Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
حقاً بأن في صلاة الليل كله لا بد فيها من الإضرار بنفسه، وتفويت بعض الحقوق، لأنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر، وإن نام نوماً ينجبر به سهره فوت بعض الحقوق، بخلاف من يصلي بعض الليل فإنه يستغني بنوم باقيه، وإن نام معه شيئاً في النهار كان يسيراً لا يفوت به حق، وكذا من قام ليلة كاملة واحدة، كليلة العيد لا كراهة فيه لعدم الضرر.
٢٧ - وجواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة، الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على المستحب المذكور.
٢٨ - ومن قوله في الرواية الرابعة والعشرين "فإن لزوجك عليك حقاً" حق المرأة على الزوج في حسن العشرة. قال الحافظ: وقد يؤخذ منه ثبوت حقها في الوطء.
٢٩ - ومن قوله: "ولزورك عليك حقاً" حق الضيف.
٣٠ - ومن مساومته ﷺ في الصوم وتدرجه مع عبد الله بن عمرو الحض على ملازمة العبادة، لأنه ﷺ مع كراهته له التشديد على نفسه حضه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر أن تضيع حق العبادة وتترك المندوب جملة، ولكن اجمع بينهما.
٣١ - ومن ذكر صوم وصلاة داود ﵇ مشروعية التأسي بالأنبياء ﵈.
٣٢ - ومن بيان صلاة داود ﵇ وأنها أحب الصلاة إلى الله فضيلة قيام الليل في الأوقات المذكورة، لأن المصلي يريح جسمه في أول الليل من متاعب النهار، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه عباده: هل من سائل فأعطيه سؤاله، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام.
٣٣ - ومن الرواية السادسة والعشرين كراهة ترك قيام الليل لمن كان يقومه، إذا أشعر ذلك بالإعراض عن العبادة.
٣٤ - قال ابن العربي: وفيه دليل على أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجباً لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل يذمه أبلغ ذم.
٣٥ - قال ابن حبان: وفيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه.
٣٦ - وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط.
٣٧ - ويستنبط منه كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة.
٣٨ - ومن قوله في الرواية الرابعة والعشرين "واقرأ القرآن في كل شهر .. فاقرأه في كل عشرين ... فاقرأه في كل عشر ... فاقرأه في كل سبع. ولا تزد على ذلك" استحباب قراءة القرآن. قال النووي: كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرءون كل يوم، بحسب أحوالهم وأفهامهم ووظائفهم "فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يوماً، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم -أو أكثرهم- في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في كل يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم
стр. 2522
في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وهو أكثر ما بلغنا، والمختار أنه يستكثر منه ما يمكنه الدوام عليه، ولا يعتاد إلا ما يغلب على ظنه الدوام عليه في حال نشاط وغيره، هذا إذا لم تكن له وظائف عامة أو خاصة يتعطل عنها بإكثار القرآن، فإن كانت له وظيفة عامة كولاية وتعليم ونحو ذلك فليوظف لنفسه قراءة يمكنه المحافظة عليها من غير إخلال بشيء من كمال تلك الوظيفة وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف. اهـ
وقد جاء في بعض الروايات "فمازال حتى قال: في ثلاث" وعند الدارمي "قال: اختمه في خمس".
قلت: إني أطيق. قال: لا" وعند أبي داود والترمذي مصححاً عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايات" فقال: احتمل في الجمع تعدد القصة. ولا مانع أن يتعدد قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ذلك تأكيداً ويؤيده الاختلاف الواقع في السياق، وكأن النهي عن الزيادة في قوله "ولا تزد" ليس للتحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب. قال: وأغرب بعض الظاهرية، فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث". اهـ
وما ذكره النووي هو ما عليه جمهور العلماء.
٣٩ - ويستفاد من الرواية الثانية والثلاثين زيارة الفاضل للمفضول في بيته.
٤٠ - وإكرام الضيف والكبار بإلقاء الفرش ونحوها تحته.
٤١ - وفيه ما كان عليه الصحابة من الضيق في غالب أحوالهم، إذ لو كان عنده أشرف من وسادة من أدم حشوها ليف لأكرم بها نبيه ﷺ .
٤٢ - وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يفرش له، وأن لا حرج عليه في ذلك إذا كان على سبيل التواضع والإكرام للمزور، وما كان عليه ﷺ من التواضع، ومجانبة الاستئثار على صاحبه وجليسه.
٤٣ - ومن قوله: "وإن لولدك عليك حقاً" في ملحق الرواية الرابعة والعشرين حق الأبناء على الآباء.
قال النووي: فيه أن على الأب تأديب ولده وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين، وهذا التعليم واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية، نص عليه الشافعي وأصحابه. وعلى الأمهات أيضاً هذا التعليم إذا لم يكن أب، لأنه من باب التربية، ولهن مدخل في ذلك، وأجرة هذا التعليم في مال الصبي، فإن لم يكن مال فعلى من تلزمه نفقته، لأنه مما يحتاج إليه. اهـ
٤٤ - ومن الرواية السابعة والثلاثين ذكاء عمر ﵁ وحكمته وحرصه على تهدئة غضب رسول الله ﷺ .
٤٥ - ومن الرواية الثالثة والأربعين والرابعة والأربعين فضل صلاة الليل، وأنها أفضل صلاة بعد المكتوبة، وأنها أفضل من الراتبة.
والله أعلم
стр. 2523
(٣١٢) باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها
٢٤١٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر".
٢٤١١ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر".
٢٤١٢ - عن سالم عن أبيه ﵁ قال: رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال النبي ﷺ "أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوتر منها".
٢٤١٣ - عن سالم بن عبد الله بن عمر أن أباه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لليلة القدر "إن ناساً منكم قد أروا أنها في السبع الأول وأري ناس منكم أنها في السبع الغوابر فالتمسوها في العشر الغوابر".
٢٤١٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "التمسوها في العشر الأواخر (يعني ليلة القدر) فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي".
٢٤١٥ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال "من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر".
٢٤١٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر" أو قال "في التسع الأواخر".
стр. 2524
٢٤١٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر". وقال حرملة "فنسيتها".
٢٤١٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر التي في وسط الشهر. فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة ويستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه. ثم إنه أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس فأمرهم بما شاء الله، ثم قال "إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر. فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه. وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين". قال أبو سعيد الخدري مطرنا ليلة إحدى وعشرين فوكف المسجد في مصلى رسول الله ﷺ . فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طيناً وماء.
٢٤١٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر. وساق الحديث بمثله غير أنه قال "فليثبت في معتكفه" وقال وجبينه ممتلئاً طيناً وماءً.
٢٤٢٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير. قال: فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبلة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه، فقال "إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط. ثم أتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف" فاعتكف الناس معه قال "وإني أربئتها ليلة وتر وإني أسجد صبيحتها في طين وماء" فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء فوكف المسجد، فأبصرت الطين
стр. 2525
والماء فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثه أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي إحدى وعشرين من العشر الأواخر.
٢٤٢١ - عن أبي سلمة قال: تذاكرنا ليلة القدر فأتيت أبا سعيد الخدري ﵁ وكان لي صديقاً. فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل؟ فخرج وعليه خميصة. فقلت له: سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الوسطى من رمضان. فخرجنا صبيحة عشرين، فخطبنا رسول الله ﷺ فقال "إني أريت ليلة القدر وإني نسيتها (أو أنسيتها) فالتمسوها في العشر الأواخر من كل وتر، وإني أريت أني أسجد في ماء وطين. فمن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فليرجع" قال فرجعنا وما نرى في السماء قزعة. قال: وجاءت سحابة فمطرنا حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل. وأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين. قال حتى رأيت أثر الطين في جبهته.
٢٤٢٢ - عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد نحوه وفي حديثهما رأيت رسول الله ﷺ حين انصرف وعلى جبهته وأرنبته أثر الطين.
٢٤٢٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له. فلما انقضين أمر بالبناء فقوض. ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد. ثم خرج على الناس فقال "يا أيها الناس إنها كانت أبينت لي ليلة القدر وإني خرجت لأخبركم بها. فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان، فنسيتها. فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" قال: قلت: يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل نحن أحق بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين وهي التاسعة. فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة. فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة. وقال ابن خلاد (مكان يحتقان) يختصمان.
стр. 2526
٢٤٢٤ - عن عبد الله بن أنيس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد في ماء وطين" قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين.
٢٤٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (قال ابن نمير) "التمسوا (وقال وكيع) تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان".
٢٤٢٦ - عن زر بن حبيش قال سألت أبي بن كعب ﵁، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول من يقم الحول يصب ليلة القدر. فقال: ﵀ أراد أن لا يتكل الناس. أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين. ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها.
٢٤٢٧ - عن أبي بن كعب ﵁. قال: قال أبي، في ليلة القدر: والله إني لأعلمها. قال شعبة: وأكبر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها هي ليلة سبع وعشرين. وإنما شك شعبة في هذا الحرف هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ . قال: وحدثني بها صاحب لي عنه.
٢٤٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ فقال "أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة؟ ".
-[المعنى العام]-
من فضل الله على عباده، ومن إكرامه لأمة محمد ﷺ أن ضاعف ثواب طاعتهم أضعافاً مضاعفة،
стр. 2527
تارة بوقوعها في المكان المفضل، كالمسجد الحرام، حيث جعل الصلاة فيه بمائة ألف صلاة تقع في غيره من المساجد، خلا مسجد المدينة والمسجد الأقصى، وتارة بوقوعها في الزمان المفضل، كشهر رمضان، فمن تطوع بخصلة فيه كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وتارة بهيئة العبادة، فصلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة.
فيا سعادة من اغتنم مواسم الفضل فأحسن الطاعة، وأكثر من العبادة، ويا تعاسة من ضيع الفرص، وتكاسل عن ربح التجارة.
وخير الفرص وأعلاها ليلة القدر ﴿وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٢، ٥].
"من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" قيام ليلة واحدة يعدل قيام ألف شهر. وطاعة وذكر ودعاء وقراءة وصلاة في ليلة واحدة يعدل بل يزيد على طاعة وذكر ودعاء وقراءة ثلاث وثمانين سنة، فأين هي هذه الليلة؟ .
إن الله تعالى يقول: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] ويقول: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فكأن المفهوم من الآيتين أن ليلة القدر في رمضان، وهكذا فهم النبي ﷺ ، وفهم صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، فاعتكف في خيمة صغيرة بمسجده بالمدينة عشر ليال من رمضان، هي العشر الأولى. واعتكف معه كثير من صحابته، كل في معتكف صغير يضع فيه متاعه وزاده، ولا يخرج من المسجد إلا لضرورة، وكل وقتهم في ليلهم ونهارهم ذكر وقراءة وصلاة ودعاء، يلتمسون ليلة القدر، ثم بدا له ﷺ في العام الآخر أن يعتكف العشر الأوسط، يلتمس ليلة القدر، ويقصد بذلك استيعاب الشهر تدريجياً، ليقع له ولهم ليلة القدر التي لا تخرج عن ليالي الشهر، واعتكف معه أصحابه العشر الوسطى، حتى إذا كان صبيحة الليلة المتممة للعشرين خرج من معتكفه، وأمر بخيمته أن تزال، فطويت، وطوى الصحابة معتكفهم.
