← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

العلم، أنه ليس في الخضراوات صدقة. وقال البيهقي بعد أن روى هذا الحديث وأحاديث مراسيل: هذه الأحاديث كلها مراسيل إلا أنها طرق مختلفة، فيؤكد بعضها بعضاً، ومعها قول الصحابة ﵃. اهـ. وأقوى ما يرد به على أبي حنيفة أن الخضراوات كانت تزرع في المدينة في عهده ﷺ ولم يثبت أنه أخذ منها زكاة، وبالتالي لم يثبت أنه أعطى فقيراً كمية من البصل أو الثوم كزكاة مثلاً، ولو حصل مرة لنقل إلينا، على أن الأصل عدم الوجوب، والوجوب لا يثبت إلا بالدليل، ولا دليل، والإمام مالك، وهو الذي يعتمد عمل أهل المدينة، قال بعدم وجوب الزكاة في الخضراوات مما يؤكد أن عمل أهل المدينة على خلاف مذهب أبي حنيفة. والله أعلم. وقد اختلف الشافعية في وجوب الزكاة في الزيتون بناء على أن الشافعي قال في القديم: تجب فيه الزكاة، معتمداً قول ابن عباس: "في الزيتون الزكاة". وقال في الجديد: لا زكاة فيه، لأنه ليس بقوت فأشبه الخضراوات. قال النووي: والقولان مشهوران، والأصح أنه لا زكاة فيه. قال البيهقي: ولم يثبت في الزيتون إسناد تقوم به حجة، والأصل عدم الوجوب، ولا زكاة فيما لم يرد فيه حديث صحيح، أو كان في معنى ما ورد به حديث صحيح. اهـ أما الإمام مالك: فلم يتردد في القول بوجوب الزكاة في الزيتون. وألحق بالزروع والثمار العسل على اعتبار أن النحل يعيش غالباً في الأشجار ويقتات من الزروع والثمار، وقد اختلف في زكاته الشافعية على قولين: أصحهما: عدم الوجوب، لأنه لم يثبت بوجوبه خبر صحيح، ولأنه مائع خارج من حيوان، فأشبه اللبن، واللبن لا زكاة فيه بالإجماع، وعلى هذا القول الإمام مالك، أما أبو حنيفة فقال بوجوب الزكاة في العسل إذا لم يكن بأرض خراج، وأما الإمام أحمد فقال بوجوب الزكاة فيه سواء أكان في أرض خراجية أو غير خراجية، وأدلتهم مبسوطة في كتب الفروع. وقد بينت الرواية السادسة مقدار ما يخرج من زكاة الزروع والثمار، وهو العشر فيما سقى بغير مئونة، ونصف العشر فيما سقى بمئونة ثقيلة كالنواضح والدواليب. قال النووي: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين. ونقل البيهقي الإجماع فيه. كما وضحت الروايات الخمس الأولى أنه لا زكاة إلا إذا بلغ الزرع أو الثمر نصاباً وهو خمسة أوسق، وقد وضحنا الوسق والنصاب في المباحث العربية. وقال النووي: وتضم ثمار العام الواحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب وإن اختلفت أوقاته، ولا خلاف أن ثمرة العام الثاني لا تضم إلى الأول في إكمال النصاب. بقى في زكاة الزروع والثمار مسألتان:

стр. 2137

الأولى: أنه لو كانت الأرض مؤجرة فهل تجب الزكاة على المالك؟ أو على المستأجر؟ أو على كل منهما؟ . قال النووي: وإذا أجر أرضه فمذهبنا أن عشر زرعها على المستأجر الزارع، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة يجب على صاحب الأرض. ولو استعار أرضاً فزرعها فعشر الزرع على المستعير عندنا وعند العلماء كافة، وعند أبي حنيفة روايتان، أشهرهما هذا، والثانية على المعير. وهذا عجب. اهـ. والشيخ القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة" يرى المالك والمستأجر شريكين في إخراج الزكاة (يقصد المستأجر بالنقود المحددة) ويوزع نصيب كل منهما توزيعاً جديداً أيضاً، فيقول: إيجار الأرض عشرين جنيهاً مثلاً، وأخرجت من القمح عشر أرادب، وكان الأردب يساوي خمسة جنيهات. فيكون مقدار الخارج ١٠×٥= ٥٠ جنيهاً، فإنه يخرج عن ستة أرادب فقط، والأربعة الأخرى تطرح مقابل الإيجار. والجزء الذي طرح من نصيب المستأجر الزارع -وهو ما يقابل الأجرة من المحصول والذي أعفي من زكاته- دخل في نصيب المالك وأدى عنه الزكاة الواجبة، وهو أحق بها وأولى بأدائها من المستأجر في هذا القدر. وهذا الرأي يميل نحو مذهب أبي حنيفة إلى حد كبير، وكل ما يرد على أبي حنيفة يرد عليه، يرد عليه محاذير أخرى لا ترد على أبي حنيفة، فأبو حنيفة حينما جعل الزكاة على المالك ربطها بنتاج أرضه وملكه، ترتفع بارتفاع ما أعطى الله، وتنخفض بانخفاضه، فتكون شكراً ونماء، وإن كانت الزيادة لم تعد على المالك حينئذ، لكنها ستعود إليه في سمعة أرضه وزيادة الرغبة فيها بخلاف هذا الرأي الجديد، فالزكاة على أجرة محددة زادت الغلة والعطية من الله للزارع أو نقصت ما دامت تبلغ نصاباً، فتحولت الزكاة بالنسبة للمالك حينئذ إلى زكاة النقود بدلاً من زكاة الزروع، فلا يقبل عقلاً ولا شرعاً حينئذ أن يدفع المالك عشر الإيجار أو نصف عشره -كما قرر صاحب الرأي- وإنما زكاته الشرعية ربع العشر إن كانت عليه زكاة في هذا المال. أما قياس الأجرة العينية المحددة التي يتقاضاها المالك من المستأجر على المقدار غير المحدد الذي يحصل عليه المالك في المزارعة، فهو قياس فاسد، فشتان بين المقيس والمقيس عليه، شتان بين قابل للزيادة والنقص وبين ما لا يقبل. إن أبا حنيفة لم يوجب على المالك زكاة إذا لم تخرج الأرض ما يزكى، ومقتضى هذا الرأي أن المالك يدفع زكاة ما حصل عليه من الأجرة ولو لم تخرج الأرض شيئاً، إذ لا فرق بالنسبة له بين أن تنتج الأرض أو لا تنتج. تلك محاذير توجه إلى هذا الرأي بالإضافة إلى كل المحاذير الموجهة لأبي حنيفة، وهي كثيرة ووجيهة، ومذكورة في كتب الفروع، فمن أرادها فليرجع إليها.

стр. 2138

المسألة الثانية: الزكاة والخراج: والخراج هو ما يدفعه واضع يده على أرض ملك للدولة في مقابل الانتفاع بها لا على طريق الإجارة. قال النووي: وتكون الأرض خراجية في صورتين. إحداهما: أن يفتح الإمام بلدة عنوة وقهراً [أي حارب أهلها المسلمين ولم يعقدوا معهم صلحاً، بل حكم بينهم وبين المسلمين السيف وحده، فتصبح أموال البلد ملكاً وغنيمة] المفروض أن يقسمها الإمام بين الغانمين، لكنه قد يعوضهم عنها بعوض آخر، ثم يقفها على المسلمين [جميعاً، المعاصرين والذين لم يلحقوا بهم، أي تصبح ملكاً للدولة] ويضرب عليها خراجاً [نقداً أو غلة يقدر حسب طاقة الأرض، يدفعه للدولة أهل الأرض الأولون -بعد أن يقرهم الإمام عليها- في مقابل انتفاعهم واستثمارهم لها]. الثانية: أن يفتح بلدة صلحاً على أن الأرض للمسلمين [ملكاً] ويسكنها الكفار بخراج معلوم، فالأرض تكون فيئاً للمسلمين، والخراج أجرة لها، لا تسقط بإسلامهم، وكذا إذا انجلى الكفار عن بلدة، وقلنا: إن الأرض تصير وقفاً على المسلمين، يضرب عليها خراج يؤديه من سكنها، مسلماً كان أو ذمياً. قال: وأما البلاد التي فتحت قهراً وقسمت أرضها بين الغانمين، وثبتت في أيديهم، وكذا التي أسلم أهلها عليها، والأرض التي أحياها المسلمون فكلها عشرية، وأخذ الخراج منها ظلم. اهـ. قال صاحب المغني: لم نعلم شيئاً مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر، فإن رسول الله ﷺ قسم نصفها، فصار ذلك لأهله "الذين قسم عليهم" لا خراج عليه. وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء اهـ. هذه الأرض الخراجية التي يدفع واضعو اليد عليها خراجاً للدولة يجب عليهم أن يخرجوا زكاة ما يخرج منها عند الجمهور. قال النووي: اتفق الأصحاب على أن الخراج لا يسقط الزكاة، وبه قال جمهور العلماء. قال ابن المنذر: هو قول أكثر العلماء، وممن قال به: مالك والليث وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة: لا يجتمع عشر وخراج، فلا زكاة عليها. اهـ. وساق النووي أدلة أبي حنيفة ورد عليها بما لا يسمح به المقام. أما زكاة الماشية: فلا تجب إلا في ثلاثة أنواع منها، هي: الإبل والبقر والغنم، لأن الأخبار وردت بإيجاب الزكاة فيها، ولأن الإبل والبقر والغنم تكثر منافعها، ويطلب نماؤها بالكبر والنسل، فاحتملت المواساة في الزكاة، ولا تجب فيما سوى ذلك من المواشي كالبغال والحمير، وفي زكاة الخيل خلاف يأتي تفصيله قريباً. وللزكاة في هذه الأنواع شرطان متفق عليهما وشرطان مختلف فيهما نعرضها بإيجاز:

стр. 2139

الشرط الأول: أن تبلغ نصاباً وقد حددت الروايات الأولى والثانية والرابعة والخامسة نصاب الإبل بخمس، وحددت رواية البخاري النصاب لكل، وما يؤخذ منها للزكاة في حديث طويل، قسمه البخاري على الأبواب كل قطعة منه في الباب المناسب، ولا خلاف بين العلماء في اشتراط هذا الشرط، فليس فيما دون النصاب زكاة بالإجماع المستند إلى الأحاديث الصحيحة. الشرط الثاني: أن يحول الحول على النصاب، لأن ما دون الحول يحتمل المواساة ولا يعتبر صاحبه من الأغنياء، فإن نقص أثناء الحول ولو واحدة من المواشي ولو لفترة قصيرة لم تجب الزكاة. قال صاحب المهذب: فإن كان عنده نصاب فهلك منه واحد أو باعه انقطع الحول، فإن نتج له واحد أو رجع إليه ما باعه استأنف الحول، وإن نتجت واحدة ثم هلكت واحدة لم ينقطع الحول، لأن الحول لم يخل من نصاب. وقال النووي: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن بقاء الماشية في ملكه حولاً كاملاً شرط الزكاة، فلو زال الملك في لحظة من الحول ثم عاد انقطع الحول، واستأنف الحول من حين يجدد الملك. اهـ. وإذا كان عنده نصاب من الماشية فتوالدت أثناء الحول ضمت إلى الأمهات في الحول وعدت معها إذا تم حول الأمهات، وأخرج عنها وعن الأمهات زكاة المال الواحد، لما رواه مالك في الموطأ والشافعي بإسنادهما الصحيح عن عمر ﵁ أنه قال: "أعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يديه". وعن علي ﵁: "عد الصغار مع الكبار". ولأنه من نماء النصاب وفوائده، فلم ينفرد بالحول. فالصغار تضم إلى الكبار في الحول، وتزكى لحولها، وتجعل كأنها موجودة معها في جميع الحول بشرطين: أن تولد قبل تمام حول الكبار، وأن تكون الكبار بدونها نصاباً، ولا تضم للحول صغار مشتراة. هذا مذهب الشافعية. وقال أبو حنيفة: تضم الصغار إلى النصاب، سواء كانت متولدة منه أم اشتراها وتزكى بحول الكبار. وقال مالك: إذا كان عنده عشرون من الغنم -أي دون النصاب- فولدت أثناء الحول وبلغت نصاباً زكى الجميع من حين ملك الكبار، وإن اشترى صغاراً مولودة من غير كباره لم تضم. وعن أحمد رواية كمالك، ورواية كالشافعية. وقال داود: لا زكاة في السخال -أي الصغار- سواء كانت تابعة أم مستقلة، ولا ينعقد عليها حول، لأن اسم الشاة لا يقع عليها غالباً. الشرط الثالث: أن تكون سائمة، أي راعية في كلأ مباح أكثر العام، وقد ورد وصف السوم في صحيح البخاري، ولفظه: "في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين منها شاة". وقيس الإبل والبقر في اشتراط السوم على الغنم، وما ورد من أحاديث مطلقة خالية من السوم فهو محمول على ما ورد فيه السوم حملاً للمطلق على المقيد.

