Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
فضل النفقة على العيال والأهل والأقربين ومن يعول
في الحديث الشريف: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القربى ثنتان صدقة وصلة" وكل من استحق النفقة والعطاء بوجه من الوجوه كانت الصدقة عليه لفقره وحاجته لها أجران، أجر الاستحقاق الأول، وأجر الاستحقاق الثاني.
والأحاديث من رقم (٣) إلى رقم (١٧) تتحدث عن هذه المسألة: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله". "كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته". وحين أراد أبو طلحة أن يتصدق ببستانه أحب أمواله إليه قال له رسول الله ﷺ : "اجعله في قرابتك". وحين أعتقت ميمونة وليدة لها قال لها ﷺ : "لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك". وحين سألت زينب امرأة عبد الله بن مسعود هي وصاحبة لها رسول الله ﷺ : هل تجزئ صدقتهما إذا دفعت إلى الزوج والأيتام في الحجر؟ قال لهما رسول الله ﷺ : "لهما أجران". وحين سألت أم سلمة: هل لها أجر في إنفاقها على بني أبي سلمة قال لها رسول الله ﷺ : "نعم لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم". ويروي أبو مسعود قول رسول الله ﷺ : "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة". وحين سألت أسماء بنت أبي بكر: هل تصل أمها المشركة؟ قال لها رسول الله ﷺ : "نعم. صلي أمك". وحين سئل رسول الله ﷺ عن التصدق عن الأم بعد موتها، هل له أجر؟ قال: نعم".
ولا خلاف في أن الصدقة النافلة جائزة ومثاب عليها إذا أعطيت لأقرب الناس إلى المتصدق، سواء كان أباً أو أماً أو ابناً أو بنتاً أو أخاً أو أختاً أو زوجة إلى عامة الأقارب، حتى النفقة على النفس لها أجر، والشرط الوحيد أن يحتسب المنفق نفقته، أي أن يريد بها وجه الله.
قال النووي: فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلاً، ولكن الذي يحتسب، وطريقه في الاحتساب أن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وعلى أطفاله ومملوكه وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم، فينفق بنية أداء ما أمر به. اهـ.
ولكن الخلاف بين العلماء فيمن يجوز إعطاؤه من الزكاة المفروضة. هل يصح أن تعطي الزوجة زوجها الفقير من زكاتها؟ وهل يصح أن يعطي الزوج زوجته الفقيرة من زكاته؟ وهل يجوز للأم أن تعطي ولدها الفقير من زكاتها؟ .
ولتحرير موطن النزاع نقول: إن من يلزمه نفقته لا يجوز له أن يعطيه زكاته واختلف في علة المنع، فقيل: لأن أخذهم لها يصيرهم أغنياء، فتسقط بذلك نفقتهم عن المعطي. وقيل: لأنهم أغنياء بإنفاقه عليهم، والزكاة لا تصرف لغني.
ونتيجة لهذا لا يجوز للزوج أن يعطي من زكاته لزوجته مهما كانت فقيرة. قال ابن المنذر: اجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة، لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن الزكاة. اهـ
стр. 2242
ولا يجوز للأب والجد وإن علا أن يعطي زكاته للابن الفقير مهما نزل، ولا يجوز للفروع أن تعطي من زكاتها للأصول الفقراء، لأنه يجب عليهم نفقاتهم.
فالخلاف إذن في الزوجة تعطي زوجها الفقير من زكاتها، وفي الأم تعطي ابنها الفقير من زكاتها مع وجود أبيه.
وظاهر الحديث الحادي عشر الجواز إن حملنا لفظ الصدقة على العموم بما يشمل الزكاة، قال الحافظ ابن حجر: واستدل بهذا الحديث [أي حديث الزيانب المشار إليه] على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وأدخلوا الزكاة الواجبة في لفظ الصدقة، بل حملوا الصدقة في الحديث على الواجبة لقولها: "أتجزئ عني"؟ وبه جزم الماوردي، ويؤيده أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، فلما ذكرت الصدقة، ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب فكأنه قال: تجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً.
ومنع الآخرون أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها، لأنها لو أعطتها لزوجها عادت إليها في نفقتها الواجبة لها، فكأنها ما خرجت عنها، ووجهوا الحديث بأن المراد من الصدقة صدقة التطوع، بدليل أنها كانت استجابة لقول الرسول ﷺ : "يا معشر النساء. تصدقن ولو من حليكن". وهذا التعبير يتجه إلى صدقة التطوع، لا إلى الزكاة الواجبة، وبدليل ما روي من أن امرأة عبد الله بن مسعود هذه كانت امرأة صناع، فكانت تنفق عليه وعلى ولده من صناعتها، فهذا يدل على أن مرادها صدقة التطوع. وبدليل ما جاء في بعض الروايات: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم". فذكر الولد دال على أنها صدقة التطوع لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، نعم قال العلماء: إن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة من يلزم المعطي نفقته، والأم لا يلزمها نفقة ولدها مع وجود أبيه، وحمل ابن التيمي قوله: "وولدك" على أن الإضافة للتربية، لا للولادة، فكأنه ولده من غيرها. ومع هذه التأويلات ظواهر الأحاديث تشير إلى أن هذه الحادثة في صدقة التطوع، وليست في الزكاة، وقد جزم بذلك الإمام النووي، أما استدلالهم بقولها: "أتجزئ عني" فقد أولوه على معنى: أتجزئ عني في الوقاية من النار، كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تحصل لها المقصود، وليس المراد أتجزئ عني في فرض الزكاة. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من الحديث الرابع فضل الإنفاق على الأهل، لقوله ﷺ : "أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك" وذلك في مقابلة الإنفاق في سبيل الله، أو في رقبة، أو على مسكين.
٢ - ومن حديث أبي قلابة فضل الإنفاق على عياله، يعفهم، أو ينفعهم الله به ويغنيهم.
٣ - ومن الحديث الخامس الحث على رعاية الرقيق والخدم، والحفاظ على حقوقهم، وإثم الذي يقصر في ذلك، ويحبس عمن يملك قوته.
стр. 2243
٤ - ومن الحديث السادس الابتداء في النفقة بالنفس، ثم الأهل، والمراد بهم الزوجة والأولاد، ثم القرابة الأقرب فالأقرب، ثم الأجنبي.
٥ - وأن الحقوق إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد.
٦ - وأن الأفضل في صدقة التطوع تنوعها في جهات الخير، ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا تنحصر في جهة بعينها. قاله النووي.
٧ - وفيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي وموافقيه في جواز بيع المدبر. وقال مالك وأصحابه: لا يجوز بيعه إلا إذا كان على السيد دين فيباع فيه. قال النووي: وهذا الحديث صريح أو ظاهر في الرد عليهم، لأن النبي ﷺ إنما باعه لينفقه سيده على نفسه، والحديث صريح أو ظاهر في هذا، ولهذا قال ﷺ : "ابدأ بنفسك فتصدق عليها .... " إلخ.
٨ - ومن الحديث الثامن بالإضافة إلى ما ذكرناه في فضل النفقة من أحب الأموال، أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين.
٩ - ومن الحديث العاشر، من قوله ﷺ لميمونة: "لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك"، فضيلة صلة الأرحام، وأنها فوق العتق.
١٠ - وفيه الاعتناء بأقارب الأم إكراماً لحقها، وزيادة في برها.
١١ - ومن عتق ميمونة لوليدتها جواز تبرع المرأة بمالها من غير إذن زوجها. قاله النووي. وهو يحتاج إلى إثبات أنها لم تستأذن، ولم يأذن.
١٢ - وفي الحديث الحادي عشر أمر ولي الأمر رعيته بالصدقة وفعل الخير، ووعظه النساء إذا أمن الفتنة.
١٣ - وأنه إذا تعارضت المصالح بدئ بأهمها، فإن بلالاً أخبر بما وعد أنه لا يخبر به، وأفشى السر، حيث عارض ذلك ضرورة إجابته رسول الله ﷺ على سؤاله: "من هما؟ " وجوابه ﷺ واجب محتم، لا يجوز تأخيره، ولا يقدم عليه غيره.
١٤ - وفيه الحث على الصدقة على الأقارب، وأن فيها أجرين.
١٥ - وفيه استفتاء غير الأعلم مع وجود الأعلم، فقد ذهبت زينب للاستفتاء مع وجود زوجها عبد الله بن مسعود. وهذا على أساس أنها خرجت للاستفتاء ممن يقابلها.
١٦ - وفيه جواز طلب كتمان بعض الأمور إذا دعت الحاجة إلى كتمان.
١٧ - وفيه حرص الزوجة على كرامة زوجها ومروءته، والبعد عما يمسه أو يجرحه، فإن زينب طلبت كتمان أمرها وقاية لزوجها.
стр. 2244
١٨ - وفي الحديث الثالث عشر أجر الإنفاق على الأولاد.
١٩ - وفي الحديث الرابع عشر بيان بأن المراد بالصدقة والنفقة -الواردة في الأحاديث المطلقة- النفقة والصدقة المحتسبة المبتغى بها وجه الله.
٢٠ - وفي الحديث الخامس عشر والسادس عشر جواز صلة القريب المشرك.
٢١ - وفي الحديث السابع عشر وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه. قال النووي: في الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت، ويصله ثوابها، وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء، وقضاء الدين، بالنصوص الواردة في الجميع، ويصح الحج عن الميت إذا كان حج الإسلام، وكذا إذا وصى بحج لتطوع على الأصح عندنا، واختلف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه، للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور في مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها. وقال جماعة من أصحابنا: يصله ثوابها. وبه قال الإمام أحمد بن حنبل، وأما الصلاة وسائر الطاعات فلا تصله عندنا ولا عند الجمهور. وقال أحمد: يصله ثواب الجميع كالحج. والله أعلم.
قبول الصدقة إذا وضعت في غير موضعها خطأ
أوضح القرآن الكريم مصارف الزكاة في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]، فحيث وجدت صفة من الصفات الثمان استحق صاحبها الصدقة، وصح إعطاؤه زكاة الفريضة، وقد يجمع الشخص الواحد أكثر من صفة، فيعطى بهذه أو بتلك أو بها جميعاً، فيمكن أن يستحق الغني الزكاة من سهم المؤلفة قلوبهم، أو من سهم العاملين على الزكاة، أو من سهم الغارمين. لكن الغني الذي لم يتصف بوصف آخر من الأوصاف المذكورة لا يستحق الزكاة المفروضة، ولا تقبل ولا تسقط الفريضة عن صاحبها إن أعطاه وهو يعلم أنه غني، لا خلاف في هذا بين العلماء، ولا خلاف في رجاء القبول والثواب إن أعطي الغني من الصدقة المندوبة حيث لا يعلم المعطي أنه غني، أما إعطاؤه مع العلم بغناه فيرجى قبوله بصفة الهبة والهدية لا بصفة الصدقة، كما يرجى قبوله بصفة الصلة إن كان من ذوي الأرحام.
والخلاف بين العلماء في قبول الزكاة، وسقوطها عن صاحبها إذا دفعها لغني وهو لا يعلم أنه غني، ثم تبين له أنه غني، والحديث رقم (٣٤) يتعرض لهذه المسألة، حيث جاء فيه قول الرجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، قال: "اللهم لك الحمد على غنى" فأتى فأخبر أن الله قبل صدقته على غني، فقد يعتبر هذا الغني فينفق مما أعطاه الله.
