Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
(أيأتي الخير بالشر)؟ في الرواية الحادية عشرة "وهل يأتي الخير بالشر" فالواو استئنافية فيه. وفي الرواية الثانية عشرة "أو يأتي الخير بالشر"؟ بفتح الواو بعد همزة الاستفهام، والواو عاطفة على مقدر، أي أتصير النعمة نقمة ويأتي الخير بالشر؟ لأن زهرة الدنيا نعمة من الله، فهل تعود هذه النعمة نقمة؟ والاستفهام للاسترشاد وطلب الجواب والرشد، وليس للإنكار والاستبعاد كما قال النووي.
(فصمت رسول الله ﷺ ساعة) المراد من الساعة القطعة من الزمن وليس المراد بها المتعارف عليها بمقدار ستين دقيقة، قيل: إن سبب سكوته ﷺ ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة، فنزل عليه الوحي، وقيل سكت انتظاراً للوحي، لأن الجواب في حاجة إليه.
وفي الرواية الثانية عشرة "فسكت عنه رسول الله ﷺ ، فقيل له: ما شأنك؟ تكلم النبي ﷺ ولا يكلمك؟ قال: ورئينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء". و"رئينا" بضم الراء وكسر الهمزة، وفي رواية للبخاري "فأرينا" بضم الهمزة، وفي رواية له "حتى ظننت أنه ينزل عليه" وفي رواية له أيضاً "ظننا". و"الرحضاء" بضم الراء وفتح الحاء، وهو العرق، وقيل: العرق الكثير، وقيل: عرق الحمى، كأنهم فهموا أنه ينزل عليه الوحي بالقرينة من الكيفية التي جرت عادته بها عندما يوحى إليه.
(ثم قال كيف قلت)؟ في الرواية الثانية عشرة "وقال: إن هذا السائل" فالسائل خبر "إن" وال فيه للكمال. أي إن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفطن وفي بعض النسخ "أين هذا السائل"؟ وفي بعضها "أنى هذا السائل"؟ وهي بمعنى "أين"؟ وفي بعضها "أي هذا السائل"؟ ومعناه أيكم هذا السائل؟ فحذف الكاف والميم. قاله النووي.
(وكأنه حمده) أخذوه من قرينة الحال. قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أنهم لاموه أولاً، حيث رأوا سكوت النبي ﷺ ، فظنوا أنه أغضبه، ثم حمدوه آخراً، لما رأوا مسألته سبباً لاستفادة ما قاله النبي ﷺ .
(إن الخير لا يأتي إلا بخير) في الرواية الحادية عشرة "لا يأتي الخير إلا بالخير" ثلاثاً، وفي الرواية الثانية عشرة "إنه لا يأتي الخير بالشر" أي إن الخير بذاته لا يأتي إلا بخير، لكن قد يأتي للخير عارض فينتج هذا العارض شراً، فالمال في ذاته خير، فإن عرض له البخل أو التبذير نتج عن البخل به إو إسرافه شر، وكذا كل نعمة، في ذاتها خير لا تأتي إلا بخير، فالعين خير أعد لخير الإنسان، فإن نظرت إلى محرم أنتج هذا النظر شراً، فالخير بذاته لا ينتج إلا خيراً.
(أو خير هو)؟ بفتح الواو في "أو" همزة استفهام بعدها واو العطف، أي أتظن الشره والحرص على المال نافعاً؟ وخيراً هو؟ والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي ليس الشره والحرص على المال خيراً. أي ليس المال خيراً إن كان طريق اكتسابه أو إنفاقه شراً.
стр. 2277
(إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم .... ) "الحبط" بفتح الحاء والباء التخمة، أي انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حبطت الدابة إذا أصابت مرعى طيباً، فأسرفت في الأكل، حتى تنتفخ فتموت، وقوله "أو يلم" معناه: أو يقرب من القتل حبطاً، و"الربيع" الجدول.
وفي الرواية الثانية عشرة "وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم .... " قال الحافظ ابن حجر: "مما" في قوله "مما ينبت" للتكثير، وليست "من" للتبعيض، لتوافق رواية "كل ما ينبت".
(إلا آكلة الخضر، أكلت، حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثلطت أو بالت، ثم اجترت، فعادت، فأكلت) في الرواية الثانية عشرة "ثم رتعت" قال النووي: "إلا آكلة الخضر" هو بكسر الهمزة من "إلا" وتشديد اللام على الاستثناء، هذا هو المشهور الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة وغيرهم. قال القاضي: ورواه بعضهم "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام على الاستفتاح، و"آكلة الخضر" بهمزة ممدودة، و"الخضر" بفتح الخاء وكسر الضاد. هكذا رواه الجمهور، قال القاضي: وضبطه بعضهم "الخضر" بضم الخاء وفتح الضاد. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وهو ضرب من الكلأ يعجب الماشية، وواحده خضرة، وفي رواية "الخضرة" بضم الخاء وسكون الضاد وزيادة هاء في آخره، وفي رواية "الخضراء" بفتح الخاء وسكون الضاد وبالمد.
والخاصرتان تثنية خاصرة، وهما جانبا البطن من الحيوان، وفي رواية "خاصرتها" بالإفراد. والغرض من استقبالها الشمس أو عين الشمس أن تسخن بها فيسهل الهضم، وفي الرواية الحادية عشرة ورواية البخاري تقديم الاجترار على الثلط وهو الأنسب، إذ الاجترار استرجاع ما في كرشها من العلف إلى الفم لتعيد مضغه تيسيراً لهضمه، والثلط إلقاء الفضلات خارجاً، والمعنى أنها إذا شبعت، فثقل عليها ما أكلت تحايلت في دفعه، بخلاف التي لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعاً.
قال النووي: معناه أن نبات الربيع وخضره يقتل حبطاً بالتخمة لكثرة الأكل أو يقارب القتل إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة، وتحصل به الكفاية، فإنه لا يضر، وهكذا المال، هو كنبات الربيع، مستحسن، تطلبه النفوس، وتميل إليه، فمنهم من يستكثر منه، ويستغرق فيه، غير صارف له في وجوهه، كما تثلطه الدابة، فهذا لا يضر.
وقال الأزهري: فيه مثلان، أحدهما للمكثر من الجمع، المانع من الحق، وإليه الإشارة بقوله: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل" لأن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر منه الدابة حتى تهلك، والثاني للمقتصد، وإليه الإشارة بقوله: "إلا آكلة الخضر" لأن الخضر ليس من أحرار البقول. اهـ.
وهذا الذي قاله الأزهري غير واضح، لأن وصف الدابة بالشبع وامتداد الخاصرتين لا يتناسب مع المقتصد، وإنما مع المكثر، المحسن في تصريف ما أكثر منه، كما قال النووي.
وقال القاضي عياض: ضرب ﷺ لهم مثلاً بحالتي المقتصد والمكثر، فقال: أنتم تقولون: إن نبات الربيع خير، وبه قوام الحيوان؟ وليس هو كذلك مطلقاً، فأشار إلى أن الاعتدال
стр. 2278
والتوسط في الجمع أحسن، ثم ضرب مثلاً لمن ينفعه إكثاره، وهو التشبيه بآكلة الخضر، وهذا التشبيه لمن صرفه في وجوهه الشرعية. اهـ.
والتحقيق أن التمثيل يعطينا ثلاث حالات، لأن الربيع ينبت البقول الحارة التي تضر وتقتل أو تقارب كثرت أو قلت، وهذه الحالة تشبهها حالة جمع المال من غير حله، والكسب غير الطيب، كما ينبت الخضر الذي لا يضر تناوله باعتدال، أو تناوله بكثرة مع التحايل على صرفه، وهذه الحالة تشبهها حالة جمع المال من حله باعتدال، أو الإكثار منه بطريق مشروع مع أداء حقه وإنفاقه في وجوه الخير، الحالة الثالثة بطريق المفهوم وهي حالة الإكثار مع عدم التمكن من التصريف، وهذه تقتل أو تلم كالأولى، وهذه الحالة تشبهها حالة جمع المال ولو من حله، والإكثار منه وجمعه مع عدم أداء حقه.
فالمال وزهرة الدنيا في حالتين من ثلاث، وحتى الثالثة، وهي الثانية في ترتيبنا، محفوفة بالأخطار، فأي خير هو؟ إنه في ذاته خير لا ينتج إلا خيراً، لكنه لا بد له من أعراض في جمعه وفي إنفاقه، وهذه الأعراض شرها ينتج شراً، وخيرها ينتج خيراً، وشرها أكثر من خيرها، فكيف لا يخاف الحريص على أمته، العزيز عليه عنتها، الرءوف الرحيم بها، كيف لا يخاف عليها هذه الشرور في وقت تبتعد فيه عن تعاليم دينه الحنيف؟ .
(فمن يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع) لم تتعرض هذه الرواية للإنفاق، وقد تعرضت له الرواية الحادية عشرة، ولفظها: "فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه فنعم المعونة هو". وكذا الرواية الثانية عشرة، ولفظها: "ونعم صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل" أي أدى حق الله فيه.
(ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يشهد عليه حقيقة، بأن ينطقه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازاً عن شهادة الملك الموكل به. اهـ والهدف من هذه الشهادة زيادة الإيلام النفسي بعد العذاب الجسمي، حين يتحول صديق الدنيا عدواً يوم القيامة.
(أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم) الظاهر أنه من قبيل العطاء من الغنائم، لا من الصدقة، كالذي سيأتي في الباب بعده، ولم تعرف أسماؤهم.
(ومن يستعفف يعفه الله .... ) أي من يطلب العفة ويحاولها يعفه الله ويوفقه، ومن يحاول الغنى عما في أيدي الناس يوفقه الله ويغنيه، ومن يحبس آلامه ويدافع عن نفسه الجزع يمنحه الله الصبر والرضا.
(وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم "خير" مرفوع، وهو صحيح، وتقديره: هو خير، كما وقع في رواية البخاري. اهـ.
стр. 2279
(ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه) الكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقصان. وقال القرطبي: هو ما يكف عن الحاجات، ويدفع الضرورات ولا يلحق بأهل الترفيهات.
(اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) قال النووي: قال أهل اللغة: القوت ما يسد الرمق.
-[فقه الحديث]-
ذكر الإمام مسلم أحاديث التحذير من الاغترار بالدنيا في كتاب الزكاة، باعتبار هذا التحذير دافعاً إلى إخراج الزكاة، وإعطاء حقوق المال، والعطف به على الفقراء والمساكين، وذكر الإمام البخاري هذه الأحاديث ونحوها في كتاب الرقاق، باعتبارها باعثاً على رقة القلب والعطف.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - من الأحاديث الثمانية الأولى ذم الحرص على الدنيا، والرغبة فيها، وأن هذا الحرص مذموم يحتاج إلى توبة، ومن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا، والقناعة باليسير، والرضا بالكفاف، لأن لازم الحرص والشره الغفلة عن القيام بأمور الآخرة.
٢ - كراهة الحرص على طول العمر.
٣ - أن الشرع يعطي الحكم للغالب، لأن بعض بني آدم لا يشيب ومعه الخصلتان المذمومتان.
٤ - عن الرواية الثامنة أن بعض القرآن نسخت تلاوته، وبقي حكمه، وقد نقل البخاري عن أنس قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ قال الحافظ ابن حجر: وشرحه بعضهم على أنه كان قرآناً ونسخت تلاوته لما نزلت ﴿ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر﴾ فاستمرت تلاوتها، فكانت ناسخة لتلاوة "لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً"، قال: وأما الحكم فيه والمعنى فلم ينسخ. اهـ.