стр. 2140

هذا ما قاله الجمهور، وأوجب مالك الزكاة في المعلوفة واعتبرها كالسائمة سواء بسواء عملاً بالأحاديث المطلقة، وأجاب عن الأحاديث التي ورد فيها السوم بأنها خرجت مخرج الغالب، وليس قيداً وشرطاً. الشرط الرابع: أن لا تكون الإبل أو البقر عاملة في الحرث وسقي الزرع وحمل الأمتعة والماء، أما ما كان معداً للعمل فهو كالثياب والعبيد والدار والدابة مقصود به نفع مالكه وكفايته وحاجته، فلا زكاة فيه عند جمهور الفقهاء، وخالفهم مالك فقال بوجوب الزكاة فيها، ولم يفرق بين العاملة وغير العاملة كما لم يفرق بين السائمة وغير السائمة. أما الخيل فلا زكاة فيها مطلقاً عند الشافعية وأبي يوسف ومحمد وأحمد وحكى عن مالك والليث أيضاً. أما أبو حنيفة فيوافق الجمهور في الخيل المعدة للركوب أو للجهاد أو للحمل، فلا زكاة عليها سواء أكانت سائمة أو غير سائمة، ويخالفهم في الخيل التي تربى للنسل والنتاج، فيوجب فيها الزكاة بشرط أن تكون إناثاً كلها، أو ذكوراً وإناثاً، أما إذا كانت كلها ذكوراً فلا زكاة فيها عنده لعدم صلاحيتها للتناسل والنمو والتكثير. ويعتبر فيها الحول دون النصاب. قال: ومالكها بالخيار، إن شاء أعطى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها. وحجة الجمهور حديث أبي هريرة -روايتنا السابعة: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". وهو متفق عليه، فالذكور والإناث والمعد للركوب والمعد للتناسل كل ذلك يستوي في الدخول في كونه "فرسه" وما يدعيه البعض من أن قوله: "فرسه". يشعر أنه فرسه الذي يركبه ويجاهد عليه ادعاء بعيد، بل العكس هو الصحيح، فإن الفرس الذي يركبه والذي يجاهد عليه يمكن إضافته إلى وظيفته، فيقال: فرس الركوب وفرس الجهاد، ولا كذلك المعد للنسل، فليس له إلا أن يقال عنه "فرسه". كما أن تأييد أبي حنيفة بأن ظاهر الحديث وعمومه لكل فرس غير مراد بدليل اتفاقهم على إيجاب الزكاة فيما اتخذ للتجارة من الخيل، هذا التأييد لا يفيد، لأن كل العروض التي لا زكاة فيها -ومنها الخيل- إذا استعملت في التجارة وجبت فيها الزكاة، وموطن النزاع الخيل في غير التجارة والحديث صريح في عدم وجوب الزكاة فيها. وأما قولهم: إن السكوت عن إيجاب الزكاة فيها بلفظ صريح لا يدل على عدم الوجوب جزماً، فقد أوجب النبي ﷺ الزكاة في نقود الفضة بالنص الصريح، ولم يصح عنه في الذهب مثل ذلك، ففي هذا القول بعد شديد عن موطن النزاع، لأن الذي معنا ليس سكوتاً عن إيجاب الزكاة فيها بلفظ صريح بل الذي معنا نفي وجوب الزكاة فيها بلفظ صريح ومتفق عليه. وأما استدلالهم بحديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال: في الخيل السائمة في كل فرس دينار. فهو لا ينهض لمقاومة الحديث الصحيح، فقد قال الدارقطني: تفرد به عورك وهو ضعيف جداً. والله أعلم. وأما النصاب وما يؤخذ زكاة من هذه الأصناف فقد حددتها السنة النبوية قولاً وعملاً:

стр. 2141

فنصاب الإبل أوله خمس، ولا شيء فيما دون الخمس بالإجماع، وروايتنا الخامسة صريحة في ذلك: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة". وزكاة الخمس شاة جذعة من الضأن -وهي ما استكملت سنة ودخلت في الثانية على الأصح، وقيل: هي ما استكملت ستة أشهر- أو ثنية من المعز، وهي ما استكملت سنتين ودخلت في الثالثة، وقيل: هي ما استكملت سنة واحدة. وإن أخرج أنثى أجزأ بلا خلاف، إذ هي أفضل من الذكر عند التربية، وإن أخرج ذكراً أجزأ على القول الراجح عند الجمهور. فإن بلغت الإبل عشراً ففيها شاتان، وما بين الخمس والعشر [ويعرف عند الفقهاء بالوقص -بفتح الواو وفي القاف لغتان الفتح والإسكان، وبالوقس بالسين، كما يعرف بالشنق] لا زكاة فيه عند الجمهور، شأنه شأن ما قبل الخمس، قال الشافعي: ليس في الشنق من الإبل والبقر والغنم شيء. والحاصل أن الوقص يطلق على ما لا زكاة فيه سواء كان بين نصابين أو دون النصاب الأول، لكن أكثر ما يستعمل فيما بين النصابين. وما ذكرناه من أن الأوقاص لا زكاة فيها هو الأصح عند الشافعية، وحكاه العبدري عن أبي حنيفة ومحمد وأحمد وداود، وهو الصحيح في مذهب مالك، وعن مالك في رواية أن فيها الزكاة. وهو قول غير عملي، ولم يؤثر أنهم أخذوا في ست من الإبل شاة وخمس شاة. والفرق بين الأوقاص أنها تلغى ولا زكاة فيها، وبين ما زاد على النصاب في المعشرات والذهب والفضة حيث إنها لا تلغى ويجب فيها الزكاة أن الشرع لم يحدد فيها تسلسلاً في النصاب كما حدد في النعم، فكان ما زاد على النصاب فيها تابعاً للنصاب. والله أعلم. فإن بلغت الإبل خمس عشرة ففيها ثلاث شياه. فإن بلغت عشرين ففيها أربع شياه. فإن بلغت خمساً وعشرين ففيها ناقة بنت مخاض -وهي التي أكملت سنة ودخلت في الثانية- أو ابن مخاض، والمخاض الحمل، وسمى بذلك لأن أمه بعد السنة تلحق بالحوامل غالباً، ولا يزال ابن مخاض حتى يدخل في الثالثة. قال النووي: أجمعوا على أن الواجب في أربع وعشرين فما دونها الغنم، وأجمعوا على أن في خمس وعشرين بنت مخاض. إلا ما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: فيها خمس شياه، فإذا صارت ستاً وعشرين ففيها بنت مخاض". قال ابن المنذر: ولا يصح عن علي. فإن بلغت الإبل ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون أو ابن لبون، وهو ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة، قالوا: سمي بذلك لأن أمه وضعت غيره وصارت ذات لبن غالباً، ولا يزال ابن لبون حتى يدخل في السنة الرابعة. فإن بلغت الإبل ستاً وأربعين ففيها حقة، وهي ما استكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة،

стр. 2142

قالوا: سميت بذلك لأنها استحقت أن يحمل عليها وتركب ويطرقها الفحل فتحمل منه ولا تزال حقة حتى تدخل في السنة الخامسة. فإن بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، وهي ما استكملت أربع سنين ودخلت في الخامسة ولا تزال جذعة حتى تدخل في السادسة. وهي آخر الأسنان المنصوص عليها في زكاة الإبل. فإن بلغت ستاً وسبعين ففيها بنتاً لبون. فإن بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان فإن بلغت واحدة وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون. وعلى هذه الأعداد وهذه المقادير انعقد الإجماع. أما الأعداد والمقادير الآتية فقد خالف فيها أبو حنيفة. أما الجمهور فقال: بعد هذا يستقر تسلسل النصاب، فيجب في كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة، فيجب في مائة وثلاثين: بنتاً لبون وحقة، فيتغير الفرض هنا بتسعة، ثم يتغير بعشرة عشرة أبداً، ففي مائة وأربعين: حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين: ثلاث حقاق، وفي مائة وستين: أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين: ثلاث بنات لبون وحقة. وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتاً لبون، وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين: أربع حقاق أو خمس بنات لبون، وفي مائتين وعشر: أربع بنات لبون وحقة، وفي مائتين وعشرين: حقتان وثلاث بنات لبون، وفي مائتين وثلاثين: ثلاث حقاق وبنتاً لبون، وعلى هذا أبداً. وأما أبو حنيفة فقال: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين تستأنف الفريضة، فتعود الزكاة إلى الغنم، في خمس: شاة، وفي عشر: شاتان، وفي خمس عشرة: ثلاث شياه، وهكذا تعاد المقادير السابقة الذكر، فمن ملك مائة وخمساً وعشرين فزكاته حقتان وشاة، ومن ملك مائة وثلاثين فزكاته حقتان وشاتان. وهكذا. واستدل الجمهور ومالك والشافعي وأحمد بما ثبت في البخاري من حديث أنس: أن أبا بكر ﵁ كتب هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم -هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله ... ". إلى آخر الحديث الطويل الذي قسمه البخاري على أنواع الماشية، وجمعه النووي في مكان واحد وفيه: "فإذا زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة". كما استدلوا بحديث ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فلما قبض عمل به أبو بكر حتى قبض، وعمر حتى قبض". وفيه نحو ما في حديث أنس. قال النووي: رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.

стр. 2143

أما أبو حنيفة فقد استند إلى حديث عمرو بن حزم، وقد رواه أبو داود في المراسيل وضعفه كثير من العلماء، وقال بنسخه بعض المحققين على أساس أن استعمال عمرو بن حزم على نجران كان قبل موته ﷺ بمدة، وأما كتاب الصديق أبي بكر فإن النبي ﷺ كتبه ولم يخرجه إلى العمال حتى أخرجه أبو بكر. والله أعلم. ومن دراسة جدول الإبل نجد الشريعة الإسلامية قد راعت في نظامها الاقتصادي تشجيع إنتاج الثروة الحيوانية، فلم تجعل الزكاة كالضريبة التصاعدية التي تتبناها النظم الاقتصادية المعاصرة، ولم تثبتها كلها على مقدار واحد كما هو الحال في زكاة النقدين -الذهب والفضة. وإنما شجعت المستثمرين في تربية الإبل فأفسحت كثيراً فترة السماح بين النصابين، فبينما نرى الأوقاص التي لا زكاة فيها أربعة من الإبل بين الخمسة والعشرة وبين العشرة والخمسة عشر، نرى الأوقاص التي لا زكاة فيها قد أصبحت عشرة بين الخمسة والعشرين والستة والثلاثين، ثم أصبحت أربعة عشر بين الستة والأربعين وبين الواحد والستين، ثم أصبحت تسعة وعشرين بين الواحد والتسعين والمائة والواحد والعشرين، فامتدت فترة السماح من أربعة إلى عشرة ثم إلى أربعة عشر، ثم إلى تسعة وعشرين، وسنرى قريباً من ذلك في زكاة البقر، وأكثر من ذلك بكثير في زكاة الغنم، مما يشجع على زيادة الإنتاج ويئول إلى كون الضريبة تنازلية في واقع الأمر، وقد لاحظ رجال الاقتصاد المعاصر هذه الظاهرة الكريمة، فكتبوا عنها جزاهم الله خيراً. ونصاب البقر أوله ثلاثون، بإجماع المذاهب الأربعة، وفيها تبيع، وهو الذي له سنة، قيل: سمي تبيعا لأنه يتبع أمه، وقيل: لأن قرنيه يتبعان أذنيه، والأنثى تبيعة، ويقال لها: جذءة. ثم لا شيء فيما زاد على الثلاثين حتى تبلغ أربعين وفيها مسنة، وهي التي لها سنتان، وسميت مسنة لزيادة سنها، ويقال لها: ثنية، ثم لا شيء فيما زاد على الأربعين حتى تبلغ الستين، وفيها تبيعان، ثم يستقر الحساب بعشرة عشرة، ففي سبعين: تبيع عن ثلاثين ومسنة عن أربعين، وفي ثمانين: مسنتان، وفي تسعين: ثلاثة أتبعة، وفي مائة: تبيعان عن ستين ومسنة عن أربعين، وفي مائة وعشرة: مسنتان عن ثمانين وتبيع عن ثلاثين، وفي مائة وعشرين: ثلاثة مسنات أو أربعة أتبعة، وفي مائة وثلاثين: ثلاثة أتبعة عن تسعين ومسنة عن أربعين، وفي مائة وأربعين: مسنتان عن ثمانين وتبيعان عن ستين، وفي مائة وخمسين: خمسة أتبعة. وهكذا أبداً. وخالف أبو حنيفة في الرواية المشهورة عنه، فقال: ما زاد على الأربعين فبحسابه؛ في كل بقرة ربع عشر مسنة، فليست عنده أوقاص، ويعمل القيمة في الزكاة بدلاً من أصل المزكى. وزكاة البقر واجبة بالإجماع المستند إلى السنة، فقد روى البخاري عن أبي ذر ﵁ قال: "أنهيت إلى النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده -أو- والذي لا إله غيره -كما حلف- ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس".

