← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

(وكان رسول الله ﷺ يصومه) أي قبل الهجرة. (فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه) في الكلام طي، تقديره: فلما هاجر إلى المدينة ووجد اليهود يصومونه. وسألهم عن سر صيامهم هذا، وأجابوه، وقال ما قال، صام وأمر بصيامه، يوضح هذا الحذف ما جاء في الرواية السادسة عشرة والسابعة عشرة. ومعنى "صامه" استمر يصومه، لأنه كان يصومه قبل أن يهاجر، وقيل: صامه ﷺ مع قريش، ثم قطع صيامه قبل الهجرة، ثم صامه بعد سؤال اليهود، والأول أصح. وقد قال القرطبي: لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم، كالحج، أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر إلى المدينة، ووجد اليهود يصومونه، وسألهم، وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون ذلك استئلافاً لليهود، كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك، وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه. اهـ. وقال النووي: ضبطوا "وأمر بصيامه" هنا بوجهين. أظهرها بفتح الهمزة والميم، والثاني بضم الهمزة وكسر الميم. (فلما فرض شهر رمضان قال ... ) كان قدومه ﷺ إلى المدينة في ربيع الأول، فكان الأمر بصيام عاشوراء في أول السنة الثانية، وفرض رمضان في السنة الثانية، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع. (وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صيامه) أي إلا أن يوافق عادة له، والمراد من عبد الله، عبد الله بن عمر. (دخل الأشعث بن قيس على عبد الله) المراد به عبد الله بن مسعود ﵁، كما صرح به في الرواية الثالثة عشرة، وكنيته أبو عبد الرحمن، وكنية الأشعث بن قيس أبو محمد. (وهو يتغذى ... ادن إلى الغداء) "الغداء" بفتح الغين وبالدال المهملة طعام الغدوة، أي البكور، وأكلة الظهيرة، قال تعالى: ﴿آتنا غداءنا﴾ [الكهف: ٦٢]. ويقال: تغدى بالدال المهملة أكل الغداء. أما "الغذاء" بكسر الغين وبالذال المعجمة: ما يكون به نماء الجسم وقوامه من الطعام والشراب، ويقال تغذى بالذال المعجمة: تناول الغذاء. وهو في روايتنا "يتغذى" بالذال المعجمة "ادن إلى الغداء" بفتح الغين والدال المهملة، فالمعنى وهو يأكل فقال: ادن إلى طعام الظهيرة.

стр. 2452

(أوليس اليوم يوم عاشوراء) استفهام إنكاري توبيخي بمعنى لا ينبغي، أو تعجبي، أي كيف تأكل وتدعوني للأكل واليوم يوم عاشوراء المأمور بصومه؟ (قبل أن ينزل شهر رمضان) أي قبل أن ينزل فرض صيام شهر رمضان، ويمكن أن يكون "شهر رمضان" مقصود به حكاية الآية الكريمة، أي قبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ... ﴾ [البقرة: ١٨٥]. لكن قوله في الروايات الأخرى: "قبل أن ينزل رمضان" يقوي المعنى الأول. (إن اليوم يوم عاشوراء) الكلام على الاستفهام الإنكاري، والمراد من الخبر لازمه، أي إن اليوم يوم يصومه المسلمون؟ لا ينبغي فيه الفطر. (فإن كنت مفطراً فاطعم) أي فإن كنت ستفطر بناء على ما قلت لك فهيا إلى الطعام، وليس المراد إن كنت غير صائم، لأنه أخبره بأنه صائم. (ويتعاهدنا عنده) يقال: تعاهده أي تفقده وتردد إليه يجدد العهد به، والمراد يتفقد صيامنا لعاشوراء، ويسألنا عنه عند مجيئه. (يعني في قدمة قدمها) "قدمة" بفتح القاف وسكون الدال المرة من القدوم، وفي رواية البخاري عن حميد "أنه سمع معاوية يوم عاشوراء عام حج على المنبر" قال الحافظ ابن حجر: وكأنه تأخر بمكة أو المدينة في حجته إلى يوم عاشوراء، وذكر أبو جعفر الطبري أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة. (أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ ) قال الحافظ: في سياق هذه القصة إشعار بأن معاوية لم ير لهم اهتماماً بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن علمائهم، أو بلغه عن بعضهم أنه يكره صيامه، أو يقول بوجوبه. اهـ. فأراد إعلامهم بأنه ليس بواجب ولا مكروه. (فسئلوا عن ذلك) في ملحق الرواية "فسألهم عن ذلك" وفي الرواية السابعة عشرة "فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه"؟ (هذا اليوم الذي أظهر الله في موسى وبني إسرائيل على فرعون) يقال: ظهر على عدوه أي غلبه، وأظهره الله على عدوه أي أعانه، وفي الرواية السابعة عشرة "هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه" وفي رواية البخاري "هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم" زاد أحمد "وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح شكراً".

стр. 2453

(فأمر بصومه) في الرواية السابعة عشرة "فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه" وفي البخاري "فقال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم، فصوموا". (ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم) قال النووي: الشارة الهيئة الحسنة والجمال، أي يلبسوهن اللباس الحسن الجميل، والحلي بضم الحاء وكسرها، والضم أشهر وأكثر. (وهو متوسد رداءه في زمزم) "توسد" اتكأ، وتوسد الرداء جعله وسادة يتكئ عليها، أو يضع عليها رأسه، "وفي زمزم" أي بجوار عين زمزم وفي مكانها، كما هو في ملحق الرواية "عند زمزم". (إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائماً) قال النووي: هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورود ربعاً، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عشراً. اهـ. وهذا التأويل الذي ذكره النووي لم يغير حقيقة اليوم إلا في التسمية، وكأنه قال: وأصبح يوم العاشر صائماً، وكأن ابن عباس يرى أن يوم عاشوراء حقيقة اليوم العاشر كما يراه الجمهور، ويقوي هذا حديثنا الثالث والعشرون، وفيه عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"، فمات قبل ذلك، فإنه ظاهر في أنه ﷺ كان يصوم العاشر. وهناك تأويلات أخرى لقول ابن عباس، وخيرها ما قيل: معنى قوله: "وأصبح يوم التاسع صائماً" أي صام التاسع مع العاشر، وأراد بقوله: "نعم" ما روي من عزمه ﷺ على صوم التاسع، من قوله: "لأصومن التاسع" أي نعم يصوم التاسع لو عاش إلى العام المقبل. وهذا فهم حسن، لأن السائل كان يريد صوم عاشوراء، ولم يقصد بسؤاله تحديد يوم عاشوراء. (فإذا كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع) وفي الرواية الثالثة والعشرين "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" وهذا يحتمل أمرين. أحدهما أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع، والثاني أنه أراد أن يضيفه إلى اليوم العاشر، وهو الأرجح. وسيأتي تتمة هذه المسألة في فقه الحديث. (بعث رسول الله ﷺ رجلاً من أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس) وفي الرواية الخامسة والعشرين "أرسل ... غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة" فبينت المكان المرسل إليه. وفي الرواية السادسة والعشرين "بعث رسول الله ﷺ رسله في قرى الأنصار" وروى أحمد عن هند بن أسماء ابن حارثة الأسلمي قال: بعثني النبي ﷺ إلى قومي من أسلم، فقال: مر قومك أن يصوموا هذا اليوم -يوم عاشوراء- فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه فليصم آخره" فالظاهر أن الرسول ﷺ أرسل الأسلمي إلى قومه وبعث رسلاً إلى القرى. (عن الربيع بنت معوذ) "الربيع" بتشديد الياء مصغراً، وأبوها "معوذ" بكسر الواو المشددة.