واستعد الجميع لمغادرة المسجد إلى ديارهم، وما كانوا ليخرجوا إلا إذا خرج رسولهم، لكن الرسول ﷺ لم يخرج، بل أمر بإعادة بناء خيمته ثانية. ثم دخلها وعلى بابها يتدلى حصير، ماذا حدث؟ بعد لحظات نحى رسول الله ﷺ الحصير، وفتح الباب، ونادى أصحابه، فاجتمعوا إليه. واقتربوا منه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال لهم: اعتكفت العشر الأول ألتمس ليلة القدر، ثم اعتكفت العشر التي في وسط الشهر، ألتمس ليلة القدر، وقد أريتها في منامي بالأمس، وحددت لي ليلتها، وأيقظني بعض أهلي.
[وكانت بيوت أزواجه تفتح في المسجد، وكانت خيمته بجوار أحد أبوابها، لدرجة أنه كان يخرج رأسه من الخيمة، فتصبح في البيت، فتغسلها زوجه] وخرجت لأخبركم بعين ليلتها، فوجدت فلاناً وفلاناً يتخاصمان، فشغلت بالإصلاح بينهما، فنسيتها، لكني رأيتني ليلتها أسجد في ماء وطين،
стр. 2528
فهذه علامتها، وجاء بعض أصحابه، فقال أحدهم: لقد رأيت أنها ليلة إحدى وعشرين، وقال آخر: لقد رأيت أنها ليلة ثلاث وعشرين، وقال ثالث: لقد رأيت أنها ليلة خمس وعشرين، وقال رابع: لقد رأيت أنها ليلة سبع وعشرين، فقال ﷺ : أرى رؤياكم قد اتفقت على أنها في العشر الأواخر، فالتمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز عن قيام العشر فليحرص على قيام السبع الأواخر، فإن عجز عن قيام السبع الأواخر فليحرص على قيام الوتر من العشر أو من السبع الأواخر. وعاد الصحابة إلى معتكفهم، وقاموا يتعبدون ليلة إحدى وعشرين، وكانت سماؤها صافية، لكن سحابة جاءت فأمطرت عند الفجر، فقام الرسول ﷺ يصلي الفجر بأصحابه، فكانت أرض المسجد ماء وطيناً من سقوط المطر من سقف المسجد، ولم يكن به فراش، فسجد ﷺ وسجد أصحابه على الطين، ورأوا بعد الصلاة أثر الطين في وجهه ﷺ ، في جبهته ورأس أنفه، فعلموا أن ليلتهم الماضية كانت ليلة القدر، أو هكذا ظنوا، كما توقعوا أن تمطر السماء ثانية في بقية العشر، فتكون الليلة مازالت أمامهم، فأكملوا اعتكاف العشر، وصارت الوصية بعد ذلك: التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، فاللهم وفقنا لها وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
-[المباحث العربية]-
(أن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء.
(أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر) و"أروا" بضم الهمزة فعل ماض مبني للمجهول، أي أراهم الله في منامهم ليلة القدر بعلاماتها الآتية في فقه الحديث، وأوقع في نفوسهم أنها في السبع الأواخر من رمضان أو أعلمهم الله من غير رؤية، أو قال لهم قائل: إنها في السبع الأواخر، من رمضان، فـ"ال" في "السبع الأواخر" للعهد، وقوله: "في السبع الأواخر" متعلق بمحذوف حال من "ليلة القدر" أي أروا ليلة القدر كائنة وواقعة في السبع الأواخر، ويؤيد هذا الاحتمال روايتنا الثالثة، وفيها "رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين والرابعة، وفيها "وأرى ناس منكم أنها في السبع الغوابر" وقيل: إن الجار والمجرور "في السبع الأواخر" متعلق بـ"أروا" أي أراهم الله في السبع الأواخر ليلة القدر، فرجل رآها ليلة الثالث والعشرين، وآخر رآها ليلة الخامس والعشرين، وآخر رآها ليلة السابع والعشرين، وليس بذلك، لأنه لا يستلزم أن يتكرر وقوعها في عام واحد، أو أن يروها في عدة أعوام بهذا العدد، وهو بعيد، وقيل: متعلق بمحذوف حال من "المنام" أي في المنام واقعاً وكائناً في السبع الأواخر، وهو بعيد كسابقه، حتى لو فسر بوقوع رؤياهم لها في ليلة واحدة من السبع الأواخر، حيث لا داعي لإبهام ليلة الرؤيا في سبع.
стр. 2529
قال الحافظ ابن حجر: واختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة، فقيل: المراد به التعظيم. كقوله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١] قال الزهري: ليلة العظمة والشرف، والمعنى أنها ذات قدر، لنزول القرآن فيها، وهو كتاب ذو قدر، نزل بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، لأمة ذات قدر، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر، أو لأن الطاعات في هذه الليلة ذات عظمة وأجر وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة.
لقوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤] وبه صدر النووي كلامه فقال: قال العلماء: سميت ليلة القدر لما يكتب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة، ومعناه يظهر للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به، وتقديره له.
(أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر) "أرى" بفتح الهمزة والراء، أي أعلم، والمراد من "رؤياكم" مرائيكم، لأنها لم تكن رؤيا واحدة، وكان الأصل "رؤاكم" جمع رؤيا، ليكون جمعاً في مقابلة جمع "فيقتضي القسمة آحاداً، ليصير المعنى رؤيا كل منكم، وهذا الإفراد جائز لكن الجمع أكثر وأشهر. ومعنى "تواطأت" توافقت، قال النووي: هو في جميع النسخ بطاء ثم تاء "تواطت" وكان ينبغي أن يكتب بألف بين الطاء والتاء، صورة للهمزة، ولا بد من قراءته مهموزاً، قال الله تعالى: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾ [التوبة: ٣٧] وفي الرواية الثالثة "أرى رؤياكم في العشر الأواخر".
(فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) أي فمن كان طالبها وقاصدها فليطلبها في السبع الأواخر، والتحري القصد والاجتهاد في الطلب، وفي الرواية الثانية "تحروا" بفعل الأمر من غير تعليق، وفي الثالثة "فاطلبوها" وفي الرابعة والخامسة "التمسوها" وفي السادسة "من كان ملتمسها فليلتمسها" وكل من التحري والالتماس طلب وقصد، ولكن التحري طلب بجد واجتهاد، وفي الرواية السابعة، "تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر" أي اطلبوا حينها، وهو زمانها.
وفي الرواية الرابعة "فالتمسوها في العشر الغوابر" يعني البواقي، وهي الأواخر، وفي الخامسة "من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر" وفي السابعة "تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر" أو قال "في التسع الأواخر" وفي البخاري في التعبير عن سالم عن أبيه قال: "إن ناساً أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وإن ناساً أروا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ : التمسوها في السبع الأواخر" قال الحافظ ابن حجر: وكأنه ﷺ نظر إلى المتفق عليه من الروايتين [وهي السبع] فأمر به. اهـ
والتحقيق أنه أمر بالأمرين لكنه أكد أحدهما أكثر من الآخر كما تدل على ذلك روايتنا الخامسة، إذ فيها "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي" وفي بعض النسخ "عن السبع" بلفظ "عن" بدل "على" قال النووي: وكلاهما صحيح.
стр. 2530
وفي المراد من السبع الأواخر قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن المراد بها أواخر الشهر [أي ابتداء من ليلة الرابع والعشرين إن كان الشهر ثلاثين، ومن ليلة الثالث والعشرين إن كان الشهر ثلاثين، والاحتياط بدء الالتماس على هذا من ليلة الثالث والعشرين وقيل المراد به السبع التي أولها ليلة الثاني والعشرين وآخرها ليلة الثامن والعشرين، ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين.
وفي الرواية الثالثة "في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها" وفي الرواية التاسعة "فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر" وفي الرواية الثالثة عشرة "فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" وفسرها أبو سعيد الخدري على أن الشهر ثلاثون، فإذا مضت واحدة وعشرون ليلة كان الباقي منه تسعاً، وليلة ثنتين وعشرين التاسعة، وإذا مضى ثلاث وعشرون ليلة كان الباقي من الشهر سبعاً، وليلة أربع وعشرين السابعة، وإذا مضى خمس وعشرين ليلة كان الباقي خمس ليال وكانت ليلة ست وعشرين هي الخامسة، فكأن المأمور به التماسها في الليلة الثانية والعشرين والرابعة والعشرين والسادسة والعشرين، فتكون في الشفع لا في الوتر.
وفي البخاري "التمسوها في العشر الأواخر .... في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى". وظاهرها يتفق مع تفسير أبي سعيد، فيتعارض مع أحاديث طلبها في الوتر.
وقد جمع بعض المحققين بين الأحاديث على خلاف تفسير أبي سعيد، فقال: إن المطلوب التماسها ليلة واحدة وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين أعني الوتر، فإذا كان الشهر تسعاً وعشرين فواضح، إذ ليلة واحد وعشرين هي التاسعة مما يبقى، وليلة ثلاث وعشرين هي السابعة مما يبقى. وهكذا، وإن كان الشهر ثلاثين فالمراد من "تاسعة تبقى" أي تبقى خارجاً عن الليلة المطلوبة التي هي ليلة واحد وعشرين. ذكره الحافظ ابن حجر، وهو جمع حسن، يرفع الإشكال عن الروايات الصحيحة التي ظاهرها الشفع.
(أريت ليلة القدر) أي أريت مناماً تحديد وقتها، بأن قيل لي مثلاً: هي ليلة كذا، وليس معناه أنه رأى علامتها، أو رأى الأنوار، أو الملائكة، ثم أنسي، لأن مثل ذلك قلما ينسى.
(ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها) سبب نسيانها انشغاله ﷺ بالمتخاصمين -كما سيأتي في الرواية الثالثة عشرة، ففي هذه الرواية طي وحذف، والأصل: ثم أيقظني بعض أهلي، فخرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان، معهما الشيطان، فنسيتها، وقد روي لفظ "فنسيتها" بفتح النون وكسر السين مخففه، والمقصود الإخبار بنسيانه من غير إشارة إلى سبب النسيان، وبضم النون وتشديد السين المكسورة. وبلفظ "أنسيتها" بضم الهمزة، أي نساني أو أنساني حادث. والمراد نسيان علم تعيينها في تلك السنة.
(كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر التي في وسط الشهر) أي يعتكف في المسجد، وفي الرواية الحادية عشرة، اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، والظاهر أنه ﷺ اعتكف العشر الأول في عام، ثم اعتكف الأوسط فقط بعض الأعوام، ثم اعتكف
стр. 2531
العشر الأوسط والعشر الأواخر، كما توضح الرواية الثالثة عشرة، ثم اقتصر بعد ذلك على العشر الأواخر، حتى آخر أعوامه ﷺ فاعتكف عشرين يوماً، ففي البخاري "كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً" وسيأتي الكلام عن ذلك في كتاب الاعتكاف
(ثم إنه أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس) أي إنه أقام في شهر من أشهر رمضان معتكفاً ليلة واحدة وعشرين، وتوضيح ذلك في الرواية الحادية عشرة "اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية" وهي قبة صغيرة من لبود، أي صوف ملبد، وكان يعتكف دائماً في خباء كالخيمة الصغيرة تضرب له في المسجد" على سدتها حصير" أي بابها من حصير والسدة الباب "فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة" أي فتح باب القبة بإزاحة الحصير في ناحية "ثم أطلع رأسه" من القبة "فكلم الناس" أي ناداهم: أيها الناس "فدنوا منه، فقال": إلخ. وتكملة الصورة في الرواية الثالثة عشرة أنه ﷺ لما أصبح بعد الليلة المتممة للعشرين أمر -كعادته- بالبناء فقوض، أي هدم وأزيل، أي طويت القبة، ليعود إلى بيوت أزواجه، وجاءه جبريل، فقال له: إن ما تطلبه أمامك. فأمر بالقبة فضربت ثانية، فكشف بابها، وأخرج رأسه منها وكلم الناس، وذلك في صبيحة الليلة المتممة للعشرين، أي في صبح اليوم العشرين.
(ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر) أي بناء على إشارة جبريل وقوله له: إن ما تطلبه أمامك، وفي الرواية الحادية عشرة "ثم أتيت، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر".
(فمن اعتكف معي فليبت في معتكفه) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "فليبت" من المبيت، وفي بعضها "فليثبت، من الثبوت، وفي بعضها "فليلبث" من اللبث، وكلها صحيح. والمعتكف بفتح الكاف هو موضع الاعتكاف. اهـ
وفي الرواية الحادية عشرة "فمن أحب منكم أن يعكتف فليعتكف" وفي الثانية عشرة "فمن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فليرجع".
(وقد رأيت هذه الليلة) أي أبصرتها، أي أبصرت علامتها، وهي السجود في الماء والطين، كما هو في الرواية التاسعة، وقد أعلم بوقتها في تلك السنة، فنسيه.
(وقد رأيتني أسجد في ماء وطين) وفي الرواية الحادية عشرة "وإني أريتها ليلة وتر، وأني أسجد صبيحتها -أي في صلاة فجرها- في طين وماء" وفي الرابعة عشرة "وأراني صبحها أسجد في ماء وطين".
(مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد) أي قطر الماء من سقفه، وفي الرواية الحادية عشرة "فمطرت السماء، فوكف المسجد" وفي الرواية الثانية عشرة "فرجعنا -أي إلى معتكفنا- وما نرى في السماء قزعة -بفتح القاف والزاي وهي القطعة من السحاب -وجاءت
стр. 2532
سحابة فمطرنا، حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل" أي كان المسجد مظللاً بالجريد والخوص، ولم يكن محكم البناء بحيث يمنع من المطر الكثير.
(فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء) وفي الرواية التاسعة "فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طيناً وماء" وفي الثانية عشرة "وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين. قال: حتى رأيت أثر الطين في جبهته" وفي الرابعة عشرة "فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه" والحاصل أن رسول الله ﷺ رؤي وهو يسجد في طين وماء، ورؤي بعد الانصراف من الصلاة وعلى وجهه، وعلى جبينه وعلى جبهته وأنفه أثر الطين والماء، و"روثة الأنف" بالتاء هي طرفه، ويقال لها أيضاً: أرنبة الأنف، وقد جاء في ملحق الرواية الثانية عشرة "وعلى جبهته وأرنبته -أي أرنبة أنفه- أثر الطين" والجبين غير الجبهة، فالجبين في جانب الجبهة، وللإنسان جبينان، يكتنفان الجبهة، ولا يلزم من امتلاء الجبين امتلاء الجبهة، قاله النووي.
وقال: قوله "وجبينه ممتلئاً" [في روايتنا العاشرة] كذا هو في معظم النسخ "ممتلئاً" بالنصب، وفي بعضها "ممتلئ" ويقدر للمنصوب فعل محذوف، أي وجبينه رأيته ممتلئاً. اهـ والأولى اعتبارها خطأ من الناسخ، والله أعلم. والمراد من أثر الطين والماء بقيته، وليس المراد محض الأثر، وهو ما يبقى بعد زوال العين.
(العشر الوسطى من رمضان) كذا في الرواية الثانية عشرة، والمراد بالعشر الليالي، وهي مؤنثة فوصفت بالمؤنث "الوسطى" ولا إشكال فيها، ولكن الإشكال في الرواية الحادية عشرة، والثالثة عشرة "العشر الأوسط" إذ وصفت بالمذكر. قال الحافظ: على إرادة الوقت أو الزمان، أو التقدير الثلث، كأنه قال: الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر، قال: ووقع في الموطأ "العشر الوسط" بضم الواو والسين، جمع وسطى.
(فخرجنا صبيحة عشرين، فخطبنا رسول الله ﷺ أي فخرجنا من معتكفنا، وفي الكلام حذف، تقديره: وخرج رسول الله ﷺ من معتكفه، وأزيلت قبته، ثم أعادها، فخطبنا ... إلخ.
(يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له ... ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فقال: إنها كانت أبينت لي ليلة القدر ... فنسيتها) المعنى قبل أن تبان له أنها في العشر الأواخر، ثم أبينت له أنها في يوم كذا من العشر الأواخر، فنسيها. أي نسي اليوم المحدد، وظل ذكر أنها في العشر الأواخر.
(فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان، فنسيتها) "يحتقان" أي يطلب كل واحد منهما حقه، ويدعي أنه المحق، وفي ملحق الرواية نفسها "يختصمان" وفي رواية البخاري "فتلاحى فلان وفلان" أي وقعت بينهما ملاحاة، وهي المخاصمة والمنازعة، وزاد ابن إسحاق: أنه لقيهما عند باب المسجد، فحجز بينهما، أي وانشغل بقضيتهما، وكان هذا سبب النسيان، لكن في الرواية الثامنة
стр. 2533
"أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي، فنسيتها"، مما رتب النسيان على إيقاظ بعض الأهل له، فهذا سبب آخر. وجمع الحافظ ابن حجر باحتمال أن تكون الرؤيا في الرواية الثامنة مناماً، فيكون سبب النسيان الإيقاظ، وأن الرؤية والإبانة في الرواية الثالثة عشرة في اليقظة وسبب نسيانها ما ذكر من المخاصمة، واحتمال اتحاد القصة ويكون سبب النسيان الأمرين، وقال: ويحتمل أن يكون المعنى أيقظني بعض أهلي فسمعت المخاصمة، فقمت لأحجز بينهما فنسيتها. اهـ
وهذا الاحتمال الأخير هو الذي اخترناه قريباً.
(فالتي تليها ثنتين وعشرين) كذا في الرواية الثالثة عشرة، قال النووي: "ثنتين وعشرين" بالياء، هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها "ثنتان وعشرون" بالرفع، قال: والأول أصوب، وهو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أعني ثنتين وعشرين. اهـ وما صوبه النووي ليس بصواب، لأنه خبر مرفوع، ولو نصبنا خبر المبتدأ على تقدير أعني لم نحترم القواعد النحوية. والناسخ غير معصوم حتى نتمحل له:
(ثم حلف -لا يستثنى- أنها ليلة سبع وعشرين) أي حلف جازماً، ولم يقل: إلا أن يشاء الله.
(قلت: بأي شيء تقول ذلك)؟ أي بأي دليل تحكم هذا الحكم، وعلى أي شيء بنيت قولك؟ .
(التي أخبرنا رسول الله ﷺ عائد الصلة محذوف، أي أخبرنا بها.
(أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها) الضمير في "أنها" للشمس. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ من غير ذكر الشمس، وحذفت للعلم بها، فعاد الضمير إلى معلوم، كقوله: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] ونظائره، والشعاع بضم الشين هو ما يرى من ضوئها عند بزوغها مثل الحبال والقضبان، مقبلة إليك إذا نظرت إليها. قال القاضي عياض: قيل معنى "لا شعاع لها" أنها علامة جعلها الله تعالى لها، قال: وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها، ونزولها إلى الأرض وصعودها، فسترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها. اهـ
وعند أحمد "ليلة القدر صافية بلجة كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة صاحية، لا حر فيها ولا برد، ومن أمارتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر" وعند ابن خزيمة "ليلة القدر طلعة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة" ولا شك أن ليلة القدر وشمسها لا ترى كذلك لكل الناس، ولا في كل البقاع، وقد يكون هذا وصفاً لعام من الأعوام في بعض الأماكن. والله أعلم.
(وهو مثل شق جفنة) الشق بكسر الشين هو النصف، والجفنة قصعة كبيرة. قال القاضي: فيه إشارة إلى أنها إنما تكون في أواخر الشهر، لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر.
стр. 2534
-[فقه الحديث]-
أخذ النووي عنوان [فضل ليلة القدر] استنباطاً من الأحاديث المذكورة، فهي تحث على طلبها والتماسها وتحريها بالعبادة والدعاء، وما ذلك إلا لفضلها، وقد ساق البخاري تحت هذا العنوان قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ كما ساق حديث "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
وقد اختلف العلماء في وجودها ودوامها إلى آخر الدهر، وفي محلها اختلافات كثيرة، حصل منها الحافظ ابن حجر أكثر من أربعين قولاً. قال النووي: وأجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر، للأحاديث الصحيحة المشهورة، قال القاضي: وشذ قوم، فقالوا: رفعت، لقوله ﷺ "فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في السبع والتسع" رواه البخاري. قال: وهذا غلط من هؤلاء الشاذين، لأن آخر الحديث يرد عليهم، ففيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ ونسب هذا القول للروافض، وحكى السروجي أنه قول الشيعة، وأخطأ الفكهاني في شرح العمدة حين نسبه للحنفية.
ويشبه هذا القول قول من يقول: أنها خاصة بسنة واحدة، وقعت في زمن رسول الله ﷺ . وهل هي خاصة بهذه الأمة؟ أو كانت في الأمم قبلها؟ خلاف. والجمهور على الأول.
أما عن محلها من ليالي السنة فنعرض بعض الأقوال التي سردها الحافظ ابن حجر في فتح الباري. قال:
١ - هي ممكنة في جميع السنة، وهو قول مشهور عن الحنفية، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم، ومأخذ ابن مسعود أنه أراد أن لا يتكل الناس. كما هو واضح من روايتنا السادسة عشرة، وزيف المهلب هذا القول، وقال: لعل صاحبه بناه على دوران الزمان، لنقصان الأهلة. قال وهو فاسد، لأن ذلك لم يعتبر في صيام رمضان [فرمضان لدوران الزمان يأتي زماناً صيفاً وزماناً شتاء] فلا يعتبر في غيره حتى تنتقل ليلة القدر عن رمضان.
٢ - أنها مختصة برمضان، ممكنة في جميع لياليه، وقد جزم صاحب شرح الهداية بأنه قول أبي حنيفة، وقال به ابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية، وقال السروجي في شرح الهداية: قول أبي حنيفة إنها تنتقل في جميع رمضان، وقال صاحباه: إنها في ليلة معينة منه مبهمة.
٣ - أنها مبهمة في العشر الأوسط من رمضان. قال به بعض الشافعية.
٤ - أنها أول ليلة من العشر الأخير، وإليه مال الشافعي، وجزم به جماعة من الشافعية.
стр. 2535
٥ - أنها ليلة اثنتين وعشرين إن كان الشهر ناقصاً وليلة ثلاث وعشرين إن كان تاماً.
