← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

كتاب النكاح

стр. 2942

النكاح في اللغة: الضم والتداخل. قال الحافظ ابن حجر: وتجوز من قال إنه الضم، وقال الفراء: العرب تقول: نكح المرأة بضم النون وسكون الكاف، ويجوز كسر النون بضعها، وهو كناية عن الفرج، فإذا قالوا: نكحها أرادوا أصاب ناكحها، وهو فرجها، وقلما يقال: ناكحها، كما يقال: باضعها. اهـ وظاهر هذا أن النكاح حقيقة في الوطء، واستعماله في العقد والزواج مجاز، من إطلاق المسبب وإرادة السبب، لأن العقد سبب شرعي للوطء. وقيل: هو حقيقة فيهما وإن كثر استعماله في الوطء. قال ابن فارس والجوهري وغيرهما من أهل اللغة: النكاح الوطء، وقد يكون العقد، يقال نكحتها، ونكحت هي، أي تزوجت، وأنكحته زوجته، وهي ناكح أي ذات زوج، واستنكحها تزوجها. وقيل: هو حقيقة فيهما، تحدد القرينة المراد منهما. قال ابن فارس: والعرب فرقت بينهما فرقاً لطيفاً، فإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان، أو أخته، أرادوا عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته لم يريدوا إلا الوطء، لأنه بذكر امرأته أو زوجته يستغنى عن ذكر العقد. وقال بعض أهل اللغة: أصله لزوم شيء لشيء مستعلياً عليه، ويكون في المحسوسات وفي المعاني، قالوا: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، ونكحت القمح في الأرض، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل. هذا عن أهل اللغة، أما الفقهاء فالحنفية على أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد. ويؤيدهم قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فالمراد منه هنا الوطء، لأن العقد لا يكفي باتفاق، لحديث "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". وعند الشافعية ثلاثة أقوال. أصحها حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، والحجة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد، حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، حتى قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ المراد به العقد، ومعناه حتى تتزوج، فالعقد شرط أساسي لا بد منه، أما أنه غير كاف بمجرده فأمر خارجي زائد بينته السنة، وأنه لا بد مع العقد من ذوق العسيلة، كما أنه لا بد من التطليق ثم العدة. القول الثاني عند الشافعية كقول الحنفية، حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، القول الثالث أنه حقيقة فيهما، مقول بالاشتراك على كل منهما، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر. وأما قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦]. فليس مما نحن فيه، إذ لا يراد به العقد على الحقيقة، ولا يراد به الوطء على الحقيقة، وإنما المراد به الحلم، أي الاحتلام والإنزال. أما أوضاع النكاح في الجاهلية قبل الإسلام فتصورها عائشة ﵂، إذ تقول: كانت مناكح أهل الجاهلية على أربعة أقسام: أحدها: مناكح الرايات، وهو أن المرأة كانت تنصب على بابها راية، لتعرف أنها عاهرة، فيأتيها الناس.

стр. 2943

والثاني: أن الرهط من القبيلة أو الناحية كانوا يجتمعون على وطء امرأة، لا يخالطها غيرهم، فإذا جاءت بولد ألحق بأشبههم. الثالث: نكاح الاستبضاع أو الاستخبار، وهو أن المرأة إذا أرادت أن يكون ولدها كريماً بذلت نفسها لعدة من فحول القبائل، ليكون ولدها كأحدهم. الرابع: النكاح الصحيح في الإسلام. والله أعلم

стр. 2944

(٣٦٢) باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ٣٠٠٦ - عن علقمة قال: كنت أمشي مع عبد الله بمنى. فلقيه عثمان. فقام معه يحدثه. فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن! ألا نزوجك جارية شابة. لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك. قال فقال عبد الله: لئن قلت ذاك، لقد قال لنا رسول الله ﷺ "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج. فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم. فإنه له وجاء". ٣٠٠٧ - عن علقمة قال: إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود بمنى. إذ لقيه عثمان بن عفان. فقال: هلم! يا أبا عبد الرحمن! قال: فاستخلاه. فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة قال: قال لي: تعال يا علقمة. قال: فجئت. فقال له عثمان: ألا نزوجك، يا أبا عبد الرحمن! جارية بكراً. لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد؟ فقال عبد الله: لئن قلت ذاك. فذكر بمثل الحديث السابق. ٣٠٠٨ - عن عبد الله ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج. فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع، فعليه بالصوم. فإنه له وجاء". ٣٠٠٩ - عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: دخلت أنا وعمي علقمة والأسود، على عبد الله بن مسعود. قال: وأنا شاب يومئذ. فذكر حديثاً رئيت أنه حدث به من أجلي. قال: قال رسول الله ﷺ . بمثل حديث أبي معاوية السابق وزاد: قال: فلم ألبث حتى تزوجت. ٣٠١٠ - عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: دخلنا عليه وأنا أحدث القوم. بمثل السابق. ولم يذكر: "فلم ألبث حتى تزوجت".

стр. 2945

٣٠١١ - عن أنس ﵁ أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه، فقال "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام. وأصوم وأفطر. وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني". ٣٠١٢ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل. ولو أذن له لاختصينا. ٣٠١٣ - عن سعد ﵁ قال: رد على عثمان بن مظعون التبتل. ولو أذن له لاختصينا. ٣٠١٤ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل. فنهاه رسول الله ﷺ . ولو أجاز له ذلك لاختصينا. -[المعنى العام]- رغب الإسلام في النكاح بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢]. وحث رسول الله ﷺ شباب الأمة على الزواج في مواطن كثيرة، وبأحاديث جمة، نعرض لها في فقه الحديث، وأبرزها هذا الحديث الذي يعرض علقمة قصة وظروف رواية ابن مسعود له، فيقول: كنت أمشي في منى أنا وابن مسعود، فقابلنا عثمان بن عفان، فطلب من ابن مسعود أن يختلي به، فأمسك بيده، وكان ابن مسعود قد فقد زوجته، فقال له عثمان: ألا نساعدك في زواجك بشابة صغيرة تعيد لك بعض شبابك؟ وتذكرك بما مضى من نشاطك وحيويتك وشهواتك؟ وأراد ابن مسعود أن يعتذر لعثمان برفق، فبين له أن هذا المطلب يوجه للشباب، وليس لأمثال ابن مسعود من الشيوخ، فإن رسول الله ﷺ وجهه للشباب، فقال: يا معشر الشباب من استطاع منكم الزواج فليتزوج، فإن الزواج يساعد على غض البصر، وعلى حصانة الفرج، ومن لم يستطع الزواج فعليه بالصوم، فإن الصوم يساعد على ضعف الشهوة. ويسوق الإمام مسلم حديثا آخر يؤكد استحباب الزواج والحث عليه، وهو أن النبي ﷺ قال لمن عزم على التبتل والبعد عن النساء من أجل العبادة: ليس فيما عزمت عليه تقرب إلى الله، فأنا أقرب الناس إلى الله لكني أتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.

стр. 2946

ويسوق الإمام مسلم حديثاً ثالثاً مؤداه أن النبي ﷺ نهى عن التبتل والخصاء للانقطاع للعبادة لأن من أهداف الإسلام ومقاصده كثرة النسل والترغيب في النكاح، ووضع الشهوات في الإطار الذي حدده الإسلام. -[المباحث العربية]- (كنت أمشي مع عبد الله) أي ابن مسعود، وفي الرواية الثانية "إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود". (بمنى) قال الحافظ ابن حجر: كذا وقع في أكثر الروايات، وفي رواية ابن حبان "بالمدينة" وهي شاذة. (فقام معه يحدثه) ليس المراد القيام من قعود أو اضطجاع، فقد كان يمشي، وإنما المراد ناداه، وأخذه معه، وفي الرواية الثانية "فقال: هلم يا أبا عبد الرحمن: فاستخلاه" أي طلب أن يختلى به، هكذا فهم علقمة من نداء عثمان له، وفي رواية البخاري "يا أبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجة" قال علقمة "فخليا" قال الحافظ ابن حجر: كذا للأكثر "فخليا" وفي رواية "فخلوا" بالواو المفتوحة وألف الاثنين. قال ابن التين: وهي الصواب، لأنه واوي، يعني من الخلوة، مثل "دعوا" وفي رواية "فلقى عثمان، فأخذ بيده، فقاما -أي أخذاً يمشيان- وتنحيت عنهما". (ألا نزوجك جارية شابة؟ ) لعل عثمان عرض عليه هذا العرض لما رأى عليه من هيئة رثة غير أنيقة، نتيجة لفقد الزوجة التي ترفهه، وفي الرواية الثانية "ألا نزوجك جارية بكراً"؟ وفي رواية البخاري "هل لك في أن نزوجك بكراً"؟ ولعل عثمان ذكر العبارات الثلاث "جارية وشابة وبكراً" فذكر كل راو ما لم يذكر الآخر، والجارية هي البنت أو الفتاة الصغيرة السن. (لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ ) في الرواية الثانية "لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد"؟ وفي رواية ابن حبان "لعلها أن تذكرك ما فاتك" والمعنى تعيد إليك بعض نشاط الشباب مع الشابات من المداعبة والحركة والإثارة مما ينعش البدن، ويبعث الحيوية في الجسم، وذكر "لعل" لأن هذه النتيجة غالبة وليست بلازمة، وعندما يعود إليه بعض النشاط يتذكر به ما مضى من قوة النشاط. (فقال عبد الله: لئن قلت: ذاك؟ ) أي ذاك الذي طلبتني من أجله؟ لقد حسبت أنك ستسر إلي أمراً يستر عن علقمة، تعال يا علقمة، تعال يا علقمة فاسمع ما يقوله عثمان، وفي الرواية الثانية "فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة قال لي: تعال يا علقمة"، وفي بعض الروايات "فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة يسرها قال: ادن يا علقمة" وفي الرواية الثانية "قال: فجئت، فقال له عثمان: ألا نزوجك .......... فقال عبد الله: لئن قلت ذاك" لقد قال لنا رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب"