стр. 2454

(فنجعل لهم اللعبة من العهن) وهو الصوف مطلقاً، وقيل الصوف المصبوغ. (أعطيناها إياه عند الإفطار) قال النووي: قال القاضي: فيه محذوف، وصوابه حتى يكون عند الإفطار، فبهذا يتم الكلام، وهو معنى الرواية الأخرى "فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم". اهـ ورواية البخاري "فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار". -[فقه الحديث]- حكم صوم عاشوراء يختلف باختلاف مراحل ثلاث: المرحلة الأولى: صوم رسول الله ﷺ هذا اليوم بمكة، وهذا الصوم لم يثبت به تشريع للأمة، فهو كالعبادات التي كان يتعبد بها على ما اعتقد أنه من دين إبراهيم ﵇، أو على أنه خير مطلق، ولما لم يعترض جبريل على صيامه كان في ذلك إذن من الله له في صيامه. المرحلة الثانية: صيامه ﷺ لهذا اليوم وأمر أمته بصيامه بعد الهجرة، وبعد أن وجد اليهود يصومونه، وتنتهي هذه المرحلة بنزول فرض صوم رمضان، وقد ذكرنا أن مدة هذه المرحلة عام واحد. وقد اختلف العلماء في حكم صوم عاشوراء في هذه الفترة على مذهبين: (أ) فالحنفية وكثير من الشافعية يقولون: كان صومه واجباً، ثم نسخ وجوبه، وبقي تأكد استحبابه بفرض صوم شهر رمضان ويستدلون بأدلة: ١ - ثبوت الأمر بصومه "صامه وأمر بصيامه" في الرواية الأولى والثانية والسابعة عشرة، وفي الرابعة "كان رسول الله ﷺ يأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان" وفي الخامسة "أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فرض رمضان" وفي الرابعة عشرة "كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه .... فلما فرض رمضان". وفي السادسة عشرة "فأمر بصومه" وفي الثامنة عشرة "صوموه أنتم" وفي التاسعة عشرة "فصوموا أنتم" والأمر للوجوب. ٢ - تأكد هذا الأمر وزيادة تأكيده بتعاهد صيام المسلمين ففي الرواية الرابعة عشرة "يحثنا عليه ويتعاهدنا عنده" وبالنداء العام والتأذين في الناس وفي القرى حول المدينة. ويأمر من أكل بالإمساك كما جاء في الروايتين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين. ٣ - قول ابن مسعود [في روايتنا الحادية عشرة] "فلما نزل شهر رمضان ترك" مع العلم بأنه لم يترك استحبابه، فدل على أن المتروك وجوبه. (ب) وبعض الشافعية وكثير من العلماء يقولون: كان صومه مستحباً استحباباً آكد، فلما فرض

стр. 2455

رمضان صار مستحباً دون ذلك الاستحباب، فهو لم يزل سنة من حين شرع، ولم يكن واجباً قط في هذه الأمة، ويستدلون بقول معاوية، في روايتنا الخامسة عشرة: "ولم يكتب الله عليكم صيامه". قال الحافظ ابن حجر: ولا دلالة فيه، لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام، خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ ثم فسره بأنه شهر رمضان، وهذا لا يناقض الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي ﷺ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني. اهـ. ثم قال: وأما قولهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق الاستحباب فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به، حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر" ولترغيبه في صومه، وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ المرحلة الثالثة: حكم صوم يوم عاشوراء بعد فرض صوم شهر رمضان، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب. نعم نقل القاضي عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك. كذلك قيل: إن ابن عمر كان يكره قصده بالصوم، لكن انقرض أيضاً القول بذلك. نعم كان آخر أمره ﷺ ما هم به من صوم التاسع، والظاهر أنه قصد أن يضيف التاسع إلى العاشر. قال الحافظ ابن حجر: إما احتياطاً له، وإما مخالفة لليهود، وهو الأرجح، وبه تشير بعض روايات مسلم [يشير إلى روايتنا الثانية والعشرين] ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده" قال: وكان هذا في آخر الأمر، وقد كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة، واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً، كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذاك، فوافقهم أولاً، وقال: "نحن أحق بموسى منكم" ثم أحب مخالفتهم، فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله أو يوم بعده خلافاً لهم. ثم قال: وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب. أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - أن الأيام التي يتفضل الله فيها على عباده الصالحين يستحب صومها شكراً لله، فإن موسى عليه

стр. 2456

السلام صام يوم عاشوراء شكراً لله على إنجاء الله له، وصامه ﷺ وأمر بصيامه شكراً لله على إنعامه على موسى ﵇، وليس في ذلك تصديق اليهود في خبرهم، ولا رجوعه إليهم، ولا اقتداؤه بهم، إذ يحتمل أن يكون قد أوحي إليه بصدقهم، أو تواتر عنده الخبر بذلك، ثم إنه ليس في الخبر أنه ابتدأ الصوم بكلامهم، فقد ثبت أنه كان يصومه قبل ذلك. ٢ - ومن الرواية المتممة للعشرين أخذ فضل يوم عاشوراء، لكن كلام ابن عباس يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان وليس كذلك، فالجمهور على أن يوم عرفة أفضل، فقد روى مسلم عن أبي قتادة مرفوعاً "إن صوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين". ٣ - ويؤخذ من الرواية الرابعة والعشرين وما بعدها، من قوله "من كان أكل فليتم صيامه إلى الليل" إجزاء الصوم بغير نية لمن طرأ عليه العلم بوجوب صوم ذلك اليوم، كمن ثبت عنده في أثناء النهار أنه من رمضان، فإنه يتم صومه، ويجزئه. ٤ - واحتج أبو حنيفة بهذا الحديث لمذهبه أن صوم رمضان وغيره من الفرض يجوز نيته في النهار، ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا في النهار وأجزأهم. ورد الجمهور بأن المراد هنا إمساك بقية النهار، لا حقيقة الصوم، بدليل أنه أمر من أكل أن يتم، والحنفية يشترطون لإجزاء النية في النهار في الفرض والنفل ألا يتقدمها مفسد للصوم من أكل أو غيره. قال النووي: وجواب آخر أن صوم عاشوراء لم يكن واجباً عند الجمهور، وإنما كان سنة مؤكدة، وجواب ثالث أنه ليس فيه أنه يجزيهم، ولا يقضونه، بل لعلهم قضوه، وقد جاء في سنن أبي داود في هذا الحديث "فأتموا بقية يوم واقضوه". ٥ - ويؤخذ من حديث الربيع مشروعية تمرين الصبيان على الصيام. والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، لكن يستحب، ويؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحد الإطاقة عند الشافعية سبع وعشر كالصلاة، وحدها بعضهم باثنتي عشرة، وحدها أحمد بعشر سنين، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعاً لا يضعف فيهم حمل على الصوم. والمشهور عن المالكية أن الصوم لا يشرع في حق الصبيان، لكن حديث الربيع يرد عليهم، لأن من كان في مثل السن الذي ذكر في هذا الحديث فهو غير مكلف، وإنما صنع لهم ذلك للتمرين. قال الحافظ ابن حجر: وقد أغرب القرطبي -وهو مالكي- فقال: لعل النبي ﷺ لم يعلم بذلك ويبعد أن يكون أمر بذلك، لأنه تعذيب صغير بعبادة غير متكررة في السنة. قال الحافظ: والصحيح عند أهل الحديث وأهل الأصول أن الصحابي إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله ﷺ كان حكمه الرفع، لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك، وتقريرهم عليه، مع توافر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، فما فعلوه إلا بتوقيف.

стр. 2457

(ملحوظة) قال البدر العيني: ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء، وفي فضل الكحل يوم عاشوراء لا يصح، ومن ذلك حديث عن ابن عباس رفعه "من اكتحل بإثمد ليوم عاشوراء لم يرمد أبداً" وهو حديث موضوع، وضعه قتلة الحسين ﵁ قال الإمام أحمد: والاكتحال يوم عاشوراء، لم يرد عن رسول الله ﷺ فيه أثر، وهو بدعة. والله أعلم

стр. 2458

(٣٠٩) باب تحريم صوم يومي العيدين وأيام التشريق وكراهة إفراد يوم الجمعة بصوم ٢٣٣١ - عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فجاء فصلى ثم انصرف فخطب الناس، فقال: إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم. ٢٣٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين يوم الأضحى ويوم الفطر. ٢٣٣٣ - عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت منه حديثاً فأعجبني. فقلت: له آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟ قال: سمعته يقول "لا يصلح الصيام في يومين يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان". ٢٣٣٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم النحر. ٢٣٣٥ - عن زياد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄، فقال: إني نذرت أن أصوم يوماً فوافق يوم أضحى أو فطر. فقال ابن عمر ﵄: أمر الله تعالى بوفاء النذر ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم. ٢٣٣٦ - عن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن صومين يوم الفطر ويوم الأضحى. ٢٣٣٧ - عن نبيشة الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أيام التشريق أيام أكل وشرب".