٦ - أنها ليلة سبع وعشرين، وهذا القول هو الجادة من مذهب أحمد، ورواية عن أبي حنيفة وبه جزم أبي بن كعب وحلف عليه، كما في روايتنا السادسة عشرة والسابعة عشرة، وحكاه صاحب الحلية من الشافعية عن أكثر العلماء. وقد استنبطه ابن عباس عند عمر ﵄ ووافقه عمر عليه، فقد روى الحاكم عن ابن عباس أن عمر كان إذا دعا الأشياخ من الصحابة قال لابن عباس: لا تتكلم حتى يتكلموا، فقال ذات يوم: إن رسول الله ﷺ قال: التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر وتراً" أي الوتر هي؟ فقال رجل برأيه: تاسعة سابعة خامسة. ثالثة. فقال عمر: مالك لا تتكلم يابن عباس؟ قال: أتكلم برأيي؟ قال: عن رأيك أسألك. قال إني لأعلم -أو أظن- أنها سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر فقال: من أين علمت ذلك؟ قال: خلق الله سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، والإنسان خلق من سبع ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، ورمي الجمار سبع. فقال عمر لقد فطنت له، ثم قال: أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام الذي ما استوت شئون رأسه؟ .
واستنبط بعضهم هذا العدد من عدد كلمات السورة، وقد وافق قوله فيها "هي" سابع كلمة بعد العشرين، واستنبط بعضهم ذلك من جهة الحروف فقال ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أعيدت في السورة ثلاث مرات، فذلك سبع وعشرون.
٧ - أنها في أوتار العشر الأخير. قال الحافظ: وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب.
٨ - أنها تنتقل في العشر الأخير كله، نص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحق، وزعم الماوردي أنه متفق عليه. ويقويه معظم الأحاديث، واعتكافه ﷺ العشر الأخير في طلب ليلة القدر، واعتكاف أزواجه بعده، والاجتهاد فيه.
واختلف القائلون بهذا، فمنهم من قال: هي فيه محتملة على حد سواء، ومنهم من قال: بعض لياليه أرجى من بعض. واختلفوا. فمنهم من قال. أرجاه ليلة إحدى وعشرين، ومنهم من قال: أرجاه ليلة ثلاث وعشرين، ومنهم من قال: أرجاه ليلة سبع وعشرين. والله أعلم.
أما كيف تعلم؟ فقد قال ابن العربي: الصحيح أنها لا تعلم. وأنكر الثوري هذا القول، وقال: قد تظاهرت الأحاديث بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعة من الصالحين، فلا معنى لإنكار ذلك.
واختار الطبري أنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه: قال الحافظ ابن حجر: واختلفوا. هل يحصل الثواب المترتب عليها لمن قامها وإن لم يظهر له شيء؟ أو يتوقف ذلك على كشفها له؟ وإلى الأول ذهب الطبري والمهلب وابن العربي وجماعة، وإلى الثاني ذهب الأكثر ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ "من يقم ليلة القدر فيوافقها" وفي حديث عبادة عن أحمد "من قامها إيماناً واحتساباً، ثم وفقت له" قال النووي: معنى "يوافقها" أي يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها،
стр. 2536
ويحتمل أن يكون المراد يوافقها في نفس الأمر وإن لم يعلم هو ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الأخير هو الذي يترجح في نظري، ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر وإن لم يعلم بها ولو لم توفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود به، وفرعوا على القول باشتراط العلم بها أنه يختص بها شخص دون شخص، فيكشف لواحد، ولا يكشف لآخر، ولو كانا معاً في بيت واحد.
قال العلماء: والحكمة في إخفائها أن يحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة، فإنه يقتصر عليها. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - من رؤيا الصحابة واعتماد الرسول ﷺ لها الدلالة على عظم قدر الرؤيا.
٢ - وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية، قال الحافظ ابن حجر: بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية.
٣ - وأن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطلقاً.
٤ - ومن رؤيا الرسول ﷺ لها وأمره لهم بناء عليها يؤخذ الأحكام على رؤيا الأنبياء.
٥ - ومن نسيانه ﷺ لما علمه جواز النسيان على النبي ﷺ ، ولا نقص عليه في ذلك، لا سيما فيما لا يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع، كما في السهو في الصلاة أو للاجتهاد في العبادة كما هنا.
٦ - وفي الأحاديث الحث على التماس ليلة القدر وطلبها عن طريق العبادة والاستغفار، والدعاء، فقد أخرج أحمد عن عائشة "قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر. فما أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" قال سفيان الثوري: والدعاء في تلك الليلة أحب من الصلاة، وذكر ابن رجب أن الأكمل الجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، ويحصل قيامها -على ما قال البعض- بصلاة التراويح، وقد أخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان فقد أصاب من ليلة القدر بحظ وافر".
٧ - واستحباب الاعتكاف في شهر رمضان.
٨ - وترجيح وتأكيد اعتكاف العشر الأواخر منه.
٩ - وفضل ليلة القدر، وفي القرآن الكريم سورة كاملة خاصة بها، شرف الله تعالى هذه الليلة بإنزال القرآن فيها من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا -كما يرجح الحافظ ابن حجر، وجعلها خيراً من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وذلك باعتبار العبادة فيها عند جمهور العلماء، على معنى أن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر. ولا يعلم مقدار الخيرية إلا الله تعالى،
стр. 2537
وهذا تفضل منه، وله أن يخص ما شاء بما شاء، ورب عمل قليل خير من عمل كثير، ولا شك أن العمل القليل قد يفضل العمل الكثير باعتبار الزمان، وباعتبار المكان، وباعتبار كيفية الأداء، كصلاة واحدة أديت في جماعة، فإنها تعدل خمساً وعشرين صلاة أديت على الانفراد.
قال المفسرون: وتخصيص الألف بالذكر للتكثير، كقوله تعالى ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦] وشرفها الله تعالى بإنزال الملائكة. يتنزل ملائكة السماء إلى الأرض للتسليم على المؤمنين ولتصير طاعتهم أكثر ثواباً فيسبحون معهم، ويقدسون ويهللون، ويستغفرون لأمة محمد ﷺ ، وعلى رأس الملائكة جبريل ﵇، وشرف الله هذه الليلة بأنها سلام ورحمة من الله، من غروب الشمس حتى مطلع الفجر، فمن قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
١٠ - وأخذ بعضهم من رؤيا الصحابة، والأمر بالتماسها إمكان رؤيتها، إذ ما لا يرجى في زمان أو مكان لا يحسن أن يؤمر بالتماسه عادة، ويكفي في رؤيتها رؤية ما يحصل به العلم بها، مما خصت به من الأنوار وتنزل الملائكة ﵈ أو نحو ذلك من الكشف المفيد للعلم، مما لا يعرف حقيقته إلا أهله.
وقيل إنها لا ترى مكاشفة أبداً، ولا يراها أحد بعده ﷺ أصلاً، والأمر بالتماسها مقصود به التماس فضلها في الليالي المذكورة. والله أعلم.
١١ - وعلى القول برؤيتها قال الحافظ ابن حجر: ويسن لرؤيتها كتمها، هكذا استنبطه السبكي الكبير من هذه القصة. قال: ووجه الدلالة أن الله قدر لنبيه أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدر له، فيستحب اتباعه في ذلك. قال: وذكر في شرح المنهاج ذلك عن الحاوي. قال: والحكمة فيه أنها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف بين أهل الطريق. من جهة رؤية النفس، فلا يأمن السلب، ومن جهة أن لا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب، فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها وذكرها للناس، ومن جهة أنه لا يأمن الحسد، فيوقع غيره في المحظور، ويستأنس له بقول يعقوب ﵇: ﴿يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً﴾ [يوسف: ٥] الآية.
١٢ - ومن الأحاديث أن الله تعالى أخفى وقتها على التحديد، ليجتهد في طلبها، وما ذكر من علاماتها من السجود في الماء والطين إنما يعرف بعد فواتها، فإنها تنقضي بمطلع الفجر، ومن فاتته تدارك في صبيحتها بعض ما فاته، ثم إنها علامة قد تتكرر في مستقبل لياليهم، فلا يقال: لم ينقطعوا عن طلبها بعد رؤية هذه العلامة.
١٣ - ومن اختلاف الروايات في تحديد وقتها استدل بعضهم على تنقلها في رمضان أو في العشر الأواخر منه، أو في السبع، أو في أوتاره. قال الحافظ ابن حجر: وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.
١٤ - ومن كون علاماتها السجود في الماء والطين، استدل بعضهم على أنه ليس بلازم أن يكون لها
стр. 2538
علامة، وعلى أنها كرامة لمن شاء الله من عباده فيختص بها قوم دون قوم، فكثيراً ما ينقضي شهر رمضان دون مطر، مع اعتقادنا أنه لا يخلو رمضان من ليلة القدر.
١٥ - واستنبط بعض العلماء من الأحاديث إما أنها تتعدد في العام الواحد باعتبار تعدد الأماكن وإما لا اعتبار بكونها في الوتر، ولا اعتبار بكونها ليلة كذا، بل ولا يصح إطلاق القول بأن وقت التقدير وتنزل الملائكة ليلاً. لأنه من المعلوم اختلاف المطالع، فالليل عند قوم نهار في جهة أخرى، والفجر عند قوم مغرب عند آخرين، بل بعض المناطق ليلها أشهر، ونهارها أشهر، فإن قلنا بوحدتها وتحديد وقتها لأهل الأرض كانت وتراً عند قوم شفعاً عند آخرين، وليلاً عند قوم ونهاراً عند آخرين.
ولو صح الاحتمال الثاني وأنها ليلة واحدة محددة كان التعبير بليلة كذا رعاية لمكان المنزل عليه القرآن ﵊، فيكون القول بوتريتها بالنسبة إلى قومه وإن كانت شفعاً عند الآخرين، وكونها بالليل بالنسبة إلى قومه وإن كانت نهاراً عند آخرين، ولا يبعد أن يعطي الله تعالى أجرها لمن اجتهد ليلة الشفع التي هي الوتر عند أهل المدينة، وبهذا الاحتمال يمكن الجمع بين الروايات المتعارضة.
ولو صح الاحتمال الأول، وأنها ليال متعددة باعتبار تعدد الأماكن وأن لكل قوم ليلتهم كانت ليلة القدر كراكب يسير إلى جهة، فيصل إلى كل منزل في وقت، وتتنزل الملائكة وتصعد حسب سيرها. فينزل منهم ما شاء الله عند قوم، وينزل منهم ما شاء الله عند آخرين ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ [المدثر: ٣١] ومناط الفضل على هذا تحققها بالنسبة لكل قوم على حدة.
ومثل هذا الإيراد يأتي في سائر أوقات العبادة، ووقت نزوله إلى السماء الدنيا من الليل كما صحت به الأخبار، وكذا ساعة الإجابة من يوم الجمعة، ورمضان، وأيام العيد، وغيرها كثير. مما يرجح القول بالاحتمال الأخير، وأن لكل قوم مطلعهم ووقتهم.
وعندي كما -قال الألوسي- إن البحث قوي، والأمر مما لا مجال فيه لعقلي. والله أعلم.
١٦ - ومن قوله في الرواية الخامسة "فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي" أي من عجز عن الأهم حرص على المهم.
١٧ - ومن قوله في الرواية التاسعة "فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله ثم قال ... إلخ" تقديم الخطبة على التعليم.
١٨ - ومن وجود أثر الطين والماء في جبهته وأنفه ﷺ استدل بعضهم على أن السنة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة، قال النووي: وهذا محمول على أنه كان شيئاً يسيراً، فيستحب أن لا يمسحه في الصلاة اهـ ورده بعضهم بأن بقاء أثر الطين لا يستلزم نفي مسح الجبهة، فقد يمسح جبهته ويبقى أثر الطين، ويجوز أن يكون الرسول ﷺ ترك المسح ناسياً، أو تركه متعمداً لتصديق رؤياه، أو غير شاعر به، أو لبيان الجواز، وليس في ذلك ما يدل على الاستحباب.