стр. 2947

إلخ، فظاهر الرواية الثانية أن قول عثمان لعبد الله: ألا نزوجك .... ؟ إلخ كان بعد عودة علقمة لهما، ويؤكد هذا ما جاء في بعض الروايات بلفظ "فانتهيت إليه، وهو يقول: ألا نزوجك ... "؟ وظاهر الرواية الأولى أن قول عثمان لعبد الله: "ألا نزوجك ... " كان قبل عودة علقمة، وقد جمع الحافظ ابن حجر بين هذين المتعارضين ظاهراً بأنه يحتمل أن يكون عثمان أعاد على ابن مسعود -بعد عودة علقمة- ما كان قد قاله له قبل عودة علقمة، لكونه فهم منه إرادة إعلام علقمة بما كان. (يا معشر الشباب) المعشر هم الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والعلماء معشر، والنساء معشر، والشباب جمع شاب، ويجمع أيضاً على شببة، وشبان، بضم الشين وتشديد الباء، وذكر الأزهري أنه لم يجمع فاعل على فعلان غيره، وأصله الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين سنة، هكذا أطلق الشافعية، وقال القرطبي في المفهم: يقال له: "حدث" بفتح الحاء والدال -إلى ستة عشر- والحداثة سن الشباب- ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين، ثم كهل، وكذا ذكر الزمخشري، وقال ابن شاس المالكي: إلى الأربعين، وقال النووي: الأصح المختار أن الشاب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ، وقال الروياني في وظائفه من جاوز الثلاثين سمي شيخاً، زاد ابن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين. قال أبو إسحق الإسفرايني عن الأصحاب: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما بياض الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة. اهـ ووجه الخطاب للشباب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح، فهم مظنة شهوة النساء، ولا ينفكون عنها غالباً، بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبراً إذا وجد السبب في الشيوخ والكهول أيضاً. (من استطاع منكم الباءة فليتزوج) قال النووي: "الباءة" فيها أربع لغات، حكاها القاضي عياض: الفصيحة المشهورة بالمد والهاء، الثانية "الباة" بلا مد، والثالثة "الباء" بالمد بلا هاء، والرابعة "الباهة" بهاءين بلا مد، وأصلها في اللغة الجماع، مشتقة من الباءة، وهي المنزل، ومنه مباءة الإبل، وهي مواطنها، ثم قيل لعقد النكاح باءة، لأن من تزوج امرأة بوأها منزلاً. ثم قال: واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين، يرجعان إلى معنى واحد، أصحهما أن المراد معناها اللغوي، وهو الجماع، فتقديره من استطاع منكم الجماع، لقدرته على مؤنه، وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع، لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم، ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء. والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم، ليدفع شهوته. قال: والذي حمل القائلين بهذا على هذا قوله ﷺ "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم -أي معنى الجماع ومؤنة النكاح. ويراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤن التزويج، وكأنه يرشد من لا يستطيع الجماع من الشباب

стр. 2948

لفرط حياء، أو عدم شهوة، أو عنة مثلاً إلى ما يهيئ له استمرار تلك الحالة، فيكون قسم الشباب إلى قسمين، قسم يتوقون إليه، ولهم اقتدار عليه، فندبهم إلى التزويج، دفعاً للمحذور، خلاف الآخرين، فندبهم إلى أمر تستمر به حالتهم، لأن ذلك أرفق بهم للعلة التي ذكرت. (فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج) أي أشد غضاً للبصر، أي يزيد في غض البصر إلى الأجنبية لما يحدثه إشباع الشهوة في الحلال من عدم الرغبة -كما سيأتي في باب من رأي امرأة فوقعت في نفسه- وأشد إحصاناً للفرج، ومنعاً من الوقوع في الفاحشة، وأفعل التفضيل "أغض، وأحصن" على بابها، فإن التقوى سبب لغض البصر، وتحصين الفرج، وحصول التزويج يزيد الغض والإحصان عما كان عليه بفعل التقوى، ويحتمل أن أفعل التفضيل ليس على بابه، وأن المراد به مجرد الوصف، ليس الزيادة فيه، أي فإنه يغض البصر، ويحصن الفرج. (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) قال المازري: فيه إغراء الغائب، وأصول النحويين أن لا يغرى الغائب، وقد تعقبه القاضي عياض بأنه ليس في الحديث إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولاً. (فإنه له وجاء) بكسر الواو، والمد، وأصله الغمز، ومنه وجأه في عنقه إذا غمزه دافعا له، ووجأه بالسيف إذا طعنه به، والوجاء رض الأنثيين، بخلاف الإخصاء، فهو سلهما، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة، بمعنى أن الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المني، كما يفعل الوجاء. (عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخلت أنا وعمي علقمة والأسود على عبد الله بن مسعود) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ، وهو الصواب، قال القاضي: ووقع في بعض الروايات "أنا وعماي علقمة والأسود" وهو غلط ظاهر، لأن الأسود أخو عبد الرحمن بن يزيد، لا عمه، وعلقمة عمهما جميعاً. (فذكر حديثاً رئيت أنه حدث به من أجلي) قال النووي: هكذا هو في كثير من النسخ، وفي بعضها "رأيت" وهما صحيحان، الأول من الظن، والثاني من العلم. (أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ في رواية البخاري "جاء ثلاثة رهط" ولا منافاة بينهما، فالرهط من ثلاثة إلى عشرة، والنفر من ثلاثة إلى تسعة، وكل منهما اسم جمع، لا واحد له من لفظه. قال الحافظ ابن حجر: ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق أن النفر، أو الثلاثة المذكورين هم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن مظعون، وقال: ووقع في "أسباب الواحدي" بغير إسناد "أن رسول الله ﷺ ذكر الناس وخوفهم، فاجتمع عشرة من الصحابة -وهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو ذر وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد وسليمان وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعقل بن مقرن- في بيت عثمان بن مظعون، فاتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، ولا يقربوا النساء، ويجبوا مذاكيرهم". قال

стр. 2949

الحافظ: فإن كان هذا محفوظاً احتمل أن يكون الرهط الثلاثة هم الذين باشروا السؤال، فنسب ذلك إليهم بخصوصهم تارة، ونسب تارة للجميع، لاشتراكهم في طلبه. قال الحافظ: لكن في عبد الله بن عمرو معهم نظر، لأن عثمان بن مظعون مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب. (فقال بعضهم: لا أتزوج النساء) في رواية البخاري أنهم سألوا أزواجه ﷺ عن عبادته في بيته "فلما أخبروا كأنهم تقالوها -أي استقلوها، أي رأى كل منهم أنها قليلة- فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم: أما أنا فأعتزل النساء فلا أتزوج أبدا". (وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش) في رواية البخاري "فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء" وظاهر هذا زيادة عدد القائلين عن ثلاثة، لأن ترك أكل اللحم أخص من مداومة الصيام، واستغراق الليل بالصلاة أخص من ترك النوم على الفراش، ويمكن التوفيق بشيء من التجوز. (فحمد الله وأثنى عليه) في الكلام حذف، أوضحته عبارة مسلم في بعض الروايات، وفيها "فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه". (ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا؟ ) وفي رواية البخاري "فجاء إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ " والتوفيق بينهما أن يقال: إنه ﷺ منع من مثل هذا القول جهراً وعموماً، مع عدم تعيينهم، ثم وجههم خصوصاً فيما بينه وبينهم، رفقاً بهم، وستراً عليهم. (لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء) في رواية البخاري "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء". (فمن رغب عن سنتي فليس مني) الرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد من السنة الطريقة، وليست التي تقابل الفرض، والمعنى من ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري فليس مني، وألمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، قال تعالى ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ [الحديد: ٢٧]. وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه، قال تعالى ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فليفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل. ومعنى "فليس مني" أن الرغبة إن كانت بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه فمعناها ليس على طريقتي، ولا يلزم من ذلك أنه يخرج عن الملة، وإن كان إعراضاً وتنطعاً يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله فمعناها ليس على ملتي، لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر. (رد علي عثمان بن مظعون التبتل) قال النووي: قال العلماء "التبتل" هو الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعاً إلى عبادة الله، وأصل التبتل القطع، ومنه: مريم البتول، وفاطمة البتول،

стр. 2950

لانقطاعهما عن نساء زمانهما، ديناً وفضلاً ورغبة في الآخرة، ومنه: صدقة بتلة، أي منقطعة عن تصرف مالكها، وقال الطبري: التبتل هو ترك لذات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إلى الله تعالى بالتفرغ للعبادة، ومعنى "رد عليه التبتل" نهاه عنه، ولم يأذن له، فقد أخرج الطبراني من حديث عثمان بن مظعون نفسه "أنه قال: يا رسول الله، إني رجل يشق علي العزوبة، فأذن لي في الخصاء. قال: لا، ولكن عليك بالصيام" فيحتمل أن الذي طلبه عثمان هو الاختصاء حقيقة، فعبر عنه الراوي بالتبتل، لأنه ينشأ عنه. (ولو أذن له لاختصينا) معناه لو أذن له في الانقطاع عن النساء والتبتل لكان مأذوناً لنا فيه أيضاً وتبتلنا، وعبر عن التبتل بالاختصاء لإرادة المبالغة، أي لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء. وفي الرواية التاسعة: ولو أجاز له ذلك لاختصينا" والخصية بضم الخاء وكسرها البيضة، وللذكر من أعضاء تناسله خصيتان، وسل البيضتين من جلدهما هو الخصي ويكون في الإنسان والحيوان، والخصي يجتث الشهوة الجنسية. -[فقه الحديث]- في هذه الأحاديث الحث على النكاح والترغيب فيه، وهناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى، وإن كان بعضها ضعيف الإسناد، نوردها لما فيها من المعنى الوارد المشروع وننبه على ما فيها. ١ - في مسند أحمد وصحيح البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا. قال: تزوج، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء. ٢ - وفي سنن الترمذي وابن ماجه عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن التبتل، وقرأ قتادة ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ [الرعد: ٣٨]. قال الترمذي: حديث حسن غريب. ٣ - وفي مسند الفردوس عن ابن عمر مرفوعاً "حجوا تستغنوا، وسافروا تصحوا، وتناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم" وفي إسناده ضعف. ورواه البيهقي عن الشافعي، وزاد في آخره "حتى بالسقط". ٤ - ورواه البيهقي عن أبي أمامة بلفظ "تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى" وفي إسناده ضعف. ٥ - وعند الدارقطني في المؤتلف، وابن قانع في الصحابة عن حرملة بن النعمان بلفظ "امرأة ولود أحب إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" وقد ضعف إسناده ابن حجر، لكنه قال: حديث "إني مكاثر بكم الأمم" صح من حديث أنس، وورد من حديث أبي أمامة والصنابحي.

стр. 2951

٦ - وعند ابن ماجه عن عائشة ﵄ أن النبي ﷺ قال: "النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء". ٧ - وفي مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة". ٨ - وعند النسائي والطبراني بإسناد حسن عن أنس عن النبي ﷺ "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة". ٩ - وعند الترمذي والدارقطني والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً "ثلاثة حق على الله إعانتهم، المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد أن يستعف، والمكاتب يريد الأداء". ١٠ - وعند الحاكم عن أنس بلفظ "من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني" قال النووي: في هذا الحديث الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت إليه نفسه، وهذا مجمع عليه، لكنه عندنا وعند العلماء كافة أمر ندب، لا إيجاب، فلا يلزم التزوج ولا التسري، سواء خاف العنت أم لا. هذا مذهب العلماء كافة، ولا يعلم أحد أوجبه إلا داود ومن وافقه من أهل الظاهر، ورواية عن أحمد، فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوج أو يتسرى. قالوا: وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة، ولم يشترط بعضهم خوف العنت. قال أهل الظاهر: إنما يلزمه التزوج فقط، ولا يلزمه الوطء، وتعلقوا بظاهر الأمر في هذا الحديث "فليتزوج" مع غيره من الأحاديث -المشابهة- مع القرآن الكريم في قوله ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]. وغيرها من الآيات. اهـ وقد رد عليهم العلماء من وجوه: الأول: أن الآية التي احتجوا بها خيرت بين النكاح والتسري ﴿فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ قالوا: والتسري ليس واجباً اتفاقاً، فيكون التزويج غير واجب، إذ لا يقع التخيير بين واجب ومندوب، لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب، وأن تاركه لا يكون آثماً. الثاني: أن الواجب عندهم العقد، لا الوطء، والعقد بمجرده لا يدفع مشقة التوقان، فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث، وما تناوله الحديث لم يذهبوا إليه. الثالث: في الحديث المستدل به "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" والصوم الذي هو البدل ليس بواجب فالمبدل عنه مثله، ليس بواجب. وقد تخلص بعضهم من هذه الوجوه، فقيد وجوبه بما إذا لم يندفع التوقان بالتسري، فإذا لم يندفع تعين التزويج، صرح بذلك ابن حزم فقال: وفرض على كل قادر على الوطء إذا وجد ما يتزوج به أو يتسرى، أن يفعل أحدهما، فإذا عجز عن ذلك فليكثر من الصوم. وهو قول جماعة من السلف. وتخلصوا من الإشكال الثاني بأن قالوا بوجوب الوطء. وردوا الإشكال الثالث بأن بدل الواجب عند العجز لا يلزم أن يكون واجباً، فالأمر