والأولى أن يقال: إنهم كانوا يأتون النبي ﷺ فيحدثهم. فقال لهم يوماً: إن الله قال: "إنما أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد لتمنى أن يكون له ثان، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". فظنوا أن هذا القول من القرآن، وأخذوا يقرءونه فلما نزلت ﴿ألهاكم التكاثر﴾ و ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ وسمعوا قرآن الرسول ﷺ ولم يجدوه، علموا أن ذلك حديث وليس قرآناً.
وسواء أكان ذلك قرآناً ثم نسخت تلاوته، أو كان حديثاً، فالإجماع اليوم على أنه ليس بقرآن.
٥ - ومن الحديث التاسع فضيلة القناعة والرضا، وإن قل المال.
٦ - ومن الحديث العاشر فوق ما تقدم استحباب الحلف من غير استحلاف. ذكره النووي.
٧ - وحرص الرسول ﷺ وشفقته على أمته وتنبيهه لهم حتى لا ينخدعوا.
стр. 2280
٨ - ومناقشة المتعلم للعالم وحسن السؤال.
٩ - واستحباب ترك العجلة في الجواب.
١٠ - وأن النبي ﷺ كان ينتظر الوحي.
١١ - واستحباب طلب إعادة السؤال كعلامة على استحسانه.
١٢ - وأن الرزق ولو كثر فهو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشر بعارض.
١٣ - وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيرا فلا يكون شراً، وبالعكس. ذكره الحافظ ابن حجر.
١٤ - وضرب المثل لتقرب المعاني إلى الأذهان.
١٥ - والحث على أخذ المال بحقه، وإنفاقه في حقه.
١٦ - ومن الرواية الثانية عشرة جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة، والناس حوله.
١٧ - ولوم من ظن به تعنت في السؤال.
١٨ - وحمد من أجاد السؤال.
١٩ - والحض على إعطاء المسكين واليتيم وابن السبيل.
٢٠ - وأن المكتسب للمال من غير حله لا يبارك له فيه، لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع.
٢١ - وفيه ذم الإسراف وكثرة الأكل والنهم.
٢٢ - وقد استدل به على تفضيل الغني على الفقير، واستدل به من يفضل الفقر على الغنى، قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن لا حجة فيه لأحد القولين.
٢٣ - ومن الحديث الثالث عشر الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا.
٢٤ - ومن الحديث الرابع عشر والخامس عشر فضيلة الفقر. وقد تصارع العلماء في أيهما أفضل؟ الفقر؟ أم الغنى؟ والفقر والغنى هنا عدم المال أو كثرته، وليس معنا غنى النفس، وفقر النفس، وتحرير موطن النزاع يقتضي تجرد كل من الفقر والغنى من العوارض الأخرى، فلا يقارن مثلاً بين غنى منفق وفقير حريص، ولا بين فقير قانع وغني بخيل، وقد جنح القرطبي في المفهم إلى تفضيل الكفاف على الغنى، فقال: جمع الله لنبيه الحالات الثلاث، الفقر والغنى والكفاف، فكان الأول أول حالاته، فقام بواجب ذلك، من بذله لمستحقه والمواساة به والإيثار، مع اقتصاره منه على ما يسد الضرورة له ولعياله، وهي صورة الكفاف، التي مات عليها، وهي حالة بعيدة عن الغنى المطغي والفقر المؤلم، وأيضاً فصاحبها معدود في الفقراء، لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا، بل يجاهد نفسه في الصبر عن القدر الزائد على الكفاف، فلم يفته من حال الفقر إلا السلامة من قهر الحاجة وذل المسألة. اهـ.
стр. 2281
ويؤيده ظاهر الحديث الرابع عشر، كما يؤيده الحديث الخامس عشر، لأنه ﷺ يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال.
وجمهور الصوفية يرجحون الفقر، على أساس أن مدار طريقهم تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى.
كما قيل: إن الفقير أبعد عن الخطر من الغني، لأن فتنة المال والغنى أشد من فتنة الفقر. وفي الحكمة: من العصمة أن لا تجد.
وجمهور الشافعية على أن الغني الشاكر أفضل، لما تضمنه من زيادة الثواب بالقرب المالية، احتجاجاً بحديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور ... " وفي آخره: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ [الحديد: ٢١] وحديث: "نعم المال الصالح للرجل الصالح". رواه مسلم، وحديث: "إن الله يحب الغني التقي الخفي". رواه مسلم، وحديث سعد: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة". وقد وصفت يد الغني المعطي بأنها العليا، والفقير نفعه مقصور على نفسه، أما الغني فنفعه يتعدى إلى غيره، والشكر أسهل من الصبر، فالفتنة بالغنى أخف، لذا قال مطرف بن عبد الله: "لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر". وقال سعيد بن المسيب عند موته، وقد ترك مالاً: "اللهم إنك تعلم أني لم أجمعه إلا لأصون به ديني". واحتج بعضهم لذلك بقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] وذلك لا يتم إلا بالمال. وأكد بعضهم هذا القول بأن الغنى صفة الخالق، والفقر صفة المخلوق، وصفة الحق أفضل من صفة الخلق. قال الحافظ ابن حجر: ودعوى أن جمهور الصحابة كانوا على التقلل والزهد ممنوعة، بالمشهور من أحوالهم، فإنهم كانوا على قسمين بعد أن فتحت عليهم الفتوح؛ فمنهم من أبقى ما بيده، مع التقرب إلى ربه بالبر والصلة والمواساة، مع الاتصاف بغنى النفس، وهم قليل بالنسبة للطائفة الأخرى، ومن تبحر في سير السلف علم صحة ذلك. اهـ.
والله أعلم
стр. 2282
(٢٩٤) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم والتحريض على قتل الخوارج
٢١١١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسماً. فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم. قال "إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني. فلست بباخل".
٢١١٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة -نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته- ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك ثم أمر له بعطاء.
٢١١٣ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ بهذا الحديث. وفي حديث عكرمة بن عمار من الزيادة قال ثم جبذه إليه جبذة رجع نبي الله ﷺ في نحر الأعرابي. وفي حديث همام فجاذبه حتى انشق البرد وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ .
٢١١٤ - عن المسور بن مخرمة ﵁ أنه قال: قسم رسول الله ﷺ أقبية ولم يعط مخرمة شيئاً. فقال مخرمة يا بني انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فانطلقت معه. قال: ادخل فادعه لي. قال فدعوته له، فخرج إليه وعليه قباء منها، فقال "خبأت هذا لك". قال: فنظر إليه فقال "رضي مخرمة".
٢١١٥ - عن المسور بن مخرمة ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ أقبية. فقال لي أبي مخرمة انطلق بنا إليه عسى أن يعطينا منها شيئاً. قال: فقام أبي على
стр. 2283
الباب فتكلم فعرف النبي ﷺ صوته، فخرج ومعه قباء وهو يريه محاسنه وهو يقول "خبأت هذا لك، خبأت هذا لك".
٢١١٦ - عن عامر بن سعد عن أبيه سعد ﵁ أنه أعطى رسول الله ﷺ رهطاً وأنا جالس فيهم. قال: فترك رسول الله ﷺ منهم رجلاً لم يعطه وهو أعجبهم إلي. فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته، فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمناً. قال "أو مسلماً". فسكت قليلاً. ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً. قال "أو مسلماً". فسكت قليلاً. ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً. قال "أو مسلماً". قال "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه" وفي حديث الحلواني تكرير القول مرتين.
٢١١٧ - عن محمد بن سعد يحدث بهذا الحديث يعني حديث الزهري الذي ذكرنا. فقال في حديثه فضرب رسول الله ﷺ بيده بين عنقي وكتفي ثم قال "أقتالاً؟ أي سعد إني لأعطي الرجل".
٢١١٨ - عن أنس بن مالك ﵁ أن أناساً من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل. فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ من قولهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا يغفر الله لرسوله يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله ﷺ "فإني
стр. 2284
أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" فقالوا بلى يا رسول الله قد رضينا قال "فإنكم ستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض" قالوا: سنصبر.
٢١١٩ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: لما أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن واقتص الحديث بمثله غير أنه قال: قال أنس فلم نصبر وقال فأما أناس حديثة أسنانهم.
٢١٢٠ - عن أنس بن مالك ﵁ وساق الحديث بمثله إلا أنه قال: قال أنس: قالوا: نصبر كرواية يونس عن الزهري.
٢١٢١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال جمع رسول الله ﷺ الأنصار. فقال "أفيكم أحد من غيركم؟ " فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ "إن ابن أخت القوم منهم" فقال "إن قريشاً حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار".
стр. 2285
٢١٢٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش؛ فقالت الأنصار إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال "ما الذي بلغني عنكم؟ " قالوا هو الذي بلغك. وكانوا لا يكذبون. قال "أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم لو سلك الناس وادياً أو شعباً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار".
٢١٢٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم. ومع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء فأدبروا عنه، حتى بقي وحده. قال: فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئاً. قال: فالتفت عن يمينه فقال "يا معشر الأنصار" فقالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك. قال: ثم التفت عن يساره فقال "يا معشر الأنصار" قالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك. قال: وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال أنا عبد الله ورسوله، فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً. فقالت الأنصار إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا. فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال "يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؟ " فسكتوا. فقال "يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم؟ " قالوا بلى يا رسول الله رضينا. قال: فقال "لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لأخذت شعب الأنصار". قال هشام: فقلت يا أبا حمزة أنت شاهد ذاك؟ قال وأين أغيب عنه؟ .
٢١٢٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنيناً، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت. قال: فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء من وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم صفت النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد. قال: فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس. قال: فنادى رسول الله ﷺ "يال المهاجرين يال المهاجرين" ثم قال "يال الأنصار يال الأنصار". قال: قال أنس هذا حديث عمية. قال: قلنا لبيك يا رسول الله. قال: فتقدم رسول الله ﷺ . قال: فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا. قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل. ثم ذكر باقي الحديث كنحو حديث قتادة وأبي التياح وهشام بن زيد.
стр. 2286
٢١٢٥ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل. وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس:
٤ - أتجعل نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع
فما كان بدر ولا حابس
يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما
ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال فأتم له رسول الله ﷺ مائة.
٢١٢٦ - عن عمر بن سعيد بن مسروق بهذا الإسناد أن النبي ﷺ قسم غنائم حنين فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل. وساق الحديث بنحوه وزاد وأعطى علقمة ابن علاثة مائة.
٢١٢٧ - عن عمر بن سعيد بهذا الإسناد ولم يذكر في الحديث علقمة بن علاثة ولا صفوان بن أمية ولم يذكر الشعر في حديثه.
٢١٢٨ - عن عبد الله بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ لما فتح حنيناً قسم الغنائم فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس. فقام رسول الله ﷺ فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ ومتفرقين فجمعكم الله بي؟ " ويقولون الله ورسوله أمن. فقال "ألا تجيبوني؟ " فقالوا الله ورسوله أمن. فقال "أما إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا وكان من الأمر كذا وكذا" لأشياء عددها زعم عمرو أن لا يحفظها. فقال "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والناس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
стр. 2287
٢١٢٩ - عن عبد الله ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله. قال: فقلت والله لأخبرن رسول الله ﷺ . قال: فأتيته فأخبرته بما قال. قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال "فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله" قال: ثم قال "يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" قال: قلت لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً.
٢١٣٠ - عن عبد الله ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسماً. فقال رجل إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله. قال: فأتيت النبي ﷺ فساررته فغضب من ذلك غضباً شديداً واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له. قال: ثم قال "قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر".
٢١٣١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس. فقال يا محمد اعدل. قال "ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر بن الخطاب ﵁ دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية".
٢١٣٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يقسم مغانم. وساق الحديث.