стр. 2245
فأبو حنيفة ومحمد وأتباعهما يقولون: إذا أعطى زكاته لشخص وظنه فقيراً فبان أنه غني سقطت عنه تلك الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة. وقال الشافعي وأبو يوسف: لا يجزيه، وعليه الإعادة، لأنه لم يضع الصدقة موضعها، وأخطأ في اجتهاده. قاله العيني.
ربما يحمل أبو حنيفة لفظ الصدقة في الحديث على ما يعم النفل والفريضة وربما يخصصها الشافعي بالنافلة المندوبة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، لهذا يقول الحافظ ابن حجر: ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على منعه، من ثم أورد البخاري الترجمة بلفظ الاستفهام، ولم يجزم بالحكم فقال: باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم.
فالذي يحمل الصدقة على المندوبة يقدر جواب "إذا" بقوله: فصدقته مقبولة.
والذي تستريح إليه النفس أن من بذل الجهد، واستفرغ الوسع، ولم يقصر في دراسة الآخذ، فاعتقد بعد الاجتهاد والأخذ بالوسائل والأدلة أنه فقير فأعطاه الزكاة سقطت عنه، ويرجى قبولها، وإن تبين فيما بعد أنه كان غنياً، لا تجب الإعادة وإن استحبت خروجاً من الخلاف. لكن لا يستدل على هذا بالحديث، لأن الرجل -كما يبدو- لم يجتهد أصلاً، ولم يتحر عند العطاء من يعطي، والأغنياء والفقراء معروفون في البلاد عادة، والأول لا يحتاج إلى عناء في تمييزهم وبخاصة ممن يقيم معهم، لكن الرجل كان حريصاً على نفقة السر ولم يكن حريصاً على اختيار المستحق. والله أعلم.
والواضح من آيات مصارف الزكاة عدم التعرض لصلاح المذكورين أو فسقهم، لكن المعلوم من قواعد الشريعة ونصوصها أن الآخذ يدعو للمتصدق فالله تعالى يقول: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] ودعاء الصالح غير دعاء الطالح، وحتى لو لم يدع الآخذ، فإن العطاء يخلق رضا الآخذ على المعطي، ورضا الطائع غير رضا الفاسق، لذا جاء في الحديث: "يا معشر المسلمين. أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين". فكان الأولى بالمتصدق أن يقصد الصالحين المتقين، لكن إعطاء المسلم الفاسق من الزكاة جائز من حيث المبدأ، ولا خلاف في ذلك، والحديث علل القبول برجاء الاستعفاف. قال الحافظ ابن حجر: فإن قيل: إن الخبر إنما تضمن قصة خاصة، وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية، فمن أين يقع تعميم الحكم؟ فالجواب أن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف هو الدال على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - أن الصدقة كانت عندهم في أيامهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة.
٢ - وفيه دليل على أن الله يجزي العبد على حسب نيته في الخير، لأن هذا المتصدق لما قصد بصدقته وجه الله قبلت منه، ولم يضر وضعها عند من لا يستحقها.
стр. 2246
٣ - وفيه اعتبار لمن تصدق عليه بأن يتحول عن الحال المذمومة إلى الحال الممدوحة، ويستعف السارق من السرقة، والزانية من الزنا، والغني من إمساكه وشحه.
٤ - وفيه فضل صدقة السر.
٥ - وفضل الإخلاص في الصدقة.
٦ - وفيه استحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع.
٧ - وفيه أن الحكم للظاهر حتى يتبين خلافه.
٨ - وفيه بركة التسليم والرضا، وعدم الضجر والأسف.
٩ - وفيه متابعة الخير، حتى لو ظهر خطأ، وفي ذلك يقول بعض السلف: لا تقطع الخدمة ولو ظهر لك عدم القبول. والله أعلم.
الحث على التعجيل بالإنفاق
يحرص الإنسان على جمع المال وادخاره طالما يحس بحاجته إليه عاجلاً أو آجلاً، ويحرص على جمع المال وادخاره للتفاخر والتكاثر، وهو ما خشيه ﷺ على أمته، حيث يقول: "ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوا فيها".
فإذا ما فقد الإنسان هذين الدافعين فقد المال قيمته، ولم يحرص عليه جامعه ولم يسع إليه ساعية.
لنتصور غنياً ملئت خزائنه بالذهب والفضة والدر والياقوت، لنتصوره في غمرات الموت، وقد وصل إلى النهاية وعاين الحقيقة. بعد أن أخرس لسانه وسكنت حركته وبطل تصرفه، ما نظرته إلى ماله الذي أضاع عمره يجري وراءه؟ إنه سيخلفه وراء ظهره، إنه سينفض يديه ويفتحها ويبسطها، فلم يعد من الدنيا شيء يقبض عليه بيديه. وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ [الأنعام: ٩٤].
ليتصور المؤمن العاقل الكيس هذا الموقف، ويتصور معه قوله ﷺ : "ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت". ويتصور معه قوله ﷺ لأصحابه: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ ". قالوا: ما منا أحد مال وارثه أحب إليه من ماله، قال، فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر".
ماذا يفعل العاقل الكيس إذا استحضر اليوم في نفسه هذا الموقف وهو صحيح شحيح، يخشى الفقر، ويأمل الغنى؟ أيأخذ من دنياه لآخرته، أم يبني دنيا هو زائل عنها ومخلفها لغيره؟ أينفق
стр. 2247
ويتصدق ويقدم لنفسه من الخير ليجده عند الله عملاً بقوله تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير﴾ [البقرة: ١١٠] أم يهمل ويمهل ويرجئ الخير ويسوف، حتى إذا بلغت الحلقوم تنبه وندم حيث لا ينفع الندم؟ حتى إذا بلغت الحلقوم قال: أخرجوا من مالي لفلان كذا، ولفلان كذا، يسمعه ورثته ولا يستجيبون، فقد بطل تصرفه ولم يعد المال ماله، فقد صار للوارث فلان وفلان؟ .
هكذا يقول الحديث (٥٨، ٥٩): جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا؟ فقال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان"
ومن قبل تحذير الحديث الشريف حذر القرآن الكريم، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ [المنافقون: ٩ - ١١].
نعم. في هذه الحالة يفقد المال قيمته عند صاحبه، ويتحسر على ضياع وقته في جمعه، وعلى أنه لم يؤد فيه حق ربه.
الحالة الثانية التي يفقد المال فيها قيمته يوم يكثر المال ويفيض، يوم تخرج الأرض أثقالها وكنوزها، يوم تتحول الصحاري الجرداء إلى حدائق خضراء تجري من خلالها الأنهار، يوم تعود الجزيرة العربية القاحلة، وأمثالها من القفار والجبال إلى مروج وبساتين وأنهار، يوم تخرج الأرض كنوزها من الذهب والفضة أمثال الأعمدة التي تحمل القصور، يوم تخرج الأرض كنوزها من البترول و"اليورانيوم" واللآلئ والجواهر والمعادن النفيسة، فيفيض المال ويكثر، حتى يصبح في أيدي الناس وتحت أقدامهم مثل التراب. نعم. وإن ذلك لكائن وأكثر منه سيكون، وقد ظهرت بوادره في بعض البقاع.
يومها يحتقر القاتل نفسه ويقول: في مثل هذا التافه قتلت نفساً بغير حق، ويحتقر السارق نفسه ويقول: في مثل هذا الحقير الوفير قطعت يدي، ويجيء المغتصب لمال إخوته والمقاطع لأبيه وأمه وأقاربه من أجل المال فيحتقر نفسه ويقول: في مثل هذا الهين قطعت رحمي، يمرون على الذهب والفضة فيضمون شفاههم احتقاراً له، ويشيحون عنه بوجوههم، وينصرفون لا يأخذون منه شيئاً.
تخيل معي رجلاً يخرج بزكاته في هذه الحالة. من ينظر إليها؟ من يتقبلها منه؟ سيقول له الناس: لو جئتنا بها قبل هذه الحالة قبلناها، أما اليوم فلا حاجة لنا بها. وحينئذ يندم الممسك الشحيح على ما قصر، ولات ساعة مندم.
стр. 2248
تحدثنا عن هذه الحالة الأحاديث (٢٤)، (٢٥)، (٢٦)، (٢٧)، (٢٨) وفيها يقول ﷺ لأصحابه: "تصدقوا. فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها". "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب لا يجد أحداً يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة؛ يلذن به، من قلة الرجال؛ وكثرة النساء". "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله، فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً". "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، يفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل، فيقول: لا أرب لي فيه". "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل؛ فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع، فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق، فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه، فلا يأخذون منه شيئاً.
والله أعلم
стр. 2249
(٢٩٢) باب الاستعفاف عن المسألة
٢٠٧٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة "اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة".
٢٠٧٥ - عن حكيم بن حزام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول".
٢٠٧٦ - عن حكيم بن حزام ﵁ قال سألت النبي ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال "إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه. ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع. واليد العليا خير من اليد السفلى".
٢٠٧٧ - عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك. ولا تلام على كفاف. وابدأ بمن تعول. واليد العليا خير من اليد السفلى".
٢٠٧٨ - عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال سمعت معاوية يقول إياكم وأحاديث إلا حديثاً كان في عهد عمر؛ فإن عمر كان يخيف الناس في الله . سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" وسمعت رسول الله ﷺ يقول "إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع".
стр. 2250
٢٠٧٩ - عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته".
٢٠٨٠ - عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ وهو يخطب قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. وإنما أنا قاسم ويعطي الله".
٢٠٨١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان" قالوا فما المسكين يا رسول الله؟ قال "الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئاً".
٢٠٨٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرءوا إن شئتم ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾
٢٠٨٣ - عن حمزة بن عبد الله عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم".
٢٠٨٤ - عن أخي الزهري بهذا الإسناد مثله ولم يذكر "مزعة".
٢٠٨٥ - عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع أباه يقول قال رسول الله ﷺ "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم".
стр. 2251
٢٠٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر".
٢٠٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به من الناس، خير له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه ذلك، فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى. وابدأ بمن تعول".
٢٠٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ "والله لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيبيعه" ثم ذكر بمثل حديث بيان.
٢٠٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب فيحملها على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلاً يعطيه أو يمنعه".
٢٠٩٠ - عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال "ألا تبايعون رسول الله؟ " وكنا حديث عهد ببيعة. فقلنا قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال "ألا تبايعون رسول الله؟ " فقلنا قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال "ألا تبايعون رسول الله؟ " قال فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ قال "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً والصلوات الخمس وتطيعوا (وأسر كلمة خفية) ولا تسألوا الناس شيئاً". فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه.
٢٠٩١ - عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها. فقال "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها". قال ثم قال "يا قبيصة إن
стр. 2252
المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش (أو قال سداداً من عيش)، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش (أو قال سداداً من عيش). فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً".
٢٠٩٢ - عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قد كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً فقلت: أعطه أفقر إليه مني فقال رسول الله ﷺ "خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه. وما لا فلا تتبعه نفسك".
٢٠٩٣ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر بن الخطاب ﵁ العطاء. فيقول له عمر أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني. فقال له رسول الله ﷺ "خذه فتموله أو تصدق به. وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه. وما لا فلا تتبعه نفسك" قال سالم فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه.
٢٠٩٤ - عن ابن الساعدي المالكي أنه قال استعملني عمر بن الخطاب ﵁ على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة. فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله. فقال: خذ ما أعطيت فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله ﷺ "إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق".
٢٠٩٥ - عن ابن السعدي أنه قال استعملني عمر بن الخطاب ﵁ على الصدقة بمثل حديث الليث.