стр. 2952

بالصوم مرتب على عدم الاستطاعة، ولا استحالة أن يقول القائل: أوجبت عليك كذا، فإن لم تستطع فأندبك إلى كذا. والتحقيق أن النكاح تلحقه الأحكام الشرعية المختلفة، لاختلاف الظروف التي تحيط به. فالنكاح في حق من يخل بالزوجة في الوطء، ويعرضها للفحش، فلا يعفها لعدم قدرته أو عدم حاجته، ومن لا يستطيع الإنفاق فيعرض الزوجة للهلاك أو الانحراف. النكاح في مثل هذه الحالات حرام، لأنه يؤدي إلى الحرام. والنكاح في حق من خاف العنت والزنا، ولا ينكف عن الزنا إلا به، وهو قادر عليه دون موانع، النكاح في حقه واجب، لأن الإعفاف واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وعلى هذه الحالة يحمل ما جاء بالوجوب عند أحمد، إذ المشهور عنه أنه لا يجب للقادر التائق إلا إذا خشي العنت، وما جاء بالوجوب في عبارة المازري إذ قال: الذي نطق به مذهب مالك أنه مندوب، وقد يجب عندنا في حق من لا ينكف عن الزنا إلا به. وعبارة القرطبي إذ يقول: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب التزويج عليه، وعبارة ابن دقيق العيد حيث جعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقدر على النكاح، وتعذر التسري. والنكاح إذا قصد به معنى شرعي ممدوح من كسر شهوة، وإعفاف نفس، وتحصين فرج، ورغبة في نسل، مع القدرة عليه، وعدم الموانع هو مستحب، وعلى هذه الحالة يحمل قول القاضي عياض: هو مندوب في حق كل من يرجى منه النسل، ولو لم يكن له في الوطء شهوة، وكذا في حق من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء. والنكاح في حق غير التائق، وغير الخائف من العنت مكروه إذا كان سيحول بينه وبين طاعة واجبة أو مستحبة كطلب علم وحج فرض، وكذا نكاح من لا ينسل إذا لم ترض الزوجة بذلك. بقي النكاح لمن لا أرب له في النساء، ولا في الاستمتاع، وبعبارة أخرى النكاح من حيث هو نكاح بقطع النظر عن الظروف الرافعة من قدره، وبقطع النظر عن الظروف الموصلة إلى آفاته. هل هو مباح؟ أو مستحب؟ يرى جمهور الشافعية أن من يجد المؤن ولا تتوق للنكاح نفسه، أن ترك النكاح للتخلي للعبادة أفضل. قال النووي: ومذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وبعض أصحاب مالك أن النكاح أفضل. يحتج للأولين بقوله تعالى في حق يحيى ﵇ ﴿وسيداً وحصوراً﴾ [آل عمران: ٣٩]. وهو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن، فمدح الله به، ولو كان النكاح أفضل ما مدح به. ورد هذا الاحتجاج بأنه ليس في مدح حال يحيى ﵇ بذلك ما يدل على أنه أفضل من النكاح، فإن مدح الصفة في ذاتها لا يقتضي ذم غيرها، فقد تكون الصفة حسنة وغيرها أحسن منها. فالجهاد المندوب حسنة، وعدمه لبر الوالدين أحسن منه، والنكاح تميز

стр. 2953

على العبادة بفوائده التي هي في معناها عبادة، من تحصين النفس، وبقاء الولد الصالح وغير ذلك. ويحتج للأولين أيضاً بأن النكاح اتجاه نحو الشهوات والملذات، والفضيلة في المنع منها، بل مأمور بالبعد عنها، أو الزهد فيها. ورد هذا الاحتجاج بأن النكاح له مقاصد حسنة غير قضاء الشهوة من تحصين المرأة والنسل وغير ذلك. ويحتج للأولين أيضاً بما قاله الشافعي من أن النكاح معاملة، فلا فضل لها على العبادة، ورد بأن هذا نظر إلى صورة النكاح أيضاً دون معناه، ففي معناه عبادة كما سبق، ثم إن الأمر بالنكاح، والنهي عن الرهبانية وما ذكرناه في أول فقه الحديث من نصوص في الترغيب في النكاح كل ذلك يؤكد أن النكاح عبادة مطلوبة، ويكفي فيها "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" و"من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني". -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من الرواية الأولى من قول عثمان "ألا نزوجك" استحباب عرض الصاحب على صاحبه أن يتزوج إذا لم تكن له زوجة، وهو صالح للزواج وإن كان كبيراً. ٢ - وفيه استحباب نكاح الشابة، قال النووي: لأنها المحصلة لمقاصد النكاح، فإنها ألذ استمتاعاً، وأطيب نكهة، وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح، وأحسن عشرة، وأفكه محادثة، وأجمل منظراً، وألين ملمساً، وأقرب إلى أن يعودها زوجها الأخلاق التي يرتضيها. ٣ - ومن استخلاء عثمان بابن مسعود استحباب الإسرار بمثل هذا، فإنه مما يستحيا من ذكره بين الناس. ٤ - ومن قوله "لعلها تذكرك بعض ما مضى" جواز المداعبة اللطيفة، والممازحة الخفيفة. ٥ - ومن استخلاء عثمان بابن مسعود دون علقمة جواز المناجاة، وترك الثالث للحاجة. ٦ - وعلى الثالث تقدير الظروف وعدم الحزن، وخصوصاً إذا جبر خاطره، كما هنا. ٧ - وفي الحديث إرشاد العاجز عن مؤن النكاح إلى الصوم، قال الحافظ ابن حجر: لأن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوته، وتضعف بضعفه. ٨ - واستدل به الخطابي على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية عند الحاجة، قال الحافظ ابن حجر: وينبغي أن يحمل على دواء يسكن الشهوة، دون ما يقطعها أصالة، لأنه قد يقدر بعد، فيندم لفوات ذلك في حقه، وقد صرح الشافعية بأن لا يكسرها بالكافور ونحوه، والحجة فيه أنهم اتفقوا على منع الجب والخصاة، فيلحق بذلك ما في معناه من التداوي بما يقطع الشهوة. ٩ - واستدل به الخطابي أيضاً على أن المقصود من النكاح الوطء.

стр. 2954

١٠ - وفيه الحث على غض البصر وتحصين الفرج بكل ممكن. ١١ - وعدم التكليف بغير المستطاع. ١٢ - وأن الحظوظ والشهوات لا تتقدم على أحكام الشرع، بل هي دائرة معها. ١٣ - واستدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء باليد ونحوها، لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم، الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحاً لكان الإرشاد إليه أسهل. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب دعوى كونه أسهل، لأن الترك أسهل من الفعل، وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية لأجل تسكين الشهوة. ١٤ - ومن الرواية السادسة دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه. ١٥ - وتتبع أحوال الأكابر للتأسي بهم في أفعالهم الحسنة. ١٦ - وأنه إذا تعذرت معرفته من الرجال جاز استكشافه من النساء. ١٧ - وأن من عزم على عمل بر، واحتاج إلى إظهاره حيث يأمن الرياء لم يكن ذلك ممنوعاً. ١٨ - وفيه تقديم الحمد والثناء على الله عند إلقاء مسائل العلم. ١٩ - وبيان الأحكام للمكلفين، وإزالة الشبهة عن المجتهدين. ٢٠ - وأن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة أو الاستحباب. ٢١ - وقال الطبري: فيه الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل. قال الحافظ ابن حجر: الحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات، لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحياناً، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك أحياناً يفضي إلى التنطع المنهي عنه، ويرد عليه صريح قوله تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلاً وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة، وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط. ٢٢ - وفيه أيضاً إشارة إلى أن العلم بالله، ومعرفة ما يجب من حقه أعظم قدراً من مجرد العبادة البدنية (أخذ هذا من قوله ﷺ في رواية البخاري "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر ... " الحديث). ٢٣ - ومن الرواية السابعة وما بعدها النهي عن قطع الشهوة قطعاً كلياً ولو من أجل العبادة. قال الحافظ ابن حجر: لم يرد سعد حقيقة الاختصاء، لأنه حرام، وقيل: بل هو على ظاهره، وكان ذلك

стр. 2955

قبل النهي عن الاختصاء، ويؤيده توارد استئذان جماعة من الصحابة النبي ﷺ في ذلك، كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما، ثم قال: ولعل الراوي عبر بالخصاء عن الجب، لأنه هو الذي يحصل المقصود، والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النسل، ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية. والله أعلم

стр. 2956

(٣٦٣) باب من رأى امرأة فوقعت في نفسه فليأت امرأته ٣٠١٥ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة. فأتى امرأته زينب. وهي تمعس منيئة لها. فقضى حاجته. ثم خرج إلى أصحابه فقال "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله. فإن ذلك يرد ما في نفسه". ٣٠١٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ رأى امرأة. فذكر بمثله. غير أنه قال: فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة. ولم يذكر: تدبر في صورة الشيطان. ٣٠١٧ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها. فإن ذلك يرد ما في نفسه". -[المعنى العام]- غرس الله الشهوة في الإنسان، كما غرسها في الحيوان، وهي شهوة جامحة، كثيراً ما تدعوا وتدفع صاحبها إلى الانحراف، وجعل لها حدوداً ومصارف، وللوقاية من الانحراف بها وسائل، فنهى النساء عن التبرج وإبداء الزينة ونهى الرجال عن النظر إلى العورات، وأمرهم بغض البصر، لكن النظرة الأولى المرخص بها، لعدم القدرة على ضبطها قد تكون سهماً مسموماً من سهام إبليس، فتصيب مفاتن المرأة الأمامية أو الخلفية، ثم ترتد إلى قلب الناظر، فتشغله بالمرأة، وتوسوس له السوء والفاحشة، وبخاصة إذا لم تكن هذه المرأة على خلق قويم، فوصف الشارع دواء لمن أصابه هذا الداء، إن هو تناوله، وعالج به نفسه برأ من الداء بإذن الله، ذلك الدواء هو أن يذهب سريعاً إلى زوجته فيواقعها، فيشبع بها شهوته البهيمية، فيعود كسلان مهدوداً غير راغب في جنس النساء، فالجائع إذا شبع من أي طعام انصرفت نفسه عن أشهى طعام. -[المباحث العربية وفقه الحديث]- (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان) للمرأة مفاتنها، وأعضاء