٢١٣٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي،
стр. 2288
وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان. قال: فغضبت قريش فقالوا أتعطي صناديد نجد وتدعنا. فقال رسول الله ﷺ "إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم" فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال اتق الله يا محمد. قال: فقال رسول الله ﷺ "فمن يطع الله إن عصيته أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ " قال ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله. (يرون أنه خالد بن الوليد) فقال رسول الله ﷺ "إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد".
٢١٣٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة نفر. بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال "ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء". قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار، فقال يا رسول الله اتق الله فقال "ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله". قال: ثم ولى الرجل. فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال "لا لعله أن يكون يصلي" قال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله ﷺ "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم". قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال "إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". قال: أظنه قال "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود".
٢١٣٥ - عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد قال: وعلقمة ابن علاثة ولم يذكر عامر بن الطفيل. وقال ناتئ الجبهة ولم يقل ناشز وزاد. فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁ فقال يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال "لا". قال: ثم أدبر فقام إليه خالد سيف الله فقال يا رسول الله ألا أضرب عنقه"؟ قال "لا" فقال "إنه
стр. 2289
سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله ليناً رطباً". وقال: قال عمارة حسبته قال "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود".
٢١٣٦ - عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد. وقال بين أربعة نفر: زيد الخير، والأقرع ابن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل. وقال ناشز الجبهة كرواية عبد الواحد. وقال إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم ولم يذكر "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود".
٢١٣٧ - عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية؟ هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول "يخرج في هذه الأمة (ولم يقل منها) قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم فيقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم (أو حناجرهم). يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء".
٢١٣٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال يا رسول الله اعدل. قال رسول الله ﷺ "ويلك ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل" فقال عمر بن الخطاب ﵁ يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه. قال رسول الله ﷺ "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم. يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء (وهو القدح)، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تتدردر. يخرجون على حين فرقة من الناس" قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم
стр. 2290
وأنا معه. فأمر بذلك الرجل، فالتمس فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت.
٢١٣٩ - عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق قال "هم شر الخلق (أو من أشر الخلق) يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" قال فضرب النبي ﷺ لهم مثلاً أو قال قولا "الرجل يرمي الرمية (أو قال الغرض) فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النضي فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة" قال قال أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق.
٢١٤٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق".
٢١٤١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق".
٢١٤٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "تمرق مارقة في فرقة من الناس فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق".
٢١٤٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في حديث ذكر فيه قوماً يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق.
٢١٤٤ - عن سويد بن غفلة قال: قال علي إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول عليه ما لم يقل. وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن
стр. 2291
الحرب خدعة. سمعت رسول الله ﷺ يقول "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية. يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة".
٢١٤٥ - عن الأعمش بهذا الإسناد وليس في حديثهما "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
٢١٤٦ - عن علي ﵁ قال: ذكر الخوارج فقال فيهم رجل مخدج اليد أو مودن اليد أو مثدون اليد لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ . قال: قلت آنت سمعته من محمد ﷺ . قال: إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة.
٢١٤٧ - عن زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ الذين ساروا إلى الخوارج. فقال علي ﵁ أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم. لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل. وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم. والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس. فسيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل فنزلني زيد بن وهب منزلاً حتى قال مررنا على قنطرة. فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي. فقال لهم ألقوا
стр. 2292
الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وشجرهم الناس برماحهم. قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال علي ﵁ التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه. فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض. قال أخروهم فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال يا أمير المؤمنين ألله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ؟ فقال إي والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف له.
٢١٤٨ - عن عبيد الله بن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب ﵁، قالوا لا حكم إلا لله. قال علي كلمة حق أريد بها باطل. إن رسول الله ﷺ وصف ناساً إني لأعرف صفتهم في هؤلاء. "يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه) من أبغض خلق الله إليه. منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي". فلما قتلهم علي بن أبي طالب ﵁ قال انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثاً، ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم. زاد يونس في روايته قال بكير وحدثني رجل عن ابن حنين أنه قال رأيت ذلك الأسود.
٢١٤٩ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن بعدي من أمتي (أو سيكون بعدي من أمتي) قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم. يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه. هم شر الخلق والخليقة" فقال ابن الصامت فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري. قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟ فذكرت له هذا الحديث. فقال وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
٢١٥٠ - عن يسير بن عمرو قال: سألت سهل بن حنيف هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 2293
يذكر الخوارج؟ فقال سمعته (وأشار بيده نحو المشرق) "قوم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
٢١٥١ - عن سليمان الشيباني بهذا الإسناد وقال يخرج منه أقوام.
٢١٥٢ - عن سهل بن حنيف ﵁ عن النبي ﷺ قال "يتيه قوم قبل المشرق محلقة رءوسهم".
-[المعنى العام]-
نكتفي بما سيذكر في المباحث العربية وفقه الحديث عن المعنى العام، إن شاء الله.
-[المباحث العربية]-
(المؤلفة قلوبهم) أحد الأصناف الثمانية المستحقين للزكاة، قيل: هم ناس أسلموا إسلاماً ضعيفاً، وقيل: كفار يعطون ترغيباً في الإسلام، وقيل: مسلمون لهم أتباع كفار ليأتلفوهم، وقيل: مسلمون أول ما دخلوا الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم. قال الحافظ ابن حجر: والمراد بالمؤلفة هنا هذا الأخير. لقوله -في روايتنا السادسة: "فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم"، وقد سرد أبو الفضل بن طاهر في كتابه "المبهمات" أسماء المؤلفة في عهده ﷺ ، منهم: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية -وهؤلاء من قريش- وعيينة ابن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، والعباس بن مرداس السلمي، ومالك بن عوف النضري، والعلاء بن حارثة الثقفي. وذكر الواقدي في المؤلفة معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، ومخرمة بن نوفل، وقيس بن عدي. وزاد ابن إسحق: النضر بن الحارث والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم. وذكر ابن الجوزي فيهم زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة. وغير هؤلاء، يزيدون -عند بعضهم على أربعين نفساً.
(قسم رسول الله ﷺ قسماً) قسماً بفتح القاف، اسم للمقسوم وليس مصدراً، أي قسم مالاً على جماعة.
(لغير هؤلاء كان أحق به منهم) هذه الأحقية من وجهة نظر عمر، أو هي في الواقع ونفس الأمر إذا قطعنا النظر عن علة إعطائهم، أما مع ملاحظة العلة فهم أحق.
стр. 2294
(إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني) أي خيروني بين أن يطلبوا العطاء بالإلحاح والغلظة والصوت العالي والتبجح، وبين التشهير بي ونسبتي إلى البخل، ولا ينبغي احتمال واحد من الأمرين.
(ولست بباخل) أي فاخترت مداراتهم بالعطاء.
(وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية) أي غليظ البطانة، أو الشريط الذي يوضع على الأطراف، أي قويها، وفي رواية: "وعليه برد" والرداء ما يوضع على العاتق أو بين الكتفين من الثياب على أي صفة كان، والبرد البردة بسكون الراء كساء أسود فيه خطوط أو صور، والنجراني بفتح النون الأولى نسبة إلى نجران، بلد معروف بين الحجاز واليمن.
(فأدركه أعرابي) وفي رواية: "فجاء أعرابي من خلفه" وفي بعض الروايات أن ذلك وقع من الأعرابي وأن الرسول ﷺ خارج من المسجد داخل حجرته، فكأنه لقيه خارج المسجد فأدركه، وهو يكاد يدخل، فكلمه وأمسك بثوبه يمنعه من الدخول. فقد ذكر البخاري هذا الحديث عقب حديث عن جبير بن مطعم: "أنه بينا هو مع رسول الله ﷺ ، ومعه الناس مقبلاً من حنين علقت الأعراب برسول الله ﷺ يسألونه، حتى اضطروه إلى شجرة بها شوك -وفي رواية: "حتى عدلوا بناقته عن الطريق، فمر بشجر فيه شوك، انتهش ظهره وانتزع رداءه، فقال: اعطوني ردائي فلو كان عدد هذه الفروع والأوراق نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً، ولا كذوباً، ولا جباناً". وكان رسول الله ﷺ قد أجل قسمة غنائم حنين أربعين ليلة حتى عاد من الطائف، فلم يصبر الأعراب.
(فجاذبه حتى انشق البرد، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ قال القاضي: يحتمل أنه على ظاهره، وأن الحاشية انقطعت وبقيت في العنق [أي انفصلت البطانة عن وجه الرداء، فكان الوجه في يد الأعرابي والبطانة في العنق، وربما كان اتصالهما ضعيفاً] ويحتمل أن يكون معناه، بقي أثرها، لقوله في الرواية الأخرى: "أثرت بها حاشية الرداء". وفي الرواية السابقة: "ثم جبذه إليه جبذة رجع نبي الله ﷺ في نحر الأعرابي". وجبذ وجذب بمعنى واحد.
(قسم رسول الله ﷺ أقبية) بفتح الهمزة، جمع قباء بفتح القاف، فارسي معرب، وقيل: عربي. واشتقاقه من القبو، وهو الضم، ويقال: هو الذي له شق من خلفه. قال القرطبي: هو ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلف، يلبس في السفر والحرب، لأنه أعون على الحركة. اهـ وفي رواية: "قدمت على نبي الله ﷺ أقبية". وفي رواية: "أهديت للنبي ﷺ أقبية من ديباج، مزرورة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه".
(ولم يعط مخرمة شيئاً) أي في حال القسمة، ففي رواية: "فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدة لمخرمة". ومخرمة هو ابن نوفل الزهري كان من رؤساء قريش، ومن العارفين بالنسب، تأخر إسلامه إلى الفتح، وشهد حنيناً، وأعطى من غنيمتها مع المؤلفة، ومات سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة.
стр. 2295
(ادخل فادعه لي) في الرواية الرابعة "فقام أبي على الباب فتكلم، فعرف النبي ﷺ صوته، فخرج ومعه قباء". قال ابن التين: لعل خروج النبي ﷺ عند سماع صوت مخرمة صادف دخول المسور إليه، فخرج معه.
(فخرج وعليه قباء منها) يحتمل أنه كان يحمله على كفه، ولم يكن يلبسه.
(وهو يريه محاسنه) في رواية "فتلقاه به، واستقبله بأزراره".
(خبأت هذا لك) زاد في رواية "يا أبا المسور".
(فنظر إليه، فقال: رضي مخرمة) زاد في رواية: "فأعطاه إياه". وجزم الداودي أن قوله: "رضي مخرمة" من كلام النبي ﷺ . ورجح الحافظ ابن حجر أنه من كلام مخرمة. اهـ والمعنى فنظر مخرمة إلى القباء فبدا عليه الرضا، فقال ﷺ : رضي مخرمة.
(عن عامر بن سعد عن أبيه سعد) بن أبي وقاص.
(أعطى رسول الله ﷺ رهطاً) أصل الرهط الجماعة دون العشرة.
(وهو أعجبهم إلي) أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي.
(مالك عن فلان)؟ أي "مالك"؟ مبتدأ وخبر، و"عن فلان" متعلق بمحذوف حال، والتقدير: أي شيء حصل لك حالة كونك معرضاً عن إعطاء فلان.
(والله إني لأراه مؤمناً) "لأراه" بفتح الهمزة أي لأعلمه، قال النووي: ولا يجوز ضمها [فتكون بمعنى لأظنه] فإنه قال: "غلبني ما أعلم منه" ولأنه راجع النبي ﷺ ثلاث مرات، ولو لم يكن جازماً باعتقاده لما كرر المراجعة.