стр. 2144

وحجة الجمهور ما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن أخذ من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة". وهناك أقوال أخرى في نصاب البقر ومقدار زكاته رأينا عدم التعرض لها مخافة التطويل، فمن أرادها فليرجع إليها في كتب الفقه. وواضح من قول الجمهور أن الشريعة الإسلامية قد شجعت تربية هذا النوع من الماشية بإعطاء فترة سماح خالية من الزكاة بصفة عامة. تسع من البقر بين كل فرضين، وفترة سماح أطول بين الأربعين والستين فوصل الوقص إلى تسع عشرة، والاحتفاظ بفترة السماح بين كل فرضين مهما بلغ العدد يجعل للشريعة الإسلامية ميزة منفردة عن نظم العالم المعاصر التي تفرض الضرائب تصاعدياً مما يتنافى وتشجيع الاستثمار. وإذا كانت فترة السماح في البقر لم تبلغ فترة السماح في الإبل فقد عوض البقر بفترة سماح أكبر في أول النصاب، إذ عفي عن تسع وعشرين من البقر بينما لم يعف عن الإبل إلا عما دون الخمس. والله أعلم. أما نصاب الغنم فأوله أربعون، وليس فيما دون ذلك صدقة واجبة. وفي الأربعين شاة واحدة وهذه النسبة هي عينها نسبة الزكاة في النقدين وعروض التجارة ربع العشر [٢.٥/] ولو لاحظنا في الإبل أن خمساً منها تقرب في تقديرها من أربعين شاة حيث قالوا في الهدي: إن الناقة تكفي عن سبعة. وفي قول لسعيد بن المسيب، وإسحق وابن خزيمة: أنها تكفي عن عشرة لحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه: "أن رسول الله ﷺ قسم فعدل عشراً من الغنم ببعير". لو لاحظنا ذلك وجدنا أول نصاب الغنم وأول نصاب الإبل ومقدار الزكاة فيهما متقارباً. ويبقى الواجب شاة واحدة حتى تبلغ الغنم مائة وإحدى وعشرين فيجب شاتان، ويبقى الواجب شاتين حتى تبلغ الغنم مائتين وواحدة فيجب ثلاث شياه، ويبقى الواجب ثلاث شياه حتى تبلغ الغنم أربعمائة فيجب أربع شياه، فإذا بلغت خمسمائة فخمس شياه، وستمائة ست شياه، وهكذا في كل مائة شاة، ولا يتغير الفرض إلا عند رأس المائة. (فائدة) الضرائب التي تفرضها الدول في العصر الحديث أنواع: منها الضريبة ذات النسبة الثابتة من أول الفرض إلى ما لا نهاية كأن يقال: إذا بلغ الدخل ألف جنيه فما زاد فالضريبة [٥/] مثلاً. ومنها الضريبة التصاعدية ذات الشرائح المستقلة كأن يقال مثلاً: ضريبة ما زاد على الألف الأولى حتى الألفين [٥/] وضريبة ما زاد على الألفين حتى الثلاثة [٧/] وضريبة ما زاد على الثلاثة حتى الأربعة [١٠/] وهكذا، وقد وصلت هذه الضريبة التصاعدية في بعض البلاد إلى [٦٠/]. ومنها الضريبة التصاعدية ذات الشرائح المتداخلة كأن يقال مثلاً: ضريبة ما زاد على الألف الأول حتى الألفين [٥/] فإذا ما زاد على الألفين حتى الثلاثة فالضريبة من أول وعائها تنتقل إلى [٧/]

стр. 2145

وهكذا، وفي مثل هذه الحالة قد يتمنى من ترقى وحصل على علاوة يتمنى لو أنها لم تكن، لأن مجموع دخله سينقص لا يزيد. ولم نسمع في الاقتصاد الحديث أن دولة من دول العالم جعلت الضريبة تنازلية، تقل كلما زاد الدخل. لكن نظام زكاة الإسلام في أغلب ما يزكى ينحو ناحية التنازلية، وفي القليل يثبت النسبة لهدف جليل، فهو في الاستثمار والنتاج الحيواني الذي ينتفع به كافة البشر يشجع ويغري فينزل بنسبة الزكاة إذا زاد الإنتاج، ولما كان لا يشجع الاكتناز وكثرة النقد كيلا يكون دولة بين الأغنياء ثبت النسبة على [٢.٥/]. وقد مر بنا قريباً في زكاة الإبل أن المقدار الواقع بين نصابين والمعفى من الزكاة يرتفع كلما كثر الإنتاج والاستثمار، فرأينا الأوقاص التي كانت أربعة صارت عشرة، ثم صارت أربعة عشر، ثم صارت تسعة وعشرين، مما ينزل بنسبة الزكاة، وهكذا الأمر في نسبة زكاة البقر، لكن هذه الظاهرة في زكاة الغنم واضحة وكبيرة، فزكاة الغنم بدأت بـ[٢.٥/] في أربعين شاة: شاة واحدة، ثم انخفضت حتى وصلت أقل إلى من [١/] حين تبلغ الغنم مائة وعشرين ففيها شاة واحدة. وحين ارتفعت إلى شاتين في مائة وإحدى وعشرين أي إلى أقل من [٢/] أخذت تنخفض حتى وصلت إلى [١/] حين بلغت الشياه مائتين وفيها شاتان، وحين ارتفعت إلى ثلاث شياه في مائتين وواحدة بنسبة [١.٥/] أخذت تنخفض حتى وصلت إلى أقل بكثير من [١/] حين بلغت الشياه تسعاً وتسعين وثلاثمائة وفيها ثلاث شياه، ثم ثبتت في كل مائة شاة، وهي في هذا لم تقف عند ١/ بل هي تنخفض أيضاً بسبب الأوقاص، ففي تسع وتسعين وخمسمائة: خمس شياه. وهكذا يتبين بجلاء ميزة الاقتصاد في تشريع الإسلام على غيره من التشريعات الوضعية، وأنه يشجع الإنتاج والاستثمار ويدفع العاملين إلى زيادة العمل للحصول على زيادة الثمر فتعمر الأرض ويزيد الخير ويعم الرخاء. وأما زكاة النقد فقد نصت على نصابه في الفضة الرواية الأولى والثانية والرابعة، وفيها: "وليس فيما دون خمس أواق صدقة"، وفي الرواية الخامسة: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة". والورق الفضة. والمقصود بالنقد هنا الذهب والفضة، سواء أكانا مضروبين دنانير ودراهم أو كانا مصنعين حلياً وأواني، أو كانا سبائك، على خلاف يأتي في حلي النساء. والأوقية أربعون درهماً، فالخمس الأواقي مائتا درهم، فنصاب الفضة مائتا درهم، تبلغ مائة وأربعين مثقالاً، حيث إن الدرهم سبعة أعشار المثقال، وقد قدر النصاب بـ (٥٩٥) بخمسة وتسعين وخمسمائة من الجرامات. فمن ملك من الفضة نقوداً أو سبائك ما يبلغ هذا الوزن وجبت عليه الزكاة. وأما نصاب الذهب فلم يرد في أحاديث الباب ولا في الأحاديث الصحيحة، لكن مجموع ما ورد

стр. 2146

فيه يجعله سنداً قوياً يعمل به، من ذلك ما رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر وعائشة: "أن النبي ﷺ كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار". وكان عمل الصحابة وإجماع الأمة على هذا وأن نصاب الذهب عشرون مثقالاً، أي ما يساوي خمسة وثمانين جراماً. قال القاضي عياض: المعول عليه في نصاب الذهب الإجماع. وقال مالك في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين ديناراً عيناً -يعني ذهباً- كما تجب في مائتي درهم. وقال الشافعي في الأم: لا أعلم اختلافاً في أن ليس في الذهب صدقة حتى تبلغ عشرين، فإذا بلغت عشرين مثقالاً ففيها الزكاة. اهـ. كما أجمع المسلمون على أن المقدار الواجب في زكاة الذهب والفضة ربع العشر، بعد أن يحول الحول. وقد حاول بعض العلماء أن يربط بين قيمة النصاب في الذهب والفضة وبين النصاب في الزروع أو المواشي إذا ارتفعت أو انخفضت قيمة الذهب والفضة، بحيث يرتفع بوزن النصاب فيهما إذا انخفضت قوة الشراء بهما، وينخفض بوزن النصاب فيهما إذا ارتفعت قوة الشراء بهما، لكن هذه المحاولة مردودة، فإن الشرع هو الذي حدد المقادير، ولا مجال للاجتهاد فيها، فالزرع زرع، والإبل إبل، والبقر بقر، والذهب ذهب، والفضة فضة. ولا يستطيع العلماء -فيما أعتقد- أن يعللوا: لماذا كان أول نصاب الإبل خمساً؟ بينما كان أول نصاب البقر ثلاثين؟ فالبحث في القوة الشرائية خبط ودخول في متاهات يكثر فيها المخطئ ويقل المصيب. أما الأوراق النقدية المتداولة في هذا العصر بديلة عن الذهب والفضة اللذين كانا متداولين كأساس للتعامل وكأثمان للأشياء، فعنها جاء في كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" ما يلي: ١ - الشافعية قالوا: الورق النقدي، التعامل به من قبيل الحوالة على البنك بقيمته، فيملك قيمته ديناً على البنك، والبنك مليء، مستعد للدفع، حاضر، ومتى كان المدين بهذه الأوصاف وجبت زكاة الدين في الحال. ٢ - الحنفية قالوا: الأوراق المالية -البنكنوت- من قبل الدين القوي، إلا أنها يمكن صرفها فضة فوراً، فيجب فيها الزكاة فوراً. ٣ - المالكية قالوا: أوراق البنكنوت -وإن كانت سندات دين إلا أنها يمكن صرفها فضة فوراً وتقوم مقام الذهب في التعامل، فيجب فيها الزكاة بشروطها. ٤ - الحنابلة قالوا: لا تجب زكاة الورق النقدي إلا إذا صرف ذهباً أو فضة ووجدت فيه شروط الزكاة. ويقول الشيخ محمد حسنين مخلوف في رسالته "التبيان في زكاة الأثمان": زكاة الأوراق المالية باعتبار قيمتها الوضعية عند جريان الرسم بها في المعاملات واتفاق الملة

стр. 2147

على اتخاذها أثماناً للمقومات، وعلى ذلك فوجوب الزكاة فيها ثابت بالقياس كزكاة الفلوس والنحاس. اهـ. ويقول الشيخ القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة": إن هذه الأوراق أصبحت -باعتماد السلطات الشرعية إياها، وجريان التعامل بها- أثمان الأشياء ورءوس الأموال؛ وبها يتم البيع والشراء والتعامل داخل كل دولة، ومنها تصرف الأجور والرواتب والمكافآت وغيرها، وعلى قدر ما يملك المرء منها يعتبر غناه، ولها قوة الذهب والفضة في قضاء الحاجات، وتيسير المبادلات وتحقيق المكاسب والأرباح، فهي بهذا الاعتبار أموال نامية أو قابلة للنماء، شأنها شأن الذهب والفضة. اهـ. وهذا كلام جيد، فأوراق البنكنوت اليوم لا تستمد قيمتها من أن المدين بها البنك المليء المقر الحاضر المستعد للدفع، وإنما تستمد قيمتها من قوة التعامل بها، إذ يمكن لحاملها في الحال أن يشتري بها ذهباً وفضة، فتتحول في غمضة عين إلى ذهب، وفضة فوجوب الزكاة فيها لا يقبل النقاش على هذا الأساس. أما أواني الذهب والفضة وتحفهما فحرام استعمالها للرجال والنساء جميعاً، ولا خلاف بين العلماء في أن ما حرم استعماله من الذهب والفضة وجبت الزكاة فيه. لكن هل المعتبر في النصاب هنا الوزن أو القيمة التي ترتفع بحسن الصنعة؟ قولان نختار الأول. وأما الحلي من الذهب والفضة فشأنها مع الرجال شأن استعمال أوانيهما، حرام وفيها الزكاة، لكن الحلي للنساء ذهباً كانت أو فضة في زكاتها خلاف أوجب بعضهم فيما بلغ نصاباً الزكاة مطلقاً، ولم يوجبها بعضهم مطلقاً، وبعضهم أوجبها فيما جاوز المعتاد لأمثالها، وفيما اتخذ كنزاً. وهو الذي نميل إليه. والله أعلم. وأما عروض التجارة فلم ترد زكاتها في أحاديث الباب، لكن نقل ابن المنذر الإجماع على زكاتها إذا بلغت نصاباً وحال عليها الحول، قال: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول، روى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاووس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيدة وإسحاق وأصحاب الرأي (أبو حنيفة وأصحابه) وهو مذهب مالك وأحمد. وقال القاضي ابن العربي: الزكاة واجبة في العروض من أربعة أدلة: الأول: قول الله : ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] وهذا عام في كل مال. الثاني: أن عمر بن عبد العزيز كتب بأخذ الزكاة من العروض، وحكم بذلك على الأمة، وقضى به، فارتفع الخلاف بحكمه. الثالث: أن عمر بن الخطاب قد أخذها قبله.

