Полный текст (6 200 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لا يقال فيه: عليك، وقد علم أن التطوع ليس بواجب، وبقرينة ما رواه النسائي وغيره أن النبي ﷺ كان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي البخاري أنه ﷺ أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة، بهذا النص في الصوم والقياس في الباقي.
كما رد عليهم ردا إلزاميا بأن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات بل مسكوت عنه، وقوله: "إلا أن تطوع" استثناء من قوله: "لا" أي لا فرض عليك غيرها.
كما أنهم لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما.
وقد أورد على الحديث إشكالات نعرضها مع الإجابة عليها.
الأول: كيف أجاب ﷺ عن السؤال عن الإسلام بما أجاب مع أن أساس حقيقة الإسلام الشهادتان؟
وأجيب بأنه يحتمل أن الرسول ﷺ ذكر له الشهادتين فلم يسمعهما الراوي لبعد موضعه، أو لم ينقله لشهرته.
والأولى أن يقال: إنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أن السؤال ليس عن حقيقة الإسلام، بل عن شرائعه الفعلية، فأجاب بتعاليم الإسلام العملية.
الثاني: لماذا لم يذكر الحج؟ وكيف نوفق بين ما هنا وبين ما جاء في بعض الروايات من عدم ذكر الصوم؟ وفي بعضها من عدم ذكر الزكاة، وفي بعضها بزيادة صلة الرحم، وفي بعضها بزيادة أداء الخمس؟ .
وأجيب بأنه لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض بعد، أو أن الراوي اختصره.
واختلاف الروايات بالزيادة والنقص كثيرة في الأحاديث، فإن أمكن حمل كل منها على واقعة خاصة، واختلاف الإجابات عن السؤال الواحد لاختلاف السائلين ومراعاة أحوالهم. إن أمكن هذا الحمل كان خيرا وإلا حمل على تفاوت الرواة الحفظ والضبط، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح لما عرف من أن زيادة الثقة مقبولة.
الثالث: كيف أثبت له الفلاح بما ذكر مع أنه مرتبط باجتناب المنهيات ولم تذكر؟
وأجيب بأن المنهيات لم تكن شرعت بعد، ورد هذا الجواب بأن السؤال كان بالمدينة وبعد أن شرعت أكثر المنهيات. والجواب الحق هو أنه ورد في الروايات الصحيحة عبارة "فأخبره بشرائع الإسلام" فأفادت أنه ذكر له ما يجب فعله وما يجب اجتنابه وإن اقتصرت بعض الروايات.
الرابع: كيف أثبت له الفلاح إن صدق فيما التزم به، وقد التزم عدم الزيادة؟ .
وأجيب بأن إثبات الفلاح له راجع إلى عدم النقص فقط كأنه قال: أفلح في قوله لا أنقص إن وفى.
стр. 37
وقيل: إن السائل كان وافد قومه، يتعلم ويعلمهم، فقصد نفي الزيادة والنقص في التبليغ كأنه قال: لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعت ولا أنقص في تبليغ ما سمعت منك إلى قومي، فقال ﷺ : أفلح إن صدق.
وقيل: كان كلام الرجل على سبيل الكناية والمبالغة في التصديق والقبول، والمعنى قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولا لا أزيد عليه سؤال أحد، ولا أنقص عنه بالقبول، فقال ﷺ : أفلح إن صدق.
وقيل: يحتمل أنه أراد لا أزيد عليه بتغيير حقيقته، فلا أجعل الظهر خمسا مثلا ولا أنقص ما وجب، فقال ﷺ : أفلح إن صدق.
ويعكر على هذه الإجابات كلها قول الرجل في رواية البخاري في كتاب الصيام "والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا".
والأحرى بالقبول أن يقال: إن المراد من الفلاح النجاة من النار مصداقا لقوله تعالى: ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ [آل عمران: ١٨٥] ومصداقا لرواية "دخل الجنة وأبيه إن صدق" التي تعد مفسرة للفلاح في الرواية الأخرى.
ولا شك أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل، وليس في الكلام أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا، لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى، كما أنه ليس في الكلام ما يمنع من أن يكون غيره أكثر منه فلاحا. وإنما ترك ﷺ أمره بالسنن وأقره على الاكتفاء بالواجب مع أن المواظب على ترك النوافل مذموم، لقرب عهده بالإسلام حتى يأنس، وينشرح له صدره ويحرص على الخير.
الخامس: كيف نوفق بين قوله ﷺ هنا "أفلح وأبيه إن صدق" وبين قوله ﷺ "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"؟
وأجيب بأنه يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وقيل: إن في الكلام هنا مضافا محذوفا، والأصل -ورب أبيه- ونقل العيني عن بعض مشايخه أنه يحتمل أن الحديث "أفلح والله" فقصر الكاتب اللامين، ولم يكن نقط، فقرئت: "وأبيه" وهذا الاحتمال مردود، لأن اعتماد النقل والرواية كان على النطق لا على الخط، ولو تطرق هذا الاحتمال لزعزعت الثقة بالروايات الصحيحة، وقال الحافظ ابن حجر: غفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ "وأبيه" لم تصح، لأنها ليست في الموطأ. وكأنه لم يرتض الجواب، فعدل إلى رد الخبر مع أنه صحيح لا مرية فيه. اهـ.
وأحرى الإجابات بالقبول أن قوله ﷺ "أفلح وأبيه إن صدق" ليس حلفا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامهم غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف، لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به ، فهي بمثابة قولهم: تربت يمينك.
стр. 38
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن وصف الراوي صاحب القصة بما ظاهره غير محبوب ليس من قبيل الغيبة ما دام على غير وجه التنقيص، فقد وصفه الراوي بثائر الرأس للتوثيق بالرواية.
٢ - أن الصلاة ركن من أركان الإسلام وأنها خمس صلوات في اليوم والليلة، ولم يرد أسماء هذه الصلوات ولا عدد ركعاتها لاشتهار ذلك عندهم بطريقة عملية.
٣ - أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس. أما القائلون بوجوب الوتر، والقائلون بأن صلاة العيد فرض كفاية فلهم أن يجيبوا بأنها لم ترد في الحديث لأنها لم تكن شرعت بعد.
٤ - أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمة، وهذا مجمع عليه.
٥ - أن الصوم ركن من أركان الإسلام وهو شهر في كل سنة، وأنه لا يجب صوم يوم عاشوراء أو غيره، وهذا مجمع عليه الآن، والخلاف في كون صوم يوم عاشوراء كان واجبا قبل فرض صيام رمضان أو لم يكن واجبا.
٦ - أن الزكاة أيضا ركن من أركان الإسلام.
٧ - جواز الحلف بغير استحلاف ولا ضرورة، ولا يقال: كيف أقره ﷺ على حلفه وقد ورد النكير على من حلف ألا يفعل خيرا؟ لأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل من أنه لا إثم على غير تارك الفرض.
٨ - في الحديث رد على المرجئة، لأن قوله "أفلح إن صدق" قد علق الفلاح على صدقه في التزام العمل وعدم النقص، ومفهومه أنه إن قصر لم يفلح، وهذا خلاف مذهبهم، ولهم أن يجيبوا بأنه لا عبرة بالمفهوم، وأن هدف الحديث إثبات الفلاح لمن فعل، لا نفيه عمن قصر.
والله أعلم
стр. 39
(٣) باب سؤال ضمام عن أركان الإسلام
٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: "صدق". قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: "صدق". قال: ثم ولى. قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال النبي ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجنة".
١٠ - عن ثابت قال: قال أنس ﵁ كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء وساق الحديث بمثله.
-[المعنى العام]-
نهى الله المؤمنين عن الإلحاح في سؤال رسول الله ﷺ وعن التعنت فيه، وعن الإكثار منه فيما لا ضرورة إليه بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١] فأحجم الصحابة عن السؤال تحرزا أن يقعوا فيما نهوا عنه، ورأى رسول الله ﷺ في إحجامهم تقصيرا في حق أنفسهم، وحبسا لها عن استجلاء ما تحتاجه من أمور، واستيضاح ما خفي عليها من المبهمات، فطلب منهم أن يسألوه، فهابوا أن
стр. 40
يسألوه، رغم تشوقهم للسؤال، وتمنيهم مجيء الأعراب العقلاء من البادية ليسألوا رسول الله ﷺ وهم يسمعون.
وفي هذه الظروف، وفي سنة ثمان أو تسع من الهجرة بعث بنو سعد بن بكر ضماما ليأتيهم بخبر الإسلام وشرائعه مشافهة من رسول الله ﷺ بعد أن بلغتهم هذه الأمور على لسان رسول رسول الله ﷺ .
وبينما الصحابة جلوس في المسجد حول رسول الله ﷺ دخل ضمام على بعيره، فأناخه في رحبة المسجد وعلى بابه، ثم عقله ودخل، فقال: أيكم محمد؟ فأشار له الصحابة وقالوا: هو هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال: يا ابن عبد المطلب. قال له النبي ﷺ : قد أجبتك. قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، ولا تغضب علي لسؤالي. فقال النبي ﷺ : سل عما بدا لك.
قال: أتانا رسولك وأخبرنا أن الله أرسلك إلى الناس عامة. قال: صدق فيما أخبركم، قال: فإذا كان الأمر كذلك، فمن خلق السماء؟ قال: الله وحده. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله وحده. قال: فمن خلق الجبال وأرساها وأودع فيها من العجائب والمنافع ما أودع؟ قال: الله وحده.
قال: أنشدك بربك الذي خلق السماء والأرض وأرسى الجبال وجعل فيها ما جعل، آلله بعثك رسولا؟ قال ﷺ : نعم.
قال: وأخبرنا رسولك أنه يجب على كل مكلف منا خمس صلوات في كل يوم وليلة.
قال: صدق.
قال: أنشدك بربك الذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم.
قال: وأخبرنا رسولك أن على كل مالك منا زكاة تؤخذ من أغنيائنا فتقسم على فقرائنا.
قال: صدق. قال: أنشدك بربك الذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم.
قال: وأخبرنا رسولك أن علينا صوم شهر رمضان من كل عام. قال صدق.
قال: أنشدك بالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم.
قال: وأخبرنا رسولك أن علينا حج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق.
فقال الرجل: شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وآمنت بما جئت به، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ما وجب علي ولا أنقص منه شيئا، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، ثم قام وولى.
فقال رسول الله ﷺ : لئن صدق في قوله، ووفى بوعده ليدخلن الجنة. ثم رجع ضمام إلى قومه، فأخبرهم، وقال لهم إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا، وقد جئتكم من عنده بما آمركم به وأنهاكم عنه.
стр. 41
فأطاعوه وأسلموا. قال ابن عباس: ما سمعنا بوافد قط أفضل من ضمام بن ثعلبة فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل أو امرأة إلا مسلما.
-[المباحث العربية]-
(نهينا أن نسأل) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: نهينا عن سؤالنا.
(فكان يعجبنا أن يجيء الرجل) المصدر المنسبك من "أن" والفعل فاعل "يعجب" واسم "كان" ضمير الحال والشأن، وجملة "يعجب" خبرها.
(من أهل البادية) الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الرجل، والبادية ضد الحاضرة والعمران، والنسبة إليها بدوي بكسر الباء، والبداوة الإقامة بالبادية، وأهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجفاء، ولهذا جاء في الحديث "من بدا جفا".
وسبب حبهم لهذا الصنف من السائلين أن الشأن في أهل البادية أن يكونوا آخر من يصلهم النهي عن السؤال، فهم أكثر من غيرهم إقداما على السؤال، وهم أهل لأن يعذروا لما عرف عنهم من الغلظة والجهل والجفوة.