стр. 2957

الإثارة فيها من خلف ومن أمام، فشيطان التزين والإغراء يلازمها عند مرورها على الرجل، فيكون رسولاً بينه وبينها، وقال العلماء: الكلام على الكناية، ولا شيطان على الحقيقة، وإنما هو إشارة إلى الهوى والدعوة إلى الفتنة بها، لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء، والالتذاذ بنظرهن، وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له. (فإذا أبصر أحدكم امرأة) هذا الإبهام فسرته الرواية الثالثة بقولها "إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه" والمعنى إذا أبصر أحدكم امرأة فأعجبته، فوقعت في قلبه، أي فانشغل بها قلبه وهواه وعاطفته وشهوته، وهذا هو المقصود من الحديث، فقد يبصرها، ولا يعجب بها، ولا تقع في قلبه، فلا يلزمه إتيان أهله. (فليأت أهله) في الرواية الثالثة تفسير لهذا الإتيان، ولفظها "فليعمد إلى امرأته، فليواقعها" والزوجة يطلق عليها امرأة الرجل وأهله. (فإن ذلك يرد ما في نفسه) الإشارة لإتيان أهله، أي فمواقعة زوجته تشبع شهوته، وتكسر ثورته، وتطفئ نار غريزته، وفي رواية الترمذي والدارمي "فإن معها مثل الذي معها" أي فإن مع زوجته مما يقضي الشهوة مثل الذي مع المرأة التي أعجبته. (فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة) قال النووي: قال أهل اللغة: المعس الدلك، والمنيئة بفتح الميم وكسر النون الممدودة ثم همزة، على وزن صغيرة هي الجلد أول ما يوضع في الدباغ. فإذا ما تم دبغه فهو أديم. وفي رواية الدارمي عن ابن مسعود أنه ﷺ "أتى امرأته سودة، وهي تصنع طيباً، وعندها نساء فأخلينه، فقضى حاجته، ثم قال .... الحديث"، فإن صح فلا مانع من تعدد القصة. والمقصود من وصف الزوجة وانشغالها بدبغ الجلد، أو بإعداد الطيب ووجود النساء حتمية موافقة الزوجة مهما كانت الظروف، لهذا قال النووي: قال العلماء: إنما فعل هذا بياناً لهم، وإرشاداً لما ينبغي لهم أن يفعلوه، فعلمهم بفعله وقوله، وفيه أنه لا بأس بطلب الرجل امرأته إلى الوقاع في النهار وغيره، وإن كانت مشتغلة بما يمكن تركه، لأنه ربما غلبت على الرجل شهوة يتضرر بالتأخير في بدنه أو في قلبه أو في بصره. وقال: ويستحب لمن رأى امرأة، فتحركت شهوته أن يأتي امرأته فليواقعها، ليدفع شهوته وتسكن نفسه، ويجمع قلبه على ما هو بصدده. اهـ أقول: وعلى الزوجة أن تستجيب لطلب زوجها، وبدون تلكؤ، وأن تدع ما بيدها من شغل لصالحها وصالح زوجها. والله أعلم

стр. 2958

(٣٦٤) باب نكاح المتعة ٣٠١٨ - عن عبد الله ﵁ قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ . ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك. ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. ثم قرأ عبد الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ ٣٠١٩ - وفي رواية بهذا الإسناد مثله. وقال: ثم قرأ علينا هذه الآية. ولم يقل: قرأ عبد الله. ٣٠٢٠ - وفي رواية بهذا الإسناد. قال: كنا، ونحن شباب، فقلنا: يا رسول الله! ألا نستخصي؟ ولم يقل: نغزو. ٣٠٢١ - عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع ﵄، قالا: خرج علينا منادي رسول الله ﷺ ، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أذن لكم أن تستمتعوا. يعني متعة النساء. ٣٠٢٢ - عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله ﵂: أن رسول الله ﷺ أتانا، فأذن لنا في المتعة. ٣٠٢٣ - عن عطاء قال: قدم جابر بن عبد الله معتمراً. فجئناه في منزله. فسأله القوم عن أشياء. ثم ذكروا المتعة. فقال: نعم. استمتعنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر. ٣٠٢٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: كنا نستمتع، بالقبضة من

стр. 2959

التمر والدقيق، الأيام، على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر، في شأن عمرو بن حريث. ٣٠٢٥ - عن أبي نضرة، قال: كنت عند جابر بن عبد الله. فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ﷺ . ثم نهانا عنهما عمر. فلم نعد لهما. ٣٠٢٦ - عن إياس بن سلمة، عن أبيه ﵁، قال: رخص رسول الله ﷺ ، عام أوطاس، في المتعة ثلاثاً. ثم نهى عنها. ٣٠٢٧ - عن سبرة الجهني ﵁ أنه قال: أذن لنا رسول الله ﷺ بالمتعة. فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر. كأنها بكرة عيطاء. فعرضنا عليها أنفسنا. فقالت: ما تعطي؟ فقلت: ردائي. وقال صاحبي: ردائي. وكان رداء صاحبي أجود من ردائي. وكنت أشب منه. فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها. وإذا نظرت إلي أعجبتها. ثم قالت: أنت ورداؤك يكفيني. فمكثت معها ثلاثاً. ثم إن رسول الله ﷺ قال "من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع، فليخل سبيلها". ٣٠٢٨ - عن الربيع بن سبرة: أن أباه غزا مع رسول الله ﷺ فتح مكة. قال: فأقمنا بها خمس عشرة. (ثلاثين بين ليلة ويوم) فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء. فخرجت أنا ورجل من قومي. ولي عليه فضل في الجمال. وهو قريب من الدمامة. مع كل واحد منا برد. فبردي خلق. وأما برد ابن عمي فبرد جديد. غض. حتى إذا كنا بأسفل مكة أو بأعلاها. فتلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة. فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت: وماذا تبذلان؟ فنشر كل واحد منا برده. فجعلت تنظر إلى الرجلين. ويراها صاحبي تنظر إلى عطفها. فقال: إن برد هذا خلق وبردي جديد غض. فتقول: برد هذا لا بأس به. ثلاث مرار أو مرتين. ثم استمتعت منها. فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ .

стр. 2960

٣٠٢٩ - وفي رواية عن سبرة الجهني قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح إلى مكة. فذكر بمثل الحديث السابق. وزاد: قالت: وهل يصلح ذاك؟ وفيه: قال: إن برد هذا خلق مح. ٣٠٣٠ - عن الربيع بن سبرة الجهني: أن أباه حدثه؛ أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال "يا أيها الناس! إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً". ٣٠٣١ - وفي رواية بهذا الإسناد وقال: رأيت رسول الله ﷺ قائماً بين الركن والباب، وهو يقول. بمثل الحديث السابق. ٣٠٣٢ - عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه، عن جده قال: أمرنا رسول الله ﷺ ، بالمتعة، عام الفتح، حين دخلنا مكة. ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها. ٣٠٣٣ - عن سبرة بن معبد ﵁ أن نبي الله ﷺ ، عام فتح مكة أمر أصحابه بالتمتع من النساء. قال: فخرجت أنا وصاحب لي من بني سليم. حتى وجدنا جارية من بني عامر. كأنها بكرة عيطاء. فخطبناها إلى نفسها. وعرضنا عليها بردينا. فجعلت تنظر فتراني أجمل من صاحبي. وترى برد صاحبي أحسن من بردي. فآمرت نفسها ساعة. ثم اختارتني على صاحبي. فكن معنا ثلاثا. ثم أمرنا رسول الله ﷺ بفراقهن. ٣٠٣٤ - عن الربيع بن سبرة عن أبيه ﵁؛ أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة. ٣٠٣٥ - عن الربيع بن سبرة عن أبيه ﵁؛ أن رسول الله ﷺ نهى، يوم الفتح، عن متعة النساء.

стр. 2961

٣٠٣٦ - عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه ﵁؛ أن رسول الله ﷺ نهى، عن المتعة، زمان الفتح، متعة النساء. وأن أباه كان تمتع ببردين أحمرين. ٣٠٣٧ - عن عروة بن الزبير: أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن ناساً، أعمى الله قلوبهم، كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة. يعرض برجل. فناداه فقال: إنك لجلف جاف. فلعمري! لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين (يريد رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك. فوالله! لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك. قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله: أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة. فأمره بها. فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً! قال: ما هي؟ والله! لقد فعلت في عهد إمام المتقين. قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها. كالميتة والدم ولحم الخنزير. ثم أحكم الله الدين ونهى عنها. قال ابن شهاب: وأخبرني ربيع بن سبرة الجهني، أن أباه قال: قد كنت استمتعت في عهد رسول الله ﷺ امرأة من بني عامر، ببردين أحمرين. ثم نهانا رسول الله ﷺ عن المتعة. قال ابن شهاب: وسمعت ربيع بن سبرة يحدث ذلك عمر بن عبد العزيز، وأنا جالس. ٣٠٣٨ - عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه ﵁؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة. وقال "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة. ومن كان أعطى شيئاً فلا يأخذه". ٣٠٣٩ - عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر. وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. ٣٠٤٠ - وفي رواية بهذا الإسناد. وقال: سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان: إنك رجل تائه. نهانا رسول الله ﷺ . بمثل حديث يحيى بن يحيى عن مالك.

стр. 2962

٣٠٤١ - عن علي ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر. وعن لحوم الحمر الأهلية. ٣٠٤٢ - عن علي ﵁ أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء. فقال: مهلاً. يا ابن عباس! فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر. وعن لحوم الحمر الإنسية. ٣٠٤٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء يوم خيبر. وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١]. هذه حكمة الله في التشريع أن يجعل بين الزوجين استقراراً وسكناً ورحمة، تطول العشرة فيكون منها البنون والحفدة، فكان عقد الزواج عقداً قائماً دون حدود تحده بزمن أو مكان، وهكذا كان الزواج منذ شرعه الله للخليقة، مفتوح النهاية، لا يقطعه إلا أحد الأمرين، الطلاق أو الوفاة، وفي معنى الطلاق الفرقة الشرعية، لكن ظروفاً طرأت على المسلمين في أول الإسلام وفي أسفارهم البعيدة عن الأزواج، بالغزو ونحوه، وهم عرب، بلادهم حارة، كثيرو الرغبة في النساء، ومعظم الغزاة من الشباب، الذين لا يطيقون الثورة الشهوانية، ولا يستطيعون أن يستصحبوا نساءهم في الغزو، فقالوا لرسول الله ﷺ في إحدى الغزوات: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ أتسمح لنا بالخصي، لنقضي بذلك على ما نحن عليه من شبق ورغبة جامحة؟ فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك، لكنه ﷺ أهمه الأمر وأقلقه، وهو يقدر الحالة، ويعز عليه عنتهم ومشقتهم، ويعذر الشباب، وكان الشرع الرحيم بالأمة، على لسان الحريص عليهم، الرءوف بالمؤمنين، أن أرسل مناديه ينادي في جيش المسلمين: إن رسول الله ﷺ قد أذن لكم أن تستمتعوا متعة النساء فكان الواحد يستمتع بامرأة ليلة أو أقل أو أكثر بقبضة من شعير أو قبضة من تمر، وكان الواحد منهم يستمتع بامرأة برداء أياماً، ولما انتهت الضرورة والحاجة إلى المتعة حرمها رسول الله ﷺ ، حتى إذا جاءت الضرورة إليها في فتح مكة، رخص لهم رسول الله ﷺ فيها لمدة ثلاثة أيام، وهي فترة كافية لتهدئة الثورة الشهوانية، ثم نهى عنها، وحرمها تحريماً أبدياً إلى يوم القيامة، وأعلن هذا القرار وهذا الحكم بمكة، ولكنه لم يبلغ بعض المسلمين، فظل على اعتقاد حل المتعة زمناً، ظل يفتي بإباحتها أيام أبي بكر وعمر، فلما علم عمر

