Полный текст (6 200 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
إشارة إلى تمكن الزكاة منهم وعدم خروجها عنهم، وفي الرواية الثالثة "فترد على فقرائهم" والتعبير بعلى فيه من التمكن ما ليس في "إلى".
(فإن هم أطاعوا لذلك) وفي رواية "فإذا أقروا بذلك" وجواب الشرط الحقيقي محذوف، ذكر في الرواية الثالثة وفيها "فإذا أطاعوا بها فخذ منهم" وأما قوله:
(فإياك وكرائم أموالهم) فهو مرتب على الجواب، وكرائم الأموال نفيسها، وقيل: هي ما يخص بها صاحبها نفسه ويؤثرها على غيرها، لما فيها من صفات الكمال، من غزارة اللبن أو جمال الصورة أو كثرة اللحم أو الصوف أو نحو ذلك، وأصل "إياك" أحذرك فحذف الفعل، وانفصل ضمير المفعول، ولا يجوز ترك الواو في "وكرائم" لأن المحذر منه إن كان اسما صريحا وولى المحذر استعمل بمن أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإن كان فعلا وجب أن يكون مع "أن" ليكون في تأويل الاسم فيستعمل بالواو عطفا.
وقد نقل ابن مالك: إياك الأسد بدون واو، ولكنه شاذ.
(واتق دعوة المظلوم) الفعل معطوف على عامل "إياك" المحذوف، والتقدير: اتق نفسك أن تتعرض للكرائم، واتق نفسك أن تتعرض لدعوة المظلوم، والمقصود تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم.
(فإنه) أي فإن الشأن، وفي رواية "فإنها" أي فإن القصة أو فإن دعوة المظلوم.
(ليس بينها وبين الله حجاب) الجملة تذييل لتعليل اتقاء دعوة المظلوم، وليس المراد أن لله حجابا يحجبه عن شيء، ولكن المقصود أن دعوة المظلوم مقبولة مجابة، فالكلام على سبيل التمثيل بتشبيه هيئة دعاء المظلوم وعدم وجود صارف له، أو مانع من قبوله، بهيئة من يقصد دار السلطان متظلما فتفتح له الأبواب، ويرفع أمامه كل حجاب.
-[فقه الحديث]-
استشكل على الحديث بأنه لم يرد فيه ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر.
وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وأجاب الكرماني بجوابين يرفع بهما نسبة التقصير للرواة فقال في أحدهما: يحتمل أنه لم يكن حينئذ شرع. وهذا جواب مردود.
وقال في ثانيهما: إن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا في القرآن، فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلا، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب (أي العاجز عن أداء الحج). اهـ.
стр. 72
وهذا جواب حسن، وأحسن منه أن يقال: إذا كان الكلام في بيان الأركان جاء الشارع بها كاملة ولم يخل بشيء منها، كما في حديث "بني الإسلام على خمس" فإذا كان في غير بيان الأركان كالدعوة إلى الإسلام صح أن يكتفي بالأركان الثلاثة الشهادتين والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [التوبة: ١١] في موضعين من سورة "براءة" ونزولها بعد فرض الصوم والحج قطعا، وكحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" وغير ذلك من الأحاديث.
والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة: اعتقادي وهو الشهادتان، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، والصلاة شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاث كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها.
كما استشكل عليه بأنه لا وجه لترتيب الدعوة إلى الزكاة على الإطاعة بالصلاة.
وقيل في الجواب: إن الترتيب ترتيب بيان واهتمام، لا ترتيب إيجاب، لأن الزكاة تجب على قوم من الناس دون آخرين.
وأولى من هذا الجواب قول بعضهم: إنهم إذا أجابوا إلى الشهادتين، ودخلوا بذلك في الإسلام، ثم لم يذعنوا لوجوب الصلاة كان ذلك كفرا وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه، فيصير مالهم فيئا، ولا يؤمرون بالزكاة بل يقتلون.
واستدل الجمهور بالحديث على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة.
وقال بعضهم: يصير بالأولى مسلما ويطالب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر في الحكم بالردة.
والقول الراجح قول الجمهور وأن المطالبة ابتداء تكون بالشهادتين، ومن كان موحدا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة.
ومن كان مشبها أو معتقدا ما يستلزم الإشراك كمن يقول ببنوة عزير فإنه يطالب بالإقرار بالتوحيد- لنفي ما يستلزم عقيدته- وبالإقرار بالرسالة.
وهل يشترط التبرؤ من كل دين يخالف دين الإسلام؟ وبعبارة أخرى: هل يشترط للحكم بإسلام من يعتقد التشبيه أو يعتقد بنوة عزير أن يقر بترك هذا الاعتقاد؟ أو يكفي للحكم بإسلامه الإقرار بالشهادتين؟
الصحيح الثاني، وهو الذي يؤخذ من الحديث، لأن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد ما ينافيهما.
وقد استدل القاضي عياض بقوله ﷺ في الرواية الثالثة "فإذا عرفوا الله فأخبرهم" استدل به على أن اليهود والنصارى غير عارفين الله تعالى وإن كانوا يعبدونه ويظهرون
стр. 73
معرفته، وقال: ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود وأجاز عليه البداء أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك والمعاند من المجوس والوثنية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سموه به، إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة له، فإذن هم ما عرفوا الله . اهـ وهذا مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى.
واستدل بعضهم بالحديث على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والصوم والزكاة وتحريم الزنا ونحوها، لكونه ﷺ قال "فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم ... " فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم، ودل على أنهم يدعون أولا إلى الإيمان، ثم لا يدعون إلى العمل إلا بعد أن يؤمنوا.
ومذهب المحققين والأكثرين -وهو المختار- أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة (المأمورات والمنهيات) وغاية ما في الحديث أن مطالبتهم في الدنيا بالفروع لا تكون إلا بعد الإسلام، لأنها لا تصح منهم بدونه، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم في الآخرة بسببها، كمن أتلف ثوبا مخيطا فإنه مسئول عن الثوب وعن خياطته وإن لم يطالب عمليا بالخياطة إلا بعد تحصيل الثوب.
وفي المسألة رأي ثالث هو أن الكفار مخاطبون بالمنهيات دون المأمورات، وهو رأي ضعيف.
واستدل به الخطابي وسائر أصحاب الشافعي على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله ﷺ "فترد في فقرائهم" فإن معناه أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم، والوصية لمعاذ أن يأخذ الزكاة من أغنياء البلد الموجه إليها ويردها على فقرائها، فلا يجوز له نقلها إلى بلد آخر.
ورد المخالفون بأن الضمير في "فقرائهم" محتمل لفقراء المسلمين ولفقراء أهل تلك البلدة أو الناحية، وحيث تطرق الدليل إلى الاحتمال سقط به الاستدلال.
وعلى هذا أجاز أبو حنيفة النقل، ورأى المالكية ترك النقل، لكنه إن خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها.
واستدل به الجمهور على إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون، لعموم قوله "من أغنيائهم" وذهب الحنفية إلى عدم إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لحديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق".
ولا يخفى أن المكلف بإخراج الزكاة من مال الصبي هو وليه، ففي مال الصبي حق غير مكلف هو بأدائه، وإنما المكلف بأدائه هو الوصي، فلا تنافي بين إيجاب الزكاة من ماله وبين رفع القلم عنه.
كما استدل به الجمهور أيضا على عدم وجوب الوتر، فليس على المسلم من صلاة غير الخمس. ورد الحنفية الموجبون للوتر بجواز وجوبه بعد وصية معاذ على أن الراوي أو الوصية لم يأت بكل المفروضات.
стр. 74
واستدل بالحديث لقول مالك وغيره: إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد، وأجاب المخالفون بأنه يحتمل أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب أو للمقابلة بينهم وبين الأغنياء.
واستدل به بعضهم على أنه ليس على المدين زكاة ما في يده إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر النصاب، لأنه ليس بغني.
واستدل بقوله "تؤخذ من أغنيائهم" على أنه إذا امتنع من الزكاة أخذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته ويجزيه ذلك في الباطن؟ فيه وجهان للشافعية.
واستدل بالحديث على أن دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان عاصيا اعتمادا على عموم لفظ "المظلوم" ويؤيده ما جاء عند أحمد مرفوعا "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرا، ففجوره على نفسه".
ولا يرد أننا نسمع دعاء كثير من المظلومين ثم لا نرى إجابة لدعائهم، لأن الداعي -كما جاء في الحديث- على ثلاث مراتب: إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله.
وعلى هذا التوجيه قيد قوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ [النمل: ٦٢] بقوله ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [الأنعام: ٤١].
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - بعث السعاة لأخذ الزكاة.
٢ - أن الإمام ينبغي أن يعظ ولاته، ويأمرهم بتقوى الله، وينهاهم عن الظلم، ويحذرهم من عاقبته وإن كانوا على درجة كبيرة من العلم والفضل والورع.
٣ - قبول خبر الواحد ووجوب العمل به.
٤ - أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة.
٥ - أنه ليس في المال حق سوى الزكاة.
٦ - أن الفقير لا زكاة عليه.
٧ - أن من ملك نصابا لا يعطي من الزكاة، حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير.
٨ - أن الزكاة لا تدفع إلى كافر ولا تدفع إلى غني من سهم الفقراء.
٩ - أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم الأموال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط.
والله أعلم
стр. 75
(٩) باب قتال أهل الردة ومانعي الزكاة
٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه. وحسابه على الله". فقال أبو بكر: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فإن الزكاة حق المال. والله! لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال. فعرفت أنه الحق.
٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه. وحسابه على الله".
٣٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله".
٣٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله". ثم قرأ ﴿إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢].
стр. 76
٣٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله".
٣٦ - عن أبي مالك عن أبيه ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله".
٣٧ - عن أبي مالك عن أبيه ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول "من وحد الله" ثم ذكر بمثله.
-[المعنى العام]-
في أواخر أيام الرسول ﷺ ارتد ناس من مذحج وعلى رأسهم الأسود العنسي الذي استولى على اليمن وأخرج عمال رسول الله ﷺ كما ارتد ناس من بني حنيفة وعلى رأسهم مسيلمة الكذاب الذي كتب إلى رسول الله ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله "أما بعد" فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.
فأجابه الرسول ﷺ "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب "أما بعد" فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".
وتوفي رسول الله ﷺ فارتد ناس من بني تميم قوم سجاح التي تنبأت، وارتد غسان قوم جبلة ابن الأيهم، وفزارة، وغطفان، وبنو سعد، كل هؤلاء وكثير غيرهم ارتدوا عن الإسلام وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية.
وانكمش المتمسكون بدينهم، وخافوا بطش المرتدين، وأخفوا عبادتهم، حتى لم يعد يصلى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس بالبحرين.
وهناك فريق آخر ظلوا مسلمين، لكنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة، وأنكروا وجوب أدائها إلى الإمام، وكان ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يربوع، فإنهم جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر ﵁ فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك، وفرقها فيهم.