(العاقل) بالرفع صفة الرجل، والباعث على حبهم اتصافه بالعقل أن مثله يسأل عن المحتاج إليه المفيد، ومثله يجيد كيفية السؤال وآدابه، ويحسن المراجعة فيكثر النفع.
(فيسأله ونحن نسمع) "يسأل" بالنصب معطوف على" يجيء" وجملة "نحن نسمع" حال.
(فجاء رجل) هو ضمام بن ثعلبة البكري، بكسر الضاد وتخفيف الميم، وجاء اسمه في نهاية رواية البخاري إذ قال: وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
(فزعم لنا أنك تزعم) قوله "زعم" و"تزعم" مع تصديق الرسول ﷺ دليل على أن الزعم ليس مخصوصا بالكذب والقول المشكوك فيه، بل يكون أيضا في القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه كقوله ﷺ "زعم جبريل" وقوله سيبويه: زعم الخليل.
(قال: فمن خلق السماء) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر، أي إذا كان الله أرسلك فمن خلق السماء؟ و"من" اسم استفهام مبتدأ، وجملة "خلق" خبرها، وليس المقصود الاستفهام الحقيقي، بل التقرير ليبني عليه ما بنى.
(قال: الله) مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: الله هو الذي خلق السماء.
(فمن نصب الجبال وجعل فيها ما جعل؟ ) نصب الجبال أقامها وأرساها
стр. 42
و"ما" موصولة والجملة بعدها صلة" والمراد منها ما أودع في الجبال من معادن وكنوز ومياه وكائنات وعبر وآيات.
(فبالذي خلق السماء) التحليف ليس لاتهامه ﷺ وليس لإنكار المحلف وتكذيبه، وإنما لتأكيد الخبر وتوثيقه اهتماما به.
(آلله ... ؟ ) بالمد في جميع المواضع، لأنها همزة الاستفهام الداخلة على ألف لفظ الجلالة، وهو مرفوع بالابتداء، وجملة "أرسلك" خبره.
(نعم) حرف جواب وتصديق" وفي المغني: حرف إعلام، إذ لا يصح أن نقول لقائل "آلله أرسلك"؟ صدقت، لأنه إنشاء لا خبر، فهي للإعلام حرف ناب عن جملة، أي أعلمك أن الله أرسلني. وهكذا في أمثاله.
(لئن صدق ليدخلن الجنة) اللام الأولى موطئة للقسم، والثانية في جوابه، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
-[فقه الحديث]-
تقدم الكثير من أحكام هذا الحديث في شرح الحديث السابق، ونقتصر هنا على ما لم يسبق له ذكر، فنقول:
استدل به البخاري على جواز القراءة والعرض على العالم، والعرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه، معه أو مع غيره بحضرته، فإن ضماما قال لرسول الله ﷺ : آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. فأخبر ضمام قومه بإجازة الرسول ﷺ له.
وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ، لاحتمال سهوهم حين القراءة عليهم، لكن هذا الرأي انتهى القول به، وأصبح قبول العرض وجوازه محل اتفاق، بل بالغ بعض العلماء فذهب إلى أن العرض على الشيخ أرفع من السماع من لفظه، واعتلوا بأن الشيخ لو سها في تحديثه لم يتهيأ للطالب الرد عليه.
ونقل عن مالك والثوري أنهما سويا بين السماع من العالم والقراءة عليه، وجمهور المحققين في علوم الحديث على أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رتبة من القراءة عليه، ما لم يعرض عارض يصير القراءة أولى.
وهذا الذي فهمه البخاري مبني على أن ضماما كان مسلما قبل قدومه، وأنه جاء يعرض على النبي ﷺ ، والدليل على ذلك قوله في نهاية إحدى الروايات الصحيحة "آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي".
وقال جماعة: لم يكن ضمام مسلما وقت قدومه، وإنما كان إسلامه بعد مراجعته، وأنه جاء
стр. 43
مستثبتا من الأخبار التي وصلتهم، وحملوا قوله "آمنت بما جئت به .. " على أنه إنشاء وابتداء إيمان، لا إخبار بإيمان سبق منه. واستدلوا على دعواهم برواية مسلم "زعم رسولك لنا أنك تزعم" والزعم في الأصل القول الذي لا يوثق به، كما استدلوا برواية "حتى إذا فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله".
وبناء على أنه قدم مسلما استدل ابن الصلاح بالحديث على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزما من غير شك وتزلزل، وذلك أنه ﷺ أقر ضماما على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته، وصدقه بمجرد إخباره إياه بذلك ولم ينكر عليه، ولم يقل له: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية.
كما بني على الخلاف في إسلامه قبل قدومه خلاف في توجيه سؤاله النبي ﷺ باسمه أو بابن عبد المطلب مع أن الله يقول: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣].
فمن قال: إنه لم يكن مسلما قبل قدومه سهل عليه الجواب والتوجيه والاعتذار، لأن الكافر غير مطالب بهذه الفروع.
وأما الآخرون فقد قالوا: إنه مع إسلامه لم يكن بلغه النهي عن السؤال ولا النهي عن دعاء الرسول كدعاء الناس، على أن البدو يعذرون في مثل هذه الأمور، لما فيهم من بقية جفاء الأعراب وجهلهم.
وقد اختلف في سنة قدوم ضمام، فجزم الواقدي بأنه كان سنة خمس من الهجرة، وغلطه الحافظ ابن حجر مستدلا بوجوه:
أحدها: أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن، وآية النهي في المائدة ونزولها متأخر جدا.
ثانيها: أن إرسال الرسل يدعون إلى الإسلام ابتدأ بعد الحديبية.
ثالثها: أن في القصة أن قومه أوفدوه، ومعظم الوفود كان بعد فتح مكة.
رابعها: جاء في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد في الإسلام إلا بعد وقعة حنين، وكانت في شوال سنة ثمان.
ثم قال الحافظ ابن حجر: فالصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع.
وقد أخذ صاحب التحرير من حسن سؤال ضمام دليلا على قوة ذاكرته ورصانة عقله وتفكيره، فإن أجاد السياق والترتيب، إذ سأل أولا عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم به أن يصدقه في كونه رسولا للصانع، ثم لما وقف على رسالته أقسم عليه بحق مرسله أن يؤكد له أمور الإسلام وشرائعه.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
قبول خبر الواحد على أن ضماما كان رسول قومه ودعاهم إلى الإسلام فصدقوه وجواز الاستحلاف على الأمر المحقق لزيادة التأكيد.
стр. 44
(٤) باب ما يقرب من الجنة وما يباعد من النار
١١ - عن أبي أيوب ﵁ أن أعرابيا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها. ثم قال: يا رسول الله -أو يا محمد- أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار. قال: فكف النبي ﷺ ، ثم نظر في أصحابه ثم قال: "لقد وفق أو لقد هدي" قال: "كيف قلت؟ " قال: فأعاد. فقال النبي ﷺ : "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصل الرحم، دع الناقة".
١٢ - عن أبي أيوب ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ بمثل هذا الحديث.
١٣ - عن أبي أيوب ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار. قال "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك". فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : "إن تمسك بما أمر به دخل الجنة". وفي رواية ابن أبي شيبة" إن تمسك به".
١٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه. فلما ولى قال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا".
-[المعنى العام]-
يقول رجل من قيس: وصف لي رسول الله ﷺ ، فطلبته فلقيته بعرفات فتزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال لهم رسول الله ﷺ دعوا الرجل، فزاحمتهم عليه حتى خلصت إليه فأخذت بخطام
стр. 45
ناقته، فما تغير علي، قال: ما تريد؟ قلت: يا رسول الله. شيئان أسألك عنهما، أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار.
قال الرجل: فنظر رسول الله ﷺ إلى السماء، ثم نظر إلى أصحابه، فقال: لقد وفق إلى الخير في سؤاله. ثم أقبل علي بوجهه فقال: لئن كنت قد أوجزت المقالة لقد أعظمت وطولت. أعد سؤالك، ماذا قلت؟ قال: قلت: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة ونجوت من النار.
قال فاعقل علي، أعبد الله وحده ولا تشرك به شيئا من الأوثان، وأقم الصلاة المكتوبة وأد الزكاة المفروضة، وصم رمضان، وصل رحمك.
قال: فقلت: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذه الأوامر شيئا أبدا، ولا أنقص منها شيئا: قال ﷺ : دع الناقة فقد استوفيت.
فترك الرجل الناقة وانصرف.
فلما أدبر قال رسول الله ﷺ لأصحابه: إن تمسك هذا الرجل بما أمر به دخل الجنة، ومن أحب مسرورا أن يرى رجلا من أهل الجنة يحرص على دخولها ويسعى من أجلها فلينظر إلى هذا.
-[المباحث العربية]-
(عرض لرسول الله ﷺ عرض له من باب ضرب وسمع، ظهر عليه وبدا له وتعرض له.
(وهو في سفر) الجملة حال من "رسول الله" وقد بين السفر في بعض الروايات بأنه كان سفر حج، وأن تعرض الأعرابي كان في عرفات.
(فأخذ بخطام ناقته) الخطام بكسر الخاء حبل من ليف أو شعر أو كتان، يجعل في أحد طرفيه حلقة يسلك فيها الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم يقلد البعير، ثم يثني على مخطمه، فإذا ضفر من الجلد فهو جرير.
(أو بزمامها) شك من الراوي، والزمام هو الحبل الدقيق الذي يجعل في الأنف، لتقاد به الناقة.
وإنما أمسك بخطام الناقة أو زمامها، ليتمكن من السؤال والجواب من غير مشقة.
(بما يقربني من الجنة) أي بالعمل الذي إذا عملته يدنيني من الجنة، والمراد من التقريب والإدناء من الجنة دخولها، لا مجرد القرب منها، بدليل الرواية الثالثة وفيها "إذا عملته دخلت الجنة".
(وما يباعدني من النار) لا شك أن ما يقرب من الجنة يباعد من النار، لكن الرجل لم يكتف بالدلالة الالتزامية لشدة الحرص، فصرح باللازم.
стр. 46
(فكف النبي ﷺ أي كف عن المشي بأن توقف واستسلم لإمساك الرجل الزمام، ولم يدفع ناقته للسير، أو كف عن الكلام، فلم يسرع بالجواب، ليلفت نظر الصحابة ويجذب انتباههم اهتماما بالسؤال وجوابه.
(ثم نظر في أصحابه) التعبير بحرف التراخي يشعر بسكتة لطيفة بين سماع السؤال والنظر، كأنه ﷺ أطرق مفكرا في أثر الإسلام في الأعراب، وكيف نقلهم من الحرص على الشاة والبعير إلى الحرص على العمل الروحي الموصل إلى النعيم المقيم مستحسنا إيجاز السؤال مع الاستيفاء.
وإنما نظر ﷺ في أصحابه لزيادة جذب انتباههم واستعدادهم لسماع السؤال والجواب، وكان تعدي "نظر" بفي للدلالة على أنه ﷺ نشر النظر وبثه في أفرادهم واحدا واحدا، ولم ينظر إلى مجموعهم نظرة سطحية.
(لقد وفق-أو لقد هدي-) بالبناء للمجهول، وبأو التي للشك من الراوي في أي اللفظين صدر عن الرسول ﷺ ، ومتعلق التوفيق والهداية محذوف، والتقدير: لقد وفق إلى الخير في سؤاله، أو لقد هدي بسؤاله إلى الصواب.
واللام في "لقد" في جواب قسم مقدر.