стр. 2459

٢٣٣٨ - عن نبيشة قال خالد فلقيت أبا المليح فسألته فحدثني به فذكر عن النبي ﷺ بمثل حديث هشيم وزاد فيه "وذكر لله". ٢٣٣٩ - عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أنه حدثه أن رسول الله ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق فنادى "أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن. وأيام منى أيام أكل وشرب". ٢٣٤٠ - عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد غير أنه قال فناديا. ٢٣٤١ - عن محمد بن عباد بن جعفر سألت جابر بن عبد الله ﵄ وهو يطوف بالبيت أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم ورب هذا البيت. ٢٣٤٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده". ٢٣٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم". -[المعنى العام]- وكما يرغب الشرع في صيام أيام بعينها، كيوم عرفة ويوم عاشوراء ويومي الإثنين والخميس والأيام البيض ينهى عن صوم أيام بعينها كيومي العيدين وأيام التشريق، وإفراد يوم الجمعة بصوم، ولله في تشريع الصوم حكمة، وله في منعه حكمة، ومن البدهيات أنه تعالى لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. فإن شرع الصوم فلصالح الصائم، وإن شرع الفطر فلصالح الفطر، وحال المسلم خير كله إن أصابه ضر أو نصب أو وصب فصبر كان له أجر، وإن أصابه خير ونعمة ومتعة فشكر كان له أجر، ومن

стр. 2460

هنا كان الإسلام حريصاً على أن يتمتع المسلم بدنياه بقدر ما يقدر لأخراه ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]. فوصل الراحة والطعام والشراب والشهوة بمشاق الطاعات، وحين أمر بالصوم والحرمان أعقبه بالنهي عن الصيام. حين أمر بصوم رمضان أعقبه بتحريم صوم يوم العيد وحين أمر بالحج ومشاق هذه العبادة والصيام من أول ذي الحجة أعقب ذلك بتحريم صوم يوم النحر، وشرع ذبيحة الأضحية لتعوض ما فات بالصوم والجهد، بل نهى عن صوم أيام التشريق الثلاثة التي تعقب يوم النحر، وحين استحب صيام يوم الخميس كره صيام يوم الجمعة مفرداً، لأنه يوم الترويح من عناء الأسبوع. ويوم الاجتماع والعبادة والذكر. ولله تعالى حكمة بل حكم في اختيار وتخصيص بعض الأيام بالصوم، وتخصيص بعضها بالفطر، ونحاول أن ندركها، وقد ندركها، وقد لا ندركها، وسواء أدركناها أم لم ندركها يجب علينا أن نقول: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥]. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك إنك سميع مجيب -[المباحث العربية]- (عن أبي عبيد مولى ابن أزهر) قال الحافظ ابن حجر: في رواية "مولى بني أزهر" وكذا في رواية مسلم. اهـ وقد رواه مسلم هنا، وفي كتاب الأضاحي بلفظ "مولى ابن أزهر" ولم أجد في النسخة التي بين يدي "مولى بني أزهر" ولعله من اختلاف النسخ. واسم ابن أزهر عبد الرحمن، وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف. (شهدت العيد) في بعض الروايات "شهدت يوم الأضحى". (ثم انصرف) عن مكان الصلاة إلى مكان الخطبة. (إن هذين يومان) المشار إليه يوم الأضحى ويوم عيد الفطر، وكان الوقت وقت عيد الأضحى، وعيد الفطر بعيد، فكان حقه أن يقول: إن هذا اليوم وذاك اليوم، فلما جمعهما قال: هذان، تغليباً للحاضر على الغائب. (يوم فطركم من صيامكم) "يوم" بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أحدهما يوم فطركم. وفي رواية "أما أحدهما فيوم فطركم". (والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم) "يوم" بالرفع والتنوين، وجملة "تأكلون" صفته، والنسك هنا الذبيحة المتقرب بها والأضحية. (عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثاً فأعجبني .... إلخ) الضمائر في تركيب الحديث في حاجة إلى توضيح وترتيب، وحاصله:

стр. 2461

قال قزعة: [بفتح القاف والزاي والعين] عن أبي سعيد، قال أبو سعيد: سمعت منه [أي من رسول الله ﷺ ] حديثاً فأعجبني. سمعته يقول "لا يصلح الصيام في يومين، يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان، فقلت له: أي قال قزعة لأبي سعيد: أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال أبو سعيد: أفأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟ . (آنت سمعت؟ ) بمد الهمزة، على الاستفهام. (فأقول ... ؟ ) الكلام على الاستفهام مع حذف أداته، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا أقول ... إلخ. (جاء رجل إلى ابن عمر) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وأخرج ابن حبان "سأل رجل ابن عمر وهو يمشي بمنى". (إني نذرت أن أصوم يوماً) لم يعين هنا اليوم، وفي بعض الروايات "نذر أن يصوم كل اثنين وخميس". وفي رواية "أن أصوم كل ثلاثاء وأربعاء". وفي رواية "نذر أن يصوم كل جمعة". (فوافق يوم أضحى أو فطر) في رواية البخاري "فوافق يوم عيد". وفي رواية "فوافق يوم النحر" والمسئول عنه مفهوم من المقام، وهو الوفاء بالنذر؟ أو عدم صوم يوم العيد؟ (أمر الله بوفاء النذر) بقوله: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]. (ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم) لم يقطع ابن عمر بالفتيا، ولم يبت في الحكم، وسيأتي الكلام عنه في فقه الحديث. (عن نبيشة الهذلي) قال النووي: هو بضم النون وفتح الباء وبالشين، وهو نبيشة بن عمرو بن عوف بن سلمة. (أيام التشريق أيام أكل وشرب) وفي الرواية الثامنة "أيام منى" قال النووي: وأيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، سميت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها، وهو تقديدها، ونشرها في الشمس. اهـ. وأضيفت إلى "منى" لأن الحاج فيها يكون في "منى" وقال أبو حنيفة: التشريق التكبير دبر كل صلاة. وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يدخل فيها اليوم الثالث بعد يوم النحر. (نعم ورب هذا البيت) وفي رواية النسائي "أي ورب الكعبة". (لا يصم أحدكم يوم الجمعة) بلفظ النهي، و"يصم" بالجزم، وفي بعض الروايات "لا يصومن" بالنهي والتأكيد، وفي رواية "لا يصوم أحدكم" بلفظ النفي والمراد به النهي.