استقبل أبو بكر الصديق في فجر خلافته هذه الصورة المزعجة، بناء الإسلام الشامخ يتصدع
стр. 77
ويتهاوى، وترتعد جوانبه، ويتفاقم في كل يوم صدعه، ويتسع خرقه، وترجف الأرض من تحته، وهو خليفة رسول الله ﷺ ، المسئول أمام الله عن دينه في أرضه. فماذا تراه يفعل؟
إن من أبرز صفات أبي بكر لينه في خلقه، ورقة قلبه، وإرهاف حسه إلى حد اشتهر معه في المواقف المؤلمة بالبكاء، وكل هذه الصفات لا تتناسب والظروف المحيطة بالإسلام.
لكن شاءت إرادة الله أن يتحول أبو بكر من اللين إلى الصلابة، ومن الرقة إلى الشدة، ومن الإرهاف العاطفي إلى خشونة العقل وصرامة الحكمة، ففكر وقرر لكنه ما كان له أن يمضي إلى ما رأى حتى يعرض الخطة على كبار الصحابة، عملا بقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فجمعهم، واستعرض الحالة معهم، وأعلن لهم أنه يرى قتال كل من غير وبدل، وأنه يرى العلاج في الحزم، والحكم للسيف.
فقال له عمر بن الخطاب: إذا قاتلنا من ارتد وكفر، ومن ادعى النبوة، ومن تابعه فكيف نقاتل من منع الزكاة وهو يشهد أن لا إله إلا الله وقد قال رسول الله ﷺ : أمرني ربي أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد حقن مني دمه، وحفظ مني ماله وحسابه فيما وراء ذلك على الله؟ .
فقال له أبو بكر: أرأيت إذا لم يصلوا؟ فسلم عمر بقتال من امتنع من الصلاة. وسكت وسكت الناس، فقال أبو بكر- وقد سكن قلبه إلى الرأي وشرح الله صدره لتنفيذه - قال بصوت الحكيم الحازم: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الصلاة حق النفس والزكاة حق المال، فمن صلى عصم نفسه، ومن زكى عصم ماله، ومن لم يصل قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يزك أخذت الزكاة منه قهرا، فإن نصب لنا الحرب قاتلناه، والله لو منعوني جديا أو حبلا كانوا يعطونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه.
ومرة أخرى سكت عمر وسكت الناس، لكنه في هذه المرة لم يكن سكوت شك أو اضطراب، بل كان سكوت رضى وإذعان، حتى عمر نفسه، لقد شرح الله صدره لخطة أبي بكر، وبان له بالحجة والبرهان أنها الحق، ووافق الجميع على القتال، وجهز أبو بكر جيشا على رأسه خالد بن الوليد لقتال مسيلمة وأتباعه، فنصر الله الإسلام، وقتل مسيلمة باليمامة على يد وحشي قاتل حمزة ﵁ وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في جاهليتي وشرها في الإسلام.
وقتل العنسي بصنعاء، وانفضت جموعهم. وهلك أكثرهم.
ولم يحل الحول إلا وقد أعاد الإسلام نشر لوائه على ربوعه، وتماسك بناؤه، واستمسك به أبناؤه.
فنضر الله وجه أبي بكر، وشكر له صالح سعيه، ورضي عن شهداء المسلمين في حروب الردة, وجزى قادة الإسلام خير الجزاء.
стр. 78
-[المباحث العربية]-
(لما توفي رسول الله ﷺ يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة.
(واستخلف أبو بكر بعده) السين والتاء للصيرورة، أي وصار أبو بكر خليفة بعده، وفي رواية: "وكان أبو بكر خليفة".
(وكفر من كفر من العرب) "من" موصولة و"من" حرف جر للتبعيض، وقال العيني: للبيان، وهو حسن إذا جعلت "أل" في "العرب" للجنس الصادق بالبعض.
(كيف تقاتل الناس؟ ) الاستفهام إنكاري، و"أل" في "الناس" للعهد، والمراد بهم مانعوا الزكاة [كما سيأتي بيانه في فقه الحديث] وفي رواية "أتريد أن تقاتل العرب"؟ فـ"أل" في "العرب" للعهد أيضا، لأن عمر لا يتردد في قتال المرتدين.
(وقد قال رسول الله ﷺ الجملة في محل النصب على الحال.
(أمرت) بالبناء للمجهول، أي أمرني ربي، وحذف الفاعل لتعينه، لأن الرسول ﷺ إذا قال أمرت فهم منه أن الله تعالى هو الذي أمره، فإذا قال الصحابي: أمرت فهم منه أن الرسول ﷺ هو الذي أمره، فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم أن الرئيس هو الذي أمر.
(أن أقاتل الناس) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف والتقدير: أمرت بمقاتلة الناس. قال بعضهم: إن "أل" في "الناس" للجنس لا يخرج عنه إلا الجن، فهم وإن كانت رسالته ﷺ عامة لهم إجماعا لكنه غير مأمور بمقاتلتهم لتعذرها.
وهذا الرأي بعيد، لأن لفظ الناس حينئذ يشمل المؤمنين، فيلزمه أن يقول: إن المراد من "الناس" الكافرون، وقال بعضهم: إن "أل" للعهد، والمراد بالناس عبدة الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ويقاتلون حتى يقولوا: محمد رسول الله أو يعطوا الجزية.
وقال بعضهم: هو من العام الذي خص منه البعض، وقال العيني بدخول أهل الكتاب في مدلول "الناس" وخروجهم بدليل آخر كقوله تعالى ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩] [وستأتي زيادة إيضاح لهذا في فقه الحديث].
(حتى يقولوا لا إله إلا الله) وفي الرواية الثانية والرابعة "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" وفي الرواية الخامسة "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" والمعنى في الكل واحد.
و"حتى" حرف غاية لما قبلها، وهو هنا القتال، فإن قيل: الأصح دخول الغاية في المغيا بحتى، كما في قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، فإن الأكل شامل للرأس، حتى زعم بعضهم وجوب دخول
стр. 79
ما بعد حتى، وحينئذ يكون الحديث مفيدا أن القتال موجود مع الإتيان بالشهادتين وما بعدهما، مع أنه ليس كذلك، فالجواب أن محل ذلك إذا كان ما قبلها وما بعدها متجانسين، ولم تقم قرينة تقتضي عدم دخول ما بعدها، وهنا قامت القرينة بقوله ﷺ "فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه".
وذكر شهادة أن لا إله إلا الله يراد معه وأن محمدا رسول الله، لأنهما لتلازمهما وعدم قبول إحداهما بدون الأخرى اشتهر اختصار الرواة والاكتفاء بذكر الأولى، وقد جاء التصريح بالشهادة الثانية في الرواية الرابعة.
(ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) جاءت هذه الزيادة في الرواية الرابعة.
(ويؤمنوا بما جئت به) وهذا التعميم جاء في الرواية الثانية.
(فمن قال لا إله إلا الله) وفي الرواية الثالثة "فإذا قالوا لا إله إلا الله" وفي الرواية الرابعة "فإذا فعلوا" وفي الرواية الثانية " فإذا فعلوا ذلك" فالإشارة إلى الشهادتين والإيمان بما جاء به ﷺ . ومعنى "فعلوا ذلك" أتوا به، فيعم القول فقط وهو الشهادتان والمركب من القول والفعل وهو الصلاة، والفعل المحض وهو الزكاة.
(عصم مني ماله ونفسه) وفي الرواية الثانية والثالثة والرابعة "عصموا مني دماءهم وأموالهم". وفي الرواية الخامسة "حرم ماله ودمه".
ومعنى العصم في اللغة المنع، والمراد حقنوا دماءهم وحفظوا أموالهم.
(إلا بحقه) أي بحق الإسلام، وفي الرواية الثانية والثالثة والرابعة "إلا بحقها" أي بحق الدماء والأموال في الإسلام. والاستثناء مفرغ، لتضمن العصمة معنى النفي والمستثنى منه عموم الأسباب، أي لا تهدر دماؤهم ولا تستباح أموالهم بسبب من الأسباب إلا بسبب حق الإسلام. أو إلا بسبب حقها في الإسلام من قتل النفس المحرمة، أو زنى المحصن، أو ترك الصلاة أو منع الزكاة.
(وحسابه على الله) وفي الرواية الثانية والثالثة والرابعة "وحسابهم على الله" أي فيما يستسرون به ويخفونه، دون ما يخلون في الظاهر من الأحكام الواجبة، و"على" بمعنى اللام، أو بمعنى إلى، فما أفهمته من الوجوب غير مراد لأن الله لا يجب عليه شيء.
ثم قرأ: ﴿إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ أي قرأ ﷺ الآية استشهادا على أنه منذر مأمور بالعمل بالظاهر، وليس مالكا مسيطرا على دواخلهم حتى يحاسبهم على سرائرهم.
(لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) بتخفيف راء "فرق" وتشديدها، والمعنى لأقاتلن من أطاع بالصلاة، وجحد الزكاة أو منعها.
стр. 80
(والله لو منعوني عقالا) ذهب جماعة إلى أن المراد بالعقال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهو قول الكسائي وأبي عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء.
وذلك لأن العقال هو الحبل الذي يعقل به البعير، وهو لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه.
وذهب الأكثرون إلى حمل العقال أولا على حقيقته، وأن المراد به الحبل الذي يعقل به البعير، ثم أريد به قدر قيمته، خرج مخرج التقليل لا مخرج الحقيقة، وكل ما كان في هذا السياق أحقر فهو أبلغ. والعرب إذا بالغت في التقليل تذكر ما لا يقصد به الحقيقة، ومنه الحديث "لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" والحديث "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة (أي عش طائر صغير) بنى الله له بيتا في الجنة" ويقوي هذا الرأي رواية "لو منعوني جديا أذوط" والأذوط الصغير الفك والذقن. قال النووي: وهذا هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره.
(فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال) الفاء في جواب "أما" المحذوفة، والتقدير: ذاك موقف أبي بكر، أما موقفي فوالله ما هو إلا أن رأيت ... إلخ.
وضمير "هو" للحال والشأن، والمراد من الرؤية العلم والمعرفة، وإيقاع الرؤية على الله غير مقصود بل المقصود إيقاعها على شرح الله صدر أبي بكر، والاستثناء مفرغ من عموم الأخبار، أي أما حالي فوالله ما هو إلا أن عرفت شرح الله صدر أبي بكر للقتال.
(فعرفت أنه الحق) اسم "أن" يعود على القتال، أي فعرفت أن قتال مانعي الزكاة هو الحق، ظهر لي ذلك عن طريق الحجة والبرهان لا عن طريق التقليد والإذعان.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر الكلام عن الحديث في خمس نقاط:
الأولى: بيان حال مانعي الزكاة وشبهتهم وردها، وحكمهم في الإسلام.
الثانية: توضيح المناظرة بين أبي بكر وعمر، وبسط حجة كل منهما.
الثالثة: حكم أبي بكر فيهم بعد الغلبة عليهم، وموقف عمر من هذا الحكم.
الرابعة: موقف الروافض، وإدانتهم أبا بكر في المسألة، والرد عليهم.
الخامسة: ما يؤخذ من الحديث.