(أو مسلماً) "أو" بسكون الواو، فالإيمان التصديق القلبي، والإسلام العمل بالجوارح.
(خشية أن يكب في النار على وجهه) يقال: أكب الرجل أي سقط، وكبه الله، أي أسقطه، فالرباعي بالهمز لازم، والثلاثي متعد. قال النووي: وهذا بناء غريب، فإن العادة أن يكون الفعل اللازم بغير همزة فيتعدى بالهمزة، وهنا عكسه، والضمير في "يكبه" للمعطي، لا الذي منع العطاء.
(أقتالاً أي سعد) "أي" حرف نداء. أي لا ينبغي أن تفعل ذلك يا سعد كأنك تقاتل.
قال النووي: معنى الحديث أن سعداً رأى رسول الله ﷺ يعطي ناساً ويترك من هو أفضل منهم في الدين، وظن أن العطاء يكون بحسب الفضائل في الدين، وظن أن النبي ﷺ لم يعلم حال هذا الإنسان المتروك، فأعلمه به، وحلف أنه يعلمه مؤمناً، فقال له النبي ﷺ : "أو مسلماً". فلم يفهم سعد من الجواب النهي عن الشفاعة فيه مرة أخرى فسكت ثم رآه يعطي من هو دونه بكثير، فغلبه ما يعلم
стр. 2296
من حسن حال ذلك الإنسان، فقال: يا رسول الله-، مالك عن فلان؟ تذكيراً، ويجوز أن يكون النبي ﷺ هم بعطائه من المرة الأولى، ثم نسيه. فأراد تذكيره، وهكذا المرة الثالثة، إلى أن أعلمه النبي ﷺ أن العطاء ليس هو على حسب الفضائل في الدين، وأنه يعطي ناساً مؤلفة، في إيمانهم ضعف، لو لم يعطهم كفروا، فيكبهم الله في النار، ويترك أقواماً هم أحب إليه من الذين أعطاهم، لا يتركهم، احتقاراً لهم، ولا لنقص دينهم، ولا إهمالاً لجانبهم، بل يكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من النور والإيمان التام، واثقاً من أنه لا يتزلزل إيمانهم لكماله.
قال: وقد ثبت هذا المعنى في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب: "أن رسول الله ﷺ أتي بمال أو سبي، فقسمه فأعطى رجالاً، وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله تعالى، ثم أثنى عليه، ثم قال: أما بعد. فوالله إني لأعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير".
(أن أناساً من الأنصار قالوا يوم حنين) سيأتي وصف هؤلاء الناس، و"حنين" واد قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات، و"يوم حنين" أي غزوة حنين، وقد خرج النبي ﷺ إليها لست خلت من شوال سنة ثمان من الهجرة، مكث بمكة بعد فتحها نصف شهر لم يزد، ثم بلغه تجمع قبائل هوازن يؤيدهم ثقيف لحرب المسلمين، خرج رسول الله ﷺ بجيش لم يسبق للمسلمين، اثنى عشر ألفاً من الرجال بخيل وإبل وسلاح، يبعث على الغرور، حتى قال رجل منهم: لن نغلب اليوم عن قلة، فكانت هزيمة المسلمين وفرارهم، ثم كانت العودة والكرة على المشركين فهزموا، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، السبى ستة آلاف نفس من النساء والأطفال، والإبل أربعة وعشرون ألفاً، والغنم أربعون ألفاً. لكن رسول الله ﷺ أخر تقسيم الغنائم، وحبسها بالجعرانة -وهي على بعد ثمانية عشر ميلاً من مكة إلى جهة الطائف- حبسها أربعين يوماً حتى عاد من حصار الطائف، رجاء أن تسلم هوازن فيرد إليها السبى.
والحديث في توزيع غنائم حنين.
(حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء) أصل الفيء الرد والرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئاً، لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيئاً لأنها كانت في الأصل للمؤمنين إذ الإيمان هو الأصل، والكفر طارئ عليه، فإذا غلب الكفار على شيء من المال فهو بطريق التعدي، فإذا غنمه المسلمون منهم فكأنه رجع إليهم ما كان لهم. قاله الحافظ ابن حجر.
(فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل) أي ولم يعط الأنصار شيئاً، كما جاء في الرواية التاسعة، ووضحت الرواية الحادية عشرة بعض هؤلاء الرجال، ولفظها: "أعطي أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل".
стр. 2297
(فقالوا) أي الأنصار، وأسند القول إليهم مع أن القائل بعضهم لرضاهم بالقول.
(يعطي قريشاً ويتركنا؟ وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ) وفي الرواية الثامنة "إن هذا لهو العجب"، "وإن غنائمنا ترد عليهم"؟ وفي الرواية التاسعة "فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعي؟ وتعطي الغنائم غيرنا"؟ وفي الرواية الثانية عشرة "فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس"، وفي الرواية الثالثة عشرة "فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها. وما أريد فيها وجه الله". وكل هذا القول حصل من المجموع على التوزيع، والقصد من قولهم: "وسيوفنا تقطر من دمائهم" أنهم قريبو عهد بالإسلام، لم يخدموا ولم يجاهدوا في سبيله، ونحن الذين رددناهم إلى الإسلام، فنحن أحق بغنائمه. والاعتراض بقريش لما أنهم أهله ﷺ ، ففي إيثارهم الشبهة، وإلا فقد ذكرنا أن البعض لم يكن قرشياً.
(فحدث ذلك رسول الله ﷺ من قولهم) "رسول الله" نائب فاعل، والإشارة مفعول "حدث" بضم الحاء وكسر الدال المشددة، مبني للمجهول و"من" بيانية، بمعنى "أي" والتقدير حدث رسول الله ﷺ قولهم. وفي الرواية الثامنة "فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ".
(فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم) أي في قبة من جلد مدبوغ، والمعنى أرسل إليهم وأمر باجتماعهم في هذا المكان، وذكر ابن إسحق عن أبي سعيد قال: "لما أعطي رسول الله ﷺ ما أعطي من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في نفوسهم، حتى كثرت منهم المقالة، فدخل عليه سعد بن عبادة فذكر له ذلك، فقال له: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك".
(فقال: ما حديث بلغني عنكم)؟ في الرواية السابعة فقال: "أفيكم من أحد غيركم؟ فقالوا: لا. إلا ابن أخت لنا. قال: إن ابن أخت القوم منهم". وفي الرواية الثانية عشرة "فقام فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر الأنصار. ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ -"ضلالاً" بضم الضاد والتشديد، جمع ضال، والمراد هنا ضلالة الشرك، والمراد بالهداية الإيمان- "وعالة فأغناكم الله بي"؟ أي فقراء فأغناكم الله بالإسلام والغنائم؟ "ومتفرقين فجمعكم الله بي" وكانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع، لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها فزال ذلك كله بالإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ [الأنفال: ٦٣]. قال الحافظ ابن حجر: وقد رتب ﷺ ما من الله عليهم على يديه من النعم ترتيباً بالغاً فبدأ بنعمة الإيمان، التي لا يوازي بها شيء من أمر الدنيا، وثنى بنعمة الألفة، وهي أعظم من نعمة المال، لأن الأموال تبذل في تحصيلها، وقد لا تحصل. اهـ.
"فقال: ألا تجيبوني؟ فقالوا: الله ورسوله أمن" بفتح الهمزة والميم، وتشديد النون. أفعل تفضيل من المن، وفي رواية "فقالوا: ماذا نجيبك يا رسول الله؟ ولله ولرسوله المن والفضل". "فقال: أما
стр. 2298
إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا -لأشياء عددها، ذكر الراوي أنه لا يحفظها" قيل: إن الراوي كنى بكذا وكذا عمداً على طريق الأدب، وهي كناية عما روى "فقال: أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فأويناك، وعائلاً فواسيناك" فقالوا في جواب ذلك: رضينا عن الله ورسوله بل المن علينا لله ولرسوله.
قال الحافظ ابن حجر: إنما قال ذلك تواضعاً منه وإنصافاً، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم، فإنه لولا هجرته إليهم، وسكناه عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نبه على ذلك بقوله "ألا ترضون .... إلخ، فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه، بالنسبة لما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية. اهـ.
والجمع بين هذه الروايات ظاهر، وترتيب ما قاله ﷺ فيها سهل.
(فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا -يا رسول الله- فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشاً ويتركنا؟ وسيوفنا تقطر من دمائهم)؟ في الرواية الثامنة "قالوا هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون" وفي الرواية التاسعة "فسكتوا" ويحتمل أن يكونوا سكتوا أولاً، ثم أجابوا بالجوابين المذكورين ويحتمل أن بعضهم سكت، وبعضهم أجاب، وأن بعضهم أجاب بالجواب الثاني، وبعضهم أجاب بالجواب الأول.
(فقال رسول الله ﷺ فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم) في الرواية السابعة: "إن قريشاً حديث عهد بجاهلية ومصيبة" [يقصد ما أصيبوا به في حروبهم وخذلانهم وقهرهم والغلبة عليهم] "وإني أردت أن أجبرهم" [وأعوضهم وأطيب خاطرهم عن مصيبتهم] "وأتألفهم" [ليثبتوا على الإيمان الطارئ الحديث، الذي دخله كثير منهم من غير اطمئنان ويقين].
(أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله)؟ الاستفهام للتقرير، أي حملهم على الإقرار بما بعد النفي، أي أقروا بأنكم ترضون، والمراد من الناس قريش وغيرهم من غير الأنصار، والمراد من الأموال الغنائم التي قسمت، والرحال البيوت التي يرحل إليها، وفي رواية "أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم"؟ وفي الرواية التاسعة "أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم"؟ وفي الرواية الثانية عشرة "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم"؟ ولا شك أن بعض هذه الروايات بالمعنى من تصرف الرواة.
(فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به) يقال: انقلب على عقبه إذا رجع، و"ما" في "لما" موصولة، أي للذي ترجعون به خير من الذي يرجعون به.
(فقالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا) هذه الجملة جاءت في الرواية السادسة والتاسعة والروايات يكمل بعضها بعضاً؛ فبعض الرواة يذكر ما لا يذكره الآخر.
стр. 2299
(الأنصار شعار، والناس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار) هذه العبارة وردت في الرواية الثانية عشرة، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار ما يلبس فوقه؛ وهي استعارة لطيفة لفرط قربهم منه ﷺ ، أراد الأنصار هم البطانة والأصفياء، وألصق الناس بي، وأقرب إلى من غيرهم. وفي المراد من قوله: "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار". أقوال كثيرة، قال الخطابي: أراد بهذا الكلام تألف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحداً منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها، ونسبة الإنسان تقع على وجوه. منها الولادة، والبلادية، والاعتقادية، والصناعية، ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه، لأنه ممتنع قطعاً، وأما الاعتقادي فلا معنى للانتقال فيه، فلم يبق إلا القسمان الأخيران، وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمراً واجباً، أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. قال: ويحتمل أنه لما كانوا أخواله، لكون أم عبد المطلب منهم أراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة لولا مانع الهجرة.
وقال ابن الجوزي: لم يرد ﷺ تغير نسبه، ولا محو هجرته، وإنما أراد أنه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة وإلى نصرة الدين. فالتقدير لولا أن النسبة إلى الهجرة نسبة دينية لا يسع تركها لانتسبت إلى داركم.
وقال القرطبي: معناه لتسميت باسمكم، وانتسبت إليكم كما كانوا ينسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة سبقت، فمنعت من ذلك، وهي أعلى وأشرف، فلا تتبدل بغيرها.
وقيل: لولا التزامي بشروط الهجرة، ومنها ترك الإقامة بمكة فوق ثلاث لاخترت أن أكون من الأنصار. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح.
