← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

(٣٠٥) باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ووجوب الكفارة الكبرى فيه، وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر، وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع ٢٢٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله. قال: "وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال "هل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا. قال "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال "فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ " قال: لا. قال: ثم جلس. فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. فقال "تصدق بهذا" قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال "اذهب فأطعمه أهلك". ٢٢٦٣ - عن محمد بن مسلم الزهري بهذا الإسناد مثل رواية ابن عيينة. وقال بعرق فيه تمر وهو الزنبيل ولم يذكر فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ٢٢٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً وقع بامرأته في رمضان فاستفتى رسول الله ﷺ عن ذلك فقال "هل تجد رقبة؟ " قال: لا. قال "وهل تستطيع صيام شهرين؟ " قال: لا. قال "فأطعم ستين مسكيناً". ٢٢٦٥ - عن الزهري بهذا الإسناد أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة ثم ذكر بمثل حديث ابن عيينة. ٢٢٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكيناً.

стр. 2417

٢٢٦٧ - عن عائشة ﵂ أنها قالت جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال احترقت. قال رسول الله ﷺ "لم؟ " قال: وطئت امرأتي في رمضان نهاراً. قال "تصدق تصدق" قال: ما عندي شيء. فأمره أن يجلس. فجاءه عرقان فيهما طعام. فأمره رسول الله ﷺ أن يتصدق به. ٢٢٦٨ - عن عائشة ﵂ قالت: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث وليس في أول الحديث "تصدق تصدق" ولا قوله نهاراً. ٢٢٦٩ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ في المسجد في رمضان. فقال: يا رسول الله احترقت احترقت. فسأله رسول الله ﷺ "ما شأنه" فقال: أصبت أهلي. قال "تصدق" فقال: والله يا نبي الله ما لي شيء وما أقدر عليه. قال "اجلس" فجلس. فبينا هو على ذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام. فقال رسول الله ﷺ "أين المحترق آنفاً؟ " فقام الرجل. فقال رسول الله ﷺ "تصدق بهذا" فقال: يا رسول الله أغيرنا؟ فوالله إنا لجياع ما لنا شيء. قال "فكلوه". -[المعنى العام]- للعبادة حرمة، ولها قدسية، قد يسبقها استعداد لها وتهيؤ كالصلاة، وقد يصاحبها حماية ووقاية، وتحاط بسياج الفضائل كالصوم "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وإفساد العبادة -أية عبادة- متعمداً دون عذر خطأ في حق مشرعها جل شأنه ربما جر إلى الكفر إن وصل إلى الاستهانة بها والاستهتار بمشروعيتها. وللصوم في هذا خصوصية من بين العبادات، فالله يقول في الحديث القدسي "كل عمل يعمله ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي"، إن المفطر متعمداً من غير عذر في نهار رمضان كالمحارب لربه، المفسد لما يخصه جل شأنه، المستهتر بالأجر العظيم الذي

стр. 2418

يتفضل به على الصائم، ولهذا ورد "من أفطر يوماً من رمضان من غير علة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه" أي لا يقوم مقام يوم من رمضان صيام العام كل العام وإن صامه ذاك المفطر، وفي رواية "من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله تعالى له لم يقض عنه وإن صام الدهر كله". وقال عبد الله بن مسعود: لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله. فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه. علم الصحابة قدسية شهر رمضان، وعلموا عظم الجريمة في إفطار يوم منه متعمداً بدون عذر، وعلموا أن الإفطار على الجماع في نهار رمضان متوعد عليه، معاقب عليه بكفارة مغلظة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهريين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. فتحرزوا من الوقوع في هذه الجريمة الكبرى، لكن أعرابياً وقع فيها، لم يملك نفسه إذ حام حول الحمى، إن الصحابة ابتعدوا عن مقدمات الجماع مخافة أن تجرهم إليه، وكانوا يسألون عن القبلة في نهار رمضان، وكانوا يجابون بما يحضهم على البعد عنها، لقد قالت لهم عائشة "إن الرسول ﷺ يقبل أزواجه في رمضان" لكنها أتبعت ذلك بقولها "وأيكم يملك إربه [أي شهوته] كما يملك الرسول ﷺ إربه"؟ ويبدو أن هذا الأعرابي لم يملك نفسه حتى وقع، وجاءته الفكرة بعد السكرة، وأفاق من شهوته على إدراك قبح جريرته، فأسرع إلى رسول الله ﷺ في المسجد، يقول: هلكت يا رسول الله، احترقت يا رسول الله، ما أراني إلا قد هلكت؟ وأخذ يشد في شعره وينتفه، وأخذ يدق صدره بيده، ويلطم وجهه ويحثي التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثبور على نفسه، ويصيح: احترقت، احترقت. فسأله رسول الله ﷺ : مالك؟ ما شأنك؟ ماذا أصابك؟ ويحك؟ ماذا صنعت؟ وما الذي أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان. قال ﷺ : بئسما صنعت، هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، ليس عندي والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا أستطيع، لا أقدر. وهل لقيت ما لقيت، ووقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام؟ قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا أجد، لا أستطيع أن أطعم ستين مسكيناً والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي. قال له ﷺ : اجلس. فجلس الرجل يأمل ﷺ أن يجعل الله لهذا الأمر فرجاً، يأمل أن يأتيه الوحي بشيء فيه، أو يأتيه من مال الصدقات ما يسد به عنه. وكان أن جاء رجل يحمل على حماره زنبيلين: زنبيلاً على يمين حماره وزنبيلاً على يساره، أنزلهما على باب المسجد، فأفرغ أحدهما في الآخر، وقدمه إلى رسول الله ﷺ ، زنبيل مليء بالتمر، يبلغ خمسة عشر صاعاً، يبلغ ستين مداً، قدمه إلى رسول الله ﷺ على أنه صدقة ماله. فقال رسول الله ﷺ : أين الرجل الذي أمرته بالجلوس؟ أين المحترق؟ أين الذي قال آنفاً: احترقت، احترقت؟ فقام الرجل ووقف وأقبل على رسول الله ﷺ . قال له رسول الله ﷺ : خذ هذا التمر فتصدق به على ستين مسكيناً، كفارة لما صنعت، وفكر الرجل: أتصدق به على مساكين؟ ألست أكبر

стр. 2419

مسكين في المدينة؟ فقال: يا رسول الله: أتصدق به على أفقر مني؟ إنني أفقر مسكين في المدينة، والله ما بين جبلي المدينة من هو أفقر منا، فوالله إنا لجياع ما لنا من شيء، والله ما لعيالي من طعام، ما لنا عشاء ليلة. وتعجب ﷺ من ذكاء الرجل، ومن مقاطع كلامه، ومن حسن توصله إلى هدفه، ومن أدبه في طلبه وتوسله، تعجب من ابن آدم وطبعه الذي يتمثل في حال هذا الرجل، لقد جاء خائفاً على نفسه، راغباً في فدائها بكل ما يمكنه، فلما وجد الرخصة واطمأن إلى فدائها طمع في أن يأكل ويستفيد مما أعطيه فداء، لما اطمأن إلى عدم الخسارة طمع في المكسب. تعجب ﷺ ، فضحك وتبسم تبسماً كبيراً حتى ظهرت أنيابه، ثم قال للرجل: خذه فأطعمه أهلك، عد به عليك وعلى عيالك. -[المباحث العربية]- (جاء رجل إلى النبي ﷺ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، ولا يصح قول من قال: إنه سليمان أو سلمة بن صخر البياضي، لأن سلمة جاء مظاهراً لزوجته ووطئها، بخلاف هذه القصة. وفي الرواية السادسة، "أتى رجل رسول الله ﷺ في المسجد في رمضان". (فقال: هلكت) وفي رواية "ما أراني إلا قد هلكت"، وفي رواية "هلكت وأهلكت"، وفي الرواية الخامسة "احترقت"، وفي السادسة "احترقت. احترقت" مرتين، ورواية الاحتراق تفسر رواية الهلاك، وكأنه لما اعتقد أن مرتكب هذا الإثم يعذب بالنار، أطلق على نفسه أنه احترق لذلك، أو مراده أنه سيحترق بالنار يوم القيامة، فجعل المتوقع كالواقع، واستعمل الماضي بدل المستقبل. وفي رواية البيهقي "جاء رجل وهو ينتف شعره، ويدق صدره، ويقول: هلك الأبعد وأهلكت "وهو يدعو بالويل" وفي رواية "يلطم وجهه" وفي رواية "ويحثي على رأسه التراب". (قال: وما أهلكك)؟ في رواية للبخاري "مالك" وفي رواية "ويحك ما شأنك"؟ وفي روايتنا الخامسة "لم"؟ وفي السادسة "فسأله: ما شأنك"؟ وفي رواية "وما الذي أهلكك" وفي رواية "ما ذاك"؟ وفي رواية "ويحك. ما صنعت"؟ وويح كلمة رحمة. اسم فعل. (وقعت على امرأتي في رمضان) في رواية للبخاري "وقعت على امرأتي وأنا صائم"، وفي روايتنا السادسة "أصبت أهلي"، وفي رواية "وقعت على أهلي اليوم"، وفي روايتنا الثانية "وقع بامرأته" وكل ذلك كناية عن الوطء كما جاء صريحاً في روايتنا الخامسة، ولفظها "وطئت امرأتي في رمضان نهاراً". (هل تجد ما تعتق رقبة)؟ "رقبة" منصوب، بدل من "ما"، وفي روايتنا الثانية "هل تجد رقبة؟ "، وفي رواية للبخاري "هل تجد رقبة تعتقها؟ "، وفي رواية "أتجد ما تحرر رقبة؟ "، وفي رواية "أتستطيع أن تعتق رقبة؟ "، وفي رواية "أعتق رقبة"، وفي رواية "بئسما صنعت. أعتق رقبة"، وفي