стр. 81
وهذا هو التفصيل
١ - تبين في المعنى العام أن أهل الردة كانوا صنفين. صنفا ارتدوا عن الدين وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: "وكفر من كفر من العرب" وصنفا بقوا على ما كانوا عليه من الإقرار بالشهادتين والتزام الصلاة والصيام والحج، لكنهم أنكروا وجحدوا فرض الزكاة ووجوب تسليمها للإمام بتأويل باطل سيأتي، وهؤلاء هم موضوع المناظرة.
وإطلاق الردة على هؤلاء لدخولهم في غمار أهل الردة، ومناصبتهم الإمام ومشاركتهم المرتدين في منع بعض حقوق الدين، فهو قريب من الإطلاق اللغوي دون الإطلاق الشرعي، فالمرتد في اللغة كل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الزكاة.
ولهذا لم يؤثر عن الصحابة أنهم سموا هؤلاء كفارا، لأنهم لم يرتدوا حقيقة.
وحقيقة ما يتصفون به شرعا أنهم أهل بغي، إذ البغي الخروج عن طاعة الإمام مغالبة له، والبغاة قسمان: أهل عناد، وأهل تأويل، وللإمام قتال الصنفين على ما سيأتي في قتال البغاة.
وشبهة هذا الصنف أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب خاص في مواجهة النبي ﷺ دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما للنبي ﷺ .
ورد هذه الشبهة إنما هو بمنع كون الخطاب في الآية خاصا، وبمنع قصر الشرائط المذكورة في الآية عليه ﷺ .
وذلك أن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه:
(أ) خطاب عام كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... ﴾ [المائدة: ٦] الآية وكقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣].
(ب) وخطاب خاص للنبي ﷺ ، لا يشركه فيه غيره، وهو ما أبين به عن غيره، وميز بعلامة التخصص وقطع التشريك، كقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩].
(جـ) وخطاب مواجهة للنبي ﷺ ، وهو وجميع أمته في المراد به سواء، كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] وكقوله ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] ونحو ذلك من خطاب المواجهة.
ومن هذا الوجه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] فهذا الخطاب غير مختص به ﷺ ، وإنما على القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حذوه في أخذها منهم.
والفائدة في مواجهة النبي ﷺ بالخطاب في مثل هذا أنه هو الداعي إلى الله، والمبين
стр. 82
عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه في الخطاب ليكون سلوك الأمر في شرائع الدين على حسب ما ينهجه ويبينه لهم.
وربما كان الخطاب له مواجهة، والمراد غيره: كقوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ... ﴾ إلى ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ [يونس: ٩٤].
فأما التطهير والتزكية لصاحب الصدقة فإن مخرج الصدقة ينال ذلك بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ في إخراجها، وكل ثواب موعود به على عمل بر في زمنه ﷺ فإنه باق غير منقطع، أما الصلاة عليهم أي الدعاء لهم فإنه يستحب للإمام، وعامل الصدقة أن يدعو للمتصدق بالنماء والبركة في ماله، ويرجى أن يستجيب الله ذلك.
وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل، لأنهم نصبوا القتال، فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، وأقام عليهم الحجة، فلما أصروا قاتلهم.
وهذا هو حكم الإسلام فيهم [أهل بغي وليسوا كفارا] وفي ذلك يقول مالك في الموطأ: "الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده" اهـ.
وليس معنى نفي الكفر عنهم نفيه عن أمثالهم في زماننا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم عذروا لقرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، وعذروا لأنهم كانوا جهالا بأمور الدين.
أما اليوم- وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة، حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل -فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما أجمعت عليه الأمة من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرا، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر، وكان شأنه شأن أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، ودعوته إليه، أما ما كان الإجماع فيه معلوما عن طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وأن القاتل عمدا لا يرث المقتول وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة.
وأما من أقر بوجوب الزكاة وامتنع عن أدائها أخذت منه قهرا، فإن أضاف إلى امتناعه نصب قتال قوتل قتال البغاة.
٢ - وبسط المناظرة أن عمر رأى القتال منفيا بقول: لا إله إلا الله، فإذا قيلت وجب الكف، وهؤلاء المانعون للزكاة يقولونها، ومن قالها عصم نفسه وماله، وكان هذا من عمر ﵁ تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر إلى آخره ويتأمل الاستثناء "إلا بحقه" أو أنه فهم قصر الحق على ما ورد في
стр. 83
الحديث الآخر "الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" فبين له أبو بكر أن الزكاة حق المال، وأن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإبقاء شرائطها. ثم قايس بالصلاة. فقال: أرأيت إذا لم يصلوا؟ وكأن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة، فرد الزكاة إليها، وبذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه.
فاجتمع في هذه القضية احتجاج من عمر بالعموم، واحتجاج من أبي بكر بالقياس، واستقر عند عمر صحة رأي أبي بكر ﵄ وبان له صوابه، فوافقه على قتال القوم، ومن هذا استدل العلماء على أن العموم يخص بالقياس. والظاهر من اعتراض عمر واستدلال أبي بكر ﵄ أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما جاء في الرواية الثانية لأبي هريرة من قوله "ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا ... " الحديث ولا ما جاء في الرواية الرابعة عن ابن عمر من قوله ﷺ "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا." الحديث.
فإن عمر ﵁ لو سمع ذلك لما خالف، ولما احتج بالحديث فإنه بهذه الزيادة حجة عليه.
ولو سمع أبو بكر ﵁ هذه الزيادة لاحتج بها ولم يلجأ إلى القياس، فإنها نص في المطلوب.
والقول بأنهما لم يسمعا هذه الزيادة أولى من القول بأنهما سمعاها ثم نسياها، وأولى كذلك من القول بأن أبا بكر كان يحفظها، ولكنه استظهر بهذا الدليل النظري.
وكل ما يرد على أنهما لم يسمعا هذه الزيادة هو: هل تعدد تحديث الرسول ﷺ بهذا الحديث، مرة بالزيادة ومرة بدونها؟ فسمعه ابن عمر وغيره بالزيادة وسمعاه بدونها؟
أو كان التحديث به مرة واحدة في مجلس واحد، وكانا بعيدين فلم يسمعا ما سمع الآخرون؟ الراجح الأول.
٣ - وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تغنم أموالهم؟ وتسبى ذراريهم كالكفار؟ أو كالبغاة؟ .
فرأى أبو بكر الأول وعمل به، وناظره عمر في ذلك وذهب إلى الثاني، لكنه سلم لأبي بكر في الظاهر، لما يجب عليه من طاعة الإمام، فلما ولي عمر الخلافة عمل بالثاني ورد عليهم السبي، ووافقه المسلمون على ذلك، واستقر الإجماع عليه في حق من جحد شيئا من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل كالباغي، ولم تغنم أمواله، ولم تسب ذراريه، وأقيمت عليه الحجة، فإن رجع فبها ونعمت، وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ.
ويقال: إن "أصبغ" من المالكية استقر على الأول، فعد من ندرة المخالف. قال القاضي عياض: ويستفاد من هذه القصة أن الحاكم إذا أداه اجتهاده في أمر لا نص فيه إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكما، وجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده. اهـ.
стр. 84
وقد اختلف في رد عمر السبي. هل كان نقضا لفعل أبي بكر باجتهاد ثان منه؟ . أو لم يكن نقضا، وإنما فداهم من أيدي مالكيهم بما فتح الله به عليه، وأعتقهم تفضلا وصلة للقرابة؟ .
الأصح الثاني، لأنه لم ينزع من يد أحد شيئا إلا بعوض، ولو كان نقضا لأخذهم من أيدي مالكيهم بدون عوض، ولأنه فعل ذلك بكل من ملك من العرب وقال: ليس على عربي ملك.
٤ - وقد زعم بعض الروافض أن قتال مانعي الزكاة كان عسفا، لأنهم كانوا متأولين في منع الصدقة، ومثل هذه الشبهة تعذرهم وترفع عنهم السيف، واتهموا أبا بكر ﵁ بأنه أول من سبى المسلمين.
وقال الخطابي- ﵀ هؤلاء (الروافض) قوم لا خلاق لهم في الدين وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف، وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافا، منهم من ارتد عن الملة، ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارا، ولذلك رأى أبو بكر ﵁ سبي ذراريهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد علي بن أبي طالب ﵁ جارية من سبي بني حنيفة، فولدت له محمدا الذي يدعى ابن الحنفية، ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى. اهـ.
ويؤخذ من قول الخطابي أن أبا بكر لم يسب ذراري مانعي الزكاة، وقد صرح بهذا في موضع آخر حيث نقل عنه قوله: واتفقوا على أن أبا بكر لم يسب ذراري مانعي الزكاة إلا في شيء روي عن بعض الروافض ولا يعتد بخلافهم. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم.]-
١ - شجاعة أبي بكر، وتقدمه في العلم على غيره، وقد أجمع أهل الحق على أنه من أفضل أمة رسول الله ﷺ .
٢ - جواز مراجعة الأئمة والأكابر للوصول إلى الحق.
٣ - الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطف، والأخذ في إقامة الحجة.
٤ - جواز الحلف على فعل الشيء لتأكيده.
٥ - الاجتهاد في النوازل، وردها إلى الأصول، والرجوع إلى الراجح.
٦ - القياس والعمل به.
٧ - صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه ولو كان عند السيف، ومحل عصمة أموال الكفار بالشهادتين إذا قالوهما قبل حيازة أموالهم، أما بعد حيازتها فلا، على الصحيح.
٨ - استدل النووي بالحديث على أن تارك الصلاة عمدا معتقدا وجوبها يقتل. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الاستدلال نظر، للفرق بين صيغة أقاتل وأقتل، وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله.
стр. 85
وفي قتل تارك الصلاة عمدا خلاف واسع عند الفقهاء، فعند الحنفية يحبس إلى أن يحدث توبة ولا يقتل، وعند أحمد في رواية أكثر أصحابه أن تارك الصلاة عمدا يكفر ويخرج عن الملة، وعليه فحكمه حكم المرتد يقتل ولا يغسل، ولا يصلى عليه، وتبين منه امرأته، وعند الشافعية يقتل حدا لا كفرا، قيل: على الفور، وقيل: يمهل ثلاثة أيام.
٩ - وجوب قتال مانعي الصلاة أو الزكاة.
١٠ - وجوب قتال أهل البغي.
١١ - اشتراط التلفظ بالشهادتين في الحكم بالإسلام، وأن لا يكف عن القتال إلا بالنطق بهما، واعترض بأن أهل الكتاب يترك قتالهم به أو بإعطائهم الجزية، وأجيب بأن الحديث المذكور مقدم على مشروعية أخذ الجزية، وسقوط القتال بها، وقيل: إن المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين، فيحصل في بعض بالقتل وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة، وقيل: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام.
١٢ - قبول توبة الزنديق، وفيها تفصيل وخلاف يطلب في محله.
١٣ - عدم تكفير أهل الشهادة من أهل البدع.
١٤ - الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
١٥ - الرد على المرجئة، حيث زعموا أن الإيمان لا يحتاج إلى الأعمال.
١٦ - أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ﵃ ويطلع عليها آحادهم.
والله أعلم
стр. 86
(١٠) باب وفاة أبي طالب، وما نزل بشأنه
٣٨ - عن سعيد بن المسيب، عن أبيه ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة. جاءه رسول الله ﷺ . فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال رسول الله ﷺ "يا عم! قل: لا إله إلا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ "أما والله! لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله : ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ [التوبة: ١١٣]. وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ [القصص: ٥٦].