стр. 2462

(لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام ولا تخصوا يوم الجمعة) قال النووي: هكذا وقع في الأصول "تختصوا ليلة الجمعة، ولا تخصوا يوم الجمعة" بإثبات تاء في الأول بين الخاء والصاد، وبحذفها في الثاني، وهما صحيحان. -[فقه الحديث]- أفرد النووي في شرح مسلم باباً لصوم يومي العيدين، وباباً لأيام التشريق، وباباً ليوم الجمعة، وقد جمعتها تحت باب واحد لما بينها من عامل الاشتراك في منع الصوم وحكمته، وتفادياً للتكرار في المعنى العام. أما صوم العيدين: فقد قال النووي: أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر، أو عن تطوع، أو عن كفارة أو غير ذلك. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث تحريم صوم يومي العيد، سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع [أي المتمتع في الحج الذي لم يجد هدياً، ووجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله] قال: وهو (أي التحريم) بالإجماع. اهـ. وتحريم الصوم شيء، وصحة صوم من يصوم مع الحرمة أو عدم صحته شيء آخر، كما أن تحريم الصوم شيء وانعقاد نذر صومه شيء آخر. ومبنى اختلاف وجهات النظر في ذلك أن النهي عن شيء هل يقتضي عدم صحة المنهي عنه لو وقع؟ أو لا يقتضي عدم الصحة؟ قال الحنفية: إن النهي عن الشيء لا ينفي مشروعية الأصل، ولا يفيد الفساد لو وقع، بل فيه إشارة إلى أن المنهي عنه ممكن الوقوع، وإلا كان النهي عبثاً، فإنك لا تنهى الأعمى عن أن يبصر، وإلا كان أمراً بتحصيل الحاصل، فدل على أن صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبتت الصحة. ومثل لهذا الرأي بالنهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، فإن الصلاة تصح في ذاتها مع الحرمة. وجمهور العلماء على أن النهي عن الشيء لذات الشيء يقتضي شرعاً عدم صحة المنهي عنه لو وقع، فصوم الحائض وصلاتها في وقت حيضها فاسد وباطل، لأن المحل في ذاته غير صالح، والظرف غير أهل لأن تقع فيه هذه العبادة، والعبادة في ذاتها لا تصح في هذا الظرف، والعيد ظرف غير أهل لأن يقع فيه الصوم، فالصوم لا يصح إذا وقع فيه، والفرق بينه وبين الدار المغصوبة أن النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة ليس لذات الصلاة، بل للإقامة في الدار المغصوبة مطلقاً، بخلاف صوم يوم العيد، فإن النهي فيه لذات الصوم، فهو يشبه صوم الحائض وصلاتها. والإمكان الذي ذكروه إمكان عقلي، والنزاع في الشرعي، والمنهي عنه شرعاً غير ممكن فعله شرعاً. ذكره الحافظ ابن حجر. ثم قال: ومن الحجج أن النفل المطلق إذا نهي عن فعله لم ينعقد، لأن النهي مطلوب الترك. سواء كان للتحريم أو التنزيه، والنفل مطلوب الفعل، فلا يجتمع الضدان. اهـ.

стр. 2463

وبناء على هذا الخلاف لو قدم المسافر وعليه يوم من رمضان فصام يوم العيد صح مع الحرمة عند أبي حنيفة خلافاً للجمهور، ومثل ذلك لو نذر صيام يوم مطلق، فصام يوم العيد. ولو نذر صوم يوم العيد بعينه، كأنه قال: لله علي صوم يوم النحر لا ينعقد نذره، ولا يلزمه صيام أصلاً عند الشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: ينعقد النذر، ويلزمه صيام يوم غير يوم النحر، فإن صام يوم النحر أجزأه. قال النووي: وخالف أبو حنيفة الناس كلهم في ذلك. ولو نذر صيام يوم الثلاثاء القادم مثلاً، فوافق يوم النحر، أو نذر أن يصوم الإثنين والخميس مثلاً فوافق أحدهما يوم النحر فالأكثرون على أن النذر لا يلزم، وليس عليه قضاء، لأن لفظه لم يتناول القضاء، وإنما يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار عند الأصوليين، وهذا أصح قولين للشافعي كما يقول النووي، وعند الحنفية ينعقد النذر ويلزمه القضاء في غير يوم العيد، فإن صام يوم العيد أجزأه. وفي رواية عن مالك يقضي إن نوى القضاء، وإلا فلا، وعن الأوزاعي يقضي إلا إن نوى استثناء العيد. ولما كان حديث ابن عمر [روايتنا الخامسة] في صلب هذه المسألة تنازع مراده من الفتيا العلماء. فقال ابن عبد الملك عن الحنفية: لو كان صومه ممنوعاً منه -لعينه- ما توقف ابن عمر ﵄. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن كلاً من الدليلين يعمل به، فيصوم يوماً مكان يوم النذر ويترك الصوم يوم العيد. اهـ وهو بذلك يميل إلى القائلين بانعقاد النذر ووجوب القضاء. وذهب جماعة إلى أن مراد ابن عمر عدم انعقاد النذر، وأنه لا يجب عليه صوم، لأن الراجح عند الأصوليين أنه إذا اجتمع الأمر والنهي في محل واحد قدم النهي فكأنه قال: لا تصم. ليس عليك صيام، ولو كان عليه قضاء لذكره، لأنه أمر من نذر أن يمشي في الحج أمره بالركوب عوضاً عن المشي. وعلة وجوب فطر هذين اليومين تفهم من التعبير في الحديث "بيوم فطركم من صيامكم ويوم تأكلون فيه من نسككم" قال الحافظ ابن حجر: قيل: وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهو الفصل من الصوم، وإظهار تمامه، وتحديده، بفطر ما بعده. والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه، ليؤكل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك. وأما صوم أيام التشريق فإن روايتنا السابعة والثامنة تصرحان بأنها أيام أكل وشرب، وروى أبو داود والترمذي والنسائي "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرج أبو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم عن عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: "إنها الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهن، وأمر بفطرهن".

стр. 2464

وبهذه الأحاديث استدل من قال: لا يصح صومها، لا لمتمتع ولا لغيره، وهو قول علي وعبد الله بن عمرو بن العاص من السلف، والشافعي في الجديد، قال النووي: وهذا هو الأصح عند الأصحاب، وبه قال أبو حنيفة وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد. القول الثاني يجوز صيامها للمتمتع الذي لم يجد الهدي، ولا يجوز لغيره، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وإليه مال البخاري، واستدلوا بما رواه البخاري عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا "لم يرخص في أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي" وفي رواية للبخاري عنهما "قالا الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هدياً ولم يصم صام أيام منى". القول الثالث: يجوز صيامها للمتمتع ولصوم له سبب، من قضاء أو نذر أو كفارة، أو تطوع له سبب، أما تطوع لا سبب له فلا يجوز، وهو قول لبعض الشافعية. القول الرابع: يجوز صيامها مطلقاً، للمتمتع وغيره بسبب وبغير سبب. رواه ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة، ﵃ أجمعين. وأما صوم يوم الجمعة: فإن روايتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة تنهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم والاستثناء في العاشرة والحادية عشرة يفيد الإطلاق في الرواية التاسعة، ويزيد هذا القيد اعتباراً ما رواه البخاري عن جويرية بنت الحارث ﵂ "أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا. قال: فافطري". وللفقهاء في حكم صوم يوم الجمعة أقوال: القول الأول: منع إفراد يوم الجمعة بصوم، مما يشعر بالتحريم -نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية، حيث قال ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، كما ثبت النهي عن صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم. وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر قال ابن حزم: لا نعلم مخالفاً لهم من الصحابة. القول الثاني: قول الجمهور، وأنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يوافق عادة له، فإن وصله بيوم قبله أو بعده، أو وافق عادة له بأن نذر أن يصوم يوم شفاء مريضه أبداً، فوافق يوم الجمعة لم يكره، فالنهي للتنزيه. القول الثالث: قال مالك وأبو حنيفة: لا يكره إفراد يوم الجمعة بصوم مطلقاً، ولم يوافقهما كثير من أصحابهما. أما مالك فقال في الموطأ: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومن به يقتدى نهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه.

стр. 2465

قال النووي: فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره. وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور، فإنه لم يبلغه، قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه. اهـ. وحاول عياض أن يبرئ مالكاً من هذا الرأي، فزعم أن كلام مالك يؤخذ منه النهي عن إفراده، لأنه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة، فيكون له في المسألة روايتان. وقال عبد الوهاب من المالكية يدافع عن رأي مالك: يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، وقد عاب ابن العربي المالكي هذا القول لأنه قياس مع وجود النص. وأما الحنفية فقد استدلوا بحديث ابن مسعود "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة" حسنه الترمذي. قال الحافظ ابن حجر: وليس فيه حجة، لأنه يحتمل أن يريد: كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم، جمعاً بين الحديثين. قال: ومنهم من عد هذا من الخصائص، وليس بجيد، لأنها لا تثبت بالاحتمال. اهـ. القول الرابع: لا يكره إفراد يوم الجمعة بصوم إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر. نقله المزني عن الشافعي. والراجح بالأدلة قول الجمهور. والله أعلم. وقد تكلم العلماء في الحكمة من النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم، وكل التمس حكمة لا تخلو عن نظر، قال الحافظ ابن حجر: اختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال: أحدها: لكونه يوم عيد، والعيد لا يصام، واستشكل ذلك بالإذن بصيامه مع غيره، وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم. ثانيها: لئلا يضعف عن العبادة، وهذا الذي اختاره النووي، وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه، وأجاب بأنه يحصل له بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم صومه من فتور أو تقصير. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، فإن الجبران لا ينحصر في الصوم، بل يحصل بجميع أفعال الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيراً كثيراً يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده، كمن أعتق فيه رقبة مثلاً، ولا قائل بذلك، وأيضاً فكأن النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف، لا من يتحقق القوة، قال: ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة، كما في جواز الفطر في السفر لمن يشق عليه. ثالثها: خوف المبالغة في تعظيمه، فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت قال الحافظ: وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام، وأيضاً فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام، فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه لأنهم لا يصومونه.