стр. 2420

رواية "قال النبي ﷺ "من غير عذر ولا سقم؟ قال: نعم، قال: بئس ما صنعت. قال: أجل. ما تأمرني؟ قال: أعتق رقبة". (قال: لا) أي لا أجد رقبة، وفي رواية "ليس عندي"، وفي رواية "والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط". (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين) وفي روايتنا الثانية "وهل تستطيع صيام شهرين؟ "، وفي رواية "فصم شهرين متتابعين". (قال: لا) أي لا أستطيع أن أصوم. وفي رواية "قال: لا أقدر"، وفي رواية "وهل لقيت ما لقيت إلا من الصيام"؟ . (فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً) في الرواية الثانية "فأطعم ستين مسكيناً"، وفي رواية "أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً"؟ . (قال: لا) أي لا أستطيع أن أطعم ستين مسكيناً، وفي رواية "قال: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي". (قال: ثم جلس) في روايتنا الخامسة "فأمره أن يجلس"، وفي رواية "فقال له: اجلس. فجلس" قيل يحتمل أن يكون أمره بالجلوس انتظاراً للوحي في شأنه، ويحتمل أن يكون انتظاراً لورود صدقات يصرف له منها. (فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر) "أتي" بضم الهمزة، مبني للمجهول، والعرق -قال النووي- هو بفتح العين والراء .. هذا هو الصواب المشهور في الرواية واللغة، قال القاضي: ورواه كثير من شيوخنا بإسكان الراء، قال القاضي: والصواب الفتح، ويقال للعرق الزبيل بفتح الزاي من غير نون، والزنبيل بكسر الزاي وزيادة نون، ويقال له القفة، والمكتل بكسر الميم وفتح التاء، والسفيفة، بفتح السين وبالفاءين، والعرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهي ستون مداً، لستين مسكيناً، لكل مسكين مد اهـ وفي بعض كتب اللغة: ويقال العرق أيضاً على السفيفة من الخوص قبل أن يجعل منها زنبيلاً. وفي روايتنا الخامسة "فجاءه عرقان فيهما طعام" قال الحافظ ابن حجر: المشهور في غير مسلم "عرق" ورجحه البيهقي، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة وهو جمع لا نرضاه؛ لاتحاد مخرج الحديث، والأصل عدم التعدد. والذي يظهر أن التمر كان قدر عرق لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة، ليكون أسهل في الحمل، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال: عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال: عرق أراد ما آل إليه. اهـ. فقال: "تصدق بهذا" في روايتنا السادسة "قال رسول الله ﷺ : أين المحترق آنفاً؟ فقام الرجل،

стр. 2421

فقال رسول الله ﷺ : تصدق بهذا" أي أين الذي وصف نفسه بالمحترق منذ قليل؟ وقال العيني: يدل على أنه كان عامداً، لأنه ﷺ أثبت له حكم العمد، وأثبت له هذا الوصف، إشارة إلى أنه لو أصر على ذلك لاستحق ذلك. اهـ وفيه نظر، لأن ثبوت هذا الوصف لا يعلمه إلا الله. (قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا)؟ أي أتصدق به على أفقر منا؟ وفي روايتنا السادسة "أغيرنا" فوالله إنا لجياع، ما لنا شيء"، قال النووي: "أفقر" كذا ضبطناه بالنصب، وكذلك نقل القاضي أن الرواية فيه بالنصب، على إضمار فعل تقديره، أتجد أفقر منا؟ أو أنعطي أفقر منا. قال: ويصح رفعه على تقدر: هل أحد أفقر منا؟ ثم "أغيرنا" كذا ضبطناه بالرفع، ويصح الكلام على ما سبق. هذا كلام القاضي، وقد ضبطنا الثاني بالنصب أيضاً، فهما جائزان، كما سبق توجيههما. اهـ. وفي رواية الطبراني "إلى من أدفعه؟ قال: إلى أفقر من تعلم" وفي رواية "أعلى أفقر من أهلي؟ " وفي رواية "أعلى أهل بيت أفقر مني؟ " وفي رواية "أعلى أحوج منا"، وفي رواية "ما أحد أحق به من أهلي". "ما أحد أحوج إليه مني"، وفي رواية "والله ما لعيالي من طعام"، وفي رواية "ما لنا عشاء ليلة" "واللابتان" تثنية "لابة" واللابة "الحرة" بفتح الحاء وتشديد الراء المفتوحة، وهي الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة تقع بين حرتين. وفي رواية "ما بين حرتيها"، وفي رواية "والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة" تثنية "طنب" بضم الطاء والنون، جمعه أطناب، والخيمة لها أطناب، واستعاره للطرف. (حتى بدت أنيابه) قال الحافظ ابن حجر: في رواية إسحق "حتى بدت نواجذه" والنواجذ الأضراس، وفي رواية "حتى بدت ثناياه" والثنايا الأسنان. قال الحافظ: ولعلها تصحيف من "أنيابه" فإن الثنايا تظهر بالتبسم غالباً؛ وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم. وقال: قيل: إن سبب ضحكه ﷺ كان من تباين حال الرجل، حيث جاء خائفاً على نفسه راغباً في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة، وقيل: ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه، وحسن تأتيه، وتلطفه في الخطاب، وحسن توسله في توصله إلى مقصوده. اهـ ولا مانع من أن يكون كل هذا سبباً. (اذهب فأطعمه أهلك) في الرواية السادسة "فكلوه"، وفي رواية "خذها وكلها وأنفقها على عيالك" وفي رواية "عد به عليك وعلى أهلك". (أن يعتق رقبة أو يصوم) قال النووي: لفظة "أو" هنا للتقسيم" لا للتخيير، تقديره: يعتق، أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عنهما. وسيأتي الكلام على ترتيب الكفارة في فقه الحديث. (تصدق. تصدق) قال النووي: هذا التصدق مطلق، وجاء مقيداً في الروايات الأخرى بإطعام ستين مسكيناً، ستين مداً خمسة عشر صاعاً. اهـ.

стр. 2422

-[فقه الحديث]- قال النووي: مذهبنا ومذهب العلماء كافة وجوب الكفارة على من جامع امرأته في نهار رمضان عامداً جماعاً أفسد به صوم يوم. وقال في المجموع: إذا أفطر الرجل أو المرأة في نهار رمضان بالجماع بغير عذر لزمه إمساك بقية النهار بلا خلاف، ويجب عليه القضاء، وقال: إذا كفر بالصوم اندرج قضاء اليوم فيه، ولا خلاف أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم توجب عليها كفارة. ثم قال: واتفق أصحابنا على أنه إذا جامع في يومين أو أيام وجب لكل يوم كفارة، سواء كفر عن الأول أم لا، بخلاف من تطيب ثم تطيب في الإحرام قبل أن يكفر عن الأول، فإنه يكفيه فدية واحدة، لأن الإحرام عبادة واحدة بخلاف اليومين في رمضان وإن جامع زوجته في يوم من رمضان مرتين فأكثر لزمه كفارة واحدة عن الأول، ولا شيء عن الثاني. هذا مذهب الشافعية وفي المذاهب الأخرى خلاف، ولم تتعرض أحاديثنا لهذه التفصيلات. وظاهر أحاديث الباب الأول والثاني والثالث وجوب الكفارة، وبهذا قال جمهور العلماء. قال النووي: وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود والعلماء كافة إلا ما حكي عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وقتادة أنهم قالوا: لا كفارة عليه، كما لا كفارة عليه بإفساد الصلاة. اهـ قيل: واستندوا إلى أنه لو كانت واجبة عليه لما سقطت بالإعسار، ورد بمنع سقوطها بالإعسار، كما سيأتي. وظاهرها أيضاً أن الكفارة عليه مرتبة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. قال ابن العربي: لأن النبي ﷺ نقله من أمر بعد عدمه لأمر آخر، وليس هذا شأن التخيير. وقال البيضاوي: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول [قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين] ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني [قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً] يدل على عدم التخيير، مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال، فينزل منزلة الشرط للحكم. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن حبيب من المالكية والمشهور من مذهب أحمد، ووقع في "المدونة" [ولا يعرف مالك غير الإطعام، ولا يأخذ بعتق ولا صيام] واحتجوا له بأن حديث عائشة -روايتنا الخامسة والسادسة- لم يقع فيه سوى الإطعام، وأجاب الجمهور بأنه قد ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضاً، وروى عنه أيضاً القول بالتخيير بين الثلاثة، بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام، بل قال: الإطعام أحب إلي من العتق. مستنداً إلى روايتنا الرابعة، ولفظها "أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكيناً" فذكر "أو" للتخير، ووجهوا ترجيح الطعام على غيره بأن الله ذكره في القرآن رخصة القادر، ثم نسخ هذا الحكم ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] ولا يلزم من نسخ الحكم نسخ الفضيلة، ويترجح الإطعام أيضاً لاختيار الله

стр. 2423

له في حق المفطر بالعذر، وكذا أخبر بأنه في حق من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر، ولمناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصيام الذي هو إمساك عن الطعام، ولشمول نفعه للمساكين. ونازع القاضي عياض في ظهور دلالة الترتيب في روايتنا الأولى، وقال: إن مثل هذا قد يستعمل فيما هو على التخيير، وقرره ابن المنير في الحاشية بأن شخصاً لو حنث فاستفتى، فقال له المفتي: أعتق رقبة، فقال: لا أجد فقال: صم ثلاثة أيام .... إلخ لم يكن مخالفاً لحقيقة التخيير، بل يحمل على أن إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وكل هذه الوجوه لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصيام، ثم الإطعام، فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه. وقال ابن دقيق العيد: وهي [أي أقوال المالكية] معضلة، لا يهتدي إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت. اهـ. قال الحافظ: ومن المالكية من وافق على استحباب الترتيب الوارد، ومنهم من قال: إن الكفارة، تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت الشدة يكون بالإطعام، وفي غيرها يكون بالعتق أو الصوم، ونقلوه عن بعض محققي المتأخرين، ومنهم من قال: الإفطار بالجماع يكفر بالخصال الثلاث، وبغيره لا يكفر إلا بالإطعام، وهو قول أبي مصعب، وقال ابن جرير الطبري: هو مخير بين العتق والصوم، ولا يطعم إلا عند العجز عنهما. وجاء عن بعض المتقدمين إهداء البدنة عند تعذر الرقبة. اهـ. ثم قال وسلك الجمهور في ذلك [في استدلال المالكية بروايتنا الرابعة] مسلك الترجيح، بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخيير، فقد روي الترتيب عن الزهري أكثر من ثلاثين نفساً، ورجح الترتيب أيضاً بأن راويه حكى لفظ القصة على وجهها، فمعه زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث، فدل على أنه من تصرف بعض الرواة، إما لقصد الاختصار، أو لغير ذلك، ويترجح الترتيب أيضاً بأنه أحوط، لأن الأخذ به مجزئ، سواء قلنا بالتخير أولا بخلاف العكس. اهـ. هذا. وفي رواية عن أحمد أن هذه الكفارة على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيها كفر أجزأ. وأخذ بعضهم من الحديث سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها، لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس، ولا إلى العيال، ولم يبين النبي ﷺ استقرارها في ذمته إلى حين يساره، ولا يتأخر البيان عن وقت الحاجة، فإن النبي ﷺ لما رأى عجز الأعرابي عنها قال: أطعمه أهلك، ولم يأمره بكفارة أخرى، ولأنه حق مال، يجب لله تعالى لا على وجه البدل، فلم يجب على العجز، كزكاة الفطر. وهو أحد قولين للشافعي، ورواية عن أحمد، والجمهور على أنها لا تسقط بالإعسار المقارن لوجوبها، بل تثبت في الذمة، فإذا قدر لزمه قضاؤها، قال النووي: وهو صحيح، لأنه حق لله تعالى،

