Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
-[فقه الحديث]-
أحاديث عبد الله بن عمر ﵄ في رواياته السبع الأولى تثبت أن النبي ﷺ صلى في جوف الكعبة، لكن الرواية الثامنة والتاسعة تنفيان أن النبي ﷺ صلى في داخل الكعبة، والعلماء على الأخذ بحديث عبد الله بن عمر، لأن الرواية التاسعة عن ابن عباس، ولم يكن معهم، ولم يسأل من كان معهم.
أما نفي أسامة فقد أجاب عنه العلماء بأنه يحتمل أن يكون أسامة قد غاب عن النبي ﷺ لحاجة بعد دخوله، فلم يشهد صلاته، ويدل عليه ما رواه ابن المنذر من حديث أسامة "أن النبي ﷺ رأى صوراً في الكعبة، قال: فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور" فقد أخبر أسامة أنه كان يخرج لنقل الماء، وكان ذلك كله يوم الفتح.
وقال ابن حبان: الأشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين متغايرين، أحدهما يوم الفتح، وصلى فيه والآخر في حجة الوداع ولم يصل فيه، وليس بين الخبرين تضاد.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا جمع حسن، لكن تعقبه النووي بأنه لا خلاف أنه ﷺ دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما رواه الأزرقي في (كتاب مكة) عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم "أنه ﷺ إنما دخل الكعبة مرة واحدة، عام الفتح، ثم حج فلم يدخلها" قال الحافظ: وإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، وقد وقع عند الدارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. وحمل بعضهم الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضاً ونفلاً، ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة عن ابن عباس حين قيل له: كيف أصلي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبح وتكبر ولا تركع ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبح وكبر وتضرع واستغفر، ولا تركع ولا تسجد. قال الحافظ: وسنده صحيح. وقال القرطبي: يمكن حمل الإثبات على التطوع والنفي على الفرض. قال الحافظ: وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك. وقال النووي وغيره: يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبي ﷺ في ناحية، ثم صلى النبي ﷺ فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده عنه واشتغاله، ثم إنه بإغلاق الباب تكون الظلمة، مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة، فنفاها عملاً بظنه.
بقي الجمع بين نفي أسامة في روايتنا الثامنة وبين ما جاء من إثباته صلاة النبي ﷺ داخل الكعبة، فقد وقع عند أبي عوانة عن ابن عمر أنه سأل بلالاً وأسامة بن زيد حين خرجا: أين صلى النبي ﷺ ؟ فقالا على وجهته، وكذا أخرج البزار نحوه، وفي رواية لأحمد والطبراني عن ابن عمر قال: أخبرني أسامة أنه صلى فيه ههنا".
стр. 2837
قال العيني: وجه الجمع بينهما أن أسامة حين أثبتها اعتمد في ذلك على غيره وحيث نفاها أراد ما في علمه، لكونه لم ير النبي ﷺ .
ثم قال: ومما يرجح به إثبات صلاته ﷺ في البيت على من نفاها كثرة الرواة لها، فالذين أثبتوها بلال وعمر بن الخطاب وعثمان بن طلحة وشيبة بن عثمان والذين نفوها أسامة والفضل بن عباس وعبد الله بن العباس. أما الفضل فليس في الصحيح أنه دخل معهم، وأما ابن عباس فإنه أخبر عن أخيه الفضل، ولم يدخل مع النبي ﷺ البيت ومن الأجوبة أن القاعدة تقديم المثبت على النافي. اهـ
قال الحافظ ونرجح رواية بلال من جهة أنه لم يختلف عليه في الإثبات، واختلف على من نفى.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - من الروايات السبع الأولى استحباب الصلاة في الكعبة. قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر في النفل، ويلتحق به الفرض، إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم. وهو قول الجمهور، وعن ابن عباس: لا تصح الصلاة داخلها مطلقاً، وعلله بأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها، فيحمل على استقبال جميعها. وبه قال بعض المالكية والظاهرية والطبري.
وقال المازري: المشهور في المذاهب منع صلاة الفرض داخلها ووجوب الإعادة وأطلق الترمذي عن مالك جواز النوافل، وقيده بعض أصحابه بغير الرواتب وما تشرع فيه الجماعة، ويلحق بهذه المسألة الصلاة في الحجر.
وقال النووي: اختلف العلماء في الصلاة في الكعبة إذا صلى متوجهاً إلى جدار منها، أو إلى الباب وهو مردود، فقال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد والجمهور: تصح فيها صلاة النفل وصلاة الفرض ثم أشار إلى المذاهب الأخرى بنحو السابق.
٢ - ورواية الصاحب عن الصاحب.
٣ - وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به.
٤ - والحجة بخبر الواحد.
٥ - واختصاص السابق بالبقعة الفاضلة.
٦ - والسؤال عن العلم والحرص عليه.
٧ - وفضيلة ابن عمر لشدة حرصه على تتبع آثار النبي ﷺ ليعمل بها.
٨ - وفيها أن الفاضل من الصحابة كان يغيب عن النبي ﷺ في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع عليه، لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من بلال ومن ذكر معه لم يشاركوهم في ذلك.
стр. 2838
٩ - واستدل بها البخاري على أن الصلاة إلى المقام غير واجبة.
١٠ - وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير الجماعة.
١١ - وعلى مشروعية الأبواب والغلق للمساجد.
١٢ - وأن السترة إنما تشرع حيث يخشى المرور، فإنه ﷺ صلى بين العمودين، ولم يصل إلى أحدهما، قال الحافظ: والذي يظهر أنه ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار.
١٣ - ويستفاد منها أن قول العلماء: تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة، لكونه ﷺ جاء فأناخ عند البيت، فدخله، فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل، أو هو تحية المسجد العام.
١٤ - واستحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً "من دخل البيت دخل في حسنة وخرج مغفوراً له" قال الحافظ: ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحداً بدخوله.
وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج، ورده بأن النبي ﷺ إنما دخله عام الفتح، ولم يكن حينئذ محرماً.
١٥ - ومن الرواية الثامنة استحباب الدعاء في جميع نواحي الكعبة لمن دخلها.
١٦ - ومن الرواية العاشرة أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة في عمرة القضاء. قال الحافظ: قال العلماء سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصور، ثم دخلها.
والله أعلم
стр. 2839
(٣٤٤) باب نقض الكعبة وبنائها
٢٨٦٥ - عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ "لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم. فإن قريشاً، حين بنت البيت، استقصرت. ولجعلت لها خلفاً".
٢٨٦٦ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ؛ أن رسول الله ﷺ قال "ألم تري أن قومك، حين بنوا الكعبة، اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله! أفلا تردها على قواعد إبراهيم! فقال رسول الله ﷺ "لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت". فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ . ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم.
٢٨٦٧ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ؛ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال بكفر) لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر".
٢٨٦٨ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "يا عائشة! لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة. فألزقتها بالأرض. وجعلت لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً. وزدت فيها ستة أذرع من الحجر. فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة".
٢٨٦٩ - عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير. حتى قدم الناس الموسم. يريد أن يجرئهم
стр. 2840
(أو يحربهم) على أهل الشام. فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس! أشيروا علي في الكعبة. أنقضها ثم أبني بناءها. أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها. أرى أن تصلح ما وهي منها. وتدع بيتاً أسلم الناس عليه. وأحجاراً أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي ﷺ . فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يجده. فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثاً. ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها. فتحاماه الناس أن ينزل، بأول الناس يصعد فيه، أمر من السماء. حتى صعده رجل فألقى منه حجارة. فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا. فنقضوه حتى بلغوا به الأرض. فجعل ابن الزبير أعمدة. فستر عليها الستور. حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي ﷺ قال "لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقوي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع، ولجعلت لها باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه". قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق. ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر. حتى أبدى أساً نظر الناس إليه. فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعاً. فلما زاد فيه استقصره. فزاد في طوله عشر أذرع. وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك. ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء. أما ما زاد في طوله فأقره. وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه. وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه.
٢٨٧٠ - عن عبد الله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. قال عبد الله بن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته. فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب (يعني ابن الزبير) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: بلى! أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ "إن قومك استقصروا من بنيان البيت. ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه. فإن بدا لقومك، من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه". فأراها قريباً من سبعة أذرع. وزاد في رواية قال النبي ﷺ "ولجعلت لها بابين
стр. 2841
موضوعين في الأرض شرقياً وغربياً. وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ " قالت: قلت: لا. قال "تعززاً أن لا يدخلها إلا من أرادوا. فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي. حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط". قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت ساعة بعصاه ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل.
٢٨٧١ - عن أبي قزعة؛ أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير! حيث يكذب على أم المؤمنين. يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ "يا عائشة! لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر. فإن قومك قصروا في البناء" فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا. يا أمير المؤمنين! فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على ما بنى ابن الزبير.
٢٨٧٢ - عن عائشة ﵂. قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجدر؟ أمن البيت هو؟ قال "نعم" قلت: فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال "إن قومك قصرت بهم النفقة" قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: "فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا. ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت. وأن ألزق بابه بالأرض".
٢٨٧٣ - عن عائشة ﵂، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر. وساق الحديث بمعنى السابق. وقال فيه: فقلت: فما شأن بابه مرتفعاً لا يصعد إليه إلا بسلم؟ وقال "مخافة أن تنفر قلوبهم".
-[المعنى العام]-
جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، وكان البيت قد أزيل قبل إبراهيم ﵇،
стр. 2842
واندرست آثاره، فبوأ الله لإبراهيم مكان البيت، فبناه على الأسس التي بوأها الله له، ولم يكن لها سقف، ولما احترقت بسبب أن قرشية كانت تبخرها، فاتصلت النار بأستارها فأحرقتها، وأصبحت حجارتها هشة ضعيفة وتساقطت قامت قريش ببنائها، واشترك محمد بن عبد الله ﷺ في بنائها هذا وهو ابن خمس وثلاثين وقيل خمس وعشرين، وكان صاحب الفضل في حسم النزاع فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه من بنائها.
