← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وتجردوا من الثياب عند الطواف كمظهر من مظاهر الذلة والخضوع، فلما جاء الإسلام، دين العفة والحياء، جعل للحج شعاراً ولباساً خاصاً، يجمع بين التستر وبين مظاهر العبودية والذلة والخضوع، لباس يستوي فيه الأغنياء المترفون والفقراء البائسون، إزار ورداء ونعلان، مع رأس مكشوفة عارية، وبعد عن الطيب وملاذ الحياة. إنها رحلة من دار الزينة واللهو واللعب إلى ما يشبه دار الحق وحال الموت، إنها خروج من زينة اللباس والرياش إلى ما يشبه الأكفان، إنها هجرة مؤقتة إلى الله تعالى في أول بيت وضع للناس. وفي هذه الأحاديث يسأل السائل عما يلبس المحرم؟ فيجاب بما يحرم لبسه، لأنه المحصور، أما ما يلبس فهو غير محصور، يجاب: لا يلبس المحرم القميص المعروف، ولا العمامة ولا السراويل: ولا البرانس، ولا الخفاف، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين بعد أن يحولهما إلى ما يشبه النعلين، بقطع الجزء الخلفي المحيط بالكعبين، ولا يلبس شيئاً مسه الطيب. وكان البعض يظن أن الإحرام بالعمرة يختلف في محرماته عن الإحرام بالحج، فسأل المعتمر عن ملابسه، فكان الجواب: افعل في عمرتك من الثياب ما كنت تفعله في حجك، فأمرهما سواء. -[المباحث العربية]- (أن رجلاً سأل .... ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق وقد روي أن ذلك كان في المسجد، فعند البيهقي عن نافع عن ابن عمر، قال: "نادى رجل رسول الله ﷺ وهو يخطب بذلك المكان -وأشار نافع إلى مقدم المسجد، فذكر الحديث وظهر أن ذلك كان بالمدينة. ووقع في حديث ابن عباس في البخاري في أواخر الحج أنه ﷺ خطب بذلك في عرفات، فيحمل على التعدد، ويؤيده: أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة، كما سيأتي في الرواية الرابعة وملحقها. (ما يلبس المحرم من الثياب؟ ) هذا مشعر بأن السؤال كان قبل الإحرام، وفي طريق عند البخاري "ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام"؟ وعند النسائي "ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا" وأجمعوا على أن المراد بالمحرم هنا الرجل، ولا يلتحق به المرأة في ذلك، وسيأتي: بم يكون الإحرام؟ . (لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس.) قال البيضاوي: سئل عما يلبس، فأجاب بما لا يلبس، ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، قال النووي: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله، أي لا يلبس كذا وكذا، أي ويلبس ما سواه، وإنما عدل عن الجواب الأصلي لأن ما لا يلبس منحصر، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر. وقد عدل بعض الرواة السؤال، فرووه بالمعنى، ليتطابق مع الجواب، فرواه أحمد وابن خزيمة بلفظ

стр. 2557

"ما يترك المحرم" وبلفظ "ما يجتنب المحرم من الثياب" قال الحافظ ابن حجر: وهذه الرواية شاذة والاختلاف فيها على ابن جريج، لا على نافع، ومن طريق على الزهري لا على نافع. و"القمص" بالضم جمع قميص، قال العيني: ويجمع أيضاً على أقمصة وقمصان ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، فكأنه قال: لا يلبس الواحد قميصاً، "والعمائم" جمع عمامة، يقال: اعتم بالعمامة، وتعمم بها. و"السراويلات" جمع سراويل، يقال: تسرول أي لبس السراويل، وهو مفرد، يذكر ويؤنث، وهو لباس يغطي ما بين السرة والركبتين غالباً، ويحيط بكل من الرجلين على حدة. و"البرانس" جمع برنس بضم الباء والنون بينهما راء ساكنة، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به، وقال الجوهري: هي قلنسوة طويلة، كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. (ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين) الخفاف: جمع خف، وهو ما يلبس في القدم من جلد رقيق يغطي ظهر القدم وخلف العقب. والنعل: حذاء لا يغطي ظهر القدم، ولا خلف العقب، يمسك بظهر القدم بسيور فوق الأصابع وبينها، والكعبان: العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، والمراد من قطع الخفين أسفل من الكعبين: كشف الكعبين في الإحرام. وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، فالمراد: عليه قطع ظهر الخف وترك جزء منه قدر ما يمسكه برجليه، ورد هذا القول بأن الكعب لا يعرف بهذا المعنى عند أهل اللغة. وفي قوله "إلا أحد لا يجد ... " إلخ دليل على أن لفظ "أحد" يجوز استعماله في الإثبات، خلافاً لمن قال: لا يجوز ذلك إلا لضرورة الشعر، قال ابن المنير: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يستعمل في الإثبات إلا إن كان يعقبه نفي. اهـ والمراد بعدم الوجدان: أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده أو عجزه عن الثمن. (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن نكتة العدول عن طريق ما تقدم ذكره، أن الذي يخالطه الزعفران والورس لا يجوز لبسه، سواء كان مما يلبسه المحرم أو لا يلبسه، اهـ والزعفران نبات بصلي، أعجمي صرفته العرب، فقالوا: ثوب مزعفر، وتزعفر، أي تطيب بالزعفران أو صبغ به، و"الورس" بفتح الواو وسكون الراء نبت أصفر، طيب الريح، يصبغ به، يحتوي على مادة حمراء. (لا يلبس المحرم) الفعل مجزوم على أن "لا" ناهية، ومرفوع على أنها نافية، خبر في معنى النهي، والأول أنسب لرواية "لا تلبسوا". (وهو بالجعرانة) قال النووي: فيها لغتان مشهورتان، إحداهما إسكان العين وتخفيف الراء، والثانية كسر العين وتشديد الراء، والأولى أفصح، وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية وتشديدها، والأفصح التخفيف.

стр. 2558

(جاء رجل .... عليه جبة، وعليها خلوق -أو قال: أثر صفرة) في رواية للبخاري "جاء أعرابي" قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمه. وقد أطال الحافظ في التحقيق عن رجل جاء اسمه في بعض الروايات المشابهة. "والجبة" بضم الجيم وتشديد الباء المفتوحة: ثوب سابغ واسع الكمين، مشقوق المقدم، يلبس فوق الثياب، و"الخلوق" بفتح الخاء: نوع من الطيب يركب فيه زعفران، وقيل: أعظم أجزائه الزعفران، والمراد بأثر الصفرة: رائحة الزعفران وفي كتب اللغة: الأصفران الذهب والزعفران. وفي الرواية السابعة "وعليه مقطعات -يعني جبة- وهو متضمخ بالخلوق" وفي الرواية الثامنة "عليه جبة صوف، متضمخ بطيب" وفي الرواية التاسعة "وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة" وفي الرواية العاشرة "عليه جبة بها أثر من خلوق" ومعنى "مقطعات" بضم الميم وفتح القاف وتشديد الطاء المفتوحة أي ثياب مقطعة قطعاً مفصلة مخيطة قطعها على هيئة جبة، والتضمخ بالطيب: التلوث به، والإكثار منه، والتلطخ به، والظاهر أن الرجل كان قد أكثر منه في لحيته ورأسه وجبته. (كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ ) في الرواية السابعة "إني أحرمت بالعمرة وعلي هذا، وأنا متضمخ بالخلوق"؟ وفي الرواية الثامنة "كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب"؟ وفي الرواية التاسعة "إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى"؟ وفي الرواية العاشرة "إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل"؟ وهذا السؤال بصيغه المختلفة يشير إلى أن الرجل كان يعرف أعمال الحج، ويجهل أن العمرة كالحج، قال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي ﷺ أن مجراهما واحد. (قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحي) القائل: يعلى بن أمية ﵁، وفي الرواية الثامنة "فجاءه الوحي". وكان يعلى يقول "وددت أني أرى النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحي" وفي الرواية الثامنة "أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب ﵄ ليتني أرى النبي ﷺ حين ينزل عليه"؟ وفي رواية للبخاري "أن يعلى قال لعمر ﵁ أرني النبي ﷺ حين يوحى إليه". (فقال: أيسرك أن تنظر إلى النبي ﷺ وقد أنزل عليه الوحي؟ ) أي قال عمر ليعلى هذا القول بعد أن ستر عمر ﵁ رسول الله ﷺ بثوب، فأجاب يعلى: نعم، فأشار عمر بيده إلى يعلى أن تعال، فجاء يعلى، فرفع عمر طرف الثوب، فأدخل يعلى رأسه، فنظر النبي ﷺ في حالة الوحي. (فإذا النبي ﷺ له غطيط -كغطيط البكر) في الرواية الثامنة "محمر الوجه يغط" والغطيط: صوت النائم الذي يردده مع نفسه، "والبكر" بفتح الباء هو الفتى من الإبل، ويقال: الغطيط صوت به بحوحة وهو كشخير النائم الذي يردده في حلقه، ومع نفسه، وسبب ذلك: شدة الوحي وثقله.

стр. 2559

(فلما سري عنه) بضم السين وكسر الراء المشددة: أي أزيل ما به، وكشف عنه ما كان فيه شيئاً فشيئاً بالتدريج. (قال: أين السائل عن العمرة؟ ) في الرواية الثامنة "أين الذي سألني عن العمرة آنفاً"؟ وفي الرواية العاشرة "أين السائل آنفاً عن العمرة"؟ و"آنفاً" أي الساعة الحاضرة وفي الرواية الثامنة "فالتمس الرجل فجيء به" وفي الرواية العاشرة "فقام إليه الرجل" والظاهر: أن الرجل جلس مع الصحابة على بعد، فطلب فجيء به عند النبي ﷺ . (فقال له النبي ﷺ : اغسل عنك أثر الصفرة، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) في الرواية السابعة "ماذا كنت صانعاً في حجك"؟ قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق. فقال له النبي ﷺ : "ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك" وفي الرواية الثامنة "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات [أي قال هذه الجملة ثلاث مرات تأكيداً، كما هي عادته ﷺ ، أو طلب أن يكون الغسل ثلاث مرات للتأكيد من إزالة الريح] وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" وفي الرواية التاسعة "انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك" قال النووي: معناه من اجتناب المحرمات، ويحتمل أنه أراد مع ذلك الطواف، والسعي والحلق، بصفاتها وهيئاتها، وإظهار التلبية، وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة، ويخص من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج كالوقوف والرمي والمبيت وغير ذلك. -[فقه الحديث]- تتعرض هذه المجموعة من الأحاديث إلى خمس نقاط: الأولى: ما لا يباح للمحرم لبسه على بدنه. الثانية: تغطية المحرم رأسه. الثالثة: ما لا يباح للمحرم لبسه في قدميه. الرابعة: الطيب للمحرم في الثوب أو البدن. الخامسة: ما يؤخذ من الأحاديث. وهذا هو التفصيل: أولاً: ما لا يباح للمحرم لبسه على بدنه: قال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم لبس شيء من هذه المذكورات، وأنه نبه بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان محيطاً أو مخيطا، معمولاً على قدر البدن، أو قدر عضو منه، كالجوشن [أي الدرع] والتبان

