Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ هذا جزء الآية الثالثة عشرة والآية الرابعة عشرة من سورة الزخرف، قال تعالى ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتاً كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ فالآية في ركوب الفلك والأنعام، ويلحق بها كل وسيلة سفر، ومعنى ﴿وما كنا له مقرنين﴾ أي وما كنا له مطيقين، أي وما كنا عليه قادرين بقدرتنا، لولا أن سخرته وذللته لنا. وحقيقة أقرنه جعله أو وجده قرينه، والصعب لا يكون قريناً للضعيف، وحاصل المعنى أنه ليس لنا من القوة ما نضبط به الدابة والفلك، إنما الله تعالى هو الذي سخر لنا ذلك، وضبطه لنا. ﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ راجعون. وفيه إيذان بأن حق الراكب أن يتأمل فيما يلابسه من السير، ويتذكر منه المسافرة العظمى التي هي الانقلاب إلى الله تعالى، فيبني أموره في مسيرة ذلك على تلك الملاحظة، ولا يأتي بما ينافيها، ومن ضرورة ذلك أن يكون ركوبه لأمر مشروع، وفيه إشارة إلى أن الركوب مخطرة، فلا ينبغي أن يغفل فيه عن تذكر الآخرة.
(البر والتقوى) أي البر بالناس والإحسان إليهم وطاعتك وتقواك.
(وعثاء السفر) بفتح الواو وسكون العين وبالثاء والمد، المشقة والشدة.
(كآبة المنظر) أي تغير النفس من الحزن ونحوه.
(سوء المنقلب) بفتح اللام، أي سوء المرجع، أي الرجوع السيئ في المال والأهل.
(آيبون. تائبون ... إلخ) "آيبون" أي راجعون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فهو أمر واضح لا يحتاج إلى إخبار، فيشبه تحصيل الحاصل، وإنما المراد راجعون بهذه الأوصاف التوبة والعبادة وحمد الله.
(والحور بعد الكور) الحور النقص، والكور الزيادة، والمعنى نعوذ بك من النقص بعد الزيادة، وقيل من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل من البعد عن الجماعة بعد أن كنا معهم. قال النووي في معظم النسخ من صحيح مسلم "الكون" بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم. قال القاضي وهكذا رواه الفارسي وغيره من رواة مسلم. قال ورواه العذري بعد الكور بالراء. قال النووي كلاهما روايتان، وممن ذكر الروايتين جميعاً الترمذي في جامعه وخلائق من المحدثين، قالوا ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، يقال كار عمامته إذا لفها وحارها إذا أنقضها، ورواية النون مأخوذة من الكون. مصدر كان يكون كوناً، إذا وجد واستقر، فالمعنى على الراء نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها، كفساد العمامة
стр. 2872
بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون نعوذ بك من أن نكون في حالة سيئة بعد أن كنا في حالة جميلة.
(ودعوة المظلوم) ليس المقصود الاستعاذة من دعوة المظلوم، بل المراد الاستعاذة من سببها وهو الظلم، الذي يترتب عليه دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.
(قفل من الجيوش أو السرايا) أي رجع من الغزو، والمراد به قصد النبي ﷺ الكفار بنفسه أو بجيش من قبله و"السرايا". جمع سرية، بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء، وهي قطعة من الجيش تخرج بالليل لمهمة ثم تعود، وتقدر عدداً من مائة إلى خمسمائة.
(إذا أوفى على ثنية أو فدفد) معنى "أوفى" ارتفع وعلا. والثنية في الجبل كالعقبة فيه، وقيل هو الطريق العالي فيه، وقيل أعلى المسيل في رأسه. و"الفدفد" بفاءين مفتوحتين بينهما دال ساكنة هو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع، وقيل هو الفلاة التي لا شيء فيها وقيل غليظ الأرض ذات الحصى، وقيل الجلد من الأرض في ارتفاع، أي المكان المرتفع الصلب، وجمعه فدافد.
(صدق الله وعده) أي صدق وعده في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعد الله ، وهو لا يخلف الميعاد، فالوعد على عمومه، ويحتمل أن المراد بالوعد هنا وعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر في غزوة الأحزاب، ويكون في ذلك تكذيب لقول المنافقين والذين في قلوبهم مرض ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾ [الأحزاب: ١٢].
(ونصر عبده) محمداً ﷺ على الكفار مطلقاً، بإظهار دينه، أو نصره على الأحزاب يوم الخندق.
(وهزم الأحزاب وحده) أي من غير قتال من الآدميين، والحزب القطعة المجتمعة من الناس، والمراد الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق، وتحزبوا على رسول الله ﷺ ، فأرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، ويحتمل أن المراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن، فاللام إما عهدية، وإما جنسية.
(وصفية رديفته على ناقته) كان ذلك في طريق العودة من خيبر.
(كنا بظهر المدينة) أي أعلاها ومشارفها.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: ظاهر قوله [في الرواية الثالثة] "من غزو أو حج أو عمرة" اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاثة، وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يشرع قول ذلك في كل سفر طاعة، كصلة الرحم، وطلب العلم، لما يشمل الجميع من اسم الطاعة وقيل يتعدى أيضاً إلى المباح، لأن المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل يشرع في سفر المعصية أيضاً، لأن
стр. 2873
مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، قال وهذا التعليل متعقب، لأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله، وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص. فذهب قوم إلى الاختصاص، لكونها عبادات مخصوصة، شرع لها ذكر مخصوص، فتختص به، كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة.
وقال [عن الرواية الثالثة أيضاً] قول لا إله إلا الله ... إلخ يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان المرتفع ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متسعاً أكمل الذكر المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبح، ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقاً عقب التكبير، ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط.
قال القرطبي وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المتفرد بإيجاد جميع المخلوقات والموجودات، وأنه المعبود في كل الأماكن. اهـ
وفي قوله "تائبون" إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله ﷺ على سبيل التواضع، أو تعليماً لأمته، أو المراد أمته.
وفي الرواية الثانية التحذير من الظلم، ومن التعرض لأسبابه.
والله أعلم
стр. 2874
(٣٥٠) باب النزول ببطحاء ذي الحليفة
٢٩٠١ - عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة. فصلى بها. وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك.
٢٩٠٢ - عن نافع، قال: كان ابن عمر ينيخ بالبطحاء التي بذي الحليفة. التي كان رسول الله ﷺ ينيخ بها ويصلي بها.
٢٩٠٣ - عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة. التي كان ينيخ بها رسول الله ﷺ .
٢٩٠٤ - عن سالم، عن أبيه ﵁. أن رسول الله ﷺ أتي في معرسه بذي الحليفة. فقيل له: إنك ببطحاء مباركة.
٢٩٠٥ - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵁. أن النبي ﷺ أتي وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي. فقيل: إنك ببطحاء مباركة. قال موسى: وقد أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبد الله ينيخ به. يتحرى معرس رسول الله ﷺ . وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي. بينه وبين القبلة. وسطاً من ذلك.
-[المعنى العام]-
إن مناسك الحج أساسها فعل الرسول ﷺ ، وقوله "خذوا عني مناسككم" ولا خوف في هذا بالنسبة للشعائر، أما ما لابس الشعائر من هيئات الركوب أو المشي أو الوقوف أو الجلوس أو النزول في منزل أو سلوك طريق من الطرق ونحو ذلك فقد تمسك باستحبابه جماعة الملتزمين، وعلى رأسهم ابن عمر ﵄، ولم يتمسك به آخرون رأوا أن ذلك كان أمراً اتفاقياً، ولم يكن مقصوداً بالاستحباب، ولم يتطلبه هدف ديني، والكل متفق على أن من اقتدى به ﷺ في مثل
стр. 2875
هذه الأمور مستشعراً الاقتداء به، قاصداً المتابعة والأسوة الحسنة له أجر، لكن هل هو أجر العمل؟ أو أجر النية والقصد؟ هذا موطن الخلاف، ومن هذا القبيل ما نحن فيه من نزوله ﷺ بالأبطح عند ذي الحليفة في طريق عودته إلى المدينة من حجة الوداع، فصلى الله وسلم عليه ورضي عن أصحابه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة) أي أناخ بعيره، ونزل، ونزل المسلمون معه ليستريحوا من السفر، وليقضوا وقتاً بها، والبطحاء هو التراب الذي في مسيل الماء، وقيل إنه مجرى السيل إذا جف واستحجر، والبطحاء التي بذي الحليفة معروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس. وقوله "التي بذي الحليفة" احتراز عن البطحاء التي بمكة بين مكة ومنى والمعروفة باسم المحصب، وقد سبق الكلام عليها في باب خاص قبل باب الهدي.
وكان هذا النزول في عودته من الحج إلى المدينة، كما تشير إلى ذلك الرواية الثالثة بقولها "كان إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء" أي إذا رجع من الحج والعمرة.
(أتى في معرسه) قال القاضي المعرس [بضم الميم وفتح العين وتشديد الراء المفتوحة] موضع النزول. قال أبو زيد عرس القوم في المنزل إذا نزلوا به، أي وقت كان من ليل أو نهار، وقال الخليل والأصمعي: التعريس النزول في آخر الليل، اهـ و"أتى" مبني للمجهول، أي أتاه الملك فقال له إنك ببطحاء مباركة.
(أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد) أي بالمكان الذي أناخوا فيه من المسجد.
-[فقه الحديث]-
قال النووي قال القاضي: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاج ليس من مناسك الحج، وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركاً بآثار النبي ﷺ ولأنها بطحاء مباركة. قال واستحب مالك النزول والصلاة فيه، وألا يجاوزه حتى يصلي فيه، وإن كان في غير وقت الصلاة مكث حتى يدخل وقت الصلاة فيصلي. قال وقيل إنما نزل به ﷺ في رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلاً، كما نهي عنه صريحاً في الأحاديث المشهورة. والله أعلم.
وللحديث علاقة بحديث نزول الأبطح الذي بين مكة ومنى وقد سبق في باب خاص بعد باب رمي جمرة العقبة إلخ فليراجع.