стр. 2148

الرابع: أن أبا داود ذكر عن سمرة بن جندب: "أن النبي ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع". قال: ولم يصح فيه خلاف عن السلف. اهـ. وقال الخطابي: وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أن لا زكاة فيها. وهو مسبوق بالإجماع. وأما الركاز ونعني به الكنز الذي يوضع في الأرض بفعل المخلوق والمعدن الذي يوجد في الأرض بخلق الخالق، فلم تتعرض له أحاديث الباب، لكن الحنفية على أن فيه الخمس استناداً إلى حديث: "في الركاز الخمس". رواه الجماعة. وذهب أحمد إلى أن فيه ربع العشر، وهو قول لمالك والشافعي، وفي قول لمالك: أن ما يتكلف مؤونة عمل فيه ربع العشر وما لا يتكلف مؤونة عمل فيه الخمس. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - بيان أقل النصاب لزكاة الإبل والفضة والزروع والثمار. ٢ - بيان المقدار الواجب إخراجه زكاة في الزروع والثمار. ٣ - استدل بالرواية السابعة بعض أهل الظاهر على عدم وجوب الزكاة في العبد والفرس مطلقاً ولو كانا للتجارة، ورد عليهم بأن زكاة التجارة تشمل العروض التي لا زكاة فيها، فنفى زكاتها في التربية لا ينفي زكاتها للتجارة، وزكاة التجارة لكل العروض ثابتة بالإجماع، فيخص به العموم في هذا الحديث. وقد مر قريباً مذاهب العلماء في زكاة الخيل. ٤ - ويؤخذ من الرواية التاسعة بعث الإمام السعاة والعمال لجباية الزكاة، والحديث مشعر بأن بعث عمر إنما كان لصدقة الفرض، لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة. وقال ابن القصار المالكي: الأليق أنها صدقة التطوع، لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض، وتعقب بأن ما منعوه كلهم جحداً ولا عناداً. أما ابن جميل فقد قيل: إنه كان منافقاً ثم تاب بعد ذلك، وأما خالد فكان متأولاً بإجزاء ما حبسه عن الزكاة، وكذلك العباس. ٥ - ويؤخذ منه عذر المؤول، فقد قبل ﷺ عذر خالد والعباس ودافع عنهما. ٦ - واستدل بقصة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السلاح وغيره من آلات الحرب، والإعانة بها في سبيل الله، وذلك بناء على أن رسول الله ﷺ لم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد، حملاً على أن خالداً لم يصرح بالمنع وإنما نقلوه عنه بناء على ما فهموه، ويكون معنى "تظلمون خالداً" أي بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لا يمتنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله؟ . كما يجيب الجمهور بجواب آخر؛ وهو أنهم ظنوا أن الخيل والعتاد للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﷺ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس. ٧ - واستدل بالقصة على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح. ٨ - وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسه.

стр. 2149

٩ - وعلى جواز إخراج العروض في الزكاة. ١٠ - وعلى صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية، ويجوز إخراجها للمجاهدين، وهذا ظاهر صنيع البخاري. ونقل عن بعض السلف أنه كان لا يرى بأساً من أن يعطى الرجل من زكاة ماله في الحج. والأكثرون على أن المراد من سبيل الله الغازي غنياً كان أو فقيراً، إلا أن أبا حنيفة قال: يختص بالغازي المحتاج. وعن أحمد وإسحاق: الحج من سبيل الله. قاله الحافظ ابن حجر، ثم قال: وتعقب ابن دقيق العيد جميع ذلك بأن القصة واقعة عين؛ محتملة لما ذكر ولغيره، فلا ينهض الاستدلال بها عن شيء مما ذكر. قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد إرصاداً وعدم تصرف، ولا يبعد أن يطلق على ذلك التحبيس، فلا يتعين الاستدلال بذلك لما ذكر. ١١ - وفي قصة ابن جميل تنبيه الغافل على ما أنعم الله به عليه من نعمة الغنى بعد الفقر، ليقوم بحق الله عليه. ١٢ - والعتب على منع الواجب، والتقريع بسوء الصنيع. ١٣ - وجواز ذكره في غيبته بذلك. ١٤ - واعتذار الإمام عن بعض الرعية بما يسوغ الاعتذار به. ١٥ - ومن قوله: "وأما العباس فهي علي ومثلها معها". التزام الإمام وتحمله عن بعض الرعية ما يجب عليه. وقيل معناه: هي عندي قرض، لأنني استلفت منه صدقة عامين. وقد أخرج الترمذي أن النبي ﷺ قال: "إنا كنا احتجنا فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين". واستبعد هذا بادعاء أن قصة التعجيل إنما وردت في غير هذا الوقت، لأنها لو كانت في ذات الوقت لأخبر الرسول ﷺ عمر بذلك لئلا يطالبه، ولكان الاعتذار عن عمه بذلك وليس بقوله: "أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه". لكن رواية الدارقطني تصرح بأن قصة التعجيل هي في الوقت ذاته، فلفظها: "أن النبي ﷺ بعث عمر ساعياً، فأتى العباس فأغلظ له؛ فأخبر النبي ﷺ فقال: "إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل". قال الحافظ ابن حجر: وفي إسناده ضعف، ولو ثبت لكان رفعاً للإشكال. والله أعلم

стр. 2150

(٢٨٩) باب زكاة الفطر ١٩٧٩ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين. ١٩٨٠ - عن ابن عمر ﵄ قال فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل عبد أو حر صغير أو كبير. ١٩٨١ - عن ابن عمر ﵄ قال: فرض النبي ﷺ صدقة رمضان على الحر والعبد والذكر والأنثى صاعاً من تمر أو صاعا من شعير. قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر. ١٩٨٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير. قال ابن عمر: فجعل الناس عدله مدين من حنطة. ١٩٨٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد أو رجل أو امرأة صغير أو كبير صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير. ١٩٨٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب. ١٩٨٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط أو صاعاً

стр. 2151

من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب. فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر. فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت. ١٩٨٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج زكاة الفطر ورسول الله ﷺ فينا عن كل صغير وكبير حر ومملوك من ثلاثة أصناف صاعاً من تمر صاعاً من أقط صاعاً من شعير. فلم نزل نخرجه كذلك حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من بر تعدل صاعاً من تمر. قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك. ١٩٨٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال كنا نخرج زكاة الفطر من ثلاثة أصناف الأقط والتمر والشعير. ١٩٨٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن معاوية لما جعل نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تمر، أنكر ذلك أبو سعيد وقال: لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط. ١٩٨٩ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. ١٩٩٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. -[المعنى العام]- إن الله الذي أعطى جعل عطاءه سبباً في تراحم البشرية وترابطها وتآلفها وانعطاف بعضها على بعض، كما جعله سبباً في الأجر والثواب ونعيم الآخرة.

стр. 2152

وقد عنى الإسلام بالفقراء أكثر من عنايته بالأغنياء، ونشر عليهم مظلة الرعاية بزكاة الأموال، نشر عليهم مظلة الرعاية في الأعياد، وفي الولائم والمناسبات، وفي سائر الأيام بالصدقات. وشاءت الحكمة الإلهية أن تكون المظلة واجبة على القادرين في بعض الأحيان، ومندوبة ومستحبة على سبيل التطوع في البعض الآخر، ليصل الحق إلى الفقير عن طريق النفوس الشحيحة مرغمة ملزمة، مستجيبة لأمر ربها فتثاب رغم أنفها، وعن طريق نفوس سخية كريمة، فرحة بالإعطاء سعيدة بيدها العليا شاكرة فضل ربها، فيضاعف أجرها أضعافاً كثيرة، ويزاد في نعمائها لتزيد من عطائها. إن فقر الفقير ليس لهوانه على الله، وإن غنى الغني ليس علامة على رضى الله عنه، وإنما الكل امتحان واختبار، الفقر اختبار، والغنى اختبار، صبر الفقير هو المطلوب، وشكر الغني هو المقصود، ليقول الفقير: اللهم لك الحمد في السراء والضراء. وليقول الغني: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم﴾ [النمل: ٤٠]. وصدقة الفطر تختلف عن الزكاة المالية في تكليفها وغايتها، فهي قليلة المقدار، صاع من تمر أو حب عن كل فرد في العام، أربع حفنات من طعام، ما أخفها وما أعظم ثوابها، وهي واجبة على جميع المسلمين، وليست على الأغنياء منهم أو المكلفين، فهي واجبة على كل حر وعبد، عن كل ذكر وأنثى، عن كل صغير وكبير، من كان مكلفاً أخرج بنفسه وعن نفسه، ومن كان غير مكلف أخرج عنه وليه، وهي واجبة على كل من يملك قوته يوم العيد وليلته. وهل هناك من لا يملك قوت يومه؟ إن الفقراء يملكون قوت أيام بل شهور، إذن هي واجبة على الفقراء؟ وماذا في ذلك؟ ماذا في أن يأخذ الفقير الزكاة ويعطي الزكاة؟ . ألم يقل الشاعر وهو يزهو ويفخر بمكارم خلاله: يجود علينا الخيرون بمالهم ونحن بمال الخيرين نجود أليس في ذلك انعطاف كل مسلم على أخيه المسلم؟ أليس في ذلك وضع اليد في اليد وتماسك أيدي المسلمين؟ أليس هذا هو التعاون الكامل الذي تحكم به الإنسانية؟ إنها صدقة الفطر، إنها طهرة الصائم، إنها زكاة الفلاح، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿قد أفلح من تزكى* وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]. لقد حرص الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- على هذه الزكاة كل الحرص، بل حرصوا على مقاديرها بكل دقة، وقد رأى معاوية أن حفنتين من قمح جيد لم يكن موفوراً في زمن النبي ﷺ ، رأى أنهما تعدلان أربع حفنات من شعير أو تمر فأفتى بذلك وهو خليفة، فعارضه أبو سعيد الخدري، وأصر على المساواة في الكيل وإن غلا الصنف، وقال قولته: هذا تقدير معاوية، أما أنا فسأظل أخرج صاعاً كاملاً أبداً ما حييت. ﵃ أجمعين، ورضى عنا معهم وهو أكرم الأكرمين.

стр. 2153

-[المباحث العربية]- (فرض زكاة الفطر من رمضان) الفرض القطع والتقدير، أي قطع وقدر زكاة الفطر صاعاً إلخ .... على سبيل الإلزام والإيجاب فهي فرض، أو على سبيل الندب فهي سنة، وسيأتي الخلاف فيها في فقه الحديث، وواضح من التعبير أن تشريعها بالسنة لا بالقرآن. والجار والمجرور "من رمضان" متعلق بالفطر، وحين يقال: أفطر من رمضان يصدق على الإفطار المعتاد في أيام الشهر عند غروب شمس آخر يوم، ويصدق على الفطر الذي تختلف به أيام رمضان عن يوم العيد فيكون بطلوع فجر يوم العيد، لهذين الاحتمالين اختلف العلماء في وقت وجوب الزكاة. وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف، لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من دليل آخر. (على الناس) عام مخصوص بالمسلمين، إذ هم المكلفون بفروع الشريعة على الأصح. (صاعاً من تمر) انتصب "صاعاً" على التمييز أو على أنه مفعول ثان لفرض، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفى الرجل المعتدل، أي حفنة رجل متوسط الجسم والصاع المقدر هو الصاع في زمن النبي ﷺ ، وقدره بعض العلماء بقدح وثلث بالكيل المصري، وجمهور العلماء على أن الاعتماد على الكيل هنا لا على الوزن، لأن الحبوب، بل النوع الواحد من الحبوب كالقمح مثلاً منه الثقيل ومنه الخفيف. والذين قدروه بالوزن اختلفوا، فمنهم من قدره بخمسة أرطال، ومنهم من قدره بستة، ومنهم من قدره بخمسة أرطال وثلث رطل، وقدره الحنفية بثمانية أرطال. (على كل حر أو عبد) ظاهر التعبير بـ"على" يفيد أن على العبد زكاة نفسه، وبه قيل. وقيل: "على" بمعنى "عن". (من المسلمين) إذا كانت "على" على ظاهرها فواضح، لأن المخاطبين بالفروع المسلمون كما سبق، وإن كانت بمعنى "عن" أفادت أن السيد لا يخرج عن عبده الكافر. (صدقة رمضان) الصدقة مأخوذة من الصدق، فكل معروف علامة على صدق الإيمان. وقال الماوردي: الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، يفترق الاسم ويتفق المسمى. اهـ. والتحقيق أنهما مختلفان من حيث اللغة وليسا بمعنى واحد على التساوي في عرف الشرع واستعمالاته، فالزكاة هي القدر الواجب، والصدقة تعم الواجب والتطوع، فمن قبيل إطلاق الصدقة على الزكاة الواجبة قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... ﴾ [التوبة: ٦٠] وقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أوسق صدقة". ومن قبيل

