← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

في المرأة، لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، فيكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض وللزوج رغبة في ذلك، فيكون كالخلع مع الأجنبي، إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة. وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعلت ذلك ونكحت لم يفسخ النكاح، وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولترضى بما قسم الله لها. والله أعلم

стр. 2977

(٣٦٦) باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته ٣٠٥٢ - عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر، بنت شيبة ابن جبير. فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك. وهو أمير الحج. فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب". ٣٠٥٣ - عن نبيه بن وهب. قال: بعثني عمر بن عبيد الله بن معمر. وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه. فأرسلني إلى أبان بن عثمان وهو على الموسم. فقال: ألا أراه أعرابياً "إن المحرم لا ينكح ولا ينكح". أخبرنا بذلك عثمان عن رسول الله ﷺ . ٣٠٥٤ - عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان: أن رسول الله ﷺ قال "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب". ٣٠٥٥ - عن عثمان ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: "المحرم لا ينكح ولا يخطب". ٣٠٥٦ - عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله بن معمر أراد أن ينكح ابنه، طلحة بنت شيبة بن جبير. في الحج وأبان ابن عثمان يومئذ أمير الحاج. فأرسل إلى أبان: إني قد أردت أن أنكح طلحة بن عمر. فأحب أن تحضر ذلك. فقال له أبان: ألا أراك عراقياً جافياً! إني سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ "لا ينكح المحرم". ٣٠٥٧ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. زاد ابن نمير: فحدثت به الزهري فقال: أخبرني يزيد بن الأصم: أنه نكحها وهو حلال.

стр. 2978

٣٠٥٨ - عن ابن عباس ﵄: أنه قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم. ٣٠٥٩ - عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث ﵂: أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. -[المعنى العام]- كان الإحرام بالحج أو العمرة سبباً في تحريم كثير من الترفه والمتع والملذات، فحرم على المحرم لبس المخيط المحيط الذي هو على هيئة لباس الزينة في غير الإحرام، وحرم عليه الحذاء وتغطية كل القدم، وحرم عليه الطيب، وتغطية الرأس من الرجل والوجه من المرأة، وحرم عليه النساء. ولما كان عقد الزواج باعثاً على الوطء ومبيحاً له، ولما كان الهدف الأساسي من العقد هو النكاح منع العقد وحرم على المحرم، كما تحرم الوسيلة من أجل الغاية، فقال ﷺ : إن المحرم لا ينكح ولا ينكح، ولا يخطب، أي لا يعقد لنفسه عقد زواج، ذكراً كان أو أنثى، ولا يعقد لغيره عقد زواج، ولو كان هذا الغير ليس محرماً، وانتشر هذا الحكم بين المسلمين، حتى عد الجاهل به بدوياً أو أعرابياً، قليل العلم والمعرفة، بعيداً عن الثقافة والحضارة، وقد رويت هذه القصة كمناسبة لذكر هذا الحديث. فقد كان أبان بن عثمان بن عفان أميراً للحج في زمن خلافة أبيه ﵁، وكان من عادة الناس كأيامنا يتشرف أهل العروس بدعوة كبراء القوم؛ ليحضروا حفل عقد القران، وأراد أحد المحرمين بالحج أن يزوج ابنه ويعقد له على عروسه في زمن الحج، وفي الحرم، تيمناً وتبركاً، وهو يجهل هذا الحكم، فأرسل إلى أمير الحج يدعوه لحضور عقد القران، فعجب أبان بن عثمان أمير الحج من جهل الداعي بالحكم، فروى له أن النبي ﷺ قال: لا ينكح المحرم لنفسه، ولا ينكح غيره مادام محرماً. فأجل عقد القران إلى ما بعد الحل اتباعاً لأمر رسول الله ﷺ . -[المباحث العربية]- (أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر، بنت شيبة) بنت شيبة واسمها أمة الحميد خطبها عمر لابنه طلحة قبل أن يحرموا بالحج، وفي موسم الحج، وبعد إحرامهم أراد عمر هذا أن يزوج ابنه طلحة خطيبته بنت شيبة، وأن يعقد عليها، ويدخل بها، وهم محرمون، فكان نبيه أن وهب الراوي مبعوث عمر إلى أمير الحج -أبان بن عثمان- يدعوه لحضور عقد القران تشريفاً وتكريماً. فساق الحديث.

стр. 2979

وفي الرواية الخامسة "أن عمر أراد أن ينكح ابنه طلحة -أي يزوجه ويعقد له على- بنت شيبة". (لا ينكح المحرم ولا ينكح) بكسر الكاف فيهما، الأول بفتح الياء من الثلاثي، أي لا يتزوج المحرم، والثاني بضم الياء من الرباعي، أي لا ينكح غيره، ولا يزوج غيره امرأة بولاية ولا وكالة، قال النووي: سببه أنه لما منع من العقد لنفسه في مدة الإحرام صار كالمرأة، فلا يعقد لنفسه ولا لغيره، وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب والأخ والعم ونحوهم، أو بولاية عامة، وهو السلطان والقاضي ونائبه. (بنت شيبة بن عثمان) هكذا هو في الرواية الثانية من طريق يحيى عن مالك، وفي الرواية الأولى والخامسة "بنت شيبة بن جبير" من طريق حماد عن أيوب، قال النووي: وزعم أبو داود أن رواية حماد هي الصواب، وأن مالكاً وهم فيه، وقال الجمهور: بل قول مالك هو الصواب، فإنها بنت شيبة بن جبير بن عثمان الحجبي، قال القاضي: ولعل من قال: شيبة بن عثمان نسبه إلى جده، فلا يكون خطأ، بل الروايتان صحيحتان. (ألا أراك عراقياً جافياً) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "عراقياً" وذكر القاضي أنه وقع في بعض الروايات "عراقياً" وفي بعضها "أعرابياً" قال: وهو الصواب، أي جاهلاً بالسنة، والأعرابي هو ساكن البادية. قال: و"عراقياً" هنا خطأ، إلا يكون قد عرف من مذهب أهل الكوفة حينئذ جواز نكاح المحرم، فيصح "عراقياً" أي آخذاً بمذهبهم في هذا، جاهلاً بالسنة. (وكانت خالتي وخالة ابن عباس) ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، زوجة النبي ﷺ أرسل إليها النبي ﷺ أبا رافع يخطبها -كان ذلك في عمرة القضاء - فجعلت أمرها إلى العباس، عمه ﷺ وزوج أختها لبابة الكبرى، فزوجها النبي ﷺ فهي خالة ابن عباس، ولها أخت ثالثة اسمها أم برزة بنت الحارث الهلالية وهي أم الراوي فهو يروي عن خالته ميمونة في الرواية الثامنة ولها أخت رابعة واسمها لبابة الصغرى، وهي أم خالد بن الوليد. ولعل في قول يزيد بن الأصم "وكانت خالتي وخالة ابن عباس" إشارة إلى خطأ ابن عباس في الروايتين السادسة والسابعة، حيث إن مصدر الصواب قريب منه. -[فقه الحديث]- اختلف العلماء في نكاح المحرم لاختلاف الأحاديث الصحيحة في ذلك، فالرواية عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وبقية أحاديث الباب تحرم نكاح المحرم. فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب -عدا روايتي ابن عباس- وقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه، لحديث قصة ميمونة [في روايتي ابن عباس السادسة والسابعة].

стр. 2980

وأجاب الجمهور عن روايتي ابن عباس بأجوبة: أصحها: أن النبي ﷺ إنما تزوجها حلالاً. قال النووي: هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده، [وتعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: جاء مثله صحيحاً عن عائشة وأبي هريرة] وروت ميمونة [روايتنا الثامنة] وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية، لتعلقها بهم، بخلاف ابن عباس، ولأنهم أضبط من ابن عباس، وأكثر، قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد أقرب منه إلى الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح. الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس، على أنه تزوجها في الحرم، وهو حلال، فإنه يقال لمن هو في الحرم: محرم، وإن كان حلالاً، وكذا في الشهر الحرام، وهي لغة شائعة معروفة. ومنه البيت المشهور: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً أي في البلد الحرام، أي في حرم المدينة. قال الحافظ ابن حجر: وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان، فجزم به في صحيحه. الجواب الثالث: أن الأحاديث المحرمة قول، وحديث ابن عباس فعل للرسول ﷺ ، وإذا تعارض القول والفعل ترجح القول عند الأصوليين على الصحيح، لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصوراً عليه. الجواب الرابع: قريب من الثالث، وهو أن النبي ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة. قال النووي: وهو جواب جماعة من أصحابنا، وهو أصح الوجهين، والوجه الثاني أنه حرام في حقه كغيره، وليس من الخصائص. الجواب الخامس: يترجح حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين، فيحتمل أن ابن عباس كان يرى أن من قلد الهدي في عمرته أو حجته يصير محرماً، وإن لم يحرم، كما تقدم تقرير ذلك عنه في كتاب الحج، والنبي ﷺ كان قد قلد الهدي في عمرته تلك التي تزوج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه ﷺ تزوجها وهو محرم، أي عقد عليها بعد أن قلد الهدي، وإن لم يكن تلبس بالإحرام، وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، وقد أخرج الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي رافع أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما" قال الطبري: قصة ميمونة تعارضت الأخبار فيها، وذلك لأن النبي ﷺ كان قد بعث إلى العباس لينكحها إياه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم النبي ﷺ ، وقال بعضهم: بعدما أحرم. الجواب السادس: يحتمل أن النهي عن نكاح المحرم كان بعد عمرة القضاء وبعد زواج ميمونة، ولم يعلم به ابن عباس والله أعلم.

стр. 2981

ثم قال النووي: واعلم أن النهي عن النكاح والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينعقد، سواء كان المحرم هو الزوج أو الزوجة، أو العاقد لهما بولاية أو وكالة، فالنكاح باطل في كل ذلك، حتى لو كان الزوجان والولي محلين، ووكل الولي أو الزوجان محرماً في العقد لم ينعقد. أما النهي عن الخطبة فهو نهي تنزيه، ليس بحرام، وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهداً في نكاح عقده المحلون، وقال بعض أصحابنا: لا ينعقد بشهادته، لأن الشاهد ركن في النكاح كالولي، والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده. والله أعلم

стр. 2982

(٣٦٧) باب تحريم الخطبة على الخطبة حتى يأذن الخاطب أو يترك ٣٠٦٠ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال "لا يبع بعضكم على بيع بعض. ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض". ٣٠٦١ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له". ٣٠٦٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد. أو يتناجشوا. أو يخطب الرجل على خطبة أخيه. أو يبيع على بيع أخيه. ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في إنائها. أو ما في صحفتها. زاد في رواية: ولا يسم الرجل على سوم أخيه. ٣٠٦٣ - عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "لا تناجشوا. ولا يبع المرء على بيع أخيه. ولا يبع حاضر لباد. ولا يخطب المرء على خطبة أخيه. ولا تسأل المرأة طلاق الأخرى لتكتفئ ما في إنائها". ٣٠٦٤ - وفي رواية "ولا يزد الرجل على بيع أخيه". - /٥ عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يسم المسلم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته".