(كيف قلت؟ ) "كيف" للسؤال عن الأحوال العامة، لكن الظاهر هنا أنه سؤال عن ذات السؤال لإعادته، بدليل أن الرجل أعاد، فكان مقتضى الظاهر أن يكون السؤال: ماذا قلت؟ لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى السؤال بكيف، للإشارة إلى الحرص على إعادة السؤال بحالته وهيئته دون تغيير. والمعنى: على أي حالة قلت قولك وسألت سؤالك؟ ومحل "كيف" النصب على الظرفية، وهي وإن لم تكن مكانا ولا زمانا لكن الظرف يطلق عليها مجازا، لأنها في تأويل الجار والمجرور قاله ابن مالك.
(فأعاد) مفعوله محذوف أي فأعاد السؤال.
(تعبد الله لا تشرك به شيئا) العبادة الطاعة مع الخضوع، فإن كان المراد منها هنا معرفة الله والإقرار بوحدانيته كان عطف الصلاة والزكاة عليها لإدخالهما فيما يقرب من الجنة، وإن كان المراد من العبادة الطاعة مطلقا دخلت جميع أمور الدين فيها، ويكون عطف الصلاة والزكاة عليها من عطف الخاص على العام لمزيد العناية بهذا الخاص.
وعبادة الله عبادة حقة تستلزم عدم الإشراك به شيئا. لكنه صرح باللازم للنهي عما كان عليه الكفار من عبادة الأوثان لتقربهم إلى الله.
وقد جاءت جملة "لا تشرك به شيئا" معطوفة على سابقتها بالواو في حديث سؤال جبريل، وهي هنا بدون واو في جميع الروايات، فموقعها حال من فاعل "تعبد" والتقدير: تعبد الله غير مشرك به شيئا، أي تعبد الله موحدا له توحيدا كاملا.
стр. 47
(وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة) في الرواية الثالثة: "وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة" وقد قيل: إن تقييد الصلاة بالمكتوبة لاتباع القرآن في قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣] وتقييد الزكاة بالمفروضة للاحتراز من صدقة التطوع.
(وتصل الرحم) رحم الإنسان قرابته، وصلتهم مواساتهم والإحسان إليهم، وفي الرواية الثانية "وتصل ذا رحمك" فـ "ذا" بمعنى صاحب مفعول "تصل".
(دع الناقة) أمر بترك خطام الناقة أو زمامها حيث قد أجيب.
(إن تمسك بما أمر به) جاءت هذه العبارة في الرواية الثانية، و"ما" موصولة و"أمر" مبني للمجهول و"به" جار ومجرور. وضبطه بعضهم "بما أمرته" بالفعل المبني للمعلوم وبتاء الفاعل بدل حرف الجر، قال النووي: وكلاهما صحيح.
-[فقه الحديث]-
في الحديث ستة إشكالات وجوابها:
الأول: لم يذكر الصوم في الروايتين الأولى والثانية، وذكر في الرواية الثالثة ولم يذكر فيها صلة الرحم، فما وجه التوفيق؟
وأجيب بأن اختلاف الأحاديث بالزيادة والنقصان إنما هو من تقصير الرواة واختلافهم في الحفظ والضبط، ويدفع العيني اتهام الرواة بالتقصير وضعف الحفظ، ويرجع الاختلاف إلى اجتهاد الرواة وتحديثهم حسبما يقتضيه المقام باختلاف الموقع واختلاف الزمان، وهو توجيه حسن.
الثاني: لماذا لم يذكر الحج في جميع روايات هذا الحديث؟
وأجيب باحتمال أن الرسول ﷺ ذكره واختصر بفعل الرواة.
والصحيح أن الرسول ﷺ لم يذكره، لأن الرجل كان حاجا وكان واقفا في عرفات.
الثالث: اختلفت إجابات الرسول ﷺ عن صالح الأعمال وما يقرب من الله، فما وجه التوفيق بينها؟ .
وأجيب بأنه ﷺ كان يخص بعض السائلين ببعض خصال الخير نظرا لاختلاف أحوالهم، فكان يأمرهم بما هو المهم بالنسبة إلى كل منهم، إما لمشقة المأمور به عليهم، أو لتهاونهم في أمره، وكأنه ﷺ علم بالوحي أن هذا الأعرابي مقصر في صلة الرحم فأمره بها.
الرابع: كيف ساغ للرسول ﷺ أن يحكم على هذا الرجل بأنه من أهل الجنة، حيث قال في الرواية الثالثة "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"، مع أنه قد لا يفي بوعده؟
стр. 48
وأجاب النووي بأنه ﷺ علم بطريق الوحي أنه يوفي بما التزمه وأنه يدوم على ذلك ويدخل الجنة.
وقيل: إن الكلام فيه قيد ملاحظ، ورد هذا القيد دون المقيد في الرواية الثانية. والأصل: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا إن تمسك بما أمر به.
الخامس: كيف رتب ﷺ دخول الجنة على فعل المأمور به مع أن دخول الجنة موقوف كذلك على الكف عن المنهي عنه؟
وأجيب بأنه مقصود طوى للعلم به، وقيل: إن عبادة الله شاملة لفعل المأمورات واجتناب المنهيات، فإن تمسك بالعبادة الشاملة لهما دخل الجنة.
السادس: على فرض أن هذا الأعرابي مبشر بالجنة بنص الرواية الثالثة، كيف يوفق بين هذا وبين ما هو معلوم من أن المبشرين بالجنة عشرة معروفون؟
وأجاب العيني بأن التنصيص على العدد لا ينافي الزيادة، وقد ورد في حق كثير مثل ذلك، كما جاء في الحسن والحسين، وقيل: العشرة بشروا بالجنة دفعة واحدة فلا ينافي المتفرق.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - ما كان عليه الأعراب من غلظة وجفاء معاملة لا تليق ومقامه ﷺ .
٢ - حلمه ﷺ وسعة صدره وحسن معاملته.
٣ - إشعار المسيء بإساءته رغم العفو عنه وعدم مؤاخذته تقديرا لعذره فقد أمر ﷺ الأعرابي بترك الناقة إشعارا له بأنه ما كان ينبغي أن يقع منه ذلك.
٤ - تخصيص بعض الأعمال بالحض عليها حسب حال المخاطب.
٥ - فيه البشارة والتبشير للمؤمن.
٦ - قال القرطبي: في هذا الحديث دلالة على جواز ترك التطوعات، لكن من داوم على ترك السنن كان نقصا في دينه، فإن كان تركها تهاونا بها ورغبة عنها كان ذلك فسقا لورود الوعيد عليه في قوله ﷺ "من رغب عن سنتي فليس مني".
وقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما.
وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليها من وجوب الإعادة وتركها، والحكم بالعقاب عن الترك ونفيه.
ثم قال: ولعل أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام.
стр. 49
(٥) باب إحلال الحلال وتحريم الحرام يدخل الجنة
١٥ - عن جابر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ النعمان بن قوقل. فقال: يا رسول الله! أرأيت إذا صليت المكتوبة. وحرمت الحرام. وأحللت الحلال. أأدخل الجنة؟ فقال النبي ﷺ : "نعم".
١٦ - عن جابر ﵁ قال: قال النعمان بن قوقل. فقال: يا رسول الله! بمثله. وزاد فيه: ولم أزد على ذلك شيئا.
١٧ - عن جابر ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا. أأدخل الجنة؟ قال "نعم" قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا.
-[المعنى العام]-
كم كان حرص الصحابة على دخول الجنة، وكم كانوا يسألون عن الأسباب المؤدية إليها، وكم كان حديثو العهد بالإسلام وأهل البداوة منهم خاصة يكتفون من العمل بما يحقق دخول الجنة ويباعد من النار، لأنهم فهموا أن أقل أهل الجنة منزلا لا يدانيه في السعادة أعلى أهل الدنيا رفاهية وعزة، وهم قوم طالما ضربوا في الأرض، وشقوا أيامهم من أجل راحة ساعة، ومن أجل لقمة خشنة، ولم يكونوا يصلون إلى ما أملوا إلا بشق النفس.
فكيف بهم وقد وعدوا سررا مرفوعة وأكوابا موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة؟
كيف بهم وقد وعدوا السدر المخضود، والطلح المنضود، والظل الممدود والماء المسكوب، والفاكهة الكثيرة، غير المقطوعة؟ وغير الممنوعة؟ والفرش المرفوعة؟ والأبكار من الحور العين؟
كيف بهم وقد وعدوا كل ذلك إن هم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا شهرا من كل عام؟ وابتعدوا عن الحرام؟
أفتراهم يطمعون في أكثر من ذلك؟ إنهم لا يكادون يصدقون لولا إيمانهم بصدق الرسول ﷺ إنهم يرون أن هذه الأعمال لا تصلح مقابلا لذلك النعيم، وأين الثرى من الثريا؟
стр. 50
ولهذا كثر سؤالهم، وكثر السائلون القانعون بما يؤدي إلى دخول الجنة غير الطامعين في درجاتها العليا.
ومن هؤلاء النعمان بن قوقل الذي أتى رسول الله ﷺ يقول: يا رسول الله أخبرني لأزداد إيمانا ويطمئن قلبي.
هل إذا صليت خمس صلوات في كل يوم وليلة، وصمت شهر رمضان من كل عام وحافظت على الحلال، وابتعدت عن الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا. أأدخل الجنة؟ قال ﷺ : نعم تدخل الجنة.
قال النعمان: والله لا أزيد على ذلك شيئا.
والنعمان وأضرابه ممن حلفوا أن لا يزيدوا، واكتفوا بالواجبات وقنعوا بمجرد دخول الجنة إنما كان منهم ذلك مؤقتا، وحتى ملأ الإيمان قلوبهم، فكفروا عن أيمانهم، وأتوا الذي هو خير منها، وسارعوا إلى الخيرات، واستحقوا أعالي درجات الجنات مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وليس أدل على ذلك من فعل النعمان نفسه الذي وقف يوم أحد - وهو الرجل الأعرج الذي رفع عنه الجناح، وأعفي من الجهاد- وقف مشهرا سيفه، بائعا نفسه وروحه لربه بالجنة، واندفع نحو الكافرين يقاتل، وهو ينادي بأعلى صوته: أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعرجتي في خضر الجنة.
وأبلى بلاء حسنا حتى استشهد. فقال رسول الله ﷺ "لقد رأيته يطأ فيها وما به من عرج".
-[المباحث العربية]-
(النعمان بن قوقل) بقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة. شهد بدرا واستشهد يوم أحد.
(أرأيت) أي أخبرني، وهذه الدلالة عن طريق مجازين:
الأول في الاستفهام الذي هو في الأصل طلب الفهم، أريد منه مطلق الطلب عن طريق المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق بعد التقييد.
الثاني: في الرؤية علمية أو بصرية، أريد منها ما يتسبب عنها من إخبار، عن طريق المجاز المرسل بعلاقة السببية والمسببية، فآل الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بكلمة أخبرني.
(أحللت الحلال) في القاموس: أحله الله وحلله إحلالا وتحللا.
والحلال ضد الحرام، مستعار من حل العقدة، وهو ما انتفى عنه حكم التحريم، فيشمل ما يكره وما لا يكره، وقيل: ما لا يعاقب عليه.
стр. 51
-[فقه الحديث]-
قال الشيخ ابن الصلاح: الظاهر أنه في قوله "حرمت الحرام" أراد به أمرين: أن يعتقده حراما، وأن لا يفعله، فإن دخول الجنة مرتبط بالأمرين لا بأحدهما، بخلاف قوله "وأحللت الحلال" فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاده حلالا. اهـ.