стр. 2963

بذلك غضب، وخطب الناس، وحذر وخوف وأوعد، كان شديداً يخافه شعبه، فانتهى من لم يبلغه نهي النبي ﷺ انتهى بنهي عمر ﵁. وأجمع المسلمون على تحريم نكاح المتعة ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا الرافضة من الشيعة الذين ظلوا إلى اليوم يبيحونها. فالحمد لله الذي أتم نعمته، وأكمل دينه، والحمد لله الذي أحل الحلال وحرم الحرام، وفي الحلال كفاية وراحة للمؤمنين. -[المباحث العربية]- (عن عبد الله) أي ابن مسعود ﵁. (كنا نغزو ... ليس لنا نساء) أي ليس معنا نساؤنا، أي ليس لنا نساء مصاحبات لنا. (ألا نستخصي؟ ) دفعهم إلى هذا المطلب أنهم كانوا شباباً في قوة مع عزوبة، فأرادوا كسر الشهوة بذلك. (ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) أي بالثوب وغيره مما نتراضى به وفي الرواية الخامسة "كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق" والقبضة بضم القاف وسكون الباء، وبفتح القاف، والضم أفصح. قال الجوهري: القبضة بالضم ما قبضت عليه من الشيء، يقال: أعطاه قبضة من سويق أو تمر. قال: وربما فتح، وفي الرواية الثامنة وما بعدها كان المهر البرد -كما سيأتي- وهو الثوب. (ثم قرأ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧]) قال النووي: في قراءته الآية إشارة إلى أنه كان يعتقد إباحتها، كابن عباس، وأنه لم يكن بلغه النسخ. (خرج علينا منادي رسول الله ﷺ فقال .... ) في الرواية الثالثة "أن رسول الله ﷺ أتانا .... " قال النووي: "أتانا" يحمل على المجاز، أي أتانا رسول الله ومناديه، ويحتمل أنه ﷺ مر عليهم، فقال لهم ذلك بلسانه. قال الحافظ: ويشبه أن يكون المراد بمنادي رسول الله ﷺ بلالاً. (يعني متعة النساء) قال القاضي: واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحاً -أي زواجاً- إلى أجل، لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل، من غير طلاق. (رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثاً) أي ثلاث ليال، أي كانت المدة بين الترخيص بها، وبين النهي عنها ثلاث ليال، و"أوطاس" واد بالطائف، يصرف، ولا يصرف، فمن صرفه أراد المكان، ومن لم يصرفه أراد البقعة، وأكثر استعمالهم له غير مصروف. وكانت غزوة أوطاس مع فتح مكة في عام واحد، كان فتح مكة في رمضان، وغزوة أوطاس في شوال.

стр. 2964

(كأنها بكرة عيطاء) "البكرة" الفتية من الإبل، أي الشابة القوية، و"العيطاء" بفتح العين وإسكان الياء بعدها طاء هي الطويلة العنق في اعتدال وحسن قوام، "والعيط" بفتح العين طول العنق، وفي الرواية التاسعة "مثل البكرة العنطنطة" بفتح العين بعدها نون مفتوحة ثم طاء ساكنة، ثم نون مفتوحة، ثم طاء، وهي كالعيطاء، وقيل: هي الطويلة فقط، والمشهور الأول. (فعرضنا عليها أنفسنا) في الرواية الثانية عشرة "فخطبناها إلى نفسها" وفي الرواية التاسعة "فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا"؟ . (فقالت: ما تعطي؟ فقلت: ردائي. وقال صاحبي: ردائي) أي وقالت لصاحبي: ما تعطي؟ فقال: ردائي، وكأنها سألتهما واحداً واحداً، لكن في الرواية التاسعة "قالت: وما تبذلان؟ فنشر كل منا برده". (وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشب منه) أي أحسن شباباً منه، وفي الرواية التاسعة "ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة -بفتح الدال، وهي القبح -مع كل منا برد، فبردي خلق -بفتح اللام أي قريب من البالي- وأما برد ابن عمي فبرد جديد غض" أي طري ناعم جيد، وفي ملحق الرواية التاسعة "إن برد هذا خلق مح" أي قال ابن العم الدميم يبغض في برد الشاب الجميل: إن برد الشاب قديم بال والمح بميم مفتوحة وحاء مشددة البالي، كما قال في الرواية التاسعة "إن برد هذا خلق، وبردي جديد غض". (فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت ورداؤك يكفيني) "أنت" خبر مبتدأ محذوف تقديره: المختار أنت، أو المقبول أنت. وجملة "ورداؤك يكفيني" معطوفة، هذا الإعراب خير من جعل "يكفيني" متنازعاً بين الضمير والرداء، لأنه لا يليق أن تقول له: أنت يكفيني، وفي الرواية التاسعة "فجعلت تنظر إلى الرجلين، ويراها صاحبي تنظر إلى عطفها" -والعطف بكسر وسكون الطاء الجانب، وقيل: من رأسها إلى وركها، أي جعل صاحبي ينظر إلى جمالها، ويتمناها لنفسه- "فتقول: برد هذا لا بأس به. ثلاث مرار أو مرتين" وفي ملحق الرواية التاسعة "قالت: وهل يصلح ذاك"؟ والاستفهام. إنكاري بمعنى النفي، أي قالت للجميل مشيرة إلى الدميم: لا يصلح لي ذاك، واختارت الجميل، وفي الرواية الثامنة عشرة "وجعلت تنظر فتراني أجمل من صاحبي، وترى برد صاحبي أحسن من بردي، فآمرت نفسها ساعة" -أي شاورت نفسها فترة من الزمن، "آمرت" بمد الهمزة، ومنه قوله تعالى ﴿إن الملأ يأتمرون بك﴾ [القصص: ٢٠]. - ثم اختارتني". (فمكثت معها ثلاثاً) في الرواية الثانية عشرة "فكن معنا ثلاثاً، ثم أمرنا رسول الله ﷺ بفراقهن" بضمير جمع النسوة، فيحتمل أنه يتحدث عن نفسه وعن ابن عمه الذي تمتع بأخرى وأن سبرة تمتع أيضاً بأخرى ليصح أنه تمتع ببردين أحمرين، كما جاء في آخر الرواية الخامسة عشرة، إذ يقول ابن شهاب أن سبرة قال: استمتعت امرأة من بني عامر ببردين أحمرين" أي امرأة

стр. 2965

وأخرى ببردين، ويحتمل أن يكون الجمع ما فوق الواحد على قول من يقول ذلك، وأنه أراد نفسه وابن عمه، والمعنى: استمتعت امرأة من بني عامر واستمتع ابن عمي أيضاً امرأة من بني عامر ببردين أحمرين. (من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع فليخل سبيلها) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "التي يتمتع" بفتح الياء والتاء والميم وتشديد التاء الثانية، مبني للمعلوم، أي يتمتع هو بها، "فليخل سبيلها" بضم الياء وفتح الخاء، مضارع خلى بتشديد اللام. (فأقمنا بها خمس عشرة "ثلاثين بين ليلة ويوم") أي أقمنا بمكة خمس عشرة ليلة بخمسة عشرة يوماً، فمجموع ليلها ونهارها ثلاثون. (فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ أي فلم أخرج من عندها حتى حرمها رسول الله ﷺ ، وكانت مدة إقامته عندها ثلاث ليال، كما جاء في الرواية الثامنة، ولفظها "فمكثت معها ثلاثاً" وفي الرواية الثانية عشرة "فكن معنا ثلاثاً، ثم أمرنا رسول الله ﷺ بفراقهن". (بين الركن والباب) أي بين ركن الحجر الأسود وباب الكعبة، وهو المكان المعروف باسم الملتزم. (إن ناساً أعمى الله قلوبهم) أي بعدم الاهتداء إلى الحق. (كما أعمى أبصارهم ... يعرض برجل) يعرض بابن عباس ﵄ وكان قد عمي في آخر عمره. (فناداه) أي نادى ابن عباس ابن الزبير، فقال له: (إنك لجلف جاف) "الجلف" بكسر الجيم وسكون اللام هو الجافي، وعلى هذا فلفظ "جاف" تأكيد، والجافي هو غليظ الطبع، قليل الفهم والعلم والأدب، ووصفه ابن عباس بذلك لفظاعة وصفه السابق لابن عباس ﵃ أجمعين. (لئن فعلتها) أي لئن تمتعت بعد أن أبلغتك إن كنت لم يبلغك النسخ من قبل. (لأرجمنك بأحجارك) أي كنت زانياً ورجمتك بأحجار الزاني. (خالد بن المهاجر بن سيف الله) "سيف الله" هو خالد بن الوليد ﵁، سماه بذلك رسول الله ﷺ ، لأنه كان منتصراً على أعداء الله. (بينا هو جالس عند الرجل) يعني ابن عباس، وصرح به البيهقي في روايته. (فأمره بها) أي فرخص له فيها، كما جاء في بعض الروايات.

стр. 2966

(مهلاً) أي تمهل يا ابن عباس في هذه الفتوى، وادرسها فليس أمرها كما ذكرت. (قال: ما هي) أي ما هي المشكلة في فتواي؟ . (إنها كانت رخصة ... إلخ) حاصل كلام ابن أبي عمرة التسليم بأنها فعلت في عهد إمام المتقين ﷺ ، لكنها كانت رخصة، ثم نهى عنها، ورفعت الرخصة، وأحكم الله دينه. (نهى عن متعة النساء، يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الأهلية) وفي الرواية التاسعة عشرة والمتممة للعشرين "الحمر الإنسية " قال النووي: ضبطوه بوجهين. أحدهما كسر الهمزة وإسكان النون، والثاني فتحهما جميعاً، صرح القاضي عياض بترجيح الفتح، وأنه رواية الأكثرين. وظاهر من العبارة أن "يوم خيبر" ظرف للنهي عن المتعة وعن أكل لحوم الحمر الأهلية، وليس في هذا أنه كان مرخصاً بالمتعة، فكل ما يفيده، وقوع النهي عنها زمن خيبر. لكن قال السهيلي: يتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال، لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر. قال: فالذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري -راوي الحديث- فالنهي زمن خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر. قال ابن عبد البر: وعلى هذا أكثر الناس، وقال أبو عوانة في صحيحه: سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث علي أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة فسكت عنها، وإنما نهى عنها يوم الفتح. اهـ قال الحافظ: والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد زمن خيبر، لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن علياً لم تبلغه الرخصة فيها يوم الفتح، لوقوع النهي عنها عن قرب. (قال لفلان: إنك رجل تائه) "فلان" كناية عن ابن عباس، ففي الرواية التاسعة عشرة تصريح باسمه، وفي البخاري أن علياً قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأساً" وعند الدارقطني "أن علياً سمع ابن عباس وهو يفتي في متعة النساء. فقال .... " وعند سعيد بن منصور "أن علياً مر بابن عباس وهو يفتي في متعة النساء أنه لا بأس بها ... " "والتائه" الحائر، الذاهب عن الطريق المستقيم. -[فقه الحديث]- قال النووي: اعلم أن القاضي عياضاً بسط شرح هذا الباب بسطاً بليغاً، وأتى فيه بأشياء نفيسة، وأشياء يخالف فيها، فالوجه أن ننقل ما ذكره مختصراً، ثم نذكر ما ينكر عليه، ويخالف فيه، وننبه على المختار. قال المازري: ثبت أن نكاح المتعة كان جائزاً في أول الإسلام، ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة المذكورة هنا أنه نسخ، وانعقد الإجماع على تحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة، وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ذكرنا أنها منسوخة، فلا دلالة لهم فيها، وتعلقوا بقوله تعالى ﴿فما