٣٩ - عن الزهري بهذا الإسناد مثله. غير أن حديث صالح انتهى عند قوله: فأنزل الله فيه ولم يذكر الآيتين. وقال في حديثه: ويعودان في تلك المقالة. وفي حديث معمر مكان هذه الكلمة. فلم يزالا به.
٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعمه عند الموت "قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة" فأبى. فأنزل الله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦]
٤١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعمه "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" قال لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾
стр. 87
-[المعنى العام]-
توفي والد رسول الله ﷺ وهو حمل في بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب، حتى مات ورسول الله ﷺ في الثامنة من عمره، فكفله عمه أبو طالب، وكان فقيرا كثير العيال، فأنزل محمدا منزلة أعز أبنائه، بل كان يصحبه في أسفاره البعيدة ويترك أولاده، خشية أن يشعر في غيابه بالوحشة ومرارة اليتم، وعلمه التجارة، ثم زوجه خديجة.
ولما بعث ﷺ وقام المشركون يعادونه ويؤذونه وقف أبو طالب يحميه ويدافع عنه، وأرسلت قريش إلى أبي طالب أن يوقف محمدا ﷺ عن دعوته أو يخلي بينهم وبينه ولما قال رسول الله ﷺ قولته المشهورة "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" سانده عمه وشد من أزره، وطمأنه على استمرار حمايته بقولته الخالدة: اذهب يا ابن أخي فقل ما شئت، وادع من شئت فوالله لا أخذلك، ولا أسلمك إليهم أبدا.
ورضي أبو طالب أن تعاديه قريش من أجل محمد ﷺ ، وقبل الحصار الاقتصادي، والمقاطعة الاجتماعية في شعب بني طالب ثلاث سنين من أجل محمد ﷺ .
وما أن نقضت صحيفة المقاطعة، وخرجوا من الشعب حتى مرض أبو طالب مرضه الأخير، فقالت قريش مستهزئة ساخرة: أرسل إلى ابن أخيك يرسل إليك من هذه الجنة التي يذكرها دواء يشفيك.
فلم يعبأ أبو طالب بهذا الاستهزاء وأرسل إلى ابن أخيه يدعوه لجواره في لحظاته الأخيرة، حبا فيه وحنانا عليه، فقدم إليه ﷺ ، فوجد عنده رأسي الشرك أبا جهل وابن أبي أمية.
ورأى ﷺ عمه يحتضر، وكم كان ﷺ حريصا على الخير له، حريصا على مكافأته على جميله، ورد بعض أياديه، وإنها للفرصة الأخيرة، وزمنها ضيق محدود، وإنه ﷺ ليدرك أن وجود هذين الشيطانين سيضعف وصوله إلى قلب عمه، وحبذا لو لم يكونا في هذا المجلس، ولكنه ماذا يفعل؟ الدقائق تمضي، واللحظات الحاسمة قريبة، فليتعلق بالأمل رغم العقبات، وليحاول رغم الصعاب، وليبذل غاية جهده من أجل مصير عمه، كما ضحى عمه بالكثير من أجل مصيره.
فقال: يا عم، إنك أعظم الناس علي حقا، وأحسنهم عندي يدا، ولأنت أعظم عندي حقا من والدي، فقل كلمة صغيرة، خفيفة على اللسان، أشفع لك بها عند ربي يوم القيامة. قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أضمن لك بها الجنة.
وخاف الشيطانان أن يلين قلب أبي طالب لابن أخيه، وأحسا منه ترددا أو ميلا، فقالا: يا أبا طالب. أترغب عن دين أبيك في آخر حياتك؟ أتترك ملة عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ : يا عم،
стр. 88
قل الكلمة أشهد لك بها عند الله، فقال الشيطانان: يا أبا طالب، أنت فينا من قد علمت، وأنت الرشيد، فلا تترك دين أبيك.
فنظر أبو طالب إلى ابن أخيه نظرة إشفاق وقال له: يا ابن أخي. لولا أن يكون عارا لم أبال أن أفعل.
فكرر رسول الله ﷺ عرض كلمة التوحيد، فكرر الشيطانان الصد عن سبيل الله، فأعاد أبو طالب مقالته: يا ابن أخي، لولا أن تعير بها. فيقال: جزع عمك وخاف من الموت فقالها، لقلتها، وأقررت بها عينيك.
ولم يزل رسول الله ﷺ يعرض عليه كلمة التوحيد، ولا يزالان به يحميانه ويثيران أنفته حتى كانت آخر كلمة تكلم بها قوله: هو على ملة عبد المطلب. فقال ﷺ تطييبا لخاطره. ووفاء لفضله: والله لأستغفرن لك ربي وأدعوه من أجلك ما حييت، ما لم أنه عنك. ونزعت روحه من جسده وأحس ﷺ بالأسى والأسف العميقين، فوجهه القرآن الكريم إلى التسليم لله، والرضى بقضائه، ولو كان على غير هواه، فقال له جل شأنه: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ [القصص: ٥٦] وطمع ﷺ في فضل الله، فأخذ يستغفر لعمه بعد وفاته، كما أخذ يستغفر لأمه وأبيه، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قرابتنا؟ قد استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه، ومحمد ﷺ لأمه وأبيه وعمه، فأنزل الله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ [التوبة: ١١٣].
-[المباحث العربية]-
(لما حضرت أبا طالب الوفاة) بتقديم المفعول به على الفاعل، والمراد من حضور الوفاة قربها، ففيه مجاز المشارفة، أو حضور دلائلها وعلاماتها، ففيه مجاز بالحذف.
(يا عم) "عم" منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، فهو منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا.
(قل: لا إله إلا الله) قيل: إن كلمة التوحيد كناية عن الشهادتين شرعا، لأنه لا يثبت حكم الإسلام إلا بهما، وقال ابن المنير: قول "لا إله إلا الله" لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعا. وقال بعضهم: يحتمل أنه لم يسأله إلا كلمة التوحيد، لأنه كان يعلم صحة رسالته ﷺ . وهذا القول ضعيف.
(كلمة) منصوبة على البدل من مقول القول، أو على الاختصاص، ويصح رفعها على أنها خبر لمبتدأ محذوف.
стр. 89
(أشهد لك بها) الجملة في محل النصب أو الرفع صفة "كلمة" وفي رواية "أحاج لك بها عند الله تعالى".
(أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، أي لا ينبغي أن ترغب عن ملة عبد المطلب، ولم يقولا له: لا تفعل، خشية معاندتهم أنفة، فإن نفس الأبي تنفر من النهي المباشر من النظير والمساوي.
والظاهر أن هذا القول لأحدهما، وعد رضى الآخر مشاركة فيه فنسب إليهما.
(يعرضها عليه) بفتح الياء وكسر الراء، أي يعرض كلمة التوحيد على أبي طالب، أي يطلب منه النطق بها.
(ويعيد له تلك المقالة) ظاهر العبارة أن فاعل "يعيد" يرجع إلى رسول الله ﷺ فالمراد من المقالة قوله "أشهد لك بها عند الله" أو "أحاج لك بها عند الله تعالى"، وقيل: إن ضمير الفاعل لأبي طالب، أي ويعيد أبو طالب رده، وهذا بعيد، لأن رد أبي طالب لم يسبق ذكره في الحديث. وفي نسخة "ويعيدان له تلك المقالة" على التثنية لأبي جهل وابن أبي أمية، قال القاضي عياض: وهذا أشبه.
(آخر ما كلمهم) "ما" مصدرية، أي آخر تكليمه لهم، أو موصولة أي آخر الذي كلمهم به.
(هو على ملة عبد المطلب) الظاهر أن نص عبارة أبي طالب: أنا على ملة ... فغير الراوي ضمير المتكلم استقباحا للفظ المذكور. وهذا من محاسن التعبير.
(أما والله لأستغفرن لك) "أما" حرف تنبيه، وقيل: بمعنى حقا، وفي بعض النسخ "أم" بفتح الميم مع حذف الألف، قال النووي: وكلاهما صحيح. وفي كتاب الأمالي: "ما" المزيدة للتوكيد، ركبوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين: أحدهما أن يراد به معنى "حقا" كقولهم: أما والله لأفعلن، والآخر أن يكون افتتاحا للكلام بمنزلة "ألا" كقولك: أما إن زيدا منطلق، وأكثر ما تحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم.
(ما لم أنه عنك) "ما" مصدرية زمانية، أي لأستغفرن لك مدة عدم نهي عنك، وفي رواية "ما لم أنه عنه" أي عن الاستغفار.
﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ خبر بمعنى النهي أي ما ينبغي لهم، قال الثعلبي: قال أهل المعاني: "ما" تأتي في القرآن على وجهين: بمعنى النفي مثل قوله تعالى ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ [النمل: ٦٠] والآخر بمعنى النهي كقوله تعالى ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ [الأحزاب: ٥٣].
(ولو كان ذا قربى) الواو للحال. وجواب "لو" محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: لو كان المشركون أولي قربى فلا ينبغي الاستغفار لهم.
стр. 90
(وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ "فقال" تفسير لأنزل، والآية مقصود لفظها تنازعها الفعلان.
﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ مفعول "أحببت" محذوف، والتقدير: من أحببته لقرابته ودفاعه عنك، أو من أحببت هدايته.
(لولا أن تعيرني قريش) أي لولا أن تقبحني قريش، وتسند إلي العار.
(يقولون) بواو الجماعة العائد على قريش باعتبار معناه وأفراده، والجملة بيان للتعبير.
(إنما حمله على ذلك الجزع) بالجيم والزاي، وهو الخوف من الموت، ونقله بعض أهل اللغة "الخرع" بالخاء والراء المفتوحتين، وهو الضعف والخور.
(لأقررت بها عينك) معنى أقر الله عينه، بلغه أمنيته. حتى ترضى نفسه، وتقر عينه فلا تستشرف لشيء، وقيل: معناه: أبرد الله دمعته، لأن دمعة الفرح باردة، وقيل: معناه أراه الله ما يسره.
-[فقه الحديث]-
جمهور العلماء، والرأي المعتمد أن "أبا طالب" مات مشركا، وهذا الحديث نص في ذلك وتؤيده الآية الكريمة، ولا يلتفت إلى القول بأنه مات مؤمنا، اعتمادا على ما روي من أن العباس قال: (والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرت بها يا رسول الله) لأن النبي ﷺ قال له: لم أسمعها، على أن العباس قال ذلك قبل أن يسلم، ولو أداها بعد الإسلام لقبلت منه.
كما أنه لا يلتفت إلى قول القرطبي: وقد سمعت أن الله تعالى أحيا عمه أبا طالب فآمن به.
فإن قيل: جاء في بعض السير: أن أبا طالب كان مصدقا بقلبه، وفي صحة إيمان المصدق بقلبه دون أن ينطق بلسانه خلاف، فهل يدخل إيمان أبي طالب في هذا الخلاف ويعد مؤمنا عند من يعتد بذلك؟ .