стр. 2560

[بتشديد الباء، وهو نوع من السراويل، قصيرة فوق الركبة، تستر السوأتين، أشبه بما يلبس في البحر، والجمع تبابين] والقفاز [وهو ما يلبس في الكفين من نسيج أو جلد]. وقال في المجموع: فإن لبس شيئاً من ذلك مختاراً عامداً أثم، ولزمه المبادرة إلى إزالته ولزمته الفدية، سواء قصر الزمان أم طال، وسواء في ذلك الرجل والصبي، لكن الصبي لا يأثم، وتجب الفدية. وقال: قال أصحابنا: واللبس الحرام الموجب للفدية محمول على ما يعتاد في كل ملبوس، فلو التحف بقميص أو قباء [ويطلق على كل ثوب مفرج سواء أكان له أكمام كالجبة، أو لا أكمام له كالعباءة] أو ارتدى بهما [أي جعلهما رداء ولفهما حول نصفه الأعلى] أو اتزر بسراويل [أي لف السراويل على فخذيه] فلا فدية، لأنه ليس لبساً له في العادة. ولو ألقى على بدنه قباء أو فرجية [بفتح الفاء والراء وكسر الجيم وتشديد الياء ثوب واسع طويل الأكمام، يتزيا به علماء الدين غالباً] وهو مضطجع فلا فدية إن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه. ثم قال: وهذا الذي ذكرناه إذا لم يكن للرجل عذر في اللبس، فإن كان عذر جاز ووجبت الفدية. ولا فرق بين أن يكون مخيطاً بالإبرة أو ملصقاً بعضه إلى بعض، ولا فرق بين أن يكون من الخرق والأقمشة القطنية والصوفية والوبرية والتيلية وبين أن يكون من الجلود أو اللبود أو الورق. ويحرم في إزار ورداء، ويستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين جديدين، فإن لم يكونا جديدين فليكونا مغسولين نظيفين، ويكره المصبوغ، وغير النظيف. ثم قال: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يجوز أن يعقد الإزار [أي يربط طرفيه ببعضهما ليستمسك] ويشد عليه خيطين [أي خيطا ذا طرفين يربطهما ويعقدهما] وأن يجعل له مثل الحجزة ويدخل فيهما التكة ونحو ذلك [الحجزة والحزة بدون جيم مجري ينشأ من ثني طرف الإزار أو السراويل ليدخل فيه التكة التي تشده ليستمسك] لأن ذلك من مصلحة الإزار، فإنه لا يستمسك إلا بنحو ذلك. ثم قال: قال أصحابنا: وله غرز ردائه في طرف إزاره، وأما عقد الرداء فحرام وكذلك خله بخلال أو بمسلة ونحوها، وفرق الأصحاب بين الرداء والإزار حيث جاز عقد الإزار دون الرداء بأن الإزار يحتاج فيه إلى العقد دون الرداء. هذا قول الجمهور، وقالت طائفة من أصحابنا: لا يحرم عقد الرداء، كما لا يحرم عقد الإزار. ثم قال: وإذا لم يجد إزاراً جاز له لبس السراويل، ولا فدية. هذا مذهبنا، وبه قال أحمد وداود وجمهور العلماء، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز له لبسه وإن عدم الإزار، فإن لبسه لزمه الفدية. اهـ وقال البخاري: قال عطاء: يتختم ويلبس الهميان [بكسر الهاء وسكون الميم، وهو حزام من جلد أو قماش به جيوب يضع فيه المحرم النفقة وما يحتاجه ويشده في وسطه] قال العلماء: لا بأس للمحرم بالهميان والخاتم، وأجازوا عقد الهميان إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر، ونقل عنه جوازه.

стр. 2561

وقال النووي: قال أصحابنا: وله أن يتقلد المصحف وحمائل السيف. اهـ ومثله أن يتقلد كيس نقود ويعلق حمائل كيس أمتعة، فإن ذلك لا يسمى لبساً. ثانياً: تغطية المحرم رأسه: أما النقطة الثانية فقد قال النووي في شرح مسلم: نبه ﷺ بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس، مخيطاً كان أو غيره، حتى العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدها ولزمته الفدية. وقال في المجموع: لا يجوز للرجل ستر رأسه، لا بمخيط كالقلنسوة، ولا بغيره كالعمامة والإزار والخرقة وكل ما يعد ساتراً، فإن ستر لزمه الفدية، ولو توسد وسادة، أو وضع يده على رأسه، أو انغمس في ماء، أو استظل بمحمل وهودج ومظلة جاز، ولا فدية، سواء مس المحمل رأسه أم لا، لأنه لا يعد ساتراً، ولو وضع على رأسه زنبيلاً أو قفة جاز على الأصح ولا فدية، لأنه لا يقصد به الستر. ولا يشترط لوجوب الفدية ستر جميع الرأس، بل تجب الفدية بستر قدر يقصد ستره لغرض، كشد عصابة، وإلصاق لصوق لشجة ونحوها، واتفق الأصحاب على أنه لو شد خيطاً على رأسه لم يضره، ولا فدية. وقال: مذهبنا أنه يجوز للرجل المحرم ستر وجهه، ولا فدية عليه، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز كرأسه. ثالثاً: ما لا يباح للمحرم لبسه في قدميه: وأما النقطة الثالثة فقد قال النووي في شرح مسلم: نبه ﷺ بالخفاف على كل ساتر للرجل، من مداس [وهو ضرب من الأحذية] وحمحم [وهو ضرب آخر منها] وجورب وغيرها. وقال الحافظ ابن حجر: ظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبس الخفين إذا لم يجد النعلين، واستدل به على اشتراط القطع، خلافاً للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع، لإطلاق حديث ابن عباس في البخاري في أواخر كتاب الحج بلفظ "ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول بها هنا. أما المرأة فالوجه منها كرأس الرجل، يحرم ستره بكل ساتر، ويجوز لها ستر رأسها وسائر بدنها بالمخيط وغيره، كالقميص والخف والسراويل وتستر من الوجه القدر اليسير الذي يلي الرأس، لأن ستر الرأس واجب، لكونه عورة، ولا يمكن استيعاب ستره إلا بذلك. ولها أن تسدل على وجهها ثوباً متجافياً عنه بخشبة ونحوها، سواء فعلته لحاجة، كحر وبرد وخوف فتنة ونحوها، أم لغير حاجة، فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب الوجه بغير اختيارها ورفعته في الحال فلا فدية، وإن كان عمداً أو استدامته لزمها الفدية، وفي لبسها القفازين قولان. وقالت عائشة: لا تلثم المرأة، أي لا تغطي شفتيها بثوب. ولم تر عائشة بأساً بالحلي، وبالثوب الأسود والمورد، وقالت: تلبس من خزها، وبزها، وأصباغها، وحليها. قال الحسن وعطاء: تلبس ما شاءت من الثياب، إلا ثوباً ينفض عليها ورساً أو زعفراناً. رابعاً: الطيب للمحرم في الثوب أو البدن: وأما النقطة الرابعة فقد قال النووي في شرح مسلم: والزعفران والورس نبه بهما على ما في معناهما، وهو الطيب. اهـ

стр. 2562

وقال ابن العربي: ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب. واستدل بقوله: "مسه" على تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولو خفيت رائحته. وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع. وقال مالك في الموطأ: إنما يكره لبس المصبغات لأنها تنفض [أي تخرج الريح من حين إلى حين] والجمهور على أنه إذا ذهبت رائحة المصبوغ جاز. خلافاً لمالك. وقال النووي في المجموع: ويحرم على المحرم استعمال الطيب في ثيابه وبدنه لحديث ابن عمر "ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران" وتجب الفدية. وقال: قال الشافعي والأصحاب: يحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب واستعمال الطيب أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب، ولو لبس ثوباً مبخراً بالطيب، أو ثوباً مصبوغاً بالطيب، أو علق بنعله طيب لزمته الفدية، ولو علقت رائحة الطيب بثوبه أو ببدنه دون عين الطيب بأن جلس في دكان طيب، أو عند الكعبة وهي تبخر، أو في بيت يبخر ساكنوه فلا فدية بلا خلاف، لكنه إن قصد الموضع المذكور لاشتمام الرائحة كره على الأصح. ولو كان المحرم أخشم لا يشم رائحة الطيب، فاستعمل الطيب لزمته الفدية وإن لبس إزاراً مطيباً لزمته الفدية، وله أن يحمل الطيب في خرقة أو قارورة ولا فدية عليه، لأن دونه حائلاً. ومتى لصق الطيب ببدنه أو ثوبه على وجه لا يوجب الفدية، بأن كان ناسياً أو ألقته الريح عليه لزمه المبادرة بإزالته، بأن ينحيه أو يغسله أو يعالجه بما يقطع ريحه، فإن أخر إزالته مع الإمكان لزمته الفدية. وإذا حصل الطيب في مطبوخ أو مشروب فبقيت الرائحة بعد الأكل أو الشرب وجبت الفدية، وقال أبو حنيفة: لا فدية. وأما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام، لأنه لا يقصد للطيب. وأما استحباب الطيب قبل الإحرام فسيأتي في باب خاص إن شاء الله تعالى بعد أربعة أبواب. ثم قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم، ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفه، ويتصف بصفة الخاشع الذليل وليتذكر به الموت ولباس الأكفان، ويتذكر البعث يوم القيامة والناس حفاة عراة مهطعين إلى الداعي، والحكمة في تحريم الطيب أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها ويجتمع همه لمقاصد الآخرة. وهناك محرمات أخرى للإحرام ستأتي في أبواب مستقلة، كتحريم الصيد وحلق الرأس، ومحرمات لم ترد في صحيح مسلم، كالنكاح، والمباشرة فيما بين السرة والركبة وسنتناولها في نهاية محرمات الإحرام إن شاء الله تعالى.

стр. 2563

-[خامساً: ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - يؤخذ من الأمر بقطع أسفل الخفين: أن ما يأمر به الشرع لا يكون فساداً. ٢ - ومن تمكين عمر ﵁ يعلى ﵁ من رؤية النبي ﷺ : جواز كشف أمور الغير للغير إذا علم أن ذلك لا يشق عليه. وهذا مبني على أن الرسول ﷺ قد علم ما حصل ورضي به. ٣ - ومن قوله: "ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك": أنهم كانوا يعلمون أعمال الحج قبل علمهم بأعمال العمرة. ٤ - وأخذ منه بعضهم: أن الترك فعل، لأن معناه اترك واجتنب في عمرتك ما كنت تاركاً مجتنباً في حجك. ٥ - واستدل بقوله: "اغسل عنك أثر الصفرة -أو أثر الخلوق": على منع استدامة الطيب بعد الإحرام، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، وأجاب الجمهور: بأن قصة يعلى ﵁، كانت بالجعرانة، وهي في سنة ثمان بلا خلاف وقد ثبت عن عائشة: أنها طيبت رسول الله ﷺ بيديها عند إحرامه، كما سيأتي، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر. ذكره الحافظ ابن حجر. ٦ - واستدل به كذلك على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسياً، أو جاهلاً، ثم علم، فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه، وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمه، وعن أبي حنيفة وأحمد -في رواية- يجب مطلقاً. ٧ - ومن قوله: "واخلع عنك جبتك": أن المحرم إذا صار عليه المخيط نزعه ولو من قبل رأسه، ولا يصير بذلك مغطياً لرأسه، ففي لفظ أبي داود "اخلع عنك الجبة، فخلعها من قبل رأسه". ٨ - ومن نظر النبي ﷺ إلى الرجل، وسكوته، وعدم إجابته، كما في الرواية الثامنة والعاشرة: أن المفتي والحاكم إذا لم يعرف الحكم يمسك حتى يتبين له. ٩ - واستدل به على أن النبي ﷺ لم يكن يحكم بالاجتهاد إلا إذا لم يحضره الوحي. نقله الحافظ ابن حجر. ويتعقب بأنها حادثة عين لا تنفي ما عداها، وقال النووي: لا دلالة فيه على ذلك لأنه يحتمل أنه ﷺ لم يظهر له الاجتهاد وحكم ذلك، أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد. ١٠ - وأن بعض الأحكام ثبت بالوحي الذي لا يتلى. ١١ - ومن حاله ﷺ حين نزول الوحي: شدة الوحي وثقله ومعاناة الرسول ﷺ من نزوله. ١٢ - ومن ستر عمر للنبي ﷺ : استحباب ستر أمور النوم ونحوها مما لا يستحسن ظهوره غالباً. والله أعلم

стр. 2564

(٣١٦) باب مواقيت الحج ٢٤٥٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. قال: "فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمن أهله، وكذا فكذلك، حتى أهل مكة يهلون منها". ٢٤٥٣ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. وقال: "هن لهم، ولكل آت أتى عليهن من غيرهن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة". ٢٤٥٤ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن". قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم". ٢٤٥٥ - عن سالم عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن". قال ابن عمر ﵄ وذكر لي (ولم أسمع): أن رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم". ٢٤٥٦ - عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مهل أهل المدينة ذو الحليفة، ومهل أهل الشام مهيعة -وهي الجحفة- ومهل أهل نجد قرن". قال عبد الله بن عمر ﵄ وزعموا أن رسول الله ﷺ (ولم أسمع ذلك منه) قال: "ومهل أهل اليمن يلملم".