والله أعلم
стр. 2876
(٣٥١) باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان
٢٩٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ . قبل حجة الوداع. في رهط، يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك. ولا يطوف بالبيت عريان. قال ابن شهاب: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر. من أجل حديث أبي هريرة.
-[المعنى العام]-
الحج شريعة إبراهيم ﵇، وكان العرب يحجون قبل الإسلام، وإن انحرفت بهم هذه الشعيرة إلى تقديس الأصنام التي وضعوها في الكعبة وحولها وعلى الصفا والمروة وجاء الإسلام معدلاً لما انحرف مصلحاً من شعائره ما فسد، مقراً لما هو صالح، وظل المشركون يحجون في عهد الرسالة حتى السنة التاسعة من الهجرة، فنزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. وأراد رسول الله ﷺ أن يبلغ هذا الأمر الإلهي لأهل الحج بعامة، ولأهل مكة خاصة، لكنه ﷺ قد قرر ألا يسافر إلى الحج ذاك العام، وكان يعلم أن المشركين يختلطون بالمسلمين في حجهم ويلبون بالشرك أثناء تلبيتهم ويطوفون بالبيت عراة، رجالاً ونساء، كما ولدتهم أمهاتهم، فأراد ﷺ أن ينظف الحج من هذه الرذائل قبل أن يحج، فقرر أن يكون أبو بكر أميراً للحجاج، وراعياً لشئونهم نيابة عنه ﷺ ، وطلب إليه أن يعلن في الناس أنه لا يحج البيت بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، نعم لقد كان العرب يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما ولدوا، بغير الثياب التي أذنبوا فيها، فإذا بلغ أحدهم باب المسجد قال لقريش من يعيرني ثوباً أطوف به؟ فإن أعطاه قرشي ثوباً طاف فيه، وإلا ألقى ثيابه بباب المسجد، ثم طاف سبعاً عرياناً، ومن طاف في ثياب لم يحل له أن يلبسها أبداً ولا ينتفع بها، وكان بعض النساء تتخذ سيوراً تعلقها في رقبتها وتستر بها سوأتها، وبعضهن تستر سوأتها بيديها، وبعضهن تخفض رأسها، فتستر سوأتها بشعرها، وفي ذلك تقول العامرية:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
وفي ذلك نزل قوله تعالى ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١].
стр. 2877
وفي يوم النحر وفي منى نادى أبو هريرة وعلي ومن كلفه أبو بكر لينادي معهما في الناس، كل في جهة ليسمعوا أكبر عدد ممكن ألا لا يحج البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت بعد العام عريان.
-[المباحث العربية]-
(في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ "أمر" بفتح الهمزة وتشديد الميم المفتوحة، أي جعله أميراً عليها ليحج بالناس، وذلك سنة تسع من الهجرة.
(في رهط يؤذنون في الناس) أي بعثني في جملة رهط، والرهط من الرجال ما دون العشرة، لا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، و"يؤذنون" أي يعلمون، فالمراد الأذان اللغوي، وضمير "يؤذنون" للرهط باعتبار المعنى، والمراد من الناس الحجاج، أو ما يعمهم ويعم الموجودين من أهل مكة وغيرهم.
-[فقه الحديث]-
قال النووي المراد بالمسجد الحرام في قوله تعالى ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. الحرم كله، فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال، حتى لو جاء في رسالة، أو أمر مهم لا يمكن من الدخول، بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم. اهـ
قال العيني وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك، لقوله ﷺ أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب. وقال النووي وفي الحديث إبطال لما كانت الجاهلية عليه من الطواف بالبيت عراة، واستدل به أصحابنا وغيرهم على أن الطواف يشترط له ستر العورة. اهـ وبه قال مالك والشافعي وأحمد في رواية، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية إلى أنه لو طاف عرياناً يجبر بدم.
قال النووي قال ابن شهاب وكان حميد بن عبد الرحمن يقول يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة ﵁ ومعنى قول حميد بن عبد الرحمن إن الله تعالى قال ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ [التوبة: ٣]. ففعل أبو بكر وعلي وأبو هريرة هذا الأذان يوم النحر، فتعين أنه يوم الحج الأكبر ولأن معظم المناسك تقع فيه.
وبعبارة أخرى أن الله تعالى أمر بهذا الأذان يوم الحج الأكبر، فأذن به الصحابة يوم النحر، فدل على أنهم علموا أنه يوم الحج الأكبر المأمور بالأذان فيه. وهذا مذهب مالك والشافعي والجمهور. وقيل يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة، لقوله ﷺ : "الحج عرفة".
قال العلماء وقيل الحج الأكبر للاحتراز من الحج الأصغر، وهو العمرة.
والله أعلم
стр. 2878
(٣٥٢) باب فضل يوم عرفة
٢٩٠٧ - عن عائشة ﵂؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار، من يوم عرفة. وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة. فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ".
-[المعنى العام]-
لله في خلقه شئون، يفضل بعض الأماكن على بعض، ويفضل بعض الآدميين على بعض، ويفضل بعض الأزمنة على بعض، ومعنى تفضيل الزمان والمكان تفضيل ما يقع فيه من أعمال البر والخير على مثيلاتها حين تقع في المكان أو الزمان المفضول، وبمعنى آخر زيادة فضل الله ورحمته التي تغمر المطيعين في الزمان أو المكان المفضل عنها في الزمان والمكان المفضول، ويوم عرفة يوم يجتمع فيه الحجاج شعثاً غبراً، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، تركوا أموالهم وأولادهم وما خولهم الله وراء ظهورهم، ورفعوا أكفهم ضارعة إلى ربهم، يباهي بهم ملائكته، يقول ما يريد هؤلاء بوقوفهم هنا هكذا؟ يقولون يطيعونك ويعبدونك ويرجونك. فيقول هل رأوني؟ فيقولون لا، فيقول يعبدونني هكذا ولم يروني، فكيف إذا رأوني؟ أشهدكم يا ملائكتي أني غفرت لهم.
-[المباحث العربية]-
(ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة) "من يوم عرفة" جار ومجرور متعلق بأكثر، و"من أن يعتق الله فيه عبداً من النار" في موقع التمييز، و"من" في "ما من يوم" زائدة، والتقدير ليس يوم أكثر من يوم عرفة عتقاً من النار.
(وإنه ليدنو) قال النووي أي تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسة. قال القاضي يتأول فيه ما يتأول في حديث النزول إلى السماء الدنيا، وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة.
(ما أراد هؤلاء؟ ) الوقوف عند السؤال في هذه الرواية اختصار من الرواة، فقد بين مرادهم في رواية عبد الرزاق "هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً غبراً، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني ... "
стр. 2879
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام فلأصحابنا وجهان. أحدهما تطلق يوم الجمعة، لقوله ﷺ "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، كما سبق في صحيح مسلم، وأصح الوجهين يوم عرفة للحديث المذكور في هذا الباب، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع.
والله أعلم
стр. 2880
(٣٥٣) باب فضل الحج والعمرة
٢٩٠٨ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. والحج المبرور، ليس له جزاء إلا الجنة".
٢٩٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه".
٢٩١٠ - وفي رواية "من حج فلم يرفث ولم يفسق".
-[المعنى العام]-
خلق الله الإنسان وكلفه بطاعته، وسلط عليه الشيطان والشهوات والنفس الأمارة بالسوء، فكان لزاماً أن يخطئ وأن يعصى، وكان من رحمته جل شأنه بالإنسان عامة وبالمسلم خاصة أن فتح له أبواب التوبة، وضاعف حسنته بعشرة أمثالها، وأفاض عليه من عفوه في أماكن مشرفة، كالمسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ بالمدينة والمسجد الأقصى بالشام، وفي أزمنة مشرفة، كشهر رمضان ويوم الجمعة وليلة القدر والعشر الأوائل من ذي الحجة، وفي أعمال مكرمة لعينها كالجهاد وبر الوالدين والصلاة لوقتها والحج والعمرة فقال "من حج فلم يرفث ولم يفسق [وأدى الحج كما شرعه الله وطلبه منه] رجع [من حجه مغفوراً له، نقياً] من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
كما كان من رحمة الله بالمسلم أن جعل الذنوب صغائر وكبائر، صغائر لا تحصى وكبائر قليلة محدودة، وجعل النقاء من الصغائر مغفوراً باجتناب الكبائر، وبفعل بعض الطاعات السهلة على كثير من الناس ومن ذلك العمرة، فهي تكفر ما سبقها من سيئات وكلما تكررت كلما غسلت ما قبلها من ذنوب صغائر، وزادت من الحسنات، ورفعت من الدرجات.
стр. 2881
-[المباحث العربية]-
(العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) العمرة في اللغة الزيارة يقال اعتمر فهو معتمر، أي زار وقصد، وقيل إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وفي الشرع زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة. وفي معنى "إلى العمرة" قال ابن التين يحتمل أن تكون "إلى" بمعنى مع كما في قوله تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]. اهـ ومعنى كفارة لما بينهما ليس على إطلاقه، بل المراد كفارة لما بينهما من الذنوب الصغائر، دون الكبائر. وسيأتي توضيحه في فقه الحديث.
وهنا بحث جيد. هل العمرة الأولى هي المكفرة؟ أو الثانية؟ قال العيني كما هو الحديث أن العمرة الأولى هي المكفرة، لأنها هي التي وقع الخبر عنها أنها تكفر، ولكن الظاهر من حيث المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفر ما قبلها إلى العمرة التي قبلها، فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر. اهـ قلت: العمرة الأولى تكفر ما قبلها بالتوضيح الذي سنذكره في فقه الحديث، والعمرة الثانية تكفر ما قبلها، أي ما بينها وبين العمرة الأولى وهكذا. فكل عمرة تكفر ما قبلها. والله أعلم.
(والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) أي لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد أن يدخل الجنة.
وفي المراد من "المبرور" قال النووي الأصح الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البر، وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع خيراً مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: الذي لا يعقبه معصية.
قال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسير المبرور كلها متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع الموقع الذي طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
(من أتى هذا البيت) يشمل الحج والعمرة، والمراد من أتاه زائراً قاصداً النسك وفي ملحق الرواية "من حج" وفي رواية البخاري "من حج لله" وفي بعض الروايات "من حج هذا البيت" وعند الدارقطني "من حج أو اعتمر".