стр. 2983

٣٠٦٦ - وفي رواية "على سوم أخيه، وخطبة أخيه". ٣٠٦٧ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال "المؤمن أخو المؤمن. فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه. ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر". -[المعنى العام]- يحرص الإسلام كل الحرص على ما من شأنه أن يغرس المودة والمحبة بين أفراد المجتمع، وما من شأنه، أن يقوي من الترابط والتساند بين الأسرة، وينأى بكل الوسائل عما من شأنه أن يقطع أوصاله، ويفرق مجتمعه، ويبذر بينهم بذور الشقاق والقطيعة والعداوة والبغضاء. ولما كانت المرأة عنصراً مهماً في العلاقات بين الناس، بل العنصر الأساسي والمهم في الترابط وفي التقاطع كليهما كانت موضع اهتمام الشارع الحكيم، وكان الصراع بين الأفراد من أجلها هو الموضوع الأساسي لهذه الأحاديث. لا يخطب الرجل على خطبة أخيه. لا يخطب بعضكم على خطبة بعض، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قدر لها. إن الخاطب الأول اكتسب حقاً بقبول المرأة المخطوبة، ورضاها به، وركونها إليه، وليس من الأخلاق الكريمة، ولا من المباحات الشرعية أن يعتدي عليه في هذا الحق من يرى نفسه أحق بها منه، أو من يقدر على إغرائها أو إغراء أهلها أكثر منه، فإنما لكل ما قدر الله له. وإذا حرمت الخطبة على الخطبة كانت حرمة الإيقاع بين الزوجين المتعاقدين على الزواج وقبل الدخول أشد حرمة ثم الإيقاع بين الداخلين أشد وأشد وأشد. والكلام عادة يجمع بين أطرافه جامع مشترك، فلما نهي عن الخطبة على الخطبة ربط به النهي عن البيع على البيع والسوم على السوم، والخداع في البيع، وتلقي الركبان، واستغلال الحاضر للبادي، ليؤكد بذلك أن الهدف العام هو المحافظة على روابط المودة والمحبة والإخاء بين أفراد المجتمع الإسلامي. -[المباحث العربية]- (لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب بعضكم على خطبة أخيه) "لا يبيع" هكذا

стр. 2984

هو في هذه الرواية، بإثبات الياء الثانية، مرفوع، و"لا" نافية، على الخبر، وهو أبلغ في المعنى من النهي، لما يفيده من أن النهي عنه قد اجتنب وأخبر عنه بعدم الحصول. و"لا يخطب" بضم الباء على الرفع عطفاً على المرفوع قبله، وهو أولى من جعل الواو استئنافية، و"لا" ناهية، و"يخطب" مجزوماً. و"خطبة" بكسر الخاء عرض النكاح، أما الخطبة بضم الخاء فهي ما يلقى من الكلمات في الجمعة وغيرها من المناسبات. والمراد بالأخ ما هو أعم من أخ النسب، بما يشمل الأخ في الإسلام قطعاً، والخلاف في الكافر إذا خطب ذمية، فأراد المسلم أن يخطب على خطبته، خلاف يأتي بين الفقهاء، ومن أدخله أدخله على التوسعة في الأخوة بأن جعلها في الإنسانية، أو بإلحاق الكافر بالمسلم في الحكم للعلة المشتركة بينهما، وهي منع الإيذاء. (إلا أن يأذن له) أي إلا أن يأذن الخاطب الأول للخاطب الثاني، وفي الرواية السادسة "حتى يذر" أي حتى يترك الخاطب الأول موضوع خطبته، وفي رواية البخاري "حتى ينكح أو يترك" وفي رواية له "حتى ينكح أو يدع" وقد استشكل قوله "حتى ينكح" أي حتى يتزوج الخاطب الأول، على اعتبار أنه لا يكون هناك خطبة على خطبة إذا تزوج المخطوبة الخاطب الأول؟ وأجيب بأن المراد حتى يتزوج الخاطب الأول امرأة أخرى، فيعتبر معرضاً عن المخطوبة المقصودة بخطبة الثاني، ورد باحتمال أن يقصد الزواج من اثنتين، فتبقى خطبته لواحدة مع زواجه بأخرى، والأولى أن يراد حتى يتزوج الخاطب الأول المخطوبة المتنافس عليها، فيحصل له اليأس، فيكون من قبيل ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] فكأنه قال: لا يخطب بعضكم على خطبة أخيه أبداً. (نهى أن يبيع حاضر لباد) "أن يبيع" أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، أي نهي عن بيع الحاضر للبادي، أي أن يكون سمساراً له، والحاضر من كان من أهل الحضر، أي المدن والقرى، والبادي من كان من أهل البادية، أي المضارب والخيام، وصورة هذا البيع أي يجيء البلد غريب بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه حضري، فيقول له: ضعها عندي لأبيعها لك على التدريج بأغلى من هذا السعر، والمبيع مما تعم الحاجة إليه، ويلحق بالبادي في ذلك كل من شاركه في عدم معرفة السعر الحاضر، وكل ما يلحق به ضرر بأهل البلد، ضرر ينشأ عن الإشارة بتأجيل البيع، وللمسألة شروط عند الفقهاء تأتي في كتاب البيع إن شاء الله. (أو يتناجشوا) معطوف على "يبيع" أي نهى عن أن يتناجشوا، والضمير للمسلمين، وليس خاصاً بالحاضر والبادي، وأصل النجش في اللغة تنفير الصيد من مكانه ليصاد، والمراد منه هنا الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها، ليوقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ليوقع المشتري، كما يثير الصائد الصيد ليقع في الشباك. وفي الرواية الرابعة "لا تناجشوا" بالنهي، وأصله لا تتناجشوا بتاءين، فحذف إحدى التاءين. والتناجش كما يكون بمواطأة البائع وفي صالحه يكون بمواطأة المشتري وفي صالحه.

стр. 2985

(أو يبيع على بيع أخيه) صورته أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو الشرط: افسخ لأبيعك خيراً منها بمثل ثمنها، أو مثلها بأنقص، ومثل ذلك الشراء على الشراء، كأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأكثر، وفي الرواية السادسة: "فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه"، وسيأتي في كتاب البيوع. (ولا تسأل المرأة طلاق أختها) سبق الكلام عنه في الباب قبل السابق. (ولا يسم الرجل على سوم أخيه) سبق في الباب قبل السابق. -[فقه الحديث]- قال النووي: هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على الخطبة، وأجمعوا على تحريمها، إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة، ولم يأذن ولم يترك، فلو خطب على خطبته وتزوج والحالة هذه عصى، وصح النكاح، ولم يفسخ هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال داود: يفسخ النكاح، وعن مالك روايتان، وقال جماعة من أصحاب مالك: يفسخ قبل الدخول، لا بعده، وحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة، والخطبة ليست شرطاً في صحة النكاح، فلا يفسخ، النكاح بوقوعها غير صحيحة. أما إذا عرض له بالإجابة ولم يصرح -كقولها: لا رغبة عنك. أنت يتمناك الكثيرون-ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان للشافعي، أصحهما لا يحرم، وهو قول المالكية والحنفية، وقال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضوا بالزوج، ويسمى المهر. أما إذا لم ترد ولم تقبل فيجوز أن يخطب الآخر، والحجة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس، حديث خطبها معاوية وأبو جهم -فلم ينكر النبي ﷺ خطبة بعضهم على بعض -لأنها لم تكن قبلت أحدهما- وخطبها ﷺ لأسامة. قال النووي: ولا حجة فيه، لاحتمال أن يكونا خطبا معاً، أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول، والنبي ﷺ أشار بأسامة، ولم يخطب، وعلى تقدير أن يكون خطب فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية وأبي جهم ظهر فيها الرغبة عنهما، فخطبها لأسامة. وحكى الترمذي عن الشافعي أن معنى حديث الباب: إذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به، وركنت إليه، فليس لأحد أن يخطب على خطبته، فإذا لم يعلم برضاها، ولا ركونها، فلا بأس أن يخطبها، والحجة في ذلك قصة فاطمة بنت قيس، فإنها لم تخبره برضاها بواحد منهما، ولو أخبرته بذلك لم يشر عليها بغير من اختارت. قال الحافظ ابن حجر: واستدل بقوله "إلا أن يأذن له" على أن الخاطب الأول إذا أذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختص ذلك بالمأذون له؟ أو يتعدى لغيره؟ يميل الحافظ ابن حجر إلى الثاني، لأن مجرد الإذن الصادر من الخاطب الأول دال على إعراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها، فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص، ولغير المأذون له بالإلحاق. اهـ

стр. 2986

ولسنا مع الحافظ ابن حجر في هذا، فقد يكون الإذن خاصاً بالمأذون له، لفضيلة فيه ليست في غيره مع عدم الإعراض عن تلك المرأة. وصرح الروياني من الشافعية بأن محل التحريم إذا كانت الخطبة من الأول جائزة، فإن كانت ممنوعة، كخطبة المعتدة لم يضر الثاني بعد انقضاء العدة أن يخطبها، لأن الأول لم يثبت له حق بذلك. واستدل بلفظ "أخيه" على أن محل التحريم إذا كان الخاطب مسلماً، فلو خطب الذمي ذمية فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقاً، وهو قول الأوزاعي، ووافقه من الشافعية ابن المنذر وابن جويرية. والخطابي، ويؤيده حديث "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن .... إلخ روايتنا السادسة. قال الخطابي: قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم، وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرد المنع، وقد ورد المنع مقيداً بالمسلم، فبقي ما عداه على أصل الإباحة، وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب، فلا مفهوم له. ونقل ابن القاسم عن مالك أن الخاطب الأول إذا كان فاسقاً جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، ورجحه ابن العربي. قال الحافظ: وهو متجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة، فيكون الفاسق غير كفء لها، فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول. ويلحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطب الأول أهلاً لخطبة تلك المرأة، كما لو خطب سوقى بنت ملك، وهذا يرجع إلى التكافؤ. واستدل به على تحريم خطبة المرأة على خطبة المرأة، إلحاقاً لحكم النساء بحكم الرجال. والله أعلم

стр. 2987

(٣٦٨) باب تحريم نكاح الشغار ٣٠٦٨ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته، على أن يزوجه ابنته. وليس بينهما صداق. ٣٠٦٩ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بمثله. غير أن في حديث عبيد الله قال: قلت لنافع: ما الشغار؟ . ٣٠٧٠ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار. ٣٠٧١ - عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لا شغار في الإسلام". ٣٠٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار. زاد ابن نمير: والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي. أو زوجني أختك وأزوجك أختي. ٣٠٧٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار. -[المعنى العام]- في الجاهلية كان ولي المرأة يستولي على صداقها، وكان يعتبر الصداق حقاً له، لا لها، وكان من صور هذا الاستيلاء المجحف أن يجعل صداق وليته صداقاً لزوجة يتزوجها، كان ذلك نوعاً من نكاح الجاهلية، يزوج الرجل ابنته أو أخته أو أي امرأة له ولاية عليها إلى رجل آخر، على أن يزوجه هذا الآخر بنته أو أخته أو امرأة له عليها ولاية، ولا يدفع أي منهما صداقاً، فجاء الإسلام بأن المهر حق للمرأة، وليس للولي أن يستولي عليه، ولا أن يجعله عوضاً لشيء يخصه هو، فقال تعالى ﴿وآتوا النساء