стр. 2424

يجب بسبب من جهة المكلف، فلم يسقط بالعجز، كجزاء الصيد، ثم إن صدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها، فتستقر في الذمة قالوا: وليس في الحديث ما يدل على الإسقاط، وليس فيه نفي استقرار الكفارة في الذمة، قال النووي: بل فيه دليل لاستقرارها، لأن الرجل أخبر النبي ﷺ في الكفارة بأنه عاجز عن الخصال الثلاث [ولم يعفه من الكفارة لإعساره، بل استبقاه] وأتي النبي ﷺ بعرق التمر، فأمره بإخراجه، فلو كانت تسقط بالإعسار والعجز لم يكن عليه شيء، ولم يأمره بإخراجه، فدل على ثبوتها في ذمة المعسر. اهـ. ويواجه الجمهور [القائل بعدم سقوط الكفارة بالإعسار] إشكالين في الحديث. الأول: لو كانت لا تسقط بالإعسار، وأن عرق التمر الذي أذن له بأكله قد أعطاه إياه رسول الله ﷺ على سبيل التمليك المطلق، لا على أنه الكفارة، بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله من مال الصدقة، لما ظهر من حاجتهم، لو أن الأمر كذلك لأخبره بأن الكفارة باقية في ذمته، عليه أداؤها عند الاستطاعة، وإلا كان قد أخر البيان عن وقت الحاجة. اختار هذا الاحتمال بعض الجمهور، وأجاب عن هذا الإشكال بجوابين: الأول: أن منع تأخير البيان لوقت الحاجة ليس محل اتفاق، بل جمهور الأصوليين أجازه، فلعله ﷺ أخر البيان، وأخر إعلامه بثبوت الكفارة في ذمته إلى وقت القدرة على إخراجها. الجواب الثاني: أن هذا ليس من قبيل تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن علم الرجل بوجوب الكفارة عليه ثابت مقدماً، ولم يطرأ ما يرفع هذا الثبوت، بل تأكد هذا الثبوت بعدم الإعفاء عند إعلان العجز، فالأمر عند الرجل ليس في حاجة إلى بيان. الإشكال الثاني: لو كانت لا تسقط بالإعسار، وأن عرق التمر الذي أذن له بأكله، كان ﷺ أعطاه إياه، وملكه إياه على أنه الكفارة، ومعنى هذا أن الكفارة أديت، فليس في الحديث دلالة على سقوطها بالإعسار، ولا على عدم سقوطها بالإعسار، لو أن الأمر كذلك لما أذن له بإطعامها أهله، لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، فحيث أذن له في ذلك لم يكن هذا العرق كفارة، ولم يطالب بالكفارة، فدل الحديث على سقوطها عنه لعجزه. واختار هذا الاحتمال بعض الجمهور، وأجاب بعضهم عن الإشكال بأن أكل الرجل من كفارته هنا خاص بهذا الرجل، قاله الزهري، ونحا إمام الحرمين نحوه، قال الحافظ ابن حجر: ورد بأن الأصل عدم الخصوصية. وأجاب بعضهم بأن ذلك كان شرعاً ونسخ، قال الحافظ: ولم يبين قائله ناسخه. وأجاب بعض الشافعية بأن المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه. قال الحافظ: وضعف بالرواية الأخرى التي فيها "عيالك" وبالرواية المصرحة بالإذن له في الأكل من ذلك. وأجاب بعضهم بأنه لما كان عاجزاً عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم.

стр. 2425

واختار الحافظ ابن حجر الاحتمال الأول، وأن الإعطاء لم يكن على سبيل الكفارة، بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم. قال: والحق أنه لما قال له ﷺ : "خذ هذا فتصدق به" لم يقبضه، بل اعتذر بأنه أحوج إليه من غيره، فأذن له حينئذ في أكله، فلو كان قبضه لملكه ملكاً مشروطاً بصفة، وهو إخراجه عنه بكفارته، لكنه لما لم يقبضه لم يملكه، فلما أذن له ﷺ في إطعامه لأهله وأكله منه كان تمليكاً مطلقاً بالنسبة إليه وإلى أهله، وأخذهم إياه بصفة الفقر المشروحة، وقد تقدم أنه كان من مال الصدقة، وتصرف النبي فيه تصرف الإمام في إخراج مال الصدقة، فلا يكون فيه إسقاط، ولا أكل المرء من كفارة نفسه، ولا إنفاقه على من تلزمه نفقته من كفارة نفسه. اهـ. واستدل بعضهم بالأحاديث على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة لإفراده بالحكم "هل تجد كذا؟ هل تجد كذا؟ هل تستطيع صيام شهرين؟ تصدق، أطعم ستين مسكيناً، وهذا هو الأصح من قول الشافعية، وقال الجمهور: تجب الكفارة على المرأة أيضاً على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة، والمطاوعة والمكرهة، وهل هي عليها، أو على الرجل عنها؟ واستدل الشافعي بسكوته ﷺ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة، قال الحافظ: وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك، لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف وبأنها قضية حال، فالسكوت عنها لا يدل على الحكم، لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار، ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها، لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم، كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حق المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين. قال القرطبي: ليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك، لأنه ساكت عن المرأة، فيؤخذ حكمها من دليل آخر. اهـ. واستدل بعضهم بالأحاديث على عدم وجوب قضاء اليوم الذي جامع فيه، لأنه لم يرد للقضاء ذكر فيها. والجمهور أن عليه القضاء، وعدم الذكر لا يدل على عدم الوجوب، فهو أمر معلوم أن من أفسد الصوم الواجب وجب عليه القضاء. وقال الأوزاعي: إن كفر بالعتق أو الإطعام صام يوماً مكانه، وإن كفر بصيام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم. واستدل بعضهم من إطلاق الرقبة في أحاديث الباب على جواز المسلمة والكافرة والذكر والأنثى والصغير والكبير، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والجمهور يشترطون الإيمان حملاً للمطلق هنا على المقيد في كفارة الظهار. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - قال عياض: في الأحاديث أن من جاء مستفتياً فيما فيه الاجتهاد، دون الحدود المحدودة أنه لا يلزمه تعزير ولا عقوبة، لأن النبي ﷺ لم يعاقب الأعرابي على هتك حرمة الشهر، لأن في مجيئه واستفتائه ظهور توبته وإقلاعه، قال: ولأنه لو عوقب كل من جاء بجيئة لم يستفت أحد غالباً عن

стр. 2426

نازلة، مخافة العقوبة بخلاف ما فيه حد محدود، وقد بوب عليه البخاري في كتاب المحاربين: باب من أصاب ذنباً دون الحد، فأخبر الإمام فلا عقوبة عليه بعد أن جاء مستفتياً. ٢ - وفيها إعانة المعسر في الكفارة. ٣ - وأخذ منه بعضهم إعطاء القريب من الكفارة. ٤ - وأن الهبة والصدقة لا يحتاج فيهما إلى القبول باللفظ، بل القبض كاف. ٥ - وأن الكفارة لا تجب إلا بعد نفقة من تجب نفقته. ٦ - وجواز المبالغة في الضحك عند التعجب، لقوله "حتى بدت أنيابه". ٧ - وجواز الحلف وإن لم يستحلف لقول الرجل في الرواية السادسة "فوالله إنا لجياع ما لنا من شيء". والحكم على غلبة الظن، وإن لم يعلم ذلك بالأدلة القطعية، لقول الرجل في الرواية الأولى "فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا" مع جواز أن يكون بالمدينة أحوج منهم، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . ٩ - واستعمال الكناية فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه، لقوله "وقعت، أصبت" قال العيني وما ورد في بعض الطرق [روايتنا الخامسة] بلفظ "وطئت" هو من تصرف الرواة. ١٠ - وأن القول قول الفقير، فيعطى مما يستحقه الفقراء بقوله، لأن النبي ﷺ لم يكلفه البينة على فقره. ١١ - والرفق بالمتعلم، والتلطف في التعليم. ١٢ - التأليف على الدين. ١٣ - واستدل بها على جواز إعطاء الصدقة جميعها في صنف واحد. ١٤ - والجلوس في المسجد لغير الصلاة من المصالح الدينية، كنشر العلم. ١٥ - وإعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة. ١٦ - أوجب بعضهم الكفارة على من أفطر يوماً من رمضان من غير علة قياساً على الجماع، وذهب بعضهم إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل بل يبقى ذلك من ذمته زيادة في عقوبته؛ لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم، واستدل بحديث "من أفطر يوماً من رمضان من غير علة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه"، والجمهور على وجوب القضاء وعدم الكفارة؛ لأن الفرق بين انتهاك حرمة الشهر بالجماع والأكل ظاهر، فلا يتم القياس. والله أعلم

стр. 2427

(٣٠٦) باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية ٢٢٧٠ - عن ابن عباس ﵄ أنه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر. قال: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. ٢٢٧١ - عن الزهري بهذا الإسناد قال الزهري. وكان الفطر آخر الأمرين وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر. قال الزهري: فصبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان. ٢٢٧٢ - عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثل حديث الليث. قال ابن شهاب: فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم. ٢٢٧٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهاراً ليراه الناس، ثم أفطر حتى دخل مكة. قال ابن عباس ﵄: فصام رسول الله ﷺ وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر. ٢٢٧٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: لا تعب على من صام ولا على من أفطر قد صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر. ٢٢٧٥ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه

стр. 2428

حتى نظر الناس إليه ثم شرب. فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام. فقال "أولئك العصاة أولئك العصاة". ٢٢٧٦ - عن جعفر بهذا الإسناد وزاد فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر. ٢٢٧٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه. فقال: "ما له". قالوا: رجل صائم. فقال رسول الله ﷺ "ليس من البر أن تصوموا في السفر". ٢٢٧٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ رجلاً بمثله. ٢٢٧٩ - عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث وفي هذا الإسناد أنه قال: عليكم برخصة الله الذي رخص لكم. قال: فلما سألته لم يحفظه. ٢٢٨٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر. فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. ٢٢٨١ - عن قتادة بهذا الإسناد نحو حديث همام غير أن في حديث التيمي وعمر بن عامر وهشام لثمان عشرة خلت. وفي حديث سعيد في ثنتي عشرة. وشعبة لسبع عشرة أو تسع عشرة.

стр. 2429

٢٢٨٢ - عن أبي سعيد ﵁ قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان، فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره. ٢٢٨٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن. ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن. ٢٢٨٤ - عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ﵁ قالا: سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض. ٢٢٨٥ - عن حميد قال: سئل أنس ﵁ عن صوم رمضان في السفر. فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. ٢٢٨٦ - عن حميد قال: خرجت فصمت. فقالوا لي: أعد. قال: فقلت: إن أنساً أخبرني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. فلقيت ابن أبي مليكة فأخبرني عن عائشة ﵂ بمثله. ٢٢٨٧ - عن أنس ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر. قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب. فقال رسول الله ﷺ "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". ٢٢٨٨ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر فصام بعض وأفطر بعض فتحزم المفطرون وعملوا، وضعف الصوام عن بعض العمل. قال: فقال في ذلك "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".