وقال الأبي والسنوسي: قوله "ولم أزد" يحتمل أن يكون قد اكتفى منه بذلك لقرب عهده بالإسلام حتى يأنس، ويحرص على الخير، وتسهل عليه الفرائض، ويحتمل أنه قال ذلك، لأنه لم يتفرغ للنوافل لشغله بالجهاد أو غيره من أعمال البر. اهـ.
لكن المحقق في الحديث يرى أن السؤال لا يتطلب النوافل في جوابه، لأنه يسأل عن دخول الجنة بهذه الأعمال، ولا شك أن دخول الجنة مرتبط بتحريم الحرام وإحلال الحلال.
أما السنن فشأنها زيادة الأجر ورفع الدرجات، وعليه فالجواب حكيم.
أما ما قاله الأبي والسنوسي فإنه يصح أن يقال بالنسبة لقوله في الرواية الثانية "والله لا أزيد على ذلك شيئا" فيقال: كيف أقره ﷺ على عدم الزيادة؟ وهل في ذلك تسويغ لترك السنن دائما؟ فيصلح هنا ما قاله الأبي والسنوسي جوابا، كما بسط الجواب عن هذا السؤال، وعن الحلف على عدم الزيادة في الخير في الحديث الثاني.
وقد أجمعت روايات هذا الحديث على ذكر الصلاة، وجاء في بعضها صوم رمضان.
فتحمل التي لم تذكره على اقتصار بعض الرواة.
ولم ترد الزكاة إما لأنها لم تكن شرعت بعد، وإما لأنه كان لا يملك النصاب، على أنه يمكن إدخالها في عموم تحليل الحلال وتحريم الحرام.
أما الحج فلم يكن شرع قولا واحدا لأنه فرض سنة ست أو تسع، وكان استشهاد النعمان يوم أحد كما سبق.
والحديث باعتبار ما فيه من تحليل الحلال وتحريم الحرام يعد جامعا لكل وظائف الإيمان، لأنه كناية عن الوقوف عند حدود الشرع القويم.
والله أعلم
стр. 52
(٦) باب بيان أركان الإسلام ودعائمه
١٨ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج" فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ قال: لا. صيام رمضان والحج. هكذا سمعته من رسول الله ﷺ .
١٩ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: على أن يعبد الله ويكفر بما دونه. وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان".
٢٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان ".
٢١ - عن عكرمة بن خالد يحدث طاوسا، أن رجلا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت".
-[المعنى العام]-
قال رجل لابن عمر: ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما، وتترك الجهاد؟ والخروج مع جيوش المسلمين للغزو والفتح ونشر الإسلام؟
وكان ابن عمر يرى أن الجهاد لم يعد فرض عين بعد أن فتحت مكة، وأنه فرض فقط على المسلمين الذين يلون الكفار، ويقربون منهم، أما من بعد عن منازل الكفار فهو غير مفروض عليهم إلا أن ينزل العدو فيأمر الإمام بالجهاد.
كان هذا مذهب ابن عمر، فأجاب السائل بما حاصله أن الجهاد ليس بلازم على
стр. 53
الأعيان، فإن الإسلام بني على خمس ليس الغزو منها، وساق قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس ... ".
وفي هذا الحديث يشبه ﷺ الإسلام بقصر بني على خمس قوائم ليست سواء في قوتها، ولا في اعتماد البناء عليها، بل فيها دعامة ينبني عليها ويستقر بها وغيرها مكملات مثبتات كاشفات للقوة والمتانة، محصنات له من المؤثرات، سياج له من التصدع والتشقق والضعف والانهيار.
فدعامة الإسلام الأولى، وأساسه القويم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتمامه بأداء شعائره، وأبرزها المداومة على الصلوات الخمس، كاملة الأركان، مستوفاة الشروط، وطهارة المال بدفع الزكاة، وطهارة البدن بصوم شهر رمضان، والانصياع التعبدي بحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا، من حافظ على هذه الشعائر، وحماها بالبعد عما ينافيها من المنكرات فقد أطاع الله واستحق الجنة، وكان راسخ الإسلام، ومن أضاع منها شيئا فقد عرض إسلامه للتزعزع، والانحلال المؤدي إلى العذاب الأليم.
-[المباحث العربية]-
(بني الإسلام على خمسة) وفي الروايات الثانية والثالثة والرابعة "على خمس" من غير تاء ومن المعلوم أنه إذا حذف المعدود جاز تذكير العدد وتأنيثه حسب تقدير المعدود، فإن جاء العدد مذكرا قدر المعدود لفظا مؤنثا، وإن جاء العدد مؤنثا قدر المعدود لفظا مذكرا.
وعلى هذا يقدر لرواية التاء خمسة أركان، أو خمسة أشياء، أو خمسة أصول، أو نحوها ولروايات حذف التاء خمس خصال، أو خمس دعائم، أو خمس قواعد، أو نحوها.
وقد اعترض على هذه العبارة بأن حديث جبريل، السابق أول كتاب الإيمان، أفاد أن الإسلام هو نفس الخمس، فكأنه قيل هنا: بني الإسلام على الإسلام، وهو غير سليم، لأن المبني على الشيء غير الشيء.
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن لفظ "على" بمعنى "من" والتقدير: بني الإسلام وكون من خمس ومجموع أجزاء الشيء لا مانع أن تكون هي نفس الشيء.
وفي الحديث استعارة بالكناية بمعنى أنه شبه الإسلام ببيت له دعائم، فحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو البناء، ويصح أن يكون من قبيل الاستعارة التمثيلية بمعنى أنه شبه هيئة الإسلام مع أركانه الخمسة بهيئة خباء أقيم على خمسة أعمدة.
ويصح أن يكون من قبيل الاستعارة التبعية في "بني" بمعنى أنه شبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأمور بالبناء، ثم استعار البناء للاستقامة واشتق منه "بني" بمعنى استقام على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
стр. 54
(على أن يوحد الله) وفي الرواية الثانية "على أن يعبد الله" بدل من "خمسة" بإعادة حرف الجر، والمراد من العبادة التوحيد بدليل قوله بعد "ويكفر بما دونه" وفي الرواية الثالثة والرابعة "شهادة أن لا إله إلا الله" بجر "شهادة" على البدلية، بدل كل من كل إن قصد المجموع، وبدل بعض من كل إن قصدت واحدة واحدة مع تقدير الرابط، لأن بدل البعض يحتاج إلى رابط، أي شهادة أن لا إله إلا الله منها.
قال بعضهم: ويجوز الرفع في "شهادة" على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا الله، أو على حذف المبتدأ، والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا الله.
(وحج البيت) لم يذكر الاستطاعة هنا لشهرتها.
(ألا تغزو) وردت في الرواية الرابعة، ومعنى "ألا" العرض أو التحضيض، وكلاهما طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث "ذكره صاحب المغني".
-[فقه الحديث]-
جمع مسلم أربع طرق للحديث كلها عن ابن عمر، في الثانية والثالثة تقديم الحج على الصوم، وفي الأولى والرابعة تقديم الصوم على الحج، وزادت الأولى إنكار ابن عمر على الرجل الذي قدم الحج على الصوم.
وفي رفع هذا الإشكال قال النووي: الأظهر - والله أعلم - أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي ﷺ مرتين، مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضا على الوجهين في وقتين، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج قال ابن عمر: لا ترد على ما لا علم لك به ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تقدح فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر قال: ويحتمل أن ابن عمر كان قد سمعه مرتين بالوجهين- كما ذكرنا ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي رده فأنكره.
ثم قال: فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا. ثم نقل رأيا لابن الصلاح، حاصله: أن الرواية التي سمعها ابن عمر من رسول الله ﷺ إنما كانت بتقديم الصوم على الحج، وهذا الترتيب في الذكر موافق للترتيب في زمن التشريع، فإن الصوم فرض في السنة الثانية للهجرة، ونزلت فريضة الحج سنة ست أو تسع، وحافظ ابن عمر على ما سمع وأنكر خلافه، أما رواية تقديم الحج فكأنها وقعت ممن يرى الرواية بالمعنى.
ويجيب ابن الصلاح عن رواية أبي عوانة الإسفراييني وفيها "أن ابن عمر قال للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من رسول الله ﷺ " يجيب بأنها لا تقاوم ما رواه مسلم. اهـ.
ويرد النووي رأي ابن الصلاح بعنف فيقول: هذا الذي قاله الشيخ ابن الصلاح ضعيف من وجهين:
стр. 55
أحدهما: أن الروايتين قد ثبتتا في الصحيح، وهما صحيحتان في المعنى لا تنافي بينهما كما قدمنا إيضاحه، فلا يجوز إبطال إحداهما.
الثاني: أن فتح باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قدح في الرواة والروايات، فإنه لو فتح ذلك لم يبق لنا وثوق بشيء من الروايات إلا القليل، ولا يخفى بطلان هذا وما يترتب عليه من المفاسد، ثم يقول عن رواية الإسفراييني: إنها محتملة الصحة، وتكون القضية قد جرت مرتين برجلين نبه أحدهما لصحة تقديم الصوم، وطلب من الثاني تأخيره.
والمنصف يرى أن عنف مهاجمة النووي لابن الصلاح لا محل له، فإن ابن الصلاح لم يبطل روايات الصحيح، وإنما حمل إحداها على اللفظ المسموع والأخرى على المعنى. وهذه الطريقة في الجمع بين الأحاديث مقبولة وحسنة، ولا تقدح في صحة المروي بالمعنى باعتراف النووي نفسه في شرحه لمقدمة مسلم.
وإذا كان الإمام مالك قد منع نقل الحديث بالمعنى، فإنما منعه خوف أن يفعله من يجهل التغيير الذي يحيل المعنى، وليحرض المحدثين على التحري والدقة عملا بقوله ﷺ " نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها".
وقد سبق القول بأن جمهور السلف والخلف من أصحاب الحديث والفقه والأصول يجوز رواية الحديث بالمعنى إذا جزم الراوي بأنه أدى المعنى، قال النووي: وهذا هو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة، فمن بعدهم ﵃، في روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة. اهـ.
وفي نهاية المطاف نرى أنفسنا مضطرين إلى الأخذ برأي ابن الصلاح في أن بعض الروايات هنا بالمعنى، ليس في تقديم الصوم وتأخيره فحسب، بل في كثير من الألفاظ الأخرى في الحديث.
ففي الرواية الأولى "على أن يوحد الله" وفي الثانية "على أن يعبد الله ويكفر بما دونه" وفي الرابعة "شهادة أن لا إله إلا الله" وفي الثالثة "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".
وفي الرواية الأولى "بني الإسلام على خمسة" وفي الثانية والثالثة "بني الإسلام على خمس" وفي الرابعة "إن الإسلام بني على خمس".
فهل نلتزم في كل هذا الاختلاف طريق النووي؟ فنقول: إن ابن عمر سمعها كلها من رسول الله ﷺ لأن احتمال التقديم والتأخير يقدح في الرواية ويحول دون الوثوق بشيء من الروايات؟ أو نقول كما قال ابن الصلاح: إن البعض محمول على اللفظ المسموع والبعض محمول على المعنى؟ .
على أن الحافظ ابن حجر ضعف الاحتمالين اللذين اختارهما النووي، وأن ابن عمر سمع الحديث مرتين بعبارتين فقال: قد وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة. أفيقال: إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد، وقال عن الاحتمال الثاني: إن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، فتنويع ألفاظ الحديث دال على أنه روي بالمعنى. اهـ.
стр. 56
ثم قيل في وجه الترتيب الذكري للثلاث الأول: إن الإيمان أصل العبادات، فتعين تقديمه، ثم الصلاة لأنها عماد الدين، ثم الزكاة لأنها قرينة الصلاة في القرآن الكريم.