أجيب بأنه لا يدخل عند أي من المختلفين، لأن محل الخلاف ما لم يعلن نقيض الإيمان وأبو طالب صرح بالنقيض في قوله "هو على ملة عبد المطلب" وقد استشكل على رواية "أحاج لك بها عند الله تعالى" أن أبا طالب لو قالها لم يحتج الأمر إلى محاجة، وفي هذا يقول ابن بطال: أي محاجة يحتاج إليها من وافى ربه بما يدخله الجنة؟
وأجيب بأنه يجوز أن يكون أبو طالب حينئذ قد عاين أمر الآخرة، وأيقن بالموت وصار في حالة لا ينفع معها الإيمان، مصداقا لقوله تعالى ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨].
стр. 91
لكن الرسول ﷺ مع هذه الحالة رجا له إن قال: لا إله إلا الله، وأيقن بنبوته، أن يشفع له بذلك، ويحاج له عند الله تعالى في أن يتجاوز عنه، ويقبل منه إيمانه في تلك الحالة، ويكون ذلك خاصا بأبي طالب وحده لمكانته من حمايته للرسول ﷺ ومدافعته عنه.
قال القاضي عياض: وليس هذا بصحيح، فإن محاورته للرسول ﷺ ولمشركي قريش في تلك اللحظة دليل على أنه كان قبل النزع وقبل معاينة أمور الآخرة. اهـ.
والجواب الصحيح أن المراد من المحاجة الشهادة جمعا بين النصوص والروايات، وهذه الشهادة عامة في أمة الإجابة، مصداقا لقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: ١٤٣].
والظاهر أن الرسول ﷺ بنى استغفاره لأبي طالب بعد أن امتنع عن الإقرار بالتوحيد ومات على ذلك، بناه على اجتهاد منه ﷺ مقتديا بإبراهيم ﵇ في استغفاره لأبيه.
وأن الآية الكريمة إنما نزلت على سبيل النسخ لا للتبيين، لأنه ﷺ في اجتهاده معصوم على الأصح.
وقد حمل ابن المنير استغفار الرسول ﷺ لأبي طالب وقوله له: "والله لأستغفرن لك" حمله على طلب تخفيف العذاب، لا على طلب المغفرة العامة، والمسامحة بذنب الشرك.
وهاجمه الحافظ ابن حجر بشدة، وقال: هذه غفلة شديدة من ابن المنير، لأن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم ترد، وطلبها لم ينه عنه، وإنما وقع النهي عن طلب المغفرة العامة.
وقال: وإن النبي ﷺ لم يترك الشفاعة، وطلب التخفيف، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره من المشركين.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع.
٢ - نسخ جواز الاستغفار للمشركين.
٣ - من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم.
٤ - جواز الحلف من غير استحلاف.
والله أعلم
стр. 92
(١١) باب من مات على التوحيد دخل الجنة
٤٢ - عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة".
-[المعنى العام]-
المؤمن الكيس من جمع بين الخوف والرجاء، يخاف الخاتمة والمصير وعدل ربه، وحسابه على ما قدمت يداه "وكل ابن آدم خطاء" ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٣٠].
ويرجو رحمة ربه التي وسعت كل شيء، ويطمع في فضله وإحسانه وجوده ﴿وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٤، ١٥].
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التي تبعث الخوف في نفوس المؤمنين فتدفع إلى العمل، وتقوي العزائم، وتشحذ الهمم، يقول جل شأنه: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٤ - ٧] ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ [المطففين: ١ - ٥] ﴿ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم موصدة في عمد ممددة﴾ [الهمزة: ١ - ٩] ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥].
ويقول ﷺ "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" ومر ﷺ على قبرين، فقال "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس".
كما جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التي تنشر الطمع والرجاء في عفو الله،
стр. 93
وتجعل أبواب الجنة مفتوحة أمام عامة المؤمنين، وأبواب النار محجوبة عمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
يقول جل شأنه: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣].
ويقول في الحديث القدسي "عبدي، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة".
ويقول ﷺ : "يا معاذ بشر الناس أنه من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ "أتاني آت من ربي، فأخبرني - أو قال بشرني- أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، رغم أنف أبي ذر".
كما جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التي تجمع بين الخوف والرجاء يقول في صفة المؤمن الحق: ﴿يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه﴾ [الزمر: ٩].
ويقول سبحانه: ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾ [غافر: ٣].
وبهذا يرسم الإسلام الطريق الصحيح، خوف يجعل السابقين لا يأمنون العاقبة، ويدفع عمر بن الخطاب (وهو المبشر بالجنة وقصورها وحورها) إلى أن يقول: لئن نادى مناد أن كل الناس يدخلون الجنة إلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الواحد، ويدفع أبا بكر (حبيب حبيب الله) إلى أن يقول: لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمي في الجنة.
ورجاء يجعل العاصي الذي لم يعمل خيرا قط من أهل الجنة لمجرد أنه خرج من بلد المعصية قاصدا بلد الطاعة، فمات في وسط الطريق، فكان أقرب إلى بلد الطاعة منه إلى بلد المعصية بشبر واحد، نعم الطريق الصحيح خوف ورجاء وعمل وأمل.
فمن اقتصر على الخوف وأنكر الرجاء كان قانطا من رحمة الله، يائسا من روح الله و ﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧].
ومن اقتصر على الرجاء، وطرح الخوف من الله وحسابه كان جاهلا مغترا، مستهترا بوعيد الله.
وما أحسن جواب وهب بن منبه حين قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال بلى. ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك، وما أسنان المفتاح إلا العمل مع الإيمان.
جعلنا الله من المؤمنين العاملين الراجين الخائفين، إنه سميع قريب مجيب الدعاء رب العالمين.
стр. 94
-[المباحث العربية]-
(وهو يعلم) جملة حالية، والعلم هو الإدراك الجازم، والمقصود لازم العلم من النطق بما علم والعمل بموجبه جمعا بين النصوص.
-[فقه الحديث]-
في معنى الحديث وردت أحاديث كثيرة بألفاظ مختلفة، منها قوله ﷺ "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وقوله ﷺ "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة" وقوله "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك إلا دخل الجنة" وقوله "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" وقوله لأبي هريرة "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة" وقوله "حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله يبغي بذلك وجه الله".
ولما كان موضوع هذه الأحاديث يتعلق بالعصاة من المسلمين كان من الضروري بيان المذاهب في حكمهم، وموقف كل مذهب من هذه الأحاديث ونحوها فنقول:
أولا: ذهب الخوارج إلى أن المعصية تضر الإيمان وتجعل صاحبها كافرا مخلدا في النار، وإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
ثانيا: ذهب المعتزلة إلى أن العاصي بالكبيرة مخلد في النار، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا بأنه كافر، وإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وهذه الأحاديث تدفع هذين المذهبين، وتردهما.
ثالثا: ذهب غلاة المرجئة إلى أن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وهذه الأحاديث وإن كان ظاهرها في مجموعها يوافقهم لكن في بعضها ما يرد عليهم، فقوله ﷺ "غير شاك" وقوله "مستيقنا بها قلبه" وقوله في حديث الباب "وهو يعلم أن لا إله إلا الله" كل هذه النصوص ترد ما ذهبوا إليه، وتوجب اعتقاد القلب.
رابعا: قال بعضهم: إن مجرد معرفة القلب نافعة، وإن لم ينطق بالشهادتين وظاهر حديث الباب يؤيده إذ يقول ﷺ "من مات وهو يعلم" لكن يعارضه لفظ "من كان آخر كلامه"، و"من قال" الوارد في الأحاديث الأخرى، فجمعا بين الأحاديث، وعملا بقوله ﷺ "يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه" وجب القول بأ نه لا ينفع الاعتقاد وحده، ولا ينفع النطق وحده.
خامسا: مذهب أهل السنة (وهو الذي يعنينا، وهو الذي نحرص على عدم تعارضه مع الأحاديث،
стр. 95
لأنه الذي نؤمن بأنه الحق) يقولون: إن العاصي الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله مستيقنا بها قلبه هو مؤمن وإن ارتكب الكبائر، ومصيره الجنة وإن لم يغفر له، وأنه وإن عذب بالنار لمعاصيه، فلا بد من إخراجه منها وإدخاله الجنة بإيمانه، ويقولون: بما أن النصوص تظاهرت، ودلت دلالة قطعية على أن بعض العصاة المؤمنين يعذبون، فإنه ينبغي أن لا تؤخذ أحاديث الباب على ظاهرها، ولا على عمومها، وأنه ينبغي أن تحمل محملا يتفق والنصوص المتظاهرة القطعية.
وللوصول إلى هذه الغاية تعددت توجيهاتهم، فمنهم من قال:
١ - إن هذه الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض، وينسب هذا القول إلى ابن المسيب، كما يعزى إلى ابن شهاب قوله: ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نرى الأمر قد انتهى، فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغتر.
وفي هذا القول نظر، بل قال النووي: إنه ضعيف باطل، لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت أحكام الشريعة مستقرة، وكانت الصلاة وأكثر الواجبات قد تقرر فرضها.
٢ - وقال بعضهم: إن مطلق هذه الأحاديث مقيد بمن عمل عملا صالحا لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ [الكهف: ١٠٧]، ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠].
٣ - وقال بعضهم: إن مطلق هذه الأحاديث مقيد بمن شهد تائبا مقبول التوبة ثم مات على ذلك.
٤ - وقيل: إن أحاديث الباب خرجت مخرج الغالب. إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعات ويجتنب المعاصي، فكأنه قال: الغالب والشأن فيمن قال: لا إله إلا الله مخلصا أن يدخل الجنة وتحرم عليه النار.
٥ - وأظهر الأقوال وأحراها بالقبول أن المراد من دخول الجنة في الأحاديث أنه المآل عاجلا أو آجلا، من غير دخول النار للبعض، وبعد دخول النار للبعض الآخر، من غير دخول النار لمن مات تائبا، أو سليما من المعاصي، أو شمله عفو الله ورحمته، وبعد دخول النار لمن أخذ بذنبه.
والمراد من تحريم النار الوارد في الأحاديث بالنسبة إلى البعض المؤاخذ بذنبه تحريم خلوده فيها، لا أصل دخولها.
أو المراد بالنار المحرمة النار المعهودة المعدة للكافرين، لا الطبقة التي أفردت لعصاة المؤمنين.
أو المراد تحريم النار على بعضه لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد - كذا قيل-.
والاقتصار في بعض الأحاديث على شهادة أن لا إله إلا الله يحتمل أنه من تقصير
стр. 96
الرواة في الحفظ والضبط، لا من رسول الله ﷺ ، بدليل مجيئه بالشهادتين تاما في أحاديث أخرى. كذا قال ابن الصلاح، ويجوز أن يكون اختصارا من رسول الله ﷺ وأن هذه الشهادة كناية عن الشهادتين، لأنها شرعا مستلزمة للأخرى، إذ من كذب رسول الله ﷺ فقد كذب الله فهو مشرك، أو الكلام من قبيل قولهم: من توضأ صحت صلاته، أي مع سائر الشرائط المعتبرة، فهو من باب الاكتفاء للعلم بالمحذوف.
وتحريم النار على بعض المؤمنين ودخولهم الجنة دون عذاب لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] أي وارد النار، لأن المراد من الورود المرور على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم، ولا يلزم من المرور عليها العذاب بها.