стр. 2253
-[المعنى العام]-
قال حكيم: من مد يده لا يمد رجله. ومقابلها من لم يمد يده يمد رجله، والمعنى من لم يأخذ من غيره لا يذل له، ومن أخذ ذل، وسؤال الإحسان مذلة. ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ [المنافقون: ٨].
ولا يختلف اثنان من أهل العزة والكرامة في أن المعطي خير من الآخذ، ولا يختلف اثنان ممن يرفعون رءوسهم في أن سؤال الإحسان من الغير مذلة، وإراقة لماء الوجه، وصدق رسول الله ﷺ حين يقول: "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم". فالسؤال يذيب لحم الوجه وشيئا فشيئا وسؤالا بعد سؤال يكلح وجه السائل في الدنيا ويبعث يوم القيامة معلماً واضحاً مفضوحاً بين الخلائق، فوجهه عظام وهيكل لا لحم فيه. بل كل سؤال يسأله السائل مع القدرة على الاستغناء عنه يؤثر في الوجه علامة خدش، فإذا تعدد كان خدوشاً فإذا زاد أذاب لحم الوجه، منظر بشع، وعقاب من جنس العمل. من لم يحفظ ماء وجهه في الدنيا، لم يجد لحم وجهه في الآخرة. لقد كان السائل يسأل في الدنيا ليزداد مالاً، وليزداد من وراء ذلك وجاهة ومكانة، فكان عقابه في الآخرة نقيض دوافعه وأهدافه.
إن الإسلام حين حث على الإعطاء، وحذر من الإمساك، ونهى عن نهر السائل ورده بجفاء، قصد السائل المحروم، الذي لا يجد ما يكفيه، والذي يضطر إلى السؤال ليجد لقمة أو لقمتين، أو تمرة أو تمرتين، ومع ذلك نبه الشارع المسلم إلى الاهتمام بالمستحق غير السائل أكثر من الاهتمام بالمستحق السائل: "ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة أو اللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين المتعفف، الذي لا يجد ما يكفيه، ولا يسأل الناس، فلا يفطن له المتصدقون".
إن الإسلام دين كفاح وعمل وإنتاج، يبني الدنيا ويعمل للآخرة، يدعو المسلم للعمل في دنياه كما لو كان يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً، حين أمره بترك البيع والشراء من أجل صلاة الجمعة عقب صلاتها بالدعوة للعمل: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ١٠]، وفي سبيل بناء الحياة الدنيا وجه إلى العمل والإنتاج، وحذر من الكسل والخذلان: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب حزمة من الحطب، فيحملها على ظهره فيبيعها، فيتصدق وينفق على نفسه ويستغني عن الناس خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".
وفي سبيل الرضا والقناعة والكسب الحلال، وذم الشره، والحرص الذي يدفع للسؤال والتكاثر يحذر برفق، فيقول: إن هذا المال كفاكهة خضرة حلوة تجري وراءها النفوس، فمن أخذها بنفس طيبة من نفس طيبة بورك له فيه، ومن أخذه من طريق غير مشروع، أو أخذه
стр. 2254
من الغير بشراهة، أو بإحراج الآخرين لم يبارك له فيه، ويحس بالفقر بين عينيه مهما كثر ماله، ويكون كالذي لا يأكل ولا يشبع.
إن السؤال نفسه ذل، وإن ما يأتي عن طريقه سحت، فلا يحل السؤال وما يحصله إلا في حالات ثلاث:
الأولى: أن يتحمل الرجل غرماً لإصلاح ذات البين، ولا تغطي أمواله هذا الغرم، فله أن يسأل لسداد هذا الغرم، فهو مسئولية المسلمين.
الثانية: أن يصاب بكارثة علنية مفاجئة تأتي على ماله، فله أن يسأل حتى يحصل ما به كفافه.
الثالثة: أن يخسر في عمله، فيفصل من وظيفته، أو تخسر تجارته، أو تكسد صنعته، ولا يجد الكفاف ويحتاج العون، فيشهد بحالته العالمون بأمره، فيحل له أن يسأل حتى يحصل ما به كفافه، وفيما عدا هذه الحالات لا يحل السؤال ويكون ما يحصل به سحتاً وحراماً.
ولقد خشي الصحابة من كثرة التحذير من السؤال حتى ابتعدوا عن سؤال العون في الشيء الحقير. ﵃ وأرضاهم.
-[المباحث العربية]-
(اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة. والسفلى السائلة) قال القرطبي: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نص يرفع الخلاف، ويدفع تعسف من تعسف في تأويله ذلك. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: لكن ادعى أبو العباس الداني في "أطراف الموطأ" أن التفسير المذكور مدرج في الحديث، ولم يذكر مستنداً لذلك. ثم وجدت في "كتاب العسكري في الصحابة" بإسناد له فيه انقطاع عن ابن عمر. أنه كتب إلى بشر بن مروان إني سمعت النبي ﷺ يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلى" ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية. فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر: "كنا نتحدث أن العليا هي المنفقة".
ثم قال الحافظ ابن حجر: قال أبو داود: قال الأكثر: عن حماد بن زيد: اليد العليا المنفقة. وقال غير واحد عنه: المتعففة. وللطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعاً: "يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي". ولأبي داود من حديث عوف بن مالك عن أبيه مرفوعاً: "الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى". ولأحمد والبزار: "اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى". فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور. وقيل:
стр. 2255
اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال أم بغير سؤال، وهذا أباه قوم، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصدق عليه. قال ابن العربي: التحقيق أن السفلى يد السائل، أما يد الآخذ فلا.
ثم قال الحافظ: يد الآدمي أربعة، يد المعطي وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا. ثانيها يد السائل. وقد تضافرت بأنها سفلى، سواء أخذت أم لا، وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالباً، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتق منهما. ثالثها يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلاً، وهذه توصف بكونها عليا علواً معنوياً. رابعها يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، أما المعنوي فلا يطرد، فقد تكون عليا في بعض الصور.
قال ابن حبان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة، لا الآخذة بغير سؤال، فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل وأروع من الذي يعطى. اهـ.
وعن الحسن البصري: اليد العليا المعطية، والسفلى المانعة. اهـ ولم يوافق عليه.
وأطلق آخرون من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقاً. قال ابن قتيبة: وما أرى هؤلاء إلا قوماً قد استطابوا السؤال، فهم يحتجون للدناءة. اهـ.
ثم قال الحافظ: ومحصل ما في الآثار المتقدمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال؛ وأسفل الأيدي السائلة والمانعة. والله أعلم. انتهى بتصرف.
(أفضل الصدقة -أو خير الصدقة- عن ظهر غنى) الشك من الراوي، ورواية البخاري "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". قال الخطابي: الظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: والتنكير للتعميم، والمعنى: خير الصدقة ما فضل بعدها غنى لصاحبها، أي التي لا تستغرق مال صاحبها، بل تبقي قوته وقوت عياله وحاجاته.
قال النووي: معناه أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنياً بما بقي معه، وتقديره: أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها، ويستظهر به على مصالحه وحوائجه. اهـ والتقدير أفضل الصدقة المتجاوزة غنى، وليس التقدير: الناشئة عن غنى وتستغرقه، ولذلك قال بعده: "وابدأ بمن تعول" وسيأتي زيادة إيضاح للمراد في فقه الحديث.
(وابدأ بمن تعول) يقال: عال الرجل أهله إذا قام بمؤنتهم وما يحتاجون إليه من القوت والكسوة والمسكن وغيرها، والمعنى: ابدأ بمن يجب عليك مؤنتهم ونفقتهم، فالجملة مؤكدة لصدر الحديث.
(سألت النبي ﷺ فأعطاني) بين إسحق بن راهويه في "مسنده" سبب السؤال وهو: "أن النبي ﷺ أعطى حكيم بن حزام من العطاء أقل مما أعطى أصحابه، فقال حكيم: يا رسول الله ما كنت أظن أن تقصر بي دون أحد من الناس فزاده، ثم استزاده حتى رضي". اهـ و"حكيم" بفتح
стр. 2256
الحاء ابن حزام بكسر الحاء وتخفيف الزاي، ولد في بطن الكعبة، عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة، وأعتق مائة رقبة، وحمل على مائة بعير في الجاهلية، وحج في الإسلام ومعه مائة بدنة، ووقف بعرفة بمائة رقبة، في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: عتقاء الله عن حكيم بن حزام، وأهدى ألف شاة، ومات بالمدينة سنة ستين من الهجرة، وقيل سنة أربع وخمسين.
(إن هذا المال خضرة حلوة) "خضرة" بفتح الخاء وكسر الضاد، وهو خبر، وأنثه على تقدير المبتدأ مؤنثاً من حيث المعنى، إذ المراد من المال الدنيا، فكأنه قال: إن هذه الدنيا كفاكهة خضرة حلوة. قال النووي: شبهه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشد.
(فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه) في رواية البخاري "فمن أخذه بسخاوة نفس" قال القاضي: فيه احتمالان. أظهرهما أنه عائد على الآخذ، ومعناه: من أخذه بغير سؤال ولا إشراف نفس ولا شره ولا تطلع ولا إلحاح بورك له فيه. والاحتمال الثاني أنه عائد إلى الدافع، ومعناه: من أخذه ممن يدفع منشرحاً بدفعه إليه طيب النفس بما يعطي من غير سؤال اضطره إليه أو أخرجه له أو نحو ذلك مما لا تطيب معه نفس الدافع بورك له فيه.
(ومن أخذه بإشراف نفس) الإشراف على الشيء الاطلاع عليه والتعرض له، والمراد شدة حرص السائل عليه وطمعه فيه وهو في هذه الجملة عائد على السائل فقط.
(وكان كالذي يأكل ولا يشبع) كنوع من المرض، كلما أكل احترق الأكل وخرج، بسبب ما به من علة، ويسمى بالجوع الكاذب، وقيل: أراد تشبيهه بالبهيمة الراعية. والمقصود التنفير.
(يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك) قال النووي: هو بفتح همزة "أن" ومعناه إن بذلت الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه، وإن أمسكته فهو شر لك، لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن المندوب فقد حرم ثوابه، وفوت مصلحة نفسه في آخرته، وهذا كله شر. اهـ وفتح همزة "أن" جعل الكلام في حاجة إلى تقدير وتمحل، فتكن "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل من الكاف اسم "إن" أي إن بذلت الفضل، وكسرها أقرب إلى انسياب الكلام واتساقه. ولعل ضبط النسخة في الأصول هو الذي حكمه، وخصوصاً أن تفسيره وشرحه على كسر الهمزة.
(ولا تلام على كفاف) أي لا تلام على إمساك إن لم يكن عندك زيادة على الحاجة، فالكفاف قدر الحاجة.
(إياكم وأحاديث) بعض النسخ "إياكم والأحاديث" أي احذروا الإكثار من الأحاديث بدون تثبت من صحتها.
(إلا حديثاً كان في عهد عمر) قال النووي: مراد معاوية النهي عن الإكثار من الأحاديث بغير
стр. 2257
تثبت، لما شاع في زمنه من التحدث عن أهل الكتاب وما وجد في كتبهم حين فتحت بلدانهم، وأمرهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمن عمر ﵁ لضبطه الأمر وشدته فيه، وخوف الناس من سطوته ومنعه الناس من المسارعة إلى الأحاديث وطلبه الشهادة على ذلك، حتى استقرت الأحاديث، واشتهرت السنن.
(إنما أنا خازن) في الرواية السابعة "وإنما أنا قاسم ويعطي الله" قال النووي: معناه أن المعطي حقيقة هو الله تعالى. ولست أنا معطياً، وإنما أنا خازن على ما عندي، ثم أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به، فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره، والإنسان مصرف مربوب. اهـ وفائدة هذه الجملة دفع توهم التسلط والتحكم في العطاء والمنع.
(فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه) "من" اسم شرط، وقوله: "فيبارك" برفع الفعل على الاستئناف، على تقدير فهو يبارك له فيه، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
(لا تلحفوا في المسألة) قال النووي: هكذا هو في بعض الأصول "في المسألة" بالفاء، وفي بعضها بالباء، وكلاهما صحيح، والإلحاف الإلحاح. اهـ والمراد من المسألة طلب العطاء أو الصدقة.
(ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس) في الرواية التاسعة "ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان" فالباء في "بهذا الطواف" وفي "بالذي ترده" زائدة في خبر "ليس"، و"ال" في "المسكين" للكمال، قال النووي: معناه المسكين الكامل المسكنة، الذي هو أحق بالصدقة، وأحوج إليها ليس هو هذا الطواف، إنه بمسألته يأتيه الكفاف، إنما المسكين الكامل هو الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، ولا يسأل الناس، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطواف، بل معناه نفي كمال المسكنة، كقوله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ١٧٧]. اهـ وكقولنا: ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث.
والمراد من الطواف على الناس المتردد عليهم يمد يده ويسألهم.
(قالوا: فما المسكين؟ ) الأصل عند جمهور النحاة أن "من" تستعمل في العاقل، و"ما" في غير العاقل، فكان الظاهر أن يقال: فمن المسكين؟ لكنه إذا قصد الوصف جاز استعمال "ما" في العاقل.
قال النووي: هكذا هو في الأصول كلها "فما المسكين"؟ وهو صحيح، لأن "ما" تأتي كثيراً لصفات من يعقل، كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣].
والمسكين مشتق من السكون، وهو عدم الحركة، فكأنه بمنزلة الميت، وهو بكسر الميم، وفتحها نادر، ويطلق على الذليل الضعيف، فيقال: تمسكن الرجل والفقر -كما قال القزاز- أصله في اللغة من
стр. 2258
فقار الظهر، كأن الفقير كسر فقار ظهره، فبقي له من جسمه بقية. والفقر بفتح القاف ضد الغنى، وقد تكسر الفاء. وسيأتي في فقه الحديث الفرق الشرعي بين الفقير والمسكين.
(حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم) المزعة بضم الميم وسكون الزاي، وحكى كسر الميم القطعة. قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد أنه سيأتي ساقطاً، لا قدر له، ولا جاه [فهو كناية عن الوجاهة ووجهاء القوم] أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به. وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء، لأن حسن الوجه هو مما فيه من اللحم.
(ما يزال الرجل يسأل) وفي الرواية العاشرة "لا تزال المسألة بأحدكم" وفي ذلك إشارة إلى أن الحكم موقوف على تكرار السؤال وكثرته، قال النووي: وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالاً منهياً عنه وأكثر منه.
(من سأل الناس أموالهم تكثراً) أي من سأل ليجمع الكثير من غير احتياجه إليه، وعند الترمذي "من سأل الناس ليثري ماله كان خموشاً في وجهه يوم القيامة، فمن شاء فليقل، ومن شاء فليكثر".
(فإنما يسأل جمراً) قال النووي: قال القاضي: معناه يعاقب بالنار، ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الله بأخذه يصير جمراً، يكوى به، كما ثبت في مانع الزكاة.
(فليستقل أو ليستكثر) الأمر للتهديد والوعيد والتهكم، وليس لطلب السؤال القليل أو الكثير، وليس لطلب تحصيل الجمر القليل أو الكثير.
(لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره) الغدو الذهاب أول النهار، قال النووي: هكذا وقع في الأصول "فيحطب" بغير تاء بين الحاء والطاء في الموضعين، وهو صحيح. اهـ وفي رواية البخاري "يغدو إلى الجبل فيحتطب" أي يجمع الحطب، فيحمله على ظهره.
(فيتصدق به) أي على نفسه، وعلى من تلزمه نفقته، فالنفقة على النفس صدقة، وليس المراد التصدق على الفقراء الأجانب، بدليل الجملة التالية.
(ويستغني به من الناس) "من الناس" بالميم هكذا هو في النسخ، وفي نادر منها "عن الناس" بالعين وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني.
(خير له من أن يسأل رجلاً) "خير" خبر المصدر المنسبك من "أن يغدو" أي لغدو أحدكم ... خير له، و"خير" أفعل التفضيل على غير بابه، فسؤال الناس لا خير فيه، قال الحافظ ابن حجر:
стр. 2259
ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسميته الذي يعطاه خيراً وهو في الحقيقة شر.
(أعطاه أو منعه) ففي الإعطاء منة وذل سؤال، وفي المنع ذلة وخيبة وحرمان.
(لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب) أي لأن يعالج ويجمع ويحزم حزمة.
(وكنا حديث عهد ببيعة) يعتذر بهذه الجملة عن عدم المسارعة ببسط اليد وقبول البيعة المطلوبة، فكأنهم ظنوا أن البيعة المطلوبة على ما بايعوا عليه في البيعة السابقة، وظنوا أن الرسول ﷺ قد نسي مبايعتهم، ولم يفهموا المطلوب إلا بعد تكرار العرض.
(وتطيعوا -وأسر كلمة خفية-) لم أقف على هذه الكلمة، ولعلها: وتطيعوا الرسول وأولي الأمر وإن ولي عليكم عبد حبشي.
(ولا تسألوا الناس شيئاً) حمله هؤلاء النفر على عموم سؤال الناس شيئاً دنيوياً، ولم يقصروه على الصدقة والعطاء المالي.
(تحملت حمالة) الحمالة بفتح الحاء هي المال الذي يتحمله الإنسان، ويدفعه في إصلاح ذات البين.
وخصها النووي بالاستدانة لأجل الإصلاح. وسهمها في الزكاة سهم الغارمين.
(أسأله فيها) أي أسأله الإسهام والمساعدة فيها.
(أقم حتى تأتينا الصدقة) أي أقم معنا في المدينة. أي انتظر حتى تأتينا الزكاة من العاملين عليها.
(فنأمر لك بها) أي بالحمالة، أو بالمساعدة فيها.
(فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك) أي حتى يصيب ويحصل على الحمالة، ثم يمسك عن المسألة.
(ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله) أي أصابته مصيبة من غرق أو حرق أو هدم أو نحو ذلك من البلايا العامة المفاجئة.
(فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش -أو سداداً من عيش) قال النووي: القوام والسداد بكسر القاف والسين، وهما بمعنى واحد، وهو ما يغني من الشيء وما تسد به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئاً فهو سداد، بالكسر، ومنه سداد الثغر والقارورة، وقولهم: سداد من عوز. أي كفاية بعد حاجة.
стр. 2260
(ورجل أصابته فاقة) أي فقر وحاجة بعد غنى وكفاية.
(حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه) غاية لمحذوف وتقديره لا تحل له المسألة حتى يقوم ثلاثة.
قال النووي: "يقوم ثلاثة" هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح، أي يقومون بهذا الأمر، فيقولون: و"الحجا" هو العقل، وشرط لإفادة التعقل في الشهادة، إذ لا تقبل من مغفل، وشرط "من قومه" لأنهم هم الذين من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العادة -والفاقة مما تخفى كثيراً- فلا يعلمه إلا من كان خبيراً بصاحبه. وأما اشتراط الثلاثة ففيه خلاف عند العلماء يأتي في فقه الحديث.
(فما سواهن من المسألة سحتاً) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "سحتاً"، ورواية غير مسلم "سحت". وهذا واضح -أي الرفع واضح، لأنه خبر "ما" -ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار -عامل النصب- أي أعتقده سحتاً، أو يأكل سحتاً. اهـ والجملة خبر "ما".
(يأكلها صاحبها سحتاً) ضمير "يأكلها" عائد إلى المسألة باعتبار ما يحصل منها، والمراد بالأكل مطلق الانتفاع، والسحت ما خبث وقبح من المكاسب، فلزم عنه العار، كالرشوة ونحوها، وأصل سحت الشيء سحتاً استأصله، وسحت البركة أذهبها.
(يعطيني العطاء) أي يعرض علي العطاء.
(أعطه أفقر إليه مني) أي أحوج إليه مني، فعمر لم يكن فقيراً.
(خذه) هذا المطلق في الأمر بالأخذ محمول على المقيد الآتي. أي خذه وأنت غير مشرف ولا سائل.
(وما لا فلا تتبعه نفسك) أي ما لم يوجد فيه هذا الشرط فلا تأخذه، ولا تعلق نفسك به، أي ما لا يجيء إليك بدون سؤال فلا تعلق نفسك به، ولا تستمر في رغبة النفس فيه وميلها إليه، واتركه.
(خذه فتموله أو تصدق به) يقال: تمول المال إذا اتخذه قنية، أي اقتناه وادخره.
(عن ابن الساعدي المالكي) قال النووي: قوله: "المالكي"، صحيح منسوب إلى مالك بن حنبل بن عامر، وأما قوله: "الساعدي" فأنكروه، قالوا: وصوابه "السعدي" كما رواه الجمهور، منسوب إلى بني سعد بن بكر بن هوازن، لأن أباه عمرو بن وقدان استرضع في بني سعد.
واسم ابن السعدي هذا أبو محمد عبد الله، صحب رسول الله ﷺ قديماً، وقال: وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ . سكن الشام. اهـ.
(استعملني عمر على الصدقة) أي جعلني عاملاً على جمعها.
(أمر لي بعمالة) بضم العين، وهي المال الذي يعطاه العامل نظير عمله.
стр. 2261
(عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني) بتشديد الميم أي أعطاني عمالة، أجرة عملي.
-[فقه الحديث]-
تتعرض الأحاديث إلى سؤال الناس من الصدقة أو من العطاء، كما تتعرض تبعاً إلى إعطاء المعطي، وإلى أي مدى يعطي من ماله، وسنتكلم عن النقطة الثانية، لطول الكلام عن النقطة الأولى. والله ولي التوفيق.
١ - يؤخذ من الحديث الأول "أفضل الصدقة عن ظهر غنى". "وابدأ بمن تعول" ومن الحديث الثالث "إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول" يؤخذ من هذا أن أفضل الصدقة ما كان زائداً على الحاجة. قال النووي: وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحب لمن لا دين عليه، ولا له عيال يصبرون، بشرط أن يكون ممن يصبر على الفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه. قال القاضي: جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يرد جميعها -أي ترد الصدقة بالمال جميعه إلى صاحبه- وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: ينفذ في الثلث وهو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف ردت الزيادة، ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله وأن يقتصر على الثلث. اهـ.
وقد ترجم البخاري للموضوع بقوله: باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاجون، أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة وهو رد عليهن ليس له أن يتلف أموال الناس. اهـ.
ويمكن أن يحتج لهذا الرأي بقصة المدبر فإنه ﷺ باعه، وأرسل ثمنه إلى الذي دبره لكونه كان محتاجاً، كما جاء في الحديث رقم (٦) في الباب السابق، وفيه "ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا".
فتحصل ثمانية أقوال في هذه المسألة:
الأول: أن الصدقة بجميع المال جائزة مطلقاً، نقله القاضي عن جمهور العلماء، وأئمة الأمصار، ويمكن أن يستدل له بتبرع أبي بكر بجميع ماله، وقد جاء هذا في حديث مرفوع أخرجه أبو داود وصححه الترمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له النبي ﷺ : "يا أبا بكر. ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
القول الثاني: أن الصدقة بجميع المال جائزة بشروط، فإن فقدت هذه الشروط كانت مكروهة، غير محرمة، وهي نافذة لا ترد، نسب الطبري هذا القول للجمهور، وقال: من تصدق بماله كله في صحة بدنه، وعقله، حيث لا دين عليه، وكان صبوراً على الضيق، ولا عيال له، أو له عيال يصبرون
стр. 2262
أيضاً فهو جائز، فإن فقد شيء من هذه الشروط كره. اهـ.