فإن قيل: الأربعة المذكورة مبنية على الشهادتين، إذ لا يصح شيء منها إلا بعد وجودهما، فكيف يضم مبني إلى مبني عليه في مسمى واحد؟ أجيب بجواز ابتناء أمر على أمر آخر، ودخولهما في مسمى واحد، فمثلا: البيت المبني من خمسة طوابق فإنه لا يصح وجود شيء من الأربعة العلوية إلا بعد وجود الطابق الأول، ومع ذلك يضم إليها في مسمى البيت.
فإن قيل: الإسلام هو الشهادتان فقط، لأنه يحكم بإسلام من تلفظ بهما، فلم ذكر الأربعة بعدهما؟ .
أجيب بأن مقصود الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، وهو لا يكون بدون هذه الأمور، فهي أظهر شعائره وأعظمها، وتركها يشعر بانحلال الانقياد واختلاله.
أما قتل تارك الصلاة عند الشافعي وأحمد فهو قتل حد، لا قتل كفر، وقوله ﷺ "من ترك صلاة متعمدا فقد كفر" محمول على الزجر والوعيد، أو مؤول بما إذا تركها مستحلا، أو المراد كفران النعمة.
فإن قيل: حينئذ يقتضي ظاهر الحديث حصول الإسلام الكامل لمن أتى بهذه الخمس ولو مرة واحدة، أو داوم عليها ولم يأت بغيرها من الواجبات كصلة الرحم وبر الوالدين ونحوهما.
فالجواب أن هناك أدلة مفصلة لما ذكر هنا إجمالا، كحديث بعث معاذ إلى اليمن، المفيد تكرار ما يجب تكراره، وكالأحاديث المحددة للواجبات الأخرى، والحديث كما ذكرنا أتى بالأركان المهمة وبأبرز الشعائر، ووجه الاكتفاء بهذه الخمس أن العبادة إما قولية أو غير قولية، الأول الشهادة. والثاني إما تركي أو فعلي، الأول الصوم، والثاني إما بدني أو مالي أو مركب منهما. الأول الصلاة، والثاني الزكاة، والثالث الحج.
ولم يذكر الجهاد في أركان الإسلام لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال ولهذا أجاب ابن عمر بهذا الحديث عن سؤاله عن سبب عدم قيامه بالغزو في الرواية الرابعة.
على أنه جاء في بعض الروايات "وإن الجهاد من العمل الحسن".
وزعم ابن بطال أن هذا الحديث قيل قبل فرض الجهاد، قال الحافظ ابن حجر: وهو خطأ لأن فرض الجهاد كان قبل بدر، وبدر كانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فرض الصيام، وفرضت الزكاة بعد ذلك، وفرض الحج في السنة السادسة أو التاسعة كما سبق.
والله أعلم
стр. 57
(٧) باب وفد عبد القيس وأمور الإسلام
٢٢ - عن ابن عباس ﵄، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ . فقالوا: يا رسول الله إنا هذا الحي من ربيعة، وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر. فلا نخلص إليك إلا في شهر الحرام. فمرنا بأمر نعمل به، وندعو إليه من وراءنا. قال: "آمركم بأربع. وأنهاكم عن أربع. الإيمان بالله (ثم فسرها لهم فقال) شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وأن تؤدوا خمس ما غنمتم. وأنهاكم عن الدباء. والحنتم. والنقير. والمقير". زاد خلف في روايته "شهادة أن لا إله إلا الله" وعقد واحدة.
٢٣ - عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين يدي ابن عباس، وبين الناس. فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر. فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ "من الوفد؟ " أو "من القوم؟ " قالوا: ربيعة. قال "مرحبا بالقوم. أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى". قال: فقالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة. وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر. وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام. فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع. قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده. وقال "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا الله ورسوله أعلم. قال "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وصوم رمضان. وأن تؤدوا خمسا من المغنم" ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت. قال شعبة: وربما قال: النقير. قال شعبة: وربما قال: المقير. وقال "احفظوه وأخبروا به من ورائكم" أبو بكر في روايته "من وراءكم" وليس روايته المقير.
٢٤ - عن أبي جمرة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بهذا الحديث، نحو حديث شعبة. وقال "أنهاكم عما ينبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت" وزاد ابن معاذ في حديثه عن
стр. 58
أبيه قال: وقال رسول الله ﷺ للأشج، أشج عبد القيس "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".
٢٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ في حديثه هذا: أن أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا نبي الله! إنا حي من ربيعة. وبيننا وبينك كفار مضر. ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم. فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة، إذا نحن أخذنا به. فقال رسول الله ﷺ "آمركم بأربع. وأنهاكم عن أربع. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. وأقيموا الصلاة. وآتوا الزكاة. وصوموا رمضان. وأعطوا الخمس من الغنائم. وأنهاكم عن أربع. عن الدباء. والحنتم. والمزفت والنقير". قالوا: يا نبي الله! ما علمك بالنقير؟ قال "بلى. جذع تنقرونه. فتقذفون فيه من القطيعاء" (قال سعيد: أو قال "من التمر") ثم تصبون فيه من الماء. حتى إذا سكن غليانه شربتموه. حتى إن أحدكم (أو إن أحدهم) ليضرب ابن عمه بالسيف". قال وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك. قال وكنت أخبؤها حياء من رسول الله ﷺ فقلت: ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال "في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها" قالوا: يا رسول الله! إن أرضننا كثيرة الجرذان، ولا تبقى بها أسقية الأدم. فقال نبي الله ﷺ "وإن أكلتها الجرذان. وإن أكلتها الجرذان. وإن أكلتها الجرذان" قال: وقال نبي الله ﷺ لأشج عبد القيس "إن فيك لخصلتين يحبهما الله. الحلم والأناة".
٢٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ بمثل حديث ابن علية. غير أن فيه "وتذيفون فيه من القطيعاء أو التمر والماء" ولم يقل (قال سعيد أو قال من التمر).
٢٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن وفد عبد القيس لما أتوا نبي الله ﷺ قالوا: يا نبي الله! جعلنا الله فداءك. ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ فقال "لا تشربوا في النقير" قالوا:
стр. 59
يا نبي الله! جعلنا الله فداءك. أوتدري ما النقير؟ قال "نعم. الجذع ينقر وسطه. ولا في الدباء ولا في الحنتمة وعليكم بالموكى".
-[المعنى العام]-
كان منقذ بن حبان من قبيلة عبد القيس رجلا تاجرا، يحمل الملاحف والتمر ليبيعها بالمدينة المنورة.
فبينا هو قاعد إذ مر به النبي ﷺ ، فنهض منقذ إليه احتراما وتقديرا فقال له النبي ﷺ : أمنقذ بن حبان؟ كيف جميع قومك؟ كيف فلان وفلان وفلان؟ يسأله عن أشراف عبد القيس، ويسميهم بأسمائهم واحدا واحدا، فوقع الإسلام في قلب منقذ فأسلم، وتعلم الفاتحة وسورة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ ثم رحل، وقد حمله النبي ﷺ كتابا إلى جماعة عبد القيس، فلما وصل خاف أن يظهر الكتاب، وكتمه أياما، وأخذ يصلي في منزله سرا.
ورأت امرأته أنه يقول كلاما ويعمل أعمالا لم تعهدها، فقالت لأبيها- وهو المنذر بن عائذ الذي سماه الرسول ﷺ بالأشج فيما بعد - قالت له: أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب إنه يغسل أطرافه، ويستقبل هذه الجهة، فيحني ظهره مرة، ويضع جبينه مرة، ذلك ديدنه منذ قدم.
فالتقى أبوها بزوجها، وتكلما وتفاهما، فأسلم المنذر، فأراه منقذ كتاب رسول الله ﷺ إلى عبد القيس، فقام المنقذ به إلى قومه، فقرأه عليهم، ورغبهم في الإسلام فأسلموا، وقرروا السير إلى رسول الله ﷺ ، لينهلوا من نبع نهر الحياة، وليأخذوا قبسا من مصدر النور يضيء لهم الطريق.
ولكن أنى لهم الوصول إلى المدينة؟ .
إنهم في البحرين في شرق الجزيرة العربية، والمدينة في غربها، وكفار مضر يسكنون وسطها، يتعرضون للقوافل، ويقطعون السبيل، ويقتلون ويسلبون، وخصوصا المتوجه إلى المدينة الراغب في الإسلام.
وكان الرأي الحكيم أن يحددوا لسفرهم شهر رجب، الشهر الذي تقدسه مضر وتعظمه وتبالغ في احترامه أكثر مما تفعل في بقية الأشهر الحرم، إنهم يلقون فيه السلاح إلقاء كاملا وينصلون فيه أسنة الرماح، ويسمونه الأصم لأنه لا تسمع فيه قرقرة السلاح، وفي رجب من العام الثامن للهجرة، وقبيل فتح مكة سار الوفد، سار أربعون رجلا، من بينهم أربعة عشر أو سبعة عشر من سادات عبد القيس وأشرافها وفرسانها ركبانا والباقون مشاة، حتى قاربوا المدينة.
وألقى في روع رسول الله ﷺ قدومهم، فقال لجلسائه، سيطلع عليكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق، غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين، فقام عمر ﵁ فاستقبلهم على أبواب المدينة فرحب وقرب، وقال: من القوم؟ فقالوا: وفد عبد القيس، فصحبهم إلى رسول الله ﷺ ، فتلقاهم
стр. 60
بالترحيب وبشرهم بالخير العاجل والآجل، فقال: مرحبا بالقوم الذين لم يمسسهم خزي في دنياهم، فأسلموا دون سبي أو قتال، ولن يمسسهم ندم في مستقبل دنياهم على ما يفعلون. ونظر الصحابة إلى باب المسجد فرأوا رجلا حسن الهيئة، يلبس حلة جديدة، يدخل في اتزان ووقار، تبدو عليه ملامح السادة والأشراف.
إنه المنذر بن عائذ الأشج رئيس الوفد، لم يتسرع كما تسرعوا، بل عمد إلى الأمتعة فجمعها، وإلى الراحلة فعقلها، وخلع ملابس السفر، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل على النبي ﷺ ، فرحب به وقربه إليه وأجلسه إلى جانبه، ثم قال مخاطبا الوفد كله: بايعوني على أنفسكم وقومكم، فمد القوم أيديهم وقالوا: نعم بايعناك.
فقال المنذر: يا رسول الله إن أشد ما يحول عنه المرء هو دينه، نبايعك على أنفسنا فقط وترسل معنا إلى قومنا من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه.
قال رسول الله ﷺ : صدقت، إن فيك يا أشج لخصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة.
قال له: يا رسول الله، أكانتا في أم حدثتا؟ قال: بل قديما. قال: الحمد لله الذي جعلني على خلقين يحبهما.
ثم قال المتحدث عن القوم: يا رسول الله. إننا قبيلة من ربيعة، وقد علمت مساكننا وبعد الشقة علينا، ولا نستطيع أن نصل إليك إلا مرة في كل عام في الشهر الحرام، لأن كفار مضر لا يخلون بيننا وبينك، فعلمنا من أمور الإسلام ما يلزمنا، واشرح لنا ما يجب علينا شرحا لا لبس فيه ولا غموض، فلسنا ممن حولك، ممن يسهل عليهم لقاؤك، ويتلقون حيثما يشاءون تعاليم دينك.
مرنا بأمر نعمله وندعو إليه قومنا الذين خلفناهم وراءنا، مرنا بأمر إذا عملناه دخلنا الجنة.
قال رسول الله ﷺ آمركم بالإيمان بالله وحده، ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم.