стр. 2565

٢٤٥٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. وقال عبد الله بن عمر ﵄ وأخبرت أنه قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم". ٢٤٥٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن المهل؟ فقال: سمعت ... (ثم انتهى. فقال: أراه يعني) النبي ﷺ . ٢٤٥٩ - عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن المهل؟ فقال: سمعت (أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال: "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم". -[المعنى العام]- قد يدرك المسلم حكمة مشروعية الكثير من العبادات، لكنه في حكمة مشروعية الحج ومناسكه، يصل في النهاية إلى أنه عبادة تعبدية، وعليه أن يفعل ما أمر بفعله من مناسكه، وأن لا يفعل ما نهي عن فعله من محرماته، وقد شاء الله تفضيل البيت الحرام عن بقاع الأرض، وجعل له من القدسية ما لم يجعله لغيره، وجعل لفريضة الحج من الفضل ما لم يجعله لعبادة من العبادات، فهو رغم أنه مرة واحدة في العمر، لكن هذه المرة تكفر ذنوبه وتمحو خطاياه، "فمن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وإذا كانت الصلاة قد طلب لها قبل التلبس بها طهارة الثوب، والبدن، والمكان والوضوء قبلها، واستقبال القبلة عندها، مما يهيئ المسلم للدخول فيها، فإن الحج كذلك شرع الله له مقدمات تتناسب وقدسية مكانه وقدسية أعماله، فجعل التهيؤ لمكانه من مكان بعيد، والتهيؤ لأفعاله بالإهلال به، وقصده ونيته قبل الدخول في أعماله بوقت غير قصير. من هنا شرع الله نية الحج والإحرام به من الميقات المكاني الذي حدده رسول الله ﷺ بوحي من الله تعالى، ولا شك أن هذه المواقيت محيطة بالحرم، فذو الحليفة شامية ويلملم يمانية، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما أقرب من الأخرى بالنسبة لمكة، وقرن شرقية والجحفة غربية، فهي مقابلها، وإن

стр. 2566

كانت إحداهما كذلك، وذات عرق تحاذي قرناً، ولو أوصلنا خطاً بين كل من هذه المواقيت، تمت إحاطة الحرم إحاطة تامة بهذا الخط، وأصبحت كل بقعة من بقاع الأرض لا محالة تمر به، وكل من سلك طريقاً ما براً، أو بحراً، أو جواً لا محالة له ميقات يحرم منه، إما محدد بتحديد رسول الله ﷺ حسب الطرق التي كانت معهودة آنذاك، وإما بمحاذة ما حدده رسول الله ﷺ ، فمن سلك طريقاً يمر بالمكان الذي حدده رسول الله ﷺ فميقاته الذي عليه أن يحرم منه سواء أكانت فيه مدينة بهذا الاسم أم أقيمت مكانه مدينة باسم آخر أو به، فالعبرة بالمكان، والأسماء الواردة في الأحاديث إنما هي للإعلام عن المكان الذي كان معروفاً به في عهده ﷺ . ونعود إلى وجوب التسليم بأوامر الشرع في مناسك الحج، وإن لم تدرك عللها وحكم مشروعيتها، فلا نقول: لماذا قرب من مكة ميقات أهل نجد، وبعد عنها ميقات أهل المدينة؟ ولكن نقول: آمنا بالله وبشرعه الذي أنزل على رسوله ﷺ . ونسأل الله أن يتقبل منا خالص أعمالنا ودعائنا إنه سميع مجيب. -[المباحث العربية]- (وقت رسول الله ﷺ بتشديد القاف، أي حدد، وأصل التوقيت: أن يجعل للشيء وقت يختص به، ثم اتسع فيه، فأطلق على المكان أيضاً، وقيل للموضع ميقات والجمع مواقيت، كمواعيد جمع ميعاد، والمراد هنا: حدد رسول الله ﷺ هذه المواضع للإحرام بالحج والعمرة. (لأهل المدينة ذا الحليفة) بضم الحاء وفتح اللام، و"أل" في "المدينة" للعهد، أي مدينته ﷺ ، وصار علماً عليها بالغلبة وكثرة الاستعمال، وأهل المدينة سكانها، وذو الحليفة في طريق المسافر من المدينة إلى مكة، بينها وبين المدينة ستة أميال [نحو تسعة كيلو مترات ونصف] وبينها وبين مكة مائتا ميل وميلان [نحو خمسة وعشرين وثلاثمائة كيلو متر] ويلاحظ أن طرق اليوم ومسافاتها غير هذه الطرق ومسافاتها، والعبرة بالمكان وكان بها مسجد يعرف بمسجد الشجرة، مكانه خرب الآن، وبها بئر يقال له: بئر علي وهي تعرف الآن بآبار علي، وقد أقيم بها مسجد كبير يحرم منه الحجاج والمعتمرون. والعبرة في هذه المواقيت بالمكان، لا بالاسم، فلو أقيمت مدينة باسم ذي الحليفة في مكان آخر، وأقيم في الموضع مدينة باسم آخر فالعبرة بالمكان. وفي الرواية الثالثة، والرابعة "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة" وفي الرواية الخامسة والثامنة "مهل أهل المدينة ذو الحليفة"، أو "من ذي الحليفة". و"المهل" بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال. قال الحافظ ابن حجر: وأصله رفع الصوت، لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعاً. قال

стр. 2567

أبو البقاء: هو مصدر بمعنى الإهلال، كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج. اهـ ففتح الميم، لكن ابن الجوزي يقول: وإنما يقوله بفتح الميم من لا يعرف. اهـ (ولأهل الشام الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء، قيل: سميت بذلك لأن السيل أجحفها في وقت، أي جرفها وذهب بها، وهي قرية خربة، بينها وبين مكة نحو مائة وعشرة أميال [نحو مائة وسبعين كيلو متراً] عن طريق المدينة، ولعله خفف على القادمين من بعيد ما لم يخفف على أهل المدينة. والله أعلم. وكان لأهل الشام إلى مكة طريقان: طريق يمر بالمدينة وطريق الساحل لا يمر بها، وهو الذي سلكه أبو سفيان لما علم بخروج المسلمين إلى بدر، فالطريق الذي يمر بالمدينة ميقاته ذو الحليفة "هن لهن ولمن أتى عليهن" والطريق الآخر -كما جاء في الرواية الثامنة- ميقاته الجحفة. ويقال لها "مهيعة" بفتح الميم وإسكان الهاء، وفتح الياء على وزن علقمة وحكى القاضي عياض عن بعضهم كسر الهاء على وزن لطيفة، والصحيح المشهور إسكانها، وفي الرواية الخامسة "ومهل أهل الشام مهيعة وهي الجحفة" وفي كلام ابن الكلبي ما يفيد أنها كانت تسمى مهيعة، فلما اجتاحها السيل سميت الجحفة. وعند النسائي من حديث عائشة "ولأهل الشام ومصر الجحفة" والمكان الذي يحرم منه المصريون اليوم يسمى "رابغ" قال الحافظ ابن حجر: وهو قريب من الجحفة. اهـ أو محاذ بها حيث إن المصريين لا يسلكون غالباً طريق الشام نفسه، سواء قدموا جواً أو بحراً. (ولأهل نجد قرن المنازل) النجد: كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق، والمراد هنا أعلاها. و"قرن" قال النووي: بفتح القاف وسكون الراء بلا خلاف بين أهل العلم من أهل الحديث واللغة والتاريخ والأسماء وغيرهم، وغلط الجوهري في صحاحه فيه غلطتين فاحشتين، فقال بفتح الراء وزعم أن أويساً القرني ﵁ منسوب إليه، والصواب إسكان الراء وأن أويساً منسوب إلى قبيلة معروفة، يقال لهم بنو قرن وهي بطن من مراد، القبيلة المعروفة، ينسب إليها المرادي، وبالغ النووي في تغليط الجوهري، لكن حكى القاضي عياض تعليق القابس أن من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن قاله بالفتح أراد الطريق. و"المنازل" جمع المنزل، والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له: "قرن" أيضاً بدون إضافة، قال النووي: ووقع في أكثر النسخ "قرن" من غير إضافة، ومن غير ألف بعد النون، وفي بعضها "قرناً" بالألف وهو الأجود، لأنه موضع واسم جبل، فوجب صرفه ويحتمل -على بعد- أن يكون علماً على البقعة، فيترك صرفه. "وقرن المنازل" جبل بينه وبين مكة نحو ستين كيلو متراً، وهو أقرب المواقيت إلى مكة وأبعدها من مكة ذو الحليفة. قال الحافظ ابن حجر: لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقان: إحداهما طريق أهل الجبال، وهم يصلون إلى "قرن" أو يحاذونه، فهو ميقاتهم، كما هو ميقات أهل المشرق والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرون بيلملم أو يحاذونه، وهو ميقاتهم، لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم.

стр. 2568

(ولأهل اليمن يلملم) بفتح الياء واللامين، ويقال أيضاً: "ألملم" بهمزة بدل الياء وهو الأصل، والياء تسهيل لها، لغتان مشهورتان، وهو جبل من جبال تهامة بينه وبين مكة ما يقرب من ستين كيلو متراً. هذا. وروايات ابن عباس [الأولى والثانية] ورواية جابر [الثامنة] ترفع صراحة وجزماً واتصالاً هذا الميقات إلى النبي ﷺ . أما روايات ابن عمر [الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة] فهي مرسلة بالنسبة لهذا الميقات خاصة. (فهن لهن) كان الأصل: هن لهم، أي المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة ووقع على الأصل عند بعض رواة البخاري ومسلم، كما في روايتنا الثانية، وكذلك رواه أبو داود وغيره، لكنها عند أكثر الرواة في الصحيحين "هن لهن" ووجهه القاضي: بأن الضمير في "لهن" عائد على المواضع والأقطار المذكورة، وهي [المدينة، والشام، واليمن، ونجد]، أي هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد: لأهلها، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. وسيأتي مزيد للبحث في فقه الحديث. (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) قيل معناه: وهن لمن أتى عليهن مطلقاً سواء أكان له ميقات أولاً، وقيل معناه: وهن لمن أتى عليهن من غير أهلهن إذا لم يكن له ميقات معين، فالعمومان في هذه الجملة والتي قبلها متعارضان، ولا بد من تقييد إحداهما. وسيأتي مزيد للبحث في فقه الحديث. (فمن كان دونهن فمن أهله) أي فمن كان من أهل بلد أقرب منهن لمكة فإحرامه من مسكنه، ومسكن أهله، وفي الرواية الثانية "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" أي ومن كان سكنه دون هذه المواقيت، فميقاته من حيث أنشأ الإحرام، ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحاج، أما المعتمر: إذا كان مسكنه في الحل وجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، وللبحث بقية في فقه الحديث. (وكذا فكذلك) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح ومعناه: وهكذا فهكذا. (حتى أهل مكة يهلون منها) يجوز في لفظ "أهل" الجر، على أن "حتى" حرف جر بمنزلة إلى، ويجوز فيه الرفع على أنه مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: حتى أهل مكة يهلون من مكة. (ومهل أهل العراق من ذات عرق) بكسر العين، سمى المكان بذلك لأن فيه عرقاً، وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء. قال الكرماني: بالقرب منه بستان، منه إلى مكة ثمانية عشر ميلاً [نحو تسعة وعشرين كيلو متراً] وهل هذا الميقات بتوقيت النبي ﷺ أو هو بتوقيت عمر ﵁؟ خلاف يأتي توضيحه في فقه الحديث.

стр. 2569

(وزعموا أن رسول الله ﷺ قال ... ) الزعم قد يكون بمعنى القول المحقق، وهو المراد هنا. (عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل. فقال: سمعت ... ثم انتهى. فقال ... ) قال النووي: معنى هذا الكلام أن أبا الزبير قال سمعت جابراً، ثم انتهى. أي وقف عن رفع الحديث إلى النبي ﷺ ، وقال: أراه -بضم الهمزة-، أي أظنه رفع الحديث، أي أظنه يعني النبي ﷺ بنسبة القول إليه. كما قال في الرواية الثامنة "أحسبه رفع ... " قال النووي: ولا يحتج بهذا الحديث مرفوعاً، لكونه لم يجزم برفعه. اهـ -[فقه الحديث]- للحج ميقات زماني، ومواقيت مكانية. أما الميقات الزماني فيقول الله تعالى عنه: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]. ويقول: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]. ولا خلاف بين العلماء في أن أول أشهر الحج شهر شوال، والخلاف بينهم في نهايتها. فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. واحتجوا بما أخرجه البخاري عن ابن عمر معلقاً قال: "أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة" لكن هذا الفريق اختلفوا في يوم النحر. هل يدخل في عشر ذي الحجة أم لا؟ قال أبو حنيفة وأحمد: يدخل يوم النحر في أشهر الحج، على أن اليوم يتبع الليلة، أو المراد من حديث ابن عمر: الأيام والليالي، وغلب تأثيث لفظ العدد، كما يقال: صمنا عشراً، ويريدون الليالي والأيام. وقال الشافعي: لا يدخل يوم النحر، فأشهر الحج شوال وذو القعدة وتسعة أيام من ذي الحجة، وتنتهي بفجر يوم النحر. فهي عشر ليال وتسعة أيام من ذي الحجة. وذهب مالك والشافعي في القديم إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، واحتج بما رواه الدارقطني عن ابن عباس قال: "أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة" وروي نحوه عن ابن مسعود وعن ابن الزبير ﵄. وثمرة الخلاف: أنه لا يجوز الإحرام بالحج في غير أشهر الحج عند الشافعية فإن أحرم بالحج في غير أشهره، فجمهورهم على أنه ينعقد بهذا الإحرام عمرة. وقال داود: إن أحرم بالحج في غير أشهره فلا ينعقد حجاً ولا عمرة، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: يجوز الإحرام بالحج في غير أشهر الحج لكن يكره. قالوا: فأما أعمال الحج فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف. ويكره الاعتمار في أشهر الحج عند مالك، فالعمرة عنده مكروهة في جميع ذي الحجة. وعند مالك: إذا أخر طواف الإفاضة عن ذي الحجة لزمه دم.