стр. 2967

استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ [النساء: ٢٤]. وفي قراءة ابن مسعود "فما استمتعتم به منهن إلى أجل" وقراءة ابن مسعود هذه شاذة، لا يحتج بها قرآناً ولا خبراً، ولا يلزم العمل بها. قال: وقال زفر: من نكح نكاح متعة تأبد نكاحه، وكأنه جعل ذكر الأجل من باب الشروط الفاسدة في النكاح، وأنها تلغى، ويصح النكاح. قال المازري: واختلفت الرواية في صحيح مسلم في النهي عن المتعة، ففيه أنه ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وفيه أنه نهى عنها يوم الفتح، فإن تعلق بهذا من أجاز المتعة، وزعم أن الأحاديث تعارضت، وأن هذا الاختلاف قادح فيها قلنا: هذا الزعم خطأ، وليس هذا تناقضاً، لأنه يصح أن ينهي عنه في زمن، ثم ينهي عنه في زمن آخر توكيداً، أو ليشتهر النهي ويسمعه من لم يكن سمعه أولاً، فسمع بعض الرواة النهي في زمن، وسمعه آخرون في زمن آخر، فنقل كل منهم ما سمعه، وأضافه إلى زمان سماعه. هذا كلام المازري. وحاصله أنه يختار أن الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد، وأن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم، من غير إباحة وترخيص يوم الفتح. وهذا الرأي وإن ساعدته الروايات (١٧، ١٨، ١٩، ٢٠) فإن الروايات (٧، ٨، ٩، ١١، ١٢، ١٤) تعارضه معارضة صريحة، إذ هي تثبت الرخصة في المتعة عام فتح مكة. أما القاضي عياض فيقول: روى أحاديث إباحة المتعة جماعة من الصحابة، فذكره مسلم من رواية ابن مسعود وابن عباس وجابر وسلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني، وليس في هذه الأحاديث كلها أنها كانت في الحضر، وإنما كانت في أسفارهم في الغزو، عند ضرورتهم، وعدم النساء، مع أن بلادهم حارة، وصبرهم عن النساء قليل، وقد ذكر في حديث ابن أبي عمرة أنها كانت رخصة في أول الإسلام، لمن اضطر إليها كالميتة، ونحوها، وعن ابن عباس ﵄ نحوه [يشير بذلك إلى ما رواه البخاري عن أبي جمرة قال: "سمعت ابن عباس يسأل عن متعة النساء، فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم" وما أخرجه الخطابي والفاكهي عن سعيد بن جبير قال "قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء -يعني في المتعة- فقال: والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة، لا تحل إلا للمضطر" وأخرجه البيهقي بلفظ "ألا إنما هي كالميتة والدم ولحم الخنزير" ثم ذكر مسلم عن سلمة بن الأكوع إباحتها يوم أوطاس، ومن رواية سبرة إباحتها يوم الفتح، وهما واحد، ثم حرمت يومئذ. وفي حديث علي تحريمها يوم خيبر، وهو قبل الفتح، وذكر غير مسلم عن علي أن النبي ﷺ نهى عنها في غزوة تبوك، ولم يتابع علي هذا، وهو غلط، والصحيح يوم خيبر، كما في مسلم. وقد روى أبو داود من حديث سبرة النهي عنها في حجة الوداع. قال أبو داود: وهذا أصح ما روي في ذلك، وقد روي عن سبرة أيضا إباحتها في حجة الوداع، ثم نهى ﷺ عنها حينئذ إلى يوم القيامة، وروي عن الحسن البصري أنها ما حلت قط إلا في عمرة القضاء، وروي هذا عن سبرة الجهني أيضاً. قالوا: وذكر الرواية بإباحتها يوم حجة الوداع خطأ، لأنه لم يكن يومئذ ضرورة ولا عزوبة،

стр. 2968

وأكثرهم حجوا بنسائهم، والصحيح أن الذي جرى في حجة الوداع مجرد النهي، ويكون تجديده ﷺ النهي يومئذ لاجتماع الناس، وليبلغ الشاهد الغائب، ولتمام الدين، وتقرر الشريعة، كما قرر غير شيء، وبين الحلال والحرام يومئذ، وبت تحريم المتعة حينئذ، لقوله "إلى يوم القيامة" قال القاضي: ويحتمل ما جاء من تحريم المتعة يوم خيبر، وفي عمرة القضاء" ويوم الفتح، ويوم أوطاس أنه جدد النهي عنها في هذه المواطن، لأن حديث تحريمها يوم خيبر صحيح لا مطعن فيه، بل هو ثابت من رواية الثقات الأثبات -ثم مال القاضي إلى أن حديث علي في تحريمها يوم خيبر فيه تقديم وتأخير، فيكون يوم خيبر ظرفاً لتحريم الحمر الأهلية خاصة. ثم قال: لكن بقي على هذا ما جاء من ذكر إباحته في عمرة القضاء ويوم الفتح ويوم أوطاس، فيحتمل أن النبي ﷺ أباحها لهم للضرورة بعد التحريم، ثم حرمها تحريماً مؤبداً، فيكون حرمها يوم خيبر، وفي عمرة القضاء، ثم أباحها يوم الفتح للضرورة، ثم حرمها يوم الفتح أيضاً تحريماً مؤبداً، وتسقط رواية إباحتها يوم حجة الوداع، والذي في حجة الوداع التحريم، وأما قول الحسن: إنما كانت في عمرة القضاء لا قبلها ولا بعدها فترده الأحاديث الثابتة في تحريمها يوم خيبر، وهي قبل عمرة القضاء، وما جاء في إباحتها يوم فتح مكة، ويوم أوطاس فيترك ما خالف الصحيح. وقد قال بعضهم: هذا مما تداوله التحريم والإباحة والنسخ مرتين. هذا آخر كلام القاضي. وحاصله أنه بعد أن ذكر الروايات حكم بخطأ رواية النهي في غزوة تبوك، وحكم ببطلان القول بإباحتها في حجة الوداع، ورأى أن تحريمها في حجة الوداع من باب تأكيد التحريم وتكريره، وحكم ببطلان قول الحسن تخصيص المتعة بعمرة القضاء، وكل ذلك موافق لما عليه جمهور العلماء. أما الترخيص بها قبل خيبر وفي عمرة القضاء ويوم الفتح ويوم أوطاس فهو يذكر عنها احتمالين. الأول أن التحريم فيها تجديد النهي، والثاني تعدد الترخيص وتعدد التحريم، وهو ما يميل إليه. فاتهام النووي له بأنه يختار أن الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد، وأن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح. هذا الاتهام من النووي غير واضح من كلام القاضي الذي نقله النووي نفسه، ونقلناه عنه. والذي اختاره النووي ورجحه هو نفسه الذي يفهم مما انتهى إليه القاضي، إذ قال النووي: والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالاً قبل خيبر، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة، وهو يوم أوطاس، لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة واستمر التحريم. اهـ وفي قول النووي [ثم أبيحت يوم فتح مكة -وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام] في هذا القول نظر، لأن الروايات الصحيحة تصرح بأن التحريم الأبدي كان بمكة، كما هو واضح من الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة وملحقها والحادية عشرة والثانية عشرة والرابعة عشرة. ومن المعلوم أنهم تحولوا من مكة إلى حنين، وخرج رسول الله ﷺ إلى حنين لست خلت من

стр. 2969

شوال، وقيل لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشر شوال، ثم كانت غزوة حنين، ثم كانت أوطاس عقب حنين، أو هي تتبع لفلول حنين، فليس يوم فتح مكة هو يوم أوطاس، وليس هناك اتصال، ولا يصح أن يذكر التحريم بعد أوطاس. والتوجيه الصحيح أن رواية أوطاس رواها مسلم، وليس فيها لفظ "يوم" بل لفظها وهي الرواية السابعة. "رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثاً، ثم نهى عنها" فيصدق هذا دون تأويل على الرخصة بالمتعة في مكة، والنهي عنها في مكة، فعام أوطاس هو عام فتح مكة، ولم يقع في يوم أوطاس ترخيص ولا تحريم. وعلى هذا لا يستقيم أيضاً قول القاضي عياض سابقاً [وذكر مسلم عن سلمة بن الأكوع إباحتها يوم أوطاس] فمسلم كما أوضحنا لم يذكر أباحتها يوم أوطاس. والله أعلم. ثم قال النووي: قال القاضي: واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحاً إلى أجل، لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق، ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء، إلا الروافض، قال: وكان ابن عباس ﵄ يقول بإباحتها، وروي عنه أنه رجع عنه. قال: وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه، سواء كان قبل الدخول أو بعده، إلا ما سبق عن زفر. واختلف أصحاب مالك: هل يحد الواطئ فيه؟ قال النووي: ومذهبنا أنه لا يحد، لشبهة العقد، وشبهة الخلاف، ومأخذ الخلاف اختلاف الأصوليين في أن الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف؟ ويصير المسألة مجمعاً عليها؟ والأصح عند أصحابنا أنه لا يرفعه، بل يدوم الخلاف، ولا يصير المسألة بعد ذلك مجمعاً عليها أبداً، وبه قال القاضي أبو بكر الباقلاني. قال القاضي: وأجمعوا على أن من نكح مطلقاً ونيته ألا يمكث معها إلا مرة نواها فنكاحه صحيح حلال، وليس نكاح متعة، وإنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور، ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس، وشذ الأوزاعي فقال: هو نكاح متعة، ولا خير فيه. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من الرواية الأولى تحريم الخصي، قال النووي: لما فيه من تغيير خلق الله، ولما فيه من قطع النسل. ٢ - استدل بالرواية الرابعة والخامسة والسادسة على أن المتعة منعت في عهد عمر، وهذا الاستدلال باطل، وكل ما في الأمر أن البعض لم يبلغه النسخ حتى نهى عمر عنها. ٣ - ومن الرواية الثامنة والتاسعة ونحوها أن نكاح المتعة لا يحتاج إلى ولي ولا إلى شهود. ٤ - ومن الرواية العاشرة، من قوله "قد كنت أذنت لكم ... وإن الله قد حرم ذلك" التصريح بالمنسوخ والناسخ في حديث واحد من كلام الرسول ﷺ ، كحديث" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".