قالوا: يا رسول الله -وقيت الشر وجعلنا الله فداءك من كل مكروه- ماذا يحل لنا من الأشربة؟
قال: أنهاكم أن تشربوا ماء التمر والعنب المنقوع في وعاء القرع (الدباء) أو المنقوع في الجرار المطليات (الحنتم) أو المنقوع في وعاء مطلي بالقار (المقير) أو المنقوع في جذع شجرة منقور (النقير).
قالوا: يا نبي الله. ماذا تعلم عن نبيذ النقير؟ وكيف علمته وهو ليس ببلادكم؟ قال: نعم. هو جذع تنقرونه، فتقذفون فيه الماء والتمر أو الزبيب وتخلطونه وتتركونه حتى يغلي، فإذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف.
стр. 61
وكان في القوم رجل أصيب بسيف ابن عمه السكران، وهو يخفي إصابته عن رسول الله ﷺ استحياء، فلما سمع كلام الرسول ﷺ بالغ في إخفاء جراحته وقال: يا رسول الله، ففي أي الأوعية ننقع التمر والزبيب لنشربه.
قال: هذه الأوعية تخفي التخمر فتوقعكم في شرب المسكر، ولكن انقعوا في القرب في أوعية الجلد المدبوغ، التي يربط على أفواهها، فإنها لا تخفي التخمر، لأن ما ينبذ فيها إذا تخمر شقها.
قالوا: يا رسول الله، إن أرضنا يكثر فيها الفأر الذي يأكل الجلد، فلا يبقى لنا أسقية القرب، ولا وعاء من هذا النوع، فهل من رخصة؟ .
قال ﷺ : لا رخصة وإن أكله الفأر. وإن أكله الفأر. وإن أكله الفأر.
وعاد الوفد إلى حيه وأرضه حاملا معه مشعل الإسلام، يسبقون غيرهم من أهل القرى.
فكان مسجد عبد القيس بالبحرين أول مسجد تجمع فيه الجمعة بعد مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، فرضي الله عنهم ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
الرواية الأولى
(قدم وفد عبد القيس) الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقاء العظماء والمصير إليهم في المهمات، واحدهم وافد، زاد بعضهم: وأن يكون قدومهم من بعد، فإن لم يكونوا من بعد فليسوا بوفد، والمراد من عبد القيس هنا اسم القبيلة، أي قدم وفد قبيلة عبد القيس.
(إنا هذا الحي من ربيعة) ينسبون قبيلتهم إلى الجد الرابع لعبد القيس تشرفا به، إذ عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
و"هذا الحي" منصوب على الاختصاص، والخبر "من ربيعة" أي إنا حي من ربيعة كما جاء في بعض الروايات "والحي" اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به، لأن بعضهم يحيا ببعض.
(وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر) أي وقف في طريقنا إليك كفار مضر يمنعوننا من الوصول إليكم، لأن مساكنهم بين مساكننا وبين المدينة، فعبد القيس تنزل في البحرين والأحساء في شرق الجزيرة العربية على الخليج العربي، والمدينة في غربها على خط عرض واحد تقريبا.
(فلا نخلص إليك) أي لا نصل سالمين إليك.
(إلا في شهر الحرام) هكذا في الأصول كلها بإضافة "شهر" إلى "الحرام" وفي رواية: "في أشهر الحرام" وهو من إضافة الموصوف إلى صفته كقولهم: مسجد الجامع، وهي جائزة عند
стр. 62
الكوفيين، أما البصريون فيقدرون محذوفا في الكلام للعلم به، أي في شهر الوقت الحرام، وأشهر الأوقات الحرم ومسجد المكان الجامع.
ثم إن المراد من شهر الحرام جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة لا خلاف فيها، وإنما الخلاف في الأدب المستحسن في ترتيب عدها، فأهل المدينة يعدونها هكذا: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، اعتمادا على تظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بمثل هذا الترتيب.
والكوفيون يعدونها هكذا: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، استحسانا للإتيان بها من سنة واحدة.
(فمرنا بأمر) قيل: الأمر هنا واحد الأوامر، وقيل واحد الأمور، وكلاهما صحيح.
(من وراءنا) "من" موصولة، والمراد ممن وراءهم من جاءوا من عندهم أو ما يحدث لهم من الذرية.
(آمركم بأربع) خصال أو جمل، والحكمة في الإجمال بذكر العدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى التفصيل، فإذا جاء سكنت وتمكن وانضبط فلا ينسى منه شيء.
(الإيمان بالله) بالجر بدل من "أربع" ومثله "شهادة" و"إقام" و"إيتاء".
(وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) "ما" موصولة، و"خمس" بضم الميم وإسكانها، وكذلك الثلث والربع إلى العشر يضم ثانيها.
والمصدر المنسبك من "أن تؤدوا" معطوف على "أربع" كأنه قال: آمركم بأربع وبأن تؤدوا خمس ما غنمتم، ولا يصح عطفه على "شهادة" لئلا يلزم منه جعل الأربع خمسا في الروايات التي ذكرت الصوم، وأداء خمس المغنم على هذا مضاف إلى الأربع وليس واحدا منها.
(الدباء) بضم الدال المشددة وهو القرع اليابس، والمنهي عنه اتخاذه وعاء، ففي الكلام محذوف، والإضافة بمعنى "من" والتقدير: أنهاكم عن النقع في وعاء من الدباء.
(والحنتم) بفتح الحاء وسكون النون وفتح التاء، الواحدة حنتمة، واختلف فيه، فقيل: الجرار كلها، وقيل: جرار يؤتى بها من مصر مقيرات الأجواف، أي مطليات الجوف بالقار وقيل: جرار أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف، وكان الناس ينتبذون فيها، وقيل: جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم، قال النووي: وأصح الأقوال وأقواها أنها جرار خضر، وبه قال كثيرون من أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء.
(والنقير) جاء تفسيره في الرواية الرابعة والخامسة بأنه جذع ينقر وسطه ويفرغ.
(والمقير) أي المطلي بالقار، وهو الزفت.
стр. 63
(وعقد واحدة) أي عد الشهادتين واحدة من الأربع.
الرواية الثانية
(كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس) قيل: تقديره بين يدي ابن عباس بينه وبين الناس، فحذف لفظ "بينه" لدلالة الكلام عليه والأصح أن لفظ "يدي" عبارة عن الجملة والذات، كما في قوله تعالى: ﴿يوم ينظر المرء ما قدمت يداه﴾ [النبأ: ٤٠] والمراد كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، كما جاء في رواية البخاري.
والترجمة بيان المراد من لغة بلغة أخرى، فكان أبو جمرة ينقل كلام ابن عباس من العربية إلى الفارسية.
وقال ابن الصلاح: إن المراد من الترجمة مطلق البيان وإن كانت بنفس اللغة، ورأى أن مهمة أبي جمرة كانت تبليغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس، سواء لعدم السمع أو لعدم الفهم.
(تسأله عن نبيذ الجر) الجملة صفة امرأة، و"الجر" بفتح الجيم اسم جمع، الواحدة جرة، ويجمع على جرار، وهي الوعاء المعروف المصنوع من الفخار.
(من الوفد أو من القوم) شك من الراوي، وكل من الجملتين خبر مقدم ومبتدأ مؤخر.
(ربيعة) خبر مبتدأ محذوف وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: الوفد وفد ربيعة وأصله الوفد وفد عبد القيس من ربيعة.
(مرحبا) لفظ استعملته العرب بكثرة. تريد به البر وحسن اللقاء.
وهو منصوب بفعل محذوف تقديره صادفت رحبا بضم الراء أي سعة. والرحب بفتح الراء الواسع. وقيل: منصوب على المصدرية من رحبت الأرض إذا اتسعت. قال سيبويه: وهو من المصادر النائبة عن أفعالها.
(غير خزايا ولا الندامى) هكذا هو في الأصول "الندامى" بالألف واللام. و"خزايا" بحذفهما. وروي بالألف واللام فيهما. وروي بحذف الألف واللام فيهما. ولفظ "غير" بالنصب على الحال. ويروى بالجر بدل من القوم. أو صفة له على أن الألف واللام فيه للجنس. والمعرف بلام الجنس قريب من النكرة. فحكمه حكم النكرة. و"غير" من الألفاظ المتوغلة في الإبهام فلا تستفيد تعريفا إذا أضيفت إلى معرفة.
و"الخزايا" جمع خزيان وهو المستحي. وقيل: الذليل المهان. والندامى جمع ندمان بمعنى نادم. والمراد أنه لم يكن منكم تأخر عن الإسلام. ولم يصبكم إسار ولا قتال ولا سباء تستحون بسببه أو تذلون أو تهانون أو تندمون.
стр. 64
(إنا نأتيك من شقة بعيدة) الشقة بضم الشين وكسرها، والضم أشهر وأفصح، وبه نزل القرآن، وهي السفر البعيد، فقولهم "بعيدة" مبالغة في البعد وتأكيد له، كقولهم: أمس الذاهب لا يعود.
(فمرنا بأمر فصل) أمر بالتنوين، و"فصل" صفته على التأويل بمشتق لأنه مصدر، والمعنى مرنا بأمر واضح بين فاصل للمراد على غيره، بحيث لا يكون مشكلا علينا.
(شهادة) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله و"إقام" و"إيتاء" و"صوم" معطوف على "شهادة".
(احفظوه وأخبروا به من ورائكم) احفظوه قولا وعملا، فلا تنساه ذاكرتكم ولا تهمله جوارحكم، وهذه الرواية بمن الجارة، فمفعول "أخبروا" محذوف، التقدير: أخبروا به الناس الكائنين من ورائكم.
الرواية الثالثة
(للأشج أشج عبد القيس) هو المنذر بن عائذ، سماه النبي ﷺ بالأشج لأثر كان في وجهه، و"أشج عبد القيس" بدل من الأشج.
(الحلم والأناة) الحلم العقل، والأناة التثبت وترك العجلة، وأناة الأشج كانت في تريثه بعد الوصول إلى المدينة حتى جمع الرحال وعقل الإبل ولبس أحسن الثياب، وحلمه ورجاحة عقله تمثلت في مناقشة رسول الله ﷺ حيث اعتذر عن أن يبايع عن قومه.
الرواية الرابعة
(ما علمك بالنقير) سؤال استبعاد، إذ لم يكن بأرضه ﷺ .
(فتقذفون فيه من القطيعاء) "القذف" الإلقاء والطرح، و"القطيعاء" بضم القاف وفتح الطاء نوع من التمر صغار. وروي "وتذيفون" بفتح التاء من ذاف يذيف، وروي "وتديفون" بالدال بدل الذال، ومعناهما تخلطون.
(أصابته جراحة كذلك) "كذلك" صفة جراحة، والمعنى: في القوم رجل مصاب بجراحة ناشئة من حالة مشابهة لحالة ضرب السكران ابن عمه بالسيف.
(ففيم نشرب) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر، والجار والمجرور متعلق بالفعل بعده، والتقدير: إذا انتهينا عن الانتباذ في هذه الأوعية، ففي أي الأوعية ننتبذ ونشرب؟
(في أسقية الأدم) أسقية جمع سقاء، "والأدم" بفتح الهمزة والدال جمع أديم، وهو الجلد الذي تم دباغه، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره: اشربوا.
стр. 65
(التي يلاث على أفواهها) أي يلف الخيط على أفواهها ويربط، وفي رواية "تلاث" بالتاء بدل الياء.