стр. 2988

صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء: ٤]. وجاء الحديث الشريف بالنهي عن الشغار. -[المباحث العربية]- (نهى عن الشغار) بكسر الشين، أصله في اللغة الرفع، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، وشغرت المرأة إذا رفعت رجلها عند الجماع وفي الشرع -كما فسره نافع- أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، وليس بينهما صداق، وكأن بضع كل منهما صداق للأخرى، كأن كلاً منهما قال لصاحبه: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك. وقيل: هو من شغر البلد إذا خلا، سمي بذلك لخلوه عن الصداق، ومعنى "نهى عن الشغار" أي نهى عن نكاح الشغار، ففي الكلام مضاف محذوف. -[فقه الحديث]- كان الشغار من نكاح الجاهلية، فحرمه الإسلام، وفي علة النهي خلاف بين الفقهاء، قيل: هو خلو بضع كل منهما من الصداق، وقيل: هو تزويج كل من الوليين وليته للآخر بشرط أن يزوجه وليته، وقيل: العلتان معاً، فعلى الأخير ليس من نكاح الشغار الممنوع أن يزوج كل منهما الآخر بغير شرط وإن لم يذكر الصداق، وليس منه أن يزوج كل منهما الآخر بالشرط مع ذكر صداق، وذهب أكثر الشافعية إلى أن علة النهي الاشتراك في البضع، لأن بضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقاً مخالف لإيراد عقد النكاح. قال الخطابي: كان أبو هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة، واستثنى عضواً من أعضائها؛ وذلك أنه يزوج وليته ويستثني بضعها، حيث يجعله صداقاً للأخرى. وقال القفال: العلة في البطلان التعليق والتوقيف، فكأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح ابنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك. ومهما كانت علة النهي، فقد أجمعوا على أنه منهي عنه، لكن اختلفوا في صحته، فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وحكاه الخطابي عن أحمد، وقال مالك يفسخ قبل الدخول، لا بعده، وفي رواية عنه: يفسخ قبل الدخول وبعده، وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المثل، وهو قول الزهري ومكحول والثوري والليث ورواية عن أحمد وإسحق وأبي ثور وهو قول على مذهب الشافعية وقال النووي: وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ والعمات، وبنات الأعمام والإماء كالبنات في هذا.

стр. 2989

(٣٦٩) باب الوفاء بالشرط في النكاح ٣٠٧٤ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أحق الشرط أن يوفى به، ما استحللتم به الفروج" هذا لفظ حديث أبي بكر وابن المثنى. غير أن ابن المثنى قال "الشروط". -[المعنى العام]- النكاح عقد شركة طويلة الأمد، تقوم عليه الحياة، وتترتب عليه آثار جمة ومهمة، وباستقراره تستقر أكثر أمور العيش، وبقلقه يتأرجح قارب النجاة. من هنا حرص الشارع على إحاطته بحصانات وحمايات، وأهم هذه الوقايات التزام كل من الطرفين بواجباته الشرعية، وأداؤه حقوق الآخرين، ووفاء كل بما اشترط لنفسه وعلى نفسه، وللطرف الآخر وعليه، من الشروط التي يجيزها الإسلام. ويقبلها شرعه الحكيم، فإن أحق الشروط بالوفاء تلك الشروط التي تتعلق بالأسرة وبنائها، وسعادتها أو شقائها. -[المباحث العربية]- (إن أحق الشرط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) "أحق" اسم "إن" و"الشرط" مضاف إليه، والمصدر المنسبك من "أن يوفى به" مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ "أحق" والتقدير: إن أحق الشروط بالوفاء ما استحللتم به الفروج، فالخبر "ما استحللتم به الفروج" أي شروط النكاح. و"أن يوفى" بضم الياء وسكون الواو وفتح الفاء، مبني للمجهول من أوفى، وفي رواية البخاري "أحق ما أوفيتم". -[فقه الحديث]- قال الخطابي: الشروط في النكاح مختلفة: منها ما يجب الوفاء به اتفاقاً، وهو ما أمر الله به، من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث.

стр. 2990

ومنها ما لا يوفى به اتفاقاً، كسؤال طلاق أختها. ومنها ما اختلف فيه، كاشتراط أن لا يتزوج عليها، أو لا ينقلها من منزلها. وعند الشافعية: الشروط في النكاح على ضربين: منها ما يرجع إلى الصداق، فيجب الوفاء به، ومنها ما يكون خارجاً عنه فيختلف الحكم فيه، فإن كانت هذه الشروط لا تنافي مقتضى النكاح، بل تكون من مقتضياته ومقاصده، فيجب الوفاء بها، كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق، والكسوة، والسكنى، وألا يقتصر في شيء من حقها، من قسمة ونحوها، وكشرطه عليها ألا تخرج إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك. وإن كانت هذه الشروط تنافي مقتضى النكاح، كأن لا يقسم لها، أو لا يتزوج عليها، أو لا ينفق عليها، أو نحو ذلك، فلا يجب الوفاء بها، بل إن وقع في صلب العقد لغاً، وصح النكاح بمهر المثل إن كان قد جعل المهر كله أو بعضه مقابلاً لهذا الشرط، وفي قول: يجب المهر المسمى، ولا أثر للشرط. وهو قول الليث والثوري والجمهور، حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلاً، فرضيت بخمسين على ألا يخرجها فله إخراجها ولا يلزمه إلا المسمى، وقالت الحنفية: لها أن ترجع عليه بما نقصته له من الصداق. وحجتهم حديث "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وحقوق الزوج إذا شرط عليه إسقاط شيء منها كان شرطاً ليس في كتاب الله فيبطل. وحديث "المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً" وحديث "المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق". وبهذا حكم علي ﵁، واختلفت الروايات عن عمر ﵁، فقد روى أن رجلاً تزوج امرأة فشرط لها أن لا يخرجها من دارها. فارتفعوا إلى عمر، فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها. وروي أنه قال في هذه القضية: "لها شرطها، قال الرجل: هلك الرجال، إذن لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت. فقال عمر: المؤمنون على شروطهم. إن مقاطع الحقوق عند الشروط، ولها ما اشترطت" وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقاً. ويتعلق بهذه القضية مسألة ما يشترطه الولي لنفسه من مال وغيره، يدفعه الزوج له، ويعرف في بعض البلاد بالحلوان، فقيل: هو حق للمرأة مطلقاً، ولا حق فيه للولي، وهو قول عطاء وجماعة من التابعين، وبه قال الثوري وأبو عبيد، وقيل: هو لمن شرطه. قاله مسروق وعلي بن الحسين، وقيل: يختص ذلك بالأب، دون غيره من الأولياء. وقال الشافعي: إن وقع في نفس العقد وجب للمرأة مهر مثلها، وإن وقع خارجاً عنه لم يجب، وقال مالك: إن وقع في حال العقد فهو من جملة المهر، وإن وقع خارجاً عنه فهو لمن وهب له. والله أعلم

стр. 2991

(٣٧٠) باب استئذان الثيب والبكر في النكاح وتزويج الأب البكر الصغيرة ٣٠٧٥ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال "لا تنكح الأيم حتى تستأمر. ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال "أن تسكت". ٣٠٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها. أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله ﷺ "نعم. تستأمر" فقالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحيي. فقال رسول الله ﷺ "فذلك إذنها إذا هي سكتت". ٣٠٧٧ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها. والبكر تستأذن في نفسها. وإذنها صماتها؟ " قال: نعم. ٣٠٧٨ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال "الثيب أحق بنفسها من وليها. والبكر تستأمر. وإذنها سكوتها". ٣٠٧٩ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها. والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها" وربما قال "وصمتها إقرارها".

стр. 2992

٣٠٨٠ - عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين. وبنى بي وأنا بنت تسع سنين. قالت: فقدمنا المدينة فوعكت شهراً. فوفى شعري جميمة. فأتتني أم رومان، وأنا على أرجوحة، ومعي صواحبي. فصرخت بي فأتيتها. وما أدري ما تريد بي. فأخذت بيدي. فأوقفتني على الباب. فقلت: هه هه. حتى ذهب نفسي. فأدخلتني بيتاً فإذا نسوة من الأنصار. فقلن: على الخير والبركة. وعلى خير طائر. فأسلمتني إليهن. فغسلن رأسي وأصلحنني. فلم يرعني إلا ورسول الله ﷺ ضحى. فأسلمنني إليه. ٣٠٨١ - عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين. وبنى بي وأنا بنت تسع سنين. ٣٠٨٢ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع سنين. وزفت إليه وهي بنت تسع سنين. ولعبها معها. ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة. ٣٠٨٣ - عن عائشة ﵂ قالت: تزوجها رسول الله ﷺ وهي بنت ست. وبنى بها وهي بنت تسع. ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة. -[المعنى العام]- كانت المرأة قبل الإسلام تعامل معاملة الحيوان عند كثير من العرب، وكان البعض يستغلها في الفاحشة حتى نزل فيهم قوله تعالى ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾ [النور: ٣٣]. وكانت عند عامة العرب تساق من بيت أبيها إلى بيت زوجها وقد لا تدري من هو؟ لا تستشار بشأنه، ولا تراه إلا وهي في بيته، وحتى لو رأته وعلمته ورفضته لا قيمة لرفضها، ولا يعبأ باعتراضها، فكانت أمام هذه المعاملة لا تعترض وهي كارهة خشية العواقب، فقد كان العضل والحبس والمنع من الزواج والضرب والإذلال أسلوب معاملة الأولياء للمرأة. وجاء النور من الله على لسان محمد ﷺ ليبدد الظلام الدامس الذي كانت تعيش فيه، وهب نسيم الحرية لتستنشق هواء العزة والكرامة والشعور بالإنسانية والشخصية في كل

стр. 2993

مناحي الحياة: في العقيدة، والعبادة، والتعليم، والخروج، والميراث، والمشاركة في شئون الحياة، بل والتخطيط لمستقبل حياتها قبل خروجها من بيت أبيها إلى بيت زوجها، لتقول كلمتها، وتبدي رأيها في شريك حياتها، فلا تزوج البكر رجلاً حتى تستأذن في أمر زواجها منه، إن أذنت نفذ، وإن لم تأذن لم ينفذ، ولا ينبغي أن يحول حياؤها الذي ورثته دون أخذ رأيها، بل يعرض الأمر عليها، ويؤخذ بقرائن رضاها حين سكوتها، وبقرائن رفضها، أما الثيب فلا بد من نطقها وإعلان موافقتها قبل زواجها. نعم للأب أن يزوج ابنته الصغيرة التي لا تدرك مصلحتها حين يتقدم لها كفء مشرف، كما زوج أبو بكر ابنته عائشة لرسول الله ﷺ ، وحتى في مثل هذه الحالة لم يسلبها الإسلام حريتها حين تدرك، وحين لا ترضى بزوجها الذي اختاره لها أبوها، فحين اشتكت إحدى النساء ذلك لرسول الله ﷺ رد نكاحها، فيا سعادة المرأة في ظل الإسلام وتعاليمه، ويا شقاءها حين تتمرد على شرائعه وتطلب السعادة في غيره. -[المباحث العربية]- (لا تنكح الأيم حتى تستأمر) "لا تنكح" "لا" ناهية، والفعل مجزوم بالسكون، وحرك بالكسر، للتخلص من التقاء الساكنين، أو "لا" نافية، والفعل مرفوع بالضمة، والخبر أبلغ من النهي كما سبق مراراً. و"الأيم" بفتح الهمزة والياء المشددة المكسورة تطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرة أو كبيرة، بكراً كانت أو ثيباً، باتفاق أهل اللغة، والأيمة بسكون الياء العزوبة، ويقال: رجل أيم، وامرأة أيم. واختلف العلماء في المراد بالأيم هنا شرعاً، وسيأتي تفصيل أقوالهم. ومعنى "تستأمر" أي يطلب أمرها، والمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، ولا يكفي أن يطلب الأمر منها، بل المراد لا يعقد عليها إلا بعد أن تأمر بذلك. (ولا تنكح البكر حتى تستأذن) أي حتى يطلب إذنها، والمراد حتى تأذن. (وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت) "أن تسكت" مصدر، خبر مبتدأ محذوف، أي إذنها سكوتها. وفي الرواية الرابعة "وإذنها سكوتها" وفي الرواية الثانية "قالت عائشة: فإنها تستحي" أي من أن تتكلم وتأذن "فقال رسول الله ﷺ فذلك إذنها إذا هي سكتت" أي فاستحياؤها مع قرائن رضاها إذنها. "إذا هي سكتت" ولم يظهر منها أي قرينة على المعارضة وعدم الرضا، وفي الرواية الثالثة "وإذنها صماتها" والصمات بضم الصاد: السكوت، وفي رواية للبخاري "رضاها صمتها" وفي إحدى الروايات "سكاتها إذنها" وفي روايتنا الخامسة "وصمتها إقرارها".

