أختك". قال النووي: الجميع صحيح ولا تعارض، وقد قال ﷺ ذلك كله. اهـ. (عن زينب امرأة عبد الله) بن مسعود، واسمها رائطة على الصحيح، وكانت امرأة صناع اليد، فكانت تنفق على زوجها وعلى ولده من صنعتها. (قالت: قال رسول الله ﷺ "تصدقن ولو من حليكن") بضم الحاء وكسر اللام على الجمع، وبفتح اللام وسكون اللام مفرداً، وفي الرواية الثانية عشرة "كنت في المسجد فرآني النبي ﷺ فقال تصدقن .... " وصورة القصة كما توضحها رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ خرج في يوم العيد إلى المصلى، فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، ثم مر على النساء، فقال ما قال. فليست رؤيته ﷺ لها سبباً في قوله، كما توهمه روايتنا. (يا معشر النساء) المعشر الجماعة الذين صفتهم واحدة. (قالت: فرجعت إلى عبد الله) أي رجعت من المسجد إلى البيت. إلى زوجي عبد الله بن مسعود. (فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد) أي فقير، فخفة اليد خفة ما فيها من أموال، وفي بعض الروايات "وليس لعبد الله بن مسعود مال". (فإن كان ذلك يجزي عني) جواب الشرط محذوف للعلم به، والإشارة لإنفاقها عليه وعلى ابنه، والمعنى فإن كان إنفاقي عليكم يجزي عني في الوقاية من النار، ويعتبر صدقة أنفقت عليكم ما يمكن أن أتصدق به. قال النووي "يجزي عني" هو بفتح الياء، أي يكفي، وكذا قولها بعد "أتجزئ الصدقة عنها" بفتح التاء.

стр. 2200

(وإلا صرفتها إلى غيركم) الجمع له ولابنه، كما هو في صريح بعض الروايات. (فإذا امرأة من الأنصار) في بعض الروايات "فإذا امرأة من الأنصار يقال لها: زينب"، وهي امرأة أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري. (حاجتي حاجتها) في رواية البخاري "حاجتها مثل حاجتي" أي تسأل عما أريد أن أسأل عنه. (قد ألقيت عليه المهابة) اعتذار عن عدم دخولهما واكتفائهما برسالة بلال. (على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما) ما أضيف إلى ضمير المثنى إذا كان واحداً لكل منهما زوج وحجر جاز إفراده [زوجهما وحجرهما] وتثنيته [زوجيهما وحجريهما] وجمعه [أزواجهما وحجورهما] قال النووي عن الحالة الأخيرة: وهي أفصحهن، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] قيل: إن الأيتام كانوا في حجر امرأة أبي مسعود كما هو ظاهر رواية النسائي. ولفظها: "لإحداهما فضل مال وفي حجرها بنو أخ لها أيتام، وللأخرى فضل مال وزوج خفيف اليد". وظاهر رواية البخاري: أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود كان في حجرها أيضاً أيتام. ولفظها: عن زينب امرأة عبد الله قالت لزوجها عبد الله: سل رسول الله ﷺ أتجزئ عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ . (ولا تخبره من نحن؟ ) ظاهره أن بلالاً عرفهما، وأن هذا الطلب ستر على أزواجهما وإخفاء لصدقتهما. (فقال: امرأة من الأنصار وزينب) ظاهره أنه لم يكن يعرف اسم المرأة الثانية وإن عرف أنها من الأنصار، لكن البدر العيني يقول: اكتفى بذكر اسم من هي أكبر وأعظم. (فقال رسول الله ﷺ : لهما أجران) ظاهره أن الجواب قيل لبلال، لكن رواية البخاري تصرح بأن الكلام وجه إلى زينب، ولفظها: "فقال: أي الزيانب؟ قيل: امرأة ابن مسعود؛ قال: نعم. ائذنوا لها، فأذن لها، قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم". ويجمع بين الروايتين باحتمال أن الجواب تحمله بلال أولاً، ثم ذهب إليهما به، فطلبت الإذن، فأذن لها وسألت وأجيبت. (إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها) قال النووي: فيه بيان أن المراد بالصدقة والنفقة المطلقة في باقي الأحاديث إذا احتسبها، ومعناه أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلاً، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب أن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة والأطفال وغيرهم ممن تجب نفقتهم على حسب أحوالهم، فينفق بنية أداء ما أمر به، وقد أمر بالإحسان إليهم.