стр. 2539
١٩ - واستدل بعضهم ببقاء أثر الماء والطين على الجبهة بين السجدتين على جواز السجود مع الحائل المتصل به بين الجبهة والأرض، وأجاب النووي بأنه محمول على أنه كان شيئاً يسيراً لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض. قال الحافظ: لكن يعكر عليه قوله في بعض الروايات "ووجهه ممتلئ طيناً وماء".
٢٠ - وفيه جواز السجود في الطين، وأن الأنف من أعضاء السجود لأنه ﷺ لم يترك السجود على الأنف مع وجود العذر، ولولا وجوبه لصانه عن لوث الطين.
٢١ - ومن الرواية الثانية عشرة من قوله "تذاكرنا ليلة القدر" حرص الصحابة والتابعين على مدارسة العلم.
٢٢ - ومن إتيانهم أبا سعيد طلبهم العلم ممن يعتقدون أن عنده زيادة علم، والمشي في طلب العلم.
٢٣ - ومن قوله "وكان لي صديقاً" الاعتزاز بصداقة الكبراء والعلماء وأولو الفضل.
٢٤ - ومن قوله "ألا تخرج بنا إلى النخل" إيثار المواضع الخالية للسؤال، وتأنيس الطلب للشيخ.
٢٥ - ومن خروج أبي سعيد إجابة السائل لذلك، وتيسير حصوله على مطلوبه.
٢٦ - ومن سؤال أبي سلمة ابتداء الطالب بالسؤال.
٢٧ - ومن قوله رجلان "يحتقان معهما الشيطان" أن المخاصمة والمنازعة مذمومة.
٢٨ - وأنها قد تكون سبباً للعقوبة الدنيوية أو الأخروية أو منع الخير وضياعه.
٢٩ - ومن الرواية السادسة عشرة حرص الصحابة على دفع الناس نحو الاجتهاد في العبادة وعدم الاتكال.
٣٠ - ومن الرواية السابعة عشرة الحلف على غالب الظن وأكبر العلم حسب الفهم.
والله أعلم
стр. 2540
كتاب الاعتكاف
стр. 2541
(٣١٣) باب الاعتكاف في رمضان
٢٤٢٩ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان.
٢٤٣٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان. قال نافع: وقد أراني عبد الله ﵁ المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد.
٢٤٣١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
٢٤٣٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
٢٤٣٣ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده.
٢٤٣٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه. وإنه أمر بخبائه فضرب. أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان. فأمرت زينب بخبائها فضرب. وأمر غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب. فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال "آلبر تردن؟ " فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال.
стр. 2542
٢٤٣٥ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بمعنى حديث أبي معاوية. وفي حديث ابن عيينة وعمرو بن الحارث وابن إسحق ذكر عائشة وحفصة وزينب ﵅ أنهن ضربن الأخبية للاعتكاف.
٢٤٣٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر.
٢٤٣٧ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره.
-[المعنى العام]-
لا رهبانية في الإسلام، ولم يشرع الله للمسلمين أن ينقطعوا للعبادة ويتركوا مصالحهم الدنيوية، والسعي على الرزق، ودستوره الخالد ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]. ودستوره الخالد ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ٩، ١٠].
ولقد حاول ثلاثة من الصحابة أن يتبتلوا وينقطعوا للعبادة، فعزم أحدهم أن يصوم الدهر كله، وعزم الآخر أن يقوم الليل كله، وعزم الثالث أن يعتزل الزواج والنساء ليتفرغ للعبادة، فلما علم ﷺ بذلك غضب أشد الغضب، وعنفهم أشد التعنيف، وقال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
فالرهبانية الممنوعة، والتبتلات غير المشروعة هي الانقطاع للعبادة فترة من الزمان تؤثر على سير الحياة الدنيوية، شهراً مثلاً أو شهوراً، أما الانقطاع للعبادة ليلة أو ليالي لا تخل بمطالب الحياة والتمتع بالدنيا فليس ممنوعاً، بل هو مستحب في مواسم خاصة، يفيض الله تعالى فيها على الطائعين من سابغ فضله وواسع رحمته ما لا يفيضه في غيرها.
стр. 2543
ومن هنا كان ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شمر عن ساعد الاجتهاد في العبادة، وقام الليل، ودعا نساءه لذلك، واستحب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ينقطع المريد فيها في المسجد ولا يخرج منه إلا لقضاء الحاجة، أو تحصيل الأمر الضروري من مأكل ومشرب ونحوهما، ثم يعود فور انتهاء مطلبه، ليشتغل بذكر الله والصلاة وقراءة القرآن، ولا بأس أن يتخذ لنفسه مكاناً في آخر المسجد إذا لم يضيق على الناس أو يؤذيهم.
ولقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، يضرب خباء، يصلي، ثم يدخله، ليختلي بنفسه، ويتفرغ لمناجاة ربه.
ورغبة في تقرب عائشة ﵂ لرسول الله ﷺ استأذنته أن تعتكف مثله وبجواره، فأذن لها، فأقامت خباء لها بجوار خبائه، ووسطتها صديقتها حفصة لدى رسول الله ﷺ ليأذن لها في إقامة خباء لها، فاستجاب، ورأت زينب بنت جحش خباءين بجوار خباء الرسول ﷺ لعائشة وحفصة، فأقامت لها خباء ولم تستأذن، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر، وأراد العودة إلى خبائه رأى أربعة أخبية، فغضب، وقال: لم يعد البر والطاعة هدفاً. انزعوا هذه الأخبية، وأمر بخبائه فنزع، ولم يعتكف العشر الأواخر من رمضان ذاك العام، واعتكف بدلاً منها في عامها العشر الأول من شوال، ثم عاد بعد ذاك العام إلى الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، واعتكف أصحابه من بعده، واعتكف أزواجه من بعده ﷺ ورضي عن أصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين.
-[المباحث العربية]-
(كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان) الاعتكاف في اللغة الحبس والمكث واللزوم، يقال "عكف على كذا يعكف ويعكف بضم الكاف وكسرها. أي أقام عليه والتزمه وحبس نفسه عليه، سواء أكان طاعة أو معصية ومنه قوله تعالى: ﴿فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وفي الشرع المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة، ويسمى جواراً "كما سبق في أحاديث ليلة القدر، والتعبير بلفظ "كان يعتكف" يدل على التكرار والشأن والعادة، أخذاً من الجمع بين الفعل الماضي والمضارع "كان يعتكف" والمقصود ما كان عليه ﷺ في آخر أحواله، فقد مر أنه اعتكف في العشر الأول" ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم استقر على اعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
(وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد) القائل "وقد أراني" نافع، والمعروف أن ابن عمر ﵄ كان شديد الحرص على الاقتداء برسول الله ﷺ لدرجة أنه كان يتحرى المكان الذي أناخ فيه رسول الله ﷺ ناقته في سفره لينيخ ناقته فيه، وهذا سر إعلام نافع بمكان اعتكافه صلى الله عليه
стр. 2544
وسلم، وحدد نافع هذا المكان في رواية ابن ماجه قال نافع: "إن ابن عمر كان إذا اعتكف طرح له فراشه وراء أسطوانة التوبة.
(ثم اعتكف أزواجه من بعده) ظاهره أن الأزواج اعتكفن في مسجده من بعد وفاته، وليس كذلك بل المراد أنهن اعتكفن في بيوتهن بعد وفاته، فالمقصود به أن الاعتكاف لم ينسخ، ومشروعيته مستمرة.
(كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه فضرب) الترتيب الواقعي أنه ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف أمر بخبائه فضرب وأقيم بالمسجد قبل الفجر، وكان يبدأ اعتكافه عقب صلاة الفجر، يصلي، ثم يدخل خباءه، وقد سبق في باب ليلة القدر أن باب خبائه كان من حصير.
(أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان) أي فأمر بقبته فأقيمت، ثم صلى الفجر فدخلها، فلما صلى الفجر الثاني وأراد أن يدخل قبته رأى قباباً بجواز قبته وحولها.
(فأمرت زينب بخبائها فضرب) من مجموع الروايات يفهم أن عائشة ﵂ استأذنت رسول الله ﷺ أن تضرب لها قبة في المسجد بجوار قبته، فأذن لها فضربت، فطلبت حفصة من عائشة أن تستأذن لها بضرب قبه فأذن لها فضربت، فلما رأت زينب بنت جحش ذلك -وكانت غيوراً- أمرت بقبة لها فضربت. ففي البخاري "فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر" وفي رواية أخرى له "فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها، فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها، فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغداة أبصر أربع قباب، فقال ... إلخ" أي ثلاث قباب لأزواجه وقبته ﷺ ، وفي رواية "فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت" وعند النسائي "ثم استأذنته حفصة" أي عن طريق عائشة "فأذن لها" وفي رواية "فلما رأته زينب ضربت معهن، وكانت امرأة غيوراً" قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من الطرق أن زينب استأذنت، وكأن هذا هو أحد ما بعث على إنكاره ﷺ اهـ فالمذكور في روايتنا "ضرب زينب" وهو مرحلة من المراحل.
(وأمر غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب) مع أن الواو لا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً لكن الترتيب الذكري يوهم أن غير زينب من الأزواج أمرن بضرب خبائهن بعدها، وليس مراداً بل العكس هو الصحيح كما يوهم تعميم الأزواج "وليس كذلك، كما سبق.
(آلبر تردن)؟ بهمزة الاستفهام، ممدودة وبغير مد، و"البر" منصوب مفعول به مقدم، والخطاب للأزواج وإن كن غير حاضرات، وفي رواية للبخاري "آلبر ترون بهن" بضم تاء "ترون" وفتح الراء، أي تظنون، والخطاب للحاضرين من الرجال، أي أتظنون بفعلهن هذا براً وطاعة؟ والاستفهام إنكاري
стр. 2545
بمعنى النفي، وفي رواية "آلبر تقولون يردن بهذا"؟ وفي رواية "ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أراها، فنزعت".
(فأمر بخبائه فقوض) بالقاف المضمومة والضاد، أي أزيل.
(وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال) فترك الأفضل من أجل المصلحة.
(إذا دخل العشر) أل في "العشر" للعهد، والمراد العشر الأواخر من رمضان.
(أحيا الليل) أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، والأصل أحيا نفسه باليقظة في الليل.
(وأيقظ أهله) أي طلب من أزواجه اليقظة وقلة النوم للاجتهاد في العبادة اجتهاداً فوق العادة.
(وجد) بتشديد الدال، أي اجتهد في العبادة.
(وشد المئزر) بكسر الميم هو الإزار، وشد المئزر كناية عن اعتزال النساء، وقيل كناية عن الجد والاجتهاد كالتشمير، ويحتمل إرادة المعنيين معاً.
-[فقه الحديث]-
قال النووي في المجموع: الاعتكاف سنة بالإجماع ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع، ويستحب الإكثار منه، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من شهر رمضان، للأحاديث الواردة فيه وفي ليلة القدر لرجائها.