стр. 2994

(سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها. أتستأمر) "ينكحها" بضم الياء وسكون النون وكسر الكاف، والمراد من "أهلها" وليها، والمراد من الجارية البكر، بدليل رواية البخاري "قالت: يا رسول الله، إن البكر تستحي"؟ ومن حكم البكر ووجوب استئمارها يعلم حكم الثيب من باب أولى. (الأيم أحق بنفسها من وليها) الظاهر أن المراد من "الأيم" هنا الثيب، وعليه علماء الحجاز وجمهور الفقهاء، لأمور ثلاثة: الأول: أنه جاء مفسراً بالثيب في الرواية الرابعة والخامسة. الثاني: أنها جعلت مقابلة للبكر. الثالث: أن أكثر استعمالها في اللغة في الثيب. وقال الكوفيون وزفر: الأيم هنا كل امرأة لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً، كما هو مقتضاه في اللغة. قالوا: فكل امرأة بلغت فهي أحق بنفسها من وليها، وعقدها على نفسها النكاح صحيح، وبه قال الشعبي والزهري. واختلفوا أيضاً في المراد من كلمة "أحق" هل هي أفعل تفضيل على بابها؟ تدل على أن أمرين اشتركا في صفة، وزاد أحدهما على الآخر في هذه الصفة؟ بمعنى أن لها في النكاح في نفسها حقاً، ولوليها حقاً؟ وحقها أوكد من حق وليها؟ فإن أراد تزويجها كفؤاً وامتنعت لم تجبر؟ ولو أرادت أن تزوج كفؤاً فامتنع الولي أجبر؟ فإن أصر زوجها القاضي؟ لما لها من حق آكد، ومن رجحان حقها؟ وفيم هي أحق؟ هل هي أحق من وليها في الإذن والموافقة؟ أو في كل شيء من عقد وغيره؟ أو أفعل التفضيل ليس على بابه؟ والمراد وأن الأيم صاحبة الحق في نفسها في النكاح، ولا حق لوليها فيه، وأن الولي ليس من أركان صحة النكاح، بل هو من تمامه وكماله؟ كما قال الكوفيون وزفر والشعبي والزهري؟ أو أن للولي حقاً، لكن لها أن تعقد على نفسها بدونه، وتتوقف صحة النكاح على إجازته؟ كما قال الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد؟ . (تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين) أي عقد عليها وهي بنت ست سنين، وفي الرواية الثامنة "سبع سنين" ويجمع بينهما بأنها كان لها ست سنين وأشهر، فمرة جبر الكسر، ومرة ألغى الكسر. (فوعكت شهراً) بضم الواو وكسر العين وسكون الكاف، والوعك ألم الحمى. (فوفى شعري جميمة) معطوف على محذوف، تقديره، فتساقط شعر رأسي، فشفيت، فعاد شعري، فوفى -بفتح الواو والفاء مخففة- أي كثر ونما، حتى ظهر في هيئة جميمة -تصغير "جمة" بضم الجيم وتشديد الميم، وهي الشعر النازل إلى الأذنين ونحوهما، أي صار إلى هذا الحد، بعد أن كان قد ذهب بالمرض.

стр. 2995

(فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة) "أم رومان" هي أم عائشة، وهي بضم الراء على المشهور، وحكى ابن عبد البر فتح الراء وسكون الواو، ورجحه، وخالفه النووي. والأرجوحة بضم الهمزة كانت آنذاك خشبة عرضها نحو ثلاثين سنتيمتراً، وطولها نحو ستة أمتار، يكون وسطها على مكان مرتفع، ويجلس الأطفال على طرفيها، ويحركونها، فيرتفع جانب منها، وينزل جانب. (فصرخت بي) أي فنادتني بصوت مرتفع. (فقلت: هه. هه. حتى ذهب نفسي) "هه. هه" بإسكان الهاء الثانية، هاء السكت، وهو تعبير عن النفس المضطرب، من شدة الشهيق والزفير من سرعة الجري، فيتتابع النفس، وقد يحدث هذا الصوت، ويعرف بالنهج بفتح الهاء، والنفس بفتح النون والفاء، أي حتى ذهب اضطرابي، وهدأ وسكن نفسي. (فإذا نسوة) بكسر النون وضمها، لغتان، الكسر أفصح وأشهر. (وعلى خير طائر) أصله من التيامن بالطير، ضد التشاؤم، كأنهن يقلن: على خير ما تيمنت، أي على خير حظ وخير نصيب، ويقال في الدعاء للمسافر: على الطائر الميمون، ويقال: فلان ميمون الطائر. (فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى) "يرعني" بفتح الياء وضم الراء وسكون العين، من راعه إذا فاجأه، والاستثناء من أعم الفاعلين، أي لم يرعني شيء إلا رسول الله ﷺ ، ولو حذفنا النفي والاستثناء لكان الأصل: راعني رسول الله ﷺ ضحى، أي فاجأني دخوله علي ضحى. (ولعبها معها) بضم اللام وفتح العين، جمع لعبة، والمراد بها اللعب المسماة بالبنات والدمى الصغار من خيل وجمال من الصلصال، كان من عادة الجواري الصغار اللعب بها، والمقصود من هذه العبارة التنبيه إلى صغر سنها عند زفافها. (ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة) فمكثت عنده ﷺ تسع سنين، وتوفيت ﵂ سنة سبع وخمسين من الهجرة. ولفظ "ثماني" في الأصل منسوب إلى الثمن، لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية، فهو ثمنها، ثم فتحوا الثاء، لأنهم يغيرون في النسب، وحذفوا إحدى ياءى النسب، وعوضوا عنها الألف، كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فثبتت ياؤه عند الإضافة، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب، "وثمان عشرة" بكسر النون، لتدل الكسرة على الياء المحذوفة.

стр. 2996

-[فقه الحديث]- يمكن توزيع أحكام تزويج المرأة بإذن أو غير إذن حسب الصور الآتية: ١ - البكر غير البالغ يزوجها أبوها. أو يزوجها وليها غير أبيها. ٢ - البكر البالغ يزوجها أبوها. أو يزوجها وليها غير أبيها. ٣ - الثيب غير البالغ يزوجها أبوها. أو يزوجها وليها غير أبيها. ٤ - الثيب البالغ يزوجها أبوها. أو يزوجها وليها غير أبيها. ٥ - المرأة تزوج نفسها بدون ولي. وهذا هو التفصيل: ١ - في الروايات السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة أن عائشة ﵂ تزوجت رسول الله ﷺ قبل البلوغ، وكانت بكراً، والذي زوجها أبوها، ولا يظهر من الروايات أنها استؤذنت. وظاهر الروايات الأول أن البكر تستأذن، ولم تفصل الروايات بين البكر البالغ وغير البالغ، ولا بين أن يزوجها أبوها أو ولي آخر غير أبيها، نعم في الرواية الخامسة "والبكر يستأذنها أبوها في نفسها" مما يشير إلى التفرقة بين الأب وغيره، مجرد الإشارة، وليس دليلاً، فإن عدم ذكر غيره لا يفيد عدم صلاحية غيره. وعن هاتين الصورتين يقول النووي عند الكلام على زواج عائشة ﵂: هذا صريح في جواز تزويج الأب الصغيرة بغير إذنها، لأنه لا إذن لها، والأب كالجد عندنا، وأجمع المسلمون على جواز تزويج الأب بنته البكر الصغيرة، لهذا الحديث، وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز. [وقال أهل العراق لها الخيار إذا بلغت وقال الحافظ ابن حجر أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر] ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه. اهـ أما غير الأب والجد من الأولياء فلا يجوز أن يزوجها عند الشافعي والثوري ومالك وابن أبي ليلى وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد والجمهور، قالوا: فإن زوجها فلا يصح الزواج. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء، ويصح الزواج، ولها الخيار إذا بلغت، وقال أبو يوسف: يجوز لجميع الأولياء، ويصح الزواج، ولا خيار لها. وأما الوصي الأجنبي فقد اتفق الجماهير على أنه لا يزوجها، وجوز شريح وعروة وحماد أن يزوجها، وحكاه الخطابي عن مالك أيضاً. اهـ

стр. 2997

فتحصل من هذا أن البكر غير البالغ يجوز لأبيها أن يزوجها اتفاقاً، وفي تزويج جدها وبقية الأولياء والأوصياء خلاف، وفي خيارها بعد البلوغ خلاف. هذا عن جواز التزويج، أما ما يستحب فقد قال عنه النووي: واعلم أن الشافعي وأصحابه قالوا: يستحب ألا يزوج الأب والجد البكر حتى تبلغ، ويستأذنها، لئلا يوقعها في أسر الزوج وهي كارهة، قال: وهذا لا يخالف حديث عائشة، لأن استحباب ألا يزوجها قبل البلوغ إذا لم تكن هناك مصلحة ظاهرة، يخاف فوتها بالتأخير، أما في مثل حالة عائشة فيستحب تحصيل ذلك الزوج، لأن الأب مأمور بمصلحة ولده، فلا يفوتها. وأما عن سن الدخول والزفاف فيقول: إن اتفق الزوج والولي على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عمل به، وحده مالك والشافعي وأبو حنيفة بأن تطيق الجماع، ويختلف ذلك باختلافهن، ولا ينضبط بسن وهذا هو الصحيح، وليس في حديث عائشة منع منه قبل التسع لمن تطيقه، ولا إذن فيه لمن لا تطيقه وهي فوق تسع سنين. ٢ - أما البكر البالغ فظاهر الروايات الخمس الأولى الاستئذان مع عموم كل بكر، وكل ولي، وأن سكوتها يكفي مطلقاً. قال النووي: وهذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا وأحمد إن كان الولي أبا أو جدا فاستئذانه مستحب، ويكفي فيه سكوتها، ولو زوجها بغير استئذانها صح، لكمال شفقته، وإن كان غيرهما من الأولياء وجب الاستئذان، ولم يصح إنكاحها قبله، ولا بد من نطقها، لأنها تستحي من الأب والجد أكثر من غيرها، قال: والصحيح الذي عليه الجمهور أن السكوت كاف في جميع الأولياء، لعموم الحديث، ولوجود الحياء مع كل الأولياء. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وغيرهما من الكوفيين: يجب الاستئذان في كل بكر بالغة، فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصح. قال الحافظ ابن حجر: والأحاديث دالة على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، لكن قال ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحق: يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان ولو كانت بالغاً، ومن حجتهم مفهوم حديث الباب، لأنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها. اهـ وفي هذا الاحتجاج نظر، فإن نفي الأحقية يصدق بالمساواة في الحقوق، فلا يجبرها، ولا يزوجها بغير إذنها، ولا تجبره، ولا تتزوج بغير إذنه. والأحاديث جعلت سكوتها دالاً على رضاها، وهذا إذا لم تظهر منها قرينة على عدم الرضا، كأن قامت من المجلس، أو غيرت مجرى الحديث، أو ظهرت منها قرينة السخط، بأن نفرت، أو بكت، أو أظهرت الكراهة ولو بضم الشفتين، وعند بعض الشافعية: لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا إذا قرنت مع البكاء الصياح ونحوه. وهل يستحب إعلامها أن سكوتها إذن؟ قال ابن المنذر: يستحب ولا يشترط، وهو مذهب الشافعية والجمهور وشرطه بعض المالكية، وقال ابن شعبان من المالكية: يقال لها: إن رضيت