(فلم يرفث) يقال رفث بفتح الفاء ورفث بكسر الفاء يرفث بكسرها وفتحها وضمها وقال الحافظ فاء الرفث مثلثة في الماضي والمضارع والأفصح الفتح في الماضي، والضم في المستقبل.
ويقال أرفث بالألف، والرفث يطلق على الجماع، وعلى التعريض به، وعلى الفحش في القول، وقال الأزهري الرفث اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يخصه بما خوطب به النساء، وقال عياض هذا من قول الله تعالى ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]. والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع.
قال الحافظ ابن حجر والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعلم من ذلك، وهو المراد بقوله في الصيام "فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث".
стр. 2882
(ولم يفسق) أي لم يأت بسيئة ولا معصية، والفسق العصيان، وترك أمر الله والخروج عن الطاعة. وأغرب ابن الأعرابي فقال إن لفظ الفسق لم يسمع في الجاهلية ولا في أشعارهم، وإنما هو إسلامي، وتعقب بأنه كثر استعماله في القرآن الكريم، وحكايته عمن قبل الإسلام، وقال القزاز أصله من انفسقت الرطبة إذا أخرجت من قشرها، فسمي بذلك الفاسق لخروجه من الخير وانسلاخه منه.
(رجع كما ولدته أمه) أي بغير ذنب، ورجع بمعنى صار، والجار والمجرور "كما ولدته أمه" حال، أي صار مشبهاً لنفسه يوم ولدته أمه في البراءة من الذنوب.
-[فقه الحديث]-
روى مسلم "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" وروى "لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها" وروى "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله".
وروى "من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة". وروى "الصلوات الخمس كفارة لما بينهن".
وروى "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".
وروى حديث الباب "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما".
قال النووي: إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات؟ ورمضان؟ وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين؟ ويوم عاشوراء كفارة سنة؟ و"إذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؟ .
والجواب ما أجابه العلماء أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر.
وقال الحافظ ابن حجر واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر، بقوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١]. فماذا تكفر العمرة؟ والجواب أن تكفير العمرة مقيد بزمنها، وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية. اهـ
هذا عن فضل العمرة، أما عن حكمها فقد قال النووي اختلف العلماء في وجوب العمرة، فمذهب الشافعي والجمهور أنها واجبة، وممن قال به عمر وابن عباس وطاووس وعطاء وابن
стр. 2883
المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري ومسروق وابن سيرين والشعبي وأبو بردة بن أبي موسى وعبد الله بن شداد والثوري وأحمد وإسحق وأبو عبيد وداود. وقال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور هي سنة وليست واجبة.
وقال في المجموع شرح المهذب قال الشافعي في الجديد هي فرض، وقال في القديم ليست بفرض والصحيح الأول. واستدل البيهقي لوجوب العمرة بحديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وفيه في رواية البيهقي "وأن تحج البيت وتعتمر" ورجاله رجال مسلم، ورواه هكذا الدارقطني، ثم قال: هذا إسناد صحيح ثابت، واحتج البيهقي أيضاً بما رواه بإسناده عن أبي زرين العقيلي الصحابي ﵁ أنه قال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج والعمرة ولا الطعن؟ "قال حج عن أبيك واعتمر"، قال البيهقي قال مسلم بن الحجاج سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا أعلم في إيجاب العمرة حديث أجود من حديث أبي زرين هذا، ولا أصح منه.
قال الحافظ ابن حجر وحديث أبي زرين هذا صحيح، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. كما استدل القائلون بوجوبها بقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] أي أقيموها قال ابن عباس: والله إنها لقرينة الحج في كتاب الله. وللحاكم عن ابن عباس "الحج والعمرة فريضتان" وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع سبيلاً، فمن زاد شيئاً فهو خير له وتطوع.
واستدل القائلون بأنها سنة بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن العمرة. أهي واجبة؟ قال لا. وأن تعتمر خير لك. رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وقال الترمذي قال الشافعي: العمرة سنة لا نعلم أحداً رخص في تركها، وليس فيها شيء ثابت بأنها واجبة. ورد الجمهور حديث جابر بأنه ضعيف، بل موقوف على جابر غير مرفوع.
ثم قال النووي: فإن قلنا هي فرض فهي في شرط صحتها وصحة مباشرتها ووجوبها وإحرامها عن عمرة الإسلام كالحج. والله أعلم.
وأما عن وقتها فقد قال النووي: اعلم أن جميع السنة وقت للعمرة فتصح في كل وقت منها، إلا في حق من هو متلبس بالحج، فلا يصح اعتماره حتى يفرغ من الحج ولا تكره عندنا لغير الحاج في يوم عرفة والأضحى والتشريق وسائر السنة. وبهذا قال مالك وأحمد وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة تكره في خمسة أيام، يوم عرفة والنحر وأيام التشريق، وقال أبو يوسف تكره في أربعة أيام، وهي عرفة وأيام التشريق.
وأما عن تكرارها فقد قال النووي: مذهب الشافعي والجمهور استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مراراً. وقال الحافظ ابن حجر في حديث الباب دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار، خلافاً لقول من قال يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة، كالمالكية واستدل لهم بأنه صلى الله عليه
стр. 2884
وسلم لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة وأفعاله على الوجوب أو الندب، وتعقب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله، فقد كان يترك الشيء وهو يستحب فعله، لرفع المشقة، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت الاستحباب من غير تقييد. ونقل الأترم عن أحمد إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام، ليمكن الحلق فيها، قال ابن قدامة هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام، وقال وقال آخرون لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة واحدة.
والله أعلم
стр. 2885
(٣٥٤) باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها
٢٩١١ - عن أسامة بن زيد بن حارثة ﵄ أنه قال: يا رسول الله! أتنزل في دارك بمكة؟ فقال "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ ". وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب. ولم يرثه جعفر ولا علي شيئاً. لأنهما كانا مسلمين. وكان عقيل وطالب كافرين.
٢٩١٢ - عن أسامة بن زيد ﵄ قلت: يا رسول الله! أين تنزل غداً؟ وذلك في حجته، حين دنونا من مكة. فقال "وهل ترك لنا عقيل منزلاً".
٢٩١٣ - عن أسامة بن زيد ﵄ أنه قال: يا رسول الله! أين تنزل غداً، إن شاء الله؟ وذلك زمن الفتح قال "وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ ".
-[المعنى العام]-
يرى بعض السلف أن دور مكة ينبغي أن تكون كالسوائب، لا تباع ولا تشترى ولا توهب ولا تؤجر، وإنما تبقى مفتوحة لمن يحتاج أن يسكنها من الناس القادمين إليها، بل أثر عن عمر ﵁ النهي عن تبوب هذه الدور، لينزل الحاج في عرصاتها وأفنيتها.
وجمهور المسلمين على أن دور مكة كغيرها من دور بلاد المسلمين، ملك لأهلها يتصرفون فيها بالبيع والإجارة وغيرها، ويتوارثها الوارثون كغيرها، وهذا الحديث دليل للجمهور، حيث اعتبر رسول الله ﷺ هذه الدور ملكاً لأصحابها، لا ينزل فيها ولا ينزل حتى في الدار التي عاش بها قبل الهجرة، لأن عقيلاً ابن عمه باعها بعد هجرته ﷺ فأقر بيعه لها، وفي ذلك حكم بجواز بيع هذه الدار كغيرها والله أعلم.
стр. 2886
-[المباحث العربية]-
(أتنزل في دارك بمكة)؟ في الرواية الثانية "أين تنزل غداً"؟ وفي الثالثة "أين تنزل غداً إن شاء الله"؟ فكأنه استفهم أولاً عن مكان نزوله، ثم ظن أنه ينزل في داره، فاستفهم عن ذلك. وإضافة الدار إلى ضميره ﷺ لسكناه إياها قديماً، وأصلها وملكها كان لعمه أبي طالب، لأنه الذي كفله، وكانت أصلاً لعبد المطلب فلما مات استولى أبو طالب على أملاك عبد المطلب، وحازها وحده، لسنه ولعادة الجاهلية.
(وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور) وفي الرواية الثانية "وهل ترك لنا عقيل منزلاً؟ " وفي الثالثة "وهل ترك لنا عقيل من منزل" والرباع بكسر الراء جمع ربع بفتحها وسكون الباء، وهو المنزل المشتمل على أبيات، وقيل هو الدار، وعلى هذا فقوله "أو دور" إما للتأكيد، أو شك من الراوي. والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لم يترك لنا عقيل [بفتح العين وكسر القاف] دوراً.
(وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه جعفر ولا علي شيئاً) ترك أبو طالب أربعة أولاد، في داره هذه ومعهم محمد ﷺ وهاجر النبي ﷺ بعد موت أبي طالب بثلاث سنين، وهاجر علي بعده، ومات طالب في بدر، فاستولى عقيل على الدار وحده، ويقال إنه باعها قبل الفتح وقبل أن يقول النبي ﷺ هذا القول، وسياق الحديث يقتضيه، ومفهومه أنه لو تركها لنزلها ﷺ . قال الداودي وغيره كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره وأمضى النبي ﷺ تصرفات الجاهلية تأليفاً لقلوب من أسلم منهم. وحكى الفاكهي أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار. قال الخطابي وعندي أن تلك الدار إن كانت قائمة على ملك عقيل فإنما لم ينزلها رسول الله ﷺ لأنها دور هجروها في الله تعالى، فلم يرجعوا فيما تركوه.
(وذلك في حجته) أي حجة الوداع سنة عشر من الهجرة حين أراد أن ينفر من منى، وفي الرواية الثالثة وذلك زمن الفتح أي فتح مكة سنة ثمان من الهجرة. قال الحافظ ابن حجر ويحمل على تعدد القصة.