بنت قريش الكعبة على قواعد إبراهيم من ثلاث جهات، أما الجهة الرابعة فقد نقصتها نحو ستة أذرع، اختصاراً للنفقة، وأحاطت الجزء المتروك منها بحائط قصير نصف دائري، عرف بحجر إسماعيل ﵇. ورفعت حوائطها في السماء ثماني عشرة ذراعاً وأقامت في داخلها ستة أعمدة في صفين، حملت سقفها مع حوائطها وقامت بكسوة هذا البناء تقديساً له، ونصبت بداخله أصناماً، وصورت عليه من الداخل صوراً، ولم يجعل لهذا البناء سوى باب واحد، رفعت قاعدته عن الأرض، لا يصعد إليه إلا بسلم، وكان لها في بناء إبراهيم ﵇ بابان، باب شرقي وباب غربي، ملتصقين بالأرض، ولما فتح رسول الله ﷺ مكة دخل الكعبة بعد أن أمر بتحطيم الأصنام من داخلها ومن حولها، وطمس ومحا الصور التي على حوائطها وأعمدتها، ثم أغلقها وأعاد مفتاحها إلى سدنتها. وكان ﷺ ، يتمنى أن لو هدم الكعبة وأعاد بناءها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها الأذرع الخمس أو الست التي اختصرتها قريش، وأعاد إليها الباب الآخر الذي لم تفتحه قريش وألزق البابين بالأرض، لكنه خشي على ضعاف الإيمان أن يفتنوا وهم قريبو عهد بكفر يقدسون الكعبة، ولا يرضون أحداً أن يمسها بسوء، فقال لعائشة: إن قومك قصرت بهم النفقة، فنقصوا من بناء الكعبة خمسة أو ستة أذرع في حجر إسماعيل فهلمي لأريك مكان الأساس الأصلي الذي تركوه، وأراها، ثم قال لها: لولا أني لا أملك ما يكفي لبنائها من جديد، ولولا خوفي من فتنة من هم قريبو عهد بكفر لهدمتها وبنيتها على قواعد إبراهيم، فإن عشت وأراد قومك أن يبنوها من جديد فها هي قواعد إبراهيم وبلغت عائشة هذه الوصية، وسمعها ابن أختها عبد الله بن الزبير، فلما بويع خليفة من أهل الحجاز، وفاض المال في يده قام بتنفيذ هذه الوصية بعد سنة خمس وستين من الهجرة، وكانت عائشة ﵂ قد ماتت منذ زمن.
هدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها من الحجر ستة أذرع، وجعل لها بابين ملتصقين بالأرض، فأحس بالرغبة في رفع بنائها عما كانت عليه، فزاد ارتفاعها عشرة أذرع، فلما قتل ابن الزبير على يد الحجاج وعصابته كتب إلى عبد الملك بن مروان بأن الكعبة أصيبت بالمنجنيق وتحتاج إعادة البناء، فأمره عبد الملك أن يهدمها وأن يعيد بناءها على ما كانت عليه قبل بناء ابن الزبير، على أن يجعل ارتفاعها في السماء مثل ما كان في بناء ابن الزبير، فبناها كذلك، ومازالت على هذا البناء حتى اليوم وصانها الله وجعلنا من مستقبليها ومقدسيها وزائريها، وزادها تكريماً وتشريفاً وتعظيماً ومهابة وبراً، وزاد من زارها بحج أو عمرة تكريماً وتشريفاً وتعظيماً ومهابة وبراً. إنه سميع مجيب.
стр. 2843
-[المباحث العربية]-
(نقض الكعبة) قال أهل اللغة نقض الشيء نقضاً أفسده بعد إحكامه، ونقض البناء هدمه.
(لولا حداثة عهد قومك بالكفر) حداثة بفتح الحاء، أي قرب عهدهم بالكفر وفي الرواية الثانية والسابعة "لولا حدثان قومك بالكفر" "حدثان" بكسر الحاء وإسكان الدال، أي قرب عهدهم بالكفر، وفي الرواية الثالثة "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية" وفي الرواية الرابعة "لولا أن قومك حديثو عهد بشرك" وفي الرواية الخامسة "لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر" وفي الرواية السادسة "لولا حداثة عهدهم بالشرك" وفي الرواية الثامنة "لولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية" قال النووي هكذا هو في جميع النسخ "في الجاهلية" وهو بمعنى بالجاهلية كما في سائر الروايات. اهـ والمعنى لولا خوف فتنة بعض من أسلم قريباً لهدمت الكعبة، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة وقدسيتها، فيرون هدمها وتغييرها حدثاً عظيماً، والإقدام على ذلك خطيراً، ففي الرواية الثامنة "فأخاف أن تنكر قلوبهم".
(لنقضت الكعبة) أي لهدمتها، وفي الرواية الرابعة "لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض" أي سويت جدرانها بالأرض، أي هدماً كاملاً، وفي الرواية السابعة "لنقضت البيت" أي الكعبة.
(ولجعلتها على أساس إبراهيم) ﵇، أي على قواعد إبراهيم كما جاء في الرواية الثانية، أي ولبنيت جدرانها على أساس جدران إبراهيم.
(فإن قريشاً حين بنت البيت استقصرت) أي قصرت وكفت عن إتمامه وعجزت عن بنائه بحجمه، أو استقصرت الكعبة، فأخذت من طولها، ولم تمد ضلعها كما كان يجب، وفي الرواية الثانية "اقتصروا عن قواعد إبراهيم" أي نقصوا عنها ولم يبلغوها وفي الرواية الرابعة "فإن قريشاً اقتصرتها" أي اقتصرت الأذرع الست، أي تركتها ونقصتها وفي الرواية السادسة "إن قومك استقصروا من بنيان البيت" أي نقصوه وفي الرواية السابعة "فإن قومك قصروا في البناء" أي حذفوا منه ولم يكملوه، وفي الرواية الثامنة "إن قومك قصرت بهم النفقة" بتشديد الصاء المفتوحة، أي ضعفت بهم النفقة فجعلتهم يقتصرون في بنائها، وكان بناء قريش للبيت في الجاهلية، قبل البعثة، واشترك في بنائها محمد بن عبد الله ﵊، وسنه خمسة وعشرون عاماً، وقيل خمسة وثلاثون عاماً.
(ولجعلت لها خلفاً) قال النووي هو بفتح الخاء وإسكان اللام وبالفاء، هذا هو الصحيح المشهور، والمراد به باب من خلفها، ولقد جاء مفسراً في الرواية الرابعة "وجعلت لها بابين، باباً شرقياً وباباً غربياً" وفي الرواية السادسة "ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض" أي في مستوى الأرض غير مرتفعين عنها شرقياً وغربياً" وفي صحيح البخاري قال هشام "خلفاً" يعني باباً، وفي
стр. 2844
الرواية الخامسة "ولجعلت لها باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه" وفي رواية البخاري "ولجعلت لها خلفين".
(ألم ترى أن قومك؟ ) الرؤية هنا علمية، أي ألم تعلمي أن قومك؟ أي اعلمي أن قومك.
(أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ ) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره أتخاف الناس فلا تردها؟ .
(لئن كانت عائشة سمعت هذا) قال النووي: قال القاضي: ليس هذا اللفظ من ابن عمر على سبيل التضعيف لروايتها، والتشكيك في صدقها وحفظها، فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا يستراب في حديثها ولا فيما تنقله، ولكن كثيراً ما يقع في كلام العرب صورة التشكيك والتقرير، والمراد به اليقين، كقوله تعالى ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ [الأنبياء: ١١١].
(لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله) أي في بناء الكعبة. قال النووي: جاء في رواية "لأنفقت كنز الكعبة في بنائها". اهـ
وكنز الكعبة ما كان يهدى إليها من حلي أو أموال تزيد عن الحاجة، فيحبس عليها ويحفظ في خزانتها، وكانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال والحلي وغير ذلك تعظيماً لها، وحكى الفاكهي في "كتاب مكة" أنه ﷺ وجد فيها يوم الفتح ستين أوقية، فقيل له لو استعنت بها على حربك؟ فلم يحركه والظاهر أن رسول الله ﷺ تركه رعاية لقلوب قريش، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، تشير إلى ذلك روايتنا الثالثة وفيها "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله" وقيل: تركه لأن ما جعل في الكعبة، وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره عن وجهه. قال الحافظ وهذا التعليل ليس بظاهر. اهـ
وقد روى البخاري أن عمر ﵁ هم أن يقسم كنز الكعبة ومالها بين فقراء المسلمين فقيل له: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ فقيل له: لم يفعله صاحباك. رسول الله ﷺ وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال، فقال: هما المرءان يقتدي بهما، وقام كما هو وخرج.
ولما صرف الرسول ﷺ النظر عن كنز الكعبة أخذ يضم عدم القدرة إلى حداثة العهد بكفر كسبب لعدم رد الكعبة إلى بناء إبراهيم، فقال -كما في الرواية الخامسة "وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه".
(ولجعلت بابها بالأرض) أي ملتصقاً بالأرض، بدون درج، غير مرتفع عنها، وفي ملحق الرواية السادسة "ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض" وقد بينت الرواية الثامنة في ملحقها وضع الباب، فقالت "فما شأن بابه مرتفعاً -أي عن الأرض- لا يصعد إليه إلا بسلم"؟ وفي أصلها "فما شأن بابه مرتفعاً"؟ كما بينت الرواية السادسة في ملحقها السر في أن قريشاً رفعت باب الكعبة، ففيها "وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: قلت: لا. قال: تعززاً -أي تصلباً وتشديداً- أن لا
стр. 2845
يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط".
(ولأدخلت فيها من الحجر) حجر إسماعيل هو المحاط بحائط قصير على هيئة نصف دائرة بجوار الكعبة، وقد حددت الرواية الرابعة المقدار المتروك من الكعبة في الحجر بستة أذرع، وحددته الرواية الخامسة بخمس أذرع وحددته الرواية الثامنة قريباً من سبعة أذرع، ومن المعلوم أن في الذراع لغتين مشهورتين. التأنيث والتذكير، فصح خمس وخمسة وست وستة وسبع وسبعة. وأما الجمع بين هذا الاختلاف في المقدار فيحتمل أن الأقل لم يحسب عرض حائط الأساس، وأن الأكثر حسبه، قال النووي: قال أصحابنا: ست أذرع من الحجر مما يلي البيت محسوبة من البيت بلا خلاف، وفي الزائد عنها خلاف. هل هو من البيت أولاً؟ وسواء كان الحجر كله من البيت أو بعضه فالطواف يكون من ورائه كما فعل النبي ﷺ .
(لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشام) أرسل يزيد بن معاوية جيشاً غزا المدينة سنة ثلاث وستين، ثم سار جيش يزيد إلى ابن الزبير في مكة فحاصروه، فقاتلهم أياماً، ثم جاء الخبر بموت يزيد سنة أربع وستين، فبايع أهل الحرمين ابن الزبير، وبايع أهل دمشق معاوية بن يزيد فمات معاوية بعد أربعين يوماً، وبويع مروان بن الحكم بعده، ومات سنة خمس وستين، وتمكن ابن الزبير وبايعه أهل الحرمين واليمن والعراق وخراسان، وبايع أهل الشام عبد الملك بن مروان، وفي هذا الوقت هدم ابن الزبير الكعبة وبناها، وجهز عبد الملك بن مروان جيش الحجاج بن يوسف لحرب ابن الزبير، فحاصروه ونصبوا المنجنيق، وقتلوه ﵁.