стр. 2154

إطلاق الصدقة على المعروف المتطوع به حديث: "كل معروف صدقة، حتى اللقمة تضعها في في امرأتك فهي صدقة". (فعدل الناس به نصف صاع من بر) أي جعلوا نصف الصاع من البر عدلاً [بفتح العين] أي معادلاً ومماثلاً للصاع من غيره. والمراد من الناس هنا معاوية ومن تبعه، كما هو واضح من الرواية السابعة. (أمر بزكاة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير) "صاع" بالجر بدلاً من "بزكاة الفطر". (صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير .... ) ظاهره يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده، قال العلماء: إن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فصله، فهو من قبيل عطف الخاص على العام، ففي البخاري عن أبي سعيد: "كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعاً من طعام. قال أبو سعيد وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر". (أو صاعاً من أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف -اللبن المتجمد الذي لم ينزع زبده. (حتى قدم علينا معاوية) زاد ابن خزيمة: "وهو يومئذ خليفة". (سمراء الشام) المراد بها الحنطة، وأضيفت إلى الشام لكثرتها هناك، ولم يكن بالمدينة منها في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير. (أما أنا فلا أزال أخرجه) أي أخرج الصاع، لا نصف الصاع. (ما عشت) "ما" ظرفية دوامية، أي مدة حياتي. (قبل خروج الناس إلى الصلاة) "ال" في "الصلاة" للعهد، والمراد صلاة العيد. -[فقه الحديث]- نجمل نقاط الأحاديث في خمس: ١ - حكم زكاة الفطر وحكمة مشروعيتها. ٢ - على من تجب. ٣ - الأنواع التي تخرج منها والقدر الواجب. ٤ - وقت وجوبها. ٥ - ما يؤخذ من الأحاديث. ١ - أما حكمها فجمهور العلماء من السلف والخلف على أنها فرض واجب، حتى حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، لكن في نقله الإجماع هنا نظر للخلاف الذي سيأتي.

стр. 2155

والدليل على وجوبها التعبير في الأحاديث الصحيحة بلفظ "فرض" فهو وإن كان في أصل اللغة بمعنى قدر لكن الشرع نقله إلى الوجوب فالحمل عليه أولى. والتعبير في بعض الروايات بلفظ: "أمر" كما في روايتنا العاشرة والحادية عشرة، وهو لفظ يستعمل في الواجب غالباً. والتعبير بلفظ "على" في قوله "على كل حر أو عبد"، فهو ظاهر في الوجوب. وتسميتها زكاة، كما هو الحال في رواياتنا كلها فيما عدا الثالثة، فتسميتها زكاة يدخلها في عموم قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [النور: ٥٦] ويكون شأنها شأن أنواع الزكاة الواجبة التي بينها رسول الله ﷺ وفصل أحكامها، كزكاة الإبل والبقر والغنم وعروض التجارة والنقدين إلخ. واستدل بعضهم على وجوبها بقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤] قال: ثبت أنها نزلت في زكاة الفطر، وثبت في الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات. واعترض عليه بأن تتمة الآية ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٥] فيلزم وجوب صلاة العيد، وأجيب بأن خروج صلاة العيد عن الوجوب إنما كان بدليل عموم قوله ﷺ : "هن خمس، لا يبدل القول لدي". ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية. لتسميتها صدقة في بعض الروايات، وهو دليل أوهى من خيط العنكبوت. وذهب إبراهيم بن علية وأبو بكر بن كيسان بن الأصم إلى أنها كانت واجبة ثم نسخ وجوبها، واستدل لهما بما روى النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله". قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأن في إسناده راوياً مجهولاً. وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ، لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر. وقال أبو حنيفة: هي واجبة ليست فرضاً بناء على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض. قال النووي: والصواب أنها فرض واجب. وحكمة مشروعيتها -كما قال النووي- أن العبادات التي تطول ويشق التحرز منها من أمور تفوت كمالها، جعل الشارع فيها كفارة مالية بدل النقص، كالهدي في الحج والعمرة وكذا الفطرة لما يكون في الصوم من لغو وغيره. ٢ - أما على من تجب فقد قال الحافظ ابن حجر: قوله: "من المسلمين" [كما في روايتنا الأولى] مقتضاه أنها لا تجب على الكافر عن نفسه. وهو أمر متفق عليه. وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة مثلاً؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعية ورواية عن أحمد. اهـ.

стр. 2156

وقد اختلف الفقهاء في الصبي والعبد والزوجة والنصاب، وفرق بعضهم بين أهل البادية وغيرهم. أما الصبي: فظاهر أحاديث الباب أنها تجب عليه، ففي الرواية الثانية والخامسة "صغير أو كبير" فتجب على كل من استهل صارخاً قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان وأدرك حياً جزءاً من شوال. قال الحافظ ابن حجر: لكن المخاطب عنه وليه، فوجوبها على هذا في مال الصغير، وإلا فعلى من تلزمه نفقته. وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه. وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري: لا تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث ابن عباس مرفوعاً: "صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث". أخرجه أبو داود. قال النووي: وتعلق من يوجبها بأنها تطهير، والصبي ليس محتاجاً إلى التطهير لعدم الإثم. وأجاب الجمهور عن هذا بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس، فإنها تجب على من لا ذنب له، كصالح محقق الصلاح؛ وككافر أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، فإنها تجب عليه مع عدم الإثم. ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب عن الجنين. قال: وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه، ونقل بعض الحنابلة رواية عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حزم لكن قيده بمائة وعشرين يوماً من يوم حمل أمه به، وتعقب بأن الحمل غير محقق وبأنه لا يسمى صغيراً عرفاً ولا لغة. أما العبد فصريح أحاديث الباب أنها تجب عليه أو عنه، فلفظ الرواية الأولى "على كل حر أو عبد" ولفظ الرواية الثانية "على كل عبد أو حر" ولفظ الرواية الثالثة "حر ومملوك" وظاهرها إخراج العبد عن نفسه. ولم يقل به إلا داود فقال: يجب على السيد أن يمكن العبد من الاكتساب لزكاة الفطر، كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة. وخالفه أصحابه والعلماء، واحتجوا بحديث مسلم الذي مر في باب النصاب ومقدار الزكاة في الرواية السابعة ولفظها: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". وفي الرواية الثامنة ولفظها: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر". فهما صريحتان في أن الصدقة على السيد. وذهب بعض الشافعية أنها تجب ابتداء على العبد ثم يتحملها السيد. وهو قول حسن يجمع بين الروايات. أما العبد الكافر فظاهر إطلاق "حر أو عبد" أن المسلم والكافر سواء وعلى السيد المسلم زكاتهما. فقوله في الرواية الأولى: "من المسلمين" صفة للمخرجين، لا للمخرج عنهم، وقد روي أن ابن عمر كان يخرج عن أهل بيته حرهم وعبدهم، صغيرهم وكبيرهم، مسلمهم وكافرهم من الرقيق، وابن عمر هو راوي حديث: "من المسلمين" وهو أعرف الناس بمراد الحديث. بهذا قال عطاء والثوري والحنفية وإسحق، كما استدلوا بالعموم في حديث مسلم: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر". والجمهور على أنه لا يجب على السيد المسلم زكاة عبده الكافر، وعموم العبد الذي استدلوا به يقضى عليه الخصوص بقوله: "من المسلمين" فهي صفة للمخرجين والمخرج عنهم، وأما إخراج ابن عمر عن عبيده الكافرين -إن صح- فيحمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعاً ولا مانع منه.

стр. 2157

وهل تجب زكاة الفطر في عبيد التجارة؟ قال البخاري: قال الزهري في المملوكين للتجارة: يزكى في التجارة ويزكى في الفطر. وهذا هو قول الجمهور. وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة: لا يلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، لأن عليه فيهم زكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان. والأول أصح وأولى، فزكاة التجارة من حيث هو مال، وزكاة الفطر من حيث هو نفس. والله أعلم. وأما الزوجة فظاهر قوله في أحاديث الباب: "ذكر أو أنثى" وجوبها على المرأة سواء أكان لها زوج أم لا، وهو حجة لأبي حنيفة والثوري وابن المنذر حيث قالوا بوجوب زكاة الفطر على الزوجة في نفسها، ويلزمها إخراجها من مالها. وعند مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحق تجب على زوجها تبعاً لنفقتها، واحتج الشافعي بحديث مرسل: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون". أخرجه البيهقي، قال الحافظ ابن حجر: وهو منقطع، ولم يرتض مذهب الجمهور وألزمهم بأنهم اتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه، فلا يسلم قياس الفطرة على النفقة واتباعها لها. أما النصاب فظاهر إطلاق أحاديث الباب: "على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى" أنها تجب على الغني ولا تجب على الفقير بهذا قال أبو حنيفة. والغني على قاعدتهم هو من ملك نصاباً، فاشترطوا لوجوبها ملكية النصاب، قياساً على زكاة الأموال وأخذاً بحديث: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى". رواه البخاري. وأجاب الجمهور بأن زكاة الفطر زكاة أبدان، فلا تقاس على زكاة الأموال والعجب أن أبا حنيفة لا يشترط النصاب فيما تخرج الأرض، ثم يشترط النصاب هنا والمخرج ما تنبت الأرض، أما الحديث الذي استند عليه فهو خاص بزكاة الأموال، على أنه روي بلفظ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". كذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. وظاهر قوله: "على الناس ... على كل حر أو عبد .... " إلخ. يدل على أنها تجب على أهل القرى والأمصار والبوادي والشعاب، وكل مسلم حيث كان وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء. وعن عطاء والزهري وربيعة والليث: أنها لا تجب إلا على أهل الأمصار والقرى، دون البوادي. ذكره النووي. ٣ - وأما القدر الواجب عن كل فرد والأنواع التي تخرج منها، فنصوص أحاديث الباب "صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير" نص الرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة. أما الرواية السادسة فزادت "صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب" ثم أضافت الروايات قضاء معاوية بنصف صاع من بر. أما التمر والشعير فلا خلاف في جواز إخراجهما، ولا خلاف في المقدار الواجب منهما وهو صاع عن كل فرد، وقد اقتصر عليهما ابن حزم فلا يجزئ عنده شيء غيرهما وهو رأي لا يؤخذ به. وأما الزبيب فقد منعه بعض المتأخرين، لكن الإجماع السابق عليهم -كما يقول النووي- يردهم. وأما البر فلا خلاف يعتد به على جوازه، والخلاف في القدر الواجب منه، وظاهر الرواية السابعة والثامنة والتاسعة أن نصف الصاع منه تقدير من معاوية عن طريق اجتهاده، ولعله لاحظ ارتفاع سعر

стр. 2158

الحنطة حينئذ بالنسبة إلى الأصناف الأخرى، وقد روي أن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم إخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر .. إلى أن قال: أو نصف صاع من بر، فلما جاء علي، ورأى رخص الأسعار قال: اجعلوها صاعاً من كل. قال الحافظ ابن حجر: ويلزم على اعتبار القيمة آنذاك أن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال ولا ينضبط، وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة، أما أبو سعيد فقد نظر إلى الكيل. اهـ. ففي روايتنا السابعة: "قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت". ولأبي داود: "لا أخرج أبداً إلا صاعاً". وعند الدارقطني وابن خزيمة والحاكم: "فقال له رجل: مدين من قمح. فقال: لا تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها". قال النووي عن روايتنا السابعة: هذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي؛ وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة وأعلم بأحوال النبي ﷺ ، وإذا اختلفت الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض فنرجع إلى دليل آخر، فنجد ظاهر الأحاديث والقياس متفقاً على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأى رآه، لا أنه سمعه من النبي ﷺ ، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي ﷺ لذكره كما جرى لهم في غير هذه القصة. وأما الأقط فهو ثابت في أحاديث الباب في الروايتين السابعة والثامنة، وهو لا يجزئ عند أحمد، وحمل الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أولم يقدر على غيره. قال الحافظ ابن حجر: وظاهر الحديث يخالفه. وفي جواز إخراج الأقط خلاف عند الشافعية، فالماوردي يزعم أنه يختص بأهل البادية وأما الحاضرة فلا يجزئ عنهم، وتعقبه النووي في شرح المهذب وقال: ينبغي أن يقطع بجوازه لصحة الحديث فيه من غير معارض. وظاهر مذهب أحمد: أنه لا يجوز العدول عن هذه الأصناف الخمسة المنصوص عليها مع قدرته عليها. ويجوز عند أبي حنيفة وأحمد إخراج الدقيق والسويق. أما الشافعية والمالكية فلا يلتزمون هذه الأصناف، بل يرون جواز إخراج الفطرة من كل ما هو قوت للناس، ويرى الشافعية أن كل ما يجب فيه العشر من الحبوب والثمار هو ما يقتات به في حال الاختيار، وهو صالح لإخراج الفطرة، وعلى المسلم أن يخرج الفطرة من غالب قوت البلد. أما القيمة فهي غير جائزة عند مالك والشافعي وأحمد، لأنها خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ ، والقيمة في معاملات الناس لا تجوز إلا بتراض بين الطرفين. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز إخراج القيمة.