ويمكن حمل فعل أبي بكر على استيفائه هذه الشروط.
القول الثالث: وهو ما نسبه النووي إلى مذهب الشافعية، وهو أنه يستحب بالشروط المذكورة، فإن فقد شرطاً كره، فهذا القول قرب من القول الثاني، والفرق هو الاستحباب بدل الجواز.
القول الرابع: أن الصدقة بكل المال جائزة بالشروط المذكورة في القول الثاني مضافاً إليها أن لا يصير المتصدق محتاجاً بعد صدقته إلى أحد، بأن يكون قادراً -بعد الصدقة- على الحاجة الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، له ولمن تلزمه نفقته، وبدون هذا لا يصح الإيثار، بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره في هذه الحالة عرض نفسه إلى الهلاك أو الإضرار أو كشف عورته أو عورة من تجب عليه نفقته، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار والصدقة، وكان له أجر ما يتحمل من مضض الفقر، وشدة مشقته، وهذا القول هو المختار.
القول الخامس: أن الصدقة بجميع المال مكروهة، حتى مع الشروط المذكورة، أو هي على الأقل خلاف الأولى، لأن من تصدق بالجميع يندم غالباً، أو قد يندم إذا احتاج، ويود أنه لم يتصدق، بخلاف من أبقى ما يغنيه، وحديث الباب يؤيد هذا القول "أفضل الصدقة عن ظهر غنى". "أن تبذل الفضل خير لك، وابدأ بمن تعول".
فهي ليست جائزة مطلقاً كالقول الأول، ولا جائزة بشروط كالقول الثاني، ولا مستحبة بشروط كالقول الثالث والرابع.
القول السادس: أن الصدقة بجميع المال مردودة في جميع المال، فللورثة أن يردوها بالحجر على صاحبها.
القول السابع: أنها تنفذ في الثلث وترد في الثلثين، كما هو الشأن في الوصية وعملاً بحديث عبد الرحمن بن عوف.
القول الثامن: أنها تنفذ في النصف وترد في النصف اعتباراً بعمل الأنصار مع المهاجرين، وفيه حديث صحيح في البخاري "قدم المهاجرون المدينة وليس بأيديهم شيء، فقاسمهم الأنصار ... ".
٢ - ويؤخذ من قوله: "وابدأ بمن تعول" تقديم نفقة النفس، ثم العيال إلخ، وفي ترتيب من يعول المسلم روى النسائي أن رسول الله ﷺ قال: "تصدقوا". فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار؟ فقال: "تصدق به على نفسك". قال: عندي آخر؟ قال: "تصدق به على زوجتك". قال: عندي آخر؟ قال: "تصدق به على ولدك". قال عندي آخر؟ قال: "تصدق به على خادمك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنت أبصر". رواه ابن حبان في صحيحه هكذا، ورواه أبو داود والحاكم وصححه بتقديم الولد على الزوجة واختاره الخطابي، وقال: إذا تأملت هذا الترتيب علمت أنه ﷺ قدم الأولى فالأولى، والأقرب فالأقرب، وهو يأمره أن يبدأ بنفسه، ثم بولده لأن الولد كبعضه، فإذا ضيعه هلك، ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه -والذي اتفق عليه العلماء أن
стр. 2263
المراد بالولد هنا الطفل- ثم ثلث بالزوجة، وأخرها عن درجة الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما وكان لها من ينفق عليها من زوج آخر "أو ذي محرم تجب نفقتها عليه. اهـ.
واختار النووي في "الروضة" تقديم الزوجة؛ لأن نفقتها آكد، لأنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بالإعسار، ولأنها وجبت عوضاً. وفي المسألة جدل طويل.
هذا والهدف الأساسي من بقية أحاديث الباب التنفير من سؤال الغير مالاً، سواء أكان على سبيل العطاء من ولي الأمر؟ أم كان على سبيل الصدقة؟ واستخدمت الأحاديث لهذا التنفير العديد من الأساليب والعبارات، من ألفاظها: "إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى". "لا تلحفوا في المسألة". "المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً". "إنما المسكين المتعفف، اقرءوا -إن شئتم- ﴿لا يسألون الناس إلحافاً"﴾ [البقرة: ٢٧٣]. "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم". "من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر". "لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدق به، ويستغني به عن الناس خير له من أن يسأل رجلاً، أعطاه أو منعه". "بايعوني على أن لا تسألوا الناس شيئاً". "إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش. فما سواهن سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً".
قال النووي: مقصود الباب وأحاديثه النهي عن السؤال، واتفق العلماء عليه إذا لم تكن ضرورة، واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب -أي الفقير الذي لا يعمل وأمامه فرص العمل وهو قادر- على وجهين: أصحهما أنها حرام، لظاهر الأحاديث. والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: ألا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق. اهـ.
والذي تستريح إليه النفس أن سؤال القادر على الكسب مع وجود فرص العمل حرام، لأن الإسلام يحارب البطالة والضعف والكسل، ويأمر بالعمل والقوة والضرب في الأرض، ولو بجمع الحطب على الظهر، وقد روى الطبراني في الأوسط: أن رجلين أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألا منها، فرفع فيهما البصر وخفضه، فرآهما جلدين فقال لهما: "إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". وعند الطبراني في الكبير: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي". أي ذي قوة كامل الأعضاء. فقد قرن هذان الحديثان بين الغني وبين القوي المكتسب، فكما حرم سؤال الغني كذلك يحرم سؤال القوي المكتسب.
كما جاء تحريم سؤال الغني في صريح الأحاديث الصحيحة، منها ما سبق، ومنها ما جاء عند الترمذي: "من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خموش. قيل: يا رسول الله.
стр. 2264
وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب". وفيه "من سأل الناس ليكثر به ماله كان خموشاً في وجهه يوم القيامة، ورضفا -أي حجارة محماة- يأكله من جهنم، فمن شاء فليقل، ومن شاء فليكثر". وعند أحمد والبزار: "مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة". وأخرج أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف". فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت فلم أسأله. وأخرج أبو داود وابن حبان في صحيحه: "من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار". فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: "ما يغديه ويعشيه".
هذا وفي المباحث العربية للحديث رقم (٦٠) في الباب السابق ما يفيد في هذا المقام. فليراجع.
ويؤخذ من سؤال حكيم وإعطائه في الحديث رقم (٢):
١ - الحث على التعفف والقناعة والرضا بما تيسر في عفاف، وإن كان قليلاً.
٢ - والإجمال في الطلب والكسب.
٣ - وأن لا يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف نفس، فإنه لا يبارك له فيه، وهو قريب من قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦].
٤ - وفي تشبيه المال بالفاكهة الخضراء إشارة إلى عدم بقائه، لأن الخضراوات لا تبقى، ولا تقصد للبقاء.
٥ - وفيه كراهة السؤال والتنفير عنه، وأن الإنسان لا يسأل إلا عند الحاجة، لأنه إذا كانت يده السفلى حتى عند الحاجة، فالأحرى أن يمتنع من ذلك عند عدم الحاجة. قال الحافظ ابن حجر: ومحله إذا لم تدع إليه الضرورة من خوف هلاك ونحوه، وقد روى الطبراني بإسناد فيه مقال: "ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجاً".
٦ - قال ابن أبي جمرة: قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها.
٧ - وأن الأخذ مع سخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة في الرزق.
٨ - وفي الحديث ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة؛ لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل ولم يشبع كان عناء في حقه بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة في عينه، وإنما هي فيما يتحصل به من المنافع، فإذا كثر عند المرء بغير تحصيل منفعة كان وجوده كالعدم.
٩ - وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته، لتقع موعظته له الموقع السليم، ولئلا يتخيل أن عدم الرغبة في الإعطاء هو سبب الموعظة.
стр. 2265
١٠ - وفيه جواز تكرار السؤال ثلاثاً.
١١ - وجواز المنع في الرابعة.
١٢ - وأن رد السائل بعد ثلاث ليس بمكروه.
١٣ - وفيه أن السائل إذا ألحف لا بأس برده وموعظته وأمره بالتعفف وترك الحرص.
١٤ - أن سؤال السلطان الأعلى ليس بعار.
١٥ - وفيه ما كان عليه ﷺ من الكرم والسخاء والسماحة.
١٦ - وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستجابة والطاعة لرسول الله ﷺ ، وقد جاء في رواية البخاري: أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً -أي لا أنقص مال أحد بعدك- حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيماً إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، إني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي.
١٧ - ويؤخذ من الحديث الثالث الحث على بذل ما زاد على الحاجة.
١٨ - وأن ادخار الحاجة لا لوم على صاحبه، قال النووي: وهذا إذا لم يتجه في الكفاف حق شرعي، كمن له نصاب زكوي، ووجبت فيه الزكاة بشروطها، وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه وجب عليه إخراج الزكاة، ويحصل كفايته من جهة أخرى مباحة.
١٩ - ومن الحديث الرابع منقبة لعمر وقوته في أخذ الناس نحو الرشد.
٢٠ - ومن عظة معاوية احتياط الصحابة في أخذهم الحديث.
٢١ - وفضل العالم والمتفقه في الدين.
٢٢ - وتواضع الرسول ﷺ وإعلانه أنه خازن وأن الله هو المعطي.
٢٣ - ومن الحديث الثامن إشارة إلى أن الفقير والمسكين سواء، إذ الآية تتكلم عن الفقير ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقد استدل بهذا الحديث على المسكين، وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك، وقيل: الفقير الذي يسأل، والمسكين الذي لا يسأل، حكاه ابن بطال.
وقيل: إن المسكين الذي يملك ما لا يكفيه، والفقير الذي لا يملك، وهذا قول الشافعي وجمهور أهل الحديث والفقه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها.
قال بعكسه قوم، فقالوا: المسكين أسوأ حالا من الفقير. والله أعلم.
стр. 2266
٢٤ - وأن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال والصبر على الحاجة.
٢٥ - واستحباب الحياء في كل الأحوال.
٢٦ - وحسن الإرشاد لوضع الصدقة موضعها، وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح.
٢٧ - ومن الحديث الثالث عشر الحث على الصدقة.
٢٨ - والحث على الأكل من عمل اليد.
٢٩ - وفضل الاكتساب بالمباحات كالاحتطاب.
٣٠ - والحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك.
٣١ - ومن الحديث الخامس عشر حرص الصحابة على التنزه عن جميع ما يسمى سؤالاً وإن كان حقيراً.
٣٢ - واستمساكهم بالعموم، لأنهم نهوا عن السؤال، فحملوه على عمومه.
٣٣ - إعطاء المدين من الزكاة وجواز سؤاله؛ قال النووي: بشرط أن يستدين لغير معصية.
٣٤ - اشتراط التيقظ في الشاهد، فلا تقبل الشهادة من مغفل.
٣٥ - استدل به بعضهم على أنه إنما يشترط في بينة الإعسار ثلاثة، ولا يقبل أقل من ثلاثة.
وقال الجمهور: يقبل من عدلين؛ كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب.
٣٦ - ومن الحديث السابع عشر منقبة لعمر بن الخطاب، وبيان فضله وزهده وإيثاره.