стр. 2998

فاسكتي، وإن كرهت فانطقي (ثلاثاً) وقال بعضهم: يطيل المستأذن المقام عندها، لئلا تخجل، فيمنعها ذلك من المسارعة، ولو قالت بعد العقد: ما كنت أعلم أن سكوتي قبول وإذن، لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، ويبطل عند بعض المالكية. [ملحوظة] علم من جعل سكوتها في قوة إذنها وموافقتها أن موافقتها الصريحة ونطقها بذلك إذن بداهة من باب أولى، وقد أغرب بعض أهل الظاهر، فجعلوا السكوت علامة على الرضا، ولم يقبلوا النطق بالموافقة، وقوفاً عند ظاهر قوله "وإذنها أن تسكت". ٣ - أما الثيب غير البالغ فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها، كالبكر، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد" لا يزوجها أبوها إذا زالت البكارة بالوطء، سواء كان ذلك بنكاح صحيح أو فاسد أو بوطء شبهة أو بزنا، لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال، فلا بد من استئذانها، ولا بد من النطق بموافقتها، أما لو زالت بكارتها بوثبة أو بإصبع أو بطول المكث؛ فقيل: لها حكم الثيب، وقيل: لها حكم البكر. ٤ - وأما الثيب البالغ فقد قال الحافظ ابن حجر: لا يزوجها الأب ولا غيره إلا برضاها، اتفاقاً، إلا من شذ. ٥ - وأما عن الولي في النكاح فقد قال النووي: قال مالك والشافعي وأحمد، يشترط، ولا يصح نكاح إلا بولي، ولا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلاً. وقال أبو حنيفة: لا يشترط في الثيب ولا في البكر البالغة، بل لها أن تزوج نفسها بغير إذن وليها. وقال أبو ثور: يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها، ولا يجوز بغير إذنه. وقال داود: يشترط الولي في تزويج البكر، دون الثيب. واستدل المالكية والشافعية على اشتراط الولي في النكاح بما يأتي: ١ - قوله تعالى ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: ٢٣٢]. فقد أخرج البخاري عن معقل بن يسار أنها نزلت فيه حيث زوج رجلاً أختاً له فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقال له معقل: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها. لا. والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع، فأنزل الله هذه الآية. فالآية ظاهرة في أن العضل يتعلق بالأولياء. وقوله تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. فالإنكاح خوطب به الأولياء. كذلك قوله تعالى ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢]. ٢ - حديث البخاري في عرض عمر ﵁ بنته حفصة على عثمان، ثم على أبي بكر ﵄، ثم تزويجه إياها رسول الله ﷺ ، فثبت به أن التزويج للأولياء.

стр. 2999

٣ - حديث "لا نكاح إلا بولي" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم. ٤ - حديث "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل". ٥ - أحاديث الباب "البكر تستأذن. والأيم تستأمر" جعلت الولاية هي الأصل، وللبكر والثيب الاستئذان والاستثمار. ٦ - أن الولي يصيبه العار إذا تزوجت من غير إذنه بغير كفء، فكان المختص بالتزويج ليدفع عن نفسه العار. ورد الحنفية بأن حديث "لا نكاح إلا بولي" ليس بمتفق عليه، فلا يعارض ما اتفق عليه، ونقلوا كلام المحدثين فيه وعلى فرض صحته فمعناه لا نكاح كامل، فالمنفي الكمال لا الصحة وبأن حديث "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. فنكاحها باطل" قال الترمذي: قد تكلم بعض أهل الحديث فيه. فلا حجة فيه. واحتجوا بحديث "والثيب أحق بنفسها من وليها". كما احتجوا بالقياس على البيع، فإنها تستقل به، وخصوا بهذا القياس عموم الأحاديث الواردة في اشتراط الولي، فخصوها بالأمة والصغيرة، وتخصيص العموم بالقياس عمل سائغ وجائز عند كثير من علماء الأصول. هذا وقد اختلف العلماء في الأولياء. من هم؟ فقال مالك والثوري والليث والشافعي والجمهور: الأولياء في النكاح هم العصبة. وليس للخال، ولا والد الأم، ولا الأخوة من الأم ولاية. وعن الحنفية: هؤلاء من الأولياء. [ملحوظة] أخرج أبو داود من حديث ابن عمر رفعه "وآمروا النساء في بناتهن" قال الشافعي: لا خلاف أنه ليس للأم أمر، لكنه على معنى استطابة النفس. اهـ وقد ترجم البخاري بباب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاح مردود، وذكر تحته حديث خنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ ، فرد نكاحها. قال الحافظ ابن حجر: رد النكاح إذا كانت ثيباً، فزوجت بغير رضاها إجماع، إلا ما نقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيب ولو كرهت، وعن النخعي: إن كانت في عياله جاز، وإلا رد، واختلفوا إذا وقع العقد بغير رضاها، فقالت الحنفية: إن أجازته جاز، وعن المالكية: إن أجازته عن قرب جاز، وإلا فلا، ورده الباقون مطلقاً. -[ويؤخذ من حديث زواج عائشة ﵂: ]- ١ - استحباب الدعاء بالخير والبركة لكل واحد من الزوجين.

стр. 3000

٢ - واستحباب تنظيف العروس وتزيينها لزوجها. ٣ - واستحباب اجتماع النساء لذلك، ولأنه يتضمن إعلان النكاح، ولأنهن يؤنسنها ويؤدبنها ويعلمنها آدابها حال الزفاف، وحال لقائها للزوج. ٤ - وجواز الزفاف والدخول بالعروس نهاراً. وهو جائز ليلاً ونهاراً. ٥ - وجواز اتخاذ اللعب. وإباحة لعب الجواري بهن، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ رأى ذلك فلم ينكره. قالوا: سببه تدريبهن لتربية الأولاد وإصلاح شأنهن وبيوتهن. قال النووي: هذا كلام القاضي، ويحتمل أن يكون مخصوصاً من أحاديث النهي عن اتخاذ الصور، لما ذكره من المصلحة، ويحتمل أن يكون هذا منهياً عنه، وكانت قصة عائشة هذه ولعبها في أول الهجرة قبل تحريم الصور. والله أعلم

стр. 3001

(٣٧١) باب استحباب التزويج في شوال ٣٠٨٤ - عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال وبنى بي في شوال. فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني؟ قال: وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال. ٣٠٨٥ - وفي رواية بهذا الإسناد. ولم يذكر فعل عائشة ﵂. -[المعنى العام]- كان التطير في الجاهلية عقيدة، تؤثر في المشاريع إقداماً أو إحجاماً، كأنها تنبئ عن الغيب المحقق. كانوا إذا أزمعوا أمراً مهماً أزعجوا ما يصادفهم من طير، فإن اتجه يميناً تيامنوا ومضوا في مشروعهم وتفاءلوا، وإن اتجه شمالاً تشاءموا، ورجعوا عن مشروعهم، فجاء الإسلام، وحارب هذه العقيدة بالقول وبالعمل، بالقول "لا طيرة". "إذا تطيرت فلا ترجع" وبالعمل كما في هذا الحديث، الأيام التي يتطيرون منها تجري فيها مشاريع الإسلام الكبرى، والأماكن التي يتطيرون منها تجري فيها العبادات العظمى، فيقام مسجد الرسول ﷺ في المدينة، مكان خربة، كانت قبوراً للمشركين، فيحل فيها الخير والرحمة والبركة، وتعد أفضل بقعة على الأرض، فتضم جسد الرسول ﷺ ، وتصبح الروضة الشريفة. روضة من رياض الجنة. -[المباحث العربية]- (تزوجني رسول الله ﷺ في شوال) أي عقد عليها في شهر شوال قبل الهجرة بسنة ونصف السنة على الأشهر، وبنى بها، أي دخل عليها في شوال بعد الهجرة بسنة ونصف السنة. و"شوال" فعال مبالغة من الشول، وهو في الأصل النقص والقلة، والشائلة من الإبل ما جف لبنها، ويقال: شال القوم إذا خفت منازلهم منهم ومضوا، أو إذا تفرقت كلمتهم، أو إذا ماتوا وتفرقوا، كأنه لم يبق منهم إلا بقية، أو إذا ذهب عزهم. و"شوال" شهر أوله عيد الفطر، قيل: سمي بذلك لتشويل ألبان الإبل فيه وإدبارها، وكانت العرب قبل الإسلام تتطير من عقد النكاح والدخول فيه، وتقول: إن المنكوحة فيه تمتنع من ناكحها، ويقل أولادها ولبنها، فأبطل الإسلام هذا التطير، باستحباب الزواج في شوال.

стр. 3002

(فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني؟ ) لا تقصد ﵂ أن دخولها في شوال كان سبباً في حظوتها عنده ﷺ ، وإنما تقصد أنه لم يكن شؤماً، ولم يحل دون حظوتها وسعادتها. (وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال) أي النساء التي تلي أمرهن، أو اللاتي ينتسبن إليها وترعاهن. -[فقه الحديث]- قال النووي: فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث، وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزويج والتزوج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له، وهو من آثار الجاهلية فقد كانوا يتطيرون بذلك، لما في اسم شوال من الإشالة والرفع. اهـ أقول: إن العمل المشروع يفضل غيره بأمر من أمور ثلاثة: إما بفضل المكان الذي يقع فيه، وإما بفضل الزمان الذي يقع فيه، وإما بفضل النية التي يقع بها، وقد تجتمع الأمور الثلاثة. وما هنا من قبيل الأمر الثالث، فاستحبابه عند الشافعية من هذه الحيثية. حيثية القصد والنية. والله أعلم

стр. 3003

(٣٧٢) باب النظر إلى المخطوبة ٣٠٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ . فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار. فقال له رسول الله ﷺ "أنظرت إليها؟ " قال: لا. قال "فاذهب فانظر إليها. فإن في أعين الأنصار شيئاً". ٣٠٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي ﷺ "هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئاً" قال: قد نظرت إليها؟ قال "على كم تزوجتها؟ " قال: على أربع أواق. فقال له النبي ﷺ "على أربع أواق؟ كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل. ما عندنا ما نعطيك. ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه" قال: فبعث بعثاً إلى بني عبس. بعث ذلك الرجل فيهم. -[المعنى العام]- الإسلام دين النصيحة، ودين الوضوح، دين يحارب الغش والخداع في جميع المعاملات، دين يرفع الجهالة ويرفض وسائلها، ويحرص على وضوح الرؤية، والتعامل على بصيرة، ولقد جاء الإسلام والمرأة تساق من بيت أبيها إلى بيت زوجها كأنها مغمضة العينين، وكثيراً ما يكون الرجل كذلك بالنسبة لها، لم يسبق له رؤيتها، ولم يسبق لها رؤيته، مما يؤثر على الحياة الزوجية تأثيراً هادماً، أو يملؤها بجو البغض والكراهية والانقباض. جاء الإسلام بهذه التعاليم السمحة، لينظر الخاطب إلى مخطوبته، ولتنظر المخطوبة إلى خطيبها، لينظر كل منهما إلى ما يبدو من الآخر، إلى وجهه وكفيه، وليتأمل كل منهما محاسن الآخر في خلقته، في عينيه، في أنفه وفمه، في تقاسيم وجهه، في بدانة جسمه أو نحافته، في بياض بشرته أو سمرته، في تناسق أعضائه أو عاهاته وعيوبه، لا عيب على المرأة ولا على أهلها أن تكشف لخطيبها عن وجهها وكفيها، ولا عيب عليه أن يكشف لها ولأهلها عن عيوبه، بل العيب أن يخفي أحدهما عن الآخر ما ستكشفه الأيام، العيب والخطر يكمن في إخفاء كل منهما عن الآخر ما يفجأ صاحبه، ويعتبره غشاً وخداعاً ومكيدة وقع فيها. هذا هو الإسلام وصراطه المستقيم.