-[ويؤخذ من الحديث.]-
١ - أن أصحاب الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار.
٢ - أن كل الموحدين يدخلون الجنة.
٣ - أن غير الموحدين لا يدخلون الجنة.
والله أعلم
стр. 97
(١٢) باب زيادة فضلة الطعام ببركة دعاء النبي ﷺ
٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في مسير. قال فنفدت أزواد القوم قال حتى هم بنحر بعض حمائلهم. قال فقال عمر: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها. قال ففعل. قال فجاء ذو البر ببره. وذو التمر بتمره. قال (وقال مجاهد وذو النواة بنواه) قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء. قال فدعا عليها. حتى ملأ القوم أزودتهم. قال فقال عند ذلك "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة".
٤٤ - عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد (شك الأعمش) قال: لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة. قالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله ﷺ " افعلوا" قال فجاء عمر، فقال: يا رسول الله! إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم. ثم ادع الله لهم عليها بالبركة. لعل الله أن يجعل في ذلك. فقال رسول الله ﷺ "نعم" قال فدعا بنطع فبسطه. ثم دعا بفضل أزوادهم. قال فجعل الرجل يجيء بكف ذرة. قال ويجيء الآخر بكف تمر. قال ويجيء الآخر بكسرة. حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. قال فدعا رسول الله ﷺ عليه بالبركة. ثم قال "خذوا في أوعيتكم" قال فأخذوا في أوعيتهم. حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه. قال فأكلوا حتى شبعوا. وفضلت فضلة. فقال رسول الله ﷺ "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك فيحجب عن الجنة".
-[المعنى العام]-
في شهر رجب سنة تسع من الهجرة، وقبيل حجة الوداع بلغ المسلمين أن الروم جمعوا جموعا لقتالهم، فندب النبي ﷺ الناس إلى ملاقاتهم، وكان المسلمون في ضيق من العيش، فاستعدوا بقليل الزاد الذي يملكون، ورأى عثمان شدة المسلمين وعسرتهم، وكان قد جهز عيرا إلى الشام فقال: يا رسول الله، هذه مائة بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية.
فقال رسول الله ﷺ : ما يضر عثمان ما عمل بعدها.
стр. 98
ومع هذه المعونة الكبرى خرج المسلمون في قلة من الظهر، ركبانهم بالنسبة لمشاتهم ندرة وقليل، والوقت صيف والحر شديد.
وبهذه الحالة قطعوا أربع عشرة مرحلة. في اتجاه دمشق، حتى وصلوا إلى موضع سمي "تبوك".
وصلوا وقد بلغ بهم الجهد، واشتد بهم العطش، ولم يسعفهم ماء عين تبوك الناضبة، فكانوا ينحرون البعير، فيشربون ما في كرشه من الماء.
فطلب الرسول ﷺ قليلا من ماء عين تبوك، فغسل وجهه ويديه بشيء منه، ثم أعاده فيها، فجرت العين، فاستقى الناس، وانفرجت عسرة الماء، ولكن ما لبثوا بعد ذلك أن خفت أزوادهم.
ونفد طعام أكثرهم، وأملقوا، وأصابتهم مجاعة كبرى، ولجئوا إلى النوى بعد نفاد التمر يمصون النواة كغذاء، ويشربون عليها الماء.
وهب الناس إلى رسول الله ﷺ يستأذنونه في ذبح ما تبقى لديهم من إبلهم التي يركبونها وينضحون عليها الماء. قالوا: يا رسول الله: لو أذنت لنا ذبحنا إبلنا، فسددنا منها رمقنا، وادخرنا للشدة ما يمكن ادخاره من لحم ودهن.
ولم ير رسول الله ﷺ منقذا - من هذه الضائقة - إلا أن يأذن لهم، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
ورأى عمر الناس يعقلون إبلهم لنحرها، فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: استأذنا رسول الله ﷺ في نحرها، فأذن لنا، فقال: وما بقاؤكم بعد إبلكم؟ أمسكوا حتى ألقى رسول الله ﷺ .
ودخل عمر فزعا على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله ما بقاء الناس بعد إبلهم؟ فسكت رسول الله ﷺ وكأنه يقول: وماذا ينقذ الناس غير ذلك؟ - وتذكر عمر ما كان من جريان عين تبوك بعد نضوب، وهو يؤمن بمعجزات النبي ﷺ ويطمع في رحمة الله لإنقاذ المسلمين على يد نبيه، فقال: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم وطعامهم، فدعوت الله عليها بالبركة لكان ذلك خيرا.
وسكت الرسول ﷺ للمرة الثانية، إنه لم يكن يغيب عنه ما أشار به عمر، بل كان يؤمن بأن الله لن يخيب رجاءه إذا رجاه، ولكنه ﷺ كان يقصد تعويد الأمة على الاعتماد على نواميس الحياة دون خوارق العادات، أما وقد طلبت المعجزة - من عمر - فالطريق الموافقة عليها والاستجابة لطالبها.
فقال: نعم يا عمر. ناد في الناس فليأتوا ببقايا أطعمتهم، ثم مد فراش الطعام ليلقوا عليه ما يجمعون.
فنادى عمر: فجعل الرجل يلقي بما يملأ الكف من الذرة، والآخر يلقي بما يملأ الكف من القمح، والآخر يلقي بما يملأ الكف من التمر، والآخر يلقي بالكسرة التي يملكها، حتى صاحب النوى ألقى بنواه، فاجتمع على النطع من ذلك كله شيء يسير.
فقام رسول الله ﷺ فدعا وبرك عليه.
стр. 99
ثم قال: هاتوا أوعيتكم فخذوا فيها، فجاء كل بأوعيته فملأ، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئ، وفضلت فضلة كبيرة، وبقي على النطع قدر ما أخذ الناس.
فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، سرورا بإكرام ربه له ولأمته، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يموت عبد وهو يشهد هاتين الشهادتين، لا يشك فيهما إلا دخل الجنة، لا يحجبه عنها ولا يمنعه منها ما عمل من سوء.
عفا الله عنا بفضله وكرمه وجعلنا من أهلها، إنه عفو كريم حليم.
-[المباحث العربية]-
(في مسير) أي في سفر، وقد بينته الرواية الثانية بأنه كان في غزوة تبوك، وهي غزوة العسرة، و"تبوك" ممنوع من الصرف على المشهور للعلمية والتأنيث ومن صرفه أراد الموضع، وهو في نصف الطريق بين المدينة ودمشق.
(فنفدت أزواد القوم) أي كادت تنفد، أو نفدت أزواد أكثر القوم، ففيه مضاف محذوف، بدليل جمع ما بقي من أزوادهم، ونفد الزاد من باب سمع فنى وذهب، والزاد طعام السفر والحضر جميعا والجمع أزواد، وعلى غير القياس أزودة.
(حتى هم بنحر بعض حمائلهم) فاعل "هم" ضمير يعود على النبي ﷺ والهم وسط بين العزم والخطرات التي لا تندفع، و"الحمائل" الإبل يحمل عليها، واحدها حمولة بفتح الحاء.
وروى "جمائلهم" بالجيم بدل الحاء جمع "جمالة" بكسرها، جمع جمل، وهو الذكر دون الناقة، قال ابن الصلاح: وكلاهما صحيح.
(لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها) "لو" هنا للعرض ويصح أن تكون حرف شرط غير جازم، وجوابها محذوف، تقديره لكان خيرا.
(ففعل) أي فوافق على الفعل، يؤيد ذلك ما جاء في الرواية الثانية وقال: نعم.
(وذو النواة بنواه) هو هكذا في الأصل، وكان الظاهر أن يقول "وذو النوى بنواه" على طريق الجمع، كما قال "ذو التمر بتمره" بالجمع، وخرجه بعضهم بأن المراد من النواة جملة من النوى أفردت عن غيرها كما أطلق اسم الكلمة على القصيدة، أو أن تكون النواة من قبيل ما يستعمل في الواحد والجمع.
(كانوا يمصونه) بفتح الميم في اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فيها الضم.
(حتى ملأ القوم أزودتهم) الأزودة جمع زاد، وهي لا تملأ، وإنما تملأ أوعيتها، ففي
стр. 100
الكلام مضاف محذوف، ويحتمل أنه سمى الأوعية أزوادا على سبيل المجاز المرسل من إطلاق الحال وإرادة المحل، وأطلق عليه الأبي: مجاز المجاورة، كتسمية النساء ظعائن، وإنما الظعائن الهوادج التي تحملهن.
(عبد غير شاك) هو بنصب "غير" في الأصول على الحال من النكرة باعتبار أن التنوين مخصص قائم مقام الوصف والتقدير: عبد آت بهما غير شاك.
(عن أبي هريرة -أو عن أبي سعيد- شك الأعمش) شك الأعمش غير قادح في متن الحديث، فإنه شك في عين الصحابي، والصحابة كلهم عدول.
(لما كان يوم غزوة تبوك) المراد من اليوم الزمن والوقت، لا اليوم نفسه، ولفظ "يوم" فاعل "كان" لأنها تامة، وليس في كثير من الأصول ذكر "يوم".
(أصاب الناس مجاعة) المجاعة بفتح الميم الجوع الشديد.
(فنحرنا نواضحنا) النواضح من الإبل التي يستقى عليها، قال أبو عبيد: الذكر منها ناضح والأنثى ناضحة.
(فأكلنا وادهنا) ليس المقصود الادهان المعروف بطلاء الجسم، وإنما المراد اتخذنا دهنا من شحومها.
(إن فعلت قل الظهر) المراد بالظهر الدواب، سميت ظهرا لكونها يركب على ظهورها، أو لكونها يستظهر بها ويستعان بها على السفر.
(لعل الله يجعل في ذلك) مفعول "يجعل" محذوف للعلم به" والتقدير أن يجعل في ذلك خيرا وبركة.
(فدعا بنطع) فيه أربع لغات مشهورة: فتح الطاء وسكونها مع كسر النون وفتحها وهو ما يبسط للطعام.
(ثم دعا بفضل أزوادهم) أي بقاياهم.
(بكف ذرة) أي بما يعادل ما يملأ الكف، والإضافة بمعنى "من".
(وفضلت فضلة) فعل "فضل" فيه فتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان.
-[فقه الحديث]-
تكثير القليل من أعلام نبوته ﷺ ، وهو في حكم المتواتر حيث أخبر الصحابي عن
стр. 101
واقع مشاهد أمام ملأ منهم، ولم ينكروه مع أنهم لا يقرون منكرا، فينزل مثله منزلة المتواتر، لأن سكوتهم كالنطق.
ثم الأظهر أن التكثير إنما وقع في النوع الذي يقتات به غالبا كالذرة والبر، والتمر والكسرة، بخلاف النوى، فإنه لا يقتات به إلا عند الضرورة وقد زالت.
وقال بعضهم: لا مانع من تكثيره لعلف الرواحل، وهو توجيه حسن.
أما كيفية التكثير فيحتمل أنها كانت بإعادة أمثال ما يرفع أو بتضعيف المثال وزيادة الكمية دفعة واحدة، والأول أولى بالقبول حيث لم يتعرض الرواة لعظم الكمية، ولو صح الاحتمال الثاني لقالوا مثلا: فكثر اليسير حتى صار مثل الجبل.