стр. 2159

وفي هذا العصر يعتبر مذهب أبي حنيفة أجدى وأنفع للفقير وأيسر وأضبط لمخرج الزكاة. والله أعلم. ٤ - وأما وقت وجوبها فإن الرواية العاشرة والحادية عشرة تصرحان بالأمر بإخراجها قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، ولفظ "قبل" يمنع التأخير، ولا يحدد بداية الوجوب أو بداية الجواز، وإن كان يوصي بالقرب لا بالبعد عن الوقت المذكور، ولكن متى تجب؟ ومتى يجوز إخراجها؟ وما حكم تأخيرها عن صلاة العيد؟ . أما وقت الوجوب فقال الشافعي وأحمد وإسحق ومالك في رواية عنه: تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه: تجب بطلوع الفجر من يوم العيد. ومعنى ذلك أنهم اتفقوا على أن من مات قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لا زكاة عليه، ومن ولد قبل غروب شمس آخر يوم ولو بلحظة فعليه زكاة الفطر، أما من ولد بعد المغرب وقبل فجر يوم العيد فلا زكاة عليه عند الجمهور، وعليه الزكاة عند أبي حنيفة، ومن مات بعد المغرب وقبل فجر يوم العيد فعليه الزكاة عند الجمهور، ولا زكاة عليه عند أبي حنيفة. وأما وقت جواز إخراجها فقال أبو حنيفة: يجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة، فأشبهت زكاة الأموال. وقال الشافعي: يجوز إخراجها من أول شهر رمضان لأنها مبنية على الصوم وعلى الفطر منه، فإذا وجد أحد السببين جاز إخراجها، كزكاة المال بعد ملك النصاب، ولكن الأفضل أو المستحب إخراجها بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان وقبل صلاة العيد. وأخرج مالك في الموطأ والشافعي عن نافع: "أن عمر كان يبعث بزكاة الفطر قبل الفطر بيومين أو ثلاثة". قال الشافعي: هذا حسن. وأنا أستحبه. اهـ. وقال بعض الحنابلة: يجوز إخراجها من بعد نصف شهر رمضان. ومذهب أحمد وهو المعتمد عند المالكية أنه لا يجوز إخراجها قبل العيد بأكثر من يومين، لما رواه البخاري عن ابن عمر قال: "كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين". ومنع ابن حزم تعجيلها قبل فجر يوم الفطر. ومعنى عدم جواز إخراجها قبل عام أو قبل رمضان أو قبل منتصفه أو قبل فجر يوم العيد أنها لو وقعت ودفعت لا تقع موقع القبول ولا موقع الواجب. وأما تأخير أدائها عن صلاة العيد فجمهور الفقهاء على كراهته ما لم تؤخر عن يوم العيد، أما تأخيرها عن يوم العيد فهو حرام يأثم فاعله، كما في إخراج الصلاة عن وقتها، لكن هل تقع الزكاة موقع الفرض مع الإثم كتأخير الصلاة؟ أو لا تقع موقع الفرض؟ وما دفع يعتبر صدقة؟ وتبقى ديناً في ذمة صاحبها للمستحقين؟ خلاف بين العلماء. الراجح الأول.

стр. 2160

-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من الرواية السابعة أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا في زمن النبي ﷺ ، أو إذا كان فينا -حديث له حكم المرفوع، إذ فيه إشعار بإطلاعه ﷺ على ذلك، وتقرير له، ولا سيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها وتفرقتها. ذكره الحافظ ابن حجر. ٢ - ما كان عليه أبو سعيد ﵁ من شدة الاتباع والتمسك بالآثار، وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص. ٣ - ومن صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد، قال الحافظ ابن حجر: وهو محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار. والله أعلم

стр. 2161

(٢٩٠) باب جزاء مانع الزكاة وعقوبته ١٩٩١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل يا رسول الله فالإبل؟ قال "ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحداً. تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها. كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال "ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل يا رسول الله فالخيل؟ قال "الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر. فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخراً ونواء على أهل الإسلام فهي له وزر. وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر. وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات" قيل يا رسول الله فالحمر؟ قال "ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾

стр. 2162

١٩٩٢ - عن زيد بن أسلم في هذا الإسناد بمعنى حديث حفص بن ميسرة إلى آخره، غير أنه قال "ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها" ولم يقل "منها حقها" وذكر فيها "لا يفقد منها فصيلا واحداً" وقال "يكوى بها جنباه وجبهته وظهره". ١٩٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت، تستن عليه، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت، فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قال سهيل فلا أدري أذكر البقر أم لا. قالوا فالخيل يا رسول الله. قال "الخيل في نواصيها (أو قال) الخيل معقود في نواصيها (قال سهيل أنا أشك) الخير إلى يوم القيامة. الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر. فأما التي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئاً في بطونها إلا كتب الله له أجراً، ولو رعاها في مرج ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجراً، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر (حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها) ولو استنت شرفاً أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر. وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرماً وتجملاً ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها. وأما الذي عليه وزر فالذي يتخذها أشراً وبطراً وبذخاً ورياء الناس فذاك الذي هي عليه وزر" قالوا فالحمر؟ يا رسول الله قال "ما أنزل الله علي فيها شيئاً إلا هذه الآية الجامعة الفاذة" ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾

стр. 2163

١٩٩٤ - حدثنا سهيل بن أبي صالح بهذا الإسناد وقال بدل (عقصاء) "عضباء" وقال "فيكوى بها جنبه وظهره" ولم يذكر (جبينه). ١٩٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "إذا لم يؤد المرء حق الله أو الصدقة في إبله" وساق الحديث بنحو حديث سهيل عن أبيه. ١٩٩٦ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط، وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها. ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها. ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، ليس فيها جماء ولا منكسر قرنها. ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعاً أقرع يتبعه فاتحاً فاه، فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بد منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل" قال أبو الزبير سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول. ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك. فقال مثل قول عبيد بن عمير. وقال أبو الزبير سمعت عبيد بن عمير يقول قال رجل يا رسول الله ما حق الإبل؟ قال "حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنيحتها وحمل عليها في سبيل الله". ١٩٩٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن" قلنا يا رسول الله وما حقها؟ قال "إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله. ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعاً أقرع يتبع

стр. 2164

صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه، ويقال هذا مالك الذي كنت تبخل به فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه فجعل يقضمها كما يقضم الفحل". ١٩٩٨ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ فقالوا إن ناساً من المصدقين يأتوننا فيظلموننا. قال: فقال رسول الله ﷺ "أرضوا مصدقيكم" قال جرير ما صدر عني مصدق منذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ إلا وهو عني راض. ١٩٩٩ - عن أبي ذر ﵁ قال انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال "هم الأخسرون ورب الكعبة" قال فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قمت فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال "هم الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا (من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله) وقليل ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس". ٢٠٠٠ - عن أبي ذر ﵁ قال انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة فذكر نحو حديث وكيع غير أنه قال "والذي نفسي بيده ما على الأرض رجل يموت فيدع إبلاً أو بقراً أو غنماً لم يؤد زكاتها". ٢٠٠١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "ما يسرني أن لي أحداً ذهباً تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين علي". ٢٠٠٢ - عن أبي ذر ﵁ قال كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء ونحن

стр. 2165

ننظر إلى أحد، فقال لي رسول الله ﷺ "يا أبا ذر" قال قلت لبيك يا رسول الله قال "ما أحب أن أحداً ذاك عندي ذهب أمسى ثالثة عندي منه دينار إلا ديناراً أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله، هكذا حثا بين يديه، وهكذا عن يمينه وهكذا عن شماله" قال ثم مشينا فقال "يا أبا ذر" قال قلت لبيك يا رسول الله قال "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا" مثل ما صنع في المرة الأولى قال ثم مشينا قال "يا أبا ذر كما أنت حتى آتيك" قال فانطلق حتى توارى عني. قال: سمعت لغطاً وسمعت صوتاً. قال: فقلت لعل رسول الله ﷺ عرض له. قال: فهممت أن أتبعه. قال: ثم ذكرت قوله "لا تبرح حتى آتيك". قال: فانتظرته فلما جاء ذكرت له الذي سمعت. قال: فقال "ذاك جبريل أتاني فقال من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قال: قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق". ٢٠٠٣ - عن أبي ذر ﵁ قال خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان. قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني، فقال "من هذا؟ " فقلت: أبو ذر جعلني الله فداءك. قال "يا أبا ذر تعاله" قال: فمشيت معه ساعة، فقال "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيراً فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيراً" قال: فمشيت معه ساعة. فقال "اجلس ها هنا" قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة. فقال لي "اجلس ها هنا حتى أرجع إليك" قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول "وإن سرق وإن زنى" قال: فلما جاء لم أصبر فقلت يا نبي الله جعلني الله فداءك من تكلم في جانب الحرة؟ ما سمعت أحداً يرجع إليك شيئاً؟ قال "ذاك جبريل عرض لي في جانب الحرة، فقال بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. فقلت يا جبريل وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. وإن شرب الخمر". ٢٠٠٤ - عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة

стр. 2166

ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل. قال: فوضع القوم رءوسهم فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً. قال: فأدبر واتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فأجبته فقال "أترى أحداً؟ " فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له. فقلت أراه. فقال "ما يسرني أن لي مثله ذهباً أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير" ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئاً. قال: قلت ما لك ولإخوتك من قريش لا تعتريهم وتصيب منهم. قال: لا وربك لا أسألهم عن دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله. ٢٠٠٥ - عن الأحنف بن قيس قال كنت في نفر من قريش، فمر أبو ذر وهو يقول بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم. قال: ثم تنحى فقعد. قال: قلت من هذا؟ قالوا هذا أبو ذر. قال: فقمت إليه فقلت ما شيء سمعتك تقول قبيل؟ قال ما قلت إلا شيئاً قد سمعته من نبيهم ﷺ . قال: قلت ما تقول في هذا العطاء؟ قال خذه فإن فيه اليوم معونة فإذا كان ثمناً لدينك فدعه. -[المعنى العام]- وعيد ترتعد منه الفرائص، وتقشعر منه الأبدان، ويشيب لهوله الولدان ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد﴾ [الحديد: ٢٠] لكنها: ﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ [الحديد: ٢٠]. لماذا نجمع الأموال والثروات؟ وفيم ننفقها؟ وما نتيجتها؟ وما نهايتها؟ وما جزاؤنا عليها؟ . أسئلة يعلم جوابها كل الناس، لكنهم لا يعملون بما يعلمون: ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾ [الروم: ٧]. يعلمون أنه: "ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت".