٣٧ - ومشروعية قبول المال إذا جاء من غير إشراف نفس ولا سؤال، وقد ذهب الجمهور إلى استحباب الأخذ في غير عطية السلطان، أما عطية السلطان فحرمها قوم وأباحها آخرون وكرهها فريق ثالث، قال النووي: والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى من لا يستحق. وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره. وقال بعضهم: هو ندوب في عطية السلطان دون غيره. والله أعلم.
٣٨ - من الحديث السابع عشر والثامن عشر استدل بعضهم بقوله: "خذه فتموله" أن ذلك ليس من الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست هي من جهة الفقر، ولكن من الحقوق، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه مني. لم يرض بذلك، لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر.
стр. 2267
٣٩ - كما استدل به على ندب قبول العطاء، قيل: هو ندب لكل من أعطى عطية كائناً من كان. قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو الراجح، يعني بالشرطين المتقدمين [غير مشرف وغير سائل] وقيل: هو مخصوص بالسلطان، ويؤيده حديث سمرة في السنن: "إلا أن يسأل ذا سلطان". وكان بعضهم يقول: يحرم قبول العطية من السلطان، وبعضهم يقول: يكره وهو محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر، أو الكراهة محمولة على الورع، وهو المشهور من تصرف السلف. والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالاً فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حراماً فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده، وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه [أي في أخذ العطية ممن ماله حرام] بأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢] ومع ذلك رهن الرسول درعه عند اليهودي مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة.
٤٠ - وفيه أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهاً، وإن كان غيره أحوج إليه منه.
٤١ - وأن رد عطية الإمام ليس من الأدب، ولا سيما من الرسول ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] ذكره الحافظ ابن حجر.
٤٢ - وأن ما جاء من المال الحلال من غير سؤال فإن أخذه خير من تركه.
٤٣ - ومن الحديث التاسع عشر جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين، سواء كانت لدين أو لدنيا، كالقضاء والحسبة وغيرهما.
والله أعلم
стр. 2268
(٢٩٣) باب التحذير من الاغترار بزينة الدنيا والحث على القناعة والإجمال في الطلب
٢٠٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال "قلب الشيخ شاب على حب اثنتين حب العيش والمال".
٢٠٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "قلب الشيخ شاب على حب اثنتين طول الحياة وحب المال".
٢٠٩٨ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر".
٢٠٩٩ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".
٢١٠٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (فلا أدري أشيء أنزل أم شيء كان يقوله) بمثل حديث أبي عوانة.
٢١٠١ - عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "لو كان لابن آدم واد من ذهب أحب أن له وادياً آخر، ولن يملأ فاه إلا التراب، والله يتوب على من تاب".
٢١٠٢ - عن ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول "لو أن
стр. 2269
لابن آدم ملء واد مالاً لأحب أن يكون إليه مثله، ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب، والله يتوب على من تاب" قال ابن عباس فلا أدري أمن القرآن هو أم لا؟ . وفي رواية زهير قال: فلا أدري أمن القرآن لم يذكر ابن عباس.
٢١٠٣ - عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة؛ فدخل عليه ثلاث مائة رجل قد قرءوا القرآن. فقال أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم. وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة.
٢١٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس".
٢١٠٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: قام رسول الله ﷺ فخطب الناس فقال "لا والله ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا" فقال رجل: يا رسول الله أيأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ ساعة، ثم قال "كيف قلت؟ " قال: قلت يا رسول الله أيأتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله ﷺ "إن الخير لا يأتي إلا بخير، أو خير هو. إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر، أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس ثلطت أو بالت ثم اجترت فعادت فأكلت. فمن يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع".
٢١٠٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أخوف ما أخاف
стр. 2270
عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا" قالوا: وما زهرة الدنيا؟ يا رسول الله قال "بركات الأرض" قالوا: يا رسول الله وهل يأتي الخير بالشر؟ قال "لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير. إن كل ما أنبت الربيع يقتل أو يلم إلا آكلة الخضر، فإنها تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس ثم اجترت وبالت وثلطت ثم عادت فأكلت. إن هذا المال خضرة. حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو. ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع".
٢١٠٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ . فقيل له ما شأنك؟ تكلم رسول الله ﷺ ولا يكلمك؟ قال: ورأينا أنه ينزل عليه. فأفاق يمسح عنه الرحضاء، وقال "إن هذا السائل" (وكأنه حمده) فقال "إنه لا يأتي الخير بالشر. وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت. وإن هذا المال خضر حلو. ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل (أو كما قال رسول الله ﷺ وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة".
٢١٠٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم. ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال "ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم. ومن يستعفف يعفه الله. ومن يستغن يغنه الله. ومن يصبر يصبره الله. وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر".
٢١٠٩ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه".
стр. 2271
٢١١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً".
-[المعنى العام]-
يولد المرء، فينشأ، فيتغذى، فيكسب المال والولد، ويندفع نحو زينة الحياة الدنيا بطبيعته، فيحرص عليها، وينميها، وكلما وصل إلى درجة تطلع إلى ما فوقها، يجري وراءها، ويلهث، ولا يتوقف، ولا يضعف حبه بتقدم عمره، بل قد يزداد، وكلما ازداد حرص على الحياة وطول العمر، يشيب ابن آدم ويهرم وتصيبه الشيخوخة والكهولة، لكن خصلتان من خصاله تبقيان قويتين شابتين، حب المال، والحرص على الحياة، حقيقة جاءت بها الشريعة، وصدقها الواقع، وهي الطبيعة والفطرة التي فطر الناس عليها، لكن الشريعة أمرت بمعالجة هذه الخلقة، وتغيير هذا الطبع ليوافق الشرع، فنفرت من الاستجابة للشهوات، ووضحت بشتى الأساليب أن غرس الشهوات في الإنسان ابتلاء من الخالق واختبار، وأن عاقبة الجري وراءها خسران في الآخرة ونار ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ [التكاثر: ١ - ٨]. ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ [الحديد: ٢٠]. ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥].
"إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، من بركات الأرض". نعم بركات الأرض خير، لكن إن لم تحصلها بطريق مشروع كانت شراً، وإن لم تصرفها في الطريق المشروع كانت شراً، الحشائش الخضراء في الأرض خير للبهائم، لكن إن أكثرت البهيمة منه، ولم تحسن هضمه وتصريفه كان شراً.
المال وزينة الدنيا أخطر فتنة في الوجود، لأن صاحبه لا يدرك خطره -غالباً- إلا بعد فوات الأوان، بهجته تعمي الأبصار عن رؤية حقيقته، وجمعه يدفع إلى المزيد من جمعه، مع الغفلة عن حله وغير حله، وحبه يدفع إلى الاحتفاظ به وادخاره وكنزه والبخل به، فهو كالمخدر الذي يشل حركة التفكير والتعقل والتدبر، إلا من عصمه الله.
كلنا نؤمن أن ما نجمع من مال سنذهب عنه، ونتركه لغيرنا، وقد يكونون أعداءنا، فالشاعر يقول:
стр. 2272
وما الناس إلا جامع أو مضيع ... وذو نصب يسعى لآخر نائم
كلنا نؤمن أننا لن نأخذ من أموالنا شيئاً بعد موتنا، فالله يقول: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ [الأنعام: ٩٤] ويقول الشاعر:
نصيبك مما تجمع الدهر كله
رداءان تلوى فيهما وحنوط
كلنا نعلم أن الدنيا فترة زمنية قصيرة تنتهي إلى آخرة ودار إقامة، وجاءنا النذير: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" مثل الإنسان فيها كمثل رجل فر من أسد، فوجد فرعاً من شجرة يتدلى في بئر، فتعلق به ونزل إلى نصفه، فرأى أسفله ثعباناً ينتظر سقوطه ليلتهمه، ونظر إلى الفرع فرأى فأرين يقرضانه، فأر أبيض، وفأر أسود، وسيقطعان الفرع، وسيرى نهايته لا محالة، لكنه نظر في رف البئر فوجد طبقاً من عسل، فشغله هذا العسل عن مصيره، فأخذ يلعق منه حتى قطع الفرع وهلك. الفرع بمثل الأجل في هذه الحياة، والفأران يمثلان الليل والنهار، والعسل يمثل زينة الحياة الدنيا.
فهل يتلهى العاقل به؟ أو يغتنم خمساً قبل خمس. الشباب قبل الهرم، والصحة قبل السقم، والغنى قبل الفقر، والفراغ قبل الشغل، والحياة قبل الموت؟ ﴿فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ [التوبة: ٣٨].
-[المباحث العربية]-
(قلب الشيخ شاب على حب اثنتين) في الرواية الثالثة "يهرم ابن آدم وتشب معه اثنتان" و"تشب" بفتح التاء وكسر الشين، قال النووي: وهو بمعنى "قلب الشيخ شاب". اهـ.
وفي رواية البخاري: "لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين" وفي رواية له: "يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان". والشيخ من جاوز الأربعين، والمراد أن ابن آدم يضعف جسمه، وينحل لحمه من الكبر، وقلبه كقلب الشاب من حيث قوة حب المال وحب الحياة.
قال النووي: هذا مجاز واستعارة، ومعناه: أن قلب الشيخ كامل الحب للمال، متحكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه. وقال القاضي عياض: إن الشيخ من شأنه أن تكون آماله وحرصه على الدنيا قد بليت على بلاء جسمه إذا انقضى عمره، ولم يبق له إلا انتظار الموت، فلما كان الأمر بضده ذم. قال: والتعبير بالشاب إشارة إلى كثرة الحرص وبعد الأمل الذي هو في الشباب أكثر، وبهم أليق، لكثرة الرجاء عندهم عادة في طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا. اهـ.
(حب العيش والمال) في الرواية الثانية "طول الحياة وحب المال". وفي الرواية الثالثة "الحرص على المال والحرص على العمر". وفي رواية البخاري "حب المال وطول العمر". وفي رواية له "حب الدنيا وطول الأمل". والمراد من "طول الأمل" محبة طول العمر، ومحبة طول الحياة، ومحبة العيش.
стр. 2273
قالوا: والحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه، فهو راغب في بقائها، فأحب بذلك طول العمر، وأحب المال لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالباً طول العمر، فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتد حبه له، ورغبته في دوامه.
(لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً) في الرواية السادسة "لو كان لابن آدم واد من ذهب أحب أن له وادياً آخر". وفي الرواية السابعة "لو أن لابن آدم ملء واد مالاً لأحب أن يكون إليه مثله". فرواية "من مال"، فسرت برواية "من ذهب"، وزاد عند أحمد "وفضة" وقوله: "لابتغى" معناها لأحب كما في الروايات الأخرى، وفي رواية "لتمنى مثله، حتى يتمنى أودية".
(ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) في الرواية السادسة "ولن يملأ فاه إلا التراب"، وفي الرواية السابعة "ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب"، وفي بعض الروايات "ولا يشبع ابن آدم"، وفي بعضها "ولا يسد جوف ابن آدم"، وفي رواية للبخاري "ولا يملأ عين ابن آدم"، وفي بعض الروايات "ولا يملأ بطن ابن آدم". قال الكرماني: ليس المراد الحقيقة في عضو بعينه [جوف. عين. فم] بقرينة عدم الانحصار في التراب، إذ غيره يملؤه أيضاً، بل هو كناية عن الموت، لأنه مستلزم للامتلاء، فكأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت، فالغرض من العبارات كلها واحد، وهي من التفنن في العبارة. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة، ثم نسبة الامتلاء للجوف واضحة، والبطن بمعناه، وأما النفس فعبر بها عن الذات، وأطلق الذات وأراد البطن، من إطلاق الكل وإرادة البعض، وأما النسبة إلى الفم فلكونه الطريق الموصل للجوف، ويحتمل أن يكون المراد بالنفس العين، وأما العين لأنها الأصل في الطلب لأنه يرى ما يعجبه، فيطلبه ليحوزه إليه، وخص البطن في أكثر الروايات لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل الملذات، وأكثرها يكون للأكل والشرب. اهـ.