ويشهد لهذا الترجيح قوله في الرواية الثانية "وفضلت فضلة".
وقد جاء في الرواية الأولى أن الرسول ﷺ هم بنحر بعض حمائلهم، وفي الرواية الثانية أنهم استأذنوه في نحرها فأذن، وجمع بينهما باحتمال أنهم استأذنوه أولا فأذن ثم هم.
ولم يكن همه ﷺ بوحي، وإلا لما حصل من عمر ما حصل وإنما كان باجتهاد منه ﷺ ، مستندا إلى مراعاة المصالح وتقديم الأهم فالأهم، واحتمال أخف الضررين.
ولم يكن قول عمر اعتراضا منه على تصرف الرسول ﷺ ، بل هو عرض لما ظهر له أنه مصلحة، ليرى الإمام فيه رأيه.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - حسن خلقه ﷺ ، وإجابته إلى ما يلتمس منه أصحابه وإجراؤهم على العادة البشرية.
٢ - جواز المشورة مع الإمام بالمصلحة وإن لم يطلبها، وجواز عرض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحة.
٣ - منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب ﵁ دالة على قوة ثقته بإجابة دعاء الرسول ﷺ .
٤ - جواز خلط المسافرين أزوادهم، وأكلهم منها مجتمعين وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد نص بعض الفقهاء على أن ذلك سنة.
وقد اعترض على أخذ هذا الحكم من الحديث، بأن الذي حصل جمع خاص للضرورة على أن الأكل لم يكن من الأزودة، بل من الزيادة ولا حق لأحد فيها.
٥ - أن الأزودة والمياه إذا قلت كان للإمام أن يجمع ما بقي منها ويطعمهم منه بالسوية، دون نظر إلى من يملك أكثر أو يأكل أكثر واعترض على هذا المأخذ بنفس الاعتراض السابق.
٦ - حسن آداب خطاب العظماء والسؤال منهم، فيقال: لو فعلت كذا أو أمرت بكذا، أو أذنت بكذا، فهذا أجمل من قولهم للكبير: افعل كذا بصيغة الأمر.
стр. 102
٧ - أنه لا ينبغي للجيش أن يتصرفوا في دوابهم، ولا في أدواتهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحة، أو خاف مفسدة ظاهرة.
٨ - أخذ بعضهم من الحديث وقوع النسخ قبل الفعل، لأن إذنه الأول إباحة، والإباحة حكم شرعي، فرفعها نسخ.
٩ - فيه حجة لأهل السنة أن من مات على الشهادتين دخل الجنة، وقد تقدم تفصيل هذا الموضوع والمذاهب فيه في الحديث السابق.
والله أعلم
стр. 103
(١٣) باب من شهد أن لا إله إلا الله حرم الله عليه النار
٤٥ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء".
٤٦ - عن عمير بن هانئ في هذا الإسناد بمثله. غير أنه قال "أدخله الله الجنة على ما كان من عمل" ولم يذكر "من أي أبواب الجنة الثمانية شاء".
٤٧ - عن الصنابحي، عن عبادة بن الصامت، أنه قال: دخلت عليه وهو في الموت، فبكيت. فقال: مهلا. لم تبكي؟ فوالله! لئن استشهدت لأشهدن لك. ولئن شفعت لأشفعن لك. ولئن استطعت لأنفعنك. ثم قال: والله! ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه. إلا حديثا واحدا. وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي. سمعت رسول الله ﷺ يقول "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. حرم الله عليه النار".
-[المعنى العام]-
مرض عبادة بن الصامت مرضه الأخير، وهو الصحابي المعروف، كان أحد النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة، وشهد بدرا والمشاهد كلها، وقد أرسله عمر إلى الشام ليعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، ومرض مرضه الأخير ببيت المقدس سنة خمس وأربعين هجرية، وذهب لعيادته التابعي الجليل عبد الله الصنابحي، فوجده في شدة الموت وكربه فتذاكرا أمر القدوم على الله، وفكر الصنابحي في اليوم الذي سينام فيه نومة عبادة، وفي انقطاع عمله، وإقباله على ربه ليس معه إلا ما قدمت يداه من عمله فبكى.
عندئذ أحس عبادة أن الخوف قد استولى على الصنابحي، وأنه يحتاج إلى دفعات من الرجاء
стр. 104
ليحفظ توازنه، ويعود إليه اطمئنانه لعفو ربه، فقال له- وهو يبتسم ابتسامة الراضي بقضاء الله، المؤمل في فضله وإحسانه:
مهلا يا صنابحي، رفقا بنفسك، لم تبكي ورحمة الله وسعت كل شيء؟ وما علمت عنك إلا إيمانا راسخا، وعملا صالحا، والله لئن طلبت شهادتي لشهدت لك بالخير، ولئن أذن لي بالشفاعة لأحد لشفعت لك، ولئن أوتيت استطاعة نفع لنفعتك.
طب نفسا، وقر عينا يا صنابحي، فسأحدثك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، يفتح باب الأمل للمؤمن على مصراعيه، ويملأ قلبه اطمئنانا لفضل الله.
لم أحدث به قبل اليوم خشية اتكال الناس، وتقاصر هممهم عن التنافس في العمل الصالح، أما وقد قربت ساعتي، ودنت منيتي، فإن من الواجب علي أن أؤدي الأمانة، وأبلغ ما تحملت، وما كتمت عنكم حديثا سمعته، لكم فيه خير ومصلحة سوى هذا الحديث، وسأحدثكم به.
سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام، وتبرأ من قول النصارى: المسيح ابن الله، فأقر بأن عيسى عبد الله، وأن مريم أمة الله، وتبرأ من اتهام اليهود لمريم وعيسى فشهد بأنه كان بكلمة "كن"، وأنه نفخ فيه الروح بدون أب، وتبرأ ممن ينكرون حساب الآخرة، فأقر بأن الجنة حق ثابت، وأن النار حق كائن.
من شهد بهذا وأقر به حرم الله عليه النار، وأدخله الجنة مهما قصر من عمل، وفتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
-[المباحث العربية]-
(وحده) منصوب على الحال بعد تأويله بمشتق أي متوحدا أو منفردا، وقد وقعت حالا مع كونها معرفة بإضافتها إلى الضمير من قبيل المسموع الذي لا يقاس عليه، وقال بعض النحاة: إن كلمة "وحد" لفظ مبهم لا يكتسب التعريف، وهذا القول ضعيف.
(لا شريك له) حال أخرى، وهي في معنى الحال الأولى، فتكون مؤكدة لها.
(وأن عيسى عبد الله وابن أمته) عطفه على ما قبله من عطف الخاص على العام لمزيد اعتناء به لما عرض فيها من الجهالات، فتذكر الشهادتين مع تحقق معناهما على ما يجب يتضمن جميع ذلك.
(وكلمته) سمي عيسى كلمة لأنه كان بكلمة "كن" فحسب، من غير أب بخلاف غيره من بني آدم. قال الهروي: سمي كلمة لأنه كان عن الكلمة فسمي بها، كما يقال للمطر رحمة.
стр. 105
(وروح منه) أي رحمة من الله، أو المقصود من الروح ما به الحياة. ومعنى أن عيسى روح الله أنه مخلوق من عند الله، وحيث إن جميع المخلوقات من عنده سبحانه، فإن الإضافة في "روح الله" إضافة تشريف كناقة الله وبيت الله.
(وأن الجنة حق وأن النار حق) الحق كل موجود متحقق، وكل ما سيوجد لا محالة.
(شاء) الفاعل يعود على من شهد أن لا إله إلا الله، ولا يصح عوده على الله، لأنه لا يكون لذكره فائدة، فكل إنسان يدخل من الباب الذي يشاؤه الله.
(على ما كان من عمل) يريد "وإن قبح" أو "وإن قل".
(عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت أنه قال: دخلت عليه) ظاهر العبارة لأول وهلة أن "عبادة" هو الذي قال "دخلت عليه". وليس كذلك، إذ الواقع أن الصنابحي هو القائل دخلت على عبادة وهو في الموت.
قال النووي: هذا كثير يقع مثله، وفيه صنعة حسنة لا تظهر إلا لأهلها من شراح الحديث، وتقديره: عن الصنابحي أنه حدث عن عبادة بحديث قال فيه: دخلت عليه. اهـ.
ولزيادة الإيضاح نقول: تقدير الكلام: روي عن الصنابحي (حالة كونه محدثا عن عبادة بن الصامت) أنه قال: دخلت على عبادة.
(وهو في الموت) في الكلام مضاف محذوف أي في مرض الموت ومقدماته، والجملة حال.
(مهلا) بإسكان الهاء بمعنى أمهل، يقال بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع.
(لم تبكي؟ ) الاستفهام إنكاري بمعنى لا ينبغي أن تبكي.
(وقد أحيط بنفسي) مراده: وقد قربت من الموت وأيست من النجاة والحياة، وأصله يقال في الرجل الذي يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه فيأخذون عليه جميع الجوانب، بحيث لا يبقى له في الخلاص مطمع، فيقال: أحاطوا به.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه ﷺ جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر، على اختلاف عقائدهم وتباعدها. اهـ.
ففيه تعريض بالنصارى فيما ادعت من بنوة عيسى لله ومن التثليث، وقد حكى الأبي أن بعض عظماء النصارى سمع قارئا يقرأ ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ [النساء: ١٧١] فقال: هذا دين
стр. 106
النصارى يعني أن هذا يدل على أن عيسى بعض من الله. فأجابه الحسن بن علي بن واقد صاحب كتاب النظائر بأن الله تعالى يقول: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ [الجاثية: ١٣] فلو أريد بروح منه أنه بعضه، كان ما في السموات وما في الأرض بعضا منه، وإنما يريد بروح منه أنه من إيجاده، وخلقه، فأسلم النصراني.
وفيه تعريض باليهود فيما قذفت به مريم.
وفيه التخلص من عقائد الدهرية ومن يقول بنفي المعاد البدني، وذلك بذكر الجنة والنار.
وظاهر الحديث ضرورة التلفظ بالشهادتين، لكن قال الأبي: لا يشترط في داخل الإسلام النطق بلفظة "أشهد" ولا التعبير بالنفي والإثبات فلو قال: الله واحد، ومحمد رسول الله كفى، وأما كون النطق بذلك شرطا في حصول الثواب المذكور فمحتمل. اهـ.
وعقب عليه السنوسي بقوله: في قوله: لا يشترط في داخل الإسلام التعبير بالنفي والإثبات نظر، لأن المحل محل تعبد، فلا يعدل عما نص عليه الشرع، حتى قال بعض العلماء: من قدم وأخر في كلمتي الشهادة فقال مثلا: محمد رسول الله لا إله إلا الله لم يقبل منه. اهـ.
وأبواب الجنة الثمانية طرق للجنات الثمانية، كل باب طريق لجنة منها، كما أن أبواب النار السبعة طرق لطبقاتها السبع.
ووجه التكريم في تخييره بين أبواب الجنة إظهار الاعتناء به، ورفع الحجر عنه.