стр. 2430

٢٢٨٩ - عن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري ﵁ وهو مكثور عليه، فلما تفرق الناس عنه. قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه، سألته عن الصوم في السفر؟ فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلاً. فقال رسول الله ﷺ "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم" فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلاً آخر. فقال "إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر. ٢٢٩٠ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر؟ فقال "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر". ٢٢٩١ - ١٠٤ عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال "صم إن شئت وأفطر إن شئت". ٢٢٩٢ - عن هشام بهذا الإسناد مثل حديث حماد بن زيد إني رجل أسرد الصوم. ٢٢٩٣ - عن هشام بهذا الإسناد أن حمزة قال: إني رجل أصوم أفأصوم في السفر؟ . ٢٢٩٤ - عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله ﷺ "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" قال هارون في حديثه "هي رخصة" ولم يذكر من الله.

стр. 2431

٢٢٩٥ - عن أبي الدرداء ﵁ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. ٢٢٩٦ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم شديد الحر، حتى إن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما منا أحد صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. -[المعنى العام]- ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦]. ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: ٧٨]. ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ [البقرة: ١٨٥]. صدق الله العظيم. نعم إن في الصوم مشقة؛ مشقة الجوع والعطش، والسفر يضاعف هذه المشقة أو يزيدها، مهما كانت وسائله مادامت مسافته تزيد على ثمانين كيلو متراً، كما حددتها الشريعة الإسلامية، وإذا سمحت ظروف البعض في بعض الأوقات استخدام وسيلة لا مشقة فيها فإن ذلك لا يمنع من قبول الرخصة التي رخص الله لعباده، والشريعة إنما تراعي حال الأكثرين والعموم، وليس الأقلين والخصوص، وحين يرفع الله الحرج عن الأمة بتخفيف مشقة لا يلزمها بهذا التخفيف، بل يفتح هذا الباب لها، فمن شاء دخله، ومن شاء لم يدخله. لقد صام النبي ﷺ في السفر، وأفطر في السفر، فرخص بذلك لمن أطاق الصوم بدون مشقة ولا ضرر أن يصوم، ورخص لمن يرغب في الفطر في السفر أن يفطر. ونحن نعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ يعلمون أن الله قد منحه من قوة التحمل ما لم يمنحه لغيره من أفراد الأمة، فقد قال لأصحابه: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين". ومع ذلك يجهد أصحابه أنفسهم، فيقتدون به، ويصومون في السفر كما يصوم.

стр. 2432

لقد خرج من المدينة لفتح مكة في العاشر من رمضان، ومعه من الصحابة عشرة آلاف، خرج صائماً والناس صيام، صاموا يوماً ثم يوماً ثم يوماً، فقيل له: يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون ما تفعل فيقتدون بك، وهزه هذا الخبر، وهو الذي يقول فيه ربه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. فلما قيل له عن حال الناس ما قيل -وكان الوقت عصراً- ركب ناقته وظهر للقوم، ودعا بإناء فيه شراب، فرفع يده به إلى أعلى، ليراه الناس، فشرب، وناوله من بجواره فشرب، ورأى الصحابة في رسولهم قدوة فأفطر كثير منهم. لكن البعض ظل صائماً، فلما نزلوا منزلاً في يوم شديد الحر، يتقي صاحب الرداء الشمس بردائه، ويتقي الأعزل الشمس بيده سقط الصائمون على الأرض أول ما نزلوا، يلهثون من العطش لا يستطيعون حراكاً، وتحزم المفطرون، وشمروا عن سواعدهم، وقاموا بضرب الخيام، وسقي الدواب، وجمع الماء، وإعداد المنزل للراحة، ورآهم ﷺ ، فشجعهم وشكرهم وحسن فعلهم، ووعدهم بالأجر الذي لم يبلغه الصائمون، فقال: ذهب المفطرون اليوم بالأجر. ومع ذلك تمسك البعض بالصيام، ورأى رسول الله ﷺ في منزل آخر رجلاً كالمغشى عليه، يتجمع الناس حوله مشفقين عليه، فقال: ما له؟ ماذا به من وجع؟ قالوا: ليس به وجع ولكنه صائم اشتد عليه الحر، وشق عليه الصوم. فقال ﷺ : ليس من البر الصيام في السفر. ورغم كل هذا تمسك البعض بالصيام، وقد بقي على مكة وملاقاة أهلها ثلاثة أيام، فقال ﷺ للصائمين: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم. واستجاب البعض فأفطر، وظل البعض صائماً، فقال لهم ﷺ : إنكم غداً صباحاً تلقون عدوكم والفطر أقوى لكم؛ أفطروا. وكان هذا الأمر لا يصح مخالفته، لكن قلة من الصائمين ظنوه إشفاقاً لا عزيمة، فصاموا، فأخبر بهم ﷺ ، فقال عنهم: أولئك العصاة، أولئك العصاة؛ عصوا أمري، واستحقوا العقوبة. وهكذا رغب ﷺ في الفطر للمسافر، ورهب من صيامه إذا لحقته المشقة من الصيام، أو كان في فطره مصلحة ولو دنيوية لا يقدر عليها صائماً. وهكذا رأينا الإسلام سمحاً كريماً رحيماً بأهله، لا يحب العنت والمشقة وإن كانت في العبادة، والكيس من أوغل في الدين برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. -[المباحث العربية]- (خرج عام الفتح في رمضان) المراد من الفتح فتح مكة، ووقع في رواية عن الزهري أنه خرج لعشر مضين من رمضان، قال الحافظ ابن حجر: ووقع في مسلم من حديث أبي سعيد اختلاف

стр. 2433

من الرواة في ضبط ذلك [يشير إلى روايتنا السادسة وملحقها] والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه. اهـ. واختلاف الرواة في حديثنا لا يضر، لأن الأيام المذكورة كلها في داخل أيام السفر، ولعل الرواة لم يقصدوا يوم البداية، ومن سافر أسبوعاً صح أن يقول: سافرت يوم السبت ويوم الثلاثاء. وملحق روايتنا الأولى "فصبح مكة لثلاث عشر ليلة خلت" يراد من "صبح مكة" صبح الإشراف عليها ودخول ضواحيها أو أعمالها. (فصام حتى بلغ الكديد) بفتح الكاف وكسر الدال، وهي عين جارية بينها وبين المدينة نحو (١٦٥) مائة وخمسة وستين ميلاً، وبينها وبين مكة نحو خمسين ميلاً. وفي روايتنا الثانية "فصام حتى بلغ عسفان" بضم العين وسكون السين، وهي قرية على نحو ثمانية وأربعين ميلاً من مكة، هذا والمقاييس هنا تقريبية، لأن الطرق كانت متشعبة، تدور أحياناً حول هضبة، وأحياناً ترتقيها. وفي روايتنا الرابعة "حتى بلغ كراع الغميم" والكراع بضم الكاف كل طرف مستطيل من الجبل، وكراع الغميم اسم واد أمام عسفان، واختلفت الروايات في اسم الموضع الذي أفطر فيه ﷺ والكل في قصة واحدة لأنها متقاربة، والكل من عمل عسفان. (ثم أفطر) في روايتنا الثانية "ثم دعا بإناء فيه شراب، فشربه نهاراً ليراه الناس، ثم أفطر" أي أكل، أو ظل مفطراً حتى دخل مكة، لم يصم يوماً آخر. وقول ابن عباس: صام رسول الله ﷺ وأفطر معناه -كما في الرواية الثالثة- "صام في السفر وأفطر" أي صام في السفر أياماً وأفطر في السفر أياماً. (وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره) وفي ملحق الرواية "وكان يؤخذ بالآخر من قول رسول الله ﷺ "، وفي الملحق الثاني وكان الفطر آخر الأمرين وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر"، وفي الملحق الثالث "ويرونه الناسخ المحكم"، قال الحافظ ابن حجر: هذه الزيادة من قول الزهري، وقعت مدرجة عند مسلم، جزم بذلك البخاري في الجهاد، وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يوافق على ذلك. اهـ. (ليراه الناس) قال الحافظ ابن حجر: كذا للأكثر، و"الناس" بالرفع على الفاعلية، وفي رواية "ليريه الناس" بضم الياء الأولى وكسر الراء و"الناس" بالنصب على المفعولية، قال: ويحتمل أن يكون الناسخ كتب ألف "ليراه" ياء فلا يكون بين الروايتين اختلاف. اهـ. (فمن شاء صام ومن شاء أفطر) كثيراً ما يحذف مفعول المشيئة للعلم به، والأصل فمن شاء الصيام صام، ومن شاء الإفطار أفطر.

стр. 2434

(لا تعب على من صام) "تعب" بفتح التاء وكسر العين، نهى عن العيب واللوم، والخطاب لطاووس الراوي عن ابن عباس، أو لكل من يتأتى خطابه. أي لا تعب أيها المسلم. (فصام الناس. ثم دعا بقدح من ماء) في ملحق الرواية "فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر"، وفي الرواية الثانية "ثم دعا بإناء فيه شراب" وعند الطحاوي "فدعا بقدح من لبن "فيحتمل أنه دعا بقدح من ماء أو من شراب أو من لبن. (فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب) في الرواية الثانية "فشربه نهاراً حتى يراه الناس"، وعند الطحاوي "فدعا بقدح من لبن، فأمسكه بيده حتى رآه الناس، وهو على راحلته، ثم شرب فأفطر، فناوله رجلاً إلى جنبه فشرب". (فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام؟ فقال أولئك العصاة. أولئك العصاة) قال النووي: هذا هو في الأصول مكرر مرتين. اهـ. وظاهره أن يكون الصائم في السفر عاصياً بصيامه، لكن الرواية الرابعة عشرة ترفع هذا الإيهام، وفيها أنه عرض الفطر أولاً على طريق الرخصة، وأمر به ثانياً عند قرب لقاء العدو على طريق العزيمة، فمن صام بعد الأمر به على طريق العزيمة يكون عاصياً. (كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى رجلاً) هذا السفر هو سفر فتح مكة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرجل، وخطأ من قال: إنه أبو إسرائيل. (قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه) في رواية الطبري "سافرنا مع رسول الله ﷺ ونحن في حر شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة، وهو مضطجع كضجعة الوجع". (فقال: ما له؟ ) في رواية البخاري "ما هذا؟ "، وفي رواية الطبري "ما لصاحبكم؟ أي وجع به؟ ". (قالوا: رجل صائم) في رواية الطبري "فقالوا: ليس به وجع ولكنه صائم، وقد اشتد عليه الحر". (ليس البر أن تصوموا في السفر) رواية البخاري "ليس من البر الصوم في السفر" والبر بكسر الباء الطاعة، والبر أيضاً الإحسان والخير، ومنه بر الوالدين. (عليكم برخصة الله الذي رخص لكم) في بعض النسخ "برخصة الله التي رخص لكم" وهي أوضح. (فلا يجد الصائم على المفطر) يقال: وجد عليه بفتح الجيم يجد عليه بكسر الجيم موجدة أي غضب.