стр. 2466

رابعها: خوف اعتقاد وجوبه، وهو منتقض بصوم الإثنين والخميس. خامسها: خشية أن يفرض عليهم، كما خشى ﷺ من قيامهم الليل لذلك، قال المهلب: وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده ﷺ ، لارتفاع السبب. سادسها: مخالفة النصارى، لأنه يجب عليهم صومه، ونحن مأمورون بمخالفتهم. قال: وهو ضعيف. قال: وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها، ورد فيه صريحاً حديثان. أحدهما رواه الحاكم وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً "يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده"، والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي، وقال "من كان منكم متطوعاً عن الشهر فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر". -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من قوله في الرواية الأولى "فجاء فصلى ثم انصرف فخطب" يؤخذ تقديم صلاة العيد على خطبته. ٢ - وفيه تعليم الإمام في خطبته ما يتعلق بذلك العيد من أحكام الشرع من مأمور به ومنهي عنه. ٣ - ومن قول قزعة لأبي سعيد: "آنت سمعت هذا" مدى استيثاق التابعين من الأحاديث. ٤ - ومن جواب أبي سعيد وثوق الرواة وعنايتهم بنقل مروياتهم. ٥ - ومن جواب ابن عمر للرجل تورع ابن عمر عن قطع الفتيا وبت الحكم عند تعارض الأدلة. ٦ - ومن ملحق الرواية السابعة استحباب الإكثار من ذكر الله في أيام التشريق. ٧ - ومن الرواية التاسعة جواز الحلف من غير استحلاف، لتأكيد الأمر. ٨ - وإضافة الربوبية إلى المخلوقات العظيمة، تنويها بتعظيمها. ٩ - والاكتفاء في الجواب بنعم، من غير ذكر الأمر المفسر بها. ١٠ - وعن الرواية العاشرة قال النووي: فيها النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي، واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب -قاتل الله واضعها ومخترعها- فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها. والله أعلم

стр. 2467

(٣١٠) باب فدية الصوم وقضائه ٢٣٤٤ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. ٢٣٤٥ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت هذه الآية ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه.﴾ ٢٣٤٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله ﷺ أو برسول الله ﷺ . ٢٣٤٧ - عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد غير أنه قال وذلك لمكان رسول الله ﷺ . ٢٣٤٨ - عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد وقال فظننت أن ذلك لمكانها من النبي ﷺ يحيى يقوله. ٢٣٤٩ - عن يحيى بهذا الإسناد ولم يذكرا في الحديث الشغل برسول الله ﷺ . ٢٣٥٠ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان. ٢٣٥١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".

стр. 2468

٢٣٥٢ - عن ابن عباس ﵄ أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال "أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ " قالت: نعم. قال "فدين الله أحق بالقضاء". ٢٣٥٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ " قال: نعم. قال "فدين الله أحق أن يقضى" قال: سليمان فقال: الحكم وسلمة بن كهيل جميعاً ونحن جلوس حين حدث مسلم بهذا الحديث، فقالا: سمعنا مجاهداً يذكر هذا عن ابن عباس. ٢٣٥٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟ " قالت: نعم. قال "فصومي عن أمك". ٢٣٥٥ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت. قال: فقال "وجب أجرك وردها عليك الميراث" قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال "صومي عنها" قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال "حجي عنها". ٢٣٥٦ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ بمثل حديث ابن مسهر غير أنه قال صوم شهرين. ٢٣٥٧ - عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فذكر بمثله وقال صوم شهر.

стр. 2469

٢٣٥٨ - عن سفيان بهذا الإسناد، وقال صوم شهرين. ٢٣٥٩ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁، قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ بمثل حديثهم، وقال صوم شهر. -[المعنى العام]- من حكمة الله تعالى ورحمته بأمة محمد ﷺ أن تدرج بها في تشريع الأمور التي تشق عليها، تدرج بها من الأخف إلى الأشد، ثم كان من حكمته جل شأنه أن يتدرج بها أحياناً من الأشد إلى الأخف تيسيراً عليها وإشعاراً بفضله ومنته، وكان صيام رمضان من التشريعات التي لحقها الرخصة والتيسير أولاً، ثم التشديد ثانياً ثم التخفيف ثالثاً. لقد أنزل تبارك اسمه وجلت حكمته قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤]. ففرض صيام شهر رمضان على التخيير بين الصوم والإطعام لمن قدر على الصيام، وإن كان الصوم خيراً من الإطعام، فكان من أراد الصوم صام، ومن أراد الفطر أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً. ومن المعلوم أن من أهم حكم الصوم ترقيق قلوب الأغنياء على الفقراء، فكان البديل محققاً هذه الغاية وجمعت بين البدل والمبدل عنه حكمة التشريع. وكانت بداية الإمساك ليلاً للصيام من حين ينام المسلم أو من حين يصلي العشاء الآخرة؛ أيهما يقع، فلا يحل له بعده أن يأكل أو يشرب أو يجامع حتى مغرب اليوم التالي. فكان هنا تخفيف بالتخيير، وتشديد بزمن الإمساك، ثم طرأ على التخفيف تشديد، وصار الصوم حتماً واجباً لمن قدر عليه ممن لا عذر له وانتهت رخصة الإطعام بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. وطرأ على التشديد تخفيف زمن الإمساك وجعله من الفجر؛ بقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم

стр. 2470

وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ... ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وكان هناك تخفيف آخر منذ البداية على أصحاب الأعذار بقوله: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ واشتمل هذا التخفيف على تخفيف آخر، وهو أن البدل والقضاء على التراخي، لا على الفور، لكنه تراخ إلى أجل، وتوسعة لكن بحدود، وحدها شعبان، فلا يؤجل قضاء صوم رمضان إلى رمضان الآخر، ولذا كانت عائشة وأمهات المؤمنين يقضين ما أفطرنه من أيام رمضان [بسبب الحيض] في شهر شعبان، وأسبغ الله فضله ورحمته بإحسان آخر، فأذن لأقارب من مات وعليه صيام واجب أن يقضوا عنه بعد موته ما كان عليه من صيام في حال حياته، بصيامهم عنه، أو بإطعامهم مسكيناً عن كل يوم وجب عليه ولم يصمه، فيقضي الأقارب بذلك عن ميتهم دين الله تعالى، كما يقضون عن ميتهم دين المخلوقات، فيفكون بذلك أسر ميتهم، ويدفعون عنه ترك الواجب، ويخلصونه -إن شاء الله- من العذاب الأليم. فلله الحمد على ما أوجب؛ وله الحمد على ما رخص، وله الحمد على عفوه ورحمته. -[المباحث العربية]- (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) صدر الآيات ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ فالضمير في "يطيقونه" للصوم، وقراءة العامة بضم الياء وكسر الطاء مع المد، من أطاق، فيصير التقدير وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق إذا صام، فكان المراد وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا أول الأمر ثم نسخ، كما هو ظاهر من روايتنا الأولى والثانية. وهناك من زعم على هذه القراءة أن "لا" محذوفة، وأن الأصل: "وعلى الذين لا يطيقونه" فدية، فالآية في العاجز والشيخ والكبير ومن يشق عليه الصوم، ولا نسخ، ومنهم من زعم أن المعنى يصومون بجهدهم وطاقتهم، على أساس أن الطاقة القدرة مع الشدة والمشقة، ومنهم من زعم أن الهمزة للسلب، أي الذين سلبت طاقتهم. قال الزمخشري: وقرأ ابن عباس "يطوقونه" [بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الواو المفتوحة مبني للمجهول] من الطوق أي بمعنى الطاقة أو القلادة، أي يكلفونه، أو يتقلدونه، وعن ابن عباس "يتطوقونه" بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه، و"يطوقونه" بإدغام التاء في الطاء. اهـ والمعنى على قراءة ابن عباس: وعلى الذين يتجشمونه ويتكلفونه بمشقة فدية إذا أفطروا، فالآية في العاجز والشيخ الكبير ومن يشق عليه الصوم، ولا نسخ. قال الألوسي: والحق أن كلاً من القراءات يمكن حملها على ما يحتمل النسخ وعلى ما لا يحتمله.