قال الحافظ ابن حجر: وأما قول ابن نافع عن مالك: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن. اهـ قال الحافظ: وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي، وقال إنه سنة مؤكدة، وقال ابن بطال: في مواظبة النبي ﷺ ما يدل على تأكيده، وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً في أنه مسنون.
وقال النووي في شرح مسلم: ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيه أن الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف، بل يصح اعتكاف المفطر، ويصح اعتكاف ساعة واحدة، ولحظة واحدة، وضابطه عند أصحابنا مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة. فينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة أو لشغل آخر -من أمور الدنيا- أن ينوي الاعتكاف، فيحسب له، ويثاب عليه، ما لم يخرج من
стр. 2546
المسجد، فإذا خرج ثم دخل جدد نية أخرى، وليس للاعتكاف ذكر مخصوص، ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف، ولو تكلم بكلام دنيا، أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها لم يبطل اعتكافه، وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: يشترط في الاعتكاف الصوم، فلا يصح اعتكاف مفطر، واحتجوا بهذه الأحاديث، واحتج الشافعي باعتكافه ﷺ في العشر الأول من شوال، رواه البخاري ومسلم -وفيها يوم العيد، ولا صوم فيه، وبحديث عمر ﵁ قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية؟ فقال: "أوف بنذرك" رواه البخاري ومسلم، والليل ليس محلاً للصوم، فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ومن شرط الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في دون اليوم، وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يوم أو يومان. قال الحافظ: واتفقوا على فساده بالجماع، حتى قال بعضهم، من جامع فيه لزمته الكفارة. اهـ قال النووي: وأجمعوا على أنه لا حد لأكثره. اهـ
قال الحافظ: ولا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، وفسروها بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، وقد روى أبو داود عن عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة، إلا لما لا بد منه" قال الشافعي: إن شرط شيئاً من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد. اهـ
قال النووي في المجموع: ولا يصح اعتكاف الحائض والنفساء والجنب، فإذا حاضت وهي معتكفة لزمها الخروج من المسجد، وإذا خرجت سكنت في بيتها، كما كانت قبل الاعتكاف حتى ينقطع حيضها، ثم تعود إلى اعتكافها.
ويجوز خروج المعتكف تطوعاً لعيادة مريض، ويجوز للمعتكف أن يلبس ما يلبسه في غير الاعتكاف، ويجوز أن يتطيب، قال أحمد: يستحب أن لا يلبس رفيع الثياب، ولا يتطيب، وله أن يبيع ويشتري، ويكره أن يكثر من ذلك، وقيل يكره البيع والشراء وعمل الصنائع مطلقاً في المسجد.
ويجوز للمعتكف وغيره أن يأكل في المسجد ويشرب على أن يحافظ على نظافة المسجد، وللمعتكف النوم والاضطجاع والاستلقاء ومد رجليه ونحو ذلك في المسجد ما لم يؤذ غيره، لأنه يجوز ذلك لغير المعتكف فله أولى: كما يجوز له التحدث بالحديث المباح.
وإذا خرج من المسجد لعذر جاز ولا يقطع التتابع، وعليه المبادرة بالرجوع إلى المسجد عند فراغه فإذا زال العذر وتمكن من العود فلم يعد بطل اعتكافه، لأنه ترك الاعتكاف من غير عذر، فأشبه من خرج من غير عذر.
أما ما يستحب للمعتكف من الطاعات فقد قال الشافعي وأصحابه: يستحب أن يقرأ القرآن، ويقرئه غيره، وأن يتعلم العلم، ويعلمه غيره، وذلك أفضل من صلاة النفل، لأن الاشتغال بالعلم فرض
стр. 2547
كفاية، فهو أفضل من النفل، ولأنه مصحح للصلاة وغيرها من العبادات، ولأن نفعه متعد إلى الناس، وقد تظاهرت الأحاديث بتفضيل الاشتغال بالعلم على الاشتغال بصلاة النافلة.
وعن مالك وأحمد: يستحب له الاشتغال بالصلاة والذكر والقراءة مع نفسه، قالا: ويستحب أن لا يقرئ القرآن ولا يشتغل بكتابة الحديث ولا بمجالسة العلماء، كما لا يشرع ذلك في الصلاة والطواف.
قال النووي: واحتج أصحابنا بأن أمر القرآن وتعليم العلم والاشتغال به طاعة، فاستحب للمعتكف كالصلاة والتسبيح، ويخالف الصلاة، فإنه شرع فيها أذكار مخصوصة، وأما الطواف فقال أصحابنا: لا يكره إقراء القرآن وتعلم العلم فيه.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - استدل بالأحاديث المذكورة ومن قول عائشة في الرواية الرابعة "حتى توفاه الله" على أن الاعتكاف لم ينسخ، وقد سبق توضيح حكمه في أول فقه الحديث.
٢ - ومن قولها في الرواية الرابعة "ثم اعتكف أزواجه من بعده" أنه ليس من الخصائص.
٣ - قال النووي: وفي هذه الأحاديث أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد، لأن النبي ﷺ وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في ملازمته، فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لا سيما النساء، لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر.
وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور سواء الرجل والمرأة، وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ من بيتها لصلاتها. قال: ولا يجوز للرجل في مسجد بيته، وفي القديم قول للشافعي كذلك، وهو ضعيف عند أصحابه، وجوزه بعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي للمرأة والرجل في مسجد بيتهما.
ثم اختلف المشترطون للمسجد، فقال مالك والشافعي وجمهورهم: يصح الاعتكاف في كل مسجد، وقال أحمد: يختص بمسجد تقام الجماعة الراتبة فيه، وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلي فيه الصلوات كلها، وقال الزهري وآخرون: يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصحابي اختصاصه بالمساجد الثلاثة. المسجد الحرام، ومسجد المدينة والمسجد الأقصى. اهـ
وقال الحافظ: وخصه عطاء بمسجد مكة والمدينة، وخصه ابن المسيب بمسجد المدينة.
واستدل على شرط المسجد في الاعتكاف بقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال الحافظ ابن حجر: ووجه الدلالة أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها.
стр. 2548
واستدل على شرط المسجد للنساء بأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت، فلو لم يكن المسجد شرطاً ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن.
٤ - واستدل بعضهم بقوله في الرواية الخامسة "آلبر تردن" على أنه ليس لهن الاعتكاف في المسجد، إذ مفهومه أنه ليس ببر لهن، أي ففعله غير بر، أي غير طاعة، وارتكاب غير الطاعة يلزمه عدم الجواز، ورد بأنه ﷺ كان قد أذن لهن، وإنما نفى البر عنهن لعارض.
٥ - واستدل بقولها في الرواية الخامسة "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه" على أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل في الاعتكاف من أول الليل، وتخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح.
٦ - ومن قولها "فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال" أخذ بعضهم جواز قطع اعتكاف التطوع، وجواز الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجيب باحتمال أنه ﷺ لم يدخل المعتكف، ولا شرع في الاعتكاف، وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور، فتركه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الجواب يلزمه أن يكون أول وقت الاعتكاف بعد صلاة الصبح.
٧ - ويؤخذ من هذا أيضاً ترك الأفضل إذا كان للمصلحة.
٨ - ويؤخذ منه قضاء النفل، لكن قال الحافظ ابن حجر: وأما قضاؤه ﷺ للاعتكاف فعلى طريق الاستحباب. لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته، ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال. اهـ فقضاء التطوع بعد قطعه مستحب غير واجب عند الجمهور، وقال قوم بوجوب قضاء التطوع إذا قطع. فقال مالك في الموطأ: المتطوع في الاعتكاف والذي عليه الاعتكاف أمرهما سواء فيما يحل لهما ويحرم عليهما، وعلله ابن عبد البر بقوله: لأن الاعتكاف وإن لم يكن واجباً إلا على من نذره فإنه يجب بالدخول فيه، كالصلاة النافلة والحج والعمرة.
٩ - ويؤخذ منه أيضاً جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعاً من المسجد، ينفرد فيه مدة اعتكافه، ما لم يضيق على الناس، قال النووي: وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه، لئلا يضيق على غيره، وليكون أخلى له، وأكمل في انفراده. اهـ
١٠ - ويؤخذ منه أن للرجل منع زوجته من الاعتكاف، قال ابن المنذر وغيره: وإنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها؛ وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها، وعن أهل الرأي: إذا أذن لها الزوج، ثم منعها أثم بذلك وامتنعت، وعن مالك، ليس له ذلك. وهذا الحديث حجة عليهم.
١١ - وفيه أن من خشي على عمله الرياء منع، وهذا مبني على أحد الاحتمالات التي قالها القاضي عياض في توجيهه لسبب إنكاره ﷺ حيث قال: وسبب إنكاره أنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهن، فكره ملازمتهن
стр. 2549
المسجد مع أنه يجمع الناس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهن محتاجات إلى الخروج والدخول، لما يعرض لهن، فيبتذلن بذلك أو لأنه ﷺ رآهن عنده في المسجد وهو في المسجد، فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه وذهب المهم من مقصود الاعتكاف، وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك، أو لأنهن ضيقن المسجد بأبنيتهن. اهـ وفيما عدا التوجيه الأول بعيد، لإذنه ﷺ لبعضهن.
١٢ - وفيه أن المرأة إذا اعتكفت في المسجد استحب لها أن تجعل لها ما يسترها.
١٣ - وفي الأحاديث استحباب زيادة العبادة في العشر الأواخر من رمضان.
١٤ - واستحباب إحياء لياليه بالعبادات. لقوله في الرواية السادسة "أحيا الليل" قال النووي: وأما قول أصحابنا: يكره قيام الليل كله فمعناه الدوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر، ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين وغير ذلك.
والله أعلم
стр. 2550
(٣١٤) باب صوم عشر ذي الحجة
٢٤٣٨ - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط.
٢٤٣٩ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يصم العشر.
-[المعنى العام]-
الأيام العشر من أول ذي الحجة شرع فيها أعلى العبادات، وهو ذكر الله تعالى: وفضل عمل الطاعات فيها يزيد على أجر عمل الطاعات في غيرها مصداقاً لحديث البخاري "ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه" يعني الأيام العشر، وقد أقسم الله تعالى بها لشرفها، فقال: ﴿والفجر وليال عشر﴾ [الفجر: ١، ٢].
وإذا كنا لا نختلف في فضل الطاعات فيها فهل يستحب صيامها باعتبار أن الصيام طاعة لم ينه عنه في هذه الأيام؟ أو لا يستحب؟ لأن الرسول ﷺ لم يصمها؟ كما يفهم من حديثي الباب؟ ولو كان صيامها مستحباً لصامها؟ أو أمر بصيامها. الجواب عن ذلك تفصيلاً سيأتي في فقه الحديث ولا يدخل في هذا الخلاف يوم عرفة، فقد ورد في فضل صيامه لغير الحاج حديث صحيح سبق شرحه وأنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، والله أعلم.
-[المباحث العربية]-
(ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط) "ال" في "العشر" للعهد الذهني، والمراد منها العشر الأول من ذي الحجة، ولا يصح هنا أن يراد منها العشر الأواخر من رمضان، لأن صيامها فرض واجب، بخلاف قوله تعالى: ﴿والفجر وليال عشر﴾ فقد قيل: إنها العشر الأواخر من رمضان، وهل نفي رؤيتها يستلزم نفي وقوع صومه ﷺ ؟ والجواب: لا يستلزم، والعشر يدخل فيه يوم الأضحى، ويحرم صيامه قطعاً.