فقوله "حين غزاها أهل الشام" أي حين غزا بلاد الحجاز أهل الشام في زمن يزيد بن معاوية، فالضمير "غزاها" يعود على البيت باعتباره الكعبة، والمراد غزا ديارها وبلدها أهل الشام.
(فكان من أمره ما كان) أي فكان من أمر يزيد وجيشه مع ابن الزبير ما كان من حصار وحرب.
(يريد أن يجرئهم -أو يجربهم- على أهل الشام) قال النووي يجرئهم بالجيم والراء بعدها همزة، من الجراءة، أي يشجعهم على قتالهم، بإظهار قبح فعالهم بتركهم الكعبة مهدمة، هذا هو المشهور في ضبطه قال القاضي ورواه العذري يجربهم بالجيم والباء ومعناه يختبرهم وينظر ما عندهم في ذلك من حمية وغضب لله تعالى ولبيته، وفي رواية أو يحربهم بالحاء والراء والباء، وبفتح أوله، ومعناه يغيظهم بما يرونه قد فعل بالبيت، من قولهم حربت الأسد إذا غضبته قال القاضي وقد يكون معناه يحملهم على الحرب، ويحرضهم عليها ويؤكد عزائمهم لذلك. قال ورواه آخرون يحزبهم بالحاء والزاي، أي يشد قوتهم، ويميلهم إليه، ويجعلهم حزباً له، وناصرين له، وحزب الرجل من مال إليه، وتحازب القوم تمالوا.
стр. 2846
(فلما صدر الناس قال يا أيها الناس) أي فلما رجع الحجاج إلى بلادهم قال للكبراء أهل مكة أيها الناس.
(فإني قد فرق لي فيها رأي) قال النووي: "فرق" بضم الفاء وكسر الراء، أي كشف وبين. قال الله تعالى ﴿وقرآناً فرقناه﴾ [الإسراء: ١٠٦]. أي فصلناه وبيناه، هذا هو الصواب في ضبط هذه اللفظة ومعناها.
(ما رضي حتى يجده) قال النووي هكذا هو في أكثر النسخ يجده بضم الياء وكسر الجيم وبدال واحدة مشددة، وفي كثير منها يجدده بدالين، وهما بمعنى.
(إني مستخير ربي ثلاثاً) أي ثلاث ليال.
(فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء) الفاء في "فتحاماه الناس" عاطفة على محذوف، أي فطلب من بعض الناس أن يصعد الكعبة يهدم، فتجنبه الناس، أي تجنبوا ابن الزبير وانصرفوا عنه، ولم يؤيدوه، أو فتجنبوا هذا الأمر، وهو الصعود للهدم، و"أن ينزل" مفعول لأجله، أي مخافة أن ينزل أمر وسخط وعذاب من السماء بأول من يصعد ليهدم.
(تتابعوا فنقضوه) أي تبع بعضهم بعضاً. قال النووي هكذا ضبطناه تتابعوا بباء موحدة قبل العين، وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا ذكره القاضي عن رواية الأكثرين، وعن أبي بحر تتايعوا بالياء المثناة بدل الباء الموحدة، وهو بمعناه، إلا أن أكثر ما يستعمل بالمثناة في الشر خاصة، وليس هذا موضعه. اهـ في كتب اللغة تتايع فلان في الشر وعلى الشر تهافت عليه وأسرع.
(فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه) الظاهر أن الهدف من هذه الأعمدة والستور أن يستقبلها المصلون في تلك الأيام، فقد روي أن ابن عباس قد قال له إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة.
(حتى أبدى أسا نظر الناس إليه) أي حفر الأرض وعمقها على بعد خمسة أذرع من بناء الكعبة الحالي، حتى أظهر أساساً لبناء قديم أشهد الناس عليه، ورآه العدول من أهل مكة.
(إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء) يقال لطخته أي رميته بأمر قبيح. والمراد لا علاقة لنا بقبح فعل ابن الزبير، يريد بذلك سبه وتقبيح فعله.
(أما ما زاد في طوله فأقره) أي ما زاد في ارتفاعه فأقره ولا تغيره.
(وسد الباب الذي فتحه) أي وارفع عتبة الباب التي سواها بالأرض.
(وفد الحارث بن عبد الله) قال النووي هكذا هو في جميع النسخ "الحارث بن عبد الله" ونقل القاضي عياض أن عبد الغفار بن الفارسي رواه الحارث بن عبد الأعلى. قال القاضي عياض: وهو
стр. 2847
خطأ. قال النووي وهذا الذي نقله القاضي عن الفارسي غير مقبول، ولعله وقع للقاضي نسخة عن الفارسي فيها هذه اللفظة مصحفة على الفارسي، لا من الفارسي. والحارث هذا هو ابن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وهو تابعي.
(ما أظن أبا خبيب) بضم الخاء المعجمة.
(فإن بدا لقومك) يقال: بدا -بغير همزة- بدا له في الأمر بداء بالمد، أي حدث له فيه رأي لم يكن.
(فهلمي لأريك) "هلم" اسم فعل أمر بمعنى تعال وأقبل، وفيه لغتان. لغة تبقيه بحالة واحدة في الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وعليها الآية الكريمة ﴿والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾ [الأحزاب: الآية ١٨]. وهي لغة أهل الحجاز. ولغة تلحق الضمائر به، وهي لغة أهل نجد يقولون للمرأة هلمي كما هنا، وللاثنين هلما، وللجمع هلموا، وللنساء هلممن. قال الخليلي وأصل هلم لم بتشديد الميم، من قولهم لم الله شعثه، أي جمعه، كأنه أراد لم نفسك إلينا، أي أقرب. دخلت عليها "ها" للتنبيه، وحذفت ألفها لكثرة الاستعمال.
(حتى إذا كاد أن يدخل) قال النووي هكذا هو في النسخ كلها "كاد أن يدخل" ففيه حجة لجواز دخول "أن" بعد "كاد" وقد كثر ذلك، وهي لغة فصيحة، ولكن الأشهر عدمه.
(فنكت ساعة بعصاه) أي بحث بطرف عصاه في الأرض بعض الوقت. وهذه عادة من يفكر في أمر مهم.
(عن الجدر) بفتح الجيم وإسكان الدال، وهو الحجر. وأصل الجدر الجدار، وهو الحائط، وأطلق الجدر على حجر إسماعيل لأنه محاط بحائط قصير.
-[فقه الحديث]-
ليس المراد من نقض الكعبة وبنائها وقوع ذلك أو عدم وقوعه، وكم مرة وقع؟ وفي عهد من وقع؟ فذلك هدف التاريخ، وإنما المراد حكم هدمها وتجديد بنائها.
وظاهر من كلام ابن عباس في الرواية الخامسة أنه لا يحبذ الهدم والبناء، ويفضل الترميم لما يتهدم والحفاظ على الآثار، وللشافعي الرأي نفسه، لكن دافعه كان قدسية الكعبة وعدم تعريضها للتلاعب، فهو يقول أحب أن تترك الكعبة على حالها، فلا تهدم، لأن هدمها يذهب حرمتها، ويصير كالتلاعب بها، فلذلك استحببنا تركها على ما هي عليه.
وللإمام مالك بن أنس الرأي نفسه مع هارون الرشيد حين أراد أن يهدمها ويردها إلى بناء ابن الزبير، فقال له ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت لعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه
стр. 2848
وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس.
وعن عدد بنائها يقول النووي في المجموع: ذكر العلماء أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات. إحداها: بنتها الملائكة قبل آدم، وحجها آدم فمن بعده من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. الثانية: بناها إبراهيم ﵇. الثالثة: بنتها قريش في الجاهلية وحضر النبي ﷺ هذا البناء قبل النبوة. الرابعة: بناها ابن الزبير كما هو صريح في الرواية الخامسة. الخامسة: بناها الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان واستقر بناها الذي بناه الحجاج إلى الآن. وقيل إنها بنيت مرتين أخرتين قبل بناء قريش. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الأحاديث: ]-
١ - من حديث عائشة أنه إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم، لأن النبي ﷺ أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم ﵇ مصلحة ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة من أسلم قريباً.
٢ - على ولي الأمر أن يفكر في مصلحة المسلمين، وأن يجتنب ما يخاف منه ضرر عليهم في دين أو دنيا، إلا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة وإقامة الحدود، ونحو ذلك.
٣ - وعليه تألف قلوب الرعية، وحسن حياطتهم لئلا ينفروا، وأن لا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه، ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي.
٤ - وإذا لم يستطع فعل المصلحة أوصى أن تفعل من بعده، وبلغ من حضر ليبلغ من يستطيع.
٥ - ومن الرواية الثالثة جواز إنفاق كنز الكعبة ونذورها الفاضلة عن مصالحها في سبيل الله. قال النووي لكن جاء في رواية "لأنفقت كنز الكعبة في بنائها"، وبناؤها من سبيل الله، فلعله المراد بقوله في الرواية "في سبيل الله". اهـ
٦ - وتفرع عن كنز الكعبة والاحتفاظ به تحلية الكعبة بالذهب والفضة، وقد حكى الرافعي في ذلك وجهين. أحدهما الجواز تعظيماً لها كما في المصحف، والآخر المنع، إذ لم ينقل من فعل السلف، ورجح الجواز، لأن الكعبة لها من التعظيم ما ليس لبقية المساجد، بدليل تجويز سترها بالحرير والديباج، وفي جواز ستر المساجد بذلك خلاف، وقد وقع في أيام الوليد بن عبد الملك أن ذهب سقوف المسجد النبوي، ولم ينكر ذلك عمر بن عبد العزيز، ولم يزله في خلافته. ثم إن تحريم استعمال الذهب والفضة إنما هو فيما يتعلق بالأواني المعدة للأكل والشرب ونحوهما. وليس في تحلية المساجد شيء من ذلك، وقد قال الغزالي من كتب القرآن بالذهب فقد أحسن. وللحافظ ابن حجر في فتح الباري بحث قيم في كسوة الكعبة، لا يتسع له هذا المقام.