стр. 2201

(إن أمي قدمت علي وهي راغبة أو راهبة) في الرواية السادسة عشرة "وهي راغبة" بدون شك. قال القاضي: الصحيح "راغبة" بلا شك. قال: قيل: معناه راغبة عن الإسلام وكارهة له. وقيل معناه طامعة فيما أعطيها حريصة عليه. اهـ. واسم أمها قيلة، وقيل: قتيلة بنت عبد العزى القرشية العامرية. قال النووي: واختلف العلماء في أنها أسلمت أم ماتت على كفرها، والأكثرون على موتها مشركة. (في عهد قريش إذ عاهدهم) رسول الله ﷺ ، ومقصودها الهدنة التي نص عليها في صلح الحديبية. (إن أمي افتلتت نفسها) قال النووي: ضبطناه "نفسها" بالنصب والرفع، فالرفع على أنه نائب فاعل، والنصب على أنه مفعول ثان، وقوله "افتلتت" بالفاء، هذا هو الصواب الذي رواه أهل الحديث وغيرهم، ورواه ابن قتيبة "اقتتلت نفسها" بالقاف قال: وهي كلمة تقال لمن مات فجأة. والصواب الفاء قالوا: ومعناه ماتت فجأة. وكل شيء فعل بلا تمكث فقد افتلت. (الرواية (١٨، ١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢) (كل معروف صدقة) أي كالصدقة من حيث الثواب والحكم. ففي الكلام تشبيه بليغ. (ذهب أهل الدثور بالأجور) "الدثور" بضم الدال جمع دثر بفتحها وهو المال الكثير، أي ذهب الأغنياء بالأجور وسبقوا بها الفقراء. (ويتصدقون بفضول أموالهم) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي بأموالهم الفاضلة الزائدة عن حاجاتهم، وفي الكلام حذف للعلم به، أي ولا نتصدق نحن الفقراء، لأننا لا نجد ما ننفق. (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون) قال النووي: الرواية فيه بتشديد الصاد والدال جميعاً، ويجوز في اللغة تخفيف الصاد. اهـ أي ما تتصدقون به، والواو عاطفة على محذوف، هو مدخول همزة الاستفهام، والمعطوف على الاستفهام استفهام، والتقدير أيسبقونكم؟ وأليس جعل الله لكم ما تتصدقون به بدلاً من فضول أموالهم؟ والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لم يسبقوكم والاستفهام في الجملة الثانية دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، أي قد جعل الله لكم بديلاً، ثم ذكر البديل. (إن بكل تسبيحة صدقة) قال القاضي: يحتمل تسميتها صدقة على أن لها أجراً كما أن للصدقة أجراً -أي فليست صدقة على الحقيقة- وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام. وقيل: معناه أنها صدقة تصدق بها على نفسه. اهـ فهي صدقة حقيقية. (وكل تكبيرة صدقة) قال النووي: رويناه بوجهين، رفع "صدقة" ونصبه، فالرفع على الاستئناف، والنصب عطف على "إن بكل تسبيحة صدقة". اهـ.