والذي تستريح إليه النفس أن يقال: إن "لولا" حرف امتناع لوجود، أي امتناع الجواب لوجود الشرط، فيقال هنا: امتنع كوني من الأنصار لثبوت كوني مكياً مهاجراً، ولولا هذا الواقع الذي لا يرتفع لتمنيت أن أكون من الأنصار، وإنما قدرنا التمني والحب والرغبة لأن كونه فعلاً من الأنصار ليس في مقدرته ولا يملكه، إنما يملك التمني والرغبة، ومن هذا القبيل المقولة المشهورة: "لو لم أكن مصرياً لتمنيت أن أكون مصرياً".، فكأنه ﷺ يطيب خاطرهم بأنهم خير العباد في خير البلاد، ولو فرض أن هناك اختياراً له في الزمن البعيد بين أن يكون مكياً أو أنصارياً لاختار أن يكون أنصارياً لولا ما يحصل عليه من فضل الهجرة وشرفها.
(لو سلك الناس وادياً، وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار) هذا تتميم للكلام السابق، أي إذا كنت في الماضي لم أنتسب إليكم فإني منذ الآن منكم وأعيش بينكم وأفضل البقاء معكم على البقاء مع سواكم. وفي الرواية الثامنة "لو سلك الناس وادياً أو شعباً، وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار". وفي الرواية الثانية عشرة "لو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم". فاختلاف الألفاظ من تصرف الرواة، والشعب بكسر الشين اسم لما انفرج بين جبلين، والوادي المكان المنخفض، وقيل: الذي فيه ماء.
стр. 2300
(فإنكم ستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض. قالوا: سنصبر) في الرواية الثانية عشرة "فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" الأثرة الاستئثار بالأمر المشترك، أي يستأثر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق، فالمعنى لا تحسبوا إعطائي قريشاً دونكم أثرة، وتفضيلاً لغيركم عليكم فوجودي معكم يعدلها ويزيد، إنما الأثرة الحقيقية، والاستئثار بالأمور دونكم ستلقونها بعد وفاتي، وأوصيكم بالصبر وعدم المقاتلة، حتى تلقوني، وستجدون عوض ما فقدتم. والأثرة فيها لغتان. ضم الهمزة وإسكان الثاء، وفتح الهمزة والثاء، وهي أصح وأشهر.
(قال أنس: فلم نصبر) فقد نافسوا على السلطة وحاولوا، وحاربوا.
(لما كان يوم حنين) "كان" تامة، و"يوم" فاعل. أي يوم غزوة حنين. وقد مر قريباً مكانها وزمانها، وما وقع فيها.
(أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم) في الرواية العاشرة "جاء المشركون بأحسن صفوف، رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة [المشاة] ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم". وإنما فعلوا ذلك ليستميتوا في القتال.
(ومع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف) وهم الذين فتح بهم مكة.
(ومعه الطلقاء) جمع طليق، وهم من حصل لهم المن عليهم يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم، فكانوا ألفين، فكان جيش المسلمين يوم حنين اثنى عشر ألفاً. فقول الراوي في الرواية العاشرة: "ونحن بشر كثير، قد بلغنا ستة آلاف". وهم من الراوي عن أنس، كما قال القاضي عياض.
(فأدبروا عنه حتى بقي وحده) ضمير "فأدبروا" للعشرة آلاف والطلقاء. وقوله: "حتى بقي وحده". قصد به المبالغة، فإن المائة بجوار الاثنى عشر ألفاً في حكم العدم، وقيل: المراد بقي وحده متقدماً مقبلاً على العدو، والذين ثبتوا معه كانوا وراءه، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال، فقد روى الترمذي بإسناد حسن عن ابن عمر قال: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين، وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل". قال الحافظ ابن حجر: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين، وروى أحمد عن ابن مسعود قال: "كنت مع النبي ﷺ يوم حنين، فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر" وذكر النووي في "شرح مسلم" أنه ثبت معه اثنا عشر رجلاً.
(فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما شيئاً) أي لم يفصل بينهما بشيء فسرهما فيما بعد بقوله: "التفت عن يمينه، فقال: يا معشر الأنصار .. ثم التفت عن يساره، فقال: يا معشر الأنصار". وفي الرواية العاشرة "فنادى رسول الله ﷺ : يا للمهاجرين. يا للمهاجرين. ثم قال: يا للأنصار. يا للأنصار". فمراد أنس بالنداءين في الرواية التاسعة النداءان الخاصان بالأنصار. وهذا لا يمنع أن يكون قد نادى غيرهما، أو أمر غيره أن ينادي، ففي الصحيح من حديث العباس "أن النبي
стр. 2301
صلى الله عليه وسلم حينئذ صار يركض بغلته إلى جهة الكفار، وقال: أي عباس. ناد أصحاب الشجرة، وكان العباس صيتاً. قال: فناديت بأعلى صوتي: أين أصحاب الشجرة؟ قال: فوالله لكأني عظمتهم حين سمعوا صوتي عظمة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك". وفي رواية "فجعل الرجل يعطف بعيره فلا يقدر، فيقذف درعه، ثم يأخذ بسيفه ودرقته، ثم يؤم الصوت".
(وهو على بغلة بيضاء فنزل) عن البغلة، واستنصر، فقال: اللهم أنزل نصرك.
(فانهزم المشركون) معطوف على محذوف، أي فعاد المسلمون، فقاتلوا قتالاً شديداً.
(فقسم في المهاجرين والطلقاء) المفعول محذوف، أي فقسم الغنائم.
(فبلغه ذلك) قيل: الذي بلغه سعد بن عبادة، كما في بعض الروايات.
(وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد) "مجنبة" بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون، هي الكتيبة من الخيل تأخذ جانب الطريق، وهما مجنبتان ميمنة وميسرة بجانبي الطريق، والقلب بينهما.
(فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها "تلوذ". اهـ أي تتجه إلى الخلف فراراً من النبل.
(يال المهاجرين ... يال الأنصار) قال النووي: هكذا في جميع النسخ في المواضع الأربعة "يال" بلام مفصولة مفتوحة، والمعروف وصلها بلام التعريف بعدها.
(هذا حديث عمية) قال النووي: هذه اللفظة ضبطوها في صحيح مسلم على أوجه. أحدها: "عمية" بكسر العين وتشديد الميم المكسورة والياء المشددة. قال القاضي: كذا روينا هذا الحرف عن عامة شيوخنا، قال: وفسر بالشديد [أي هذا حديث شديد]. والثاني: "عمية" كالسابق إلا أنه بضم العين. والثالث: "عمية" بفتح العين وكسر الميم المشددة وتخفيف الياء، وبعدها هاء السكت، أي حدثني به عمي، وقال القاضي: على هذا الوجه معناه عند جماعتي، أي هذا حديثهم. قال صاحب "العين": العم الجماعة. والوجه الرابع كذلك إلا أنه بتشديد الياء، وفسره الحميدي بعمومتي أي هذا حديث فضل أعمامي، أو هذا الحديث الذي حدثني به أعمامي، كأنه حدث بأول الحديث عن مشاهدة، ثم لعله لم يضبط هذا الموضع، لتفرق الناس، فحدثه به من شهده من أعمامه، أو جماعته الذين شهدوه، ولهذا قال بعده. قال: قلنا: لبيك يا رسول الله. والله أعلم.
(فقبضنا ذلك المال) أي جمعنا هذه الغنائم، فحبست في الجعرانة، حتى حاصروا الطائف.
(ثم رجعنا إلى مكة) الرجوع كان إلى الجعرانة القريبة من مكة، إذ بينها وبين مكة ثمانية عشر ميلاً. وهي بكسر الجيم وكسر العين وتشديد الراء، وقد تسكن العين. وفيها قسمت غنائم هوازن.
стр. 2302
(أتجعل نهبي ونهب العبيد) "العبيد اسم فرسه، أي أتجعل غنيمتي وغنيمة فرسي .... ".
(فما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع) يقصد من "بدر" عيينة بن حصن، نسبة إلى "بدر" جد أبيه، كما جاء في الرواية السادسة عشرة، ويقصد من "حابس" الأقرع بن حابس الحنظلي. قال النووي: هكذا هو في جميع الروايات "مرداس" غير مصروف، وهو حجة لمن جوز ترك الصرف بعلة واحدة، وأجاب الجمهور بأنه في ضرورة الشعر.
(عن عبد الله) أي ابن مسعود.
(فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى كان كالصرف) بكسر الصاد، وهو صبغ أحمر يصبغ به الجلود. قال ابن دريد: وقد سمي الدم أيضاً صرفاً. وفي الرواية الرابعة عشرة "فغضب من ذلك غضباً شديداً، واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له".
(فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله) ذكر لفظ الجلالة هنا للإشارة إلى أن رسول الله ﷺ مبلغ عن الله، والأصل إذا لم يعدل رسول الله والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، والمعنى لا أحد يعدل إذا لم يعدل رسول الله ﷺ .
(يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) قال ذلك عملاً بقوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] فالمراد سأصبر على الأذى، كما صبر أولوا العزم من الرسل.
(قال: قلت: لا جرم. لا أرفع إليه بعدها حديثاً) أي حقاً والتزاماً أن لا أرفع إليه حديثاً أسمعه بعد هذه الحادثة، لئلا أغضبه، كما أغضبته، وفي الرواية التالية "حتى تمنيت أني لم أذكره له".
(فقال: يا محمد. اعدل) وفي رواية "اتق الله يا محمد". وفي رواية "يا محمد. والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل". وفي رواية "ما أراك عدلت في القسمة".
(ويلك) أي هلاكاً لك بسبب قولتك، وفي رواية "ويحك".
(لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل) قال النووي: روي بفتح التاء في "خبت وخسرت" وبضمها فيهما، ومعنى الضم ظاهر، وتقدير الفتح: خبت أنت أيها التابع إذا كنت لا أعدل، لكونك تابعاً ومقتدياً بمن لا يعدل.
(إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) الحناجر جمع حنجرة، وهي الحلقوم والبلعوم، وكله يطلق على مجرى النفس، وهو طرف المرئ مما يلي الفم، وفي الرواية السابعة عشرة "قوم يتلون كتاب الله رطباً؛ لا يجاوز حناجرهم". وفي الرواية الثامنة عشرة "فيقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم". وفي الرواية التاسعة عشرة
стр. 2303
"يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم". والتراقي جمع ترقوة بفتح التاء وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو، وهي العظم الذي بين فقرة النحر والعاتق.
والمعنى: أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها. وقيل: لا يعلمون بالقرآن فلا يثابون على قراءته، فلا يحصل لهم إلا سرده، ويؤيد هذا المعنى لفظ الرواية السابعة والعشرين: "يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم".
وقال النووي: المراد أنهم ليس لهم حظ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم، فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب.
قال الحافظ ابن حجر: وهو مثل قوله فيهم أيضاً: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم" أي ينطقون بالشهادتين ولا يعرفونها بقلوبهم.
وفي معنى قراءتهم للقرآن رطباً -أو ليناً رطباً الواردة في الرواية السابعة عشرة- أنهم من الحذق في التلاوة إلى درجة الإتيان به على أحسن أحواله. وقيل: المراد أنهم يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به. وقيل: هو كناية عن حسن الصوت به. حكاها القرطبي. قال الحافظ ابن حجر: ويرجح الأول رواية "يقرءون القرآن كأحسن ما يقرؤه الناس" ويؤيد الثاني رواية "قوم أشداء أحداء ذلقة ألسنتهم بالقرآن".
قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "لينا" بالنون، أي سهلاً، وفي كثير من النسخ "ليا" بحذف النون، ومعناه سهلاً، لكثرة حفظهم، وقيل: "ليا" أي يلوون ألسنتهم به، أي يحرفون معانيه وتأويله، وقد يكون من اللي في الشهادة وهو الميل. اهـ.
(يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية) وفي الرواية السادسة عشرة "يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية". وفي الرواية السابعة عشرة "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وفي الرواية الثامنة عشرة "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية". و"الرمية" هي الصيد المرمي، فعيلة بمعنى مفعوله، وهي "الغرض" الوارد في الرواية المتممة للعشرين، والدين هنا هو الإسلام، وقيل: المراد به طاعة الإمام، والمعنى كما قال القاضي يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ في الصيد إلى الجهة الأخرى. اهـ.
وفي الرواية التاسعة والعشرين "يخرجون من الدين، كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه".
ووجه الشبه سرعة الدخول والخروج، دون الاستقرار، ودون أن يعلق بالسهم شيء من الصيد، يصور هذا المعنى قوله في الرواية الثامنة عشرة:
(فينظر الرامي إلى سهمه. إلى فصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة. هل علق بها من الدم شيء؟ ) وفي الرواية التاسعة عشرة "ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه
стр. 2304
شيء، ثم ينظر إلى رصافه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلا قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم"، وفي الرواية العشرين "فينظر إلى النصل فلا يرى بصيرة [البصيرة القليل من الدم، يستدل به على إصابة الرمية] وينظر في النضي فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق، فلا يرى بصيرة".
ونصل السهم حديدته المدببة في طرفه.
ورصاف السهم بكسر الراء مدخل النصل أو عقبة تشد على مدخل النصل.
ونضي السهم بفتح النون وكسر الضاد وتشديد الياء، وهو القدح.
وقدح السهم عود من خشب يسوى فيدخل فيه الريش من جهة، والنصل من جهة أخرى.
وقذذ السهم بضم القاف وتشديد الذال، وهي ريش السهم.
وفوق السهم بضم الفاء موضع الوتر منه، يقال: فاق السهم إذا وضع فوقه في الوتر.
والمعنى أنه ينظر إلى سهمه جملة، ثم تفصيلاً، لينظر: هل أصاب سهمه الرمية أو لم يصبها؟ فلا يرى أثراً للإصابة، فكأنه لم يصب، وإن أصاب، كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام. وفي رواية الطبري "لا يتعلقون من الدين في شيء كما لا يتعلق بذلك السهم" وإلى ذلك أشار بقوله في الرواية التاسعة عشرة.
(سبق الفرث والدم) أي سبق السهم الدم وما في الكرش لسرعته، فجاوزهما ولم يتعلق فيه شيء منهما، بل خرجا بعده.
(بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ أي مختلطة بترابها، لم تميز بعد، وفي الرواية السابعة عشرة "بذهبة في أديم مقروظ" [أي جلد مدبوغ بالقرظ] "لم تحصل من ترابها" أي لم تخلص من ترابها.
قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "بذهبة". وفي رواية ابن ماهان "بذهيبة" على التصغير.
(وزيد الخير الطائي) قال النووي: كذا هو في جميع النسخ "الخير" بالراء، وفي الرواية التي بعدها "زيد الخيل" باللام، وكلاهما صحيح، كان يقال له في الجاهلية "زيد الخيل" فسماه رسول الله ﷺ "زيد الخير". اهـ.
(أتعطي صناديد نجد وتدعنا؟ ) أي سادات نجد، واحدها صنديد، بكسر الصاد.
(فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس) في الرواية السابعة عشرة "فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث
стр. 2305
اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار". وفي ملحق الرواية "ناتئ الجبهة"، وفي الرواية التاسعة عشرة "أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم".
أما "كث اللحية" بفتح الكاف وتشديد الثاء فهو كثيرها وكثيفها، "ومشرف الوجنتين" أي مرتفع الخدين بارزهما، و"غائر العينين" غير مستوي العينين ولا بارزهما، بل هما داخلتان بشكل ظاهر، و"ناتئ الجبهة" و"ناتئ الجبين" و"ناشز الجبهة" فهي قريبة، لأن الجبين جانب الجبهة. ولكل إنسان جبينان، يكتنفان الجبهة، والنتوء والنشوز هو البروز.
أما "ذو الخويصرة" ففي رواية البخاري "بينما رسول الله ﷺ يقسم جاءه عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي". قال الحافظ ابن حجر: قيل: هو حرقوص بن زهير، أصل الخوارج. وقد اعتمد على ذلك ابن الأثير في الصحابة، وقد جاء أن حرقوصاً اسم "ذي الثدية" الآتي ذكره، وليس كذلك. وقد ذكر الطبري حرقوص بن زهير في الصحابة؛ وذكر أنه كان له في فتوح العراق أثر، وأنه الذي فتح سوق الأهواز، ثم كان مع علي في حروبه، ثم صار مع الخوارج، فقتل معهم.
وقال الحافظ ابن حجر في موضع آخر: القصة التي في حديث جابر [روايتنا الخامسة عشرة] صرح في حديثه بأنها كانت منصرف النبي ﷺ من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الذي قسمه النبي ﷺ حينئذ فضة، كانت في ثوب بلال، وكان يعطي منها كل من جاء، والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح فيها بأنها كانت بعد بعث علي إلى اليمن، وكان ذلك في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهباً، وخص به أربعة أنفس. فهما قصتان في وقتين، اتفق في كل منهما إنكار القائل. وصرح في حديث أبي سعيد [روايتنا التاسعة عشرة] أنه ذو الخويصرة التميمي، ولم يسم القائل في حديث جابر، ووهم من سماه ذو الخويصرة ظاناً اتحاد القصتين، لكن أخرج أحمد والطبري: "أتى ذو الخويصرة التميمي رسول الله ﷺ وهو يقسم الغنائم بحنين، فقال: يا محمد .... " فذكر الحديث، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين، عند قسمة غنائم حنين، وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي. اهـ.
(فمن يطع الله إن عصيته؟ ) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، وقد سبق في الرواية الخامسة عشرة "ومن يعدل إذا لم أكن أعدل"؟ وفي رواية "العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون"؟ وفي رواية "عند من يلتمس العدل بعدي"؟ وفي رواية "والله لا ترون بعدي رجلاً هو أعدل عليكم مني".
(أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ ) في الرواية الرابعة عشرة "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء"؟ .
(ثم أدبر الرجل) في الرواية السابعة عشرة "ثم ولى الرجل".
(فاستأذن رجل من القوم في قتله، يرون أنه خالد بن الوليد) "يرون" بضم الياء،
стр. 2306
والمفعول محذوف، والتقدير: يرونه، أي يظنونه خالد بن الوليد، وفي الرواية السابعة عشرة جزم بأنه خالد بن الوليد، وفي الرواية التاسعة عشرة أن قائل ذلك عمر بن الخطاب.
قال الحافظ ابن حجر في وجه الجمع بينهما: أن كلاً منها سأل، واستدل برواية مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله. ألا أضرب عنقه؟ قال: لا. ثم أدبر، فقام خالد بن الوليد سيف الله، فقال: يا رسول الله. أضرب عنقه؟ قال: لا". قال الحافظ: فهذا نص في أن كلاً منهما سأل، وهذا في حديث أبي سعيد وقسمة الذهب، أما حديث جابر [روايتنا الخامسة عشرة] فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين، والسائل في قتله عمر بن الخطاب، جزماً ثم قال: وقد استشكل سؤال خالد بن الوليد في ذلك، لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها، والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن، ويجاب بأن علياً لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة، فأرسل على الذهب، فحضر خالد قسمته. اهـ.
(ثم نظر إليه وهو مقف) أي مدبر. قد أعطانا قفاه.
(فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم) في الرواية السادسة عشرة "إن من ضئضئ هذا قوماً" وضئضئ الشيء -بكسر الضادين- أصله، قال النووي: وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وحكى القاضي عن بعضهم أنه ضبطه بالضادين والصادين جميعاً، وهذا صحيح في اللغة، قالوا: ولأصل الشيء أسماء كثيرة منها: الضئضئ بالضادين والصادين، والنجار بكسر النون، النحاس والسنخ بكسر السين وسكون النون، والعنصر، والغنض، والأرومة. اهـ.
فالمعنى أن من ذرية هذا قوم، لكن في الرواية الخامسة عشرة" إن هذا وأصحابه ... " ولا تعارض، فهو وأصحابه بصفة سيئة، يخرج من أصلابهم ذرية بالصفة السيئة نفسها أيضاً. وفي الرواية السادسة عشرة "يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان" أي يقاتلون المسلمين الحقيقيين ويقتلون منهم، ولا يقاتلون المشركين.
(لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد: ) في الرواية السابعة عشرة "قتل ثمود". والمراد قتل استئصال، لا أبقي منهم أحداً. لا يقال: إذا كان هذا الرجل منهم فقد أدركهم ﷺ ، فما معنى "لئن أدركتهم لأقتلنهم"؟ فإن المراد لئن أدركتهم مقاتلين أهل الإسلام لقاتلتهم وقتلتهم، أو المعنى لئن أدركت ذريته لأقتلنهم.
(سألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية؟ ولكن سمعت ..... ) إلخ. الحرورية جماعة من الخوارج، تأتي قصتهم في فقه الحديث، نزلوا مكاناً يقال له: حروراء، بفتح الحاء وضم الراء الأولى، فنسبوا إليه، وهو قرية بالعراق، قريبة من الكوفة.
قال الحافظ ابن حجر: قوله "لا أدري من الحرورية" يغاير قوله في حديث الباب [روايتنا
стр. 2307
التاسعة عشرة] "وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه" فإن مقتضى الأول أنه لا يدري هل ورد الحديث الذي ساقه في الحرورية؟ أو لا ويقتضي الثاني أنه ورد فيهم، ويمكن الجمع بأن مراده بالنفي هنا أنه لم يحفظ فيهم نصاً بلفظ الحرورية، وإنما سمع قصتهم التي دل وجود علامتهم في الحرورية بأنهم هم. اهـ.
(يخرج في هذه الأمة -ولم يقل منها- قوم) لفظة "من" تقتضي كونهم من الأمة، وليسوا كفاراً، بخلاف لفظة "في" فيؤكد أبو سعيد أنه سمع لفظ "في" ولم يسمع لفظ "من" ليحكم عليهم بالكفر.
لكن جاء من رواية علي [روايتنا السابعة والعشرين] "يخرج قوم من أمتي ... " قال النووي: والخلاف في تكفيرهم واقع، والصحيح عدم تكفيرهم. اهـ.
وجمع الحافظ ابن حجر بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة، وفي رواية غيره أمة الدعوة. اهـ.
والتحقيق أنه لا يستدل بلفظة "في" على تكفيرهم، ولا بلفظة "من" على عدم تكفيرهم فهم من الأمة قبل خروجهم بلا نزاع عملاً بالحكم الظاهر. وأما الخلاف فبعد خروجهم، وبعد أن اعتقدوا ما اعتقدوا.
(قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم) "تحقرون" بفتح التاء، أي تستقلون صلاتكم إذا قارنتموها بصلاتهم، وفي الرواية التاسعة عشرة "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم" وفي الرواية السابعة والعشرين "ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء" وفي بعض الروايات "تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" وفي بعضها "يصومون النهار ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة" وفي بعضها "يتعبدون يدأبون ويعملون حتى يعجبوا الناس، وتعجبهم أنفسهم" وفي بعضها "يتعمقون في الدين" وفي حديث ابن عباس "فأتيتهم، فدخلت على قوم لم أر أشد منهم اجتهاداً، أيديهم كأنها ثفن الإبل - يابسة من العمل وثفن الإبل ركبها وما يلاقي منها الأرض عند ركوبها، فتغلظ وتخشن- وجوههم معلمة من أثر السجود" وفي الرواية الخامسة والعشرين "يقولون من خير قول البرية" وفي معناه قيل: إنه مقلوب، والمراد من قول خير البرية، وهو القرآن، وقيل: هو على ظاهره، والمراد القول الحسن في الظاهر دون الباطن، ففي رواية الطبراني "يحسنون القول ويسيئون الفعل".