стр. 2970

٥ - ومن قوله "إلى يوم القيامة" التصريح بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة. ٦ - ومن قوله "ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً" أن المهر الذي كان أعطاها يستقر لها، ولا يحل أخذ شيء منه، وإن فارقها قبل الأجل المسمى، كما أنه يستقر في النكاح المعروف المهر المسمى بالوطء، ولا يسقط منه شيء بالفرقة بعده. ٧ - ومن الرواية السابعة عشرة وما بعدها تحريم لحوم الحمر الأهلية، قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا طائفة يسيرة من السلف، فقد روي عن ابن عباس وعائشة وبعض السلف إباحته، وروي عنهم تحريمه، وروي عن مالك كراهته وتحريمه. والله أعلم

стр. 2971

(٣٦٥) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، وأن تسأل المرأة طلاق أختها ٣٠٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها". ٣٠٤٥ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن أربع نسوة، أن يجمع بينهن: المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها. ٣٠٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تنكح العمة على بنت الأخ، ولا ابنة الأخت على الخالة". ٣٠٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. قال ابن شهاب: فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة. ٣٠٤٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها". ٣٠٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه. ولا يسوم على سوم أخيه. ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها. ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ صحفتها. ولتنكح. فإنما لها ما كتب الله لها". ٣٠٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة

стр. 2972

على عمتها أو خالتها. أو أن تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها. فإن الله رازقها. ٣٠٥١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. -[المعنى العام]- جعل الله النكاح رحمة وسكناً بين الزوجين، وكان من حكمة مشروعيته أن يغرس بين الزوجين المودة، ليبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، وعقب هذا بالحث على صلة الأرحام والحفاظ على العلاقة الطيبة بين الأقارب، فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١]. ومن هنا حرص الإسلام على أن لا يتحول هذا الهدف إلى النقيض، وأن لا يكون الزواج سبباً في تقاطع الأهل، أو في عداوة الأقارب، أو حتى في خصومات أو اعتداءات بين الأجانب. في هذه الأحاديث تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها كزوجين لرجل في وقت واحد، لما في ذلك من عداوات تقع بين الضرائر، فتنقطع بذلك الأرحام، وتعادي البنت عمتها وخالتها، وتعادي العمة بنت أخيها وتعادي الخالة بنت أختها. وفيها التحريم على المرأة التي ترغب في الزواج من رجل أن تطلب منه وأن تشترط عليه قبل زواجه بها أن يطلق امرأته التي في عصمته، حتى تنفرد هي به، والتحريم على الزوجة أن تطلب من زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد هي به، وعلى أي امرأة أن تطلب من أي رجل أن يطلق زوجته لتحل محلها، أو لمجرد أن تقطع عيشها. وفي الأحاديث أيضاً نهي الرجل أن يخطب امرأة سبق لأخيه أن خطبها ولم يتركها بعد، ولم يأذن لغيره أن يخطبها، فالسابق اكتسب حقاً لا يجوز الاعتداء عليه، كما أن المشتري لأي سلعة إذا سامها واتفق مع صاحبها على شرائه لها لا يجوز لرجل آخر أن يعتدي عليه ويعرض على البائع ثمناً أكثر، أو أن يعرض على المشتري بضاعة أجود وأرخص. وهكذا يسد الإسلام منافذ العداوة والبغضاء، لتبقى نوافذ المحبة والمودة مفتوحة بين المسلمين.

стр. 2973

-[المباحث العربية]- (لا يجمع. لا تنكح. لا يخطب. لا يسوم. لا تسأل) "لا" نافية، والفعل مرفوع، والجملة خبرية لفظاً والمراد به النهي، ويصح أن تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم، ويحرك آخره بالكسر عند التقاء الساكنين قال النووي: والخبر أبلغ من النهي في النهي لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه، والنهي قد تقع مخالفته، فكان المعنى عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتحتم. اهـ وبعبارة أخرى: التعبير عن النهي بلفظ الخبر يشعر ويفترض أن النهي التزم ونفذ، ويخبر عنه بأنه حاصل فعلاً وواقع، وهذا الادعاء سر بلاغته. (ولا يسوم) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ بالواو، وهكذا "يخطب" مرفوع. اهـ (نهى عن أربع نسوة. أن يجمع بينهن) أربع في الصورة، لكن الحقيقة أنهن ثلاث. والمرأة وعمتها وخالتها، فالمرأة واحدة مع العمة أو الخالة، ومن باب أولى معهما معاً، والمصدر المنسبك من "أن يجمع بينهن" بدل من "أربع نسوة" أي نهى عن أن يجمع بين أربع نسوة، ثم فسر المراد بالجمع بينهن، بقوله: المرأة وعمتها [خبر لمبتدأ محذوف] والمرأة وخالتها، فلا يدخل معنا اجتماع العمة والخالة لامرأة ما عند رجل ليست عنده هذه المرأة. (لا تنكح العمة على بنت الأخ، ولا ابنة الأخت على الخالة) الصور أربع: (١) عمة على بنت أخ [أي الزواج ببنت الأخ أولاً، ثم العمة تدخل عليها وتجتمع بها] (٢) بنت أخ على عمة (٣) خالة على بنت أخت (٤) بنت أخت على خالة، فذكر صورة مختلفة من كل ثنتين، ليشير إلى أنه لا عبرة بتقدم أو تأخر كل منهما، وإنما العبرة بالاجتماع، وسيأتي في فقه الحديث بطلان العقد المتأخر مع صحة المتقدم، فإن قرناً في عقد واحد بطل. (فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة) "نرى" بضم النون بمعنى نظن، وبفتح النون بمعنى نعتقد، أي نظن أن خالة أبيها كخالتها في تحريم الجمع بينهما. (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه) سيأتي بعد باب إن شاء الله. (ولا يسوم على سوم أخيه) صورته أن يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع، وقبل أن يعقداه يقول آخر لصاحبها. أنا أشتريها بأكثر، أو يقول للراغب: أنا أبيعك خيراً منها بأرخص، أما المزايدة والمناقصة فلا شيء فيها، لأنها تحدث قبل الاتفاق والاستقرار. وسيأتي الموضوع في كتاب البيع إن شاء الله. (ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما كتب الله لها) يجوز في "تسأل" الرفع، على أن "لا" نافية، والجزم مع التحريك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين على أن "لا" ناهية.

стр. 2974

و"تكفئ" بفتح التاء وسكون الكاف وكسر الفاء مضارع كفأ، يقال: كفأت الإناء إذا قلبته وأفرغت ما فيه، من باب ضرب وفيه "أكفأ" و"لتكفأ" مع الفتح، وجاء في رواية "لتكفئ" بضم التاء وسكون الكاف وكسر الفاء، مضارع أكفات وهي أيضاً بمعنى أملته، ويقال: بمعنى كببته، والصحفة في الأصل إناء كالقصعة المبسوطة، وفي رواية للبخاري "لتستفرغ صحفتها" وهذا مثل يراد به رغبتها في حرمان أختها من حظوظها من زوجها لتستأثر، سواء لتستأثر به دونها، فتكون كمن قلبت إناء أختها في إنائها، أو لتحرمها فقط، فتكون كمن قلبت إناء أختها على الأرض أو في إناء أخرى غير مقصودة، ويصح أن يكون الكلام على سبيل الاستعارة التمثيلية، بأن نشبه النصيب والبخت بالصحفة، وحظوظها وتمتعاتها بما يوضع في الصحفة من الأطعمة اللذيذة، ونشبه الافتراق المسبب عن الطلاق باستفراغ الصحفة عن تلك الأطعمة، ثم ندخل المشبه في جنس المشبه به، ثم نحذف المشبه، ونعبر بالمشبه به. وفي المراد بالمرأة وأختها أقوال للعلماء. قيل: معنى هذا الحديث نهي المرأة الأجنبية أن تغوي رجلاً بها وأن تسأله طلاق زوجته، وأن يتزوجها هي، فالمراد بالأخت الأخت من النسب أو الرضاع أو الدين، قال النووي: ويلحق بذلك الكافرة في الحكم، وإن لم تكن أختاً في الدين، إما لأن المراد الغالب، أو أنها أختها في الجنس الآدمي. وقيل: معنى الحديث نهي الزوجة أن تسأل زوجها طلاق ضرتها، لتنفرد هي به. وقيل: معنى الحديث النهي عن أن تشترط زوجة جديدة على زوجها حين زواجها منه أن يطلق زوجته التي في عصمته، ويساعد هذا القول رواية أبي نعيم في المستخرج، وهي بلفظ "لا يصلح لامرأة أن تشترط طلاق أختها لتكفئ إناءها" وكذا أخرجه البيهقي، ويميل البخاري إلى هذا القول حيث ذكر الحديث تحت باب الشروط التي لا تحل في النكاح. أما قوله "ولتنكح" فقد روي بكسر اللام وسكونها على أنها لام الأمر، والفعل مجزوم وروي بكسر اللام للتعليل، ونصب الفعل، والمعنى -على القول الثالث من أقوال المراد بالمرأة وأختها- لا تسأل ولا تشترط طلاق أختها، ولتنكح ذلك الرجل من غير أن تتعرض لإخراج زوجته من عصمته، بل تكل الأمر في ذلك إلى ما يقدر الله، فإنها إن سألت ذلك واشترطته وألحت فيه فإنه لا يقع من ذلك إلا ما قدره الله، فينبغي أن لا تتعرض هي لهذا المحظور. أو المعنى ولتنكح غيره، فلم تضيق الأرض على هذا الرجل، أو المعنى بما يشمل الأمرين، أي ولتنكح مما تيسر لها، هو أو غيره. والمعنى على التعليل: لا تسأل ولا تشترط طلاق أختها لتكفئ صحفتها ولتنكح الرجل وتحل محلها. أما الضمير في قوله: "فإنما لها ما كتب لها" فيحتمل أن يكون للسائلة، والمعنى فإن للسائلة ما كتب لها قدراً وأزلاً، ولن يغير سؤالها من إرادة الله شيئاً، فإن كان هذا الزوج المسئول مكتوباً لها فستناله، سألت طلاق أختها أم لم تسأل، وإن لم يكن مكتوباً لها فلن يفيد سؤالها شيئاً، ويحتمل أن يكون الضمير للأخت المسئول طلاقها، والمعنى: لا تتعب السائلة نفسها في طلب طلاق أختها، فإن لأختها ما قدر لها، فإن كان مكتوباً لها أن تطلق فستطلق بالسؤال أو بغيره، وإن كان مكتوباً لها