стр. 2202

توضيحه أن رفع "صدقة" على أنها خبر و"كل" مبتدأ مرفوع، والواو عطفت جملة على جملة، أو للاستئناف ولا عطف، ونصب "صدقة" يقتضي جر "كل" عطفاً على "كل" الأولى، و"صدقة" معطوفة على "صدقة" الأولى، فيكون من قبيل عطف المفردات، من قبيل العطف على معمولي عاملين مختلفين. وما قيل في "وكل تكبيرة صدقة"، يقال فيما بعدها من جملتي التحميد والتهليل. (وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة) بالرفع فيهما قولاً واحداً. قال النووي: نكرهما -أي "أمر" و"نهي" للإشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. اهـ. وقد يقال: وعرف الأول "بالمعروف" دون الثاني "منكر" للإشارة إلى المراد بالمعروف ما عرف حسنه شرعاً، وليس ما يتعارف عليه الناس، فأل فيه للعهد. (وفي بضع أحدكم صدقة) قال النووي: هو بضم الباء، ويطلق على الفرج نفسه، وكلاهما تصح إرادته هنا. (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) قال النووي: ضبطناه "أجراً" بالنصب والرفع، وهما ظاهران. اهـ فالنصب على اعتبار "كان" ناقصة واسمها ضمير يعود على وضعها في الحلال، والرفع على أنه اسم كان، والجار والمجرور "له" خبر مقدم. (إنه خلق كل إنسان .... على ستين وثلاثمائة مفصل) اسم "إنه" ضمير الحال والشأن، والجملة بعده خبر، و"مفصل" بفتح الميم وكسر الصاد. (عدد تلك الستين والثلثمائة السلامى) "السلامى" بضم السين وتخفيف اللام هو المفصل، وجمعه سلاميات بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم وتخفيف الياء. قاله النووي، وقال: قد يقال: وقع هنا إضافة "ثلاث" إلى "مائة" مع تعريف الأول [الثلاث] وتنكير الثاني [مائة] والمعروف لأهل العربية عكسه، وهو تنكير الأول وتعريف الثاني. اهـ. وتوضيح المسألة أن الثلاث والأربع وما بعدها إلى التسع إذا أضيفت إلى مائة لزم حذف الألف واللام من المضاف، فكان حقه أن يقول [عدد الستين وثلاثمائة] وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن لفظ [مائة] ليس مضافاً وإنما هو منصوب على التمييز على رأي بعض النحاة، وقيل: إن [مائة] مجرورة بالإضافة والألف واللام في [الثلاث] زائدتان، ولا اعتداد بدخولهما. (فإنه يمشي يومئذ) أي يوم القيامة. (وقد زحزح نفسه عن النار) أي باعد نفسه عن النار، وليس المعنى أنه دخلها فزحزح نفسه عنها.

стр. 2203

(على كل مسلم صدقة) أي صدقات ليحمي مفاصله من النار. [يشير إلى روايتنا الثانية والعشرين]. قال القرطبي: أطلق الصدقة هنا وبينها في حديث آخر بكل يوم، فعند مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس". (أرأيت إن لم يجد) أي أخبرني يا رسول الله إن لم يجد ما يتصدق به؟ وكأنهم فهموا أن الصدقة مقصورة على العطية، فبين لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك ولو إغاثة الملهوف. (يعتمل بيديه) في رواية البخاري [يعمل بيديه] والاعتمال افتعال فيه معنى التكليف والمشقة. (أرأيت إن لم يستطع) أن يعمل بيديه؟ (يعين ذا الحاجة الملهوف) [الملهوف] بالنصب، لأنه صفة [ذا الحاجة] والملهوف يطلق على المتحسر والمضطر وعلى المظلوم. وقولهم: يا لهف نفسي على كذا. كلمة تحسر على ما فات، يقال: لهف بكسر الهاء يلهف بفتحها لهفاً بإسكانها أي حزن وتحسر. (يمسك عن الشر فإنها صدقة) [فإنها] أي الفعلة التي هي الإمساك. وقيل: تأنيث الضمير باعتبار الخبر، وإنما كان الإمساك عن الشر صدقة مع أنه كف ومنع لأنه إذا أمسك شره عن غيره فكأنما تصدق عليه بتأمينه منه، وإذا أمسك شره عن نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم. (تعدل بين الاثنين صدقة) أي تصلح بينهما بالعدل. (وتعين الرجل في دابته) أي في نفع دابته وانتفاعه بها. الرواية (٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨) (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان) "من" زائدة لتأكيد النفي، و"يوم" اسم "ما" وجملة "يصبح العباد فيه" صفة ليوم، وخبر "ما" والمستثنى منه محذوف للعلم به، والمعنى ليس يوم موصوف بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان يقولان كذا. (اللهم أعط منفقاً خلفاً) بفتح اللام، أي عوضاً، يقال: أخلف الله عليك خلفاً، أي أبدلك عما ذهب منك عوضاً. والمراد الإنفاق في الطاعات ومكارم الأخلاق وعلى العيال والأهل ونحو ذلك في الحدود المشروعة بحيث لا يذم فاعله شرعاً. (اللهم أعط ممسكاً تلفاً) المراد بالإمساك عدم الإنفاق المشروع، والتعبير بالإعطاء هنا من قبيل المشاكلة، لأن التلف ليس إعطاء.