стр. 3004

-[المباحث العربية]- (فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار) أي شرع في زواجها، فخطبها. (أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إليها) في الرواية الثانية "هل نظرت إليها؟ .... قال: قد نظرت إليها" يحتمل أن يكون رجلاً آخر غير الأول، الأول لم يكن نظر إليها، فأمر بالذهاب والنظر إليها، والثاني قد نظر إليها قبل مجيئه، وقد جاء يطلب المساعدة في زواجه، كما يبينه الحديث، ويحتمل أن الحديثين عن رجل واحد، لم يكن نظر، فأمر بالنظر، فذهب فنظر فجاء، فسئل: هل نظرت؟ فأجاب بنعم، ثم عرض حاجته. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الرجل يحتمل أن يكون المغيرة، فقد أخرج الترمذي والنسائي من حديثه أنه "خطب امرأة، فقال له النبي ﷺ : انظر إليها، فإنه أحرى أن يدوم بينكما". قلت: هذا الاحتمال بعيد، فقصة الرجل في الرواية الثانية لا تنطبق على المغيرة. (فإن في أعين الأنصار شيئاً) قال النووي: هكذا الرواية "شيئاً" بالهمزة، واحد الأشياء، قيل: المراد صغر، وقيل: المراد زرقة، وقال الغزالي: قيل عمش. ورجح الحافظ الصغر، حيث جاء اللفظ في بعض الروايات. (على أربع أواق) من الفضة. فهم الرسول ﷺ هذا من حال الرجل، فأعادها على أسلوب الاستفهام التعجبي، أو التوبيخي، على معنى ما كان ينبغي. (كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل) "عرض" بضم العين وإسكان الراء، وهو الجانب والناحية و"تنحتون" بكسر الحاء، أي تقشرون وتقطعون. قال النووي: ومعنى هذا الكلام كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج. -[فقه الحديث]- قال النووي: في الحديث استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها، وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة، وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء، وحكى القاضي عن قوم كراهيته، [نسب هذا إلى المزني، حيث قال: لا يجوز أن ينظر إلى شيء منها، وقالت طائفة منهم يونس بن عبيد وإسماعيل بن علية وقوم من أهل الحديث: لا يجوز النظر إلى الأجنبية مطلقاً إلا لزوجها أو ذي رحم محرم منها، واحتجوا بحديث علي "لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى" رواه الطحاوي والبزار وأحمد وأبو داود والترمذي] وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث، ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة، عند البيع والشراء والشهادة ونحوها. ثم إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط، لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يستدل بالوجه على الجمال، أو على ضده، وبالكفين على خصوبة البدن،

стр. 3005

أو عدمها. هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين. وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم، وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها [لا إلى فرجها] وقال ابن حزم: يجوز النظر إلى فرجها، وعن أحمد ثلاث روايات، الأولى كالجمهور، والثانية: ينظر غالباً، والثالثة: ينظر إليها مجردة. دليل الجمهور على المزني والطائفة التي تنحو نحوه حديث الباب "انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً" وروي عن المغيرة بن شعبة قال: أردت أن أنكح امرأة من الأنصار، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما -أي أن يدوم الوفاق بينكما- قال: فذهبت، فأخبرت أباها بذلك، فذكر أبوها ذلك لها، فرفعت الخمار، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أذن لك أن تنظر فانظر" أخرجه الطحاوي والترمذي وقال حديث حسن، ويجاب عن حديث علي ﵁ بأنه في النظر لغير الخطبة، وفي غير الحاجة، ودليل الجمهور على داود وابن حزم قوله تعالى ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]. قيل في التفسير: الوجه والكفان، وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا أراد أحدكم تزويج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها". ثم قال النووي عن مذهب داود: وهذا خطأ ظاهر، منابذ لأصول السنة والإجماع. ثم قال: ومذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لا يشترط في جواز هذا النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها، ومن غير تقدم إعلام، لكن قال مالك: أكره نظره في غفلتها، مخافة من وقوع نظره على عورة. [أو على ما لا تحب أن يراه من بعض أفعالها وأحوالها] وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها، وهذا ضعيف، لأن النبي ﷺ قد أذن في ذلك مطلقاً، ولم يشترط استئذانها، ولأنها تستحي غالباً من الإذن، وربما يكون في ذلك إيذاء لها إن هو رآها فلم تعجبه. ثم قال: قال أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة يثق بها، تنظر إليها، وتخبره ويكون ذلك قبل الخطبة. اهـ وحول هذا الموضوع مسائل، نرى فائدة كبرى في عرضها: الأولى: قال الشيخ أبو إسحق: يجوز للمرأة إذا أرادت أن تتزوج برجل أن تنظر إليه، لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها. الثانية: لا يجوز للخاطب عند الجمهور أن ينظر إلى شيء من عورتها، ولا أن ينظر إلى وجهها وكفيها نظرة تلذذ وشهوة. الثالثة: له أن يردد النظر إلى الوجه والكفين، وأن يكرر ذلك، لما روى أبو الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا قذف الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن يتأمل محاسن وجهها" إذ لا يمكنه تأمل ذلك إلا بالتكرار. الرابعة: إذا تزوج الرجل امرأة حل له الاستمتاع بها، وكان لكل واحد منهما النظر إلى جميع بدن الآخر، لأنه يملك الاستمتاع به. لكن في نظره إلى باطن الفرج وجهان: قيل:

стр. 3006

يجوز، لأنه موضع الاستمتاع، وقيل: لا يجوز، لما روي من أن النظر إلى باطن الفرج يورث العمى، أو أن الولد بينهما يولد أعمى. الخامسة: نظر الرجل الأجنبي إلى وجه المرأة لغير حاجة ومن غير سبب لا يجوز، لقوله تعالى ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ [النور: ٣٠]. ويجوز أن ينظر إلى وجه المرأة الأجنبية عند الشهادة وعند البيع والشراء. السادسة: لا يجوز للمرأة الأجنبية أن تنظر إلى الرجل، لا إلى العورة ولا إلى غيرها لغير سبب، لقوله تعالى ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣١]. ولحديث دخول ابن أم مكتوم، وأمره ﷺ أمهات المؤمنين أن يحتجبن منه، ولأن المعنى الذي منع الرجل لأجله وهو صرف الافتتان موجود في المرأة، بل هي أسرع إلى الافتتان من الرجل. السابعة: يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة من ذوات محارمه، وكذلك يجوز لها النظر إليه من غير سبب ولا ضرورة، لقوله تعالى ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن﴾ [النور: ٣١]. الآية. وفي المواضع التي يجوز له النظر إلى المرأة وجهان، حكاهما المسعودي، أحدهما -وهو قول البغداديين- أنه يجوز له النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، لأنه لا يحل له نكاحها بحال، فجاز له النظر إلى ذلك كالرجل مع الرجل. والثاني: وهو اختيار القفال -أنه يجوز له النظر إلى ما يبدو منها عند المهنة، لأنه لا ضرورة به إلى النظر إلى ما زاد على ذلك. والله أعلم

стр. 3007

(٣٧٣) باب الصداق وأقله ٣٠٨٨ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ . فقالت: يا رسول الله! جئت أهب لك نفسي. فنظر إليها رسول الله ﷺ . فصعد النظر فيها وصوبه. ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه. فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً، جلست. فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال "فهل عندك من شيء؟ " فقال: لا. والله! يا رسول الله! فقال "اذهب إلى أهلك. فانظر هل تجد شيئاً؟ " فذهب ثم رجع. فقال: لا. والله! ما وجدت شيئاً. فقال رسول الله ﷺ "انظر ولو خاتماً من حديد" فذهب ثم رجع. فقال: لا. والله! يا رسول الله! ولا خاتماً من حديد. ولكن هذا إزاري. (قال سهل ما له رداء) فلها نصفه. فقال رسول الله ﷺ "ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء. وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء" فجلس الرجل. حتى إذا طال مجلسه قام. فرآه رسول الله ﷺ مولياً. فأمر به فدعي. فلما جاء قال "ماذا معك من القرآن؟ " قال: معي سورة كذا وسورة كذا. (عددها) فقال "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ " قال: نعم. قال "اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن". ٣٠٨٩ - وفي رواية قال "انطلق فقد زوجتكها. فعلمها من القرآن". ٣٠٩٠ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنه قال: سألت عائشة زوج النبي ﷺ : كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا. قالت: أتدري ما النش؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية. فتلك خمسمائة درهم. فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه.