стр. 2471

والفدية الجزاء والبدل، من قولك: فديت الشيء بالشيء، أي أبدلت هذا بهذا، وقراءة العامة "فدية" بالتنوين، وقوله: "طعام مسكين" بيان الفدية، أو بدل منها، قال الألوسي: وقرأ نافع وابن عامر بإضافة "فدية" إلى "طعام مساكين" وجمع المسكين، لأنه جمع في "وعلى الذين يطيقونه" فقابل الجمع بالجمع، فاقتضى القسمة آحاداً، والإضافة حينئذ من إضافة الشيء إلى جنسه، كخاتم فضة. اهـ. (كان من أراد أن يفطر ويفتدي) الخبر محذوف، تقديره أفطر وافتدى وفي رواية البخاري "فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم ممن يطيقه". (حتى نزلت الآية التي بعدها) في الرواية الثانية حتى أنزلت هذه الآية "فمن شهد منكم الشهر فليصمه". (كان يكون على الصوم) اسم "كان" ضمير الشأن والحال، أي كان الحال والشأن كذا وكذا، وفائدة اجتماع "كان" بالماضي مع "يكون" بصيغة المستقبل الدلالة على تحقق الفعل وتكراره. (فما استطيع أن أقضيه) أي أن أؤديه، قال تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ [الجمعة: ١٠]. أي أديت. (الشغل من رسول الله ﷺ قال النووي: هكذا هو في النسخ "الشغل" بالألف واللام، مرفوع، أي يمنعني الشغل. اهـ أي هو خبر لمبتدأ محذوف، تقدره: المانع الشغل. وظاهر هذه الرواية أن هذه الجملة من كلام عائشة ﵂، لكن رواية البخاري "فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان. قال يحيى: الشغل من النبي ﷺ أو بالنبي ﷺ " فدلت على أن هذه الجملة مدرجة في روايتنا وهي من كلام يحيى، وملحق روايتنا يؤكد ذلك، كما يؤكده أن أبا داود والنسائي وسعيد بن منصور والإسماعيلي أخرجوه بدون هذه الزيادة. وجرى النووي على أنها من كلام عائشة، فقال: أي يمنعني الشغل برسول الله ﷺ ، وتعني بالشغل وبقولها في الحديث الثاني "فما تقدر على أن تقضيه" أن كل واحدة منهن كانت مهيئة نفسها لرسول الله ﷺ ، مترصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك، ولا تدري متى يريده، وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي ﷺ كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان، فلا يجوز تأخيره عنه. اهـ. (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) قال الحافظ ابن حجر: "من مات" عام في المكلفين، لقرينة "وعليه صيام" وقوله "صام عنه وليه" خبر بمعنى الأمر، تقديره فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور. اهـ وسيأتي الخلاف في ذلك في فقه الحديث. (أن امرأة أتت النبي ﷺ في الرواية السابعة "جاء رجل" وفي السادسة والسابعة والتاسعة

стр. 2472

"صوم شهر" وفي ملحق التاسعة "صوم شهرين" قال النووي لا تعارض بينها، فسأل تارة رجل، وتارة امرأة، وتارة عن شهر، وتارة عن شهرين. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: ادعى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة، والذي يظهر أنهما قصتان، والاختلاف في كون السائل رجلاً أو امرأة، والمسئول عنه أختاً أو أماً لا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث لأن الغرض منه مشروعية الصوم أو الحج عن الميت، ولا اضطراب في ذلك. اهـ. (تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت) أي وجاريتي في ملكها، وليس لها وارث غيري، فهل تعود الجارية إلى ملكي بالإرث؟ وهل لي حينئذ أجر الصدقة؟ . (وجب أجرك وردها عليك الميراث) أي ثبت لك أجر الصدقة وإن عادت إليك بالميراث. -[فقه الحديث]- تتناول هذه الأحاديث ثلاث مسائل: فدية الصوم ومقدارها وعلى من هي؟ وقضاء صوم رمضان لمن أفطر بعذر، وقضاء الصوم عن الميت. أما عن الفدية: فالجمهور على أنها مد من طعام لكل يوم، جنسه جنس زكاة الفطر، ومصرفها الفقراء والمساكين، وعند الحنفية نصف صاع من بر، أو صاع من غيره. الجمهور على أنها في أول تشريع الصوم كانت رخصة للقادر على الصوم من شاء صام، ومن شاء أفطر وأخرج الفدية، ثم نسخت هذه الرخصة عن القادر على الصوم ومن لا عذر له، وبقيت للشيخ الهرم والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، وقال جماعة من السلف ومالك وأبو ثور وداود: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إطعام، واستحبه مالك للكبير. وأما من أفطر رمضان أو بعضه وكان معذوراً في تأخير القضاء، بأن استمر مرضه أو سفره جاز له التأخير مادام عذره، ولو في سنين، ولا تلزمه الفدية بهذا التأخير، وإن تكررت رمضانات، وإنما عليه القضاء فقط، لأنه يجوز تأخير الأداء بهذا العذر، فتأخير القضاء أولى بالجواز. ولو أخر القضاء إلى رمضان آخر بلا عذر أثم، ولزمه صوم رمضان الحاضر، ويلزمه بعد ذلك قضاء رمضان الفائت، ويلزمه بمجرد دخول رمضان الثاني عن كل يوم من الفائت مد من طعام مع القضاء، ولو مضى عليه رمضانات دون أن يقضى فهل تتكرر الفدية؟ خلاف، هذا مذهب الشافعية وبه قال مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة وداود: يقضي ولا فدية عليه. وأما عن قضاء الصوم عن الميت: فظاهر روايات الباب جوازه، وبه قال الشافعي في القديم والليث بن سعد وداود وابن حزم، سواء كان عن صيام رمضان أو عن كفارة أو عن نذر، قال النووي: وهو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو الصحابة

стр. 2473

الجامعين بين الفقه والحديث، لقوة الأحاديث الصحيحة والصريحة، وظاهر القديم تخيير الولي بين الصيام والإطعام. وذهب مالك والشافعي في الجديد وأبو حنيفة إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد، وإنما يجوز الإطعام عنه مطلقاً عند الشافعي، وعند مالك، وأبي حنيفة يطعم عنه إذا أوصى به، فإن لم يوص لم يطعم عنه. وذهب أحمد إلى التفريق بين صوم رمضان وصوم النذر، فيصوم عنه وليه ما عليه من نذر، ويطعم عنه عن كل يوم من رمضان مداً. واختلف الذين أجازوا الصوم عن الميت فيمن يجوز له أن يصوم عنه، فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل عصبته، وقال النووي: ولو صام عنه أجنبي بإذن الولي صح، وإلا فلا. ولا يجب على الولي الصوم عنه، بل يستحب، وعند بعض الظاهرية يجب على أوليائه، كلهم أو بعضهم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - أخذ من الحديث الثالث والرابع أن عائشة ﵂ -كانت لا تتطوع بشيء من الصيام، لا في عشر ذي الحجة ولا في عاشوراء ولا غير ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وهو مبني على أنها كانت لا ترى جواز صيام للتطوع لمن عليه دين من رمضان، ومن أين لقائله ذلك؟ . ٢ - وفيهما دليل على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً، وأن قضاء رمضان موسع، لأن للحديث حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك مع توفر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزاً لم تواظب عائشة عليه. ٣ - وفيهما أنه لا يجوز تأخير القضاء بدون عذر حتى يدخل رمضان آخر، وذلك من حرصها على الأداء في شعبان. ٤ - وفيهما أن حق الزوج من العشرة والخدمة يقدم على سائر الحقوق ما لم يكن فرضاً محصوراً في الوقت. ٥ - قال الحافظ ابن حجر: وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما يمنعها من الشغل، فيشعر بأن من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير. ٦ - وعن أحاديث سؤال المرأة قال النووي: فيها جواز سماع كلام المرأة الأجنبية في الاستفتاء ونحوه من مواضع الحاجة. ٧ - وصحة القياس، لقوله ﷺ : "فدين الله أحق بالقضاء". ٨ - وفيها قضاء الدين عن الميت. وقد أجمعت الأمة عليه، ولا فرق بين أن يقضيه عنه وارث أو غيره، فيبرأ به بلا خلاف.