стр. 2570

والتحقيق: أن الخلاف في هذه الأحكام لا تتوقف على الخلاف في أشهر الحج، وإنما ترتبط بها من حيث التطبيق فقط، فليست ثمرة للخلاف في أشهر الحج. فالشافعية لا يجيزون الإحرام بالحج في غير أشهر الحج ولا يتوقف ذلك على كونها تنتهي عند العاشر من ذي الحجة، أو عند آخر ذي الحجة، وكراهة الاعتمار في أشهر الحج عند مالك ليست ثمرة للخلاف في أشهر الحج بل هي حكم ارتضاه سواء كانت أشهر الحج ثلاثة كاملة أو ناقصة، وكذلك لزوم الدم لمن أخر طواف الإفاضة عنده، فإن غيره لا يقول بلزوم الدم مطلقاً على تأخير الطواف أشهراً، ولذلك يقول النووي في المجموع: فلا فرق بين أن يوافقونا في أشهر الحج أو يخالفونا. وعلى أي حال فالكل يجمع على أنه لا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الحجة الواحدة تستغرق الوقت، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى. على معنى أن وقت الوقوف بعرفة محدد، فلا يصح أن يقع لحجتين، لأن الحجة الواحدة تصح بكل لحظة منه. هذا، ولم يتعرض الإمام مسلم للميقات الزماني في أحاديثه، وما ذكره البخاري إلا كحكم فقهي، وما ساق له إلا تعليقات موقوفات. أما المواقيت المكانية فقد اتفقت الروايات على أن ميقات أهل المدينة "ذو الحليفة" أما في أفضل مكان يحرم منه من ذي الحليفة فسيأتي في الباب التالي إن شاء الله. وأن ميقات أهل الشام "الجحفة" -وهي مهيعة- قال العلماء: وهي ميقات أهل مصر والمغرب، وأن ميقات أهل نجد "قرن المنازل"، قال الشافعي: "قرن" ميقات المتوجهين من نجد اليمن ونجد الحجاز، اهـ وأن ميقات أهل اليمن "يلملم"، والمراد بأهل اليمن: أهل تهامة اليمن، لا كل اليمن، فإن اليمن تشمل نجداً، وتهامة. كذا قال النووي في المجموع. ثم قال: وهذه الأربعة نص عليها رسول الله ﷺ بلا خلاف، وهذا مجمع عليه. أما "ذات عرق" لأهل العراق فاختلف العلماء في توقيته، هل هو منصوص عليه من النبي ﷺ ؟ أو كان باجتهاد من عمر ﵁؟ . حجة من قال إنه كان باجتهاد من عمر ﵁: ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المصران [يعني بالبصرة والكوفة، ومعنى فتحهما إنشاؤهما فإنهما أنشئا في زمن عمر ﵁، فهما مدينتان إسلاميتان] أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين. إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد "قرنا"، وهو جور عن طريقنا [أي وهو مائل بعيد عن طريقنا] وإنا إن أردنا "قرنا" شق علينا؟ قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم "ذات عرق". وقد روى الشافعي من طريق أبي الشعثاء قال: "لم يوقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق شيئاً، فاتخذ الناس بحيال "قرن" "ذات عرق" وروى أحمد عن ابن عمر حديث المواقيت، وزاد فيه: "قال ابن عمر: فآثر الناس "ذات عرق" على "قرن"، وفي رواية له: "فقال له قائل: فأين العراق؟ فقال ابن عمر: لم يكن يومئذ عراق، فهذا كله يدل على أن ميقات "ذات عرق" ليس منصوصاً، وبه قطع الغزالي

стр. 2571

والرافعي في "شرح المسند" والنووي في "شرح مسلم"، وكذا وقع في "المدونة" لمالك، وقال الشافعي في "الأم": لم يثبت عن النبي ﷺ أنه حد "ذات عرق"، وإنما أجمع عليه الناس. وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "المجموع شرح المهذب" أنه منصوص. وحجتهم ما جاء عند مسلم [روايتنا الثامنة] قال الحافظ ابن حجر: إلا أنه مشكوك في رفعه. وقد أخرجه أحمد وابن ماجه مرفوعاً من غير شك لكن في إسنادهما ضعف، وجاء في حديث عائشة، وحديث الحارث بن عمرو السهمي، كلاهما عند أحمد وأبي داود والنسائي، لكن كل طريق لا يخلو عن ضعف، ويحتج بها على اعتبار مجموع طرقها، ويقولون: إن هذا كاف في إثبات أن للحديث أصلاً، ولعل من قال: إنه غير منصوص، لم يبلغه، أو اعتمد أن الحديث ضعيف لا يحتج به باعتبار أن كل طريق لا يخلو عن ضعف. أما من أعل الحديث بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فهي غفلة منه -كما قال ابن عبد البر- لأن النبي ﷺ وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح لكونه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام وبين العراق. وقد جاء في بعض الروايات عند أبي داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق "العقيق". ومع أنه ضعيف فقد جمع العلماء بينه وبين ذات عرق أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد عن مكة من ذات عرق وقيل: العقيق ميقات لبعض العراقيين، وهم أهل المدائن وذات عرق ميقات لأهل البصرة. وسواء أكان ذات عرق ميقاتاً لأهل العراق بالنص، أو باجتهاد عمر ﵁ فقد اتبعه الصحابة، واستمر العمل عليه، فهو جدير وحقيق بلزوم الاتباع. والله أعلم. -[ويستنبط من مجموعة هذه الأحاديث الأحكام الآتية: ]- ١ - استدل بقول ابن عمر ﵄ في روايتنا السادسة "أمر رسول الله ﷺ .... " إلخ على أن الإحرام من الميقات واجب. قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد هذه المواقيت واجبة، لو تركها وأحرم بعد مجاوزتها أثم ولزمه دم، وصح حجه. قال الشافعية: فإن عاد قبل التلبس بنسك ركن أو سنة سقط عنه الدم على الصحيح، سواء رجع من مسافة قريبة أو بعيدة، لأنه حينئذ يكون قد قطع المسافة بالإحرام وقال بعضهم: إن عاد قبل أن يبعد عن الميقات مسافة قصر سقط الدم، وإلا فلا. وقال مالك وأحمد: لا يسقط الدم بالعود، وفي رأي للمالكية: يسقط الدم إن عاد قبل أن يبعد. وقال أبو حنيفة: إن عاد ملبياً سقط الدم، وإلا فلا. ويقول الجمهور: الأفضل في كل ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد من مكة فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز.

стр. 2572

وعن سعيد بن جبير: لو ترك الميقات دون إحرام لم يصح حجه. وقال عطاء والنخعي: لو ترك الميقات دون إحرام صح حجه، ولا شيء عليه. هذا بالنسبة لتجاوز الميقات دون إحرام، أما الإحرام قبل بلوغ الميقات، فقد نقل ابن المنذر وغيره بالإجماع على الجواز. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، فقد نقل عن إسحق وداود وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر صنيع البخاري حيث قال: [باب ميقات أهل المدينة، ولا يهلون قبل ذي الحليفة] فهو ظاهر في أنه لا يجيز الإحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات، وهو ظاهر جواب ابن عمر [حين سئل: من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: "فرضها رسول الله ﷺ ، لأهل نجد قرناً ولأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة" أخرجه البخاري] ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني، فلم يجيزوا التقدم على الزماني، وأجازوا في المكاني. قال: وذهبت طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم، وقال مالك: يكره. ويميل الحافظ ابن حجر إلى عدم الإحرام قبل الميقات فيقول: لم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي ﷺ أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه، لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجراً. اهـ ٢ - استدل بقوله في الرواية الأولى "فهن لهن" أن الشامي مثلاً ميقاته الجحفة، وإن مر على المدينة، فله أن يمر بذي الحليفة دون إحرام حتى يحاذي أو يصل الجحفة، وإن كان الأفضل أن يحرم في هذه الحالة من ذي الحليفة، وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، وهو المعروف عند المالكية، وأطلق النووي اتفاق الشافعية على أنه يلزمه أن يحرم من ميقات المدينة، ولا يجوز له تأخيره إلى ميقات الشام الذي هو الجحفة، فإن أخر أساء ولزمه دم. اهـ والمعنى عند الشافعية: هن لهن إذا لم يمروا بميقات آخر مريدين الحج أو العمرة. بدليل الجملة الآتية. ٣ - يستدل الشافعية بقوله "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ... " على أن الشامي إذا مر بميقات أهل المدينة لزمه الإحرام منه، إذ المعنى "هن لهن"، أو "وهن لمن أتى عليهن من غير أهلهن" سواء أكان له ميقات معين، أو لم يكن له ميقات معين، ويفسره الآخرون بأن المعنى: هن لأهل هذه البلاد مطلقاً، وهن لمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن لا ميقات له. أما من سلك طريقاً لا ميقات فيه من بر أو بحر فميقاته إذا حاذى ميقاته الأصلي كالمصري مثلاً يمر ببدر، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يحرم منها، بل له التأخير حتى يحاذي الجحفة، فإن كان الطريق لا يحاذي ميقاته الأصلي ويحاذي ميقاتاً آخر أو ميقاتين أحرم عند محاذاة أقربها إليه، فإن جهل المحاذاة أحرم قبل مكة بنحو مائة وعشرين كيلو متراً. ذكره النووي في المجموع.

стр. 2573

٤ - استدل بقوله في الرواية الأولى والثانية "ممن أراد الحج والعمرة" على أنه يجوز دخول مكة بغير إحرام. قال النووي: ومن لا يريد حجاً ولا عمرة لا يلزمه الإحرام لدخول مكة على الصحيح من مذهبنا، سواء دخل لحاجة تتكرر، كحطاب، وحشاش وصياد، ونحوهم، أو لا تتكرر، كتجارة وزيارة ونحوهما، وللشافعي قول ضعيف أنه يجب الإحرام بحج أو عمرة إن دخل مكة أو غيرها من الحرم مطلقاً. اهـ وتتمثل هذه المسألة في صور: الأولى: أن يمر بالميقات من لا يريد حجاً ولا عمرة، ولا يريد الحرم ولا يدخله، فهذا لا يجب عليه الإحرام بحج ولا بعمرة عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: من أتى على ميقات من المواقيت لا يتجاوزه غير محرم، سواء قصد دخول مكة أو لم يقصد. الثانية: أن يمر بالميقات من لا يريد حجاً ولا عمرة، ولا يريد الحرم، بل يريد حاجة دونه، لكنه بعد مجاوزته أراد الحج أو العمرة، فالجمهور على أنه يلزمه الإحرام من موضعه الذي بدا فيه له هذا الرأي ولا دم عليه، فإن جاوزه بلا إحرام، ثم أحرم أثم ولزمه دم، ولا يكلف الرجوع إلى الميقات، وقال أحمد وإسحاق يلزمه الرجوع إلى الميقات. الثالثة: أن يمر بالميقات من لا يريد حجاً ولا عمرة، وهو يريد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كزيارة صديق أو شراء، أو بيع لا يتكرر، وهذا يجب عليه الإحرام بحج أو بعمرة عند النووي وأبي حنيفة ومالك والشافعي في المشهور عنه وأحمد، لأن مكة حرام، فلا يجوز لأحد أن يدخلها بغير إحرام، وقال الزهري، والحسن البصري، والشافعي في قول، ومالك في رواية، وداود وأصحابه من الظاهرية: لا بأس بدخول مكة بغير إحرام، وإليه ذهب البخاري أيضاً، وصرح به النووي كما سبق، وظاهر قوله "ممن أراد الحج والعمرة" يؤيدهم. واستدلوا بما رواه مسلم من حديث جابر: "أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء"، وبما رواه البخاري من حديث أنس: "أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر". ويجيب الأولون بأن دخوله ﷺ مكة كان وهي حلال، ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة، فلا يجوز دخولها لأحد بغير إحرام. الرابعة: أن يمر بالميقات من لا يريد حجاً ولا عمرة، وهو يريد مكة لحاجة تتكرر كالحطاب والصياد وناقل الماء وموصل الزاد وموزع الطعام والأمتعة على التجار، ومن كانت له ضيعة أو عمل يومي، فهذا لا يجب عليه الإحرام عند الجماهير، لأنه لو وجب عليه الإحرام لكان في جميع زمنه محرماً. والله أعلم. ٥ - واستدل به على أن الحج فرض على التراخي، وهو مذهب الشافعي وطائفة، وقال أبو حنيفة ومالك وآخرون: هو على الفور، وسيأتي المبحث بالتفصيل عند باب: فرض الحج مرة في العمر.