-[فقه الحديث]-
وضع البخاري هذا الحديث تحت عنوان باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، وقدم له بقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾ [الحج: ٢٥]. قال النووي في الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن مكة فتحت صلحاً، وأن دورها مملوكة لأهلها، لها حكم سائر البلدان في ذلك، فتورث عنهم، ويجوز لهم بيعها ورهنها وإجارتها وهبتها والوصية بها، وسائر التصرفات، وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وآخرون
стр. 2887
فتحت عنوة، ولا يجوز شيء من هذه التصرفات. اهـ قال الحافظ ابن حجر والراجح عند من قال إنها فتحت عنوة أن النبي ﷺ منَّ بها على أهلها، فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك، ذكره السهيلي وغيره، ثم قال الحافظ وليس الاختلاف في ذلك ناشئاً عن هذه المسألة، فقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله "المسجد الحرام" هل هو الحرم كله؟ أو مكان الصلاة فقط، واختلفوا أيضاً في المراد بقوله "سواء" هل في الأمن والاحترام؟ أو فيما هو أعم من ذلك، وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضاً. قال ابن خزيمة لو كان المراد بقوله تعالى ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر، ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن. قال ولا نعلم عالماً منع من ذلك ولا كره لحائض ولا لجنب دخول الحرم، ولا الجماع فيه. قال الحافظ ابن حجر والقول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس وعطاء ومجاهد. أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة.
وقال واحتج الشافعي بحديث أسامة روايات الباب قال الشافعي فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه، وبقوله ﷺ عام الفتح "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فأضاف الدار إليه، واحتج ابن خزيمة بقوله تعالى ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨]. فنسب الله الديار إليهم، كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دور ليست بملك لهم. اهـ
ويؤخذ من الرواية الأولى أن المسلم لا يرث الكافر، قال النووي وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما روي عن إسحق بن راهويه وبعض السلف أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا على أن الكافر لا يرث المسلم.
والله أعلم
стр. 2888
(٣٥٥) باب ما يقيم المهاجر في مكة إذا فرغ من الحج والعمرة
٢٩١٤ - عن عبد الرحمن بن حميد: أنه سمع عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد يقول: هل سمعت في الإقامة بمكة شيئاً؟ فقال السائب: سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول "للمهاجر إقامة ثلاث، بعد الصدر، بمكة" كأنه يقول لا يزيد عليها.
٢٩١٥ - عن عبد الرحمن بن حميد. قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لجلسائه: ما سمعتم في سكنى مكة؟ فقال السائب بن يزيد: سمعت العلاء (أو قال العلاء بن الحضرمي) يقول: قال رسول الله ﷺ "يقيم المهاجر بمكة، بعد قضاء نسكه، ثلاثاً".
٢٩١٦ - عن عبد الرحمن بن حميد: أنه سمع عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد. فقال السائب: سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول "ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة، بعد الصدر".
٢٩١٧ - عن العلاء بن الحضرمي عن رسول الله ﷺ قال "مكث المهاجر بمكة، بعد قضاء نسكه، ثلاث".
-[المعنى العام]-
الإقامة بمكة كانت حراماً على من هاجر منها إلى المدينة قبل الفتح فالذين هاجروا من مكة إلى المدينة قبل الفتح إنما هاجروا لنصرة النبي ﷺ ، ومواساته بالنفس وتركوا في سبيل ذلك وطنهم العزيز عليهم، وما كانوا يملكون فيه من ديار وأموال وقربى تنازلوا عن كل ذلك في سبيل الله ولنصرة دينه، فأنى لهم الرجوع فيما ضحوا به وتركوه لله؟ .
стр. 2889
لكنه أبيح لهم إذا وصلوا مكة بحج أو عمرة أو غيرهما من الأمور المرخص لهم بها كتجارة وزيارة أن يقيموا بعد فراغهم من مهمتهم ثلاثة أيام، لا يزيدون عليها، ويرحلون عنها امتداداً لرحيلهم الأول، ليكتب لهم ثواب هذا الرحيل مدى الحياة، وهو ثواب لا يدانيه ثواب.
لهذا أسف النبي ﷺ لسعد بن خولة أن مات بمكة بعد أن كان قد هاجر منها إلى المدينة. رضي الله عن السابقين الأولين المهاجرين وعن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(هل سمعت في الإقامة بمكة شيئاً)؟ أي ممن سمع من رسول الله ﷺ ؟ والمراد إقامة المهاجر من مكة أياماً بمكة بعد قضاء نسك الحج أو العمرة، وفي الرواية الثانية "ما سمعتم في سكنى مكة"؟ أي لمن فر منها إلى المدينة مهاجراً.
(للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة) الصدر بفتح الصاد والدال الرجوع والمراد الرجوع من منى بعد الفراغ من شعائر الحج وبمكة متعلق بإقامة، أي لمن هاجر من مكة إقامة بمكة ثلاث ليال بعد قضائه نسكه، وصرحت بذلك الروايات واضحة، ففي الرواية الثانية "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً" وفي الثالثة "ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر" وفي الرابعة "مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاث" قال النووي عن هذه الرواية الرابعة هو أكثر النسخ "ثلاثاً" وفي بعضها "ثلاث" ووجه المنصوب أن يقدر فيه محذوف، أي مكثه المباح أن يمكث ثلاثاً. اهـ
فالمقصود الترخيص له بالإقامة في مكة بعد قضاء نسكه ثلاث ليال كأقصى حد مسموح به، يصرح الراوي بذلك في الرواية الأولى بقوله "كأنه يقول لا يزيد عليها".
-[فقه الحديث]-
قال القرطبي المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ ، ولا يدخل فيه من هاجر من غير مكة إلى المدينة، لأن الحديث جاء جواباً عن سؤالهم لما تحرجوا من الإقامة بمكة إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن الإقامة ثلاث ليال ليست بإقامة. اهـ قال القاضي عياض واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سكنى المدينة كان واجباً، وفي هذا الحديث حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح، قال وهو قول الجمهور، وأجاز لهم جماعة بعد الفتح، مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح، ووجوب سكنى المدينة لنصرة النبي ﷺ ، ومواساتهم له بأنفسهم، وأما غير المهاجر، ومن آمن بعد ذلك فيجوز له سكنى أي بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق. اهـ
قال القرطبي والخلاف الذي أشار إليه القاضي عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني هذا الخلاف
стр. 2890
ويطبق على من فر بدينه من موضع يخاف أن يفتن فيه في دينه؟ فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال إن كان تركها لله، كما فعله المهاجرون. فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فراراً بدينه ليسلم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك. اهـ
قال الحافظ ابن حجر وهو حسن متجه، إلا أنه خص ذلك بمن ترك رباعاً أو دوراً ولا حاجة إلى تخصيص المسألة بذلك.
قال النووي وفي هذا الحديث دلالة لأصح الوجهين عند أصحابنا أن طواف الوداع ليس من مناسك الحج، بل هو عبادة مستقلة، أمر بها من أراد الخروج من مكة، لا أنه نسك من مناسك الحج، ولهذا لا يؤمر به المكي، ومن كان يقيم بها، وموضع الدلالة قوله ﷺ "بعد قضاء نسكه" والمراد قبل طواف الوداع، كما ذكرنا، فإن طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف الوداع، فسماه قبله قاضياً لمناسكه، فخرج طواف الوداع أن يكون من مناسك الحج. اهـ وقد سبق الحديث عن طواف الوداع قبل اثنى عشر باباً. وقال النووي أيضاً واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن إقامة ثلاثة ليس لها حكم الإقامة، بل صاحبها في حكم المسافر، قالوا فإذا نوى المسافر الإقامة في بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج جاز له الترخيص برخص السفر من القصر والفطر، وغيرهما من رخصة، ولا يصير له حكم المقيم.
والله أعلم
стр. 2891
(٣٥٦) باب تحريم مكة، وتحريم صيدها، وخلاها وشجرها، ولقطتها، وحمل السلاح بها
٢٩١٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة "لا هجرة. ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". وقال يوم الفتح فتح مكة "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شوكه. ولا ينفر صيده. ولا يلتقط إلا من عرفها. ولا يختلى خلاها" فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر. فإنه لقينهم ولبيوتهم. فقال "إلا الإذخر".
٢٩١٩ - وفي رواية بمثله. ولم يذكر "يوم خلق السماوات والأرض" وقال، بدل القتال "القتل" وقال "لا يلتقط لقطته إلا من عرفها".
٢٩٢٠ - عن أبي شريح العدوي؛ أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي. أيها الأمير! أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ ، الغد من يوم الفتح. سمعته أذناي. ووعاه قلبي. وأبصرته عيناي حين تكلم به. أنه حمد الله وأثنى عليه. ثم قال "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. وليبلغ الشاهد الغائب" فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك. يا أبا شريح! إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة.
٢٩٢١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2892
مكة. قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال "إن الله حبس عن مكة الفيل. وسلط عليها رسوله والمؤمنين. وإنها لن تحل لأحد كان قبلي. وإنها أحلت لي ساعة من نهار. وإنها لن تحل لأحد بعدي. فلا ينفر صيدها. ولا يختلى شوكها. ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد. ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إما أن يفدى وإما أن يقتل" فقال العباس: إلا الإذخر. يا رسول الله! فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا. فقال رسول الله ﷺ "إلا الإذخر" فقام أبو شاه، رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي. يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ "اكتبوا لأبي شاه". قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ .
٢٩٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: إن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث. عام فتح مكة. بقتيل منهم قتلوه. فأخبر بذلك رسول الله ﷺ . فركب راحلته فخطب فقال "إن الله حبس عن مكة الفيل. وسلط عليها رسوله والمؤمنين. ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي. ألا وإنها أحلت لي ساعة من النهار. ألا وإنها، ساعتي هذه، حرام. لا يخبط شوكها. ولا يعضد شجرها. ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد. ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إما أن يعطى (يعني الدية)، وإما أن يقاد (أهل القتيل) " قال: فجاء رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه. فقال: اكتب لي. يا رسول الله؟ فقال "اكتبوا لأبي شاه". فقال رجل من قريش: إلا الإذخر. فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال رسول الله ﷺ "إلا الإذخر".
٢٩٢٣ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح".