(أن رسول الله ﷺ لم يصم العشر) هذا التعبير يصدق بصوم تسع وإفطار العاشر، وهو يوم النحر، ويصدق على عدم الصوم في العشر مطلقاً، وهذا مقصود عائشة ليتوافق مع الرواية الأولى.
стр. 2551
-[فقه الحديث]-
قال النووي: قال العلاء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يتأول، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحباباً شديداً لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث في فضله، وثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه" يعني العشر الأوائل من ذي الحجة، فيتأول قولها "لم يصم العشر" أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، والإثنين والخميس"، رواه أبو داود وأحمد والنسائي، واللفظ لأبي داود، ولفظ أحمد والنسائي: "وخميسين". اهـ
والذي أستريح إليه أن صوم الأيام التسعة من أول ذي الحجة لا كراهة فيه، إذ لم يرد نهي عن صومها، والصوم من الطاعات ما لم ينه عنه، فيمكن أن يدخل في أعمال الطاعات التي تفضل في الأيام العشرة على غيرها كما في حديث البخاري.
أما كون صومها مستحباً، واستحباباً شديداً فيحتاج إلى دليل، وحديث البخاري الخاص بفضل العمل في الأيام العشر لا يصلح دليلاً، فالعمل في يوم العيد وأيام التشريق له فضل عظيم حتى فضله بعضهم على العمل في الأيام العشر، ومع ذلك يحرم صيامها، وهي أيام أكل وشرب كما جاء في مسلم.
وحديث أبي داود وأحمد والنسائي: "كان يصوم تسع ذي الحجة" يحتمل أن يراد به اليوم التاسع، لا الأيام التسعة، وحديثا عائشة المذكوران في الباب لا يمنعان صيامهما أو صيام بعضها، فغاية الحديث الأول أنها ﵂ لم تره صائماً، وكان لها يوم كل تسعة أيام، فربما كان مفطراً هذا اليوم، صائماً غيره، وربما كان صائماً يومها وهي لا تعلم. والحديث الثاني "لم يصم العشر" يصدق بصيام بعضه، أي لم يصم العشر كاملاً.
وحيث فقدنا دليل الاستحباب، وفقدنا دليل منع الصيام بقي صيام الأيام التسع على أصل الصيام، من جواز صيام الأيام التي لم يرد النهي عن صيامها.
والله أعلم
стр. 2552
كتاب الحج
стр. 2553
(٣١٥) باب ما يباح وما لا يباح لبسه للمحرم بحج أو عمرة
٢٤٤٠ - عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف. إلا أحد لا يجد النعلين، فليلبس الخفين. وليقطعهما أسفل من الكعبين. ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس".
٢٤٤١ - عن سالم، عن أبيه ﵁ قال: سئل النبي ﷺ : ما يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين. إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما، حتى يكونا أسفل من الكعبين".
٢٤٤٢ - عن ابن عمر ﵄؛ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بزعفران أو ورس. وقال "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين. وليقطعهما أسفل من الكعبين".
٢٤٤٣ - عن ابن عباس ﵄. قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول "السراويل، لمن لم يجد الإزار. والخفان، لمن لم يجد النعلين" يعني المحرم.
٢٤٤٤ - عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد أنه سمع النبي ﷺ "يخطب بعرفات" فذكر هذا الحديث.
٢٤٤٥ - عن عمرو بن دينار، بهذا الإسناد. ولم يذكر أحد منهم: يخطب بعرفات، غير شعبة وحده.
стр. 2554
٢٤٤٦ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من لم يجد نعلين فليلبس خفين. ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل".
٢٤٤٧ - عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة. عليه جبة وعليها خلوق (أو قال أثر صفرة) فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحي. فستر بثوب. وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحي. قال: فقال: أيسرك أن تنظر إلى النبي ﷺ وقد أنزل عليه الوحي؟ قال: فرفع عمر طرف الثوب. فنظرت إليه له غطيط. (قال وأحسبه قال) كغطيط البكر. قال: فلما سري عنه قال "أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك أثر الصفرة (أو قال أثر الخلوق) واخلع عنك جبتك. واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك".
٢٤٤٨ - عن صفوان بن يعلى، عن أبيه ﵁. قال: أتى النبي ﷺ رجل وهو بالجعرانة. وأنا عند النبي ﷺ . وعليه مقطعات (يعني جبة) وهو متضمخ بالخلوق. فقال: إني أحرمت بالعمرة وعلي هذا. وأنا متضمخ بالخلوق. فقال له النبي ﷺ "ما كنت صانعاً في حجك؟ " قال: أنزع عني هذه الثياب. وأغسل عني هذا الخلوق. فقال له النبي ﷺ "ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك".
٢٤٤٩ - عن صفوان بن يعلى بن أمية أن يعلى ﵁ كان يقول لعمر بن الخطاب ﵁؛ ليتني أرى نبي الله ﷺ حين ينزل عليه. فلما كان النبي ﷺ بالجعرانة. وعلى النبي ﷺ ثوب قد أظل به عليه. معه ناس من أصحابه. فيهم عمر. إذ جاءه رجل عليه جبة صوف. متضمخ بطيب. فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعة. ثم سكت. فجاءه الوحي. فأشار عمر بيده إلى يعلى بن أمية: تعال. فجاء يعلى. فأدخل رأسه. فإذا النبي ﷺ محمر الوجه. يغط ساعة. ثم سري عنه. فقال "أين الذي سألني عن العمرة آنفاً؟ " فالتمس الرجل، فجيء به. فقال النبي ﷺ "أما الطيب
стр. 2555
الذي بك، فاغسله ثلاث مرات. وأما الجبة، فانزعها. ثم اصنع في عمرتك، ما تصنع في حجك".
٢٤٥٠ - عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة. قد أهل بالعمرة. وهو مصفر لحيته ورأسه. وعليه جبة. فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بعمرة. وأنا كما ترى. فقال "انزع عنك الجبة. واغسل عنك الصفرة. وما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك".
٢٤٥١ - عن صفوان بن يعلى عن أبيه ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ . فأتاه رجل عليه جبة. بها أثر من خلوق. فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بعمرة. فكيف أفعل؟ فسكت عنه. فلم يرجع إليه. وكان عمر يستره إذا أنزل عليه الوحي، يظله. فقلت لعمر ﵁: إني أحب، إذا أنزل عليه الوحي، أن أدخل رأسي معه في الثوب. فلما أنزل عليه، خمره عمر ﵁ بالثوب. فجئته فأدخلت رأسي معه في الثوب. فنظرت إليه. فلما سري عنه قال "أين السائل آنفاً عن العمرة؟ " فقام إليه الرجل. فقال "انزع عنك جبتك. واغسل أثر الخلوق الذي بك. وافعل في عمرتك، ما كنت فاعلاً في حجك".
-[المعنى العام]-
لكل عبادة حكمة، وما شرع الله لخلقه شرعاً إلا وكان وراءه هدف وحكمة، قد نعلمها بتعليمه إيانا، وقد نعلمها استنباطاً واجتهاداً وتقديراً، وقد لا نعلمها ألبتة، لتكون عبادتنا طاعة محضة، وخضوعاً خالصاً، وتسليماً وتفويضاً، إيماناً وتصديقاً.
وقد جعل الله لكل أمة منسكاً، وشعار عبادة وخضوع، وجعل نسك أمة محمد ﷺ الحج والعمرة. ولقد كان الحج نسك إبراهيم ﵇ وذريته، حيث قال الله تعالى له بعد أن بنى الكعبة ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧].
وكان العرب في الجاهلية قبل الإسلام يحجون إلى البيت الحرام، وكانوا يطوفون بالكعبة، ويسعون بين الصفا والمروة لكنهم انحرفوا به عن ملة إبراهيم، فقد أقاموا أصناماً حول الكعبة، وأصناماً على الصفا، وأصناماً على المروة، فصار المنسك إلى الأصنام وليس خالصاً لله تعالى.
стр. 2556
وتجردوا من الثياب عند الطواف كمظهر من مظاهر الذلة والخضوع، فلما جاء الإسلام، دين العفة والحياء، جعل للحج شعاراً ولباساً خاصاً، يجمع بين التستر وبين مظاهر العبودية والذلة والخضوع، لباس يستوي فيه الأغنياء المترفون والفقراء البائسون، إزار ورداء ونعلان، مع رأس مكشوفة عارية، وبعد عن الطيب وملاذ الحياة.
إنها رحلة من دار الزينة واللهو واللعب إلى ما يشبه دار الحق وحال الموت، إنها خروج من زينة اللباس والرياش إلى ما يشبه الأكفان، إنها هجرة مؤقتة إلى الله تعالى في أول بيت وضع للناس.
وفي هذه الأحاديث يسأل السائل عما يلبس المحرم؟ فيجاب بما يحرم لبسه، لأنه المحصور، أما ما يلبس فهو غير محصور، يجاب: لا يلبس المحرم القميص المعروف، ولا العمامة ولا السراويل: ولا البرانس، ولا الخفاف، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين بعد أن يحولهما إلى ما يشبه النعلين، بقطع الجزء الخلفي المحيط بالكعبين، ولا يلبس شيئاً مسه الطيب.
وكان البعض يظن أن الإحرام بالعمرة يختلف في محرماته عن الإحرام بالحج، فسأل المعتمر عن ملابسه، فكان الجواب: افعل في عمرتك من الثياب ما كنت تفعله في حجك، فأمرهما سواء.
-[المباحث العربية]-
(أن رجلاً سأل .... ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق وقد روي أن ذلك كان في المسجد، فعند البيهقي عن نافع عن ابن عمر، قال: "نادى رجل رسول الله ﷺ وهو يخطب بذلك المكان -وأشار نافع إلى مقدم المسجد، فذكر الحديث وظهر أن ذلك كان بالمدينة. ووقع في حديث ابن عباس في البخاري في أواخر الحج أنه ﷺ خطب بذلك في عرفات، فيحمل على التعدد، ويؤيده: أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة، كما سيأتي في الرواية الرابعة وملحقها.
(ما يلبس المحرم من الثياب؟ ) هذا مشعر بأن السؤال كان قبل الإحرام، وفي طريق عند البخاري "ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام"؟ وعند النسائي "ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا" وأجمعوا على أن المراد بالمحرم هنا الرجل، ولا يلتحق به المرأة في ذلك، وسيأتي: بم يكون الإحرام؟ .
(لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس.) قال البيضاوي: سئل عما يلبس، فأجاب بما لا يلبس، ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، قال النووي: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله، أي لا يلبس كذا وكذا، أي ويلبس ما سواه، وإنما عدل عن الجواب الأصلي لأن ما لا يلبس منحصر، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر.
وقد عدل بعض الرواة السؤال، فرووه بالمعنى، ليتطابق مع الجواب، فرواه أحمد وابن خزيمة بلفظ
стр. 2557
"ما يترك المحرم" وبلفظ "ما يجتنب المحرم من الثياب" قال الحافظ ابن حجر: وهذه الرواية شاذة والاختلاف فيها على ابن جريج، لا على نافع، ومن طريق على الزهري لا على نافع.
و"القمص" بالضم جمع قميص، قال العيني: ويجمع أيضاً على أقمصة وقمصان ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، فكأنه قال: لا يلبس الواحد قميصاً، "والعمائم" جمع عمامة، يقال: اعتم بالعمامة، وتعمم بها.