стр. 2574

٦ - استدل ابن حزم بقوله في الرواية الأولى: "فمن كان دونهن فمن أهله" وقوله في الرواية الثانية: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" استدل به على أن من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء، وكأنه أراد من قوله "دونهن" أي غيرهن، وليس المراد منه الأقرب إلى مكة منهن، لذا قال الحافظ ابن حجر: ولا دلالة فيه لأنه يختص بمن كان دون الميقات، أي إلى جهة مكة. ٧ - قال الحافظ: ويؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك، فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث جد له القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله "فمن حيث أنشأ". ٨ - استدل به على أن من كان مسكنه بين مكة والميقات فميقاته مسكنه ولا يلزمه الذهاب إلى الميقات، ولا يجوز له مجاوزة مسكنه بغير إحرام. قال النووي هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا مجاهداً فقال ميقاته مكة نفسها. ٩ - وظاهر قوله: "حتى أهل مكة يهلون منها" أن أهل مكة يهلون من مكة للحج والعمرة، ولكن هذا الظاهر غير مراد، بل هو خاص بالحاج، وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، قال المحب الطبري لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة. واختلف في القارن من أهل مكة، فذهب الجمهور: إلى أن حكمه حكم الحاج في الإهلال من مكة، وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحل، لأن العمرة إنما تندرج في الحج فيما محله واحد، كالطواف والسعي، أما الإحرام فمحله فيها مختلف. واختلف في الأماكن التي يحرم منها أهل مكة [والمراد من أهل مكة هنا -كما قال النووي- من كان بمكة عند إرادة الإحرام بالحج، سواء أكان مستوطناً أم عابر سبيل]. قال النووي: ميقاته نفس مكة، ولا يجوز له ترك مكة والإحرام بالحج من خارجها سواء من الحرم أو من الحل. ثم قال: هذا هو الصحيح عند أصحابنا وقال بعض أصحابنا: يجوز له أن يحرم بالحج من الحرم، كما يجوز من مكة، لأن حكم الحرم حكم مكة، قال: والصحيح الأول، لهذا الحديث، ثم قال: قال أصحابنا: ويجوز أن يحرم من جميع نواحي مكة بحيث لا يخرج عن نفس المدينة وسورها، وفي الأفضل قولان: أصحهما من باب داره والثاني من المسجد الحرام تحت الميزاب. ١٠ - استدل بقوله ﷺ في الرواية الأولى والثانية "وقت" وقوله في الرواية السادسة "أمر" وقول ابن عمر في رواية البخاري "فرضها رسول الله ﷺ لأهل نجد قرناً .... إلخ" على: أنه لا يجوز الإحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات، وهذا ظاهر صنيع البخاري حيث قال: "باب فرض مواقيت الحج والعمرة"، ثم قال: "باب ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة". قال الحافظ ابن حجر: وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني، فلم

стр. 2575

يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم -أي أفضليته- وقال مالك: يكره. ويروى أن عبد الله بن عامر لما فتح خراسان قال: لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرماً، فأحرم من نيسابور، فلما قدم على عثمان بن عفان ﵁ لامه على ما صنع. فاستدل به من كره الإحرام قبل الميقات المكاني، أما من أجاز فيحمل هذا الأثر على أنه ربما فهم منه أنه قدم إحرامه على الميقات الزماني، لأن بين خراسان ومكة مسافة يزيد قطعها على أشهر الحج حسب سفرهم حينئذ. ١١ - استدل بقوله في الرواية الثانية وما بعدها "يهل، مهل" على استحباب رفع الصوت بالتلبية، لأن الإهلال هنا -كما يقول الطبري-: رفع الصوت بالتلبية. وسيأتي مزيد لهذا في الباب الذي يلي. والله أعلم

стр. 2576

(٣١٧) باب التلبية وصفتها ووقتها ٢٤٦٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك" قال: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يزيد فيها: لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. ٢٤٦١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل، فقال: "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك" قالوا: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: هذه تلبية رسول الله ﷺ . قال نافع: كان عبد الله ﵁ يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. ٢٤٦٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: تلقفت التلبية من في رسول الله ﷺ .. فذكر الحديث بمثل حديثهم. ٢٤٦٣ - عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبداً، يقول: "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك". لا يزيد على هؤلاء الكلمات. وإن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات. وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يهل بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك. لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل.

стр. 2577

٢٤٦٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال: فيقول رسول الله ﷺ : "ويلكم. قد. قد" فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. -[المعنى العام]- عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قال: رب قد فرغت. فقال: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧]. قال: يا رب. وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن، وعلي البلاغ. قال: رب. كيف أقول؟ قال: قل يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم. فقام إبراهيم على الصفا، فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأرحام النساء. قال ابن عباس: ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى البلاد يلبون؟ اهـ واستمرت تلبية الحاج منذ دعوة إبراهيم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، فلما نصب العرب أصنامهم، وعبدوها لتقربهم إلى الله زلفى غيروا التلبية، وزادوا فيها، فأصبحوا يقولون لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. فلما جاء الإسلام أبقى على مشروعية الحج ونسكه على ما هي عليه، وعلى ما كانت عليه في دين إبراهيم ﵇، لكنه حذف أو عدل ما دخله من شرك أو تحريف. وسمع رسول الله ﷺ أهل الجاهلية يلبون تلبيتهم، لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. وقبل أن يقولوا كلمة التحريف [إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك] قال لهم: قط، قط، أي كفى إلى هنا ولا تزيدوا. وعلم الرسول الكريم ﷺ أصحابه كيف يلبون؟ لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك. وسمعه بعض الصحابة في بعض الأحيان يقول: "لبيك غفار الذنوب" فزادوا على مسمعه ﷺ بعض التمجيدات. يقولون إضافة إلى التلبية الواردة: [لبيك ذا المعارج. لبيك مرغوباً ومرهوباً إليك ذا النعماء والفضل الحسن. لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل] والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئاً، ولم يرد عليهم شيئاً لكنه لزم تلبيته ﷺ ، ورضي الله عن الصحابة أجمعين.

стр. 2578

-[المباحث العربية]- (التلبية) مصدر "لبى" كما يقال: سمى تسمية، وصفى تصفية، وتلبية الحاج أو المعتمر قوله: لبيك اللهم لبيك. (لبيك اللهم لبيك) منصوب بفعل مضمر لا يظهر، وأصله: لببت لبين لك [لببت بفتح الباء الأولى مخففة وسكون الثانية، ولبين بتشديد الباء، تثنية لب] يقال: لب بالمكان لباً أقام به ولزمه، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك، ملازم إجابتك، إقامتين وإجابتين، ويقال: امرأة لبة، أي محبة لولدها عاطفة عليه، فالمعنى محبتي لك، ويقال: داري تلب دارك أي تواجهها، فالمعنى: اتجاهي لك وقصدي إليك، ويقال: حب لباب، ولب الشيء صفوته وخالصه، فالمعنى: إخلاصي لك، ويقال: "الإلباب" القرب والطاعة، قال إبراهيم الحربي: المعنى قرباً منك وطاعة، وقال أبو نصر: معناه أنا ملب بين يديك، أي خاضع. وكلها معان صالحة ومتقاربة، ويمكن جمعها في المراد منها. والقول بأن "لبيك" مثنى، قول سيبويه وأكثر الناس، وقال يونس بن حبيب البصري: "لبيك" اسم مفرد لا مثنى. قال: وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير، مثل "لديَّ" و"عليَّ". (إن الحمد والنعمة لك والملك) يروى بكسر الهمزة من "إن" على الاستئناف وبفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث وأهل اللغة قال الجمهور: الكسر أجود، وقال الخطابي: الفتح رواية العامة، وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو الأجود في المعنى من الفتح، لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد والنعمة لك على كل حال، ومن فتح قال: معناه لبيك لهذا السبب. "والنعمة لك" المشهور فيها: نصب "النعمة" عطفاً على "الحمد"، ويجوز رفعها على الابتداء، ويكون الخبر محذوفاً، قال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر "إن" محذوفاً تقديره: إن الحمد لك، والنعمة مستقرة لك. اهـ وفي سر عدم وصل "الملك" بالحمد والنعمة قبل ذكر الخبر قال ابن المنير: قرن "الحمد والنعمة" وأفرد "الملك" لأن الحمد متعلق النعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه فجمع بينهما، كأنه قال: لا حمد إلا لك، لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه، ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله، لأنه صاحب الملك، اهـ والأولى: نصب "الملك" عطفاً على "الحمد" ولا يضر ذكر الخبر بينهما، كما نقول: إن زيداً في الدار وبكراً. ويجوز رفعه على الابتداء، وخبره محذوف والتقدير والملك لك وحدك لا شريك لك. (كان ابن عمر يزيد .... ) عرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه، كما صرح بذلك في الرواية الثالثة.

стр. 2579

(لبيك وسعديك) قال القاضي: إعرابها وتثنيتها كما سبق في "لبيك" ومعناه: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. اهـ أي إجابة لك بعد إجابة ومساعدة منك لي بعد مساعدة. وفي المعجم الوسيط: لبيك وسعديك أي إسعاداً لك بعد إسعاد، والإسعاد: العون والتوفيق. (والخير بيديك) أي الخير كله بيد الله تعالى ومن فضله. (والرغباء إليك والعمل) قال المازري: يروى بفتح الراء والمد "الرغباء" وبضم الراء مع القصر "الرغبى" ونظيره "العلياء" و"العليا" و"النعماء" و"النعمى". قال القاضي وحكي أبو علي فيه أيضاً الفتح مع القصر، ومعناه هنا: الطلب والمسألة إلى من بيده الخير أي أسألك وأطلب منك وأعمل مطيعاً لك، أنت المستحق للعمل والعبادة. وزاد في بعض الروايات "لبيك مرغوباً ومرهوباً إليك، ذا النعماء والفضل الحسن". (كانت إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل) في الرواية الثالثة "كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل" قال العلماء: الإهلال رفع الصوت، بالتلبية عند الدخول في الإحرام وأصل الإهلال في اللغة: رفع الصوت، ومنه: استهل المولود، أي صاح، ومنه قوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة: ٣]. أي رفع الصوت عند ذبحه بذكر غير الله تعالى، وسمي الهلال هلالاً لرفعهم الصوت عند رؤيته. وأصل المسألة في أفضل مكان يهل منه الحاج القادم من المدينة؟ أمن داخل مسجد ذي الحليفة؟ أم حين يركب راحلته؟ أم حين يعلو مرتفع البيداء؟ ويريد ابن عمر الرد على رواية ابن عباس في البخاري، ولفظها "ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل". قال الحافظ ابن حجر: وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس، عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله. فذكر الحديث ..... وفيه "فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب من مجلسه [أي ثبت لا يكاد يقوم وأتى بالذكر الموجب للحسنات والجنة] فأهل بالحج حين فرغ منها، فسمع منه قوم فحفظوه، ثم ركب، فلما استقلت به راحلته أهل، وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى، فسمعوه حينذاك فقالوا: إنما أهل حين استقلت به راحلته، ثم مضى فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه، فنقل كل أحد ما سمع وإنما كان إهلاله في مصلاه، وأيم الله ثم أهل ثانياً وثالثاً". قال الحافظ ابن حجر: فكان إنكار ابن عمر -على هذا- على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. (تلقفت التلبية) بقاف ثم فاء، أي أخذتها بسرعة، قال القاضي: وروى "تلقنت" بالنون، قال: والأول رواية الجمهور، قال: وروى "تلقيت" بالياء ومعانيها متقاربة.