стр. 2167

"إنما لابن آدم من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأقنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس". وما الناس إلا جامع أو مضيع وذو نصب يسعى لآخر نائم نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط والكيس من أخذ من دنياه لآخرته، وعمل في ماله لما بعد موته، والغافل من خدعه ماله وأشرب حبه في قلبه، وجمعه وعدده، واكتنزه ولم يخرج زكاته، ولم يشكر نعمة ربه فلم يعط الفقراء والمساكين ما فرضه الله لهم فيه. وعيد مخيف تصوره الأحاديث، ما من صاحب ذهب ولا فضة يجمع نصاباً يحول عليه الحول لا يخرج زكاته حتى يموت إلا جاء يوم القيامة وقد صفح هذا المال في هيئته صفائح، في هيئة ألواح حديدية سميكة، يحمى عليها في نار جهنم حتى تصير ناراً حمراء، يكوى بها جبين صاحبها، فتخرج النار من خلف رأسه ويكوى بها جنبه، فتخرج النار من جنبه الآخر، ويكوى به صدره وبطنه فتخرج النار من ظهره، توضع على ثدييه حتى تخرج من عظم كتفيه، وتوضع على عظم كتفيه فتخرج من حملة ثدييه، لا تبرد أبداً، بل كلما بردت قطعة كانت الأخرى جاهزة موقدة، تحل محلها، ثم تعود الأولى ناراً كما كانت، وإلى متى هذا العذاب وهذا الكي؟ لقد تمتع هذا المسكين بماله عدد سنين، لا تتجاوز الستين، فكم يوماً وكم سنة يحرق بماله؟ لنفرض أنه سيعذب يوماً واحداً، لكن مقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة، فيالهول العذاب؟ ؟ ؟ ؟ ويالهول الزمن! ! ! ! . ويا ليت عذاب الكانز يقتصر على هذا. فإن عذاباً آخر في انتظاره، عذاب الرعب والإهانة والسخرية والتوبيخ بعد عذاب الكي بالنار، يحول الله ماله إلى ثعبان كبير أسود، له على جانبي رأسه قرنان مملوءان سماً وناراً حامية، ويحمل في شدقيه أنياباً كأسنان الرمح، فيفتح فاه، ويجري وراء صاحبه، وصاحبه يفر منه هنا وهناك يناديه الثعبان بصوت مزعج رهيب، لا خلاص لك ولا مهرب، هذا مالك في بطني فتعال خذه فأنا لا أحتاجه، هذا كنزك في أحشائي، ولا بد أن تدخل يدك في فمي لعلك تخرجه، فإذا أيقن الكانز أن لا مهرب ولا مفر، أدخل يده في فم الثعبان، فقضمها الثعبان بأنيابه الحادة الموقدة، لا هو يقطعها، ولا هو يدعها، حتى يقضي الله أمره. هذا عذاب كانز المال، أما جامع الإبل والبقر والغنم الذي لم يؤد حق الله فيها ولم يخرج زكاتها فإن الله يجمعها له يوم القيامة، كاملة العدد، لا ينقص منها رضيعاً، كاملة الخلقة، ليس فيها مكسورة القرن، كأقوى حالة كانت عليها في الدنيا، يجمعها في ساحة كبيرة، ويؤتي بصاحبها، فيقعد القرفصاء، لا يستطيع حراكاً أو فكاكاً، فتنطحه بقرونها وتعضه بأفواهها، ثم تبطحه وتلقيه على وجهه، فتطؤه بأظلافها، تمر عليه واحدة واحدة، كلما انتهت أخراها عادت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد فينصرف إلى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار.

стр. 2168

وكان من الطبيعي أن يسأل أهل الخيل عن زكاة الخيل، حيث لم يتعرض لها ﷺ ، فأجابهم: الخيل تستخدم في الدنيا لثلاث مهام: بعض الناس يربطها رياء وفخراً ومناوأة ومعاداة لأهل الإسلام فهي له وزر، في كل حركة من حركاتها إثم وجرم. وبعض الناس يربطها ويعدها للجهاد في سبيل الله، يعني بمطعمها ومشربها وصحتها وتدريبها على الكر والفر، يعدها لنفسه خاصة، يبادر إليها عند الداعي، يعير فحلها، ويعين الناس بها، فهي له ستر من النار يوم القيامة. وبعض الناس يربط خيله الكثيرة، ويعدها للمجاهدين الذين لا يجدون ولا يملكون، يوقفها على سبيل الله، ولأهل الإسلام، فهي له أجر وحسنات، ما تحركت في مرعاها وما سكنت في مربطها، إلا كتب له بذلك حسنات، بل يكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، بل إذا مرت على ماء فشربت حتى دون أن يقصد سقيها فله بعدد جرعاتها حسنات. وهنا سأل أصحاب الحمر عن زكاة الحمر، فأجابهم ﷺ أنها لم ترد فيها زكاة، وإنما تدخل في القاعدة العامة، الدعوة إلى الخير ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزلة: ٧]. ووضحت معالم الزكاة في الإسلام، ووضحت واجبات المال ومندوباته ووضح محرماته ومكروهاته ومباحاته، واستقرت أحكامه عند الصحابة. لكن أبا ذر كان يرى في ذلك غير ما يراه جمهور المسلمين. لقد رأى رسول الله ﷺ يعيش فقيراً، ويلزم أهل بيته الكفاف من العيش يمر الشهر والشهران ثلاثة أهله في شهرين ولا يوقد في بيته نار، لعدم وجود ما يطهى بالنار، وكان يوزع كل الفيء والغنائم والزكاة على المصارف التي شرعها الله. ثم هو ذا أبو ذر بعد رسول الله ﷺ وفي عهد عثمان يعيش في الشام، في دمشق مع معاوية بن أبي سفيان، أمير الشام، الذي يعيش في قصره كالملوك، بل كالأكاسرة والقياصرة من حيث النعيم والأبهة وزينة الحياة. بدأ أبو ذر يقارن في نفسه بين رسول الله وقائده وحاكمه وبين معاوية. من أين لمعاوية ما هو فيه؟ أليس من مال المسلمين؟ ومن حول معاوية من الحاشية والمقربين؟ من أين لهم هذا الغنى؟ أليس من مال المسلمين؟ . إنه يتذكر ليلة مشى مع النبي ﷺ في حصباء المدينة، ساعة قال له النبي ﷺ : يا أبا ذر. قال لبيك يا رسول الله قال: انظر إلى جبل أحد فنظر. قال ﷺ : يا أبا ذر. ما أحب أن مثل جبل أحد هذا عندي ذهباً، أبيت ثلاث ليال وعندي منه شيء. إلا دينار أرصده لدين علي، بل أوزعه على عباد الله هكذا وهكذا. يحثو بيده ﷺ قابضة ويفرغها جهة اليمين تارة وجهة الشمال أخرى. ثم تابعا السير فترة فقال: يا أبا ذر. فقال: لبيك يا رسول الله. قال: إن المكثرين من

стр. 2169

المال هم المقلون من الأعمال الصالحة إلا من فعل بماله هكذا وهكذا. يشير إلى التوزيع والإنفاق كما فعل في المرة الأولى، وفي رواية: "إلا من أعطاه الله خيراً فنفخ فيه يمينه وشماله، وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيراً". لقد استقر في نفس أبي ذر أن صورة الولاة والأمراء ينبغي أن تحاكي صورة رسول الله ﷺ ، ولم يكن الرجل الذي يرى الخطأ ويسكت عنه، لقد فاتح معاوية ونصحه، وجاء له معاوية بالعلماء يناقشونه، يستدل أبو ذر بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥]. ويقول معاوية: إن الآية في اليهود، ويقول أبو ذر: فيهم وفينا، ويقول العلماء: إن ما أدى زكاته ليس بكنز، ولا يدخل في الآية، ويقول أبو ذر: بل يدخل في الآية مادام في المسلمين فقراء، وتجاوزت دعوة أبي ذر معاوية وحاشيته إلى الأغنياء عامة، فأصبح يدخل على مجتمعاتهم فيقول: بشر الكانزين بكي في جنوبهم، ونفر منه الناس، فكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر يفسد عليه حكمه في الشام، فأرسل إليه عثمان يدعوه إلى المدينة، فجاء فأبقاه عثمان فيها، فسار في المدينة بمثل ما سار عليه في دمشق، يمشي أخشن الجسد، أخشن الوجه، يلبس أخشن الثياب، لا يجد جماعة مجتمعين إلا ألقى عليهم وعيده فسخر منه الأغنياء، وأغروا به الصبيان يجتمعون حوله، ويمشون وراءه، ولم يكن يعبأ بكل ذلك، لكن عثمان رأى حرصاً عليه وعلى هدوء الناس بالمدينة أن يعرض عليه الحياة الهادئة بالربذة، وهي القرية الصغيرة التي كان يذهب إليها منذ أزمان، فذهب إليها وعاش فيها حتى مات ﵁ وأرضاه. -[المباحث العربية]- (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها) قيل: سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت الفضة فضة لأنها تنفض، أي تنصرف وعاد الضمير منفرداً مؤنثاً "منها حقها" والمذكور اثنان: ذهب وفضة ذهاباً إلى المعنى، لا إلى اللفظ، فكل واحد منهما ذو عدد، دنانير ودراهم، على معنى لا يؤدي حق أفرادهما. وقيل: الضمير عائد على الفضة. وحذف الكلام عن الذهب اكتفاء، والمعنى لا يؤدي منها حقها، ولا يؤدي منه حقه، وتنكير "ذهب" و"فضة" قد يستدل به على وجوب الزكاة في عمومهما، مصوغاً أو مضروباً أو غيرها. (إلا إذا كان يوم القيامة) "كان" تامة، و"يوم القيامة" فاعلها، أي حتى إذا جاء يوم القيامة، والاستثناء مفرغ من عموم الأخبار، والتقدير: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي الزكاة مخبر عنه بخبر ما إلا بخبر كذا. (صفحت له صفائح) أي صهرت وبسطت صفائح وحمي عليها في النار حتى تصير كالنار.

стр. 2170

(فأحمي عليها في نار جهنم) أي أوقد عليها، وقيل في "جهنم": أنه اسم أعجمي يمنع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: هو اسم عربي، ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، مستمد من الجهومة، وهي الغلظ، لغلظ أمرها في العذاب، وقيل: سميت بذلك لعمق مقرها، يقال: "بئر جهنام، أي بعيدة القعر". (فيكوى بها) أي بصفائح النار. (جنبه وجبينه وظهره) في الرواية الثانية "فيكوى بها جنباه وجبينه"، وفي الرواية الثانية عشرة "بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم" ولكل إنسان جنبان، فإفراد جنبه يراد به الجنس، والمقصود جنباه، وهو المقصود في قوله تعالى: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ [التوبة: ٣٥] لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، فتكون الآية من جنس روايتنا الأولى، والمراد من الجبين الجبهة، وخصت هذه المواضع من بين أماكن الجسم المتعددة لأن الكي في الوجه أبشع وأشهر، وفي الظهر والجنب آلم وأوجع، أو لأنها مواضع تصل إليها الحرارة بسرعة؛ أو لأن الغنى إذا أقبل عليه الفقير قبض جبهته، وزوى ما بين عينيه، وطوى جنبه، أو لأن الغني إذا جاءه الفقير من قبل وجهه ولى عنه وجهه والتفت إلى جنبه، ثم يدور الفقير فيوليه ظهره، كذا قيل. وحاصله أنه لا يكوى من الجسد إلا هذه المواضع، والأولى أن يقال: إن هذه الأعضاء إشارة إلى الجسد كله، فالجبهة إشارة إلى مقدم البدن، والظهر إشارة إلى خلفه، والجنبان يمينه وشماله، وإنما خصت بالذكر للتخويف والإرهاب. (كلما بردت أعيدت له) قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ "بردت" بالباء، وفي بعضها "ردت" بضم الراء، وذكر القاضي الروايتين قال: والثانية رواية الجمهور، والأولى هي الصواب. (فيرى سبيله) قال النووي: ضبطناه بضم الياء وفتحها، وبرفع لام "سبيله" ونصبها. (قيل ..... فالإبل) الفاء فصيحة وفي الكلام مضاف محذوف. أي هذا إثم صاحب الذهب والفضة، فما إثم صاحب الإبل؟ (لا يؤدي منها حقها) أي لا يخرج منها زكاتها، وفي الرواية الثانية والخامسة "لا يؤدي زكاتها". (ومن حقها حلبها يوم وردها) "حلبها" قال النووي: هو بفتح اللام على اللغة المشهورة، وحكى إسكانها، وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس. اهـ والمراد حلبها على الماء كما جاء في الرواية الرابعة والخامسة، ليسقي من لبنها أبناء السبيل والمساكين الذين ينزلون على الماء ليكون أسهل على المحتاج من قصد المنازل، وأرفق بالماشية. قال ابن بطال: كانت عادة العرب التصدق