٧ - ومن روايات نقض بنيان الكعبة ودخول جزء منها في حجر إسماعيل عدم صحة الطواف في هذا الجزء. قال النووي قال أصحابنا فإن طاف في الحجر وبينه وبين البيت أكثر من ستة أذرع ففيه
стр. 2849
وجهان. أحدهما يجوز لظاهر هذه الأحاديث، والثاني لا يصح طوافه في شيء من الحجر ولا على جداره، ولا يصح حتى يطوف خارجاً من جميع الحجر. قال وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه الشافعي، وقطع به جماهير العراقيين، وبه قال جميع علماء المسلمين سوى أبي حنيفة فإنه قال إن طاف في الحجر وبقي في مكة أعاده، وإن رجع من مكة بلا إعادة أراق دماً، وأجزأه طوافه. واحتج الجمهور بأن النبي ﷺ طاف من وراء الحجر، وقال "لتأخذوا عني مناسككم"، ثم أطبق المسلمون عليه من زمنه ﷺ إلى الآن، وسواء كان كله من البيت أم بعضه فالطواف يكون من ورائه، كما فعل النبي ﷺ .
٨ - ومن قول ابن الزبير في الرواية الخامسة "أشيروا علي" استحباب مشاورة الإمام أهل الفضل والمعرفة في الأمور المهمة.
٩ - استدل القاضي عياض بوضع الأعمدة والأستار بدل الكعبة لمذهب مالك في أن المقصود بالاستقبال البناء، لا البقعة. ولقول ابن عباس لابن الزبير إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة. ومذهب الشافعي جواز الصلاة إلى أرض الكعبة، سواء بقي من بنائها شيء أم لا. إذ رد جابر على ابن عباس فقال صلوا إلى موضعها. فهي القبلة.
١٠ - ومن رد الحارث على عبد الملك بن مروان في الرواية السادسة والسابعة الانتصار للمظلوم.
١١ - ورد الغيبة.
١٢ - وتصديق الصادق إذا كذبه إنسان.
والله أعلم
стр. 2850
(٣٤٥) باب الحج عن العاجز والميت
٢٨٧٤ - عن عبد الله بن عباس ﵄، أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ . فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه. فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه. فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً. لا يستطيع أن يثبت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: "نعم" وذلك في حجة الوداع.
٢٨٧٥ - عن ابن عباس، عن الفضل ﵃؛ أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير. عليه فريضة الله في الحج. وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. فقال النبي ﷺ "فحجي عنه".
-[المعنى العام]-
الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وإذا كانت الشريعة قد فسحت له مجال الأداء فليس معنى ذلك إهماله أو الاستهانة به، أو الاسترخاء في أدائه، فإن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا وقع به الموت دون أن يؤدي هذه الفريضة كانت ديناً عليه ترتهن به نفسه يوم القيامة. نعم أجازت الشريعة لمن عجز عن الحج بمرض ميئوس أن ينيب عنه من يؤديه عنه بالأجرة مادام قادراً عليها، أو أن ينيب عنه من حج من أولاده ليقوم بهذا الفرض عن أبيه، فإن الولد امتداد لعمل أبيه، ومن الواجب عليه براً بأبيه أن ينوب عنه فيه، وهذه امرأة من خثعم تبر أباها وتحرص على فك وثاقه، وتخليصه من مسئولية هذه الفريضة التي عجز عن أدائها، فتسأل رسول الله ﷺ هل يصح أن تنوب عنه، وأن تحج بدله، فيقول لها ﷺ نعم. حجي عن أبيك، وسيقبل الله إن شاء حجك عن أبيك، وسيجازيك على هذا العمل خير الجزاء.
-[المباحث العربية]-
(عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان الفضل .... ) في الرواية الثانية: عن ابن عباس عن الفضل .... إلخ.
стр. 2851
روي عن الترمذي أنه قال: سألت البخاري عن هذا، فقال أصح شيء فيه ما روى ابن عباس عن الفضل، قال فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره، ثم رواه بغير واسطة. اهـ
وإنما ترجح الرواية عن الفضل لأنه كان رديف النبي ﷺ حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة، كما تقدم في باب وجوه الإحرام، فكأن الفضل أخبر أخاه بما شاهده في تلك الحالة، وقد يحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن عباس، فنقله تارة عن أخيه، لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده ويؤيد ذلك ما جاء عند أحمد عن علي ... "ثم أتى رسول الله ﷺ الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر، فقال هذا المنحر، وكل منى منحر، واستفتته ..... إلخ" وفي رواية عبد الله "ثم جاءته جارية شابة من خثعم، فقالت .... إلخ قال ولوى عنق الفضل فقال العباس يا رسول الله لويت عنق ابن عمك؟ قال رأيت شاباً وشابة، فلم آمن عليهما الشيطان" وظاهر هذا أن العباس كان حاضراً لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضاً كان معه.
(فجاءته امرأة من خثعم) بينت الروايات الأخرى أنها كانت شابة، وفي بعض الروايات "وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة" أي جميلة، وفي بعض الروايات أن استفتاءها كان غداة الوقوف بالمزدلفة.
(فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه) في بعض الروايات "وكان الفضل رجلاً وضيئاً" أي جميلاً، وهذا النظر غير النظر الوارد في باب وجوه الإحرام، فذاك كان إلى فتيات يجرين، وهذا إلى فتاة جاءت تسأل، ولا مانع من التعدد.
(يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر) عن طريق لي عنقه كما سبق، وفي بعض الروايات "فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل، فعدل وجهه".
(لا يستطيع أن يثبت على الراحلة) في الرواية الثانية "لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره" وفي رواية "لا يستمسك على الرحل" وزاد في رواية "إن شددته خشيت أن يموت" وعند ابن خزيمة "وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله".
(أفأحج عنه) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره أيجوز أن أنوب عنه فأحج عنه؟ .
(فحجي عنه) الفاء فصيحة، في جواب شرط محذوف، تقديره إذا كان الحال كذلك فحجي عنه.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: مذهبنا ومذهب الجمهور جواز الحج عن العاجز بموت أو عضب، وهو الزمانة والهرم ونحوهما، وقال مالك والليث والحسن بن صالح لا يحج أحد عن أحد، إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام. قال القاضي وحكي عن النخعي وبعض السلف أنه لا يصح الحج عن ميت ولا غيره، وهي
стр. 2852
رواية عن مالك، وإن أوصى به، وقال الشافعي والجمهور يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره، سواء أوصى به أم لا، ويجزئ عنه، ومذهب الشافعي وغيره أن ذلك واجب في تركته، وعندنا يجوز للعاجز الاستنابة في حج التطوع على أصح القولين، واتفق العلماء على جواز حج المرأة عن الرجل، إلا الحسن بن صالح فمنعه، وكذا يمنعه من منع أصل الاستنابة مطلقاً. اهـ
والحاصل أن الحج عن ميت لم يحج حجة الإسلام واجب في تركته، فإن كان قد أوصى به خرج من الثلث عند مالك وأبي حنيفة، فإن كان الثلث يكفي للحج وجب، وإن لم يكن يكفي لم يجب وبطلت الوصية، كالحي غير المستطيع، ولا يلزم الورثة أن يحجوا عنه حينئذ، وإن لم يوص قال مالك، يتطوع عنه بغير الحج، ويهدى عنه، أو يتصدق أو يعتق عنه. وقال أبو حنيفة: إن لم يوص وله مال وجب الحج عنه من الثلث، كما إذا أوصى وفي قول له كمالك. وعند الشافعي يجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله، لا من الثلث فحسب، لأن عليه قضاء ديونه، والرسول ﷺ شبه الحج بالدين في حديث البخاري "ودين الله أحق بالقضاء"، ولم يشترط في ذلك أن يوصي أو لا يوصي، ولا أن تجيزه الورثة، أو لا تجيزه، وحكي عن النخعي وبعض السلف أنه لا يصح الحج عنه أوصى أو لم يوص والحديث مع الشافعية.
أما الميت الذي حج حجة الإسلام وعليه حج واجب بنذر مثلاً فهو كحجة الإسلام عند الشافعي، وأما الميت الذي حج حجة الإسلام، وليس عليه حج واجب بنذر مثلاً وأوصى بأن يحج عنه تطوعاً وله مال ففي جواز الحج عنه خلاف بين الشافعية، فإذا لم يوص فلا خلاف عندهم في عدم جواز الحج عنه.
وأحاديث الباب في المعضوب والعجز عن الحج، ولا نص فيها على الميت، لكنهم قالوا إذا ثبت جوازه عن الحي المعضوب بهذه الأحاديث كان جوازه عن الميت أولى، فيكون الاستدلال بها للميت من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
والمقصود بالمعضوب هنا من كان عاجزاً عن الحج بنفسه عجزاً لا يرجى زواله لكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله أو كان كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة إلا بمشقة شديدة، وحديث الباب في الحج عنه قال النووي في المجموع المعضوب إن لم يكن له مال، ولا من يطيعه لم يجب عليه الحج. وإن كان له مال فاضل عن حاجاته المشترطة فيمن يحج بنفسه ووجد من يستأجره بأجرة المثل لزمه الحج. فإن لم يجد المال ووجد واحداً من بنيه أو بناته أو أولادهم وإن سفلوا يبذل له الحج بنفسه لزمه الحج بذلك، وعليه الإذن لهذا الباذل، بشرط أن يكون الباذل ممن يصح منه فرض حجة الإسلام وأن يكون قد حج عن نفسه، فإن وجد أخاً أو جداً أو أباً أو غيرهم فهم كالأجنبي، لم يلزمه القبول، لما في هؤلاء من المنة ولأن في استخدامهم استثقالاً على الإنسان، فإن بذل الولد المال، ولم يبذل الحج بنفسه ففي وجوب قبوله وجهان. وإن طلب الوالد المعضوب العاجز عن الاستئجار من الولد أن يحج عنه استحب للولد إجابته، ولا تلزمه الإجابة.
ولا يجزئ الحج عن المعضوب بغير إذنه، بخلاف قضاء الدين عن غيره، لأن الحج يفتقر إلى
стр. 2853
النية، وهو أهل للإذن، بخلاف الميت، هذا مذهب الشافعية، وقال مالك لا يجب عليه ذلك، ولا يجب إلا أن يقدر على الحج بنفسه، واحتج بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وهذا لا يستطيع، وبأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذا مع العجز كالصلاة.
وحديث الباب والأحاديث الصحيحة لا تؤيده. وقال أبو حنيفة وأحمد لا يجب على المعضوب الحج إذا لم يجد ما لا يحج به غيره، وإن وجد ابنا يطيعه.
هذا في الحج الواجب أما حج التطوع ففي جواز استئجاره من يحج عنه قولان عند الشافعية، وقيل لا يجوز، لأنه غير مضطر إلى الاستنابة فيه، فلم تجز الاستنابة فيه كالصحيح والقول الثاني وهو الصحيح أنه يجوز، لأن كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها.