стр. 3008

٣٠٩١ - عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة. فقال "ما هذا؟ " قال: يا رسول الله! إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. قال: "فبارك الله لك. أولم ولو بشاة". ٣٠٩٢ - عن أنس بن مالك ﵁: أن عبد الرحمن بن عوف تزوج على عهد رسول الله ﷺ ، على وزن نواة من ذهب. فقال له رسول الله ﷺ "أولم ولو بشاة". ٣٠٩٣ - عن أنس ﵁: أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب. وأن النبي ﷺ قال له "أولم ولو بشاة". ٣٠٩٤ - وفي رواية قال: عبد الرحمن: تزوجت امرأة. ٣٠٩٥ - عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: رآني رسول الله ﷺ وعلي بشاشة العرس. فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار. فقال "كم أصدقتها؟ " فقلت: نواة. وفي حديث إسحق: من ذهب. ٣٠٩٦ - عن أنس بن مالك ﵁: أن عبد الرحمن تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب. -[المعنى العام]- سبحان الذي خلق فأكرم، وشرع فأحكم، وهو أحكم الحاكمين، جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها وجعل بيننا وبينهن مودة ورحمة، نتمتع بهن، ويتمتعن بنا، يخدمننا ونخدمهن، ويتعبن من أجلنا ونتعب من أجلهن، المنافع مشتركة، ومتساوية، بل هن يزدن في الانتفاع من الرجال، والملذات

стр. 3009

مشتركة ومتساوية بل هن يزدن فيها عن الرجال، فلماذا أوجب لهن المهر والنفقة؟ وما عوض المهر الذي نحن بصدده؟ وبم يرتفع مقداره؟ وبم ينخفض؟ إن السلعة ترخص إذا كثر العرض منها على الطلب، ويغلو سعرها إذا قل العرض عن الطلب، ولكن المهر كثيراً ما يخالف هذا القانون، كثير من الآباء يغالون في المهور، ويكلفون الأزواج ما يعجزهم، ظناً منهم أن في ذلك رفعاً لقيمة بناتهم عند أزواجهم، أو تعجيزاً لهم عن أن يستغنوا عنهن فتكون النتيجة نقيض القصد، وتكون النتيجة عجز الشباب عن تحصيل المطلوب منهم، فتتوقف حركة الزواج وتكثر العنوسة، وينتشر الفساد، ومن هنا كانت دعوة عمر ﵁ يوم وقف على المنبر، يقول: يا أيها الناس: لا تغالوا في مهور النساء، لكن امرأة قاطعته بقولها: ليس هذا لك يا عمر. فإن الله تعالى يقول ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ [النساء: ٢٠]. [من ذهب] كذا في قراءة ابن مسعود، وهي مرادة في غير قراءته، فقال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته، امرأة أصابت. رجل أخطأ. وتوقف عمر عن النهي عن المغالاة في مهور النساء، لكن الحقيقة أن المغالاة شر، وإلا لكان أحق الناس بالمغالاة أزواج النبي ﷺ ، ولم يزد مهر إحداهن عن خمسمائة درهم. وهذا عبد الرحمن بن عوف يدفع مهراً لزوجته خمسة دراهم، وهذا صحابي جليل يطلب منه رسول الله ﷺ خاتماً من حديد مهراً لامرأة عرضت نفسها على النبي ﷺ ، فلما لم يجد خاتم الحديد زوجه إياها على أن يعلمها آيات من القرآن، بهذا التيسير كثر الزواج، وعمت حصانة الشباب والفتيات، وضعفت نوازع الشر والفساد والمقت والفاحشة، وصلح المجتمع، وطبع بطابع الطهر والنقاء. -[المباحث العربية]- (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت) في رواية للبخاري يقول سهل: إني لفي القوم عند رسول الله ﷺ إذ قامت امرأة فقالت" في رواية أخرى "بينما نحن عند النبي ﷺ أتت إليه امرأة ... " ويمكن فهم "قامت" على معنى وقفت، والمراد أنها جاءت إلى أن وقفت عندهم، لا أنها كانت جالسة في المجلس فقامت، وقد أفادت بعض الروايات تعيين المكان الذي وقعت فيه القصة، ولفظها "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وهو في المسجد" قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمها، وعند بعضهم أنها خولة بنت حكيم، أو أم شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة الوارد في قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقد تعددت الواهبات. (جئت أهب لك نفسي) في الكلام مضاف محذوف، تقديره: أهب لك أمر نفسي أو نحوه، لأن رقبة الحر لا تملك، فكأنها قالت: أتزوجك من غير عوض. (فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فصعد النظر فيها، وصوبه) "صعد" بتشديد العين، أي رفع، و"صوب" بتشديد الواو، أي خفض، والتشديد إما للمبالغة في التأمل، وإما للتكرير، وبالثاني جزم القرطبي في المفهم، قال: أي نظر أعلاها وأسفلها مراراً، وفي رواية "فخفض فيها البصر ورفعه" وهما بالتشديد أيضاً. والمقصود أنه نظر إليها أولاً نظرة شاملة، ثم تأمل أعلاها وأسفلها.

стр. 3010

(ثم طأطأ رأسه) هو بمعنى رواية البخاري "فلم يجبها شيئاً" ورواية أخرى "فصمت" ورواية ثالثة "فلم يردها" والمقصود أنه سكت سكوت من لا يستطيع قضاء الحاجة، وفهمته المرأة، وفهمه الحاضرون. وكان سكوته إما حياء من مواجهتها بالرد، وإما تفكراً في جواب يناسب المقام، وإما انتظاراً للوحي. (فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست) لقد فهمت من السكوت عدم الرغبة، لكنها لم تبالغ في الإلحاح في الطلب مع شدة رغبتها، ولم تيأس من الرد، فجلست تنتظر الفرج. (فقام رجل من أصحابه) في بعض الروايات "فقام رجل أحسبه من الأنصار". (إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها) في بعض الروايات "أنكحنيها" وفي بعض الروايات "زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة" ولا يعارض هذا ما جاء في بعض الروايات من أن رسول الله ﷺ قال قبل قول الرجل: "لا حاجة لي" لجواز أن تتجدد الرغبة فيها بعد أن لم تكن. (فهل عندك من شيء) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا كنت تريد زواجها فهل عندك من شيء؟ زاد في بعض الروايات "تصدقها إياه"؟ وفي بعض الروايات "ألك مال"؟ . (فقال: لا. والله يا رسول الله) زاد في بعض الروايات (قال: إنه لا يصلح) وفي بعضها "قال: فلا بد لها من شيء" ووقع عند النسائي بعد قوله "لا حاجة لي". "ولكن تملكيني أمرك؟ قالت: نعم. فنظر في وجوه القوم، فدعا رجلاً، فقال لها: إني أريد أن أزوجك هذا إن رضيت. فقالت: ما رضيت لي فقد رضيت" قال الحافظ: إن كانت القصة متحدة يحتمل أن يكون قد استرضاها أولاً، ثم تكلم مع الرجل في الصداق، وإن كانت القصة متعددة فلا إشكال، ووقع في بعض الروايات "أن رجلاً قال: إن هذه امرأة رضيت بي فزوجها مني. قال: فما مهرها؟ قال: ما عندي شيء. قال: أمهرها ما قل أو كثر. قال: والذي بعثك بالحق ما أملك شيئاً". (انظر ولو خاتماً من حديد) "لو" هنا حرف للتقليل، و"خاتماً" مفعول "انظر" وفي بعض الروايات "اذهب فالتمس" وفي رواية للبخاري "اذهب فاطلب ولو خاتماً من حديد" وفي إعرابه أنه من باب حذف "كان" مع اسمها، والتقدير: ولو كان المنظور أو الملتمس خاتماً من حديد. (ولا خاتماً من حديد) وقع في "خاتم" النصب على المفعولية، أي ولا خاتماً من حديد وجدت، والرفع، على تقدير: ولا خاتم من حديد حصل لي. وقد وقع في كثير من الروايات أنه طلب إليه أن يذهب مرتين فذهب مرتين. (ولكن هذا إزاري -قال سهل: ما له رداء- فلها نصفه) قول سهل: "ما له رداء" وكلام الرجل: "هذا إزاري فلها نصفه". قال الحافظ: وهم القرطبي حين ظن أن قوله "فلها نصفه" من كلام سهل، فشرحه على أنه لو كان له رداء لشركها النبي ﷺ فيه. قال الحافظ: وهذا بعيد، إذ ليس في كلام

стр. 3011

النبي ﷺ ولا الرجل ما يدل على شيء من ذلك. وقد جاء ذلك صريحاً في بعض الروايات، ولفظه "ولكن هذا إزاري ولها نصفه" قال سهل: "وما له رداء" وفي بعض الروايات "فقام رجل عليه إزار، وليس عليه رداء". ومراد سهل من قوله "ما له رداء" الإشارة إلى أنه لو كان يملك رداء لأمكن للمرأة أن تأخذ نصف ما عليه، إما الرداء وإما الإزار. (ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء) أي لبسته أنت كاملا لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته هي كاملاً لم يكن عليك منه شيء، فالمناصفة زمنية، فإن أريد شق الإزار مناصفة -كما تفيد الروايات الآتية- كان المعنى إن لبست أنت نصفه لم يسترها نصفه، ولم يسترك نصفه، فلم يستركما الإزار، والعرب تنفي الشيء إذا انتفى كماله. وفي رواية عند الطبراني "ما وجدت والله شيئاً غير ثوبي هذا. اشققه بيني وبينها، قال: ما في ثوبك فضل عنك" وفي رواية "ولكني أشق بردتي هذه، فأعطيها النصف، وآخذ النصف" وفي رواية "والله ما لي ثوب إلا هذا الذي علي" وفي رواية "ما عليه إلا ثوب واحد، عاقد طرفيه على عنقه". (فجلس الرجل، حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله ﷺ مولياً، فأمر به فدعي) في رواية "فدعي له" وفي رواية "فدعاه أو دعي له" وفي رواية "فقال النبي ﷺ "علي الرجل". (ماذا معك من القرآن؟ ) يحتمل أن يكون هذا السؤال بعد سؤال سابق، جاء في روايات للبخاري بلفظ "هل معك من القرآن شيء"؟ فاستفهمه حينئذ عن الكمية، ووقع الأمران في رواية، بلفظ "فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ " وفهم من قوله "تقرؤهن عن ظهر قلبك" المراد من المعية، وأنها الاستصحاب القلبي. (معي سورة كذا، وسورة كذا. عددها) وفي رواية "عدهن" وفي رواية "لسور يعددها" وفي كتابي أبي داود والنسائي "قال: سورة البقرة أو التي تليها" كذا بلفظ "أو" وفي بعض الروايات "نعم سورة البقرة وسورة المفصل" وفي بعض الأحاديث "أن النبي ﷺ زوج رجلاً على سورة البقرة. لم يكن عنده شيء" وفي بعضها "زوج النبي ﷺ رجلاً من أصحابه امرأة على سورة من المفصل، جعلها مهرها، وأدخلها عليه، وقال: علمها" وفي بعضها "فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك" وفي بعضها "أزوجها منك على أن تعلمها أربع -أو خمس- سور من كتاب الله" وفي بعضها "زوج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن" وفي بعضها "هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم. إنا أعطيناك الكوثر. قال: أصدقها إياها". قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ البعض، أو أن القصص متعددة. (اذهب. فقد ملكتها بما معك من القرآن) في ملحق الرواية "انطلق. فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن" وفي رواية للبخاري "اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن" وفي رواية "قد