стр. 2580

(يهل ملبداً) أي يهل في حال كونه ملبداً، والتلبيد: ضفر شعر الرأس، أو لصقه بالصمغ أو الخطمي وشبهها مما يضم الشعر، ويلزق بعضه ببعض، ويمنعه التمعط والتفرق. (قد. قد) قال القاضي: روى بإسكان الدال، وبكسرها مع التنوين ومعناه: كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه، ولا تزيدوا، وهنا انتهى كلام النبي ﷺ ، ثم عاد الراوي إلى حكاية كلام المشركين، فقال: "إلا شريكاً هو لك ... إلخ" ومعناه أنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وكان رسول الله ﷺ يقول لهم: اقتصروا على قولكم: لبيك لا شريك لك، ولا تزيدوا ما بعدها. -[فقه الحديث]- قال النووي: أجمع المسلمون على أن التلبية مشروعة، ثم اختلفوا في إيجابها، فقال الشافعي وآخرون: هي سنة، ليست بشرط لصحة الحج، ولا واجبة، فلو تركها صح حجه ولا دم عليه، لكن فاتته الفضيلة. قال: وقال بعض أصحابنا: هي واجبة تجبر بالدم، ويصح الحج بدونها، وقال بعض أصحابنا هي شرط لصحة الإحرام. ولا يصح الحج ولا الإحرام إلا بها. وقال مالك: ليست بواجبة لكن لو تركها لزمه دم وصح حجه، قال الشافعي ومالك: ينعقد الحج بالنية بالقلب من غير تلفظ، كما ينعقد الصوم بالنية فقط، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إلا بانضمام التلبية، أو سوق الهدي مع النية قال أبو حنيفة: ويجزئ عن التلبية ما في معناها من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار، كما قال هو: إن التسبيح وغيره يجزئ في الإحرام بالصلاة عن التكبير. واعترض الحافظ ابن حجر على النووي، فقال: أغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنة ويجب بتركها دم. ولا يعرف ذلك عندهم إلا أن ابن الجلاب قال: التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة، وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحج، وإلا فهي واجبة ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب. ثم قال النووي: قال أصحابنا: ويستحب رفع الصوت بالتلبية، بحيث لا يشق عليه وقد روى مالك في الموطأ وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم "جاءني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي يرفعون أصواتهم بالإهلال" والمرأة ليس لها الرفع، لأنه يخاف الفتنة بصوتها. ويستحب الإكثار منها، لا سيما عند تغاير الأحوال، كإقبال الليل والنهار، والصعود والهبوط، واجتماع الرفاق والقيام والقعود، والركوب والنزول، وأدبار الصلوات، وفي المساجد كلها والأصح أنه لا يلبي في الطواف والسعي، لأن لهما أذكاراً مخصوصة. ويستحب أن يكرر التلبية كل مرة ثلاث مرات فأكثر، ويواليها، ولا يقطعها بكلام فإن سلم عليه رد السلام باللفظ، ويكره السلام عليه في هذه الحال وإذا لبى صلى على رسول الله ﷺ وسأل الله تعالى ما شاء لنفسه، ولمن أحبه وللمسلمين، وأفضله سؤال الرضوان والجنة، والاستعاذة من النار، وإذا رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.

стр. 2581

ولا تزال التلبية مستحبة للحاج حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر أو يطوف طواف الإفاضة إن قدمه عليها، أو الحلق عند من يقول: الحلق نسك، وهو الصحيح ويستحب للعمرة حتى يشرع في الطواف، ويستحب التلبية للمحرم مطلقاً، سواء الرجل أو المرأة والمحدث والجنب والحائض، لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي" وسيأتي مزيد لهذه المسألة بعد الكلام عن السعي كركن من أركان الحج والعمرة. -[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]- ١ - استدل بزيادة عمر وابن عمر على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي ﷺ في مثل ذلك، قال قوم: لا بأس أن يزيد من الذكر لله ما أحب، وهو قول محمد والنووي والأوزاعي، واحتجوا بحديث أبي هريرة عند النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم، قال: "كان من تلبية رسول الله ﷺ لبيك إله الحق لبيك" ففيه دلالة على أنه قد كان يلبي بغير ذلك، وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئاً على ما علمه رسول الله ﷺ الناس، ثم فعله هو، ولم يقل: لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علمهم كما علمهم التكبير في الصلاة، والجمهور على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل وأنه لا بأس بالزيادة، وحكى عن مالك كراهة الزيادة، وهو أحد قولي الشافعي وحكى الترمذي عن الشافعي قال: فإن زاد في التلبية شيئاً من تعظيم الله فلا بأس، وأحب أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ ، وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن، وحكى عن بعضهم أن الاختيار أن يفرد ما روي عن النبي ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أعدل الوجوه فيفرد ما جاء مرفوعاً، وإذا اختار ما جاء موقوفاً أو أنشأه هو من قبل نفسه مما يليق، قاله على انفراده، حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه "ثم ليتخير من المسألة والثناء ما شاء" أي بعد أن يفرغ من المرفوع. ٢ - ومن الرواية الثالثة استحباب تلبيد الرأس قبل الإحرام، قال النووي: وقد نص عليه الشافعي وأصحابنا، وهو موافق للحديث الآخر في الذي خر عن بعيره، فإنه يبعث يوم القيامة ملبداً، فيستحب لكونه أرفق بالشعر. ٣ - وفي مشروعية التلبية اعتراف بإكرام الله تعالى لعباده، وأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه . ٤ - ومن الرواية الثالثة استحباب صلاة الركعتين عند إرادة الإحرام، قال النووي: ويصليهما قبل الإحرام، ويكونان نافلة، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن الحسن البصري أنه استحب كونهما بعد صلاة فرض وهذه الصلاة سنة، لو تركها فاتته الفضيلة، ولا إثم عليه ولا دم. والله أعلم

стр. 2582

(٣١٨) باب من أي مكان من الميقات يحرم الحاج القادم من المدينة ؟ ٢٤٦٥ - عن سالم بن عبد الله، أنه سمع أباه ﵁ يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها؟ . ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد. يعني ذا الحليفة. ٢٤٦٦ - عن سالم قال: كان ابن عمر ﵄ إذا قيل له: الإحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ؟ . ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. ٢٤٦٧ - عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها. قال: ما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين. ورأيتك تلبس النعال السبتية. ورأيتك تصبغ بالصفرة. ورأيتك، إذا كنت بمكة، أهل الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهلل أنت حتى يكون يوم التروية. فقال عبد الله بن عمر: أما الأركان، فإني لم أر رسول الله ﷺ يمس إلا اليمانيين. وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر. ويتوضأ فيها. فأنا أحب أن ألبسها. وأما الصفرة، فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها. فأنا أحب أن أصبغ بها. وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته. ٢٤٦٨ - عن عبيد بن جريج قال: حججت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. بين حج وعمرة. ثنتي عشرة مرة. فقلت: يا أبا عبد الرحمن! لقد رأيت منك أربع خصال. وساق الحديث، بهذا المعنى. إلا في قصة الإهلال فإنه خالف رواية المقبري. فذكره بمعنى سوى ذكره إياه. ٢٤٦٩ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة، أهل من ذي الحليفة.

стр. 2583

٢٤٧٠ - عن ابن عمر ﵄ أنه كان يخبر؛ أن النبي ﷺ أهل حين استوت به ناقته قائمة. ٢٤٧١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ ركب راحلته بذي الحليفة. ثم يهل حين تستوي به قائمة. ٢٤٧٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: بات رسول الله ﷺ بذي الحليفة مبدأه. وصلى في مسجدها. -[المعنى العام]- سبق أن أشرنا إلى أن العبادات العظيمة يسبقها إعداد لها وتهيئة للدخول فيها كمقدمات لها، وعبادة الحج من أهم العبادات، ولم تفرض في العمر كله إلا مرة واحدة، فلا عجب أن ينوي بها من قبل مباشرة أعمالها، بل من قبل الوصول إلى أماكن مباشرتها، فكان لها مواقيت مكانية لا يتخطاها مريد الحج والعمرة إلا محرماً. وهذه الأحاديث تلقي ضوءاً على اهتمام الصحابة بهذه المواقيت، لدرجة حرصهم على تحديد نقطة البدء والإحرام إذا كان المكان متسعاً، ولقد سمع ابن عمر ﵄ أن بعض الصحابة يقولون: إن النبي ﷺ أحرم بالحج بعد أن صلى ركعتين بمسجد ذي الحليفة وركب ناقته، وصعد الجبل، وأشرف على البيداء. فبادر بتكذيب هذا القول وإبطاله، وتوضيح أن إحرامه ﷺ إنما كان عند ركوبه، وعند نهوض ناقته قائمة به من مسجد ذي الحليفة، ولم يتأخر إحرامه حتى سارت به ناقته نحو البيداء. فما أعظم تحريهم الدقة في أفعال النبي ﷺ وحرصهم على بيان الشريعة ﵃ وأرضاهم أجمعين. -[المباحث العربية]- (بيداؤكم هذه) كل مفازة تسمى بيداء، والإشارة هنا إلى مرتفع في طرف ذي الحليفة إلى جهة مكة.

стр. 2584

(التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها) أي فتقولون إنه أهل منها وهو لم يهل منها. (إلا من عند المسجد) أل في "المسجد" للعهد، والمعهود مسجد ذي الحليفة، وفي الرواية الثانية "ما أهل إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره" والمراد الشجرة التي كانت عند المسجد، وفي الرواية الثالثة "حتى تنبعث به راحلته" وفي الرواية الخامسة "إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة" وفي الرواية السادسة "حين استوت به ناقته قائمة" وانبعاث الراحلة نهوضها، والراحلة من الإبل الصالح منها للأسفار والأحمال واستواء الناقة استقامتها واعتدالها، واستقرارها وثبوتها قائمة، والغرز ركاب الرجل، يعتمد عليه في الركوب، ويستعين به في اعتلاء الراحلة. (لا تمس من الأركان إلا اليمانيين) ثلاثة ياءات قبل النون أو ياءان، تثنية "يماني" بتشديد الياء، كذا جوز سيبويه، وقال: إن الألف زائدة؛ وقال غيره: "يماني" بتخفيف الياء لأن الألف عوض عن ياء النسب، فلو شددت لكان جمعاً بين العوض والمعوض، والركنان اليمانيان من الكعبة هما المقابلان للركنين اللذين على جانبي الحجر، ويسميان بالشاميين والمراد من المس الاستلام فالركنان اليمانيان هما ركن الحجر الأسود والركن المتجه نحو اليمين، وإنما قيل لهما اليمانيان على التغليب، كما قيل في الأب والأم الأبوان. (النعال السبتية) في كتب اللغة: السبت -بسكون الباء- كل جلد مدبوغ، ومنه النعال السبتية. قال النووي: السبتية بكسر السين، وقد أشار ابن عمر إلى تفسيرها بقوله: التي ليس فيها شعر، وهكذا قال جماهير أهل اللغة وأهل الغريب وأهل الحديث، قالوا: وهي مشتقة من السبت بفتح السين، وهو الحلق والإزالة. قال الهروي سميت بذلك لأنها انسبتت بالدباغ، أي لانت، قال الشيباني: السبت كل جلد مدبوغ، وقال أبو زيد: السبت جلود البقر، مدبوغة كانت أو غير مدبوغة، وقال ابن وهب: النعال السبتية كانت سوداً لا شعر فيها، قال القاضي: وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة وكانت المدبوغة تعمل في الطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهل الرفاهية. وقال: والسين في جميع هذا مكسورة، والأصح عندي: أن يكون اشتقاقها وإضافتها إلى السبت، الذي هو الجلد المدبوغ أو إلى الدباغة، لأن السين مكسورة في نسبتها، ولو كانت من السبت الذي هو الحلق كما قال الأزهري وغيره لكانت النسبة سبتية بفتح السين، ولم يروها أحد في هذا الحديث ولا في غيره ولا في الشعر -فيما علمت- إلا بالكسر. (ويتوضأ فيها) أي يتوضأ ويلبسها، ورجلاه رطبتان. (يصبغ بها -أصبغ بها) بضم الباء وفتحها لغتان مشهورتان. (حتى يكون يوم التروية) "كان" تامة، أي حتى يجيء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي يحملونه معهم من مكة إلى عرفات، ليستعملوه في الشرب وغيره. (لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته) السؤال عن الإهلال يوم التروية بدلاً من