стр. 2435

(فضربوا الأبنية وسقوا الركاب) أي نصبوا الخيام وأقاموها، وسقوا الدواب. (فتحزم المفطرون وعملوا) قال النووي: بالحاء المهملة والزاي، وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر رواة صحيح مسلم. قال: ووقع لبعضهم "فتخدم" بالخاء المعجمة والدال المهملة، قال: وادعوا أنه صواب الكلام لأنهم كانوا يخدمون. قال القاضي: والأول صحيح أيضاً، ولصحته ثلاثة أوجه، أحدها، معناه شدوا أوساطهم للخدمة، والثاني: أنه استعارة للاجتهاد في الخدمة، ومنه "إذا دخل العشر اجتهد وشد المئزر"، والثالث: أنه من الحزم، وهو الاحتياط والأخذ بالقوة، والاهتمام بالمصلحة. (وهو مكثور عليه) أي عنده كثيرون من الناس. (إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم. فكانت رخصة) أي فكانت الدعوة إلى الفطر عرضاً خفيفاً على هيئة الإذن والترخيص، وليس أمراً قوياً جازماً. فهم ذلك أبو سعيد الخدري. كما فهمه الصحابة، فمنهم من عمل بالرخصة فأفطر، ومنهم من واصل الصيام، فعبارة الدنو من الأعداء تصدق مع بقاء أميال وأيام، لأنه ينسب إلى البعد بين المدينة وبين مكة، بخلاف قوله في المنزل الآخر "إنكم مصبحو عدوكم" التي أعقبها الأمر الصريح بالفطر بقوله "فأفطروا" فمن صام بعد هذا الأمر كان عاصياً. (لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر) أي رأيت أنفسنا، وهذا يرد فهم الزهري أن آخر الأمور الفطر في السفر. (إني رجل أسرد الصوم) أي أتابعه، أي آتي به متوالياً، من سرد بالفتح يسرد بالضم. (حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه) "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، واللام في خبرها هي الفارقة بينها وبين النافية والتقدير: إن الحال والشأن كان أحدنا ... إلخ. (وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة) "رواحة" بفتح الراء. قال الحافظ ابن حجر: عبد الله بن رواحة استشهد بغزوة مؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعاً في سنة واحدة، فصح أن هذه السفرة غير سفرة الفتح، وأيضاً فإن سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمروا من الصحابة صياماً كانوا جماعة. قال: ولا يصح حمل السفرة هذه على بدر، لأن أبا الدرداء القائل "لقد رأيتنا ... إلخ" لم يكن أسلم حينئذ. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر، فقال الشيعة وبعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه لم ينعقد، ويجب قضاؤه، واستدلوا بأدلة:

стр. 2436

(أ) ظاهر قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ قالوا: ظاهره فعليه عدة من أيام أخر، أو قالوا يجب عدة من أيام أخر. (ب) قوله ﷺ عن الذين صاموا في [روايتنا الرابعة] "أولئك العصاة، أولئك العصاة". (جـ) قوله ﷺ "ليس من البر الصيام في السفر" [روايتنا الخامسة] قالوا: ومقابل البر الإثم، وإذا كان آثماً بصومه لم يجزئه. (د) قوله ﷺ "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" روايتنا الثانية عشرة والثالثة عشرة. (هـ) قوله ﷺ فيما رواه الطبري من طريق مجاهد "إذا سافرت فلا تصم. فإنك إن تصم قال أصحابك: أكفوا الصائم. ارفعوا للصائم، وقاموا بأمرك، وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك". (و) ما أخرجه أحمد أن رجلاً قال لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر؟ فقال له ابن عمر: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة. (ز) الحديث المشهور الذي أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعاً "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" وأخرجه الطبري عن عائشة مرفوعاً ورواه الأثرم عن أبي سلمة مرفوعاً، وكذلك أخرجه النسائي وابن المنذر. (حـ) وأن الفطر كان آخر الأمرين، وأن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله، فصومه ﷺ في السفر منسوخ [روايتنا الأولى]. وروي عن ابن عمر أنه قال: "من صام قضاه، وعن ابن عباس "لا يجزئه الصيام" وحكي بطلان صوم المسافر عن أبي هريرة. ذكر ذلك النووي في المجموع. وفي مقابل أهل الظاهر ذهب جماعة من العلماء -كما حكى الطبري- إلى أن الفطر في السفر لا يجوز إلا لمن خاف على نفسه الهلاك أو المشقة الشديدة. قال النووي: قال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى: يجوز صومه في السفر، وينعقد ويجزيه. واختلفوا في أن الصوم أفضل؟ أم الفطر أفضل؟ أم هما سواء، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون: الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر به فالفطر أفضل. اهـ. وقال كثير من العلماء الفطر أفضل مطلقاً عملاً بالرخصة، قال الحافظ ابن حجر: وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحق وقال آخرون: هو مخير مطلقاً وهما سواء. وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما، لقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسر، كمن يسهل عليه حينئذ، ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل.

стр. 2437

قال الحافظ ابن حجر: والذي يترجح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به، وكذلك من ظن به الإعراض عن قبول الرخصة. وأجاب عن أهل الظاهر بما حاصله: (أ) عن الآية بأن التقدير: فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، فعدة الأيام الأخر مرتبة على الإفطار، وليست مطلقاً. (ب) وعن حديث "أولئك العصاة" بأن نسبة الصائمين إلى العصيان لأنه عزم عليهم وأمرهم بالفطر، فخالفوه [روايتنا الرابعة عشر توضح ذلك]. (جـ) وعن قوله ﷺ "ليس من البر الصيام في السفر" قال: سلك المجيزون فيه طرقاً، قال بعضهم: قد خرج على سبب، فيقصر عليه وعلى من كان في مثل حاله. قال ابن دقيق العيد: أخذ من هذه القصة أن كراهة الصوم في السفر مختصة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم، ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب، فينزل قوله "ليس من البر الصوم في السفر" على مثل هذه الحالة. وقال ابن المنير في الحاشية: هذه القصة تشعر بأن من اتفق له مثل ما اتفق لهذا الرجل أنه يساويه في الحكم، وأما من سلم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصوم على أصله. اهـ وحمل الشافعي نفي البر المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة، فقال معنى قوله "ليس من البر" أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يفطر وهو صحيح، قال: ويحتمل أن يكون معناه: ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم. وقال الطحاوي: المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى مراتب البر، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون براً، لأن الإفطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو مثلاً. قال: وهو نظير قوله ﷺ " ليس المسكين بالطواف" الحديث؛ فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه، ويستحي أن يسأل، ولا يفطن له. (د-هـ) بأن ذهاب المفطرين بالأجر، أي بالأجر الأعلى، لأنهم قاموا بخدمة الصائمين وأعانوهم على صيامهم، وليس معنى ذلك عدم الأجر للصائم. وأما حديث "إذا سافرت فلا تصم .... " فإنه يدل على أن الفطر أفضل لمن يحتاج إلى عمل لا يقوى عليه وهو صائم، ويحتاج بذلك مساعدة الآخرين. (و) وأما قول ابن عمر "من لم يقبل رخصة الله .... إلخ، فهو ظاهر فيمن أعرض عن قبول الرخصة. (ز) وأما حديث "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" فهو ضعيف وعلى فرض صحته فهو محمول على من أعرض عن قبول الرخصة، أو على من يشق عليه الصيام ويتضرر به، جمعاً بين الأحاديث. (حـ) وأما أن الفطر آخر الأمرين فهو مدرج وليس من الحديث كما سبق، وأحاديثنا ظاهرة في

стр. 2438

خلافه، وروايتنا الرابعة عشرة وقول ابن مسعود فيها "لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر" هذه الرواية نص في المسألة كما يقول ابن حجر. أما شروط إفطار المسافر في رمضان فقد قال عنها النووي في المجموع: لا يجوز الفطر في رمضان في سفر معصية بلا خلاف، ولا في سفر آخر دون مسافة القصر، وهي ثمانية وأربعون ميلاً، وهي مرحلتان، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام، وقال قوم: يجوز في كل سفر وإن قصر. اهـ. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - قال النووي: في قوله "فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر" في الرواية الأولى دليل لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان. ٢ - وأن المسافر له أن يصوم بعض رمضان دون بعض، ولا يلزم بصوم بعضه إتمامه، وقد غلط بعض العلماء في فهم الحديث، فتوهم أن "الكديد" و"كراع الغميم" من المدينة، وأن قوله "فصام حتى بلغ الكديد وكراع الغميم" كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائماً، فلما بلغ كراع الغميم في يومه أفطر في نهار، واستدل به هذا القائل على أنه إذا سافر بعد طلوع الفجر صائماً له أن يفطر في يومه. قال: ومذهب الشافعي والجمهور أنه لا يجوز الفطر في ذلك اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السفر، واستدلال هذا القائل بهذا الحديث من العجائب الغريبة، لأن الكديد وكراع الغميم على سبع مراحل أو أكثر من المدينة. اهـ. والنووي بذلك يشير إلى أبي مخلد التابعي حيث قال: إن من استهل عليه رمضان في الحضر، ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ قال ابن المنذر: وقال أكثر أهل العلم: لا فرق بينه وبين من استهل رمضان في السفر، ثم ساق بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر﴾ الآية، ففهم ابن عمر من الآية ما فهمه ابن مخلد أن المراد من شهود الشهر شهوده أو شهود بعضه في الحضر، والمراد من "فليصمه" فليصم الشهر كله لا يفطر حضراً ولا سفراً، لكن الجمهور لا يقول بالنسخ ويفسر الآية بأن المعنى من شهد في الحضر الشهر كله فليصمه، فإن شهد بعضه في الحضر فليصم ما شهده. ولا بد من هذا التفسير للجمع بين الأدلة. أما إذا سافر المقيم، وكان قد نوى الصيام في الليل، ولم يفارق العمران إلا بعد الفجر فليس في الحديث ما يشير إلى حكمه، ومذهب الشافعي المعروف من نصوصه أنه ليس له الفطر في ذلك اليوم، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال بعض الشافعية: له الفطر، وهو مذهب أحمد وإسحق. ٣ - وأن المسافر في أثناء سفره إذا أصبح صائماً ثم أراد أن يفطر فله أن يفطر، لأن العذر قائم، فجاز