стр. 2975

الاستمرار فلن يؤثر فيها سؤال السائلة، وفي الرواية السابعة "فإن الله رازقها" والضمير هنا أيضاً على الاحتمالين، والفاء للتعليل، وفي رواية للبخاري "فإنما لها ما قدر لها". -[فقه الحديث]- قال النووي: هذا الحديث دليل لمذاهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقية، وهي أخت الأب وأخت الأم، أو مجازية، وهي أخت أبي الأب وأبي الجد وإن علا، أو أخت أم الأم وأم الجد من جهتي الأم والأب، وإن علت، فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجمع بينهن. قال: وقالت طائفة من الخوارج والشيعة: يجوز، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]. واحتج الجمهور بهذه الأحاديث، خصوا بها الآية، والصحيح الذي عليه جمهور الأصوليين جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، لأنه ﷺ مبين للناس ما أنزل إليهم من كتاب الله، ثم قال: وأما الجمع بينهما في الوطء، بملك اليمين كالنكاح، فهو حرام عند العلماء كافة، وعند الشيعة مباح، قالوا: ويباح أيضاً الجمع بين الأختين بملك اليمين. قالوا: وقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء: ٢٣]. إنما هو في النكاح، وقال العلماء كافة: هو حرام كالنكاح، لعموم قوله تعالى ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ وقولهم: إنه مختص بالنكاح لا يقبل، بل جميع المذكورات في الآية محرمات بالنكاح وبملك اليمين جميعاً، ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم﴾ [النساء: ٢٤]. فإن معناه أن ملك اليمين يحل وطؤها بملك اليمين، لا نكاحها، فإن عقد النكاح عليها لا يجوز لسيدها. قال: وأما باقي الأقارب -كالجمع بين بنتي العم أو بنتي الخالة أو نحوهما فجائز عندنا وعند العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض السلف أنه حرمه. دليل الجمهور قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ قال: وأما الجمع بين زوجة رجل وبنته من غيرها [صورته أن يتزوج امرأة كانت زوجة لرجل ومات عنها أو طلقها وله بنت من غيرها، يريد أن يجمع بين زوجة ذلك الرجل وبنته من غيرها التي كانت كربيبة لها] فجائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة والجمهور، وقال الحسن وعكرمة وابن أبي ليلى: لا يجوز. ثم قال: ولا فرق بين أن ينكح المرأتين معاً في صيغة واحدة، أو تقدم هذه أو هذه، فالجمع بينهما حرام كيف كان، وقد جاء في رواية أبي داود وغيره "لا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى" لكن إن عقد عليهما معاً بعقد واحد فنكاحهما باطل، وإن عقد على إحداهما ثم الأخرى فنكاح الأولى صحيح، ونكاح الثانية باطل. أما حكم سؤال الزوج طلاق زوجته فهو حرام، ففي رواية البخاري "لا يحل" قال الحافظ ابن حجر: هذا اللفظ ظاهر في تحريم ذلك، وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك، كريبة

стр. 2976

في المرأة، لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، فيكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض وللزوج رغبة في ذلك، فيكون كالخلع مع الأجنبي، إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة. وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعلت ذلك ونكحت لم يفسخ النكاح، وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولترضى بما قسم الله لها. والله أعلم

стр. 2977

(٣٦٦) باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته ٣٠٥٢ - عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر، بنت شيبة ابن جبير. فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك. وهو أمير الحج. فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب". ٣٠٥٣ - عن نبيه بن وهب. قال: بعثني عمر بن عبيد الله بن معمر. وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه. فأرسلني إلى أبان بن عثمان وهو على الموسم. فقال: ألا أراه أعرابياً "إن المحرم لا ينكح ولا ينكح". أخبرنا بذلك عثمان عن رسول الله ﷺ . ٣٠٥٤ - عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان: أن رسول الله ﷺ قال "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب". ٣٠٥٥ - عن عثمان ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: "المحرم لا ينكح ولا يخطب". ٣٠٥٦ - عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله بن معمر أراد أن ينكح ابنه، طلحة بنت شيبة بن جبير. في الحج وأبان ابن عثمان يومئذ أمير الحاج. فأرسل إلى أبان: إني قد أردت أن أنكح طلحة بن عمر. فأحب أن تحضر ذلك. فقال له أبان: ألا أراك عراقياً جافياً! إني سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ "لا ينكح المحرم". ٣٠٥٧ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. زاد ابن نمير: فحدثت به الزهري فقال: أخبرني يزيد بن الأصم: أنه نكحها وهو حلال.

стр. 2978

٣٠٥٨ - عن ابن عباس ﵄: أنه قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم. ٣٠٥٩ - عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث ﵂: أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. -[المعنى العام]- كان الإحرام بالحج أو العمرة سبباً في تحريم كثير من الترفه والمتع والملذات، فحرم على المحرم لبس المخيط المحيط الذي هو على هيئة لباس الزينة في غير الإحرام، وحرم عليه الحذاء وتغطية كل القدم، وحرم عليه الطيب، وتغطية الرأس من الرجل والوجه من المرأة، وحرم عليه النساء. ولما كان عقد الزواج باعثاً على الوطء ومبيحاً له، ولما كان الهدف الأساسي من العقد هو النكاح منع العقد وحرم على المحرم، كما تحرم الوسيلة من أجل الغاية، فقال ﷺ : إن المحرم لا ينكح ولا ينكح، ولا يخطب، أي لا يعقد لنفسه عقد زواج، ذكراً كان أو أنثى، ولا يعقد لغيره عقد زواج، ولو كان هذا الغير ليس محرماً، وانتشر هذا الحكم بين المسلمين، حتى عد الجاهل به بدوياً أو أعرابياً، قليل العلم والمعرفة، بعيداً عن الثقافة والحضارة، وقد رويت هذه القصة كمناسبة لذكر هذا الحديث. فقد كان أبان بن عثمان بن عفان أميراً للحج في زمن خلافة أبيه ﵁، وكان من عادة الناس كأيامنا يتشرف أهل العروس بدعوة كبراء القوم؛ ليحضروا حفل عقد القران، وأراد أحد المحرمين بالحج أن يزوج ابنه ويعقد له على عروسه في زمن الحج، وفي الحرم، تيمناً وتبركاً، وهو يجهل هذا الحكم، فأرسل إلى أمير الحج يدعوه لحضور عقد القران، فعجب أبان بن عثمان أمير الحج من جهل الداعي بالحكم، فروى له أن النبي ﷺ قال: لا ينكح المحرم لنفسه، ولا ينكح غيره مادام محرماً. فأجل عقد القران إلى ما بعد الحل اتباعاً لأمر رسول الله ﷺ . -[المباحث العربية]- (أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر، بنت شيبة) بنت شيبة واسمها أمة الحميد خطبها عمر لابنه طلحة قبل أن يحرموا بالحج، وفي موسم الحج، وبعد إحرامهم أراد عمر هذا أن يزوج ابنه طلحة خطيبته بنت شيبة، وأن يعقد عليها، ويدخل بها، وهم محرمون، فكان نبيه أن وهب الراوي مبعوث عمر إلى أمير الحج -أبان بن عثمان- يدعوه لحضور عقد القران تشريفاً وتكريماً. فساق الحديث.

стр. 2979

وفي الرواية الخامسة "أن عمر أراد أن ينكح ابنه طلحة -أي يزوجه ويعقد له على- بنت شيبة". (لا ينكح المحرم ولا ينكح) بكسر الكاف فيهما، الأول بفتح الياء من الثلاثي، أي لا يتزوج المحرم، والثاني بضم الياء من الرباعي، أي لا ينكح غيره، ولا يزوج غيره امرأة بولاية ولا وكالة، قال النووي: سببه أنه لما منع من العقد لنفسه في مدة الإحرام صار كالمرأة، فلا يعقد لنفسه ولا لغيره، وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب والأخ والعم ونحوهم، أو بولاية عامة، وهو السلطان والقاضي ونائبه. (بنت شيبة بن عثمان) هكذا هو في الرواية الثانية من طريق يحيى عن مالك، وفي الرواية الأولى والخامسة "بنت شيبة بن جبير" من طريق حماد عن أيوب، قال النووي: وزعم أبو داود أن رواية حماد هي الصواب، وأن مالكاً وهم فيه، وقال الجمهور: بل قول مالك هو الصواب، فإنها بنت شيبة بن جبير بن عثمان الحجبي، قال القاضي: ولعل من قال: شيبة بن عثمان نسبه إلى جده، فلا يكون خطأ، بل الروايتان صحيحتان. (ألا أراك عراقياً جافياً) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "عراقياً" وذكر القاضي أنه وقع في بعض الروايات "عراقياً" وفي بعضها "أعرابياً" قال: وهو الصواب، أي جاهلاً بالسنة، والأعرابي هو ساكن البادية. قال: و"عراقياً" هنا خطأ، إلا يكون قد عرف من مذهب أهل الكوفة حينئذ جواز نكاح المحرم، فيصح "عراقياً" أي آخذاً بمذهبهم في هذا، جاهلاً بالسنة. (وكانت خالتي وخالة ابن عباس) ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، زوجة النبي ﷺ أرسل إليها النبي ﷺ أبا رافع يخطبها -كان ذلك في عمرة القضاء - فجعلت أمرها إلى العباس، عمه ﷺ وزوج أختها لبابة الكبرى، فزوجها النبي ﷺ فهي خالة ابن عباس، ولها أخت ثالثة اسمها أم برزة بنت الحارث الهلالية وهي أم الراوي فهو يروي عن خالته ميمونة في الرواية الثامنة ولها أخت رابعة واسمها لبابة الصغرى، وهي أم خالد بن الوليد. ولعل في قول يزيد بن الأصم "وكانت خالتي وخالة ابن عباس" إشارة إلى خطأ ابن عباس في الروايتين السادسة والسابعة، حيث إن مصدر الصواب قريب منه. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في نكاح المحرم لاختلاف الأحاديث الصحيحة في ذلك، فالرواية عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وبقية أحاديث الباب تحرم نكاح المحرم. فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب -عدا روايتي ابن عباس- وقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه، لحديث قصة ميمونة [في روايتي ابن عباس السادسة والسابعة].

стр. 2980

وأجاب الجمهور عن روايتي ابن عباس بأجوبة: أصحها: أن النبي ﷺ إنما تزوجها حلالاً. قال النووي: هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده، [وتعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: جاء مثله صحيحاً عن عائشة وأبي هريرة] وروت ميمونة [روايتنا الثامنة] وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية، لتعلقها بهم، بخلاف ابن عباس، ولأنهم أضبط من ابن عباس، وأكثر، قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد أقرب منه إلى الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح. الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس، على أنه تزوجها في الحرم، وهو حلال، فإنه يقال لمن هو في الحرم: محرم، وإن كان حلالاً، وكذا في الشهر الحرام، وهي لغة شائعة معروفة. ومنه البيت المشهور: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً أي في البلد الحرام، أي في حرم المدينة. قال الحافظ ابن حجر: وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان، فجزم به في صحيحه. الجواب الثالث: أن الأحاديث المحرمة قول، وحديث ابن عباس فعل للرسول ﷺ ، وإذا تعارض القول والفعل ترجح القول عند الأصوليين على الصحيح، لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصوراً عليه. الجواب الرابع: قريب من الثالث، وهو أن النبي ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة. قال النووي: وهو جواب جماعة من أصحابنا، وهو أصح الوجهين، والوجه الثاني أنه حرام في حقه كغيره، وليس من الخصائص. الجواب الخامس: يترجح حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين، فيحتمل أن ابن عباس كان يرى أن من قلد الهدي في عمرته أو حجته يصير محرماً، وإن لم يحرم، كما تقدم تقرير ذلك عنه في كتاب الحج، والنبي ﷺ كان قد قلد الهدي في عمرته تلك التي تزوج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه ﷺ تزوجها وهو محرم، أي عقد عليها بعد أن قلد الهدي، وإن لم يكن تلبس بالإحرام، وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، وقد أخرج الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي رافع أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما" قال الطبري: قصة ميمونة تعارضت الأخبار فيها، وذلك لأن النبي ﷺ كان قد بعث إلى العباس لينكحها إياه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم النبي ﷺ ، وقال بعضهم: بعدما أحرم. الجواب السادس: يحتمل أن النهي عن نكاح المحرم كان بعد عمرة القضاء وبعد زواج ميمونة، ولم يعلم به ابن عباس والله أعلم.
следующие страницы →