стр. 2204

(تصدقوا) أي عجلوا بالصدقة وبادروا بها، واغتنموا إمكان قبولها قبل أن يتعذر قبولها. (فيوشك الرجل يمشي بصدقته ... فلا يجد من يقبلها) قال النووي: سبب عدم قبول الصدقات في آخر الزمان كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، وقرب الساعة، وعدم الرغبة في ادخار المال وكثرة الصدقات والمتصدقين. (فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بالأمس قبلتها) المراد من "الذي أعطيها" الذي قصد إعطاؤه أي الذي عرضت عليه، والمراد بالأمس اليوم الذي مضى قبل وقوع الأحداث السابقة، وليس المراد اليوم الذي قبل يومك مباشرة. (زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب لا يجد أحداً يأخذها منه) التعبير بالذهب للتنبيه على ما سواه، لأنه إذا كان الذهب لا يقبله أحد فكيف غيره؟ والتعبير بالطواف للإشارة للتردد على الناس. قال النووي: فتحصل من التعبير المبالغة في عدم قبول الصدقة بثلاثة أشياء: كونه يعرضها ويطوف بها وهي من ذهب. (ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به) أي ينتمين إليه ليقوم بحوائجهن، ويدفع الشرور عنهن، كقبيلة بقي من رجالها واحد فقط وبقيت نساؤها، فيلذن بذلك الرجل ليذب عنهن؛ ويقوم بحوائجهن، ولا يطمع فيهن أحد بسببه. قاله النووي. "ويرى" بضم الياء "والرجل" نائب فاعل، أي يراه الناس، والرؤية علمية أو بصرية. كما في ملحق الرواية "وترى الرجل" بفتح التاء، والفاعل ضمير المخاطب وهو لمن يتأتى خطابه في ذلك الزمان. (من قلة الرجال وكثرة النساء) سبب ذلك الحروب التي تقع في آخر الزمان، كما جاء في الحديث بقوله: "ويكثر الهرج" أي القتل. (وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً) المراد من أرض العرب الجزيرة العربية، وليس المراد أرض الجامعة العربية الحالية؟ وظاهر العبارة أن الجزيرة العربية كانت في يوم من الأيام مروجاً وأنهاراً، ثم أقفرت وستعود. أما أنها كانت مروجاً وأنهاراً فيقول عن ذلك الدكتور أحمد فخري في كتابه "دراسات في تاريخ الشرق القديم": كانت الجزيرة العربية منطقة خضراء خصبة فيها المراعي والغابات، فأخذت تجف شيئاً فشيئاً، وأخذت الرياح الجنوبية الشديدة تغطي مراعيها. على أن بلاد اليمن من الجزيرة العربية وكانت مروجاً وأنهاراً كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم ﴿لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال﴾ [سبأ: ١٥]. وأما أنها أقفرت فقد شاهدناها مقفرة كما كانت وقت ذكر هذا الحديث وأما أنها ستعود، فقد