وظاهر هذا يتعارض مع قوله ﷺ : "إن في الجنة بابا يقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون" إذ يقتضي أنه إذا أراد الدخول من هذا الباب لم يمكن منه حيث لم يصم.
ورفع هذا التعارض بأنه لا يلزم من التخيير الدخول، أو محاولة الدخول، فإنه قد يخير ولا يخلق الله تعالى عنده رغبة الدخول من هذا الباب.
والحكمة في جعل أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة يعلمها الله تعالى فإنها من الأمور السمعية، أما تلمس البعض لحكم، كقولهم: أبواب الجنة ثمانية على عدد خصال الإسلام المشهورة، ثم يعد ثماني خصال، وأبواب النار سبعة على عدد الجوارح التي يعصي المكلف بها، ثم يعد سبعة أعضاء فهذا مما لا يركن إليه.
قال القاضي عياض ﵀: في الحديث دليل على أنه كتم ما خشي الضرر فيه والفتنة، مما لا يحتمله عقل كل واحد، وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة. قال: ومثل هذا عن الصحابة ﵃ كثير في ترك التحديث بما ليس تحته عمل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحتمله عقول العامة، أو تخشى مضرته على قائله أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة، وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم.
والله أعلم
стр. 107
(١٤) باب حق الله على العباد وحق العباد على الله
٤٨ - عن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنت ردف النبي ﷺ . ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل. فقال: "يا معاذ بن جبل" قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة. ثم قال "يا معاذ بن جبل" قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال "يا معاذ بن جبل! " قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال "هل تدري ما حق الله على العباد؟ " قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ثم سار ساعة. ثم قال: "يا معاذ بن جبل! " قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك" قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال "أن لا يعذبهم".
٤٩ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت ردف رسول الله ﷺ . على حمار يقال له عفير. قال: فقال "يا معاذ! تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ " قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال "فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" قال قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال "لا تبشرهم فيتكلوا".
٥٠ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال "أن يعبد الله ولا يشرك به شيء" قال "أتدري ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ " فقال: الله ورسوله أعلم. قال "أن لا يعذبهم".
٥١ - عن معاذ ﵁ يقول: دعاني رسول الله ﷺ فأجبته. فقال "هل تدري ما حق الله على الناس" نحو حديثهم.
٥٢ - عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل قال "يا معاذ! " قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال "يا معاذ! " قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال "يا معاذ! " قال
стр. 108
لبيك رسول الله وسعديك. قال "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال "إذا يتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته تأثما.
(ملحوظة): هذا الحديث أخره مسلم رحمه الله تعالى عن حديث أبي هريرة، الآتي في الباب التالي وقدمناه للمناسبة.
-[المعنى العام]-
كثيرا ما خرج المسلمون للجهاد مشاة ليس معهم ما يكفيهم من الإبل أو الحمير وكثيرا ما كان الحمار يحمل اثنين، وكذلك البعير، وكثيرا ما كان الجمع منهم يتعاقب الركوب على دابة واحدة، لا تكاد تميز بين صاحبها ومرافقيه.
اشتراكية فريدة لا نراها في أرقى الأمم على مر العصور، وتكافل إسلامي لا عهد له في أي دستور أو تشريع، و (ديمقراطية) عالية لا تكاد تميز بين القائد والجنود.
هذا رسول الله ﷺ ، أفضل الخلق على الإطلاق، وسيد ولد آدم ولا فخر، وقائد الأمة وراعيها، يركب حمارا في غزوة من الغزوات، ويركب غيره من جنده النوق والجمال، وليس هذا فحسب، بل ويردف خلفه على حماره أحد الصحابة الأجلاء، معاذ بن جبل.
ثم يضرب المثل الأعلى في حسن المؤانسة، وإزالة الوحشة لدى رفيق السفر، فيناديه: يا معاذ بن جبل، فيجيب معاذ- وقد امتلأ سرورا بحظوة تحديث خير محدث، يجيب- وقد جمع كل مشاعره وأحاسيسه لما بعد النداء، يجيب - وكله آذان صاغية- لبيك وسعديك يا رسول الله، إجابة لندائك ثم إجابة، وسعدا بخطابك بعد سعد يا رسول الله.
ويسكت رسول الله ﷺ فترة من الوقت والراحلة تسير.
يسكت لحظات تمر على معاذ كساعات، تثور فيها غريزة حب الاستطلاع وتتقد فيها نار التلهف لسماع الحديث، ويرقب الأمر، فإذا به يسمع النداء للمرة الثانية: يا معاذ بن جبل. فيسرع بالإجابة لبيك وسعديك يا رسول الله، وتمضي لحظات سكون مثل التي مضت بعد النداء الأول، والراحلة تسير، ثم يسمع النداء للمرة الثالثة: يا معاذ بن جبل. فيبادر بالإجابة أسرع وأسرع من المرتين السابقتين، لبيك وسعديك يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ : هل تعلم حق الله على العباد وواجبهم نحوه؟
قال معاذ: الله ورسوله أعلم.
قال ﷺ : حق الله على العباد أن يوحدوه ولا يتخذوا أربابا من دونه، ولا يشركوا به شيئا.
стр. 109
ثم سكت ﷺ لحظات أخرى كالسابقة، والقافلة تسير، ثم قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك وسعديك يا رسول الله.
قال: هل تعلم حق العباد وما لهم عند الله إذا وحدوه ولم يشركوا به شيئا؟ قال: الله ورسوله أعلم.
قال: "أن لا يعذبهم". "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرم الله عليه النار". "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة".
قال معاذ فرحا بهذه البشرى: أفأخبر الناس بهذا، وأبلغهم ما يسرهم يا رسول الله؟ فأذن له ﷺ أن يبشر.
فحدث معاذ عمر ﵄ بهذا الحديث فقال له عمر: لا تعجل ولا تخبر الناس. ثم دخل على رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأيا. إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها.
قال: فرده، فرد عمر معاذا إلى النبي ﷺ ، فقال معاذ: ألا أبشر الناس يا رسول الله؟ قال: لا. دعهم فليتنافسوا في الأعمال فإني أخاف أن يتكلوا.
وكتم معاذ الحديث فلم يحدث به حتى جاءه الموت، فخاف الإثم إن هو مات ولم يبلغ ما سمع، فحدث به.
﵁ وأرضاه، ورضي عن الصحابة أجمعين، وجعلنا من أهل هذه البشرى. آمين.
-[المباحث العربية]-
(كنت ردف النبي) بكسر الراء وسكون الدال، والرديف هو الراكب خلف الراكب، تقول: ردفت فلانا أردفه بكسر الدال في الماضي وفتحها في المضارع إذا ركبت خلفه، وتقول: أردفت فلانا إذا أركبته خلفك وأصله من الردف وهو العجز.
وأرداف الملوك في الجاهلية هم الذين كانوا يخلفونهم كالوزارء، أما في الإسلام فإنه لم تراع فيه منزلة الرديف الدنيوية بل روعي التشريف والتكريم بغض النظر عن منزلة الرديف، وقد جمع ابن مندة أرداف النبي ﷺ فبلغوا نيفا وثلاثين رديفا.
(ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل) كناية عن شدة القرب منه، وفائدة ذكرها التوثيق من الرواية، والإشعار بدقة السماع والضبط، والرحل بفتح الراء وسكون الحاء خشبات توضع على البعير حول السنام، مكسوة بشيء من الصوف أو الليف أو نحوهما تمهد ظهر البعير للركوب، وهو بمنزلة السرج للفرس والإكاف للحمار، و"مؤخرة الرحل" بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء، وحكي فتح الهمزة والخاء المشددة، على ضعف وهي الخشبة التي تكون خلف الراكب.
وقد جاء في الرواية الثانية: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له "عفير" ومن المعلوم أن التعبير بالرحل لا يتناسب مع ركوب الحمار إذ هو من اختصاص الإبل، ولهذا قال بعضهم بتعدد
стр. 110
القصة. مرة على بعير ومرة على حمار، وهذا بعيد، والأحرى بالقبول قول النووي: يحتمل أن يكونا قضية واحدة، وأراد بالحديث الأول قدر مؤخرة الرحل.
و"عفير" بالتصغير هو الحمار الذي كان له ﷺ . قيل إنه مات في حجة الوداع.
(يا معاذ بن جبل) يجوز في "معاذ" النصب والبناء على الضم، أما النصب فعلى أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، والمنادى المضاف منصوب، والضم على أنه منادى مفرد علم، وأما لفظ "ابن" هنا فمنصوب قولا واحدا، واختار ابن الحاجب النصب في "معاذ" وبه ضبط في الأصل، وقال ابن مالك: الاختيار فيه الضم، لأنه لا يحتاج إلى اعتذار، وتكرير نداء معاذ للتأكيد وتكميل انتباهه اهتماما بالخبر.
(لبيك رسول الله وسعديك) "رسول الله" منادى بتقدير حرف النداء وفي معنى "لبيك" أقوال كثيرة، أظهرها أن معناه إجابة لك بعد إجابة، والتكرير للتأكيد، وقيل: معناه قربا منك وطاعة لك، تثنية "لب" ومعناه الإجابة، وقال الخليل: لب بالمكان أقام به، وعليه فلبيك معناه أنا مقيم على طاعتك، وكان حقه أن يقال: لبا لك، فثني للتأكيد فصار: لبين لك فأضيف فحذفت النون، كما قالوا في حنانيك، أي رحمة بعد رحمة، وهو من المصادر المنصوبة بفعلها المحذوف وجوبا.
و"سعديك" تثنية سعد، والمعنى سعادة بحديثك بعد سعادة.
(ثم سار ساعة) أي قدرا من الزمن، وليس المراد الساعة المعروفة المقدرة بستين دقيقة.
(هل تدري ما حق الله على العباد؟ ) الاستفهام حقيقي، و"تدري" معلق عن العمل و"حق الله على العباد" معناه ما يستحقه عليهم استحقاقا متحتما.
(الله ورسوله أعلم) أفعل التفضيل على بابه، فمعاذ يعلم دون شك أن العبادة واجبة لله تعالى، ولكنه فوض العلم، وأسند الزيادة فيه لله ورسوله تأدبا، ومقصود هذه العبارة علمني يا رسول الله.
(أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) وفي الرواية الثانية "أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا" وفي رواية "أن يعبد الله ولا يشرك به شيء" وفي رواية "أن يعبد الله ولا يشرك به شيئا" بنصب "شيئا". قال ابن الصلاح وهو صحيح على التردد بين وجوه ثلاثة.
أحدها: "يعبد الله" بفتح الياء التي هي للمذكر الغائب أي يعبد العبد الله ولا يشرك به شيئا.
الثاني: "تعبد" بفتح تاء المخاطب على التخصيص لمعاذ والتنبيه على غيره.
والثالث: "يعبد" بضم أوله، ويكون "شيئا" كناية عن المصدر، لا عن المفعول به، أي لا يشرك به إشراكا، ويكون الجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل. قال: وإذا لم تعين الرواية شيئا من هذه الوجوه، فحق على من يروي هذا الحديث منا أن ينطق بها كلها، واحدا بعد واحد، ليكون آتيا بما هو المقول منها في نفس الأمر جزما. اهـ.
следующие страницы →