стр. 2439

له أن يفطر كما لو صام المريض ثم أراد أن يفطر، ففي الحديث رد لما ذهب إليه بعض الشافعية من أنه لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم، لأنه دخل في فرض المقيم، فلا يجوز له أن يترخص برخصة المسافر، كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام، ثم أراد أن يقصر. وأجيب بأن من دخل في الصلاة تامة التزم الإتمام فلم يجز له القصر لئلا يذهب ما التزمه لا إلى بدل، وأما المسافر إذا صام ثم أفطر فلا يترك الصوم إلا إلى بدل، وهو القضاء. ٤ - أخذ بعضهم من قول الزهري في ملحق الرواية الأولى "وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره" نسخ المتأخر للمتقدم من أمره ﷺ أو رجحان الثاني مع جوازهما. والتحقيق أن ذلك ليس بلازم، فقد يفعل ﷺ متأخراً خلاف الأولى لبيان الجواز، لكنه كان يحافظ على الأفضل. ٥ - أخذ بعضهم من الرواية الخامسة وملحقها استحباب التمسك بالرخصة عند الحاجة إليها. ٦ - وكراهة تركها على وجه التشديد والتنطع. ٧ - أخذ الجمهور من إطلاق الفطر جوازه بكل مفطر، وفرق أحمد في المشهور عنه بين الفطر بالجماع وغيره، فمنعه بالجماع. قال: فلو جامع فعليه الكفارة إلا إن أفطر بغير الجماع قبل الجماع. ٨ - ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من الأدب، وعدم عيب بعضهم على فعل بعض، والتحلي بحسن الخلق والتماس العذر، وعدم التزمت، وعدم المعارضة، وعدم الهوى، وحب الرأي. ٩ - ومن الرواية الثانية عشرة فضل الكفاح في أمور الدنيا، وأنه قد يفضل العبادة. ١٠ - ومن قوله في الرواية السادسة عشرة "إني رجل أسرد الصوم" أخذ بعضهم جواز صوم الدهر، وأنه لا كراهة فيه، قال النووي: فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضرراً، ولا يفوت به حقاً، ويشترط فطر يومي العيد والتشريق لأنه أخبر بسرده، ولم ينكر عليه، بل أقره، وأذن له في السفر، ففي الحضر أولى. اهـ وأجيب بأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، قال الحافظ ابن حجر: فإن ثبت النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح. والله أعلم

стр. 2440

(٣٠٧) باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة ٢٢٩٧ - عن أم الفضل بنت الحارث ﵂ أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ . فقال: بعضهم هو صائم. وقال: بعضهم ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه. ٢٢٩٨ - عن أبي النضر بهذا الإسناد ولم يذكر وهو واقف على بعيره. وقال عن عمير مولى أم الفضل. ٢٢٩٩ - عن أم الفضل ﵂ قالت: شك ناس من أصحاب رسول الله ﷺ في صيام يوم عرفة، ونحن بها مع رسول الله ﷺ . فأرسلت إليه بقعب فيه لبن وهو بعرفة فشربه. ٢٣٠٠ - عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها قالت: إن الناس شكوا في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفة. فأرسلت إليه ميمونة بحلاب اللبن وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون إليه. -[المعنى العام]- لا شك أن الصوم يقرب العبد من ربه، ويباعد بين المسلم وبين خضوعه للشهوات، ولا شك أن دعاء الصائم أرجى للقبول، ومن المعلوم أن يوم عرفة من أعظم الأيام التي تنزل فيها الرحمة، لهذا رغب رسول الله ﷺ في صوم يوم عرفة، وقال "إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده". لكن الحج سفر، والسفر مشقة، وقد رخص الله للمسافر أن يفطر في رمضان، وقال الرسول الكريم "ليس من البر الصيام في السفر".

стр. 2441

وفي أداء مناسك الحج مشقة ومشقة، تحتاج قوة وجلداً وصبراً، وبخاصة الوقوف بعرفة الذي لا بد فيه من البروز للشمس، والتعرض لحرارة الجو في مكان خال من مطالب الراحة ووسائلها. فماذا في صوم الحاج يوم عرفة وهو واقف بعرفة؟ هل شأنه شأن المقيم في بلاده ودياره يستحب له الصوم؟ أو يستحب له الفطر؟ أو الحكم يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؟ فيستحب في الشتاء وحيث لا يشق على الواقف؟ ولا يستحب في الحر، ولا لمن يشق عليه الصوم؟ . أو الصوم والفطر بالنسبة له سواء؟ إن صام فله أجره، وإن أفطر فله أجر الصائم؟ لقد أراد بعض الصحابة الواقفين بعرفة أن يتبينوا حال الرسول ﷺ وهو واقف بعرفة. لقد قال بعضهم: هو صائم، وقال البعض: ليس بصائم. فما هو القول الفصل؟ لا سبيل إلى سؤاله ﷺ في زحام الموقف، وأقرب الناس إلى معرفة ذلك زوجته، ومضرب أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث قريب منهم، لقد وقفوا على بابها ومعها أختها أم الفضل. وأخذوا يتجادلون، ورأت أم الفضل وميمونة أن السبيل الواضح لمعرفة حاله ﷺ أن ترسلا إليه بقدح فيه لبن، فإن كان صائماً لن يشرب، فلما وصله اللبن وهو على ناقته ﷺ يخطب الناس رفع القدح إلى فيه وشرب، والناس ينظرون إليه ﷺ ، فعلموا أنه ليس بصائم؛ فأفطر منهم من أفطر، وصام من صام حيث لا نهي. -[المباحث العربية]- (أم الفضل بنت الحارث) الهلالية زوجة العباس عم النبي ﷺ ، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵄، والظاهر أنهما كانتا في خيمة واحدة في الموقف. (أن ناساً تماروا) أي اختلفوا وتجادلوا، وفي موطأ مالك "اختلف ناس من أصحاب رسول الله ﷺ "، وفي روايتنا الثانية "شك ناس"، وفي الثالثة "إن الناس شكوا في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفة" فكأنهم شكوا ثم تماروا وتجادلوا "فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم" كما جاء في الرواية الأولى. (فأرسلت إليه) التاء ساكنة، والفاعل ضمير الغائبة، وكذا في الرواية الثالثة، أما الثانية فالتاء ضمير المتكلمة. (بقدح لبن) القدح بفتح الدال إناء يشرب به الماء أو اللبن أو نحوهما يشبه ما يسمى اليوم بالكأس، وفي الرواية الثانية "فأرسلت إليه بقعب فيه لبن" والقعب بفتح القاف وسكون العين القدح الضخم الغليظ، وفي الرواية الثالثة "فأرسلت إليه ميمونة بحلاب اللبن" بكسر الحاء، وهو الإناء الذي يجعل فيه اللبن، وقد يطلق على اللبن المحلوب. (وهو واقف على بعيره بعرفة) في بعض الروايات "وهو يخطب الناس بعرفة" والمراد وهو

стр. 2442

واقف بعرفة راكباً بعيره جالساً عليه، فالوقوف بعرفة حضورها، واقفاً منتصباً أو مضطجعاً، وأطلق عليه الوقوف تغليباً. (عن عمير مولى ابن عباس) في روايتين لمسلم والبخاري "عن عمير مولى أم الفضل" قال الحافظ: أم الفضل هي والدة ابن عباس، وقد انتقل إلى ابن عباس ولاء موالي أمه، فمن قال: مولى أم الفضل فباعتبار أصله، ومن قال: مولى ابن عباس فباعتبار ما آل إليه حاله. (فأرسلت إليه ميمونة بحلاب اللبن) صريح في أن ميمونة هي التي أرسلت، والرواية الأولى صريحة في أن أم الفضل هي التي أرسلت؟ قال الحافظ ابن حجر: يحتمل التعدد [أي كل منهما حصل في خيمتها نقاش فأرسلت مع فارق في الزمن] ويحتمل أنهما معاً أرسلتا، فنسب ذلك إلى كل منهما، لأنهما كانتا أختين، فتكون ميمونة أرسلت بإشارة أم الفضل لكشف الحال في ذلك، ويحتمل العكس. أما الشخص الذي أرسل فلم يسم في طريق حديث أم الفضل، لكن روى النسائي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك. -[فقه الحديث]- هذا الحديث مرتبط بأحاديث صيام عرفة، وسيأتي بعد أبواب أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وهذا الحديث صريح في أن النبي ﷺ لم يصمه وهو واقف بعرفة فجمع بين الحديثين بحمل الاستحباب على غير الحاج دون الحاج. وفي حكم صيام يوم عرفة الحاج قال النووي في المجموع: قال الشافعي والأصحاب: يستحب صوم يوم عرفة لغير من هو بعرفة، وأما الحاج الحاضر في عرفة فيستحب له فطره، وقال جماعة من أصحابنا: يكره له صومه، ولم يذكر الجمهور الكراهة، بل قالوا: يستحب فطره، واحتج لمن قال بالكراهة بحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ "نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" رواه أبو داود والنسائي بسند فيه مجهول، وروى الترمذي "سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة، قال: حججت مع رسول الله ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه فأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهي عنه" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. قال النووي: وهذان الحديثان لا دلالة فيهما لمن قال بالكراهة، لأن الأول ضعيف، والثاني ليس فيه نهي، وإنما هو خلاف الأفضل. قال وعلل الشافعي والأصحاب استحباب فطره ليقوى الحاج على الدعاء، لأن الحاج يبرز للشمس، فيناله بذلك مشقة يستحب أن لا يصوم معها. وقال المتولي الأولى أن يصوم حيازة للفضيلة. واختار مالك وأبو حنيفة والثوري الفطر، وقال عطاء: من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم.

стр. 2443

وقال ابن عباس: يوم عرفة لا يصحبنا أحد يريد الصيام، فإنه يوم تكبير وأكل وشرب. ونقل عن الشافعي في القديم أنه لو علم الرجل أن الصوم بعرفة لا يضعفه فصامه كان حسناً. وقال عطاء: أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف. وكان الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة. والذي تسترح إليه النفس أن فضل صيام يوم عرفة عظيم، لا يفرط فيه من لا يشق عليه الصيام بعرفة، ولا إخال الصوم يعوق الذكر والدعاء. بل العكس صحيح، فالصوم ينبه للذكر ويصفيه ويقرب الدعاء من القبول، نعم قد يعوق الجهر بالتكبير والدعاء، لكن آثار الصوم في الذكر والدعاء أعظم من آثاره في الجهر بالتكبير. أما أحاديث الباب فهي لا تدل على الفضل، فكثيراً ما كان النبي ﷺ يحرص على الرفق بالأمة، ويفعل خلاف الأفضل بالنسبة له لرفع الحرج عن غير القادرين، كما رأينا في فطره في رمضان في السفر. وقيل: إنه أفطر لموافقته يومئذ يوم الجمعة، وقد نهي عن إفراده بالصوم. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]- ١ - قال النووي: فيه استحباب الوقوف راكباً، وهو الصحيح في مذهبنا، ولنا قول أن غير الركوب أفضل. قال الحافظ ابن حجر: اختلف أهل العلم في أيهما أفضل؟ الركوب أو تركه بعرفة؟ فذهب الجمهور إلى أن الأفضل الركوب، لكونه ﷺ وقف راكباً، ومن حيث النظر فإن في الركوب عوناً على الاجتهاد في الدعاء والتضرع المطلوب حينئذ، كما ذكروا مثله في الفطر، وذهب آخرون إلى أن استحباب الركوب يختص بمن يحتاج الناس إليه لتعليمهم، وعن الشافعي قول أنهما سواء. ٢ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على أن الوقوف على ظهر الدواب مباح، وأن النهي الوارد في ذلك محمول على ما إذا أجحف بالدابة. اهـ. ٣ - وفيه جواز الشرب قائماً وراكباً. ٤ - وأباحة الهدية للنبي ﷺ . ٥ - وإباحة قبول هدية المرأة المتزوجة من غير استفصال منها. هل هو من مال زوجها؟ أو لا؟ أو أنه أذن فيه؟ أم لا؟ إذا كانت موثوقاً بدينها، قال الحافظ: ولعل ذلك من القدر الذي لا يقع فيه المشاححة. قال المهلب: وفيه نظر، لما تقدم من احتمال أنه من بيت ميمونة زوج النبي ﷺ . ٦ - قال النووي: وفيه أن تصرف المرأة في مالها جائز، ولا يشترط إذن الزوج، سواء تصرفت في الثلث أو أكثر، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال مالك: لا تتصرف فيما فوق الثلث إلا بإذنه. قال: وموضع الدلالة من الحديث أنه ﷺ لم يسأل: هل هو من مالها؟ ويخرج من الثلث؟ أو بإذن الزوج أولاً؟ ولو اختلف الحكم لسأل. اهـ.