стр. 2205

شاهدنا مقدمة ذلك في أوائل القرن الخامس عشر الهجري حيث أن المملكة العربية السعودية أصبحت مكتفية بإنتاجها من القمح وتصدر الكثير منه إلى البلاد الأخرى. (حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة) قال النووي: ضبطوه بوجهين، أجودهما وأشهرهما "يهم" بضم الياء وكسر الهاء، ويكون "رب المال" منصوباً مفعولاً. والفاعل "من" وتقديره يحزنه ويهتم له -والمعنى حتى يكون هم صاحب المال وشغله الشاغل أن يجد من يقبل الزكاة. والثاني "يهم" بفتح التاء وضم الهاء ويكون "رب المال" مرفوعاً فاعلاً، من "هم به" إذا قصده. اهـ والمعنى حتى يقصد رب المال من يقبل الصدقة ويطوف بالناس ويبحث عنه فلا يجده. (لا أرب لي فيه) بفتح الهمزة والراء، أي لا حاجة إليه ولا رغبة لي فيه. (تقيء الأرض أفلاذ كبدها) قال ابن السكيت: الفلذ القطعة من كبد البعير. وفي "تقيء الأرض" استعارة تصريحية تبعية، بتشبيه إخراج الأرض ما في جوفها بالقيء، واستعارة القيء للإخراج واشتقاق "تقيء" بمعنى تخرج، وفي هذا من تحقير ما يخرج والاستهانة به ما فيه. وفي "أفلاذ كبدها" استعارة أيضاً بتشبيه ما في باطنها بالكبد للحيوان. (أمثال الأسطوان من الذهب والفضة) الأسطوان بضم الهمزة والطاء جمع أسطوانة وهي السارية والعمود، ووجه الشبه العظم والكثرة. (فيجيء القائل فيقول: في هذا قتلت) أي من أجل مثل هذا قتلت. (ويجيء القاطع) أي القاطع رحمه. (فيقول: في هذا قطعت) أي من أجل مثل هذا قطعت رحمي. (ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً) لكثرته وصيرورته كالتراب، ولعدم حاجتهم إليه. الرواية (٢٩، ٣٠، ٣١) (ولا يقبل الله إلا الطيب) قال النووي: المراد بالطيب هنا الحلال. اهـ ويحترز بذلك عن الخبيث الحرام. قال القرطبي: أصل الطيب المستلذ بالطبع، ثم أطلق على الطيب بالشرع، وهو الحلال. (إلا أخذها الرحمن بيمينه .... فتربو في كف الرحمن) قال المازري: هذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم، ليفهموا عنه، فكنى عن قبول الصدقة بالأخذ باليمين. وقال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا، وليس المراد بها الجارحة، أي العضو المعروف في الجسم. وقيل: عبر باليمين عن جهة القبول، إذ الشمال بضده. وقال الزين بن المنير: كناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين لتثبيت المعاني المعقولة من الأذهان

стр. 2206

وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات، أي لا يتشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه، لا أن التناول كالتناول المعهود، ولا أن المتناول به جارحة. اهـ وقيل: المراد سرعة القبول. وقيل: حسنه. وقيل: المراد بكف الرحمن هنا ويمينه كف الذي تدفع له الصدقة، وإضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص، لوضع هذه الصدقة في كف الآخذ لله تعالى. اهـ. وهذه الأقوال كلها تؤول اليمين والكف وتحترز عن إرادة العضو المعروف، لاستحالة ذلك على الله تعالى، لأنها تستلزم الجسمية والمكانية والتحيز المستلزم بسبق المكان والحيز على المتمكن والمتحيز فيتنافى ذلك مع القدم المطلق لله تعالى. وهذا ما يعرف بمذهب الخلف عند علماء الكلام. أما مذهب السلف -وهو أسلم- فهو الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من أمثال ذلك من غير تأويل، ومن غير تشبيه، وإجراء القرآن والحديث على ظاهره، وإثبات ذلك لله تعالى على وجه الكمال، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات. يمثل هذا المذهب قول الترمذي في "جامعه": قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهاً، ولا نقول: كيف؟ هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم. اهـ والله أعلم. (وإن كانت تمرة) جواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله، والتقدير: وإن كانت تمرة في قلتها وضعف قيمتها أخذها الرحمن بيمينه. (فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل) الضمير للتمرة، وفي رواية البخاري "حتى تكون مثل الجبل" وفي رواية: "حتى يوافى بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد". قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتثقل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك تعبيراً عن ثوابها. اهـ. وقال الداودي: أي حتى تصير في الأجر كمن تصدق بمثل الجبل. وقال بعضهم: أي لا يزال نظر الله إلى الصدقة ينميها، حتى تنتهي بالتضعيف إلى قدر تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة والجبل. (كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله) في الرواية الثلاثين "كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه" والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، وبكسر الفاء وسكون اللام وتخفيف الواو؛ والأولى أفصح، وهو المهر، يقال: فلا مهره إذا فصله من أمه، ويقال: فلوت المهر نحيته، والفصيل ولد الناقة إذا فصل من إرضاغ أمه، فعيل بمعنى مفعول، مثل جريح بمعنى مجروح. والقلوص بفتح القاف وضم اللام الناقة الفتية. ووجه الشبه النماء البين وسرعة الزيادة، وليس الحجم. (لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب) معنى الكسب المكسوب والمراد به ما هو أعم من تعاطي التكسب وبذل الجهد في تحصيله أو حصول المكسوب بغير تعاط كالميراث. (إن الله طيب) قال القاضي: الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنزه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث.