قال الطيبي: وقع قوله: "ولا يملأ" ... إلخ موقع التذييل والتقرير للكلام السابق، كأنه قيل: ولا يشبع من خلق من التراب إلا بالتراب، ويحتمل أن يكون ذكر التراب دون غيره لما أن المرء لا ينقضي طمعه حتى يموت، فإذا مات كان من شأنه أن يدفن، فإذا دفن صب عليه التراب، فملأ جوفه وفاه وعينيه، ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب غيره. اهـ.
(ويتوب الله على من تاب) قال النووي: هو متعلق بما قبله، ومعناه أن الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات. اهـ فكأن من فعل ذلك حقه أن يتوب، ويحتمل أن يكون "تاب" بالمعنى اللغوي، وهو مطلق الرجوع، أي ويقبل الله رجوع من رجع عن الحرص وعن التمني. وقال الطيبي: يمكن أن يكون معناه أن الآدمي مجبول على حب المال، وأنه لا يشبع من جمعه، إلا من حفظه الله تعالى، ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه، وقليل ما هم، فوضع "ويتوب" موضعه إشعاراً بأن هذه الجبلة مذمومة جارية مجرى الذنب، وأن إزالتها ممكنة بتوفيق الله وتسديده، فوقع
стр. 2274
قوله: "ويتوب الله" إلخ موقع الاستدراك، أي أن ذلك العسر الصعب يمكن أن يكون يسيراً على من يسره الله تعالى عليه. اهـ.
(فلا أدري أشيء أنزل؟ أم شيء كان يقوله) هذا كلام أنس يتردد في كون هذا القول من القرآن؟ أم من الحديث النبوي؟ ، وفي الرواية السابعة يتردد ابن عباس كذلك، ويقول: فلا أدري أمن القرآن هو؟ أم لا؟ وفي الرواية الثامنة يصرح أبو موسى الأشعري بأن هذا القول كان جزء سورة شبيهة ببراءة في الطول والشدة وسيأتي إيضاح لذلك في فقه الحديث.
(ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم) النهي موجه لقسوة القلوب، لا لطول الأمد، والتقدير لا تقسو قلوبكم بطول الزمان، والبعد بينكم وبين المصدر.
(بإحدى المسبحات) أي بإحدى السور التي تبدأ بسبح ويسبح.
(ليس الغنى عن كثرة العرض) بفتح العين والراء، و"عن" سببية، والعرض ما ينتفع به من متاع الدنيا. وقال أبو عبيد: العروض الأمتعة، وهي ما سوى الحيوان والعقار، وما لا يدخله كيل ولا وزن. وقال ابن فارس: العرض بالفتح ما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا، قال تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ [الأنفال: ٦٧] وقال: ﴿وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه﴾ [الأعراف: ١٦٩].
(ولكن الغنى غنى النفس) وعند أحمد "إنما الغنى غنى النفس". وعند ابن حبان عن أبي ذر قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر. أترى كثرة المال هو الغنى؟ " قلت: نعم. قال: "وترى قلة المال هو الفقر؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب". قال ابن بطال: معنى الحديث: ليس حقيقة الغنى كثرة المال، لأن كثيراً ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي، فهو يجتهد في الازدياد، ولا يبالي من أين يأتيه فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقنع به، ورضي، ولم يحرص على الازدياد، ولا ألح في الطلب، فكأنه غني. اهـ وقال القرطبي: معنى الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع، فعزت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس، لحرصه، فإنه يورطه في رذائل الأموال، وخسائس الأفعال، لدناءة همته وبخله، ولكثرة من يذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل.
والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعاً بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يلح في الطلب، ولا يلحف في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجد أبداً، والمتصف بفقر النفس على الضد منه، لكونه لا يقنع بما أعطي، بل هو أبداً في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير في المال، لأنه لم يستغن بما أعطي فكأنه ليس بغني، ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره، علماً بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو معرض عن الحرص والطلب، وما أحسن قول الشاعر:
стр. 2275
غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقراً
انتهى من فتح الباري للحافظ ابن حجر.
والذي تستريح إليه النفس أن الإسلام لا ينفر من الحرص على المال، وعلى الاستزادة منه وطلبه مهما كثر، كل ما يدعو إليه أن لا يؤدي ذلك إلى طلبه من غير حله، أو إنفاقه في غير حله، أو عدم أداء حقه، والقناعة الإسلامية ليست بالوقوف عن طلب المزيد، ولو لغير حاجة، وإنما هي في الرضا بما عندك مهما كان زائداً، وبالرضا بطلب الجديد في الحدود المشروعة، القناعة الإسلامية في عدم التطلع لما في يد الغير، وعدم السعي في اقتناصه منه، وفي عدم التحسر عليه عند فواته، فمعنى الحديث: ليس كثرة المال مصدر الإحساس بالغنى، فكثير ممن يملكون الذهب والفضة والقصور ينظرون إلى من هم أعلى منهم فيحسون بالفقر، وإنما الغنى الحقيقي الذي يشعر به صاحبه ويسعد به هو الإحساس بأن رزقه كافيه، قل أو كثر، فهو حامد شاكر راض بما حصل. وإن جاهد للمزيد، لا على حساب الدين، بل لحساب الدين، فكلما زاد ماله أنفق في وجوه الخير فزادت حسناته، وكلما سعى في كسب الرزق الحلال كفرت سيئاته، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
(لا. والله ما أخشى عليكم -أيها الناس- إلا .... ) "لا" رد لكلام سابق، مذكور أو مفهوم، كأنه قال مثلاً: لا تجزعوا من الفقر، أو لا تتمنوا الغنى. وفي الرواية الحادية عشر "أخوف ما أخاف عليكم .... " وفي الرواية الثانية عشرة "إن مما أخاف عليكم ... " والواقع أن الرسول ﷺ كان يخشى على أمته من أخطار كثيرة، يخشى عليهم الاختلاف، والفتن، والتكالب على الإمارة، وضياع العلم، وكثرة الجهل، فالتنافس على زهرة الحياة الدنيا أحد ما يخشاه، ولا مانع من أن يعد أكثرها خطراً، وأخوف ما يخافه، باعتباره أساس كل المصائب، وإثبات الأعلى والأكبر لا ينافي إثبات أصل الوصف، فلا تعارض بين "أخوف ما أخاف" وبين "إن مما أخاف" والقصر في الرواية العاشرة قصر ادعائي، كأنه ﷺ لا يخشى إلا هذا، وكأن ما عداه مما يخشى في حكم العدم.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الخشية يحتمل أن يكون سببها علمه أن الدنيا ستفتح عليهم، ويحصل لهم الغنى بالمال، وقد ذكر ذلك في أعلام النبوة، مما أخبر ﷺ بوقوعه قبل أن يقع فوقع.
(ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا) فسرت زهرة الدنيا في الرواية الحادية عشرة ببركات الأرض، ورواية البخاري تعكس هذا التفسير وهذا المفسر، ولفظها: "إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض". قيل: وما بركات الأرض؟ قال: "زهرة الدنيا". وزاد في رواية: "وزينتها". وزهرة الدنيا زينتها وبهجتها، مأخوذة من زهر الشجر، والمراد ما فيها من أنواع المتاع والذهب والفضة والمساكن والزروع وغيرها مما يفتخر الناس بحسنه مع قلة البقاء.
(فقال رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وفي الرواية الحادية عشرة "قالوا" فإسناد القول إلى المجموع مع أن القائل واحد تنزيل لهم منزلة القائلين، لموافقتهم على هذا القول.
стр. 2276
(أيأتي الخير بالشر)؟ في الرواية الحادية عشرة "وهل يأتي الخير بالشر" فالواو استئنافية فيه. وفي الرواية الثانية عشرة "أو يأتي الخير بالشر"؟ بفتح الواو بعد همزة الاستفهام، والواو عاطفة على مقدر، أي أتصير النعمة نقمة ويأتي الخير بالشر؟ لأن زهرة الدنيا نعمة من الله، فهل تعود هذه النعمة نقمة؟ والاستفهام للاسترشاد وطلب الجواب والرشد، وليس للإنكار والاستبعاد كما قال النووي.
(فصمت رسول الله ﷺ ساعة) المراد من الساعة القطعة من الزمن وليس المراد بها المتعارف عليها بمقدار ستين دقيقة، قيل: إن سبب سكوته ﷺ ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة، فنزل عليه الوحي، وقيل سكت انتظاراً للوحي، لأن الجواب في حاجة إليه.
وفي الرواية الثانية عشرة "فسكت عنه رسول الله ﷺ ، فقيل له: ما شأنك؟ تكلم النبي ﷺ ولا يكلمك؟ قال: ورئينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء". و"رئينا" بضم الراء وكسر الهمزة، وفي رواية للبخاري "فأرينا" بضم الهمزة، وفي رواية له "حتى ظننت أنه ينزل عليه" وفي رواية له أيضاً "ظننا". و"الرحضاء" بضم الراء وفتح الحاء، وهو العرق، وقيل: العرق الكثير، وقيل: عرق الحمى، كأنهم فهموا أنه ينزل عليه الوحي بالقرينة من الكيفية التي جرت عادته بها عندما يوحى إليه.
(ثم قال كيف قلت)؟ في الرواية الثانية عشرة "وقال: إن هذا السائل" فالسائل خبر "إن" وال فيه للكمال. أي إن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفطن وفي بعض النسخ "أين هذا السائل"؟ وفي بعضها "أنى هذا السائل"؟ وهي بمعنى "أين"؟ وفي بعضها "أي هذا السائل"؟ ومعناه أيكم هذا السائل؟ فحذف الكاف والميم. قاله النووي.
(وكأنه حمده) أخذوه من قرينة الحال. قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أنهم لاموه أولاً، حيث رأوا سكوت النبي ﷺ ، فظنوا أنه أغضبه، ثم حمدوه آخراً، لما رأوا مسألته سبباً لاستفادة ما قاله النبي ﷺ .
(إن الخير لا يأتي إلا بخير) في الرواية الحادية عشرة "لا يأتي الخير إلا بالخير" ثلاثاً، وفي الرواية الثانية عشرة "إنه لا يأتي الخير بالشر" أي إن الخير بذاته لا يأتي إلا بخير، لكن قد يأتي للخير عارض فينتج هذا العارض شراً، فالمال في ذاته خير، فإن عرض له البخل أو التبذير نتج عن البخل به إو إسرافه شر، وكذا كل نعمة، في ذاتها خير لا تأتي إلا بخير، فالعين خير أعد لخير الإنسان، فإن نظرت إلى محرم أنتج هذا النظر شراً، فالخير بذاته لا ينتج إلا خيراً.
(أو خير هو)؟ بفتح الواو في "أو" همزة استفهام بعدها واو العطف، أي أتظن الشره والحرص على المال نافعاً؟ وخيراً هو؟ والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي ليس الشره والحرص على المال خيراً. أي ليس المال خيراً إن كان طريق اكتسابه أو إنفاقه شراً.