أما الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة فلا تجوز النيابة عنه في الحج، لأن الفرض عليه في بدنه، فلا ينتقل الفرض إلى غيره إلا في الموضع الذي وردت فيه الرخصة. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
١ - جواز حج المرأة عن الرجل. قال النووي واتفق العلماء على جواز حج المرأة عن الرجل، إلا الحسن بن صالح فمنعه، وكذا يمنعه من منع أصل الاستنابة مطلقاً. اهـ فيجوز حج الرجل عن المرأة والرجل عن الرجل والمرأة عن المرأة من باب أولى.
٢ - وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وتواضع النبي ﷺ .
٣ - وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة، كالاستفتاء وطلب العلم وتدريسه والمعاملة.
٤ - وتحريم النظر إلى الأجنبية، ووجوب غض البصر.
٥ - وفيه ما ركب في الآدمي من الشهوة، وما جبلت عليه طباعه من النظر إلى الصورة الحسنة.
٦ - وإزالة المنكر باليد.
٧ - وبر الوالدين والقيام بمصالحهما من قضاء ودين وخدمة ونفقة وحج ونحو ذلك.
٨ - جواز قول: حجة الوداع، وأنه لا يكره ذلك.
٩ - جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها. قال النووي: وهو مذهبنا. اهـ وسيأتي بحثه بعد باب.
١٠ - قال العيني: وفيه الترغيب في الرحلة إلى طلب العلم. والله أعلم.
(فائدة) ذكر النووي في المجموع بحثاً قيماً عن تأخير حج القادر، خلاصته أن مذهب الشافعية أن الحج على التراخي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، وقال مالك وأبو يوسف هو على الفور، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، والكل متفق على أن تأخيره إلى الموت حرام.
والله أعلم
стр. 2854
(٣٤٦) باب حج الصبي
٢٨٧٦ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ . لقي ركباً بالروحاء. فقال "من القوم؟ " قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال "رسول الله" فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال "نعم. ولك أجر".
٢٨٧٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: رفعت امرأة صبياً لها. فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: "نعم. ولك أجر".
٢٨٧٨ - عن كريب ﵁: أن امرأة رفعت صبياً فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: "نعم. ولك أجر".
-[المعنى العام]-
يؤمر الصبي بالصلاة لسبع ويضرب عليها لعشر، ويدرب على الصيام قبل البلوغ، وفي كل عبادة من العبادات يدرب على شروط صحتها وأركانها وواجباتها حتى تقع صحيحة مقبولة إن شاء الله، وهو وإن كان غير مكلف بها فشأنه شأن البالغ حين يقوم بالنوافل غير المكلف بها، تنعقد له وتصح منه، ويثاب عليها.
وهذا الحديث في حج الصبي المميز الذي يؤدي بنفسه الشعائر برفقة وليه، وغير المميز الذي يؤدي وليه عنه الشعائر وهو يستصحبه أو يحمله، ولا خلاف بين العلماء في جواز قيام الصبي أو وليه بهذا، ونرجو إن شاء الله أن يؤجر الصبي ولو طفلاً، وهو ما يقرره جمهور العلماء، وللولي أجر الدال على الخير والمشارك فيه وليس هناك من عمل خير لا يثاب عليه، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره.
-[المباحث العربية]-
(أن النبي ﷺ لقي ركباً) قال النووي: الركب أصحاب الإبل خاصة، وأصله أن يستعمل في عشرة فما دونها.
стр. 2855
(بالروحاء) مكان على بعد ستة وثلاثين ميلاً من المدينة.
(فقالوا: من أنت؟ ) قال القاضي عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً، فلم يعرفوه ﷺ ، ويحتمل كونه نهاراً، لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك، لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل ذلك.
(فرفعت إليه امرأة صبياً) هذا أعم من أن يكون في سن التمييز، أو أقل، أو أكثر إلى حد البلوغ. وليس في هذه العبارة أنها أمه، فيجوز أن يكون في حجرها بنوع ولاية.
(ولك أجر) أي بسبب حملك إياه، وتجنيبك إياه ما يجتنبه المحرم، وفعلك به ما يفعله المحرم.
-[فقه الحديث]-
احتج بظاهر هذا الحديث داود وأصحابه من الظاهرية وطائفة من أهل الحديث على أن الصبي إذا حج قبل بلوغه كفى ذلك عن حجة الإسلام وليس عليه أن يحج حجة أخرى وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وعامة العلماء وحجة الصبي لا تجزئ عن حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، ويستدل لهم بحديث رفع القلم عن ثلاثة ... وفيه وعن الصبي حتى يبلغ فإذا ثبت أن القلم مرفوع عنه كان الحج غير مكتوب عليه، ويكتب عليه بعد بلوغه، كما أنه إذا صلى فرضاً ثم بلغ بعد ذلك لا يسقط هذا الذي أداه عن الفروض التي تجب عليه بالبلوغ، ثم إن هذا الحديث ليس فيه إلا أن رسول الله ﷺ أخبر أن له حجاً، وليس فيه ما يدل على أن حجه يسقط حج الفريضة.
ثم اختلف العلماء: هل ينعقد حج الصبي أولاً؟ فقال مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء حجه منعقد صحيح يثاب عليه، ويقع تطوعاً، لأن النبي ﷺ جعل له حجاً، وقال أبو حنيفة لا يصح حجه، قال أصحابه إنما فعلوه تمريناً له ليعتاده فيفعله إذا بلغ.
قال النووي: وهذا الحديث يرد عليهم. قال القاضي: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع، ولا يلتفت إلى قولهم، بل هو مردود بفعل النبي ﷺ وأصحابه وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه، وتجري عليه أحكام الحج؟ وتجب فيه الفدية ودم الجبران وسائر أحكام البالغ؟ فأبو حنيفة يمنع ذلك كله، ويقول إنما يجب ذلك تمريناً على سبيل التعليم، والجمهور يقولون تجري عليه أحكام الحج في ذلك، ويقولون حجه منعقد.
قال النووي: وأما الولي الذي يحرم عن الصبي فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي ماله، وهو أبوه أو جده، أو الوصي، أو القيم من جهة القاضي، أو القاضي، أو الإمام، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة القاضي، وقيل إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة، وإن لم يكن لهم ولاية المال. هذا كله إذا كان صغيراً لا يميز، فإن كان مميزاً أذن له الولي فأحرم، فلو أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه لم ينعقد على الأصح، وصفة إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه جعلته محرماً.
стр. 2856
(٣٤٧) باب فرض الحج مرة في العمر
٢٨٧٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام؟ يا رسول الله! فسكت. حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله ﷺ "لو قلت: نعم. لوجبت. ولما استطعتم". ثم قال "ذروني ما تركتكم. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".
-[المعنى العام]-
الحج عبادة شاقة على عامة المسلمين، تقتضي سفراً طويلاً، والسفر قطعة من العذاب، وتمنع من مباحات ومتع، بما عرف فيها من محرمات الإحرام، وفي ذلك حجر وتضييق ومشقة ليست بالهينة، وتلزم بأداء الشعائر في ظروف صعبة، في جبال وزحام، ومن ذاق عرف. من هنا كانت رحمة الله بالأمة أن فرضه في العمر مرة واحدة ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. ومن هنا كان أجر هذه الحجة مبشراً بالكفارة "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه". "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
لكن الإنسان بطبيعته خلق عجولاً، كثير التطفل والتساؤل، فمن عصمه الله اتسم بالحلم والحكمة والتفكير في القول قبل النطق به، والحمقى يضربون بألسنتهم يميناً وشمالاً، وقد يكون في ذلك ضرر لهم ولغيرهم، ومن هذا القبيل سؤال من سأل رسول الله ﷺ . هل الحج واجب في كل عام أو مرة واحدة في العمر؟ إن بني إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم في أمر البقرة، وهذا الرجل ينحو نحوهم في التشديد، فنهى عن ذلك، وأعلن له ولغيره رسول الله ﷺ قاعدة التيسير على الأمة.
-[المباحث العربية]-
(قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) فرض الله الحج على الأمة بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ قال العيني: اللام في ﴿ولله﴾ لام الإيجاب، أي ولله فرض واجب على الناس حج البيت. اهـ وليس معنى الحديث أن الرسول ﷺ لم يذكر لهم آية الإيجاب، فقد روى أحمد عن علي ﵁ قال لما نزلت: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ قالوا: يا رسول الله، في كل عام؟ .
стр. 2857
فكأنه ﷺ ذكر لهم الآية، وبينها بالحديث، فذكروا إشكالهم.
(فقال رجل) قال النووي هذا الرجل السائل هو الأقرع بن حابس، كذا جاء مبيناً في غير هذه الرواية. اهـ
وكان ﷺ يسميه الأحمق المطاع وكان فيه شيء من جفاة الأعراب.
ولعل هذا السؤال كان يدور بخلد كثير من الصحابة، لذا أسند القول إلى المجموع في كثير من الروايات، فعند أحمد وابن ماجه "قالوا يا رسول الله" والباعث على هذه الشبهة أن الأمر في ذاته قد يقتضي التكرار، حتى إن بعض الأصوليين قالوا إنه يقتضي التكرار، والصحيح عند الشافعية أنه لا يقتضيه، وإن احتمله، وهناك قول ثالث بالتوقف، فالسائل سأل استظهاراً واحتياطاً. وقال الماوردي ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عند السائل من وجه آخر، لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرر، فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق، لا من مطلق الأمر، وقد تعلق بوجهة النظر هذه من قال بإيجاب العمرة، وقال لما كان قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ يقتضي تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق وقد أجمعوا على أن الحج لا يجب إلا مرة كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة، لأنه لا يجب قصده لغير حج وعمرة بأصل الشرع. اهـ فللسائل عذره، واللوم يتجه إليه من حيث الإلحاح والتكرير، وكان يكفيه سكوت النبي ﷺ عن الرد عليه مرة ومرتين، وقد عودهم أن سكوته عن السؤال انصراف عنه.
(لوجبت) أي للزمت وفرضت كلمة نعم أي مضمونها، وهو الوجوب كل عام.
(ذروني ما تركتكم) أي مدة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء، أي ذروا سؤالي فيما تركته، فإنني لا أترك عن تقصير أو نسيان. زاد الدارقطني في هذا الحديث فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١].
(وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) عدم التقييد في النهي بالاستطاعة لأن كل مكلف قادر على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: أجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع، وقد تجب زيادة، بالنذر، أو بدخول الحرم لحاجة لا تكرر، كزيارة وتجارة على مذهب من أوجب الإحرام لذلك بحج أو عمرة.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: ]-
١ - شفقة النبي ﷺ على أمته، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
стр. 2858
٢ - قال النووي قد يستدل بهذا الحديث من يتوقف في اقتضاء الأمر التكرار أو عدم اقتضائه، لأنه سأل فقال أكل عام؟ ولو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يسأل، ولقال له النبي ﷺ لا حاجة إلى السؤال، بل مطلقه محمول على كذا.