стр. 2444

وفيه نظر لاحتمال أن يكون من بيت زوجته ميمونة، كما سبق، كما أن كوب اللبن لا يحتمل أن يكون فوق ثلث ما يملك مرسله، فلا يحتاج إلى سؤال، ولا يستدل به على المطلوب. ٧ - وفيه أن صوم يوم عرفة كان معروفاً عندهم، معتاداً لهم في الحضر، وكأن من قال: إنه صائم استند إلى ما ألفه من العبادة، ومن قال: إنه ليس بصائم قامت عنده قرينة كونه مسافراً، وقد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلاً عن النفل. ٨ - وفيه حرص الصحابة على التأسي به ﷺ . ٩ - وفيه البحث والاجتهاد في حياته ﷺ . ١٠ - والمناظرة في العلم بين الرجال والنساء. ١١ - والتحيل على الاطلاع على الحكم من غير سؤال؛ حيث تماروا أمام من يطلبون سؤاله. ١٢ - وفيه فطنة أم الفضل لاستكشافها عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال، لأن ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة. ١٣ - وفيه أن العيان أقطع للحجة وأنه فوق الخبر. ١٤ - وأن الأكل والشرب في المحافل مباح، ولا كراهة فيه للضرورة. والله أعلم

стр. 2445

(٣٠٨) باب صوم يوم عاشوراء ٢٣٠١ - عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله ﷺ يصومه. فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما فرض شهر رمضان قال "من شاء صامه ومن شاء تركه". ٢٣٠٢ - عن هشام بهذا الإسناد ولم يذكر في أول الحديث وكان رسول الله ﷺ يصومه. وقال في آخر الحديث وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه. ولم يجعله من قول النبي ﷺ كرواية جرير. ٢٣٠٣ - عن عائشة ﵂ أن يوم عاشوراء كان يصام في الجاهلية فلما جاء الإسلام من شاء صامه ومن شاء تركه. ٢٣٠٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان. فلما فرض رمضان كان من شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء أفطر. ٢٣٠٥ - عن عائشة ﵂ أن قريشاً كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فرض رمضان، فقال رسول الله ﷺ "من شاء فليصمه ومن شاء فليفطره". ٢٣٠٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ "إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه".

стр. 2446

٢٣٠٧ - عن ابن عمر ﵄ أنه ذكر عند رسول الله ﷺ يوم عاشوراء فقال رسول الله ﷺ "كان يوماً يصومه أهل الجاهلية. فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدعه". ٢٣٠٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في يوم عاشوراء "إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية. فمن أحب أن يصومه فليصمه، ومن أحب أن يتركه فليتركه" وكان عبد الله ﵁ لا يصومه إلا أن يوافق صيامه". ٢٣٠٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ذكر عند النبي ﷺ صوم يوم عاشوراء فذكر مثل حديث الليث بن سعد سواء. ٢٣١٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر عند رسول الله ﷺ يوم عاشوراء فقال "ذاك يوم كان يصومه أهل الجاهلية. فمن شاء صامه، ومن شاء تركه". ٢٣١١ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغذى. فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك. وقال أبو كريب تركه. ٢٣١٢ - عن الأعمش بهذا الإسناد. وقالا: فلما نزل رمضان تركه. ٢٣١٣ - عن قيس بن سكن أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله يوم عاشوراء وهو يأكل، فقال: يا أبا محمد ادن فكل. قال: إني صائم. قال: كنا نصومه ثم ترك.

стр. 2447

٢٣١٤ - عن علقمة قال: دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان فلما نزل رمضان ترك، فإن كنت مفطراً فاطعم. ٢٣١٥ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده. فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده. ٢٣١٦ - عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيباً بالمدينة (يعني في قدمة قدمها) خطبهم يوم عاشوراء. فقال: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ ! سمعت رسول الله ﷺ يقول (لهذا اليوم) "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم. فمن أحب منكم أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر". ٢٣١٧ - عن الزهري بهذا الإسناد سمع النبي ﷺ يقول في مثل هذا اليوم "إني صائم فمن شاء أن يصوم فليصم" ولم يذكر باقي حديث مالك ويونس. ٢٣١٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء. فسئلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون فنحن نصومه تعظيماً له. فقال النبي ﷺ "نحن أولى بموسى منكم". فأمر بصومه. ٢٣١٩ - عن أبي بشر بهذا الإسناد وقال فسألهم عن ذلك. ٢٣٢٠ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجد

стр. 2448

اليهود صياماً يوم عاشوراء. فقال لهم رسول الله ﷺ "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ " فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه. ٢٣٢١ - عن أبي موسى ﵁ قال كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود وتتخذه عيدا فقال رسول الله ﷺ "صوموه أنتم" ٢٣٢٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم. فقال رسول الله ﷺ "فصوموه أنتم". ٢٣٢٣ - عن ابن عباس ﵄ وسئل عن صيام يوم عاشوراء. فقال: ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهراً إلا هذا الشهر يعني رمضان. ٢٣٢٤ - عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس ﵄ وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت: له أخبرني عن صوم عاشوراء. فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً. قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: نعم. ٢٣٢٥ - عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عباس ﵄ وهو متوسد رداءه عند زمزم عن صوم عاشوراء. بمثل حديث حاجب بن عمر. ٢٣٢٦ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 2449

يوم عاشوراء وأمر بصيامه. قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله ﷺ "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع" قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . ٢٣٢٧ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" وفي رواية أبي بكر قال يعني يوم عاشوراء. ٢٣٢٨ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: بعث رسول الله ﷺ رجلاً من أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس "من كان لم يصم فليصم. ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل". ٢٣٢٩ - عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة "من كان أصبح صائماً فليتم صومه. ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه" فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار. ٢٣٣٠ - عن خالد بن ذكوان قال: سألت الربيع بنت معوذ عن صوم عاشوراء. قالت: بعث رسول الله ﷺ رسله في قرى الأنصار. فذكر بمثل حديث بشر غير أنه قال: ونصنع لهم اللعبة من العهن فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم. -[المعنى العام]- الأماكن والأزمنة ظروف يفضل بعضها بعضاً بما يقع فيها من أحداث، وبما يفيضه فيها خالقها من فضل ورحمات، فليلة القدر خير من ألف شهر، نزل فيها القرآن: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٤، ٥]. و ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة

стр. 2450

مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]. وقد كان اليوم العاشر من شهر المحرم من أيام الله التي أفاض الله فيها على أوليائه من فيوضاته، فنجى فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده، ومن واجب المؤمن أن يشكر الله على نعمائه، وخير ما يشكر به الصوم، لذا صامه موسى ﵇ شكراً لله، وصامه اليهود من بعده، وصامته قريش، وصامه رسول الله ﷺ بمكة، ثم بالمدينة، لقد رأى اليهود يصومونه فسألهم عن سر صومهم له، فوجده حسناً، فأمر أصحابه بصيامه وقال لهم: نحن أحق وأولى بموسى من اليهود، فصوموه، ولم يكن فرض على المسلمين صيام قبل، ولم يمض أشهر على صيامهم يوم عاشوراء حتى فرض الله عليهم صوم شهر رمضان، فقال لهم ﷺ : "يوم عاشوراء من أيام الله المفضلة، لم يكتب ولم يفرض الله عليكم صيامه، فمن شاء أن يصومه تطوعاً فليصمه، وأنا صائم".وكان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب في الطاعات التي لم يؤمر فيها بشيء، استئلافاً لقلوبهم من جهة، واعتماداً على أن عبادتهم تستند إلى الوحي غالباً من جهة، حتى فتح الله مكة، وأتم الله النعمة، وأكمل دينه فأصبح رسول الله ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب، فقال في عامه الأخير: "لئن عشت إلى العام القابل لأصومن التاسع والعاشر" ولكنه ﷺ لحق بالرفيق الأعلى. وكان اهتمامه ﷺ بصيام المسلمين ليوم عاشوراء كبيراً، فكان يأمرهم به، ويحثهم عليه، ويتعاهدهم ويسألهم عن صيامه، فكانوا لشعورهم بهذا الاهتمام يحافظون عليه، ويدربون صبيانهم على صيامه، ويشغلونهم عن الرغبة في الطعام والفطر باللعبة يصنعونها لهم من الصوف، حتى خشي بعض الصحابة من اعتقاد وجوب صيام هذا اليوم فكان يفطر فيه عن عمد، وهو يعلم أن صيامه مستحب، وأن الرسول ﷺ احتسب على الله أن يكفر صوم يوم عاشوراء صغائر السنة التي قبله. -[المباحث العربية]- (كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية) "عاشوراء" بالمد على فاعولاء من العشر الذي هو اسم للعدد المعين، وحكي فيه القصر، قال القرطبي: "عاشوراء" معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإسمية، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة. وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع والأديان السابقة، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه، وقيل: أذنبت قريش ذنباً في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك الذنب. والمراد بالجاهلية ما قبل البعثة.