стр. 2207

(ثم ذكر الرجل يطيل السفر) قال النووي: معناه -والله أعلم- أنه يطيل السفر في وجوه الطاعات كحج وزيارة مستحبة وصلة رحم وغير ذلك. (أشعث أغبر) أي منفوش الشعر غير منسق المظهر يعلوه الغبرة والتراب. (يمد يديه إلى السماء ... يا رب ... يا رب) أي يدعو متضرعاً، رافعاً يديه في دعائه، يقول يا رب. يا رب. وهذه الصفات مرشحة لقبول الدعاء، فالمسافر في طاعة من أهل الدعاء المجاب، والشعث والغبرة من مظاهر الحاجة والتضرع المؤهلة لقبول الدعاء، ومد اليدين عند الدعاء، والنداء المكرر، كل ذلك من محققات الإجابة لكنها إذا لوثت بما بعدها بطل مفعولها. (وغذي بالحرام) "غذي" بضم الغين وكسر الذال المخففة، مبني للمجهول، من غذاه يغذوه، بمعنى أطعمه، أي غذي باللبن طفلاً بالحرام، كأنه قال: نماؤه كبيراً في مطعمه ومشربه من حرام، ومنبته صغيراً من حرام. وفي لسان العرب: الغذاء ما يكون به نماء الجسم وقوامه من الطعام والشراب واللبن. وقيل: اللبن غذاء الصغير وتحفة الكبير. اهـ. (فأنى يستجاب لذلك) الدعاء؟ أي من أين يستجاب لمن هذه حالته وكيف يستجاب له؟ الرواية (٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٣٨، ٣٩) (من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل) شق التمرة بكسر الشين نصفها وجانبها. وفي الرواية الثالثة والثلاثين "فاتقوا النار ولو بشق تمرة" وزاد في رواية "ولو بكلمة طيبة" وفي الرواية الرابعة والثلاثين "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" أي فمن لم يجد شيئاً يتصدق به ولو قليلاً فليتق النار بكلمة طيبة. وفي رواية الطبراني "اجعلوا بينكم وبين النار حجاباً ولو بشق تمرة". وعند أحمد "ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة". وعنده أيضاً: "يا عائشة. استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان". وفي رواية "تقع من الجائع موقعها من الشبعان". (ما منكم من أحد) الخطاب للمسلمين في كل زمان ومكان، أي ما منكم من أحد يا معشر المسلمين. (ليس بينه وبينه ترجمان) بفتح التاء وضمها، وهو المعبر عن لسان بلسان. ذكره النووي. والمراد هنا الوسيط في نقل المراد. (ذكر النار) أي ذكر الصحابة وخوفهم من عذاب النار. (وأشاح بوجهه ثلاث مرار) بالشين والحاء، أي عدل بوجهه وابتعد عن المواجهة. وقال الأكثرون من أهل اللغة: المشيح: الحذر والجاد في الأمر، وقيل: المقبل. وقيل: الهارب. وقيل: المقبل