٣ - كما استدل بعضهم بقوله "ذروني ما تركتكم" على أن الأمر لا يقتضي التكرار.
٤ - واستدل بعضهم بقوله "ذروني ما تركتكم" على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين، لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
٥ - في قوله ﷺ "لو قلت نعم لوجبت" دليل للمذهب الصحيح أنه ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي وقيل يشترط. قال النووي وهذا القائل يجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحي إليه ذلك.
٦ - قال النووي عن قوله ﷺ : "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات، أو فطرة جماعة ممن تلزمه نفقتهم، أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته، أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وأما قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ففيها مذهبان أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ والثاني وهو الصحيح أو الصواب وبه جزم المحققون أنها ليست منسوخة، بل قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ مفسرة لها، ومبينة للمراد بها. قالوا وحق تقاته هو امتثال أمره، واجتناب نهيه، ولم يأمر إلا بالمستطاع، قال الله تعالى لا يكلف الله نفساً إلا وسعها وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
٧ - قوله: "وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" ليس على إطلاقه، فقد يوجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة، أو شرب الخمر عند الإكراه، أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك. وذهب البعض إلى أنه على إطلاقه، وأن المكلف ليس منهياً عن ذلك في تلك الحال.
٨ - استدل بقوله: "وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" على أن المكروه يجب اجتنابه، لعموم
стр. 2859
الأمر باجتناب المنهي عنه. والتحقيق أن الأمر بالاجتناب في المحرم بدرجة، وفي المكروه بدرجة. والله أعلم.
٩ - قال الحافظ ابن حجر: يؤخذ منه النهي عن كثرة السؤال، لما فيه غالباً من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل كما حصل لبني إسرائيل في أمر ذبح البقرة. اهـ وفي البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يكره من كثرة السؤال، وفيه بحوث قيمة، لا يتسع لها المقام.
والله أعلم
стр. 2860
(٣٤٨) باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره
٢٨٨٠ - عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسافر المرأة ثلاثاً، إلا ومعها ذو محرم".
٢٨٨١ - وفي رواية: "فوق ثلاث". وفي رواية: "ثلاثة إلا ومعها ذو محرم".
٢٨٨٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم".
٢٨٨٣ - عن قزعة عن أبي سعيد ﵁. قال: سمعت منه حديثاً فأعجبني. فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟ قال: سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى". وسمعته يقول "لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها، أو زوجها".
٢٨٨٤ - عن قزعة قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: سمعت من رسول الله ﷺ أربعاً. فأعجبنني وآنقنني. نهي أن تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم. واقتص باقي الحديث.
٢٨٨٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ "لا تسافر المرأة ثلاثاً، إلا مع ذي محرم".
стр. 2861
٢٨٨٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال، إلا مع ذي محرم".
٢٨٨٧ - وفي رواية: "أكثر من ثلاث، إلا مع ذي محرم".
٢٨٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة، إلا ومعها رجل ذو حرمة منها".
٢٨٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم".
٢٨٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم عليها".
٢٨٩١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثاً، إلا ومعها ذو محرم منها".
٢٨٩٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً، إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها".
٢٨٩٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول
стр. 2862
"لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم. ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة. وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال "انطلق فحج مع امرأتك".
٢٨٩٤ - عن ابن جريج بهذا الإسناد نحوه. ولم يذكر "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم".
-[المعنى العام]-
المرأة كالجوهرة، تصان في حرز مثلها، عرضة للطمع، تحاط بسياج ووقاية من الأخطار التي تتهددها، وهي ضعيفة لا تقوى أمام الرجل على الدفاع عن نفسها، فكان أمنها في عدم خلوة الرجل الأجنبي بها، وكان سفرها بدون زوج أو محرم مجالاً للاعتداء عليها فإذا أضفنا إلى ذلك نوازعها ونفسها الأمارة بالسوء وشهوتها الجامحة، ورغبتها في الرجل وهي لا تقل عن رغبته فيها كان في سفرها وغربتها وبعدها عمن يحميها وعمن تخشاه وتخافه، وعمن يعرفها وتعرفه، وعمن تأنس إليه وتستنجد به، كان في كل ذلك مع مشاعر الخوف في الغربة الكثير والكثير من الأخطار عليها، خصوصاً في عصور تكثر فيها الذئاب البشرية وتقل فيها الرقابة الدينية الداخلية، وتقعد فيها شياطين الإنس والجن على رأس الطرق وفوهات المسالك من هنا كانت حكمة التشريع، وكان النهي الإلهي على لسان الرسول الكريم ﷺ لا تسافر المرأة إلا ومعها زوجها أو محرم لها، ولا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، فلا تجتمع المرأة برجل أجنبي إلا أن يكون معهما أبوها أو أخوها أو أمها أو أختها أو ابنها المميز أو عمها أو خالها أو ابن أخيها أو ابن أختها.
وليس في ذلك امتهان لها أو تحقير، وإنما هو في حقيقته تقديس وإعزاز وتكريم، وإنما يصان في الحقيقة الغالي النفيس، وقد جعلها الشارع صنو روح الرجل ودمه، يذود عنها كما يذود عن نفسه، ويبذل في سبيل الحفاظ عليها دمه، فقال ﷺ "من قتل دون عرضه فهو شهيد".
-[المباحث العربية]-
(لا تسافر المرأة) لا نافية، والفعل مرفوع، فهو خبر بمعنى النهي، أو ناهية، والفعل مجزوم، ويحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، والنفي أبلغ من النهي، لأن سياقه في صورة الخبر أبلغ في المنع، لإشعاره بأنه أمر ممتثل فعلاً يخبر عنه.
(ثلاثاً) أي ثلاث ليال، وفي ملحق الرواية الأولى "فوق ثلاث" أي فوق ثلاث ليال وفيها
стр. 2863
"ثلاثة" أي ثلاثة أيام، وليس المقصود الزمن والأيام والليالي، وإنما المقصود مسافة السير فيها، كما هو في الرواية الثانية "مسيرة ثلاث ليال".
(إلا ومعها ذو محرم) لها، أو ذو محرم منها، كما في الرواية الثالثة والعاشرة والحادية عشرة، وفي الرواية السابعة "إلا ومعها رجل ذو حرمة منها" قال النووي: واعلم أن حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها، والخلوة بها، والمسافرة بها كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فقولنا على التأبيد احتراز من أخت الزوجة وعمتها وخالتها ونحوهن، وقولنا بسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنهما تحرمان على التأبيد، وليستا محرمتين، لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة، وقولنا لحرمتها احتراز من الملاعنة، فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح، وليست محرماً، لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظاً. اهـ
والاستثناء مفرغ من جميع الأحوال، أي لا يحل لها السفر في حال من الأحوال إلا مصاحبة محرماً لها.
(لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) أي يحرم، لأن نفي الحل يفيد الحرمة، وقوله "تؤمن بالله واليوم الآخر" للإثارة والتهييج للالتزام بالحكم، أي من كانت هذه صفتها لا يليق بها أن تفعل ما يلوث هذه الصفة، واختار الإيمان بالله واليوم الآخر من بين ما يجب الإيمان به، لأنهما المبدأ والجزاء، وما بينهما لازم لهما.
(تسافر مسيرة ثلاث ليال) الفعل مسبوك بمصدر من غير سابك، فاعل "لا يحل" أي لا يحل لها السفر، وقد صرح بحرف المصدر في الرواية الحادية عشرة، ففيها "أن تسافر ... ".
(عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثاً) أي قال قزعة: سمعت من أبي سعيد الخدري حديثاً.
(فأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟ ) الكلام على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري، بمعنى النفي، والفاء عاطفة على محذوف، والتقدير أأكذب فأقول ... ؟ لا يقع مني ذلك.
(قال: سمعته يقول ... ) أي قال قزعة: سمعت أبا سعيد الخدري يقول.
(لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) "الرحال" جمع رحل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى بشد الرحال عن السفر، لأنه لازمه في ذاك الوقت غالباً، فالمعنى لا تسافروا بالرواحل أو الخيل أو البغال أو الحمير أو بالسيارة أو بالطائرة أو بالقطار أو مشاة إلا إلى ثلاثة مساجد.
قال الحافظ ابن حجر: والاستثناء مفرغ من عموم الأماكن، والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها، لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام، لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص، وهو المسجد. اهـ كما سيأتي في فقه الحديث.
стр. 2864
(مسجدي هذا) أي مسجده بالمدينة ﷺ .
(والمسجد الحرام) أي المحرم. قال الحافظ ابن حجر: والمراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلي فيه، دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم.
(والمسجد الأقصى) أي بيت المقدس، وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل في الزمان، وفيه نظر. وقال الزمخشري: سمي الأقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل لبعده عن الأقذار والخبث، وقيل هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة، لأن مسجد المدينة بعد عن مكة، وبيت المقدس أبعد منه.
(لا تسافر المرأة يومين من الدهر) أي مسيرة يومين، كما صرح به في الرواية الرابعة.
(أو زوجها) عدم ذكره في الروايات الأخرى للعلم به، فهو معلوم بالطريق الأولى.
(فأعجبنني وآنقنني) بفتح النونين وبقاف ساكنة بينهما، جمع مؤنث ماض، أي الكلمات الأربع أعجبنني قال النووي: وإنما كرر المعنى لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك كثيراً للبيان والتوكيد، قال تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧]. والصلاة من الله الرحمة، وقال تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾ [الأنفال: ٦٩]. والطيب هو الحلال.
(واقتص باقي الحديث) بقيته "ولا صوم يومين. الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين. بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. مسجد الحرام ومسجدي ومسجد الأقصى".
(لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) قال النووي هذا استثناء منقطع لأنه متى كان معها محرم لم تبق خلوة، فتقدير الحديث لا يقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها محرم وقوله ﷺ "ومعها ذو محرم" يحتمل أن يريد محرماً لها، ويحتمل أن يريد محرماً لها، أوله، وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء، فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرم لها كابنها وأخيها وأمها وأختها أو يكون محرماً له كأخته وبنته وعمته وخالته، فيجوز القعود معها في هذه الأحوال.
وللمسألة بقية تأتي في فقه الحديث.
-[فقه الحديث]-
اختلفت ألفاظ مسافة السفر بين الروايات "ثلاثاً". "فوق ثلاث". "ثلاثة". "يومين من الدهر". "مسيرة ليلة". "مسيرة يوم". "مسيرة يوم وليلة". وبدون تحديد مسافة "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم".
стр. 2865
هذه روايات مسلم، وفي رواية لأبي داود "لا تسافر بريداً" والبريد مسيرة نصف يوم.