فهذه الصفات في مجموعها تفيد أنهم كانوا يجتهدون في العبادة، ويكثرون من القراءة والتلاوة، ويظهرون بمظاهر الزهد والخشوع ويبالغون في ذلك لدرجة التنطع والتزمت والاستبداد في الرأي، وتأويل النصوص على غير المراد منها.
(آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تتدردر) في الرواية السادسة والعشرين "فيهم رجل مخدج اليد، أو مودن اليد، أو مثدون اليد" وفي الرواية السابعة
стр. 2308
والعشرين "وآية ذلك أن منهم رجلاً له عضد، وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض" وفي الرواية الثامنة والعشرين "منهم أسود، إحدى يديه طبي شاة، أو حلمة ثدي".
عضد الإنسان: ما بين المرفق إلى الكتف، وذراع الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى.
وحلمة الثدي: ما برز من رأس الثدي، ومنها يخرج اللبن.
وطبي الشاة بضم الطاء وسكون الباء حلمة ثديها.
ومجدع اليد: كما جاء في بعض الروايات -مقطوعها، ومخدج اليد ناقصها نقصاً خلقياً، يقال: خدج خداجاً نقص.
ومودن اليد: قصيرها وناقصها، يقال: ولد مودن أي ناقص الخلقة.
ومثدون اليد: ناقصها خلقياً.
الهلبات: الشعرات الغلاظ الصلبة كشعر الذنب.
البضعة تدردر: البضعة بضم الباء قطعة اللحم، و"تدردر" أصلها تتدردر، أي تتحرك، وتضطرب، وتهتز، وتذهب وتجيء.
فالحديث يصف إحدى يدي الرجل الأسود بأن لها عضد، وليس لها ذراع، فهي تنتهي بالمرفقين، فهي يد ناقصة، قصيرة، وعضد هذه اليد منتفخة مثل ثدي المرأة، أو مثل قطعة اللحم التي تتحرك وتهتز وتذهب وتجيء بحركة صاحبها، كما يهتز ويتحرك ثدي المرأة بحركتها، ويعلو هذه العضد قطعة بارزة مثل حلمة الثدي، حول هذا البروز أو فيه شعرات بيض، أو سبع شعرات بيض غلاظ صلبة خشنة كشعر ذنب الخيل.
هذه الأوصاف علامة للرجل، ووجود هذا الرجل في فئة محاربة علامة على أنها الفئة الضالة المارقة عن الدين.
(يخرجون على حين فرقة من الناس) قال النووي: ضبطوه في الصحيح بوجهين، أحدهما "على حين" بحاء مكسورة ونون، "وفرقة" بضم الفاء أي في وقت افتراق الناس، أي افتراق يقع بين المسلمين، وهو الافتراق الذي كان بين علي ومعاوية، ﵄، والثاني "يخرجون على خير فرقة" بالخاء والراء، و"فرقة بكسر الفاء" أي أفضل الفرقتين والأول أشهر وأكثر، ويؤيده الرواية التي بعد هذه "يخرجون في فرقة من الناس" فإنه بضم الفاء بلا خلاف، ومعناه ظاهر. وقال القاضي: على رواية الخاء المراد خير القرون، وهم الصدر الأول، قال: أو يكون المراد علياً وأصحابه، فعليه يكون خروجهم حقيقة، لأنه كان الإمام حينئذ. اهـ.
وفي الرواية الحادية والعشرين "تمرق مارقة عند فرقة المسلمين" وفي الرواية الثانية والعشرين
стр. 2309
"تكون في أمتي فرقتان، فتخرج من بينهما مارقة" وفي الرواية الرابعة والعشرين "يخرجون على فرقة مختلفة" فهذه الروايات تفيد أن هذه الطائفة ستقاتل المسلمين في وقت يكونون فيه مختلفين متفرقين، لكن استشكل على الرواية الخامسة والعشرين قولها:
(سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام) حيث أن خروج الحرورية وقتلهم على يد علي ﵁ كان بعد وفاة النبي ﷺ بثمان وعشرين سنة، فالتعبير عن هذا التاريخ بأنه آخر الزمان مشكل. وأجاب ابن التين بأن المراد آخر زمان الصحابة. ورد الحافظ ابن حجر بأن آخر زمان الصحابة على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة. ثم قال: ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة، فإن في السنن وصحيح ابن حبان وغيره مرفوعاً: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً". وقصة الخوارج وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة علي، قبل الثلاثين بنحو السنتين. اهـ.
وعندي أن بعثة الرسول ﷺ تعتبر في آخر الزمان، باعتباره خاتم الأنبياء، فالتعبير بآخر الزمان معناه في هذا الآخر من الزمان. والله أعلم.
و"أحداث الأسنان" جمع حدث بفتح الحاء والدال، وهو صغير السن وفي بعض الروايات "حداث الأسنان" بغير همزة وضم الحاء، وتشديد الدال، ومعناه شباب جمع حديث السن، وفي بعض الروايات "حدثاء" بوزن سفهاء، وهو جمع حديث، والأسنان جمع سن، والمراد به العمر، والمراد أنهم شباب، ومعنى "سفهاء الأحلام" ضعاف العقول، جمع حلم بكسر الحاء، والمراد به العقل.
(إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول عليه ما لم يقل) "أخر" بكسر الخاء" أي أسقط، زاد في رواية "أخر من السماء إلى الأرض" والمراد أنه إذا حدث عن النبي ﷺ لا يكنى ولا يوارى، وإذا لم يحدث عنه كنى أو عرض أو ورى، ليخدع بذلك من يحاربه، واستدل بقوله: "الحرب خدعة" وهو حديث مرفوع، و"خدعة" بضم الخاء، وسكون الدال وفتحها، وفتح الخاء وسكون الدال.
(فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة) كذا في الرواية الخامسة والعشرين، وفي الرواية السادسة والعشرين "لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ " ومعنى "لولا أن تبطروا" بفتح التاء وسكون الباء وفتح الطاء، أي لولا خشية أن تنكروا الخبر ولا تقبلوه لعظمه لأخبرتكم، أو المعنى لولا أن تغالوا في المرح والزهو لأخبرتكم.
وفي الرواية السابعة والعشرين "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ [أي من الأجر] لاتكلوا عن العمل" أي لاتكلوا على هذا الأجر ولم يعملوا، وفي هذا حث على قتالهم ووعد بالثواب العظيم.
стр. 2310
(فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ ) كلام علي ﵁ لجيشه على طريق الاستفهام الإنكاري التوبيخي، أي لا ينبغي ولا يصح أن يحصل ذلك، يقصد المبادرة بقتالهم قبل قتال معاوية وأهل الشام.
(والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم) أي أن يكون الموصوفون في الحديث هؤلاء الحروريين.
(فإنهم سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس) أي وخاضوا في أعراض الناس، أما سفكهم الدم الحرام فقد ذكر الحافظ ابن حجر حديثاً صحيحاً عن حميد بن هلال أنهم قتلوا عبد الله بن خباب ذبحوه، وبقروا بطن جاريته وهي حبلى، بدون ذنب، وكان والياً لعلي على بعض تلك البلاد، فأرسل إليهم علي: أفيدونا بقاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله. فأرسل إليهم رسله يناشدهم أن يفيئوا، فقتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم.
(إي ورب الكعبة) "إي" بكسر الهمزة، حرف جواب بمعنى. نعم. وكرر القسم ثلاثاً لتأكيد الخبر.
(فنزلني زيد بن وهب منزلاً، حتى قال: مررنا على قنطرة) قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ "منزلاً" مرة واحدة، وفي نادر منها "منزلاً. منزلاً" مرتين أي حكى لي مراحل حركة جيش علي مكاناً مكاناً ومرحلة مرحلة، حتى قال: وصلنا قنطرة، وهي قنطرة الديرجان، كما جاء في سنن النسائي وهناك خطبهم علي ﵁.
(وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي) أي وقائدهم. و"الخوارج" جمع خارجة، أي طائفة خارجة، قيل: سموا بالخوارج لخروجهم عن الدين، أو خروجهم عن خيار المسلمين.
(فقال لهم: ألقوا الرماح، وسلوا السيوف من جفونها) أي قال لهم قائدهم ذلك، لتبدأ المعركة بالوطيس الحامي، بالسيوف، لا بالرماح، فألقوا رماحهم بعيداً، وأخرجوا السيوف من أغمادها.
(فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء) أي فإني أخاف أن يذكروكم الله والرحم ويستعطفوكم فيخدعوكم، فتتركوا قتالهم، وتتراجعوا كما حدث يوم حروراء، ويوم حروراء الذي يشير إليه -وكان يقودهم عبد الله بن الكواء اليشكري- أرسل إليهم علي عبد الله بن عباس، فناظرهم، فرجع كثير معه، ثم خرج إليهم علي، فناوشهم، وناقشهم، فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة.
وسيأتي تفصيل القصة في فقه الحديث.
(فوحشوا برماحهم) أي ألقوا بها بعيداً عنهم، يقال: وحش فلان بثوبه أو سلاحه. بفتح الواو وتشديد الحاء وتخفيفها، إذا رمى به.
стр. 2311
(وشجرهم الناس برماحهم) المراد من "الناس" المسلمون جيش علي ﵁، أي طاعنهم المسلمون برماحهم، ومدوها إليهم، وكان هذا السلاح سبباً في الغلبة، حيث يقتل الرمح قبل وصول السيف، يقال: شجره إذا نازعه، ومنه التشاجر في الخصومة.
(وقتل بعضهم على بعض) أي قتلوا وتكدست القتلى طبقات، بعضهم فوق بعض لكثرتهم.
(وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان) أي قتل الخوارج وكانوا بضعة آلاف، ولم يقتل من أصحاب علي سوى رجلين، قيل: لم ينج منهم عشرة، ولم يصب من جيش علي ﵁ عشرة.
(فقال علي ﵁ التمسوا فيهم المخدج) أي ناقص اليد، وفي بعض الروايات "المخرج" بالراء بدل الدال أي منزوع اليد، مفصول الذراع.
(فالتمسوه فلم يجدوه فقام علي .... فوجده مما يلي الأرض) في الرواية التاسعة عشرة "فالتمس فوجد، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت" وفي الرواية الثامنة والعشرين "فلما قتلهم علي قال: انظروا [أي التمسوا المخدج] فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال: ارجعوا .. ثم وجدوه في خربة، فأتوا به فوضعوه بين يديه" وفي رواية "فالتمسه علي فلم يجده، ثم وجده بعد ذلك تحت جدار علي هذا النعت" وفي رواية الطبري "فقال علي اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه .... فطلبوه، فوجدوه في وهدة من الأرض، عليه ناس من القتلى"، ولا تنافي بين الروايات فمجموعها يفيد أن علياً ﵁ طلب منهم أن يبحثوا عن المخدج في القتلى، فلم يجدوه في البحث السطحي الأول، فهو واحد بين أربعة أو ستة آلاف قتيل، تكدس بعضهم على بعض، ولثقة علي في حديث رسول الله ﷺ أصر على وجوده، وقام معهم بنفسه يبحث، وأخذوا يجولون طبقات القتلى وينظرون في الطبقات السفلى، فكان فوقه قتيلان في أرض منخفضة في خربة، في أحضان جدار، فجاءوا به يسحبونه إلى مقر القيادة ليراه الناس، فيثقوا أنهم على الحق، وأن من قتلوا كانوا على الباطل، ويزدادوا يقيناً بصدق رسول الله ﷺ ، وأمام هذه المعاينة كان أبو سعيد الخدري، الذي سمع أوصاف المخدج من لسان رسول الله ﷺ ، كان يحلف ويقول: أشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأتي به، ونظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت.