(إن أرضنا كثيرة الجرذان) بكسر الجيم وإسكان الراء جمع جرذ بضم الجيم وفتح الراء وهو نوع من الفأر، أو الذكر منها، وفي رواية "إن أرضنا كثير الجرذان" بتذكير لفظ "كثير" وهو على تقدير موصوف مذكر أي إن أرضنا مكان كثير الجرذان، واعتذروا بذلك لعلمهم أن شريعة الإسلام مبنية على التخفيف، فظنوا أنهم قد يرخص لهم للضرورة.
(وإن أكلتها الجرذان) مكرر ثلاث مرات في الأصول للتأكيد، وفطم نفوسهم عن الطمع في الرخصة، وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا يباح الانتباذ في غيرها. ولم يرخص لهم ﷺ لأنه لا يعسر الاحتراز منها.
الرواية الخامسة
(جعلنا الله فداءك) استعملتها العرب كناية عن الدعاء بالوقاية من المكروه.
(ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ ) أي من ظروف الأشربة وأوعيتها، ففي الكلام مضاف محذوف.
(وعليكم بالموكى) بضم الميم وإسكان الواو أي المربوط بالوكاء، وهو الخيط. و"عليكم " اسم فعل أمر بمعنى الزموا، والباء حرف جر زائد و"الموكى" مفعول به لاسم الفعل.
-[فقه الحديث]-
روايات كثيرة لهذا الحديث في مسلم حصرناها في خمس، وروايات كثيرة له في البخاري، وبينها اختلاف كثير في الألفاظ بالزيادة والنقص والتبديل والتقديم والتأخير والقصة واحدة، ولم يعد هذا الاختلاف مشكلا بعد البيان الذي مر بنا قريبا عن صحة الرواية بالمعنى، واختلاف الرواة في الحفظ والضبط الذي لا يطعن في صحة الحديث.
لكن المشكل هنا أنه ﷺ قال "آمركم بأربع" والمذكور في أكثر الروايات خمس، إيمان بالله ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأداء الخمس، وعدم ذكر الصوم في الرواية الأولى إغفال من الراوي.
وللعلماء في الجواب عن هذا الإشكال أقوال: أظهرها ما قاله ابن بطال في شرح البخاري. قال: أمرهم بالأربع التي وعدهم بها، ثم زادهم خامسة -يعنى أداء الخمس- لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، فكانوا أهل جهاد وغنائم.
стр. 66
وقال بعضهم: إن الأربع المأمور بها أولها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركا بهما لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ويستأنس لهذا الرأي برواية البخاري في الأدب بدون الشهادتين، ويضعفه ما جاء هنا في زيادة الرواية الأولى "شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة".
ولم يذكر الحج في هذا الحديث لأنه لم يكن فرض بعد، فإن قدوم وفد عبد القيس كان عام الفتح قبل خروج النبي ﷺ إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع على الأشهر. وقيل: إن ترك ذكره لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر، ويرد هذا القول أنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان كما في الآية.
ثم إن دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة من أساسها، لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وهم يأمنون فيها.
واختلفت الروايات في عدد وفد عبد القيس، فروي أنه كان أربعين رجلا، وروي أنه كان سبعة عشر، وروي أنه كان أربعة عشر أو ثلاثة عشر، ومع أنه لا طائل وراء تحديد العدد فإن الحافظ ابن حجر جمع بين الروايات بأن مجموع العدد أربعون والأعداد الأخرى تعبير عن رؤساء الوفد أو ركبانه.
وإنما خصت هذه الأربع "الدباء والحنتم والنقير والمقير" بالنهي عن الانتباذ فيها لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حراما نجسا، ويبطل كونه مالا محترما، فنهي عنه لما فيه من إتلاف المال. ولأن هذه الأوعية تخفي مظاهر التخمر والإسكار في منقوعها فربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه، ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الأدم، بل أذن فيها لأنها لرقتها لا يخفى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرا شقها غالبا.
ثم إن النهي كان في أول الأمر خشية التهاون في التفرقة بين المسكر وغير المسكر واختلاط الأمر، ثم نسخ بحديث بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا".
وكون النهي منسوخا بهذا الحديث مذهب أبي حنيفة والشافعية.
وذهب مالك وأحمد وإسحاق إلى أن التحريم باق، وفتوى ابن عباس للمرأة في الرواية الثانية والثالثة تدل على أنه يرى عدم النسخ، فقد أجاب عن سؤال الانتباذ في الجر بنهي الرسول ﷺ عن الانتباذ فيها.
واقتصر في المنهيات على الانتباذ في الأوعية مع أن المناهي فيها ما هو أشد في التحريم من الانتباذ لكثرة تعاطيهم لها، ورسول الله ﷺ يراعي في أجوبته حال المخاطبين كالطبيب يغاير بين الأدوية باختلاف المرضى، وقيل: إنما اقتصر عليها لأنهم طلبوا الجواب فيها، إذ ورد "وسألوه عن الأشربة" وجاء في الرواية الخامسة "يا نبي الله -جعلنا الله فداءك- ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ " فاقتصر اقتصار الجواب المطابق للسؤال.
стр. 67
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - وفادة الرؤساء والأشراف إلى الأئمة عند الأمور المهمة.
٢ - أن الوفد كانوا مسلمين بدليل قولهم: يا رسول الله، وقولهم: الله ورسوله أعلم.
٣ - بيان مهمات الإسلام وأركانه سوى الحج.
٤ - تقديم الاعتذار بين يدي المسألة حيث اعتذروا بصعوبة اللقاء.
٥ - وجوب الخمس في الغنيمة قلت أو كثرت، وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية وفيه خلاف وتفصيل في محله.
٦ - النهي عن الانتباذ في الأواني الأربع، أي نقع التمر والزبيب أو نحوهما مع الماء فيها ليحلو ويشرب وقد سبق الخلاف في نسخ هذا النهي.
٧ - استدل بقوله ﷺ : "من القوم"؟ في الرواية الثانية على استحباب سؤال القاصد عن نفسه ليعرف منزلته.
٨ - استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم ببعض أصحابه.
٩ - أنه يكفي في الترجمة والفتوى والخبر قول الواحد. ١٠ - جواز استفتاء المرأة الرجال الأجانب، وسماعها صوتهم وسماعهم صوتها للحاجة.
١١ - استحباب تأنيس الرجل لزواره والقادمين عليه بقوله "مرحبا" ونحوه، والثناء عليهم إيناسا وبسطا.
١٢ - جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة من إعجاب ونحوه، ويختلف استحبابه بحسب الأحوال والأشخاص، وأما النهي عن المدح في الوجه وقوله ﷺ : "إياكم والمدح فإنه الذبح" وقوله ﷺ : "ويحك، قطعت عنق صاحبك" فهو في حق من يخاف عليه الفتنة.
١٣ - لا عتب على طالب العلم والمستفتي إذا طلب إعادة وإيضاح الجواب.
١٤ - جواز مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد.
١٥ - في الرواية الرابعة علم من أعلام النبوة إذ أخبر ﷺ عن ضرب السكران ابن عمه بالسيف، ولم يواجه الرجل على عادته ﷺ في الستر.
١٦ - جواز قول الإنسان للمسلم: جعلني الله فداءك.
والله أعلم
стр. 68
(٨) باب بعث معاذ إلى اليمن
٢٨ - عن ابن عباس ﵄، أن معاذا قال: بعثني رسول الله ﷺ . قال "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب. فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك. فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك. فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك. فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
٢٩ - عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن. فقال "إنك ستأتي قوما" بمثل حديث وكيع.
٣٠ - عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال "إنك تقدم على قوم أهل كتاب. فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله . فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم".
-[المعنى العام]-
خلع معاذ كمية كبيرة من ماله لغرمائه سنة عشر من الهجرة، فرأى ﷺ أن يعوضه بتعيينه واليا أو قاضيا على اليمن: يجمع الزكاة ويصرفها في وجوهها ويقوم على بيت المال، وقال له: إني قد عرفت بلاءك في الدين، والذي قد ركبك من الدين، وقد طيبت لك الهدية، لعل الله يجبرك ويخلف عليك ما غرمت.
ولم يكن أساس اختيار معاذ لهذا المنصب مجرد التعويض، فإن كفء له، أهل لتحمل هذه
стр. 69
المسؤولية، لما عرف عنه من العلم والفضل والورع، ثم هو من أهل بدر، وشهدها وهو ابن إحدى وعشرين سنة.
وقد زوده رسول الله ﷺ بوصية تحدد له الخطوات الواجب عليه اتباعها في مهمته السامية الصعبة.
قال له: إنك ستكون بمثابة حاكم على اليمن بقوانين الإسلام، ناشر لتعاليم الدين بين قوم أكثرهم من أهل الكتاب، وهم أهل علم وجدل، تحتاج دعوتهم إلى حكمة وسعة صدر، وقوة حجة، وتوقد فكرة.
فتدرج معهم في الدعوة، وعاملهم بالتي هي أحسن، وليكن أول شيء تدعوهم إليه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها وأقروا بها، وعرفوا الله تعالى ووحدانيته، وآمنوا برسوله فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، وفصلها لهم وعرفهم كيفيتها، وأمهم في صلاتهم ليتعلموها، فإن هم قبلوا وأذعنوا وصلوا، فأعلمهم أن الله فرض على الأغنياء منهم زكاة تجمع من أموالهم، وتفرق بين الفقراء، قدر يسير معلوم يطهر أموالهم وينميها، ويحوطها بالبركة، ويربط أواصر المحبة بين طبقات الأمة الواحدة، فإن استجابوا ورضخوا، فخذ منهم صدقاتهم ولا تلزمهم إخراج كرائم أموالهم ونفائسها، التي أحبوها واختصوها بفضل على غيرها، فلم يجعل الله مواساة الفقراء على حساب الإجحاف بالأغنياء.
وتجنب الظلم عامة، وفي أخذ الصدقات خاصة، واحرص على العدل دائما، واحذر دعوة المظلوم، ولا تعرض نفسك لأن يدعو عليك، فإن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاسقا، تفتح لها أبواب السموات السبع، ولا يحول بينها وبين القبول حائل، وليس بينها وبين إجابتها حجاب.
وحافظ معاذ على الوصية، وظل قائما على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها بالطاعون سنة سبع عشرة من الهجرة، وله من العمر أربع وثلاثون سنة.
-[المباحث العربية]-
(بعثني رسول الله ﷺ المبعوث إليه محذوف، أبرز في الرواية الثانية والثالثة في قول ابن عباس: بعث معاذا إلى اليمن.
(إنك تأتي قوما) المضارع هنا مراد به الاستقبال، وقد صرح بحرف الاستقبال في الرواية الثانية، وفي الرواية الثالثة "تقدم على قوم" بفتح التاء والدال، قال في القاموس: قدم كنصر وعلم، والتي معنا من باب علم، وهي بمعنى أقدم يقدم.
(من أهل الكتاب) وفي الرواية الثالثة "قوم أهل كتاب" وهذا الوصف كالتوطئة للوصية، ليستجمع همته عليها، ويوفر العناية في دعوتهم، فمخاطبة أهل الكتاب ينبغي أن لا تكون كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان.
стр. 70
وليس في هذا الوصف أن جميع من سيأتيهم من أهل الكتاب، فإن في أهل اليمن غير أهل الكتاب، لكنه خصهم بالذكر لمزيد الاهتمام.
(فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) في الرواية الثالثة "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله"، "أول" بالنصب خبر "يكن" مقدم و"عبادة الله" اسمها مؤخر، والمراد من عبادة الله توحيده. فقد جاء في رواية "إلى أن يوحدوا الله" والمراد من توحيده الشهادتان.
(فإن هم أطاعوا لذلك) أي للإتيان بالشهادتين، وفي رواية "فإن أطاعوا لك في ذلك"، أي شهدوا وانقادوا، وفي رواية "فإن هم أجابوا لذلك" وفي رواية "فإذا عرفوا ذلك". وفي الرواية الثالثة "فإذا عرفوا الله".