قال النووي: قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، ليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد. قال البيهقي: كأنه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم؟ فقال لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا. وسئل عن سفرها يوماً؟ فقال: لا. وكذلك البريد. فأدى كل ما سمعه، ما جاء منها مختلفاً في روايات واحد فيحمل على أنه سمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفراً، فالحاصل أن كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو نصف يوم أو غير ذلك، لرواية ابن عباس المطلقة روايتنا الثانية عشرة وهذا يتناول جميع ما يسمى سفراً.
ثم قال النووي واستدل أصحاب أبي حنيفة برواية ثلاثة أيام لمذهبهم، وقالوا إن قصر الصلاة في السفر لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام. وهذا الاستدلال فاسد. اهـ
وقال العيني رواية غير ابن عباس زادت على رواية ابن عباس، فالأخذ بالزائد أولى، ولكن الزائد في نفسه مختلف، فرجح خبر الثلاث. اهـ
والتحقيق أن رواية ابن عباس غير مضطربة، ورواية غيره مضطربة، فكان الأخذ بالسالمة من الاضطراب أولى من الأخذ بالروايات المضطربة. ثم إن الزيادة في رواية ابن عباس، لأنها زيادة في الاحتياط والمنع الذي استهدفه الحديث، ثم إن قياس المنع من سفر المرأة على قصر الصلاة قياس فاسد بداهة. فالعلة في هذا غير العلة في ذاك، فالأصل والفرع لا يشتركان في علة واحدة، إذ علة قصر الصلاة للمسافر التخفيف لحصول المشقة بالسفر، وعلة منع المرأة من السفر وحدها حمايتها وتحقيق الأمن لها، ومجرد سفرها وبعدها عن وطنها وأهلها وحماتها يثير الخوف عليها، ولو كان ذلك ميلاً واحداً، ولذا حرمت الخلوة بها ولو كانت في ديار أهلها.
وتفرع من هذه المسألة مسائل:
الأولى: هل ينطبق ذلك على سفرها لحج الفريضة؟ .
الثانية: وهل ينطبق ذلك على سفرها لحج التطوع؟ وللأمور المندوبة؟ .
الثالثة: وهل ينطبق ذلك على سفرها لهجرتها من دار الكفر إلى دار الإسلام؟ .
الرابعة: وهل يطبق ذلك على العجوز التي لا تشتهى كما يطبق على الشابة؟ .
أما عن المسألة الأولى فقد قال النووي أجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا استطاعت، لعموم قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس ... " الحديث. واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في اشتراط المحرم
стр. 2866
لها، فأبو حنيفة يشترطه لوجوب الحج عليها، إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، وحكي ذلك عن الحسن البصري والنخعي.
وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها. قال النووي: قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها. لكن يجوز لها الحج معها. هذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: يلزمها بوجود نسوة أو امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن، ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة، وتكون آمنة والمشهور من نصوص الشافعي وجماهير أصحابه هو الأول. اهـ
ومن الواضح أن مالكاً والشافعية والجمهور اعتمدوا على حكمة التشريع، وعلة منع السفر، ولم يعتمدوا ظاهر النصوص، بينما اعتمد أبو حنيفة نصوص النهي عن سفرها.
وأما عن المسألة الثانية فإن من منعها من السفر لحج الفريضة إلا بالمحرم يمنعها من السفر لحج التطوع وللأمور المندوبة من باب أولى. أما الجمهور الذي أباح لها السفر لحج الفريضة بدون محرم أو زوج فقد اختلفوا، يقول النووي: واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات، كحجة الإسلام وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح، للأحاديث الصحيحة. وقال القاضي واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم. إلا الهجرة من دار الحرب.
المسألة الثالثة الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام. قال القاضي عياض: اتفقوا على أن عليها أن تهاجر من دار الحرب إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينها وبين الحج أن إقامتها في دار الكفر حرام، إذا لم تستطع إظهار الدين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخر عن الحج، فإنهم اختلفوا في الحج. هل هو على الفور؟ أو على التراخي؟ .
المسألة الرابعة قال الباجي: هذا عندي في الشابة، أما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم قال النووي وهذا الذي قاله الباجي لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها، لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته وخيانته ونحو ذلك.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]-
١ - استدل الشافعية بعموم قوله: "إلا ومعها ذو محرم" أن جميع المحارم سواء في ذلك، فيجوز لها المسافرة مع محرمها بالنسب كابنها وأخيها وابن أخيها وابن أختها وخالها وعمها، ومع محرمها بالرضاعة، كأخيها من الرضاع وابن أخيها وابن أختها منه ونحوهم، ومع محرمها من المصاهرة، كأبي زوجها وابن زوجها، ولا كراهة في شيء من ذلك، وكذا يجوز لكل هؤلاء الخلوة بها
стр. 2867
والنظر إليها من غير حاجة، ولكن لا يحل النظر إليها بشهوة من أحدهم. قال النووي: هذا مذهب الشافعي والجمهور، ووافق مالك على ذلك كله إلا ابن زوجها فكره سفرها معه، لفساد الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيراً من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب. وعموم هذا الحديث يرد عليه.
٢ - ومن الرواية الثالثة، ومن قوله "لا تشدوا الرحال ... " إلخ فضيلة هذه المساجد الثلاثة، ومزيتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ولفضل الصلاة فيها. قال النووي ولو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده بحج أو عمرة، ولو نذر الذهاب إلى أحد المسجدين الآخرين فقولان للشافعي أصحهما عن أصحابه يستحب قصدهما، ولا يجب، والثاني يجب، وبه قال كثيرون من العلماء، وأما باقي المساجد سوى الثلاثة فلا يجب قصدها بالنذر، ولا ينعقد نذر قصدها. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا محمد بن مسلمة المالكي فقال: إذا نذر قصد مسجد قباء لزمه قصده، لأن النبي ﷺ كان يأتيه كل سبت راكباً وماشياً، وقال الليث بن سعد: يلزمه قصد ذلك المسجد، أي مسجد كان، وعلى مذهب الجماهير لا ينعقد نذره، ولا يلزمه شيء، وقال أحمد يلزمه كفارة يمين.
واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك. فقال الشيخ الجويني من أصحابنا هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا، وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة. والله أعلم.
٣ - ومن الرواية الثانية عشرة، من قوله: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم" حرمة اختلاء المرأة بالأجنبي من غير ثالث، وهذا باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره، كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم، قال النووي: وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوة أجانب، فإن الصحيح جوازه، لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً في ذلك. وقال القفال كما يحرم على الرجل أن يخلو بامرأة واحدة كذلك يحرم عليه أن يخلو بنسوة، ولو خلا رجل بنسوة وهو محرم إحداهن جاز، قال أصحابنا ولا فرق بين الخلوة في صلاة وغيرها، ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة.
٤ - واستدل بها بعضهم على أن حج الرجل مع امرأته إذا أرادت حجة الإسلام أولى من سفره إلى الغزو.
٥ - واستدل بعضهم بقوله "انطلق فحج مع امرأتك" على وجوب السفر على الزوج مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، وهو وجه الشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه، فلو امتنع إلا بأجرة لزمها، فهو في حقها كالمؤونة.
стр. 2868
٦ - وفيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة، فإن الرجل لما عرض له الغزو والحج رجح الحج، لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها، بخلاف الغزو.
٧ - واستدل به بعضهم على أنه ليس للزوج منع امرأته من الحج الفرض، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي.
٨ - وقد يستدل به على أن الحج على الفور، إذ لو كان على التراخي لقيل للرجل اذهب للغزو هذا العام، واخرج مع امرأتك في عام قابل.
والله أعلم
стр. 2869
(٣٤٩) باب الذكر عند السفر إلى الحج وعند الرجوع منه
٢٨٩٥ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبر ثلاثاً، ثم قال ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ اللهم! إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى. ومن العمل ما ترضى. اللهم! هون علينا سفرنا هذا. واطو عنا بعده. اللهم! أنت الصاحب في السفر. والخليفة في الأهل. اللهم! إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب، في المال والأهل" وإذا رجع قالهن. وزاد فيهن "آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون".
٢٨٩٦ - عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر، يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكون، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال.
٢٨٩٧ - وفي رواية: "في المال والأهل". وفي رواية "قال: يبدأ بالأهل إذا رجع". وفي رواية "اللهم! إني أعوذ بك من وعثاء السفر".
٢٨٩٨ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة، إذا أوفى على ثنية أو فدفد، كبر ثلاثاً. ثم قال "لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. آيبون تائبون عابدون ساجدون. لربنا حامدون. صدق الله وعده. ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده".
٢٨٩٩ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بمثله إلا حديث أيوب فإن فيه التكبير مرتين.
стр. 2870
٢٩٠٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: أقبلنا مع النبي ﷺ ، أنا وأبو طلحة، وصفية رديفته على ناقته. حتى إذا كنا بظهر المدينة قال "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة.
-[المعنى العام]-
السفر قطعة من العذاب، كثير الأخطار، وسائله غير آمنة، فيه بعد عن الأهل ورعايتهم، فكان أحوج أوقات المؤمن إلى الاستعانة بالله ودعائه، لذا كان رسول الله ﷺ يدعو عند السفر بدعاء يناسبه، يعلمه لأمته لتدعوا به، فكان إذا ركب وسيلة السفر يكبر الله تعالى ثلاثاً، ثم يقول سبحان الذي سخر لنا هذا [الذي نركبه] وما كنا له مقرنين [أي وما كنا نستطيع تذليله وترويضه والانتفاع به لولا تدبير الله وتسخيره لنا] وإنا إلى ربنا لمنقلبون [أي وإن رجوعنا من سفرنا هذا وانقلابنا إلى أهلينا بعد غربتنا إنما هو بأمر الله وعونه، لأننا سنرجع إليه في نهاية حياتنا] ثم يسأل الله الخير، ويستعيذ به من الشر، فيقول اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر [وعمل الخير] والتقوى [أي وطاعتك] ومن العمل ما ترضى اللهم هون [ويسر] علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده [وقرب إلينا مسافته] ثم يطلب من الله السلامة في السفر، ورعاية الأهل من بعده، فيقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر [فكن معي برحمتك ورضاك] والخليفة للأهل [فكن لهم من بعدي راعياً] ثم يستعيذ ويطلب العوذ والوقاية من الشر، فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر [ومشقته] وكآبة المنظر [وقبح المنظر من الحزن] وسوء المنقلب [والرجوع السيئ] في المال والأهل".
وكان في رجوعه ﷺ يكثر من التكبير والتهليل والذكر والدعاء، ويقول "آيبون. تائبون. عابدون. لربنا حامدون". فاللهم استجب. وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. آمين.