стр. 3012

زوجتكها على ما معك من القرآن" وفي رواية "قد أملكتكها" وفي رواية "أمكناكها" وفي رواية "قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها. فتزوجها الرجل على ذلك" وفي رواية "فرأيته يمضي وهي تتبعه". قال النووي: في معظم نسخ مسلم "اذهب. فقد ملكتها بما معك" بضم الميم وكسر اللام المشددة، مبني للمجهول، وفي بعض النسخ "ملكتكها" بكافين. قال الدارقطني: رواية من روى "ملكتها" وهم. قال النووي: ويحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولاً، فملكها، ثم قال له اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق. (ثنتي عشرة أوقية ونشا) قال النووي: الأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء -والمراد بها أوقية الحجاز- وهي أربعون درهماً، وأما النش" فبنون مفتوحة، ثم شين مشددة. (رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة .... ) طيب الزعفران فيه صفرة، وخص بالنساء، ونهي عنه الرجال، وسيأتي توجيهه في فقه الحديث. وفي الرواية السادسة "وعلي بشاشة الفرح" أي أثره وحسنه، أو فرحه وسروره، يقال: بش فلان بفلان، أي أقبل عليه فرحا به متلطفاً به، وفي بعض الروايات "لقيه النبي ﷺ في سكة من سكك المدينة وعليه وضر من صفرة" أي أثر صفرة. وفي رواية "ردع من زعفران" بفتح الراء والدال، وهو أثر الطيب. (فقال: ما هذا؟ ) وفي بعض الروايات "مهيم"؟ يعني ما هذا. اسم فعل أمر بمعنى أخبرني، وقيل: كلمة استفهام مبنية على السكون، معناها ما شأنك؟ وروى الطبراني في الأوسط أنها كانت كلمته ﷺ إذا أراد أن يسأل عن شيء. (إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب) في الرواية السادسة "تزوجت امرأة من الأنصار" وفيها وفي رواية للبخاري: كم أصدقتها"؟ وفي رواية الطبراني "على كم"؟ وفي رواية "ما سقت إليها"؟ وفي رواية "كم سقت إليها"؟ واختلف في المراد بقوله "نواة" فقيل: المراد واحدة نوى التمر، كما يوزن بنوى الخروب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم، وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، ورد بأن نوى التمر يختلف في الوزن، فكيف يجعل معياراً لما يوزن به؟ وأجيب بأن لفظ "وزن نواة من ذهب" اصطلاح موازين على ما قيمته خمسة دراهم من الفضة. (قال: فبارك الله لك) يشير عبد الرحمن إلى إجابة هذا الدعاء، فيقول: فلقد رأيتني لو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً أو فضة. (أولم ولو بشاة) "لو" هنا للتقليل. (ملحوظة) لما قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فانطلق به سعد إلى منزله، فدعا بطعام، فأكلا، ثم قال سعد: أي أخي. أنا أكثر أهل المدينة مالاً، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمها لي، فأطلقها،

стр. 3013

فإذا انقضت عدتها تزوجتها. فقال عبد الرحمن: بارك الله في أهلك ومالك، لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع. قال: دلوني عليه، فدلوه، فخرج إلى السوق، فباع واشترى، فأصاب شيئاً من أقط وسمن، وتزوج، وصار من الأغنياء الموسرين: قال أنس: فلقد رأيته قسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف. قال الحافظ: مات عن أربع نسوة، فيكون الثمن أربعمائة ألف فتكون تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف ﵁. -[فقه الحديث]- قال النووي: في الحديث دليل على أنه يستحب ألا ينعقد النكاح إلا بصداق، لأنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة، من حيث أنه لو حصل طلاق قبل الدخول وجب نصف المسمى، فلو لم تكن تسمية لم يجب صداق، بل تجب المتعة، ولو عقد النكاح بلا صداق صح، قال الله تعالى ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦]. فهذا تصريح بصحة النكاح والطلاق من غير مهر، ثم يجب لها المهر؛ وهل يجب بالعقد أم بالدخول؟ فيه خلاف مشهور، وهما قولان للشافعي، أصحهما بالدخول، وهو ظاهر هذه الآية. وفي هذا الحديث أنه يجوز أن يكون الصداق قليلاً وكثيراً مما يتمول، إذا تراضى به الزوجان، لأن خاتم الحديد نهاية من القلة، وهذا مذهب الشافعي، وهو مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، قال القاضي: وهو مذهب العلماء كافة من الحجازيين والبصريين والكوفيين والشاميين وغيرهم. وقال مالك: أقله ربع دينار، كالنصاب. قال القاضي: هذا مما انفرد به مالك، وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم، وقال ابن شبرمة: أقله خمسة دراهم. اعتباراً بنصاب القطع في السرقة عندهما، وكره النخعي أن يتزوج بأقل من أربعين درهماً، وقالوا في سر قياسه على حد السرقة: إنه عضو آدمي محترم، فلا يستباح بأقل من كذا، قياساً على يد السارق، وتعقبه الجمهور بأنه قياس في مقابل النص، فلا يصح، وبأن اليد تقطع وتبين، ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع، ولا كذلك الصداق، وأن اليد قطعت في السرقة نكالاً للمعصية، والنكاح مستباح. ثم قال النووي: وهذه المذاهب سوى مذهب الجمهور مخالفة للسنة، وهم محجوجون بهذا الحديث الصحيح الصريح. اهـ قال ابن العربي عن المالكية: لا شك أن خاتم الحديد لا يساوي ربع دينار، وهذا لا جواب عنه لأحد، ولا عذر فيه. اهـ وحاول بعض المالكية الجواب عن هذا الإشكال بأجوبة منها: قوله "ولو خاتماً من حديد" خرج مخرج المبالغة في طلب التيسير عليه، ولم يرد عين الخاتم الحديد، ولا قدر قيمته حقيقة، لأنه لما قال: لا أجد شيئاً عرف أنه فهم أن المراد بالشيء ما له قيمة، فقيل له: ولو أقل ماله قيمة، كخاتم الحديد، ومثله "تصدقوا ولو بظلف محرق، ولو بفرسن شاة" مع أن الظلف والفرسن لا ينتفع به، ولا يتصدق به. ومنها: احتمال أنه طلب منه ما يعجل نقده قبل الدخول، لا أن ذلك جميع الصداق، وهذا جواب ابن القصار، وهذا يلزم منه الرد عليهم. حيث استحبوا تقديم ربع دينار أو قيمته قبل الدخول، لا أقل.

стр. 3014

ومنها: دعوى اختصاص الرجل المذكور بهذا القدر، دون غيره، وهذا جواب الأبهري، وتعقب بأن الخصوصية تحتاج إلى دليل خاص. ومنها: احتمال أن تكون قيمته إذ ذاك ثلاثة دراهم أو ربع دينار -[ويؤخذ من مجموعة الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من الرواية الأولى، من قولها "جئت أهب لك نفسي" مع سكوته ﷺ جواز هبة المرأة نكاحها له، كما قال الله تعالى ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب: ٥٠]. قال النووي: قال أصحابنا: فهذه الآية وهذا الحديث دليلان لذلك، فإذا وهبت امرأة نفسها له ﷺ فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه بعد ذلك مهرها بالدخول ولا بالوفاة ولا بغير ذلك، بخلاف غيره، فإنه لا يخلو نكاحه عن وجوب مهر، إما مسمى، وإما مهر المثل، وفي انعقاد نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة وجهان لأصحابنا، أحدهما ينعقد، لظاهر الآية وهذا الحديث، والثاني لا ينعقد بلفظ الهبة، بل لا ينعقد إلا بلفظ التزويج أو النكاح، كغيره من الأمة، فإنه لا ينعقد إلا بأحد هذين اللفظين عندنا بلا خلاف. وقال أبو حنيفة: ينعقد نكاح كل أحد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد. وبمثل مذهبنا قال الثوري وأبو ثور وكثيرون من أصحاب مالك وغيرهم، وهو إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع، إذا قصد به النكاح، سواء ذكر الصداق أم لا، ولا يصح بلفظ الرهن والإجارة والوصية، ومن أصحاب مالك من صححه بلفظ الإحلال والإباحة. حكاه القاضي عياض. ٢ - واستحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها. ٣ - ومن تصعيده النظر وتصويبه جواز النظر لمن أراد أن يتزوج امرأة وتأمله إياها، وقد سبق في الباب قبله. ٤ - ومن سكوته وطأطأة رأسه ﷺ استحباب الاكتفاء بالسكوت عند الرفض إذا فهم السائل أما إذا لم يفهم إلا بصريح المنع فيصرح. ٥ - قال الخطابي: فيه جواز نكاح المرأة من غير سؤالها: هل هي في عدة أم لا؟ حملاً على ظاهر الحال. قال: وعادة الحكام يبحثون عن ذلك احتياطاً. قال النووي: قال الشافعي: لا يزوج القاضي من جاءته لطلب الزواج حتى يشهد عدلان أنه ليس لها ولي خاص، وليست في زوجية، أو عدة، فمن أصحابنا من قال: هذا شرط واجب، والأصح عندهم أنه استحباب واحتياط، وليس بشرط. ٦ - ومن قوله "انظر ولو خاتماً من حديد" جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف، وللشافعية في كراهته وجهان. أصحهما لا يكره. وتفصيل الحكم في كتاب اللباس. ٧ - وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر إليها. ٨ - ومن قوله "لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد" جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة.

стр. 3015

لكن قال جمهور الشافعية: يكره من غير حاجة، وكان هذا محتاجاً ليؤكد قوله. ٩ - وفيه جواز تزويج المعسر، وتزوجه. ١٠ - ومن قوله "ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء" دليل على نظر كبير القوم في مصالحهم، وهدايته إياهم إلى ما فيه الرفق بهم. ١١ - وفيه جواز لبس الرجل ثوب امرأته إذا رضيت، أو غلب على ظنه رضاها، وهو المراد في هذا الحديث. ١٢ - وفيه دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن. ١٣ - وجواز الاستئجار لتعليم القرآن. وكلاهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء والحسن بن صالح ومالك وإسحق وغيرهم، ومنعه جماعة، منهم الزهري وأبو حنيفة. قال النووي: وهذا الحديث مع الحديث الصحيح "إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" يردان قول من منع ذلك، ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة. ١٤ - وفيه أن الهبة في النكاح خاصة بالنبي ﷺ ، لقول الرجل: زوجنيها ولم يقل: هبها لي. ١٥ - وفيه أن الإمام يزوج من ليس لها ولي خاص، لمن يراه كفؤاً لها، ولكن لا بد من رضاها بذلك، وقال الداودي: ليس في الحديث أنه استأذنها، ولا أنها وكلته [لا يعترف بالروايات التي وردت في ذلك] وإنما هو من قوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦]. يعني فيكون خاصاً به ﷺ ، أنه يزوج من شاء من النساء بغير استئذانها لمن شاء. ١٦ - وفيه أن الهبة لا تتم إلا بالقبول. ١٧ - وفيه جواز الخطبة على خطبة من خطب إذا لم يقع بينهما ركون، ولا سيما إذا لاحت بوادر الرد. وفيه نظر. ١٨ - وفيه دليل على تخصيص العموم بالقرينة، لأنه لما قال له "فهل عندك من شيء" "فقال: لا" دل على أنه خصص عموم "شيء"، لأن لفظ "شيء" يشمل الخطير والتافه، وهو كان لا يعدم التافه، كالنواة، لكنه فهم ما له قيمة في الجملة، فلذلك نفى أن يكون عنده، ونقل القاضي عياض الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتمول ولا له قيمة لا يكون صداقاً، ولا يحل به النكاح، لكن ابن حزم خرق هذا الإجماع، فقال: يجوز بكل ما يسمى شيئاً، ولو كان حبة من شعير. ١٩ - واستدل به على جواز جعل المنفعة صداقاً، ولو كان تعليم القرآن. قال المازري: هذا ينبني على أن الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه، لكونه حاملاً للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصة بالنبي ﷺ . وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زوجه لأجل ما حفظه من القرآن، وأصدق عنه، أو ثبت الصداق في ذمته، ويكون ذكر القرآن وتعليمه على سبيل التحريض على تعلم القرآن وتعليمه، وتنويهاً بفضل أهله، قالوا: ومما يدل على أنه لم يجعل التعليم صداقاً أنه لم يقع معرفة الزوج بفهم المرأة، وهل فيها قابلية التعليم بسرعة أو ببطء، مما يجعل العوض مجهولاً، والجواب عن ذلك أن مثل هذا
следующие страницы →