-[المعنى العام]-
شرع الله تعالى حرم مكة بأن شرع فيه من وسائل الأمن ما لم يشرع في غيره من بقاع الأرض، منذ خلق السموات والأرض، وتكريماً لإبراهيم ﵇ بإجابة دعوته حين قال ﴿رب اجعل هذا البلد
стр. 2893
آمناً﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وامتن الله على قريش بقوله: ﴿أولم نمكن لهم حرماً آمناً﴾ [القصص: ٥٧]. ﴿فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ [قريش: ٣، ٤]. وبقوله ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم﴾ [العنكبوت: ٦٧].
ولم يقتصر هذا الأمن على الإنسان، بل تعداه إلى الحيوان والطير والشجر حتى الشوك، لا يسفك فيه دم ولا ينفر صيده، ولا يصاد، ولا يقتل حيوانه، اللهم إلا الفواسق الخمس، العقرب والحدأة والفأرة والغراب والكلب العقور.
ولقد فتح رسول الله ﷺ مكة عام ثمانية من الهجرة ودخل بجيوشه حاملين أسلحتهم بإذن ربهم، أذن الله له لنشر دينه، وإعلاء كلمته، وأحل له هذا الحرم جزءاً من نهار، من طلوع الشمس إلى صلاة العصر، ثم أعلن للناس عودة حرمته إلى ما كانت عليه. وحذر من أن يأتي أحد بعده يقول: إن رسول الله ﷺ قاتل وقُتل في مكة، فالقتل والقتال فيها مباحان. حذر من ذلك كل التحذير، ونبه أنها لم تحل لأحد قبله، ولا تحل لأحد بعده، وإنما أحلت له ﷺ ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها كما كانت. وكأن رسول الله ﷺ كان يشير بذلك إلى ما سيحدث بعده، وما حدث على يد الحجاج بن يوسف الثقفي حين غزا مكة لقتال عبد الله بن الزبير، وضرب الكعبة نفسها بالمنجنيق، حتى تهدمت.
فاللهم إن هذا الحرم حرمك، والبلد بلدك، والأمن أمنك وأنا عبدك وابن أمتك، اللهم زد هذا الحرم تكريماً وتشريفاً وتعظيماً ومهابة وبراً، وزد من كرمه وشرفه وعظمه، بحج أو عمرة تكريماً وتشريفاً وتعظيماً ومهابة وبراً.
-[المباحث العربية]-
(يوم الفتح -فتح مكة) أل في "الفتح" للعهد، وقد أكد الراوي الفتح المعهود وزاده بياناً، بقوله "فتح مكة" ويوم الفتح متعلق بقال، والظاهر أن هذا القول لم يكن في يوم الفتح نفسه، ففيه مجاز التوسع، ففي الرواية الثانية "الغد من يوم الفتح" وفي الرواية الثالثة "لما فتح الله .... قام في الناس" وفي الرواية الرابعة "عام فتح مكة".
(لا هجرة) أي بعد الفتح. قال النووي قال العلماء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وفي تأويل هذا الحديث قولان. أحدهما لا هجرة بعد الفتح من مكة، لأنها صارت دار إسلام وإنما تكون الهجرة من دار الحرب، وهذا يتضمن معجزة لرسول الله ﷺ بأنها تبقى دار الإسلام، لا يتصور منها الهجرة.
الثاني: معناه لا هجرة بعد الفتح تساوي في فضلها الهجرة قبل الفتح، كما قال تعالى ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠].
стр. 2894
(ولكن جهاد ونية) "جهاد" مبتدأ، خبره محذوف، أي لكم جهاد ونية، والمعنى ولكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد، ونية الخير في كل شيء، وقال الطيبي الهجرة إما فراراً من الكفار، وإما إلى الجهاد، وإما إلى نحو طلب العلم وقد انقطعت الأولى، فاغتنموا الأخيرتين.
(وإذا استنفرتم فانفروا) "استنفرتم" بضم التاء وسكون النون وكسر الفاء، أي إذا دعاكم الإمام إلى الغزو فاخرجوا إليه. فالجملة تفسير لبقاء الجهاد.
(وقال يوم الفتح إن هذا البلد) أي مكة، وقد فصل مسلم الكلام الأول عن الثاني بهذا، فجعله حديثاً آخر مستقلاً وهو مقتضى صنيع من اقتصر على الكلام الأول كرواية البخاري في الجهاد.
(حرمه الله يوم خلق السموات والأرض) في الرواية الثانية "إن مكة حرمها الله" وسيأتي قريباً في مسلم "إن إبراهيم حرم مكة، إذ قال ﴿رب اجعل هذا بلداً آمناً﴾ قال النووي فظاهر هذا الاختلاف، وفي المسألة خلاف مشهور في وقت تحريم مكة، فقيل إنها مازالت محرمة من يوم خلق السموات والأرض، وقيل مازالت حلالاً كغيرها إلى زمن إبراهيم ﵇، ثم ثبت لها التحريم من زمن إبراهيم. وهذا القول يوافق ملحق الرواية الأولى وليس فيه "يوم خلق السموات والأرض" والقول الأول يوافق الرواية الأولى، وبه قال الأكثرون، وأجابوا عن الحديث الثاني بأن تحريمها كان ثابتاً من يوم خلق الله السموات والأرض، ثم خفي تحريمها، واستمر خفاؤه إلى زمن إبراهيم، فأظهره وأشاعه، لا أنه ابتدأه ومن قال بالقول الثاني أجاب عن الحديث الأول بأن معناه أن الله كتب في اللوح المحفوظ أو في غيره يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم ﵇ سيحرم مكة بأمر الله تعالى.
(وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي) الهاء في "إنه" ضمير الشأن ولفظ "لم" أشبه بالمراد من حرف "لا" الوارد عند البخاري، ومن حرف "لن" الوارد في روايتنا الثالثة، ولعل الأخيرة خطأ من النساخ. وفي ملحق الرواية الأولى "القتل" بدل "القتال" والفرق بينهما ظاهر والمحرم فعلاً القتال، وسيأتي في فقه الحديث، أما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، والخلاف فيمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم والقتال هو المراد من قوله في الرواية الثانية "أن يسفك بها دماً".
(ولم يحل لي إلا ساعة من نهار) في الرواية الثانية "وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار" وفي الرواية الثالثة، "وإنها أحلت لي ساعة من نهار" وفي الرواية الرابعة "ألا وإنها أحلت لي ساعة من النهار" قال الحافظ ابن حجر مقدار هذه الساعة ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر [فالساعة بمعناها اللغوي القطعة من الزمان كبرت أو صغرت] قال: ويستفاد من ذلك أن قتل من أذن النبي ﷺ بقتلهم كابن خطل وقع في الوقت الذي أبيح للنبي ﷺ فيه القتال، خلافاً لمن حمل الساعة على ظاهرها [العرفي] فاحتاج إلى الجواب عن قصة ابن خطل.
стр. 2895
(فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) في الرواية الثانية "وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" وفي الرواية الرابعة "ألا وإنها ساعتي هذه حرام" أي هي حرام من ساعتي هذه، فبينت المراد من اليوم في الرواية الثانية وأنه الزمن الحاضر.
(لا يعضد شوكه) أي لا يقطع، على صيغة المبني للمجهول، من عضدت الشجر عضداً، من ضرب يضرب إذا قطعته، والمعضد بكسر الميم الآلة التي يقطع بها، وقال الخليل: المعضد الممتهن من السيوف في قطع الشجر. وفي الرواية الثانية "ولا يعضد بها شجرة" وفي الرواية الثالثة "ولا يختلى شوكها" بضم أوله، مبني للمجهول، أي لا يقطع، ولا يؤخذ، وفي الرواية الرابعة "لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها" أي لا يضرب بالعصا ونحوها ليسقط ورقه وفي رواية لعمر بن شيبه "ولا يخضد" بالخاء بدل العين، وهو يرجع إلى معنى "يعضد" لأن أصله الكسر، ويستعمل في القطع.
(ولا ينفر صيده) أي لا يزعج، ولا ينحى عن موضعه، والصيد ما يصاد من طير أو حيوان.
(ولا يلتقط إلا من عرفها) "يلتقط" بفتح الياء، مبني للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر، أي لا يلتقط لاقط لقطته، أو لا يلتقط أحد لقطته إلا من عرفها، أي إلا من ظل يعرفها أبدا الدهر، وليس يكفي التعريف سنة كغيرها من البلاد. وفي ملحق الرواية الأولى "ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها" وفي الرواية الرابعة "ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد" قال النووي: والمنشد هو المعرف وأما طالبها فيقال له ناشد، وأصل النشد والإنشاد رفع الصوت.
(ولا يختلى خلاها) الخلا بفتح الخاء مقصور هو الرطب من الكلأ. قال النووي: قالوا الخلا والعشب اسم للرطب منه، والحشيش والهشيم اسم لليابس منه، والكلأ يقع على الرطب واليابس.
(إلا الإذخر) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى البدل، وأما النصب فعلى الاستثناء، والإذخر بكسر الهمزة نبت معروف، طيب الريح، له سيقان دقاق، أدق من سيقان القمح، يشبه الحلفاء، ينبت في السهل والحزن، والذي بمكة أجوده، وكان أهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب وفوقه، ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود.
والعباس ﵁ لم يرد بالاستثناء أن يستثنى هو، وإنما أراد أن يلقن النبي ﷺ الاستثناء راجياً أن يستثنى الرسول ﷺ إن كان مجتهداً، أو يطلب من ربه الاستثناء إن كان لا ينطق إلا بالوحي، فطلب العباس على سبيل الضراعة.
(فإنه لقينهم ولبيوتهم) القين بفتح القاف وسكون الباء هو الحداد والصائغ، فإنه يستعمل الإذخر وقوداً لناره. والضمير في "لقينهم" لأهل مكة، كما سبق توضيحه، وفي الرواية الثالثة "فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا".
(عن أبي شريح العدوي) قال الحافظ ابن حجر اختلف في اسمه، والمشهور أنه خويلد بن عمرو أسلم قبل الفتح، وسكن المدينة، ومات بها، سنة ثمان وستين.