стр. 2585

أول ذي الحجة، ويبدو الجواب غير مطابق للسؤال، لذا قال النووي: قال المازري: أجابه ابن عمر بضرب من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل الرسول ﷺ عن المسألة بعينها فاستدل بما في معناه، ووجه قياسه: أن النبي ﷺ إنما أحرم عند الشروع في أفأفعال الحج والذهاب إليه، فأخر ابن عمر الإحرام بالحج إلى حال شروعه فيه وتوجهه إليه، وهو يوم التروية، وسيأتي حكم ذلك في فقه الحديث. (مبدأه) منصوب على الظرفية، أي وقت ابتدائه الحج. -[فقه الحديث]- تتعرض هذه الأحاديث إلى خمس نقاط: الأولى: من أي مكان من الميقات يحرم الحاج؟ وقد سبق الكلام عن الحاج من مكة عند الكلام على مواقيت الحج. وهذه الأحاديث تدور حول إحرام الحاج من المدينة، وفيها دلالة على أن ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام حتى يخرجوا إلى البيداء. قال النووي: وبهذا قال جميع العلماء. قال: وفي الأحاديث دليل لمالك والشافعي والجمهور على أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته [ويقاس على ذلك إذا بدأت سيارته التحرك مغادرة مكان مسجد ذي الحليفة] وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه، قال: وهو قول ضعيف للشافعي. اهـ وعند أبي داود والنسائي: "فلما أتى على جبل البيداء أهل" وعند أبي داود عن سعد بن أبي وقاص قال: "كان النبي ﷺ إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا أشرف على جبل البيداء" وعند الدارقطني من حديث ابن عباس "ثم قعد على بعيره، فلما استوى على البيداء أهل بالحج". قال العيني: وعن هذا اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه رسول الله ﷺ فقال قوم: إنه أهل من مسجد ذي الحليفة، وقال آخرون: لم يهل إلا بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد، وقال آخرون: بل أحرم حين أطل على البيداء، وهو قول عطاء والأوزاعي وقتادة، ومنشأ هذا الخلاف أوضحته رواية أبي داود، ولفظها: عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: كيف اختلف الناس في إهلال النبي ﷺ ؟ فقالت طائفة: أهل في مصلاه، وقالت طائفة: حين استوت به راحلته، وقالت طائفة: حين علا البيداء؟ فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة، خرج رسول الله ﷺ حاجاً، فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظوه عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالاً، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول الله ﷺ حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله ﷺ فلما علا على شرف البيداء [أي على جبل البيداء، قال البكري: البيداء هذه فوق جبلي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء] أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا شرف البيداء. وايم

стр. 2586

الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء. قال سعيد بن جبير: فمن أخذ بقول ابن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه. اهـ الثانية استلام الركنين اليمانيين، وسيأتي عند ذكر أحاديث الطواف. الثالثة: لبس النعال السبتية وقد مضى ما يتعلق بقدم المحرم في ما يباح للمحرم لبسه. الرابعة: الصبغ بالصفرة، قال المازري: قيل: المراد في هذا الحديث صبغ الشعر وقيل صبغ الثوب، قال: والظاهر أن يكون المراد صبغ الثياب، لأنه أخبر أن النبي ﷺ صبغ، ولم ينقل عنه ﷺ أنه صبغ شعره، قال القاضي عياض: هذا أظهر الوجهين، وإلا فقد جاءت آثار عن ابن عمر بين فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأن النبي ﷺ كان يصفر لحيته بالورس والزعفران، رواه أبو داود، وذكر أيضاً في حديث آخر احتجاجه بأن النبي ﷺ كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته. وقد سبق الكلام قريباً على الصبغ في الإحرام فيما يباح للمحرم لبسه. الخامسة: الإهلال بالحج من مكة، وقد ذهب الشافعي وأصحابه وبعض أصحاب مالك إلى أن الأفضل الإحرام بالحج يوم التروية، وقال آخرون: الأفضل أن يحرم من أول ذي الحجة. ونقله القاضي عن أكثر الصحابة والعلماء. قال النووي: والخلاف في الاستحباب، وكل منهما جائز بالإجماع. -[ويؤخذ من الحديث غير ما تقدم: ]- ١ - من قول ابن عمر في الرواية الأولى "تكذبون" أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، سواء تعمده أم غلط فيه أم سها، وهذا مذهب أهل السنة، وقالت المعتزلة: يشترط فيه التعمد، قال النووي: وعندنا أن التعمد شرط لكونه إثماً، لا لكونه يسمى كذباً. ٢ - وأنه لا بأس من إطلاق هذه الكلمة على من أخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه. ٣ - قال النووي: ويؤخذ من الحديث أن الإحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله لأنه ﷺ ترك الإحرام من مسجده مع كمال شرفه، فإن قيل: إنما أحرم من الميقات لبيان الجواز. قلنا: هذا غلط لوجهين: أحدهما أن البيان قد حصل بالأحاديث الصحيحة في بيان المواقيت، والثاني أن فعل رسول الله ﷺ إنما يحمل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيراً فيفعله مرة أو مرات على الوجه الجائز لبيان الجواز، ويواظب على فعله على أكمل وجوهه، وذلك كالوضوء مرة ومرتين وثلاثاً، كله ثابت، والكثير أنه ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وأما الإحرام بالحج فلم يتكرر، وإنما جرى منه ﷺ مرة واحدة، فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه. ٤ - ومن الرواية الثامنة مشروعية المبيت بذي الحليفة، قال النووي: وهذا المبيت ليس من أعمال الحج ولا من سننه، قال القاضي لكن من فعله تأسياً بالنبي ﷺ فحسن. ٥ - ومن قوله: "وصلى في مسجدها" استحباب صلاة ركعتين قبل الإحرام وقد سبق القول عنها في الباب السابق.

стр. 2587

(٣١٩) باب استحباب الطيب قبل الإحرام ٢٤٧٣ - عن عائشة ﵂ قالت: طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم. ولحله قبل أن يطوف بالبيت. ٢٤٧٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي لحرمه حين أحرم. ولحله حين أحل. قبل أن يطوف بالبيت. ٢٤٧٥ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم. ولحله قبل أن يطوف بالبيت. ٢٤٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت: طيبت رسول الله ﷺ لحله ولحرمه. ٢٤٧٧ - عن عائشة ﵂ قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي بذريرة. في حجة الوداع. للحل والإحرام. ٢٤٧٨ - عن عثمان بن عروة عن أبيه، قال: سألت عائشة ﵂: بأي شيء طيبت رسول الله ﷺ عند حرمه؟ قالت: بأطيب الطيب. ٢٤٧٩ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ بأطيب ما أقدر عليه. قبل أن يحرم. ثم يحرم. ٢٤٨٠ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يفيض، بأطيب ما وجدت.

стр. 2588

٢٤٨١ - عن عائشة ﵂ قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم. ولم يقل خلف في روايته: وهو محرم. ولكنه قال: وذاك طيب إحرامه. ٢٤٨٢ - عن عائشة ﵂ قالت: لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو يهل. ٢٤٨٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو يلبي. -عن عائشة ﵂ قالت: "لكأني أنظر" بمثل حديث وكيع. ٢٤٨٤ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: كأنما أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ ، وهو محرم. ٢٤٨٥ - عن عائشة ﵂ قالت: إن كنت لأنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ ، وهو محرم. ٢٤٨٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم، يتطيب بأطيب ما يجد. ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته، بعد ذلك. ٢٤٨٧ - عن عائشة ﵂: قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ ، وهو محرم.

стр. 2589

٢٤٨٨ - عن عائشة ﵂ قالت: كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت، بطيب فيه مسك. ٢٤٨٩ - عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: سألت عبد الله بن عمر ﵄ عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرماً؟ فقال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً. لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. فدخلت على عائشة ﵂ فأخبرتها؛ أن ابن عمر قال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً. لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه. ثم طاف في نسائه. ثم أصبح محرماً. ٢٤٩٠ - عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: سمعت أبي يحدث عن عائشة ﵂؛ أنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ . ثم يطوف على نسائه. ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً. ٢٤٩١ - عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه. قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: لأن أصبح مطلياً بقطران، أحب إلي من أن أصبح محرماً أنضخ طيباً. قال فدخلت على عائشة ﵂. فأخبرتها بقوله. فقالت: طيبت رسول الله ﷺ فطاف في نسائه. ثم أصبح محرماً. -[المعنى العام]- الكثير من الأحكام الشرعية تشهد للإسلام بأنه دين النظافة، دين الشعور المرهف والأحاسيس الراقية، دين المجتمع والتآلف وما يقرب الناس بعضهم من بعض. لكن هذه الشهادة تفوق كل شهادة، فقد شاءت حكمة الله أن يكون الحاج أشعث أغبر، شاءت حكمة الله أن يحرم عليه ما يزيل تفثه مدة إحرامه وأن يحرم عليه مظاهر التجمل والزينة مدة إحرامه فترة قصيرة قد تصل إلى بضعة أيام يشعر فيها بالذلة والتواضع والمسكنة لخالق النعم التي يتسربل بها أيام عزه وبحبوحته.

стр. 2590

أشبه ما تكون هذه الفترة بفترة سجن لنفس المؤمن، والسجين يستعد لسجنه بما يخفف عنه متاعب الحبس والقهر قدر ما يستطيع. إن هذا المؤمن الذي سيتعرض للتفث والشعث عليه أن يستعد له بما يخفف من آثاره الضارة له ولجليسه وصاحبه، عليه أن يتأهب لذلك بالغسل قبل الإحرام، وقد سبق القول فيه. أما هذه الأحاديث فهي ترمي إلى أن يتأهب للروائح الكريهة التي ستلحقه وأن يتأهب للحرمان من الطيب الذي سيفرض عليه بالتزود بالطيب قبل أن يمتنع منه. وهكذا تطيب رسول الله ﷺ قبل إحرامه بأطيب طيب يقدر عليه، وبأكبر قدر من الطيب يبقى ويستمر وتطول آثاره، حتى إن الناظر إلى رأسه يرى لمعانه في شعره ﷺ بعد ثلاثة أيام من إحرامه، وللهدف نفسه يسارع ﷺ إلى الطيب عقب رفع الحظر دون تراخ، فيبادر إليه عقب رمي جمرة العقبة والحلق قبل أن ينزل إلى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة. يتطيب في أواخر لحظات الإباحة قبل المنع، ويتطيب في أول لحظات الإباحة بعد المنع. فهل رأيت ديناً أحرص على النظافة من الإسلام؟ وهل رأيت شاهداً على ذلك أقوى من هذا الشاهد؟ . وإن رقياً آخر بالمشاعر يبدو لنا من هذا الشاهد، رقي بمشاعر الصحب من جانبي الصحبة، الزوجة تحرص على أن تطيب زوجها بيديها، والزوج ينعم بهذه الأيدي الرقيقة ويسعد بها، ألم يكن يستطيع أن يطيب نفسه؟ ألم تكن تستطيع أن تتركه يفعل هذا الأمر الهين بنفسه؟ لكن القدوة الحسنة، والمثل الأعلى للحياة الزوجية يشهد لبيت النبوة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وإن رقياً ثالثاً بالمشاعر يبدو لنا من هذه الأحاديث. إن رسول الله ﷺ سيسافر للحج سفراً طويلاً ولن يصحب معه نساءه التسع، بل سيقرع بينهن ويخرج بمن خرج سهمها وصاحبة ليلة السفر ستكون أكثر حظاً من غيرها فكيف يجبر خاطر جميعهن؟ لقد كان يطوف عليهن جميعاً ليلة السفر، فتحصل كل واحدة منهن على نفس درجة الأخرى من القرب منه ﷺ وصدق فيه قول ربه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤]. وقول ربه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. -[المباحث العربية]- (لحرمه) قال النووي: ضبطوها بضم الحاء وكسرها، والضم أكثر، ولم يذكر الهروي وآخرون غيره -أي غير الضم-، وأنكر ثابت الضم على المحدثين، وقال الصواب الكسر والمراد بحرمه إحرامه بالحج. اهـ واللام للتعليل، قال الحافظ ابن حجر: أي لأجل إحرامه، وللنسائي "حين أراد أن يحرم". اهـ وفي