(كلمة حق أريد بها باطل) لا حكم إلا لله، وفي القرآن ﴿إن الحكم إلا لله﴾ [الأنعام: ٥٧] كلمة حق، وكل حاكم بالحق فحكمه من الله ولله، فإذا أريد اتهام الحاكم بالانحراف قيل له: لا حكم إلا لله، يعرض ببطلان حكمه، وكانوا يكفرون علياً بقبوله التحكيم، كما سيأتي في فقه الحديث.
(يتيه قوم قبل المشرق) يقال: تاه يتوه ويتيه إذا ضل، أي يذهبون عن الصواب، وعن طريق الحق.
стр. 2312
-[فقه الحديث]-
تتناول هذه الأحاديث موضوعين أساسيين: إعطاء المؤلفة قلوبهم، والتحريض على قتل الخوارج.
ولأدنى مناسبة نظم الإمام مسلم أحاديث المؤلفة قلوبهم مع أحاديث الزكاة، ربما لأنها تشتمل على سؤال العطاء، أو الحرص عليه، وربما لأن للمؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة يشبه نصيبهم من الفيء، فساق أحاديثهم في الفيء، ولم يصح عنده حديث لهم في الزكاة.
ولضعف المناسبة وجدنا الإمام البخاري لا يذكر هذه الأحاديث في كتاب الزكاة، وإنما يذكرها في كتاب فرض الخمس، باب قسمة الإمام.
أما الموضوع الثاني فيكاد يكون استطراداً عن الموضوع الأول، لأدنى ملابسة، وهي أن رأساً من رءوس الخوارج اعترض على قسمة رسول الله ﷺ عطاء بين أربعة من المؤلفة قلوبهم.
ولضعف هذه الملابسة وجدنا الإمام البخاري يذكر هذه الأحاديث في كتاب اشتباه المرتدين، باب قتال الخوارج والملحدين.
وسنعتبر الأحاديث من رقم (١) إلى نهاية رقم (١٤) خاصة بالموضوع الأول، والأحاديث من رقم (١٥) إلى النهاية خاصة بالموضوع الثاني والله الموفق. إعطاء المؤلفة قلوبهم
المسألة الأساسية في المجموعة الأولى من الأحاديث إعطاء المؤلفة قلوبهم، وهل كان يعطيهم ﷺ من أصل الغنيمة؟ أو من الخمس؟ .
والأحاديث الخمسة الأولى لا توهم العطاء من أصل الغنيمة، فلا إشكال بالنسبة لها، وإنما الإشكال في إعطائه ﷺ المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن. فقال القرطبي في "المفهم": الإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه، وقد قال للأعرابي في هذه الغزوة: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس مردود فيكم"، أخرجه أبو داود والنسائي. والذي رجحه القرطبي جزم به الواقدي. ويذهب الطبري هذا المذهب فيقول: استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبي ﷺ كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال: وهو مردود، بدليل القرآن والآثار الثابتة.
ويميل القاضي عياض إلى هذا فيقول: ليس في هذه الأحاديث تصريح بأنه ﷺ أعطاهم قبل إخراج الخمس، وأنه لم يحسب ما أعطاهم من الخمس، قال: والمعروف في باقي الأحاديث أنه ﷺ إنما أعطاهم من الخمس، ففيه أن للإمام صرف الخمس، وتفضيل الناس فيه، على ما يراه، وأن يعطي الواحد منه الكثير، وأنه يصرفه في مصالح المسلمين، وله أن يعطي الغني منه لمصلحة. اهـ كذلك اختار أبو عبيد أنه كان من الخمس.
стр. 2313
فهذا الفريق يرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن كان من الخمس، ودليله تطبيق أصول الشريعة، وإجراء ما حصل على قواعدها، وتأويل أو توجيه ما يوهم غير ذلك مما ورد في أحاديثها.
والجمهور على أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن خاصة كان من أصل الغنيمة، لأن النصوص الثابتة في الأحاديث ظاهرة في هذا ومن الصعب تأويلها، وفي حملها على غير ظاهرها تمحل وتعسف.
أولاً: لأن الأنصار يعلمون أن الخمس لله ورسوله، فلو أن الإعطاء كان من الخمس لما اعترضوا، ولما غضبوا هذه الغضبة التي وافقهم عليها رؤساؤهم.
ثانياً: جمع الرسول ﷺ لهم، وخطابته فيهم، والاعتذار إليهم بما اعتذر، ولو أن الإعطاء كان من الخمس لذكرهم بحقه، ولم يكن هناك حاجة إلى الترضية والاعتذار.
ثالثاً: قول الأنصار في الرواية الثامنة: "إن هذا لهو العجب. إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم". وقولهم في الرواية التاسعة: "إذا كانت الشدة فنحن ندعى لها، وتعطي الغنائم غيرنا". واضح وصريح في أنهم يعتبرون ما أعطى للمؤلفة غنائم لهم، وليس الخمس الذي هو من حق الرسول ﷺ .
رابعاً: أصرح من هذا ما جاء في الرواية التاسعة من قول أنس: "فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً".
خامساً: لو أن الأنصار أخذوا من الغنيمة شيئاً لرجعوا بالشاة والبعير وما قيل لهم: "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والإبل وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون".
أمام هذه النصوص ذهب الجمهور إلى أن الإعطاء من الغنيمة خاص بهذه الواقعة لأحد أمرين: إما مراعاة لمصلحة أهم، وإما لسبب خاص في هذه الغنيمة، عن الأمر الثاني يقول الحافظ ابن حجر: وقيل: إنما كان تصرف في الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار، فرد الله أمر الغنيمة لنبيه ﷺ . اهـ.
والمحقق في سير المعركة يرى أن أساس النصر فيها كان ثبات رسول الله ﷺ ، وأن الكثرة لم تغن شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولوا مدبرين، فأساس النصر ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾ [التوبة: ٢٦] فكانت الغنائم حقاً لله ورسوله، وإذا كان لم يستخدم هذا الحق في الانتصارات السابقة التي تدخلت فيها الملائكة فلا يلزم ألا يستخدمه هنا لمصلحة أهم.
وعن الأمر الثاني يطنب ابن القيم، فيقول: اقتضت حكمة الله أن فتح مكة كان سبباً لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام، وكانوا يقولون: دعوه وقومه، فإن غلبهم دخلنا في
стр. 2314
دينه، وإن غلبوه كفونا أمره. فلما فتح الله عليه استمر بعضهم في ضلاله، فجمعوا له، وتأهبوا لحربه، وكان من الحكمة في ذلك أن يظهر أن النصر لله ورسوله، لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل ولا بانكفاف قومه عن قتاله.
ثم لما قدر الله عليه من غلبته إياهم قدر وقوع هزيمة المسلمين مع كثرة عددهم وقوة عدتهم، ليتبين لهم أن النصر الحق إنما هو من عنده، لا بقوتهم، ولو قدر أن يغلبوا الكفار ابتداء لرجع من رجع منهم شامخ الرأس متعاظماً فقدر هزيمتهم، ثم أعقبهم النصر، ليدخلوا مكة كما دخلها النبي ﷺ يوم الفتح متواضعاً متخشعاً، واقتضت حكمته أيضاً أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي فيه من الطبع البشري في محبة المال، فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم، وتجتمع على محبته، لأنها جبلت على حب من أحن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصوراً عليهم، بخلاف قسمته على المؤلفة، لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سبباً لدخولهم في الإسلام وسبباً لتقوية قلب من دخل فيه، كان في ذلك عظيم المصلحة. ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلاً ولا كثيراً مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه، فحرك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى رئيسهم أن يخرجوا معهم أموالهم ونساءهم، فكان ذلك سبباً لتصير غنيمة للمسلمين.
ثم اقتضت تلك الحكمة أن تقسم الغنائم في المؤلفة، ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثم كان من تمام التأليف رد من سبي من نسائهم وذراريهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام، فدخلوا طائعين راغبين وجبر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب، فصرف عنهم شر من كان يجاورهم من أشد العرب، من هوازن وثقيف بما دفع بهم من الكسرة، وبما قيض لهم من الدخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها وكثرتها، وأما الأنصار فبالاعتذار لهم، وتوضيح الحكمة لكبرائهم شرح الله صدورهم، ورجعوا مذعنين، ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله ﷺ إلى بلادهم ومجاورته لهم حياً وميتاً، وهذا دأب الحكيم، يعطي كل أحد ما يناسبه. انتهى ملخصاً.
-[ما يؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - ويؤخذ من الحديث الأول مداراة أهل الجهالة والقسوة، وتألفهم إذا كان فيه مصلحة.
٢ - وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة.
٣ - واستحباب اتقاء الاتهام بالبخل، وإن كان ظاهر الكرم.
٤ - تنبيه الكبير إلى ما يعتقد أنه خير.
٥ - توضيح المعلم للمتعلم حكمة التصرف، وإن كان في ذلك كشف لبعض الأستار.
٦ - ومن الحديث الثاني احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، والتجاوز عن جفاء الجفاة.
стр. 2315
٧ - ودفع السيئة بالحسنة.
٨ - وإعطاء المؤلفة قلوبهم.
٩ - والعفو عمن ارتكب كبيرة لا حد فيها بجهله.
١٠ - وإباحة الضحك عند الأمور التي يتعجب منها في العادة.
١١ - وبيان حلمه ﷺ ، وصبره على الأذى في النفس والمال، وخلقه الجميل من الصفح والإغضاء.
١٢ - ومن الحديث الثالث استئلاف أهل اللسان ومن في معناهم بالعطية والكلام الطيب، ففي بعض روايات الصحيح "وكان في خلقه شدة".
١٣ - وفيه الاكتفاء في الهبة بالقبض.
١٤ - واستدل به على جواز شهادة الأعمى، لأن النبي ﷺ عرف صوت مخرمة، فاعتمد به على معرفته وخرج إليه معه القباء الذي خبأ له.
١٥ - واستنبط منه بعض المالكية جواز الشهادة على الخط، وتعقب بأن الخطوط تشتبه أكثر ما تشتبه الأصوات.
١٦ - وفيه رد على من زعم أن المسور لا صحبة له.
١٧ - ومن الحديث الخامس الفرق بين الإيمان والإسلام، وليس فيه إنكار كونه مؤمناً، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان، وأن لفظ الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلوم بحكم الظاهر وأما الإيمان فباطن، لا يعلمه إلا الله تعالى. قال النووي: وقد زعم صاحب التحرير أن في هذا الحديث إشارة إلى أن الرجل لم يكن مؤمناً، وليس كما زعم، بل فيه إشارة إلى الإيمان، فإن النبي ﷺ قال في جواب سعد: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه" ومعناه أعطي من أخاف عليه لضعف إيمانه أن يكفر، وأدع غيره ممن هو أحب إلي منه، لما أعلمه من طمأنينة قلبه، وصلابة إيمانه.
١٨ - وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافاً للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا خطأ ظاهر يرده إجماع المسلمين والنصوص في إكفار المنافقين، وهذه صفتهم.
١٩ - وفيه الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما ليس بمحرم.
٢٠ - وفيه مراجعة المسئول في الأمر الواحد.
٢١ - وفيه تنبيه المفضول الفاضل على ما يراه مصلحة.
٢٢ - وفيه أن الفاضل لا يقبل ما يشار عليه به مطلقاً، بل يتأمله. ذكره النووي، وقال: فإن لم تظهر مصلحته لم يعمل به.
следующие страницы →