стр. 2171

باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم. وذكره الداودي بالجيم " جلبها" وفسره بالإحضار إلى المصدق، وجزم بأنه تصحيف، وفي المراد بالحق هنا خلاف يأتي في فقه الحديث. (بطح لها بقاع قرقر) "بطح" مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير الذي لم يؤد زكاتها، أي بطح صاحبها لها أي ألقي على وجهه، وقيل: بسط وطرح ومد، وقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، وفي الرواية الرابعة "وقعد بها بقاع قرقر" وفاعل "قعد" صاحب الإبل. ولعله يبطح تارة ويقعد أخرى وهي تطؤه مبطوحاً أو قاعداً، أو لعله يقعد فتنطحه بقرونها فيبطح فتطؤه. والقاع المستوي الواسع من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه، وجمعه قيعة وقيعان. والقرقر المستوي أيضاً من الأرض الواسع وهو بفتح القافين، ذكره النووي. والظاهر أن المراد بالقاع هنا الأرض المستوية المنخفضة عما حولها، وبالقرقر الواسعة، فوصف المكان بالانخفاض والسعة يبعد الهروب ويسمح بالتجمع الكثير والانحصار فيكون أنكى. و"قاع قرقر" يحتمل تنوين "قاع" وعدم تنوينه على الوصف والإضافة. (أوفر ما كانت) في الرواية الثانية "كأوفر ما كانت" وفي الرواية الرابعة "أكثر ما كانت" وفي الرواية السابعة "أعظم ما كانت وأسمنه" وفي رواية البخاري "على خير ما كانت" والمعنى على أحسن الحالات التي كانت عليها عند صاحبها مانع الزكاة، لأنها عنده على حالات، مرة هزيلة ومرة سمينة ومرة صغيرة ومرة كبيرة، ومرة قليلة، ومرة كثيرة. فتأتي على أكملها ليكون ذلك أنكى له لثقلها. (لا يفقد منها فصيلاً واحداً) هذا تأكيد لأوفر ما كانت من حيث الكثرة أي حتى مولودها الذي ذبح صغيراً يجيء على خير حالة عاش عليها وهذا هو المراد بالشيء في قوله عن البقر والغنم "لا يفقد منها شيئاً" وفاعل "يفقد" ضمير يعود على صاحبها. (تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها) في الرواية الرابعة "تستن عليه بقوائمها وأخفافها" أي تجري عليه بأرجلها، وماضي "تطأ" وطئ، فحذفت الواو في المضارع، والأخفاف جمع خف، وهو للبعير بمنزلة الظلف للبقر والغنم والظباء، وكل ذي حافر منشق منقسم وبمنزلة القدم للآدمي والحافر للحمار والبغل والفرس. (كلما مر عليه أولاها) قال النووي: هكذا هو في جميع الأصول في هذا الموضع. قال القاضي عياض: قالوا: هو تغيير وتصحيف، وصوابه ما في الرواية التي بعده -روايتنا الثانية- كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها "روايتنا السابعة كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها" ووجه الخطأ في الرواية الأولى أنه إنما يرد الأول الذي قد مر من قبل، وأما الآخر فلم يمر بعد، فلا يقال: رد أخراها. وقد حاول بعض العلماء توجيه هذه الرواية بأنه يحتمل أن المعنى أن أول الماشية تتلاحق حتى تصل إلى أخراها، ثم إذا أرادت الرجوع بدأت أخراها بالرجوع فتصير أول الرد، وهذا التوجيه حسن

стр. 2172

ومقبول إذا كانت الإبل ستتلاحق في صف مستقيم، فتكون الأخيرة عند الرد أولى مرة، وتكون الأولى عند الرد أولى مرة، ويصبح تقدير العبارة: كلما مر عليه أخراها حتى أولاها رد عليه أولاها. لكن هذا التوجيه إن أصلح الرواية الأولى بهذا التصوير نقل الإشكال إلى الروايات الأخرى. أما إذا كان تلاحق الإبل على هيئة دائرة فلا يقال: كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، وإنما يقال: كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها. (ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء) في الرواية الرابعة "ليس فيها جماء، ولا منكسر قرنها" وكذا في الرواية الخامسة، والعقصاء ملتوية القرنين، والقرن الملتوي مثل الطوق لا ينكل مثل المدبب الذي يصيب بسنه مرة وبعرضه أخرى، والجلحاء التي لا قرن لها، والعضباء مكسورة القرن الداخلي، والجماء كالجلحاء لا قرن لها. وليس معنى نفي وجود هذه الموصوفات استبعاد ما كانت من النعم كذلك في الدنيا، بل المراد حضورها كاملة الأعضاء، فمعنى قوله في الرواية الخامسة: "وتنطحه ذات القرن بقرنها" أي ما هي بطبيعتها ذات قرن سواء أكانت في دنياها بقرن أم لا. (تنطحه بقرونها) "تنطحه" بكسر الطاء، ويجوز الفتح. (الخيل ثلاثة) أي ثلاثة أصناف من حيث ما تعود به على أصحابها من خير وشر. (فأما التي هي له وزر) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "التي" وقع في بعضها "الذي" وهو أوضح وأظهر. (ونواء على أهل الإسلام) "نواء" بكسر النون، وبالمد، أي مناوأة ومعاداة. (فرجل ربطها في سبيل الله) أي أعدها للجهاد، وأصله من الربط، ومنه الرباط، وهو حبس الرجل نفسه في الثغر، وإعداده الأهبة لذلك. (في مرج وروضة) المرج بسكون الراء الأرض الواسعة ذات الزروع والمراعي الخضراء، والروضة البستان. (ولا تقطع طولها) بكسر الطاء وفتح الواو، ويقال: طيلها بالياء، والطول والطيل الحبل الذي تربط فيه. (فاستنت شرفاً أو شرفين) "استنت" أي جرت، والشرف بفتح الشين والراء: العالي من الأرض، أي جرت وارتفعت عالياً أو عاليين، وقيل: المراد شوطاً أو شوطين. (ولا يريد أن يسقيها) جملة حالية من "صاحبها" سيقت لإثبات الأجر عند إرادة السقي من باب أولى، لأنه إذا حصل له هذه الحسنات من غير أن يقصد سقيها فإذا قصده فأولى بأضعاف الحسنات.

стр. 2173

(هذه الآية الفاذة الجامعة) "الفاذة قليلة النظير"، و"الجامعة" العامة المتناولة لكل خير ومعروف، أي لم ينزل فيها بعينها نص، لكن هذه الآية العامة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]. (ما من صاحب كنز) في كتب اللغة: الكنز اسم للمال المدفون. وقيل: هو الذي لا يدري من كنزه، وقال الطبري: هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في باطن الأرض كان أو على ظهرها. وقال القرطبي: أصله الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة. أما الكنز المستحق عليه الوعيد في الآية ففيه خلاف يأتي في فقه الحديث. (الخيل في نواصيها الخير) أي في وجهها وفي مقدمها، فهو كناية عن اقتران الخير بها، وقد فسر هذا الخير في الحديث الصحيح بالأجر والمغنم. (إلى يوم القيامة) الغاية خارجة، بل قيل: إن المراد إلى قبيل يوم القيامة بيسير. (فلا تغيب شيئاً في بطونها) أي فلا تأكل شيئاً ولا تشرب شيئاً، فقوله "ولو رعاها" وقوله "ولو سقاها" تفسير لما قبلها. (أشراً وبطراً وبذخاً ورياء الناس) "الأشر" بفتح الهمزة والشين هو المرح واللجاج، "والبطر" الطغيان عند الحق، و"البذخ" بفتح الباء والذال بمعنى الأشر والبطر. قاله النووي. (جاء كنزه يوم القيامة شجاعاً أقرع) في الرواية الخامسة "تحول يوم القيامة شجاعاً أقرع" وفي رواية البخاري: "مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع" أي صور له ماله أو ضمن "مثل" معنى التصيير. والشجاع هنا الحية الذكر. وقيل: نوع من الحيات يقوم على ذنبه ويواثب الفارس على فرسه. والأقرع هنا قيل: الذي تمعط شعر رأسه وتلون لكثرة سمه. وقيل: إنه الحية لا شعر برأسها. فالأقرع الذي تمعط وتلون جلد رأسه لكثرة ما جمع فيها من السم. وفي رواية البخاري "له زبيبتان" قيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين. وقيل نابان يخرجان من فيه. وقيل نكتتان سودوان فوق عينيه. وقيل: هما في حلقه مثل زنمتي العنز. (يتبعه فاتحاً فاه) يوهمه بأن كنزه بداخل فمه ومعدته. (فيناديه) الشجاع الأقرع يقول له: (خذ كنزك) من جوفي. (الذي خبأته) عن الناس والفقراء في الدنيا، وكنت تبخل به. (فإذا رأى أنه لا بد منه) أي لا بد من الانقياد لأمر الشجاع.

стр. 2174

(فقضمها قضم الفحل) "الفحل" الذكر من الأنعام. (حلبها على الماء) لفظه لفظ الخبر، أي حقها على صاحبها حلبها على الماء ومعناه الأمر والطلب. قاله النووي. (وإعارة دلوها) أي الدلو الذي تسقى به، ويرفع لها فيه الماء. (وإعارة فحلها) أي ذكرها، والمقصود من إعارته إعارته لمن عنده إناث لتذكيرها. وهذا هو المراد من قوله في الرواية الخامسة: "وإطراق فحلها" أي جعله يطرق الأنثى عند غيره تكرماً. (ومنيحتها) أي إعارة ذات اللبن ليحلب لبنها هدية وهبة. قال أهل اللغة: المنيحة ضربان: أحدهما أن يعطي الإنسان آخر شيئاً هبة، وهذا النوع يكون في الحيوان والأرض والأثاث وغير ذلك. الثاني أن المنيحة ناقة أو بقرة أو شاة ينتفع بلبنها ووبرها وصوفها وشعرها زماناً ثم يردها. (فلم أتقار أن قمت) أي لم يمكني القرار والثبات فقمت. (إلا من قال .... ) المراد من القول هنا الفعل، أي إلا من فعل بماله الكثير. (هكذا. وهكذا. وهكذا) الظاهر أن الرسول ﷺ حين قال هذه الكلمات كان يشير بيده إلى الأمام وإلى الخلف وإلى اليمين وإلى الشمال، وتكون هناك لفظة "هكذا" رابعة لم يذكرها الراوي، وعبارة "من بين يديه ومن خلفه .... إلخ" من كلام الراوي توضيحاً لإشارات الرسول ﷺ ، فالضمير فيها للرسول ﷺ . ويجوز أن تكون من كلام الرسول ﷺ توضيحاً لإشارته، فالضمير للمنفق. والمقصود أن الأكثرين أموالهم الأخسرون إلا من أنفق في وجوه الخير المتعددة. (كلما نفدت أخراها) قال النووي: هكذا ضبطناه "نفدت" بدال مهملة [وكسر الفاء]، "ونفذت" بالذال المعجمة وفتح الفاء، وكلاهما صحيح. اهـ. (وعندي منه دينار إلا دينار) الرفع بدل من "دينار" الأولى، وفي بعض النسخ "إلا ديناراً" بالنصب على الاستثناء. (ما أحب أن أحداً ذاك عندي ذهب) "ذهب" بالرفع خبر "أن" وفي بعض النسخ "ذهباً" بالنصب على التمييز، "وعندي" الخبر. (أمسى ثالثة عندي منه دينار) "أمسى" بفتح السين فعل ماض، و"دينار" فاعل، أي أمسى ودخل في مساء الليلة الثالثة دينار من هذا الذهب عندي. (هكذا. حثا بين يديه .... ) عبارة الرسول ﷺ "هكذا وهكذا وهكذا" بلسانه مع الإشارة بيديه،

стр. 2175

وعبارة الراوي توضيحاً للإشارات "حثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله" أي رمى ما يشبه القبضة إلى الجهات حوله. (كما أنت) معمول لمحذوف تقديره ألزم وضعاً مشبهاً ما أنت عليه. (سمعت لغطاً) بفتح الغين وسكونها، لغتان، أي جلبة وصوتاً غير مفهوم. (عرض له) أي عرض له ما يؤذيه. (وإن زنى وإن سرق) جواب الشرط محذوف، والتقدير: وإن زنى وإن سرق دخل الجنة؟ ، وخص الزنى والسرقة بالذكر لكونهما من أفحش الكبائر. (تعاله) أصله تعال دخلت عليها هاء السكت. (إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة) أي إن المكثرين مالاً في الدنيا هم المقلون حسنات يوم القيامة. (إلا من أعطاه الله خيراً) أي مالاً. (فنفخ فيه) كناية عن إنفاقه. (وعمل فيه خيراً) أي طاعة لله. (فأجلسني في قاع حوله حجارة) القاع المستوي من الأرض. (فانطلق في الحرة) "الحرة" الأرض الملبسة حجارة سوداء. (ما سمعت أحداً يرجع إليك شيئاً) أي يرجع إليك كلاماً ويرد عليك أي ما علمت أحداً معك تكلمه؟ . (بينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش) "بين" ظرف، زيدت عليه الألف أي بين أوقات قعودي في حلقة، والحلقة بإسكان الحاء، وحكى فتحها في لغة رديئة، والملأ الجماعة، ويطلق على الأشراف. ورواية البخاري "جلست إلى ملإ من قريش" وهذا الجلوس والحلقة كان في مسجد المدينة، ففي بعض الروايات "قدمت المدينة، فدخلت مسجدها". (أخشن الثياب. أخشن الجسد. أخشن الوجه) قال النووي: هو بالخاء والشين في الألفاظ الثلاثة، ونقله القاضي عياض هكذا عن الجمهور، وهو من الخشونة، وعند بعضهم في اللفظ الأخير "حسن الوجه" من الحسن، وعند البعض "حسن الشعر والثياب والهيئة" من الحسن، والأصوب خشن من الخشونة. (فقام عليهم) أي وقف.
следующие страницы →