стр. 2474

٩ - وفيها دليل لمن يقول: إذا مات وعليه دين لله تعالى، ودين للآدمي وضاق ماله، قدم دين الله، لقوله ﷺ "فدين الله أحق بالقضاء" وفي المسألة ثلاثة أقوال للشافعي. ثالثها: هما سواء. فيقسم بينهما. ١٠ - وأنه يستحب للمفتي أن ينبه على وجه الدليل إذا كان بالسائل حاجة، أو يترتب عليه مصلحة. ١١ - وأن من تصدق بشيء ثم ورثه لم يكره له أخذه والتصرف فيه، بخلاف ما إذا أراد شراءه، فإنه يكره، لحديث فرس عمر ﵁. ١٢ - وفي الحديث التاسع دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي والجمهور أن النيابة في الحج جائزة عن الميت والعاجز الميئوس من برئه. قال النووي: واعتذر القاضي عياض عن مخالفة مذهبهم لهذه الأحاديث في الصوم عن الميت والحج بأنه مضطرب، وهذا عذر باطل، وليس في الحديث اضطراب. اهـ. والله أعلم

стр. 2475

فتح المنعم شرح صحيح مسلم تابع كتاب الصوم - كتاب الاعتكاف - كتاب الحج - كتاب النكاح - كتاب الرضاع الجزء الخامس الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين دار الشروق

стр. 2476

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2477

فتح المنعم شرح صحيح مسلم ٥ -

стр. 2478

جميع حقوق النشر والطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٣ - هـ - ٢٠٠٢ م دار الشروق القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري -رابعة العدوية- مدينة نصر ص. ب.: ٣٣ البانوراما -تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢) e-mail: dar@ shorouk.com - www.shorouk.com بيروت: ص. ب.: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ - ٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)

стр. 2479

تابع كتاب الصوم

стр. 2480

(٣١١) باب فضل الصيام والتطوع به ٢٣٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ (قال أبو بكر بن أبي شيبة رواية وقال عمرو يبلغ به النبي ﷺ وقال زهير عن النبي ﷺ قال "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقل إني صائم". ٢٣٦١ - عن أبي هريرة ﵁ رواية قال "إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم". ٢٣٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به. فوالذي نفس محمد بيده لخلفة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". ٢٣٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الصيام جنة". ٢٣٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ "قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يسخب. فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه". ٢٣٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "كل عمل ابن آدم يضاعف. الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله إلا الصوم فإنه لي وأنا

стр. 2481

أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك". ٢٣٦٦ - عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ "إن الله يقول إن الصوم لي وأنا أجزي به. إن للصائم فرحتين: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله فرح. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". ٢٣٦٧ - عن ضرار بن مرة (وهو أبو سنان) بهذا الإسناد قال: وقال "إذا لقي الله فجزاه فرح". ٢٣٦٨ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم. يقال أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد". ٢٣٦٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً". ٢٣٧٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً". ٢٣٧١ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم "يا عائشة هل عندكم شيء؟ " قالت: فقلت يا رسول الله ما عندنا شيء. قال "فإني صائم" قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية (أو جاءنا زور) قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله أهديت لنا هدية (أو جاءنا زور) وقد خبأت لك شيئاً. قال "ما هو؟ " قلت: حيس. قال "هاتيه" فجئت به فأكل، ثم قال "قد كنت أصبحت

стр. 2482

صائماً" قال: طلحة فحدثت مجاهداً بهذا الحديث. فقال ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها. ٢٣٧٢ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم، فقال "هل عندكم شيء؟ " فقلنا: لا. قال "فإني إذن صائم" ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس. فقال "أرينيه فلقد أصبحت صائماً" فأكل. ٢٣٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه". ٢٣٧٤ - عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة ﵂ هل كان النبي ﷺ يصوم شهراً معلوماً سوى رمضان؟ قالت: والله إن صام شهراً معلوماً سوى رمضان حتى مضى لوجهه ولا أفطره حتى يصيب منه. ٢٣٧٥ - عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة ﵂ أكان رسول الله ﷺ يصوم شهراً كله؟ قالت: ما علمته صام شهراً كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله ﷺ . ٢٣٧٦ - عن عبد الله بن شقيق (قال حماد وأظن أيوب قد سمعه من عبد الله بن شقيق) قال: سألت عائشة ﵂ عن صوم النبي ﷺ . فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر قد أفطر. قالت: وما رأيته صام شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان. ٢٣٧٧ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 2483

يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم. وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان. ٢٣٧٨ - عن أبي سلمة قال: سألت عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر. ولم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان. كان يصوم شعبان كله. كان يصوم شعبان إلا قليلاً. ٢٣٧٩ - عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ في الشهر من السنة أكثر صياماً منه في شعبان وكان يقول "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا" وكان يقول "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل". ٢٣٨٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: ما صام رسول الله ﷺ شهراً كاملاً قط غير رمضان. وكان يصوم إذا صام حتى يقول القائل لا والله لا يفطر. ويفطر إذا أفطر حتى يقول القائل لا والله لا يصوم. ٢٣٨١ - عن أبي بشر بهذا الإسناد، وقال شهراً متتابعاً منذ قدم المدينة. ٢٣٨٢ - عن عثمان بن حكيم الأنصاري قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب؟ ونحن يومئذ في رجب. فقال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم. ٢٣٨٣ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصوم حتى يقال قد صام قد صام، ويفطر حتى يقال قد أفطر قد أفطر.

стр. 2484

٢٣٨٤ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أخبر رسول الله ﷺ أنه يقول لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت. فقال رسول الله ﷺ "آنت الذي تقول ذلك؟ " فقلت له: قد قلته يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ "فإنك لا تستطيع ذلك. فصم وأفطر. ونم وقم. وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر" قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال "صم يوماً وأفطر يومين" قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله. قال "صم يوماً وأفطر يوماً وذلك صيام داود ﵇ وهو أعدل الصيام" قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال رسول الله ﷺ "لا أفضل من ذلك" قال عبد الله بن عمرو ﵄: لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله ﷺ أحب إلي من أهلي ومالي. ٢٣٨٥ - عن يحيى قال انطلقت أنا وعبد الله بن يزيد حتى نأتي أبا سلمة، فأرسلنا إليه رسولاً فخرج علينا وإذا عند باب داره مسجد. قال: فكنا في المسجد حتى خرج إلينا. فقال: إن تشاءوا أن تدخلوا وإن تشاءوا أن تقعدوا ها هنا: قال: فقلنا لا بل نقعد ها هنا فحدثنا. قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة. قال: فإما ذكرت للنبي ﷺ وإما أرسل إلي فأتيته. فقال لي "ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ " فقلت: بلى يا نبي الله ولم أرد بذلك إلا الخير. قال "فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام" قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال "فإن لزوجك عليك حقاً ولزورك عليك حقاً ولجسدك عليك حقاً" قال "فصم صوم داود نبي الله ﷺ فإنه كان أعبد الناس" قال: قلت: يا نبي الله وما صوم داود؟ قال "كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" قال "واقرأ القرآن في كل شهر" قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال "فاقرأه في كل عشرين" قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال "فاقرأه في كل عشر" قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال "فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك فإن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً" قال: فشددت فشدد علي. قال: وقال لي النبي ﷺ "إنك لا تدري