و"السراويلات" جمع سراويل، يقال: تسرول أي لبس السراويل، وهو مفرد، يذكر ويؤنث، وهو لباس يغطي ما بين السرة والركبتين غالباً، ويحيط بكل من الرجلين على حدة.
و"البرانس" جمع برنس بضم الباء والنون بينهما راء ساكنة، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به، وقال الجوهري: هي قلنسوة طويلة، كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام.
(ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين) الخفاف: جمع خف، وهو ما يلبس في القدم من جلد رقيق يغطي ظهر القدم وخلف العقب.
والنعل: حذاء لا يغطي ظهر القدم، ولا خلف العقب، يمسك بظهر القدم بسيور فوق الأصابع وبينها، والكعبان: العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، والمراد من قطع الخفين أسفل من الكعبين: كشف الكعبين في الإحرام. وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، فالمراد: عليه قطع ظهر الخف وترك جزء منه قدر ما يمسكه برجليه، ورد هذا القول بأن الكعب لا يعرف بهذا المعنى عند أهل اللغة.
وفي قوله "إلا أحد لا يجد ... " إلخ دليل على أن لفظ "أحد" يجوز استعماله في الإثبات، خلافاً لمن قال: لا يجوز ذلك إلا لضرورة الشعر، قال ابن المنير: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يستعمل في الإثبات إلا إن كان يعقبه نفي. اهـ والمراد بعدم الوجدان: أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده أو عجزه عن الثمن.
(ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن نكتة العدول عن طريق ما تقدم ذكره، أن الذي يخالطه الزعفران والورس لا يجوز لبسه، سواء كان مما يلبسه المحرم أو لا يلبسه، اهـ والزعفران نبات بصلي، أعجمي صرفته العرب، فقالوا: ثوب مزعفر، وتزعفر، أي تطيب بالزعفران أو صبغ به، و"الورس" بفتح الواو وسكون الراء نبت أصفر، طيب الريح، يصبغ به، يحتوي على مادة حمراء.
(لا يلبس المحرم) الفعل مجزوم على أن "لا" ناهية، ومرفوع على أنها نافية، خبر في معنى النهي، والأول أنسب لرواية "لا تلبسوا".
(وهو بالجعرانة) قال النووي: فيها لغتان مشهورتان، إحداهما إسكان العين وتخفيف الراء، والثانية كسر العين وتشديد الراء، والأولى أفصح، وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية وتشديدها، والأفصح التخفيف.
стр. 2558
(جاء رجل .... عليه جبة، وعليها خلوق -أو قال: أثر صفرة) في رواية للبخاري "جاء أعرابي" قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمه. وقد أطال الحافظ في التحقيق عن رجل جاء اسمه في بعض الروايات المشابهة. "والجبة" بضم الجيم وتشديد الباء المفتوحة: ثوب سابغ واسع الكمين، مشقوق المقدم، يلبس فوق الثياب، و"الخلوق" بفتح الخاء: نوع من الطيب يركب فيه زعفران، وقيل: أعظم أجزائه الزعفران، والمراد بأثر الصفرة: رائحة الزعفران وفي كتب اللغة: الأصفران الذهب والزعفران.
وفي الرواية السابعة "وعليه مقطعات -يعني جبة- وهو متضمخ بالخلوق" وفي الرواية الثامنة "عليه جبة صوف، متضمخ بطيب" وفي الرواية التاسعة "وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة" وفي الرواية العاشرة "عليه جبة بها أثر من خلوق" ومعنى "مقطعات" بضم الميم وفتح القاف وتشديد الطاء المفتوحة أي ثياب مقطعة قطعاً مفصلة مخيطة قطعها على هيئة جبة، والتضمخ بالطيب: التلوث به، والإكثار منه، والتلطخ به، والظاهر أن الرجل كان قد أكثر منه في لحيته ورأسه وجبته.
(كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ ) في الرواية السابعة "إني أحرمت بالعمرة وعلي هذا، وأنا متضمخ بالخلوق"؟ وفي الرواية الثامنة "كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب"؟ وفي الرواية التاسعة "إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى"؟ وفي الرواية العاشرة "إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل"؟ وهذا السؤال بصيغه المختلفة يشير إلى أن الرجل كان يعرف أعمال الحج، ويجهل أن العمرة كالحج، قال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي ﷺ أن مجراهما واحد.
(قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحي) القائل: يعلى بن أمية ﵁، وفي الرواية الثامنة "فجاءه الوحي".
وكان يعلى يقول "وددت أني أرى النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحي" وفي الرواية الثامنة "أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب ﵄ ليتني أرى النبي ﷺ حين ينزل عليه"؟ وفي رواية للبخاري "أن يعلى قال لعمر ﵁ أرني النبي ﷺ حين يوحى إليه".
(فقال: أيسرك أن تنظر إلى النبي ﷺ وقد أنزل عليه الوحي؟ ) أي قال عمر ليعلى هذا القول بعد أن ستر عمر ﵁ رسول الله ﷺ بثوب، فأجاب يعلى: نعم، فأشار عمر بيده إلى يعلى أن تعال، فجاء يعلى، فرفع عمر طرف الثوب، فأدخل يعلى رأسه، فنظر النبي ﷺ في حالة الوحي.
(فإذا النبي ﷺ له غطيط -كغطيط البكر) في الرواية الثامنة "محمر الوجه يغط" والغطيط: صوت النائم الذي يردده مع نفسه، "والبكر" بفتح الباء هو الفتى من الإبل، ويقال: الغطيط صوت به بحوحة وهو كشخير النائم الذي يردده في حلقه، ومع نفسه، وسبب ذلك: شدة الوحي وثقله.
стр. 2559
(فلما سري عنه) بضم السين وكسر الراء المشددة: أي أزيل ما به، وكشف عنه ما كان فيه شيئاً فشيئاً بالتدريج.
(قال: أين السائل عن العمرة؟ ) في الرواية الثامنة "أين الذي سألني عن العمرة آنفاً"؟ وفي الرواية العاشرة "أين السائل آنفاً عن العمرة"؟ و"آنفاً" أي الساعة الحاضرة وفي الرواية الثامنة "فالتمس الرجل فجيء به" وفي الرواية العاشرة "فقام إليه الرجل" والظاهر: أن الرجل جلس مع الصحابة على بعد، فطلب فجيء به عند النبي ﷺ .
(فقال له النبي ﷺ : اغسل عنك أثر الصفرة، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) في الرواية السابعة "ماذا كنت صانعاً في حجك"؟ قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق. فقال له النبي ﷺ : "ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك" وفي الرواية الثامنة "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات [أي قال هذه الجملة ثلاث مرات تأكيداً، كما هي عادته ﷺ ، أو طلب أن يكون الغسل ثلاث مرات للتأكيد من إزالة الريح] وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" وفي الرواية التاسعة "انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك" قال النووي: معناه من اجتناب المحرمات، ويحتمل أنه أراد مع ذلك الطواف، والسعي والحلق، بصفاتها وهيئاتها، وإظهار التلبية، وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة، ويخص من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج كالوقوف والرمي والمبيت وغير ذلك.
-[فقه الحديث]-
تتعرض هذه المجموعة من الأحاديث إلى خمس نقاط:
الأولى: ما لا يباح للمحرم لبسه على بدنه.
الثانية: تغطية المحرم رأسه.
الثالثة: ما لا يباح للمحرم لبسه في قدميه.
الرابعة: الطيب للمحرم في الثوب أو البدن.
الخامسة: ما يؤخذ من الأحاديث.
وهذا هو التفصيل:
أولاً: ما لا يباح للمحرم لبسه على بدنه: قال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم لبس شيء من هذه المذكورات، وأنه نبه بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان محيطاً أو مخيطا، معمولاً على قدر البدن، أو قدر عضو منه، كالجوشن [أي الدرع] والتبان
стр. 2560
[بتشديد الباء، وهو نوع من السراويل، قصيرة فوق الركبة، تستر السوأتين، أشبه بما يلبس في البحر، والجمع تبابين] والقفاز [وهو ما يلبس في الكفين من نسيج أو جلد].
وقال في المجموع: فإن لبس شيئاً من ذلك مختاراً عامداً أثم، ولزمه المبادرة إلى إزالته ولزمته الفدية، سواء قصر الزمان أم طال، وسواء في ذلك الرجل والصبي، لكن الصبي لا يأثم، وتجب الفدية.
وقال: قال أصحابنا: واللبس الحرام الموجب للفدية محمول على ما يعتاد في كل ملبوس، فلو التحف بقميص أو قباء [ويطلق على كل ثوب مفرج سواء أكان له أكمام كالجبة، أو لا أكمام له كالعباءة] أو ارتدى بهما [أي جعلهما رداء ولفهما حول نصفه الأعلى] أو اتزر بسراويل [أي لف السراويل على فخذيه] فلا فدية، لأنه ليس لبساً له في العادة. ولو ألقى على بدنه قباء أو فرجية [بفتح الفاء والراء وكسر الجيم وتشديد الياء ثوب واسع طويل الأكمام، يتزيا به علماء الدين غالباً] وهو مضطجع فلا فدية إن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه.
ثم قال: وهذا الذي ذكرناه إذا لم يكن للرجل عذر في اللبس، فإن كان عذر جاز ووجبت الفدية.
ولا فرق بين أن يكون مخيطاً بالإبرة أو ملصقاً بعضه إلى بعض، ولا فرق بين أن يكون من الخرق والأقمشة القطنية والصوفية والوبرية والتيلية وبين أن يكون من الجلود أو اللبود أو الورق.
ويحرم في إزار ورداء، ويستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين جديدين، فإن لم يكونا جديدين فليكونا مغسولين نظيفين، ويكره المصبوغ، وغير النظيف.
ثم قال: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يجوز أن يعقد الإزار [أي يربط طرفيه ببعضهما ليستمسك] ويشد عليه خيطين [أي خيطا ذا طرفين يربطهما ويعقدهما] وأن يجعل له مثل الحجزة ويدخل فيهما التكة ونحو ذلك [الحجزة والحزة بدون جيم مجري ينشأ من ثني طرف الإزار أو السراويل ليدخل فيه التكة التي تشده ليستمسك] لأن ذلك من مصلحة الإزار، فإنه لا يستمسك إلا بنحو ذلك.
ثم قال: قال أصحابنا: وله غرز ردائه في طرف إزاره، وأما عقد الرداء فحرام وكذلك خله بخلال أو بمسلة ونحوها، وفرق الأصحاب بين الرداء والإزار حيث جاز عقد الإزار دون الرداء بأن الإزار يحتاج فيه إلى العقد دون الرداء. هذا قول الجمهور، وقالت طائفة من أصحابنا: لا يحرم عقد الرداء، كما لا يحرم عقد الإزار.
ثم قال: وإذا لم يجد إزاراً جاز له لبس السراويل، ولا فدية. هذا مذهبنا، وبه قال أحمد وداود وجمهور العلماء، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز له لبسه وإن عدم الإزار، فإن لبسه لزمه الفدية. اهـ
وقال البخاري: قال عطاء: يتختم ويلبس الهميان [بكسر الهاء وسكون الميم، وهو حزام من جلد أو قماش به جيوب يضع فيه المحرم النفقة وما يحتاجه ويشده في وسطه] قال العلماء: لا بأس للمحرم بالهميان والخاتم، وأجازوا عقد الهميان إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر، ونقل عنه جوازه.
следующие страницы →