стр. 2896
(قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة) قال الحافظ: عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، لطيم الشيطان، ليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان، وعرف بالأشدق لأنه صعد المنبر، فبالغ في شتم علي ﵁، وتشدق في الكلام، ولاه يزيد بن معاوية المدينة، وكان قدومه والياً على المدينة سنة ستين، وهي السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة، فامتنع ابن الزبير من بيعته، وأقام بمكة، فجهز إليه عمرو بن سعيد بأمر من يزيد جيشاً لقتاله، وأمر على الجيش عمرو بن الزبير، وكان معادياً لأخيه عبد الله، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد، فنهاه، فامتنع، فجاء أبو شريح، فذكر ما في الحديث. فلما نزل الجيش ذا طوى قريباً من مكة خرج إليهم جماعة من أهل مكة، فهزموهم، وأسروا عمرو بن الزبير، فسجنه أخوه بسجن عارم، وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة، ممن اتهمهم وهو قائد الشرطة بالمدينة بالميل إلى أخيه، فأقادهم عبد الله منه، فمات من ذلك الضرب.
فالمراد من البعوث الجيش المجهز للقتال.
(ائذن لي أيها الأمير) روي "إيذن لي" وأصله إئذن لي بهمزتين، فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وأيها الأمير منادى، بحذف حرف النداء.
(أحدثك) بسكون الثاء، مجزوم في جواب الأمر.
(سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به) أي حملته عنه بغير واسطة، وبكل انتباه حين تكلم به، فذكر الأذنين لتأكيد السمع، وذكر العينين لزيادة تأكيد الإبصار، ويشير إلى بيان حفظه، وتحقق فهمه وتثبته بقوله ووعاه قلبي وزيادة في تحقيق ذلك أشار إلى أن سماعه منه لم يكن معتمداً على السمع فقط بل كان مع الشاهدة والتمكن والتحقق.
(إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس) أي إن الله حرم مكة ابتداء، من غير سبب ينسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل، ثم أكد هذا المعنى بقوله ولم يحرمها الناس فتحريمها ثابت بالشرع، لا مدخل للعقل فيه، وليس من محرمات الناس في الجاهلية، كبعض الأمور التي حرموها من عند أنفسهم، فيجب امتثال ذلك.
(فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر) قال ابن دقيق العيد هذا من خطاب التهييج، نحو قوله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣]. فالمعنى أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه.
(أن يسفك بها دماً) يسفك بكسر الفاء على المشهور، وحكى ضمها أي يسيله ويصبه، والمراد به القتل.
(فإن أحد ترخص) "أحد" فاعل بفعل محذوف، يفسره ما بعده، أي إن ترخص أحد، وترخص من الرخصة، وفي رواية لأحمد "فإن ترخص مترخص" أي متكلف للرخصة.
стр. 2897
(بقتال رسول الله ﷺ يعني لا يقول متحايل إن رسول الله ﷺ قتل بمكة وأنا أقتل مثله، فإن قال ذلك قائل فقولوا له .... إلخ.
(إن الحرم لا يعيذ عاصياً) أي لا يجير، ولا يعصم عاصياً خارجاً على الخليفة.
(ولا فاراً بدم) بالفاء وتشديد الراء، أي هارباً بعد أن وجب عليه حد القتل.
(ولا فاراً بخربة) قال النووي بفتح الخاء وإسكان الراء هذا هو المشهور، ويقال بضم الخاء أيضاً، وأصلها سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة. وفي صحيح البخاري أنها البلية، وقال الخليل هي الفساد في الدين، من الخارب، وهو اللص المفسد في الأرض، وقيل هي العيب.
قال ابن بطال ليس كلام عمرو جواباً لأبي شريح، لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حداً في غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه في الحرم، فإن أبا شريح أنكر إرسال الجيوش إلى مكة، ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث، وبعد عمرو عن جوابه، وأجاب على غير سؤاله. فإن ابن الزبير لم يرتكب أمراً يجب عليه فيه شيء من ذلك.
(ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إما أن يفدى وإما أن يقتل) قال النووي: معناه أن ولي المقتول بالخيار، إن شاء قتل القاتل وإن شاء أخذ فداءه [أي ما يفتدى به القاتل] وهو الدية. اهـ فلفظ "يفدى" بضم أوله وسكون الفاء، أي يفدى القاتل، بأن يدفع فداء نفسه وهو الدية، وفي رواية "يفادى وإما أن يقتل"، بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، أي يقتل القاتل. كذا في الأصل، فالكلام في اللفظين عن القاتل، ولنا أن نجعل الكلام على ولي الدم الذي هو بخير النظرين، أي يختار أحد الأمرين. إما أن يفدي بكسر الدال القاتل فيأخذ الدية، وإما أن يقتل القاتل بفتح أوله وضم ثالثه، أي يقتص، وفي الرواية الرابعة "إما أن يعطى" يعني الدية "وإما أن يقاد أهل القتيل".
وهذا القول قيل بمناسبة ما جاء في صدر الرواية الرابعة.
(فقام أبو شاه) بهاء، تكون هاء في الوقف والوصل، ولا يقال بالتاء، ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يعرف بكنيته.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر نقاط هذه الأحاديث في ثلاث نقاط:
١ - القتال والقتل في مكة.
٢ - شجرها وصيدها ولقطتها.
٣ - ما يؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم.
стр. 2898
أما عن النقطة الأولى فيقول النووي: هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم القتال بمكة. قال الماوردي صاحب الحاوي من أصحابنا في كتاب الأحكام السلطانية: من خصائص الحرم ألا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلا بالقتال فقد قال بعض الفقهاء يحرم قتالهم، ويضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل، وقال جمهور الفقهاء يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى، التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها أولى في الحرم من إضاعتها. قال النووي هذا كلام الماوردي، وهذا الذي نقله عن جمهور الفقهاء هو الصواب، وقد نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث من كتب الإمام، ونص عليه الشافعي أيضاً في آخر كتابه المسمى بسير الواقدي من كتب الأم. وقال القفال المروزي من أصحابنا، في كتابه شرح التلخيص في أول كتاب النكاح، في ذكر الخصائص لا يجوز القتال بمكة، حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم فيها. قال النووي وهذا الذي قاله القفال غلط، نبهت عليه حتى لا يغتر به، وأما الجواب عن الأحاديث المذكورة هنا فهو ما أجاب به الشافعي في كتابه سير الواقدي أن معناها تحريم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم، كالمنجنيق وغيره، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك، بخلاف ما إذا تحصن الكفار في بلد آخر، فإنه يجوز قتالهم على أي وجه، وبكل شيء. اهـ
أقول هذا هو المنقول عن الفقهاء، والأحاديث مع بعض الفقهاء، لا مع جمهورهم، لأن الذي أبيح للرسول ﷺ ساعة من نهار لا يباح لغيره من بعده، كما هو صريح الأحاديث التي لا تحتمل التأويل، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، وأراد أن يفعل كما فعل رسول الله ﷺ فيها فقولوا له إن الله قد أذن لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم. فماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ ليس إلا السيف والرمح والسهم فليمنع السيف، وإذا منع السيف منع القتال بما هو أشد منه من باب أولى يؤكد هذا المعنى قوله "فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً" وعموم قوله "وإنه لم يحل القتال فيه لأحد من قبلي وإنها لن تحل لأحد بعدي" وجواب الشافعي وغيره عن الأحاديث محل نظر. والله أعلم.
وسواء في ذلك من قال إن مكة فتحت عنوة وهو مذهب أبي حنيفة والأكثرين ومن قال إنها فتحت صلحا وهو مذهب الشافعي، لأن ما فعله ﷺ يوم الفتح من قتل وقتال لا يباح لغيره، وما كان مباحاً له، مأذوناً فيه، ولم يفعله، ولو احتاج إليه لفعله ﷺ على تأويل الشافعية هو أيضاً لا يباح لغيره، فالقتال في الحرم بأي صورة لا يباح، ووسيلة الحصار المحكم كافية في كل عصر ومع أية قوة لإرغام من تحصن به وإن طال الزمن. والله أعلم.
أما عن النقطة الثانية فيقول النووي اتفق العلماء على تحريم قطع أشجار الحرم التي لا يستنبتها الآدميون، واختلفوا في ضمان الشجر إذا قطعه، فقال مالك يأثم، ولا فدية عليه، وقال الشافعي وأبو حنيفة عليه الفدية، واختلفا فيها، فقال الشافعي في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، وكذا جاء عن ابن عباس وابن الزبير، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة الواجب في الجميع القيمة قال الشافعي وتضمن الخلا بالقيمة، ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلأ الحرم، وقال أبو حنيفة وأحمد ومحمد لا يجوز.
стр. 2899
قال وأما صيد الحرم فحرام بالإجماع على الحلال والمحرم، فإن قتله فعليه الجزاء عند العلماء كافة، إلا داود فقال يأثم ولا جزاء عليه. ولو دخل صيد من الحل إلى الحرم فله ذبحه وأكله وسائر أنواع التصرف فيه، هذا مذهبنا ومذهب مالك وداود، وقال أبو حنيفة وأحمد لا يجوز ذبحه ولا التصرف فيه، بل يلزمه إرساله قالا فإن أدخله مذبوحاً جاز أكله، وقاسوه على المحرم، واحتج أصحابنا والجمهور بحديث "يا أبا عمير ما فعل النغير"؟ وأبو عمير أخو أنس بن مالك لأمه، وكان نغر، بضم النون وفتح الغين، طائر صغير، كالعصفور، له منقار أحمر كان يلعب به، فمات، فدخل عليه النبي ﷺ ذات يوم، فرآه حزيناً، فقال ما شأنه؟ فقالوا مات نغره. فقال .... الحديث ولا دلالة فيه، فليس فيه أنه دخل من الحل والاحتمال القوي أن ذلك كان قبل تحريم تنفير الصيد فقد روى البخاري عن أنس ﵁ قال كان النبي ﷺ ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير يا أبا عمير وبالقياس على ما إذا دخل من الحل شجرة أو كلأ وهو قياس مع الفارق، كما هو ظاهر، ولأنه ليس بصيد حرم.