стр. 2451

(وكان رسول الله ﷺ يصومه) أي قبل الهجرة. (فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه) في الكلام طي، تقديره: فلما هاجر إلى المدينة ووجد اليهود يصومونه. وسألهم عن سر صيامهم هذا، وأجابوه، وقال ما قال، صام وأمر بصيامه، يوضح هذا الحذف ما جاء في الرواية السادسة عشرة والسابعة عشرة. ومعنى "صامه" استمر يصومه، لأنه كان يصومه قبل أن يهاجر، وقيل: صامه ﷺ مع قريش، ثم قطع صيامه قبل الهجرة، ثم صامه بعد سؤال اليهود، والأول أصح. وقد قال القرطبي: لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم، كالحج، أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر إلى المدينة، ووجد اليهود يصومونه، وسألهم، وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون ذلك استئلافاً لليهود، كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك، وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه. اهـ. وقال النووي: ضبطوا "وأمر بصيامه" هنا بوجهين. أظهرها بفتح الهمزة والميم، والثاني بضم الهمزة وكسر الميم. (فلما فرض شهر رمضان قال ... ) كان قدومه ﷺ إلى المدينة في ربيع الأول، فكان الأمر بصيام عاشوراء في أول السنة الثانية، وفرض رمضان في السنة الثانية، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع. (وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صيامه) أي إلا أن يوافق عادة له، والمراد من عبد الله، عبد الله بن عمر. (دخل الأشعث بن قيس على عبد الله) المراد به عبد الله بن مسعود ﵁، كما صرح به في الرواية الثالثة عشرة، وكنيته أبو عبد الرحمن، وكنية الأشعث بن قيس أبو محمد. (وهو يتغذى ... ادن إلى الغداء) "الغداء" بفتح الغين وبالدال المهملة طعام الغدوة، أي البكور، وأكلة الظهيرة، قال تعالى: ﴿آتنا غداءنا﴾ [الكهف: ٦٢]. ويقال: تغدى بالدال المهملة أكل الغداء. أما "الغذاء" بكسر الغين وبالذال المعجمة: ما يكون به نماء الجسم وقوامه من الطعام والشراب، ويقال تغذى بالذال المعجمة: تناول الغذاء. وهو في روايتنا "يتغذى" بالذال المعجمة "ادن إلى الغداء" بفتح الغين والدال المهملة، فالمعنى وهو يأكل فقال: ادن إلى طعام الظهيرة.

стр. 2452

(أوليس اليوم يوم عاشوراء) استفهام إنكاري توبيخي بمعنى لا ينبغي، أو تعجبي، أي كيف تأكل وتدعوني للأكل واليوم يوم عاشوراء المأمور بصومه؟ (قبل أن ينزل شهر رمضان) أي قبل أن ينزل فرض صيام شهر رمضان، ويمكن أن يكون "شهر رمضان" مقصود به حكاية الآية الكريمة، أي قبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ... ﴾ [البقرة: ١٨٥]. لكن قوله في الروايات الأخرى: "قبل أن ينزل رمضان" يقوي المعنى الأول. (إن اليوم يوم عاشوراء) الكلام على الاستفهام الإنكاري، والمراد من الخبر لازمه، أي إن اليوم يوم يصومه المسلمون؟ لا ينبغي فيه الفطر. (فإن كنت مفطراً فاطعم) أي فإن كنت ستفطر بناء على ما قلت لك فهيا إلى الطعام، وليس المراد إن كنت غير صائم، لأنه أخبره بأنه صائم. (ويتعاهدنا عنده) يقال: تعاهده أي تفقده وتردد إليه يجدد العهد به، والمراد يتفقد صيامنا لعاشوراء، ويسألنا عنه عند مجيئه. (يعني في قدمة قدمها) "قدمة" بفتح القاف وسكون الدال المرة من القدوم، وفي رواية البخاري عن حميد "أنه سمع معاوية يوم عاشوراء عام حج على المنبر" قال الحافظ ابن حجر: وكأنه تأخر بمكة أو المدينة في حجته إلى يوم عاشوراء، وذكر أبو جعفر الطبري أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة. (أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ ) قال الحافظ: في سياق هذه القصة إشعار بأن معاوية لم ير لهم اهتماماً بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن علمائهم، أو بلغه عن بعضهم أنه يكره صيامه، أو يقول بوجوبه. اهـ. فأراد إعلامهم بأنه ليس بواجب ولا مكروه. (فسئلوا عن ذلك) في ملحق الرواية "فسألهم عن ذلك" وفي الرواية السابعة عشرة "فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه"؟ (هذا اليوم الذي أظهر الله في موسى وبني إسرائيل على فرعون) يقال: ظهر على عدوه أي غلبه، وأظهره الله على عدوه أي أعانه، وفي الرواية السابعة عشرة "هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه" وفي رواية البخاري "هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم" زاد أحمد "وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح شكراً".

стр. 2453

(فأمر بصومه) في الرواية السابعة عشرة "فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه" وفي البخاري "فقال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم، فصوموا". (ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم) قال النووي: الشارة الهيئة الحسنة والجمال، أي يلبسوهن اللباس الحسن الجميل، والحلي بضم الحاء وكسرها، والضم أشهر وأكثر. (وهو متوسد رداءه في زمزم) "توسد" اتكأ، وتوسد الرداء جعله وسادة يتكئ عليها، أو يضع عليها رأسه، "وفي زمزم" أي بجوار عين زمزم وفي مكانها، كما هو في ملحق الرواية "عند زمزم". (إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائماً) قال النووي: هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورود ربعاً، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عشراً. اهـ. وهذا التأويل الذي ذكره النووي لم يغير حقيقة اليوم إلا في التسمية، وكأنه قال: وأصبح يوم العاشر صائماً، وكأن ابن عباس يرى أن يوم عاشوراء حقيقة اليوم العاشر كما يراه الجمهور، ويقوي هذا حديثنا الثالث والعشرون، وفيه عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"، فمات قبل ذلك، فإنه ظاهر في أنه ﷺ كان يصوم العاشر. وهناك تأويلات أخرى لقول ابن عباس، وخيرها ما قيل: معنى قوله: "وأصبح يوم التاسع صائماً" أي صام التاسع مع العاشر، وأراد بقوله: "نعم" ما روي من عزمه ﷺ على صوم التاسع، من قوله: "لأصومن التاسع" أي نعم يصوم التاسع لو عاش إلى العام المقبل. وهذا فهم حسن، لأن السائل كان يريد صوم عاشوراء، ولم يقصد بسؤاله تحديد يوم عاشوراء. (فإذا كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع) وفي الرواية الثالثة والعشرين "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" وهذا يحتمل أمرين. أحدهما أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع، والثاني أنه أراد أن يضيفه إلى اليوم العاشر، وهو الأرجح. وسيأتي تتمة هذه المسألة في فقه الحديث. (بعث رسول الله ﷺ رجلاً من أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس) وفي الرواية الخامسة والعشرين "أرسل ... غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة" فبينت المكان المرسل إليه. وفي الرواية السادسة والعشرين "بعث رسول الله ﷺ رسله في قرى الأنصار" وروى أحمد عن هند بن أسماء ابن حارثة الأسلمي قال: بعثني النبي ﷺ إلى قومي من أسلم، فقال: مر قومك أن يصوموا هذا اليوم -يوم عاشوراء- فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه فليصم آخره" فالظاهر أن الرسول ﷺ أرسل الأسلمي إلى قومه وبعث رسلاً إلى القرى. (عن الربيع بنت معوذ) "الربيع" بتشديد الياء مصغراً، وأبوها "معوذ" بكسر الواو المشددة.

стр. 2454

(فنجعل لهم اللعبة من العهن) وهو الصوف مطلقاً، وقيل الصوف المصبوغ. (أعطيناها إياه عند الإفطار) قال النووي: قال القاضي: فيه محذوف، وصوابه حتى يكون عند الإفطار، فبهذا يتم الكلام، وهو معنى الرواية الأخرى "فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم". اهـ ورواية البخاري "فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار". -[فقه الحديث]- حكم صوم عاشوراء يختلف باختلاف مراحل ثلاث: المرحلة الأولى: صوم رسول الله ﷺ هذا اليوم بمكة، وهذا الصوم لم يثبت به تشريع للأمة، فهو كالعبادات التي كان يتعبد بها على ما اعتقد أنه من دين إبراهيم ﵇، أو على أنه خير مطلق، ولما لم يعترض جبريل على صيامه كان في ذلك إذن من الله له في صيامه. المرحلة الثانية: صيامه ﷺ لهذا اليوم وأمر أمته بصيامه بعد الهجرة، وبعد أن وجد اليهود يصومونه، وتنتهي هذه المرحلة بنزول فرض صوم رمضان، وقد ذكرنا أن مدة هذه المرحلة عام واحد. وقد اختلف العلماء في حكم صوم عاشوراء في هذه الفترة على مذهبين: (أ) فالحنفية وكثير من الشافعية يقولون: كان صومه واجباً، ثم نسخ وجوبه، وبقي تأكد استحبابه بفرض صوم شهر رمضان ويستدلون بأدلة: ١ - ثبوت الأمر بصومه "صامه وأمر بصيامه" في الرواية الأولى والثانية والسابعة عشرة، وفي الرابعة "كان رسول الله ﷺ يأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان" وفي الخامسة "أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فرض رمضان" وفي الرابعة عشرة "كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه .... فلما فرض رمضان". وفي السادسة عشرة "فأمر بصومه" وفي الثامنة عشرة "صوموه أنتم" وفي التاسعة عشرة "فصوموا أنتم" والأمر للوجوب. ٢ - تأكد هذا الأمر وزيادة تأكيده بتعاهد صيام المسلمين ففي الرواية الرابعة عشرة "يحثنا عليه ويتعاهدنا عنده" وبالنداء العام والتأذين في الناس وفي القرى حول المدينة. ويأمر من أكل بالإمساك كما جاء في الروايتين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين. ٣ - قول ابن مسعود [في روايتنا الحادية عشرة] "فلما نزل شهر رمضان ترك" مع العلم بأنه لم يترك استحبابه، فدل على أن المتروك وجوبه. (ب) وبعض الشافعية وكثير من العلماء يقولون: كان صومه مستحباً استحباباً آكد، فلما فرض

стр. 2455

رمضان صار مستحباً دون ذلك الاستحباب، فهو لم يزل سنة من حين شرع، ولم يكن واجباً قط في هذه الأمة، ويستدلون بقول معاوية، في روايتنا الخامسة عشرة: "ولم يكتب الله عليكم صيامه". قال الحافظ ابن حجر: ولا دلالة فيه، لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام، خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ ثم فسره بأنه شهر رمضان، وهذا لا يناقض الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي ﷺ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني. اهـ. ثم قال: وأما قولهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق الاستحباب فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به، حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر" ولترغيبه في صومه، وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ المرحلة الثالثة: حكم صوم يوم عاشوراء بعد فرض صوم شهر رمضان، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب. نعم نقل القاضي عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك. كذلك قيل: إن ابن عمر كان يكره قصده بالصوم، لكن انقرض أيضاً القول بذلك. نعم كان آخر أمره ﷺ ما هم به من صوم التاسع، والظاهر أنه قصد أن يضيف التاسع إلى العاشر. قال الحافظ ابن حجر: إما احتياطاً له، وإما مخالفة لليهود، وهو الأرجح، وبه تشير بعض روايات مسلم [يشير إلى روايتنا الثانية والعشرين] ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده" قال: وكان هذا في آخر الأمر، وقد كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة، واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً، كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذاك، فوافقهم أولاً، وقال: "نحن أحق بموسى منكم" ثم أحب مخالفتهم، فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله أو يوم بعده خلافاً لهم. ثم قال: وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب. أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر. والله أعلم. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - أن الأيام التي يتفضل الله فيها على عباده الصالحين يستحب صومها شكراً لله، فإن موسى عليه
следующие страницы →