стр. 2591

روايتنا الرابعة عشرة "إذا أراد أن يحرم يتطيب" فالتطيب عند إرادة الإحرام وقبله، وهذا هو المراد من قولها في الرواية الأولى والثانية "حين أحرم" أي حين أراد أن يحرم، وقولها في الرواية السابعة عشرة "عند إحرامه" أي عند إرادته الإحرام وقبل أن يحرم بدليل قولها في الرواية الثالثة، والسابعة، والسادسة عشرة "قبل أن يحرم" وقولها في الرواية السابعة عشرة والتاسعة عشرة "أنا طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرماً" وقولها في الرواية الثامنة عشرة "ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً". وقد اعترض على قولها في الرواية السابعة، والسادسة عشرة، والثامنة عشرة "كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يحرم" بأن هذا التعبير يفيد التكرار، مع أن ذلك لم يقع منها إلا مرة واحدة، وقد صرحت بعض الروايات بأن ذلك كان في حجة الوداع. قال النووي: المختار أن "كان" لا تقتضي تكراراً ولا استمراراً وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدنا من قولهم: "كان حاتم يقري الضيف" أن ذلك كان يتكرر منه، وقال جماعة من المحققين: إنها تقتضي التكرار ظهوراً، لكن قد تقع قرينة تدل على عدمه، فيستفاد من السياق المبالغة في إثبات ذلك، على معنى أنها كانت ستكرر فعل الطيب لو تكرر منه فعل الإحرام وذلك لما اطلعت عليه من استحبابه لذلك. قال الحافظ ابن حجر: على أن هذه اللفظة لم تتفق عليها الرواة عنها. ففي كثير من الروايات لفظ "طيبت" والله أعلم. (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) المراد به طواف الإفاضة، وفي الرواية الثانية "ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت" وفي الرواية الثامنة "ولحله قبل أن يفيض" وفي الرواية السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت" وللحج تحللان يأتي الكلام عليهما في فقه الحديث. (بيدي بذريرة) في بعض الروايات "بيدي هاتين" وأشارت بيديها والذريرة بفتح الذال: نوع من الطيب يستخرج من زهر نبت قصبي -أي ساقه أنابيب وكعوب- كان يؤتى به من الهند، ولعله كان خير الطيب عندهم في ذلك الوقت، لقولها في الرواية السادسة "بأطيب الطيب" وفي الثامنة "بأطيب ما وجدت" وفي السابعة "بأطيب ما أقدر عليه" وفي الرابعة عشرة "بأطيب ما يجد". ولا يعارض قولها "بذريرة" قولها في الرواية السادسة عشرة "بطيب فيه مسك" وقولها في الرواية الخامسة عشرة "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ " فإنهم كانوا يخلطون أنواع الطيب الجيد فيزداد جودة. (قبل أن يفيض) يقال أفاض الحجاج أي انصرفوا واندفعوا، والمراد قبل أن يطوف طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة يوم النحر، حيث ينصرف الحاج من منى إلى مكة فيطوف ويعود، فعند الدارمي "وطيبته بمنى قبل أن يفيض" وفي روايتنا السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت". (وبيص الطيب) أي بريقه، وقيل: إن الوبيص زيادة على البريق وأن المراد به التلألؤ.

стр. 2592

(في مفارق رسول الله ﷺ المفارق جمع مفرق، وهو المكان الذي يفترق في الشعر في وسط الرأس، ولشعر الرأس مفرق واحد غالباً، ولهذا قيل: إنها ذكرته بصيغة الجمع تعميماً لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر. والظاهر أن مكشوف الشعر في الهواء تتعدد مفارقه بفعل الريح، لهذا ذكرته بصيغة الجمع. (إن كنت لأنظر) "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف واللام في خبرها فارقة بينها وبين "إن" النافية، والتقدير: إن الحال والشأن كنت أنظر. فنظرها إلى الوبيص حاصل وواقع، لقولها في الرواية الرابعة عشرة "ثم أرى وبيص الدهن" لكنه لما لم يكن النظر مقصوداً ومتعمداً وهدفاً عبرت عن ذلك بالتشبيه، بقولها في الرواية التاسعة والحادية عشرة، والخامسة عشرة "كأني أنظر ... " وفي الرواية الثانية عشرة "كأنما أنظر" على معنى كأني كنت أنظر في ذلك الوقت، والأولى أن يكون المعنى كأني الآن أو كأنما الآن أنظر ... فكأنها تستحضر الصورة لتؤكد حصولها. (وهو محرم) ترفع بذلك إيهام أن الطيب كان قبل الإحرام وزال أثره بعد الإحرام وفي الرواية العاشرة "وهو يهل" أي يرفع الصوت بالتلبية، وفي الرواية الحادية عشرة "وهو يلبي". (ينضخ طيباً) النضخ بالخاء الأثر يبقى في الثوب وغيره من طيب ونحوه قال النووي: وضبطه بعضهم بالحاء المهملة، وهما متقاربان في المعنى. -[فقه الحديث]- لا خلاف في استحباب الطيب قبل الإحرام بشرط غسله وإزالة ريحه لحظة الإحرام ولا خلاف في تحريم الطيب على المحرم في الثوب والبدن، على الرجل والمرأة. وإنما الخلاف في استدامة رائحة الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن لمن تطيب به قبل الإحرام، وهذه المسألة هي فقه الحديث وجوهره. فالجمهور على أن المحرم إذا تطيب قبل إحرامه بما شاء من أنواع الطيب مسكاً كان أو غيره فإنه لا بأس به ولا شيء عليه، سواء كان مما يبقى عليه بعد إحرامه أو لا، ولا يضره بقاؤه عليه بعد إحرامه. قال بذلك أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي، وأصحابه، وأحمد، والثوري والأوزاعي وهو قول عائشة -راوية الأحاديث- وقول سعد بن أبي وقاص وابن عباس، وابن الزبير وابن جعفر، وأبي سعيد الخدري، وآخرين، وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام. وقال آخرون يحرم التطيب قبل الإحرام بما يبقى بعد الإحرام، وهو قول مالك والزهري، وعطاء، وهو قول عمر وابنه عبد الله -كما هو صريح قوله في روايتنا السابعة عشرة، والتاسعة عشرة، وخالفهما

стр. 2593

سالم بن عبد الله بن عمر الذي ذكر له قول عمر بعد سماعه حديث عائشة فقال: سنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. وعن مالك في وجوب الفدية قولان. ويحاول المالكية أن يجيبوا عن أحاديث الباب، فيقول بعضهم: إنه ﷺ كان يغتسل بعد هذا التطيب، لأنه كان يطوف على نسائه بعده، والمراد من الطواف الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة، فالضرورة أن يذهب عنه بغسله ما كان على بدنه من طيب. ورد هذا بقولها في روايتنا الثامنة عشرة "ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً" ولا شك أن نضخ الطيب وهو رائحته كان في حال إحرامه، كما هو صريح روايتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة وغيرها. قالوا: لعل في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصل طاف على نسائه ينضخ طيباً ثم أصبح محرماً، ورد بأن هذا خلاف الظاهر، والروايات صريحة في أن هذا الأثر في وقت إحرامه بل في بعض الروايات "بعد ثلاث" من إحرامه. قالوا: إن الأثر الذي بقي كان وبيص الطيب ولمعانه، وهو الأمر الذي يرى بالنظر وليس الرائحة. ورد بأن هذا خلاف الظاهر أيضاً، فسياق عائشة وإنكارها على ابن عمر يؤكد أن الخلاف في بقاء الرائحة وليس في بقاء الزيت دون الرائحة شبهة حتى تنكر. قالوا: لعل هذا الطيب لم تكن له رائحة، فقد ورد في بعض الروايات "بطيب ليس كطيبكم" ورد بأن مرادها بذلك قوة الجودة والرائحة لقولها "بأطيب ما أجد". وادعى بعضهم أن ذلك من خصائصه ﷺ ، قالوا: لأن الطيب من دواعي النكاح، فنهى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه ففعله ورد بأن الخصائص لا تثبت بالقياس، كما رد بحديث عائشة بنت طلحة عند أبي داود عن عائشة قالت: "كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم، ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله ﷺ فلا ينهانا" فهذا صريح في بقاء عين الطيب، ولا يقال: إن ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. قال المهلب: إنه تطيب خصوصية لمباشرته الملائكة لأجل الوحي، ورد بأن ذلك فرع ثبوت الخصوصية ولا سبيل لثبوتها. وتمسكوا بحديث الرجل الذي سأل عما يفعل المحرم بالعمرة وهو متضمخ بطيب حديثنا قبل بابين، وفيه "اغسل الطيب الذي بك، وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك". ورد عليهم بأن قصة هذا الرجل كانت بالجعرانة، وهي في سنة ثمان بلا خلاف وأحاديث عائشة تفيد أنه ﷺ تطيب في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر

стр. 2594

من الأمر وبأن المأمور بغسله في قصة الرجل إنما هو الخلوق، لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقاً، محرماً وغير محرم. القول الثالث في هذه المسألة: القول بكراهية الطيب قبل الإحرام بما يبقى عينه بعده وهو قول محمد بن الحسن. القول الرابع: قول الطرطوشي: يكره الطيب المؤنث -أي طيب النساء- كالمسك والزعفران والكافور والغالية والعود ونحوها، فإن تطيب وأحرم به فعليه الفدية، وأما غير المؤنث كالرياحين والياسمين والورد فليس من ذلك ولا فدية فيه أصلاً. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - يؤخذ من قولها في الرواية الثانية "ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت": أن تحللاً يحصل للحاج بدون طواف الإفاضة، قال النووي: وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم والحلق، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان، وإذا فعل اثنين منها حصل التحلل الأول، "أي اثنين كانا"، ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح منهن غير الجماع بالتحلل الأول، وهو قول بعض الشافعية، وللشافعي قول: أنه لا يحل بالأول إلا اللبس والحلق وقلم الأظفار. اهـ ٢ - ويؤخذ من قولها في الرواية السادسة عشرة "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت": أن التحلل الأول يحصل بعد رمي جمرة العقبة والحلق، وقبل الطواف قال النووي: وهذا متفق عليه. ٣ - وفيه دلالة على استباحة الطيب بالتحلل الأول. ٤ - ومن قولها في الرواية الثامنة عشرة "ثم يطوف على نسائه": أن القسم لم يكن واجباً عليه ﷺ ، لأن الفقهاء يقولون: أقل القسم ليلة لكل امرأة. قال النووي: هذا الطواف كان برضاهن، ولا خلاف في جوازه برضاهن كيف كان، قال أبو سعيد الإصطخري: لم يكن القسم واجباً عليه وإنما كان يقسم بالسوية، ويقرع بينهن تكرماً وتبرعاً لا وجوباً، وقال الأكثرون: كان واجباً، والله أعلم. ٥ - يؤخذ من استحباب الطيب قبل الإحرام: استحباب وسائل النظافة والتجمل بعامة قبل الإحرام، قال النووي في المجموع: يستحب أن يتأهب للإحرام بحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وقلم الأظفار، وغسل الرأس بسدر أو نحوه. وقال أيضاً: قال الشافعي في الأم والمختصر: أحب للمرأة أن تخضب للإحرام، واتفق الأصحاب على استحباب الخضاب لها، قالوا: وسواء كان لها زوج أم لا، لأن هذا مستحب بسبب الإحرام، فلا فرق بينهما، فأما إذا كانت لا تريد الإحرام ولها زوج استحب لها الخضاب في كل وقت، لأنه زينة وجمال وهي مندوبة إلى الزينة والتجمل لزوجها كل وقت، وإن كانت غير ذات زوج ولم ترد

стр. 2595

الإحرام، كره لها الخضاب من غير عذر، لأنه يخاف به الفتنة عليها وعلى غيرها بها، وهذا كله متفق عليه، وسواء في استحباب الخضاب عند الإحرام العجوز والشابة، كالتطيب. قال الشافعية: ويكره للمرأة الخضاب بعد الإحرام، لأنه من الزينة، وهي مكروهة للمحرم، لأنه أشعث أغبر، فإن اختضبت في الإحرام فلا فدية، لأن الحناء ليس بطيب عندنا. والله أعلم
следующие страницы →