-[المباحث العربية]-
(كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً) الاستواء العلو والركوب وفي مناسبة التكبير للعلو سواء هنا بالركوب، أو الصعود على مرتفع كما سيأتي في الرواية الثالثة قال المهلب تكبيره ﷺ عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله ، وأنه أكبر من كل شيء، وكذا عندما تقع العين على عظيم من خلقه. وقال الحافظ ابن حجر ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس، لما فيه من استشعار الكبرياء، فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى، وأنه أكبر من كل شيء فيكبره ليشكر له ذلك، فيزيده من فضله.
стр. 2871
﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ هذا جزء الآية الثالثة عشرة والآية الرابعة عشرة من سورة الزخرف، قال تعالى ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتاً كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ فالآية في ركوب الفلك والأنعام، ويلحق بها كل وسيلة سفر، ومعنى ﴿وما كنا له مقرنين﴾ أي وما كنا له مطيقين، أي وما كنا عليه قادرين بقدرتنا، لولا أن سخرته وذللته لنا. وحقيقة أقرنه جعله أو وجده قرينه، والصعب لا يكون قريناً للضعيف، وحاصل المعنى أنه ليس لنا من القوة ما نضبط به الدابة والفلك، إنما الله تعالى هو الذي سخر لنا ذلك، وضبطه لنا. ﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ راجعون. وفيه إيذان بأن حق الراكب أن يتأمل فيما يلابسه من السير، ويتذكر منه المسافرة العظمى التي هي الانقلاب إلى الله تعالى، فيبني أموره في مسيرة ذلك على تلك الملاحظة، ولا يأتي بما ينافيها، ومن ضرورة ذلك أن يكون ركوبه لأمر مشروع، وفيه إشارة إلى أن الركوب مخطرة، فلا ينبغي أن يغفل فيه عن تذكر الآخرة.
(البر والتقوى) أي البر بالناس والإحسان إليهم وطاعتك وتقواك.
(وعثاء السفر) بفتح الواو وسكون العين وبالثاء والمد، المشقة والشدة.
(كآبة المنظر) أي تغير النفس من الحزن ونحوه.
(سوء المنقلب) بفتح اللام، أي سوء المرجع، أي الرجوع السيئ في المال والأهل.
(آيبون. تائبون ... إلخ) "آيبون" أي راجعون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فهو أمر واضح لا يحتاج إلى إخبار، فيشبه تحصيل الحاصل، وإنما المراد راجعون بهذه الأوصاف التوبة والعبادة وحمد الله.
(والحور بعد الكور) الحور النقص، والكور الزيادة، والمعنى نعوذ بك من النقص بعد الزيادة، وقيل من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل من البعد عن الجماعة بعد أن كنا معهم. قال النووي في معظم النسخ من صحيح مسلم "الكون" بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم. قال القاضي وهكذا رواه الفارسي وغيره من رواة مسلم. قال ورواه العذري بعد الكور بالراء. قال النووي كلاهما روايتان، وممن ذكر الروايتين جميعاً الترمذي في جامعه وخلائق من المحدثين، قالوا ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، يقال كار عمامته إذا لفها وحارها إذا أنقضها، ورواية النون مأخوذة من الكون. مصدر كان يكون كوناً، إذا وجد واستقر، فالمعنى على الراء نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها، كفساد العمامة
стр. 2872
بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون نعوذ بك من أن نكون في حالة سيئة بعد أن كنا في حالة جميلة.
(ودعوة المظلوم) ليس المقصود الاستعاذة من دعوة المظلوم، بل المراد الاستعاذة من سببها وهو الظلم، الذي يترتب عليه دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.
(قفل من الجيوش أو السرايا) أي رجع من الغزو، والمراد به قصد النبي ﷺ الكفار بنفسه أو بجيش من قبله و"السرايا". جمع سرية، بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء، وهي قطعة من الجيش تخرج بالليل لمهمة ثم تعود، وتقدر عدداً من مائة إلى خمسمائة.
(إذا أوفى على ثنية أو فدفد) معنى "أوفى" ارتفع وعلا. والثنية في الجبل كالعقبة فيه، وقيل هو الطريق العالي فيه، وقيل أعلى المسيل في رأسه. و"الفدفد" بفاءين مفتوحتين بينهما دال ساكنة هو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع، وقيل هو الفلاة التي لا شيء فيها وقيل غليظ الأرض ذات الحصى، وقيل الجلد من الأرض في ارتفاع، أي المكان المرتفع الصلب، وجمعه فدافد.
(صدق الله وعده) أي صدق وعده في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعد الله ، وهو لا يخلف الميعاد، فالوعد على عمومه، ويحتمل أن المراد بالوعد هنا وعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر في غزوة الأحزاب، ويكون في ذلك تكذيب لقول المنافقين والذين في قلوبهم مرض ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾ [الأحزاب: ١٢].
(ونصر عبده) محمداً ﷺ على الكفار مطلقاً، بإظهار دينه، أو نصره على الأحزاب يوم الخندق.
(وهزم الأحزاب وحده) أي من غير قتال من الآدميين، والحزب القطعة المجتمعة من الناس، والمراد الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق، وتحزبوا على رسول الله ﷺ ، فأرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، ويحتمل أن المراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن، فاللام إما عهدية، وإما جنسية.
(وصفية رديفته على ناقته) كان ذلك في طريق العودة من خيبر.
(كنا بظهر المدينة) أي أعلاها ومشارفها.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: ظاهر قوله [في الرواية الثالثة] "من غزو أو حج أو عمرة" اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاثة، وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يشرع قول ذلك في كل سفر طاعة، كصلة الرحم، وطلب العلم، لما يشمل الجميع من اسم الطاعة وقيل يتعدى أيضاً إلى المباح، لأن المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل يشرع في سفر المعصية أيضاً، لأن
стр. 2873
مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، قال وهذا التعليل متعقب، لأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله، وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص. فذهب قوم إلى الاختصاص، لكونها عبادات مخصوصة، شرع لها ذكر مخصوص، فتختص به، كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة.
وقال [عن الرواية الثالثة أيضاً] قول لا إله إلا الله ... إلخ يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان المرتفع ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متسعاً أكمل الذكر المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبح، ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقاً عقب التكبير، ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط.
قال القرطبي وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المتفرد بإيجاد جميع المخلوقات والموجودات، وأنه المعبود في كل الأماكن. اهـ
وفي قوله "تائبون" إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله ﷺ على سبيل التواضع، أو تعليماً لأمته، أو المراد أمته.
وفي الرواية الثانية التحذير من الظلم، ومن التعرض لأسبابه.
والله أعلم
стр. 2874
(٣٥٠) باب النزول ببطحاء ذي الحليفة
٢٩٠١ - عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة. فصلى بها. وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك.
٢٩٠٢ - عن نافع، قال: كان ابن عمر ينيخ بالبطحاء التي بذي الحليفة. التي كان رسول الله ﷺ ينيخ بها ويصلي بها.
٢٩٠٣ - عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة. التي كان ينيخ بها رسول الله ﷺ .
٢٩٠٤ - عن سالم، عن أبيه ﵁. أن رسول الله ﷺ أتي في معرسه بذي الحليفة. فقيل له: إنك ببطحاء مباركة.
٢٩٠٥ - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵁. أن النبي ﷺ أتي وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي. فقيل: إنك ببطحاء مباركة. قال موسى: وقد أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبد الله ينيخ به. يتحرى معرس رسول الله ﷺ . وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي. بينه وبين القبلة. وسطاً من ذلك.
-[المعنى العام]-
إن مناسك الحج أساسها فعل الرسول ﷺ ، وقوله "خذوا عني مناسككم" ولا خوف في هذا بالنسبة للشعائر، أما ما لابس الشعائر من هيئات الركوب أو المشي أو الوقوف أو الجلوس أو النزول في منزل أو سلوك طريق من الطرق ونحو ذلك فقد تمسك باستحبابه جماعة الملتزمين، وعلى رأسهم ابن عمر ﵄، ولم يتمسك به آخرون رأوا أن ذلك كان أمراً اتفاقياً، ولم يكن مقصوداً بالاستحباب، ولم يتطلبه هدف ديني، والكل متفق على أن من اقتدى به ﷺ في مثل
стр. 2875
هذه الأمور مستشعراً الاقتداء به، قاصداً المتابعة والأسوة الحسنة له أجر، لكن هل هو أجر العمل؟ أو أجر النية والقصد؟ هذا موطن الخلاف، ومن هذا القبيل ما نحن فيه من نزوله ﷺ بالأبطح عند ذي الحليفة في طريق عودته إلى المدينة من حجة الوداع، فصلى الله وسلم عليه ورضي عن أصحابه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة) أي أناخ بعيره، ونزل، ونزل المسلمون معه ليستريحوا من السفر، وليقضوا وقتاً بها، والبطحاء هو التراب الذي في مسيل الماء، وقيل إنه مجرى السيل إذا جف واستحجر، والبطحاء التي بذي الحليفة معروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس. وقوله "التي بذي الحليفة" احتراز عن البطحاء التي بمكة بين مكة ومنى والمعروفة باسم المحصب، وقد سبق الكلام عليها في باب خاص قبل باب الهدي.
وكان هذا النزول في عودته من الحج إلى المدينة، كما تشير إلى ذلك الرواية الثالثة بقولها "كان إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء" أي إذا رجع من الحج والعمرة.
(أتى في معرسه) قال القاضي المعرس [بضم الميم وفتح العين وتشديد الراء المفتوحة] موضع النزول. قال أبو زيد عرس القوم في المنزل إذا نزلوا به، أي وقت كان من ليل أو نهار، وقال الخليل والأصمعي: التعريس النزول في آخر الليل، اهـ و"أتى" مبني للمجهول، أي أتاه الملك فقال له إنك ببطحاء مباركة.
(أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد) أي بالمكان الذي أناخوا فيه من المسجد.
-[فقه الحديث]-
قال النووي قال القاضي: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاج ليس من مناسك الحج، وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركاً بآثار النبي ﷺ ولأنها بطحاء مباركة. قال واستحب مالك النزول والصلاة فيه، وألا يجاوزه حتى يصلي فيه، وإن كان في غير وقت الصلاة مكث حتى يدخل وقت الصلاة فيصلي. قال وقيل إنما نزل به ﷺ في رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلاً، كما نهي عنه صريحاً في الأحاديث المشهورة. والله أعلم.
وللحديث علاقة بحديث نزول الأبطح الذي بين مكة ومنى وقد سبق في باب خاص بعد باب رمي جمرة العقبة إلخ فليراجع.
والله أعلم
следующие страницы →