стр. 2277
(إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم .... ) "الحبط" بفتح الحاء والباء التخمة، أي انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حبطت الدابة إذا أصابت مرعى طيباً، فأسرفت في الأكل، حتى تنتفخ فتموت، وقوله "أو يلم" معناه: أو يقرب من القتل حبطاً، و"الربيع" الجدول.
وفي الرواية الثانية عشرة "وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم .... " قال الحافظ ابن حجر: "مما" في قوله "مما ينبت" للتكثير، وليست "من" للتبعيض، لتوافق رواية "كل ما ينبت".
(إلا آكلة الخضر، أكلت، حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثلطت أو بالت، ثم اجترت، فعادت، فأكلت) في الرواية الثانية عشرة "ثم رتعت" قال النووي: "إلا آكلة الخضر" هو بكسر الهمزة من "إلا" وتشديد اللام على الاستثناء، هذا هو المشهور الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة وغيرهم. قال القاضي: ورواه بعضهم "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام على الاستفتاح، و"آكلة الخضر" بهمزة ممدودة، و"الخضر" بفتح الخاء وكسر الضاد. هكذا رواه الجمهور، قال القاضي: وضبطه بعضهم "الخضر" بضم الخاء وفتح الضاد. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وهو ضرب من الكلأ يعجب الماشية، وواحده خضرة، وفي رواية "الخضرة" بضم الخاء وسكون الضاد وزيادة هاء في آخره، وفي رواية "الخضراء" بفتح الخاء وسكون الضاد وبالمد.
والخاصرتان تثنية خاصرة، وهما جانبا البطن من الحيوان، وفي رواية "خاصرتها" بالإفراد. والغرض من استقبالها الشمس أو عين الشمس أن تسخن بها فيسهل الهضم، وفي الرواية الحادية عشرة ورواية البخاري تقديم الاجترار على الثلط وهو الأنسب، إذ الاجترار استرجاع ما في كرشها من العلف إلى الفم لتعيد مضغه تيسيراً لهضمه، والثلط إلقاء الفضلات خارجاً، والمعنى أنها إذا شبعت، فثقل عليها ما أكلت تحايلت في دفعه، بخلاف التي لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعاً.
قال النووي: معناه أن نبات الربيع وخضره يقتل حبطاً بالتخمة لكثرة الأكل أو يقارب القتل إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة، وتحصل به الكفاية، فإنه لا يضر، وهكذا المال، هو كنبات الربيع، مستحسن، تطلبه النفوس، وتميل إليه، فمنهم من يستكثر منه، ويستغرق فيه، غير صارف له في وجوهه، كما تثلطه الدابة، فهذا لا يضر.
وقال الأزهري: فيه مثلان، أحدهما للمكثر من الجمع، المانع من الحق، وإليه الإشارة بقوله: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل" لأن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر منه الدابة حتى تهلك، والثاني للمقتصد، وإليه الإشارة بقوله: "إلا آكلة الخضر" لأن الخضر ليس من أحرار البقول. اهـ.
وهذا الذي قاله الأزهري غير واضح، لأن وصف الدابة بالشبع وامتداد الخاصرتين لا يتناسب مع المقتصد، وإنما مع المكثر، المحسن في تصريف ما أكثر منه، كما قال النووي.
وقال القاضي عياض: ضرب ﷺ لهم مثلاً بحالتي المقتصد والمكثر، فقال: أنتم تقولون: إن نبات الربيع خير، وبه قوام الحيوان؟ وليس هو كذلك مطلقاً، فأشار إلى أن الاعتدال
стр. 2278
والتوسط في الجمع أحسن، ثم ضرب مثلاً لمن ينفعه إكثاره، وهو التشبيه بآكلة الخضر، وهذا التشبيه لمن صرفه في وجوهه الشرعية. اهـ.
والتحقيق أن التمثيل يعطينا ثلاث حالات، لأن الربيع ينبت البقول الحارة التي تضر وتقتل أو تقارب كثرت أو قلت، وهذه الحالة تشبهها حالة جمع المال من غير حله، والكسب غير الطيب، كما ينبت الخضر الذي لا يضر تناوله باعتدال، أو تناوله بكثرة مع التحايل على صرفه، وهذه الحالة تشبهها حالة جمع المال من حله باعتدال، أو الإكثار منه بطريق مشروع مع أداء حقه وإنفاقه في وجوه الخير، الحالة الثالثة بطريق المفهوم وهي حالة الإكثار مع عدم التمكن من التصريف، وهذه تقتل أو تلم كالأولى، وهذه الحالة تشبهها حالة جمع المال ولو من حله، والإكثار منه وجمعه مع عدم أداء حقه.
فالمال وزهرة الدنيا في حالتين من ثلاث، وحتى الثالثة، وهي الثانية في ترتيبنا، محفوفة بالأخطار، فأي خير هو؟ إنه في ذاته خير لا ينتج إلا خيراً، لكنه لا بد له من أعراض في جمعه وفي إنفاقه، وهذه الأعراض شرها ينتج شراً، وخيرها ينتج خيراً، وشرها أكثر من خيرها، فكيف لا يخاف الحريص على أمته، العزيز عليه عنتها، الرءوف الرحيم بها، كيف لا يخاف عليها هذه الشرور في وقت تبتعد فيه عن تعاليم دينه الحنيف؟ .
(فمن يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع) لم تتعرض هذه الرواية للإنفاق، وقد تعرضت له الرواية الحادية عشرة، ولفظها: "فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه فنعم المعونة هو". وكذا الرواية الثانية عشرة، ولفظها: "ونعم صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل" أي أدى حق الله فيه.
(ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يشهد عليه حقيقة، بأن ينطقه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازاً عن شهادة الملك الموكل به. اهـ والهدف من هذه الشهادة زيادة الإيلام النفسي بعد العذاب الجسمي، حين يتحول صديق الدنيا عدواً يوم القيامة.
(أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم) الظاهر أنه من قبيل العطاء من الغنائم، لا من الصدقة، كالذي سيأتي في الباب بعده، ولم تعرف أسماؤهم.
(ومن يستعفف يعفه الله .... ) أي من يطلب العفة ويحاولها يعفه الله ويوفقه، ومن يحاول الغنى عما في أيدي الناس يوفقه الله ويغنيه، ومن يحبس آلامه ويدافع عن نفسه الجزع يمنحه الله الصبر والرضا.
(وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم "خير" مرفوع، وهو صحيح، وتقديره: هو خير، كما وقع في رواية البخاري. اهـ.
стр. 2279
(ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه) الكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقصان. وقال القرطبي: هو ما يكف عن الحاجات، ويدفع الضرورات ولا يلحق بأهل الترفيهات.
(اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) قال النووي: قال أهل اللغة: القوت ما يسد الرمق.
-[فقه الحديث]-
ذكر الإمام مسلم أحاديث التحذير من الاغترار بالدنيا في كتاب الزكاة، باعتبار هذا التحذير دافعاً إلى إخراج الزكاة، وإعطاء حقوق المال، والعطف به على الفقراء والمساكين، وذكر الإمام البخاري هذه الأحاديث ونحوها في كتاب الرقاق، باعتبارها باعثاً على رقة القلب والعطف.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - من الأحاديث الثمانية الأولى ذم الحرص على الدنيا، والرغبة فيها، وأن هذا الحرص مذموم يحتاج إلى توبة، ومن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا، والقناعة باليسير، والرضا بالكفاف، لأن لازم الحرص والشره الغفلة عن القيام بأمور الآخرة.
٢ - كراهة الحرص على طول العمر.
٣ - أن الشرع يعطي الحكم للغالب، لأن بعض بني آدم لا يشيب ومعه الخصلتان المذمومتان.
٤ - عن الرواية الثامنة أن بعض القرآن نسخت تلاوته، وبقي حكمه، وقد نقل البخاري عن أنس قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ قال الحافظ ابن حجر: وشرحه بعضهم على أنه كان قرآناً ونسخت تلاوته لما نزلت ﴿ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر﴾ فاستمرت تلاوتها، فكانت ناسخة لتلاوة "لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً"، قال: وأما الحكم فيه والمعنى فلم ينسخ. اهـ.
والأولى أن يقال: إنهم كانوا يأتون النبي ﷺ فيحدثهم. فقال لهم يوماً: إن الله قال: "إنما أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد لتمنى أن يكون له ثان، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". فظنوا أن هذا القول من القرآن، وأخذوا يقرءونه فلما نزلت ﴿ألهاكم التكاثر﴾ و ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ وسمعوا قرآن الرسول ﷺ ولم يجدوه، علموا أن ذلك حديث وليس قرآناً.
وسواء أكان ذلك قرآناً ثم نسخت تلاوته، أو كان حديثاً، فالإجماع اليوم على أنه ليس بقرآن.
٥ - ومن الحديث التاسع فضيلة القناعة والرضا، وإن قل المال.
٦ - ومن الحديث العاشر فوق ما تقدم استحباب الحلف من غير استحلاف. ذكره النووي.
٧ - وحرص الرسول ﷺ وشفقته على أمته وتنبيهه لهم حتى لا ينخدعوا.
стр. 2280
٨ - ومناقشة المتعلم للعالم وحسن السؤال.
٩ - واستحباب ترك العجلة في الجواب.
١٠ - وأن النبي ﷺ كان ينتظر الوحي.
١١ - واستحباب طلب إعادة السؤال كعلامة على استحسانه.
١٢ - وأن الرزق ولو كثر فهو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشر بعارض.
١٣ - وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيرا فلا يكون شراً، وبالعكس. ذكره الحافظ ابن حجر.
١٤ - وضرب المثل لتقرب المعاني إلى الأذهان.
١٥ - والحث على أخذ المال بحقه، وإنفاقه في حقه.
١٦ - ومن الرواية الثانية عشرة جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة، والناس حوله.
١٧ - ولوم من ظن به تعنت في السؤال.
١٨ - وحمد من أجاد السؤال.
١٩ - والحض على إعطاء المسكين واليتيم وابن السبيل.
٢٠ - وأن المكتسب للمال من غير حله لا يبارك له فيه، لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع.
٢١ - وفيه ذم الإسراف وكثرة الأكل والنهم.
٢٢ - وقد استدل به على تفضيل الغني على الفقير، واستدل به من يفضل الفقر على الغنى، قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن لا حجة فيه لأحد القولين.
٢٣ - ومن الحديث الثالث عشر الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا.
٢٤ - ومن الحديث الرابع عشر والخامس عشر فضيلة الفقر. وقد تصارع العلماء في أيهما أفضل؟ الفقر؟ أم الغنى؟ والفقر والغنى هنا عدم المال أو كثرته، وليس معنا غنى النفس، وفقر النفس، وتحرير موطن النزاع يقتضي تجرد كل من الفقر والغنى من العوارض الأخرى، فلا يقارن مثلاً بين غنى منفق وفقير حريص، ولا بين فقير قانع وغني بخيل، وقد جنح القرطبي في المفهم إلى تفضيل الكفاف على الغنى، فقال: جمع الله لنبيه الحالات الثلاث، الفقر والغنى والكفاف، فكان الأول أول حالاته، فقام بواجب ذلك، من بذله لمستحقه والمواساة به والإيثار، مع اقتصاره منه على ما يسد الضرورة له ولعياله، وهي صورة الكفاف، التي مات عليها، وهي حالة بعيدة عن الغنى المطغي والفقر المؤلم، وأيضاً فصاحبها معدود في الفقراء، لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا، بل يجاهد نفسه في الصبر عن القدر الزائد على الكفاف، فلم يفته من حال الفقر إلا السلامة من قهر الحاجة وذل المسألة. اهـ.
следующие страницы →