стр. 2208

إليك المانع لما وراء ظهره. قال النووي: فأشاح هنا يحتمل هذه المعاني، أي حذر النار كأنه ينظر إليها، أوجد في الإيضاح بإبقائها، أو أقبل إليك خطاباً، أو أعرض كالهارب. اهـ. (مجتابي النمار أو العباء) قال النووي: "النمار" بكسر النون جمع نمرة بفتحها، وهي ثياب من صوف فيها تنمير، والعباء بالمد وبفتح العين جمع عباءة وعباية لغتان. وقوله: "مجتابي النمار" أي خرقوها وقورواً وسطها. اهـ وفي لسان العرب: اجتبت القميص إذا لبسته، واجتاب فلان ثوباً لبسه، وفي الحديث "أتاه قوم مجتابي النمار" أي لابسيها. والنمرة بردة من صوف يلبسها الأعراب. اهـ فالمعنى -والله أعلم- أن هؤلاء القوم لم تكن عليهم ثياب، وكانوا يلتحفون ويلتفون وتغطى أجسادهم النمار الصوف. و"مجتابي" منصوب على الحال من "قوم" بعد وصفه بحفاة عراة. (فتمعر وجه رسول الله ﷺ أي تغير، غضباً وشفقة وحسرة. (لما رأى بهم من الفاقة) أي للذي رآه بهم من مظاهر الفقر التي عبر عنها الراوي "بحفاة عراة مجتابي النمار"، وكما جاء في ملحق الرواية "عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة". (فدخل ثم خرج) أي دخل بيته من المسجد ثم خرج إليه، ولعله دخل يسأل عما يمكن أن يجده من عطاء. ﴿(اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١] وهذه الآية واضحة في الحث على الصدقة عليهم، وفيها تأكيد لحقهم لكونهم إخوة. (تصدق رجل من ديناره) خبر في معنى الأمر. أي ليتصدق رجل من ديناره ... إلخ. (فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها) الظاهر أن الصرة كان بها طعام أو ثياب، لظاهر قوله بعد: "كومين من طعام وثياب"، ولو كانت من دراهم ودنانير لأغنت عن الكومين، ولذكرت. وقوله: "كومين" بفتح الكاف وضمها، وقيل: بالضم اسم للشيء المجموع، وبالفتح المرة الواحدة. قال ابن سراج: والكومة بالضم الصبرة والكوم العظيم من كل شيء، والكوم المكان المرتفع كالرابية. قال القاضي: فالفتح هنا أولى، لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية. (حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة) قال النووي: ضبطوه بوجهين، أحدهما وهو المشهور، وبه جزم القاضي والجمهور: "مذهبة" بذال معجمة وفتح الهاء وبعدها باء موحدة، -أي مع ضم الميم. والثاني: "مدهنة" بفتح الميم وبدال مهملة، وضم الهاء وبعدها نون، وفسرت -إن صحت- بالإناء الذي يدهن فيه، أو بالنقرة في الجبل يستجمع فيها ماء المطر، فشبه صفاء وجهه الكريم بصفاء هذا الماء، أو بصفاء الدهن والمدهن. قال القاضي عياض وغيره من الأئمة: هذا تصحيف، وهو بالذال المعجمة والباء الموحدة، وهو المعروف في الروايات، وتفسيره على وجهين:

стр. 2209

الأول: معناه فضة مذهبة، فهو أبلغ في حسن الوجه وإشراقه. والثاني: شبهه في حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود، وجمعها مذاهب، وهي جلود كانت العرب تجعل فيها خطوطاً مذهبة يرى بعضها إثر بعض. اهـ. وعلى أي حال مراد الراوي المبالغة في تهلل وجه رسول الله ﷺ سروراً، وسبب هذا السرور ما رآه من مبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى وبذل أموالهم، وامتثال أمر رسول الله ﷺ ، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى. (أمرنا بالصدقة) في رواية البخاري "لما نزلت آية الصدقة". قال الحافظ ابن حجر: كأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية. (كنا نحامل) وفي ملحق الرواية "كنا نحامل على ظهورنا" أي نحمل على ظهورنا أمتعة الغير بالأجرة، فالمفاعلة ليست من الجانبين، بل بمعنى نفعل كنسافر. وقال الخطابي: يريد نتكلف الحمل بالأجرة لنتكسب ونتصدق به. اهـ ويؤيده رواية البخاري، وفيها "انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل" أي يطلب الحمل بالأجرة، ليتصدق من تلك الأجرة أو يتصدق بها كلها. والمتحدث أبو مسعود يحكي عن نفسه وعن بعض الفقراء من أصحابه، وفي رواية له عند البخاري "كان رسول الله ﷺ إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فتحامل فيصيب المد، وإن لبعضهم اليوم -أي بعد ما وسع الله عليهم لكثرة الفتوح- لمائة ألف، كأنه يعرض بنفسه". (فتصدق أبو عقيل بنصف صاع) في رواية البخاري "فجاء رجل فتصدق بشيء كثير. فقالوا: مراء. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا". قال الحافظ ابن حجر: وأبو عقيل بفتح العين، وحصل الصاع أجرة على نزح من البئر بالحبل. (وجاء إنسان بشيء أكثر منه، فقال المنافقون: إن الله غني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء) فسر الذي تصدق بالشيء الكثير بعبد الرحمن بن عوف، وقد تصدق بثمانية آلاف، وقيل: بأربعة آلاف. (فنزلت ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾) [التوبة: ٧٩]. أي يلمزون المطوعين بالكثير، ويلمزون الفقراء الذين لا يجدون إلا القليل. واللمز الغمز وإشارة السخرية. (عن أبي هريرة يبلغ به) أي يبلغ بالحديث رسول الله ﷺ أي يرفعه إليه. (ألا رجل) حض وحث على الفعل، أي أحث رجلاً عنده إبل ونوق. (يمنح أهل بيت ناقة) المنيحة العطية، سواء كانت للرقبة بمنافعها مؤبدة مثل الهبة، أم كانت للمنافع فقط ولمدة، كناقة أو عنزة تعطى للفقير مدة يشرب منها لبنها ثم يردها لصاحبها، وهي المقصودة هنا.