ثم قال وتنفير صيده أيضاً حرام، فإن نفره عصى، سواء تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل سكون نفاره ضمنه المنفر، وإلا فلا ضمان. قال العلماء ونبه ﷺ بالتنفير على الإتلاف ونحوه، لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى.
ثم قال ومعنى الحديث لا تحل لقطته أي لمن يريد أن يعرفها سنة، ثم يتملكها كما في باقي البلاد، بل لا تحل إلا لمن يعرفها أبداً، ولا يتملكها، وبهذا قال الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد وغيرهم، وقال مالك يجوز تملكها بعد تعريفها سنة، كما في سائر البلاد، وبه قال أصحاب الشافعي، ويتأولون الحديث تأويلات ضعيفة.
-[أما عن النقطة الثالثة فيؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - استدل بعضهم بقوله "لا يعضد شوكه" في الرواية الأولى من يقول بتحريم جميع نباتات الحرم، من الشجر والكلأ سواء الشوك المؤذي وغيره. قال النووي وهو الذي اختاره المتولي من أصحابنا، وقال جمهور أصحابنا لا يحرم الشوك، لأنه مؤذ، فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس، والصحيح ما اختاره المتولي.
٢ - قد يستدل من يقول بأن النبي ﷺ كان يجتهد في الأحكام بقوله ﷺ إلا الإذخر ورد بأن هذا محمول على أنه ﷺ أوحي إليه في الحال باستثناء الإذخر، وتخصيصه من العموم، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم كما يقول الحافظ ابن حجر، ويحتمل أن إجابته ﷺ هذه كانت بطريق الإلهام، ويحتمل أنه أوحي إليه قبل الخطبة أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله، ويحتمل أن الله كان قد فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقاً. وحكى ابن بطال عن المهلب أن الاستثناء هنا للضرورة، كتحليل أكل الميتة للضرورة، ورد عليه بأن الذي يباح للضرورة يمتنع استعماله إلا عند تحقق ضرورته، وليس الإذخر كذلك.
стр. 2900
٣ - قوله "فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً" في الرواية الثانية قد يحتج به من يقول إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام. قال النووي والصحيح عندنا وعند آخرين أنهم مخاطبون بها، كما هم مخاطبون بأصولها، وهذا التعبير للتهييج كما ذكرنا لأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام وينزجر عن محرمات الشرع، ويستثمر أحكامه، فجعل الكلام فيه، وليس فيه أن غير المؤمن ليس مخاطباً بالفروع.
٤ - وفي ضراعة العباس وإجابته ﵁ عظيم منزلته عند رسول الله ﷺ .
٥ - وعنايته ﵁ بأمر أهل مكة، لكونه كان منها، أصله ومنشؤه.
٦ - وجواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد.
٧ - وفي الحديث رفع وجوب الهجرة عن مكة إلى المدينة.
٨ - ومن الرواية الثانية، من قوله "ائذن لي أيها الأمير" يستفاد حسن التلطف في مخاطبة السلطان، ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه، ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه.
٩ - ومن خطبته ﷺ استحباب حمد الله والثناء عليه في أول الخطبة، وبين يدي تعليم العلم، وتبيين الأحكام.
١٠ - والخطبة في الأمور المهمة.
١١ - ومن قول شريح سمعته أذناي .... إلخ جواز إخبار الرجل عن نفسه، بما يقتضي الثقة به.
١٢ - وإنكار العالم على الحاكم ما يراه تغيراً في أمر الدين.
١٣ - والاقتصار في الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد.
١٤ - وجواز المجادلة في الأمور الدينية.
١٥ - قال الحافظ ابن حجر وقد وهم من عد كلام عمرو بن سعيد حديثاً واحتج بما تضمنه كلامه.
١٦ - وجواز النسخ، لقوله وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس.
١٧ - وأن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة على مجتهد.
١٨ - وفيه الخروج من عهدة التبليغ، والصبر على المكاره، لمن لا يستطيع بداً من ذلك.
١٩ - ومن قوله "وليبلغ الشاهد الغائب" الحث على تبليغ العلم.
٢٠ - وقبول خبر الواحد، لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة لزمه الإبلاغ، وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا والإبلاغ يلزم الغائب فرض العمل بما بلغه، كالذي لزم السامع سواء، وإلا لم يكن للتبليغ فائدة.
стр. 2901
٢١ - وفي حل مكة للرسول ﷺ إثبات خصائصه، واستواء المسلمين معه في الحكم عند عدم الخصوصية.
٢٢ - وفي الحديث فضيلة أبي شريح لاتباعه أمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه، ومواجهة الحاكم والجرأة في الحق.
٢٣ - ومن الكتابة لأبي شاه جواز كتابة الحديث وتقييد العلم، وأن الحديث كان يكتب في عهد النبي ﷺ .
٢٤ - ومن الرواية الخامسة منع حمل السلاح بمكة.
٢٥ - وفي الأحاديث فضيلة لمكة المكرمة. حرسها الله تعالى.
٢٦ - قال النووي عن القصاص والدية فيه حجة صريحة للشافعي وموافقيه أن الولي بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وإن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء ولي القتيل وقال مالك ليس للولي إلا القتل أو العفو، وليس له الدية إلا برضى الجاني وهذا خلاف نص الحديث.
والله أعلم
стр. 2902
(٣٥٧) باب جواز دخول مكة بغير إحرام
٢٩٢٤ - عن يحيى قال: قلت لمالك: أحدثك ابن شهاب عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر. فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال "اقتلوه"؟ فقال مالك: نعم.
٢٩٢٥ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل مكة (وقال قتيبة: دخل يوم فتح مكة) وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
٢٩٢٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء.
٢٩٢٧ - عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء.
٢٩٢٨ - عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه ﵁ قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ ، على المنبر وعليه عمامة سوداء. قد أرخى طرفيها بين كتفيه. ولم يقل -في رواية-: على المنبر.
-[المعنى العام]-
مكة بلد من بلاد الله، يعيش الناس فيها كما يعيشون في البلاد الأخرى، ويدخلها غير أهلها لمصالحهم المختلفة غير الحج والعمرة كما يدخلون البلاد الأخرى، ويخرج أهلها منها إلى غيرها، ويعودون إليها، كما يفعل أهل البلاد الأخرى، فهل حرمتها وقدسيتها وأماكن الشعائر بها تحتم على الداخل إليها أياً كان غرضه من دخولها أن يدخلها محرماً بحج أو عمرة؟ .
стр. 2903
وهل حرمتها وقدسية كعبتها تعيذ العاصي الذي يلتجئ إليها؟ .
هذا أهم ما تتعرض له هذه الأحاديث، ولئن اختلف الفقهاء في تلك المسائل فإن ظاهر هذه الأحاديث أن النبي ﷺ دخلها يوم الفتح غير محرم، صرح بذلك جابر بن عبد الله ﵁ وكذلك دخل المسلمون الفاتحون مع رسول الله ﷺ بغير إحرام، فهل كان هذا قراراً شرعياً، وحكماً ثابتاً ليوم القيامة؟ أو كان ضرورة من ضرورات الشرع أباحت المحظور، فأحلت القدسية ذاك اليوم، ثم عادت حرمتها وقدسيتها، ووجوب الإحرام لداخلها؟ خلاف، وفي خلافهم هذا رحمة إن شاء الله".
-[المباحث العربية]-
(وعلى رأسه مغفر) المغفر بكسر الميم وسكون الغين وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقيل هو رفرف البيضة وقيل هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة وفي رواية للحاكم "عليه مغفر من حديد".
(فلما نزعه جاءه رجل) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه، وقد جزم الفاكهي في شرح العمدة أنه أبو برزة الأسلمي، وكأنه لما رجح عنده أنه الذي تولى قتل ابن خطل رأى أنه هو الذي جاء يخبر به. ويؤيده ما جاء في بعض الروايات بلفظ "اقتله" وفي الرواية الثانية والثالثة "دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء" وقد زعم الحاكم في الإكليل أن بين الروايتين معارضة، وتعقب باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم نزعه ولبس العمامة بعد ذلك فحكى كل من أنس وجابر ما رآه، ويؤيده ما جاء في الرواية الرابعة والخامسة "أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء"، وكانت الخطبة عند باب الكعبة بعد تمام الدخول. وجمع بعضهم باحتمال أن يكون قد لف العمامة السوداء فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، فعبر كل منهما بما يوحي بقصده، أنس قصد بذكر المغفر أنه دخل متهيئاً للحرب، وجابر قصد بذكر العمامة أنه دخل غير محرم.
(ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؟ فقال اقتلوه) ابن خطل بفتح الخاء وفتح الطاء، واسمه عبد العزى وقيل اسمه عبد الله وجمع بين القولين بأنه كان يسمى عبد العزى فلما أسلم سمي عبد الله واسم خطل عبد مناف، من بني تيم ابن فهر بن غالب، ولم يؤمنه ﷺ كما أمن أهل مكة لأنه كان مسلماً، فبعثه رسول الله ﷺ مصدقاً وبعث معه رجلاً من الأنصار، ورجلاً من مزينة، وقال أطيعا الأنصاري حتى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاري، وهرب المزني، ثم ارتد مشركاً، واتخذ جاريتين قينتين، تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ والمسلمين فأهدر النبي ﷺ دمه يوم الفتح مع آخرين، وقال "اقتلوه، وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة".
وقد روى الحاكم أن ابن خطل أخذ من تحت أستار الكعبة، فقتل بين المقام وزمزم واختلف
стр. 2904
فيمن قتله، ويجمع بين الروايات بأنهم ابتدروه ليقتلوه، فكان المباشر لقتله أبو برزة الأسلمي، ويحتمل أن الآخرين شاركوه.
(فقال مالك: نعم) أي نعم حدثني. قال النووي جاء في الصحيحين في مواضع كثيرة مثل هذه العبارة، ولا يقول في آخره قال نعم. واختلف العلماء في اشتراط قوله نعم. فقال بعض الشافعية وبعض أهل الظاهر لا يصح السماع إلا بها، وقال جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول يستحب قوله نعم. ولا يشترط نطقه بشيء، بل يصح السماع مع سكوته والحالة هذه، اكتفاء بظاهر الحال، فإنه لا يجوز لمكلف أن يقر على الخطأ في مثل هذه الحالة. قال القاضي هذا مذهب العلماء كافة، ومن قال من السلف نعم. إنما قاله توكيداً واحتياطاً، لا اشتراطاً.
(كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وغيرها طرفيها بالتثنية، وكذا هو في الجمع بين الصحيحين للحميدي، وذكر القاضي عياض أن الصواب المعروف طرفها بالإفراد، وأن بعضهم رواه طرفيها بالتثنية.
-[فقه الحديث]-
قال النووي في الحديث دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد نسكاً، سواء كان دخوله لحاجة تكرر، كالحطاب والحشاش والسقاء والصياد وغيرهم، أم لا تتكرر كالتاجر والزائر وغيرهما وسواء كان آمناً أو خائفاً، وهذا أصح القولين للشافعي وبه يفتي أصحابه، والقول الثاني لا يجوز دخولها بغير إحرام، إن كانت حاجة لا تتكرر، إلا أن يكون مقاتلاً، أو خائفاً من قتال، أو خائفاً من ظالم لو ظهر، ونقل القاضي نحو هذا عن أكثر العلماء.
وقال الحافظ ابن حجر اختلف العلماء في هذا، فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقاً، وفي قول يجب مطلقاً، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب، وأولى بعدم الوجوب، والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب، وفي رواية عن كل منهم لا يجب وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات. اهـ وقد سبقت المسألة مفصلة في باب مواقيت الحج، فيما يؤخذ من الحديث، المأخذ الرابع.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
١ - قال النووي: في هذا الحديث حجة لمالك والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة، وقال أبو حنيفة لا يجوز وتأولوا هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له.
٢ - قال الحافظ ابن حجر واستدل بالحديث على أن مكة فتحت عنوة، قال وأجاب النووي بأنه ﷺ كان صالحهم لكن لما لم يأمن غدرهم دخل متأهباً، قال الحافظ وهذا جواب قوي
стр. 2905
إلا أن الشك في ثبوت كونه صالحهم، فإنه لا يعرف في شيء من الأخبار صريحاً. اهـ أقول ويكفي أن يوجه هذا الاحتمال للدليل، فيبطل به الاستدلال على أن مكة فتحت عنوة. والله أعلم.
٣ - قال السهيلي في الحديث أن مكة لا تعيذ عاصياً.
٤ - واستدل بالحديث على جواز قتل الذي سب رسول الله ﷺ . قال الحافظ وفيه نظر، لأن ابن خطل كان حربياً، ولم يدخله رسول الله ﷺ في أمانة لأهل مكة، فلا دلالة فيه لما ذكر.
٥ - واستدل به على جواز قتل الأسير صبراً، لأن القدرة على ابن خطل صيرته كالأسير في يد الإمام، وهو غير مخير فيه بين القتل وغيره لكن قال الخطابي إنه ﷺ قتله بما جناه في الإسلام، وقال ابن عبد البر قتله قوداً من دم المسلم الذي غدر به وقتله. ثم ارتد.
٦ - واستدل به على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإسلام ترجم بذلك أبو داود.
٧ - وفيه مشروعية لبس المغفر وغيره من آلات السلاح حال الخوف من العدو، وأنه لا ينافي التوكل.
٨ - وفيه جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة، ولا النميمة.
٩ - وفيه جواز لباس الثياب السود، وجواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث "خير ثيابكم البياض" وإنما لبس ﷺ العمامة السوداء في هذا الحديث بياناً للجواز.
والله أعلم
стр. 2906
(٣٥٨) باب فضل المدينة، وتحريم صيدها، وشجرها، والترغيب في سكناها، والصبر على لأوائها، وأنها تنفي خبثها، ومن أرادها بسوء أذابه الله
٢٩٢٩ - عن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها. وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة. وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة".
٢٩٣٠ - وفي رواية "مثل ما دعا به إبراهيم". وفي رواية "بمثلى ما دعا به إبراهيم".
٢٩٣١ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن إبراهيم حرم مكة. وإني أحرم ما بين لابتيها" [يريد المدينة].
٢٩٣٢ - عن نافع بن جبير: أن مروان بن الحكم خطب الناس. فذكر مكة وأهلها وحرمتها. ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها. فناداه رافع بن خديج. فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها. وقد حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها. وذلك عندنا في أديم خولاني. إن شئت أقرأتكه. قال: فسكت مروان ثم قال: قد سمعت بعض ذلك.
٢٩٣٣ - عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ "إن إبراهيم حرم مكة. وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها. لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها.
стр. 2907
٢٩٣٤ - عن عامر بن سعد عن أبيه ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ "إني أحرم ما بين لابتي المدينة. أن يقطع عضاهها. أو يقتل صيدها". وقال: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه. ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعاً، أو شهيداً، يوم القيامة".
٢٩٣٥ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال. ثم ذكر مثل الحديث السابق. وزاد في الحديث "ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء".
٢٩٣٦ - عن عامر بن سعد أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق. فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه. فسلبه. فلما رجع سعد، جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم، ما أخذ من غلامهم. فقال: معاذ الله! أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم.
٢٩٣٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة "التمس لي غلاماً من غلمانكم يخدمني". فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه. فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقبل، حتى إذا بدا له أحد قال "هذا جبل يحبنا ونحبه" فلما أشرف على المدينة قال "اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم به إبراهيم مكة. اللهم! بارك لهم في مدهم وصاعهم".
٢٩٣٨ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ غير أنه قال "إني أحرم ما بين لابتيها".
٢٩٣٩ - عن عاصم. قال: قلت لأنس بن مالك: أحرم رسول الله ﷺ المدينة؟
стр. 2908
قال: نعم. ما بين كذا إلى كذا. فمن أحدث فيها حدثاً. قال ثم قال لي: هذه "شديدة من أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً" قال: فقال ابن أنس: أو آوى محدثاً.
٢٩٤٠ - عن عاصم الأحول. قال: سألت أنساً: أحرم رسول الله ﷺ المدينة؟ قال: نعم. هي حرام. لا يختلى خلاها: فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
٢٩٤١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "اللهم! بارك لهم في مكيالهم. وبارك لهم في صاعهم. وبارك لهم في مدهم".
٢٩٤٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اللهم! اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة".
٢٩٤٣ - عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئاً نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه) فقد كذب فيها أسنان الإبل. وأشياء من الجراحات. وفيها قال النبي ﷺ "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور. فمن أحدث فيها حدثاً. أو آوى محدثاً. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه يوم القيامة. صرفاً ولا عدلاً. وذمة المسلمين واحدة. يسعى بها أدناهم. ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً".
٢٩٤٤ - وانتهى حديث أبي بكر وزهير عند قوله "يسعى بها أدناهم" ولم يذكر ما بعده. وليس فيه: "معلقة في قراب سيفه".
٢٩٤٥ - عن الأعمش وبهذا الإسناد، نحو حديث أبي كريب عن أبي معاوية إلى
стр. 2909
آخره. وزاد في الحديث "فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل" وليس فيه "من ادعى إلى غير أبيه" وليس فيه، ذكر يوم القيامة.
٢٩٤٦ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه. إلا قوله "من تولى غير مواليه" وذكر اللعنة له.
٢٩٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . قال "المدينة حرم. فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف".
٢٩٤٨ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد مثله: ولم يقل "يوم القيامة" وزاد "وذمة المسلمين واحدة. يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف".
٢٩٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها. قال رسول الله ﷺ "ما بين لابتيها حرام".
٢٩٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها. وجعل اثني عشر ميلاً، حول المدينة، حمى.
٢٩٥١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي ﷺ . فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم! بارك لنا في ثمرنا. وبارك لنا في مدينتنا. وبارك لنا في صاعنا. وبارك لنا في مدنا! اللهم! إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك. وإني
стр. 2910
عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة. وإني أدعوك للمدينة. بمثل ما دعاك لمكة. ومثله معه". قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر.
٢٩٥٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بأول الثمر فيقول "اللهم! بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدنا وفي صاعنا. بركة مع بركة". ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان.
٢٩٥٣ - عن أبي سعيد مولى المهري أنه أصابهم بالمدينة جهد وشدة. وأنه أتى أبا سعيد الخدري. فقال له: إني كثير العيال. وقد أصابتنا شدة. فأردت أن أنقل عيالي إلى بعض الريف. فقال أبو سعيد: لا تفعل. الزم المدينة. فإنا خرجنا مع نبي الله ﷺ (أظن أنه قال) حتى قدمنا عسفان. فأقام بها ليالي. فقال الناس: والله! ما نحن ها هنا في شيء. وإن عيالنا لخلوف. ما نأمن عليهم. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال "ما هذا الذي بلغني من حديثكم؟ (ما أدري كيف قال) والذي أحلف به، أو والذي نفسي بيده! لقد هممت أو إن شئتم (لا أدري أيتهما قال) لآمرن بناقتي ترحل. ثم لا أحل لها عقدة حتى أقدم المدينة" وقال "اللهم! إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرماً. وإني حرمت المدينة حراماً ما بين مأزميها. أن لا يهراق فيها دم. ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط [تخبط] فيها شجرة إلا لعلف. اللهم! بارك لنا في مدينتنا. اللهم! بارك لنا في صاعنا. اللهم! بارك لنا في مدنا. اللهم! بارك لنا في صاعنا. اللهم! بارك لنا في مدنا. اللهم! بارك لنا في مدينتنا. اللهم! اجعل مع البركة بركتين والذي نفسي بيده! ما من المدينة شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها". (ثم قال للناس) "ارتحلوا" فارتحلنا. فأقبلنا إلى المدينة. فوالذي نحلف به أو يحلف به (الشك من حماد) ما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة حتى أغار علينا بنو عبد الله بن غطفان. وما يهيجهم قبل ذلك شيء.
٢٩٥٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "اللهم! بارك لنا في صاعنا ومدنا. واجعل مع البركة بركتين".
следующие страницы →