стр. 2485

لعلك يطول بك عمر" قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ . فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله ﷺ . ٢٣٨٦ - عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد وزاد فيه بعد قوله "من كل شهر ثلاثة أيام": "فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فذلك الدهر كله". وقال في الحديث قلت وما صوم نبي الله داود؟ قال "نصف الدهر" ولم يذكر في الحديث من قراءة القرآن شيئاً، ولم يقل "وإن لزورك عليك حقاً" ولكن قال "وإن لولدك عليك حقاً". ٢٣٨٧ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ "اقرأ القرآن في كل شهر" قال: قلت إني أجد قوة. قال "فاقرأه في عشرين ليلة" قال: قلت إني أجد قوة. قال "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك". ٢٣٨٨ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "يا عبد الله لا تكن بمثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل". ٢٣٨٩ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: بلغ النبي ﷺ أني أصوم أسرد وأصلي الليل. فإما أرسل إلي وإما لقيته. فقال "ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي الليل؟ فلا تفعل؛ فإن لعينك حظاً، ولنفسك حظاً، ولأهلك حظاً، فصم وأفطر، وصل ونم، وصم من كل عشرة أيام يوماً ولك أجر تسعة" قال إني أجدني أقوى من ذلك يا نبي الله. قال "فصم صيام داود ﵇ " قال: وكيف كان داود يصوم يا نبي الله؟ قال "كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى" قال: من لي بهذه؟ يا نبي الله (قال عطاء فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد) فقال النبي ﷺ "لا صام من صام الأبد. لا صام من صام الأبد. لا صام من صام الأبد".

стр. 2486

٢٣٩٠ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا عبد الله بن عمرو، إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل. وإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونهكت. لا صام من صام الأبد. صوم ثلاثة أيام من الشهر صوم الشهر كله" قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال "فصم صوم داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى". ٢٣٩١ - عن حبيب بن أبي ثابت بهذا الإسناد وقال "ونفهت النفس". ٢٣٩٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ "ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ " قلت إني أفعل ذلك. قال "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك ونفهت نفسك. لعينك حق، ولنفسك حق، ولأهلك حق. قم ونم. وصم وأفطر". ٢٣٩٣ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود. وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً". ٢٣٩٤ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال "أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم نصف الدهر. وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇ كان يرقد شطر الليل ثم يقوم ثم يرقد آخره يقوم ثلث الليل بعد شطره". قال: قلت لعمرو بن دينار أعمرو بن أوس كان يقول: يقوم ثلث الليل بعد شطره؟ قال: نعم. ٢٣٩٥ - عن أبي قلابة قال: أخبرني أبو المليح. قال: دخلت مع أبيك على عبد الله بن عمرو فحدثنا أن رسول الله ﷺ ذكر له صومي، فدخل علي، فألقيت له وسادة من

стр. 2487

أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال لي "أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ " قلت: يا رسول الله. قال "خمساً" قلت: يا رسول الله. قال "سبعاً" قلت: يا رسول الله. قال "تسعاً" قلت: يا رسول الله. قال "أحد عشر" قلت: يا رسول الله. فقال النبي ﷺ "لا صوم فوق صوم داود شطر الدهر، صيام يوم وإفطار يوم". ٢٣٩٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له "صم يوماً ولك أجر ما بقي" قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال "صم يومين ولك أجر ما بقي" قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال "صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي" قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال "صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي" قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال "صم أفضل الصيام عند الله صوم داود ﵇ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً". ٢٣٩٧ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا عبد الله بن عمرو بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل. فلا تفعل؛ فإن لجسدك عليك حظاً، ولعينك عليك حظاً، وإن لزوجك عليك حظاً. صم وأفطر. صم من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صوم الدهر" قلت: يا رسول الله إن بي قوة. قال "فصم صوم داود ﵇ صم يوماً وأفطر يوماً". فكان يقول يا ليتني أخذت بالرخصة. ٢٣٩٨ - عن معاذة العدوية أنها سألت عائشة زوج النبي ﷺ : أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم. ٢٣٩٩ - عن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ قال له (أو قال لرجل وهو يسمع) "يا فلان أصمت من سرة هذا الشهر؟ " قال: لا. قال "فإذا أفطرت فصم يومين".

стр. 2488

٢٤٠٠ - عن أبي قتادة ﵁ رجل أتى النبي ﷺ فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ فلما رأى عمر ﵁ غضبه، قال: رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. فجعل عمر ﵁ يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه. فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال "لا صام ولا أفطر" (أو قال) "لم يصم ولم يفطر" قال: كيف من يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال "ويطيق ذلك أحد؟ " قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال "ذاك صوم داود ﵇ قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال "وددت أني طوقت ذلك" ثم قال رسول الله ﷺ "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله. صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده. وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله". ٢٤٠١ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صومه؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً وببيعتنا بيعة. قال: فسئل عن صيام الدهر؟ فقال "لا صام ولا أفطر (أو ما صام وما أفطر) قال: فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم؟ قال "ومن يطيق ذلك؟ " قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين؟ قال "ليت أن الله قوانا لذلك" قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم؟ قال "ذاك صوم أخي داود ﵇ قال: وسئل عن صوم يوم الإثنين؟ قال "ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت (أو أنزل علي فيه) " قال: فقال "صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر" قال: وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال "يكفر السنة الماضية والباقية" قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال "يكفر السنة الماضية" وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الإثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهماً.

стр. 2489

٢٤٠٢ - عن غيلان بن جرير في هذا الإسناد بمثل حديث شعبة غير أنه ذكر فيه الإثنين ولم يذكر الخميس. ٢٤٠٣ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الإثنين؟ فقال "فيه ولدت وفيه أنزل علي". ٢٤٠٤ - عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له (أو لآخر) "أصمت من سرر شعبان؟ " قال: لا. قال "فإذا أفطرت فصم يومين". ٢٤٠٥ - عن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئاً؟ " قال: لا. فقال رسول الله ﷺ "فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه". ٢٤٠٦ - عن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئاً؟ " يعني شعبان. قال: لا. قال فقال له "إذا أفطرت رمضان فصم يوماً أو يومين" (شعبة الذي شك فيه) قال: وأظنه قال "يومين". ٢٤٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". ٢٤٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ يرفعه قال: سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟

стр. 2490

وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال "أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل. وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم". ٢٤٠٩ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه حدثه أن رسول الله ﷺ قال "من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر". -[المعنى العام]- للزمن فضيلة ترفع من قيمة العمل الذي يقع فيه، وللمكان فضيلة كذلك، وللعمل فضيلة تختلف درجاتها، من حيث طبيعته ومن حيث الإخلاص فيه، ومن حيث حمايته من الخلل أو الدخيل، وقد بدأ الإمام مسلم كتاب الصوم بفضيلة شهر رمضان، فضيلة الزمن، وأخرج هناك حديث أبي هريرة: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين" وفي فضيلة الزمن أيضاً يوم عرفة، ويوم الإثنين والأيام البيض، وشهر الله المحرم، وستة أيام من شوال، ومن حيث المكان سيأتي الكلام عن الاعتكاف في المسجد، ثم فضل الطاعة في المسجد الحرام. وفي هذا الباب فضل العمل ذاته؛ فضل الصوم، وله خصوصية من بين العبادات، فكل ساعة تجزى بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ثم تضاعف إلى سبعمائة ضعف، أما الصوم فيوفى صاحبه الأجر من غير حساب، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠]. والصوم نصف الصبر، ومصداقاً لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "كل عمل يعمله ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" ولقول رسوله الكريم ﷺ : "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وقوله: "للصائم فرحتان" تفوقان كل أفراحه، "إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" جزاء صومه. وقد كرم الله الصائمين بتخصيص باب من أبواب الجنة لهم، لا يزاحمهم فيه غيرهم، باب يسمى باب الريان، ومن دخله لا يظمأ أبداً جزاء ظمئه بالصيام، لا يدخل من هذا الباب إلا الصائمون، ويشرفون بالنداء على رءوس الخلائق، يناديهم الملائكة: أين الصائمون؟ هلموا إلى مكانتكم وشرفكم وعزكم وجنتكم، فيدخلون، حتى إذا انتهى آخرهم أغلق الباب بعدهم.
следующие страницы →