стр. 2210

(تغدو بعس وتروح بعس) "العس" بضم العين وتشديد السين القدح الكبير، وضبط بكسر العين وفتحها. قال النووي: وهذا هو الصواب المعروف وروى "بعشاء". قال القاضي: وهذه رواية أكثر رواة مسلم. وروى "بعساء" بالسين المهملة، وفسر بالعس الكبير. والغدو أول النهار، و"الرواح" آخره، والمقصود حث الأغنياء بمنح الفقراء ناقة لمدة تعطيهم في الصباح قدحاً كبيراً من اللبن، وفي المساء مثله. (إن أجرها لعظيم) أي إن أجر هذه المنيحة لعظيم لمن منح. (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه نهى) أي نهى عن كذا وكذا. فذكر خصالاً منهياً عنها، وقد عرف عن أبي هريرة أنه كان يجمع أحاديث في حديث واحد. (من منح منيحة غدت بصدقة وراحت بصدقة صبوحها وغبوقها) المنيحة والمنحة العطية، وتكون في الحيوان وفي الثمار وغيرهما. قال النووي: وفي الصحيح أن النبي ﷺ منح أم أيمن عذاقاً، أي نخلاً، قد تكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها، وهي الهبة، وقد تكون عطية اللبن أو الثمرة مدة، وتكون الرقبة باقية على ملك صاحبها، ويردها إليه إذا انقضى اللبن أو الثمر المأذون فيه. "والصبوح" بفتح الصاد الشرب أول النهار، "والغبوق" بفتح الغين الشرب أول الليل. والصبوح والغبوق منصوبان على الظرفية. وقال القاضي عياض: هما مجروران على البدل من قوله: "صدقة". قال: ويصح نصبهما على الظرف. الرواية (٤٠، ٤١، ٤٢) (مثل المنفق والمتصدق) قال النووي: هكذا وقع هذا الحديث في جميع النسخ "مثل المنفق والمتصدق" قال القاضي وغيره: هذا وهم، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات "مثل البخيل والمتصدق" وتفسيرهما آخر الحديث يبين هذا. قال: وقد يحتمل أن تكون على وجهها وفيها محذوف، تقديره مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما وهو البخيل، وحذف البخيل لدلالة المنفق والمتصدق عليه، كقول الله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد، فحذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه. و"المتصدق" وقع في بعض الأصول "والمصدق" بقلب التاء صاداً وتشديد الصاد. وهما صحيحان. (كمثل رجل عليه جبتان أو جنتان) قال النووي: "كمثل رجل" بالإفراد، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وصوابه "كمثل رجلين"، وأما قوله: "جبتان أو جنتان" فالأول بالباء والثاني بالنون، ووقع في بعض الأصول عكسه. اهـ و"أو" للشك، "والجبة" بضم الجيم وتشديد الباء ثوب معروف، "والجنة" بضم الجيم وتشديد النون هي الدرع، وقد جاءت بعض الروايات بدون شك "جبتان" بالباء كما عند البخاري، و"جنتان" بالنون بدون شك، كما في الروايتين "٤١، ٤٢" وهي الأصوب إذ المراد منها الدروع، وسميت بذلك لأنها تجن صاحبها أي تحصنه، والجبة بالباء لا
следующие страницы →