والظاهر أن أطاع هنا ضمن معنى انقاد فعدى تعديته.
والتعبير بـ"إن" ليس لأن وقوع الشرط مشكوك فيه، بل لمجرد التعليق بدليل الرواية الثالثة "فإذا" بدل "فإن".
(فأعلمهم) في الرواية الثالثة "فأخبرهم".
(أن الله افترض عليهم) في الرواية الثالثة "أن الله فرض عليهم" وهما بمعنى.
(خمس صلوات في كل يوم وليلة) في الرواية الثالثة "خمس صلوات في يومهم وليلتهم".
(فإن أطاعوا لذلك) يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها عليهم والتزامهم بها، وثانيهما: أن يكون المراد الإطاعة بالفعل والأداء، ووجه الأول بأن المذكور هو الإخبار بالفريضة، وإطاعة الإخبار الإقرار به والتزامه، ووجه الثاني بأنهم لو بادروا إلى الامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط الإقرار باللسان والالتزام بالتلفظ، بخلاف الشهادتين فالشرط فيهما عدم الإنكار، وعلامة قبولهما النطق بهما، ويؤيد هذا الوجه رواية "فإذا صلوا" كما يؤيده قوله في الرواية الثالثة "فإذا فعلوا".
قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه. أو بهما فأولى. اهـ.
(أن الله افترض عليهم صدقة) أي زكاة بدليل الرواية الثالثة، وأطلق لفظ الصدقة على الزكاة في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية.
(تؤخذ من أغنيائهم) الجملة صفة "صدقة".
(فترد في فقرائهم) لم يقل: فتعطى أو فتسلم للإشارة إلى أن المسلمين فقراءهم وأغنياءهم جسد واحد، فما يؤخذ من عضو ويعطى للآخر مردود إليه في الجملة، وجعل الفقراء هنا ظرفا للرد
стр. 71
إشارة إلى تمكن الزكاة منهم وعدم خروجها عنهم، وفي الرواية الثالثة "فترد على فقرائهم" والتعبير بعلى فيه من التمكن ما ليس في "إلى".
(فإن هم أطاعوا لذلك) وفي رواية "فإذا أقروا بذلك" وجواب الشرط الحقيقي محذوف، ذكر في الرواية الثالثة وفيها "فإذا أطاعوا بها فخذ منهم" وأما قوله:
(فإياك وكرائم أموالهم) فهو مرتب على الجواب، وكرائم الأموال نفيسها، وقيل: هي ما يخص بها صاحبها نفسه ويؤثرها على غيرها، لما فيها من صفات الكمال، من غزارة اللبن أو جمال الصورة أو كثرة اللحم أو الصوف أو نحو ذلك، وأصل "إياك" أحذرك فحذف الفعل، وانفصل ضمير المفعول، ولا يجوز ترك الواو في "وكرائم" لأن المحذر منه إن كان اسما صريحا وولى المحذر استعمل بمن أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإن كان فعلا وجب أن يكون مع "أن" ليكون في تأويل الاسم فيستعمل بالواو عطفا.
وقد نقل ابن مالك: إياك الأسد بدون واو، ولكنه شاذ.
(واتق دعوة المظلوم) الفعل معطوف على عامل "إياك" المحذوف، والتقدير: اتق نفسك أن تتعرض للكرائم، واتق نفسك أن تتعرض لدعوة المظلوم، والمقصود تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم.
(فإنه) أي فإن الشأن، وفي رواية "فإنها" أي فإن القصة أو فإن دعوة المظلوم.
(ليس بينها وبين الله حجاب) الجملة تذييل لتعليل اتقاء دعوة المظلوم، وليس المراد أن لله حجابا يحجبه عن شيء، ولكن المقصود أن دعوة المظلوم مقبولة مجابة، فالكلام على سبيل التمثيل بتشبيه هيئة دعاء المظلوم وعدم وجود صارف له، أو مانع من قبوله، بهيئة من يقصد دار السلطان متظلما فتفتح له الأبواب، ويرفع أمامه كل حجاب.
-[فقه الحديث]-
استشكل على الحديث بأنه لم يرد فيه ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر.
وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وأجاب الكرماني بجوابين يرفع بهما نسبة التقصير للرواة فقال في أحدهما: يحتمل أنه لم يكن حينئذ شرع. وهذا جواب مردود.
وقال في ثانيهما: إن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا في القرآن، فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلا، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب (أي العاجز عن أداء الحج). اهـ.
стр. 72
وهذا جواب حسن، وأحسن منه أن يقال: إذا كان الكلام في بيان الأركان جاء الشارع بها كاملة ولم يخل بشيء منها، كما في حديث "بني الإسلام على خمس" فإذا كان في غير بيان الأركان كالدعوة إلى الإسلام صح أن يكتفي بالأركان الثلاثة الشهادتين والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [التوبة: ١١] في موضعين من سورة "براءة" ونزولها بعد فرض الصوم والحج قطعا، وكحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" وغير ذلك من الأحاديث.
والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة: اعتقادي وهو الشهادتان، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، والصلاة شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاث كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها.
كما استشكل عليه بأنه لا وجه لترتيب الدعوة إلى الزكاة على الإطاعة بالصلاة.
وقيل في الجواب: إن الترتيب ترتيب بيان واهتمام، لا ترتيب إيجاب، لأن الزكاة تجب على قوم من الناس دون آخرين.
وأولى من هذا الجواب قول بعضهم: إنهم إذا أجابوا إلى الشهادتين، ودخلوا بذلك في الإسلام، ثم لم يذعنوا لوجوب الصلاة كان ذلك كفرا وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه، فيصير مالهم فيئا، ولا يؤمرون بالزكاة بل يقتلون.
واستدل الجمهور بالحديث على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة.
وقال بعضهم: يصير بالأولى مسلما ويطالب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر في الحكم بالردة.
والقول الراجح قول الجمهور وأن المطالبة ابتداء تكون بالشهادتين، ومن كان موحدا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة.
ومن كان مشبها أو معتقدا ما يستلزم الإشراك كمن يقول ببنوة عزير فإنه يطالب بالإقرار بالتوحيد- لنفي ما يستلزم عقيدته- وبالإقرار بالرسالة.
وهل يشترط التبرؤ من كل دين يخالف دين الإسلام؟ وبعبارة أخرى: هل يشترط للحكم بإسلام من يعتقد التشبيه أو يعتقد بنوة عزير أن يقر بترك هذا الاعتقاد؟ أو يكفي للحكم بإسلامه الإقرار بالشهادتين؟
الصحيح الثاني، وهو الذي يؤخذ من الحديث، لأن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد ما ينافيهما.
وقد استدل القاضي عياض بقوله ﷺ في الرواية الثالثة "فإذا عرفوا الله فأخبرهم" استدل به على أن اليهود والنصارى غير عارفين الله تعالى وإن كانوا يعبدونه ويظهرون
стр. 73
معرفته، وقال: ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود وأجاز عليه البداء أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك والمعاند من المجوس والوثنية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سموه به، إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة له، فإذن هم ما عرفوا الله . اهـ وهذا مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى.
واستدل بعضهم بالحديث على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والصوم والزكاة وتحريم الزنا ونحوها، لكونه ﷺ قال "فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم ... " فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم، ودل على أنهم يدعون أولا إلى الإيمان، ثم لا يدعون إلى العمل إلا بعد أن يؤمنوا.
ومذهب المحققين والأكثرين -وهو المختار- أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة (المأمورات والمنهيات) وغاية ما في الحديث أن مطالبتهم في الدنيا بالفروع لا تكون إلا بعد الإسلام، لأنها لا تصح منهم بدونه، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم في الآخرة بسببها، كمن أتلف ثوبا مخيطا فإنه مسئول عن الثوب وعن خياطته وإن لم يطالب عمليا بالخياطة إلا بعد تحصيل الثوب.
وفي المسألة رأي ثالث هو أن الكفار مخاطبون بالمنهيات دون المأمورات، وهو رأي ضعيف.
واستدل به الخطابي وسائر أصحاب الشافعي على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله ﷺ "فترد في فقرائهم" فإن معناه أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم، والوصية لمعاذ أن يأخذ الزكاة من أغنياء البلد الموجه إليها ويردها على فقرائها، فلا يجوز له نقلها إلى بلد آخر.
ورد المخالفون بأن الضمير في "فقرائهم" محتمل لفقراء المسلمين ولفقراء أهل تلك البلدة أو الناحية، وحيث تطرق الدليل إلى الاحتمال سقط به الاستدلال.
وعلى هذا أجاز أبو حنيفة النقل، ورأى المالكية ترك النقل، لكنه إن خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها.
واستدل به الجمهور على إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون، لعموم قوله "من أغنيائهم" وذهب الحنفية إلى عدم إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لحديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق".
ولا يخفى أن المكلف بإخراج الزكاة من مال الصبي هو وليه، ففي مال الصبي حق غير مكلف هو بأدائه، وإنما المكلف بأدائه هو الوصي، فلا تنافي بين إيجاب الزكاة من ماله وبين رفع القلم عنه.
كما استدل به الجمهور أيضا على عدم وجوب الوتر، فليس على المسلم من صلاة غير الخمس. ورد الحنفية الموجبون للوتر بجواز وجوبه بعد وصية معاذ على أن الراوي أو الوصية لم يأت بكل المفروضات.
стр. 74
واستدل بالحديث لقول مالك وغيره: إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد، وأجاب المخالفون بأنه يحتمل أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب أو للمقابلة بينهم وبين الأغنياء.
واستدل به بعضهم على أنه ليس على المدين زكاة ما في يده إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر النصاب، لأنه ليس بغني.
واستدل بقوله "تؤخذ من أغنيائهم" على أنه إذا امتنع من الزكاة أخذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته ويجزيه ذلك في الباطن؟ فيه وجهان للشافعية.
واستدل بالحديث على أن دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان عاصيا اعتمادا على عموم لفظ "المظلوم" ويؤيده ما جاء عند أحمد مرفوعا "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرا، ففجوره على نفسه".
ولا يرد أننا نسمع دعاء كثير من المظلومين ثم لا نرى إجابة لدعائهم، لأن الداعي -كما جاء في الحديث- على ثلاث مراتب: إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله.
وعلى هذا التوجيه قيد قوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ [النمل: ٦٢] بقوله ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [الأنعام: ٤١].
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - بعث السعاة لأخذ الزكاة.
٢ - أن الإمام ينبغي أن يعظ ولاته، ويأمرهم بتقوى الله، وينهاهم عن الظلم، ويحذرهم من عاقبته وإن كانوا على درجة كبيرة من العلم والفضل والورع.
٣ - قبول خبر الواحد ووجوب العمل به.
٤ - أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة.
٥ - أنه ليس في المال حق سوى الزكاة.
٦ - أن الفقير لا زكاة عليه.
٧ - أن من ملك نصابا لا يعطي من الزكاة، حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير.
٨ - أن الزكاة لا تدفع إلى كافر ولا تدفع إلى غني من سهم الفقراء.
٩ - أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم الأموال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط.
والله أعلم
стр. 75
(٩) باب قتال أهل الردة ومانعي الزكاة
٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه. وحسابه على الله". فقال أبو بكر: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فإن الزكاة حق المال. والله! لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال. فعرفت أنه الحق.
٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه. وحسابه على الله".
٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله".
٣٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله". ثم قرأ ﴿إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢].
следующие страницы →