← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا. والله يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ [النساء: ٢٩] قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله. ٤١٩٢ - وفي رواية عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة الصائدي، قال: رأيت جماعة عند الكعبة. فذكر نحو حديث الأعمش. -[المعنى العام]- لا بد للناس من إمام يجمعهم، ويراعي مصالحهم، وينصف المظلوم من الظالم، وللإمام حقوق على رعيته، وللرعية حقوق على إمامهم، وقد أجمعت النصوص على وجوب التزام الرعية بواجباتها نحو الإمام، سبق بعضها في الباب قبله، وفي هذا الباب، وسيأتي الكثير منها في الباب التالي. أما حقوقها على راعيها فتكاد النصوص تجمع على نصح الإمام، وطلب الحقوق منه بالحسنى، وعدم اللجوء معه إلى القوة، خوف الفتنة، إلا إذا رأى الرعية في راعيها كفرا صريحا واضحا لا يقبل التأويل. -[المباحث العربية]- (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء) أي تتولى أمورهم الأنبياء، كما يتولى الحكام أمور الرعية، وقيل: المعنى أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث الله لهم نبيا يقيم لهم أمرهم بينهم ويزيل ما غيروا من أحكام التوراة، والأول أظهر في هذا المقام. يقال: ساس الناس يسوسهم سياسة: تولى رياستهم وقيادتهم. (وأنه لا نبي بعدي) أي فيفعل ما كان أولئك يفعلون. (وستكون خلفاء فتكثر) وفي رواية البخاري "وسيكون خلفاء" أي بعدي، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزان مع الفاعل إذا كان جمع تكسير، قال النووي: قوله "فتكثر" بالثاء من الكثرة. هذا هو الصواب المعروف، قال القاضي: وضبطه بعضهم "فتكبر" بالباء، كأنه من إكبار قبيح أفعالهم، وهذا تصحيف اهـ. وفي رواية البخاري "فيكثرون" وضبط أيضا "فيكبرون" بالباء وهو تصحيف.

стр. 4167

(قالوا: فما تأمرنا) أن نفعل إذا وقع ذلك؟ وفي الرواية الثانية "كيف تأمر من أدرك منا ذلك"؟ (قالوا: فوا ببيعة الأول فالأول) "فوا" فعل أمر بالوفاء، والمعنى أنه إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعه الأول صحيحة، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة، وسيأتي تفصيل لذلك في فقه الحديث. (وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) أي أطيعوهم، وعاشروهم بالسمع والطاعة، هذا حقهم عليكم، أما حقكم عليهم فمحاسبهم عليه هو الله تعالى، وهو سائل كل راع عما استرعاه. وفي الرواية الثانية "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم" أي الحق الذي لكم عندهم. أي أدوا للأمراء الحق الذي وجب لهم عليكم، سواء ما يخصهم من السمع والطاعة لهم، أو ما يعمهم والرعية والإسلام من بذل المال الواجب في الزكاة وغيرها، وبذل النفس في الخروج إلى الجهاد المتعين ونحو ذلك، أما حقكم عليهم -إن حرمتموه- فسلوا الله تعالى بأن يلهمهم إنصافكم، أو يبدلكم خيرا منهم. وفي الرواية الثالثة "وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه" أي وليفعل مع الناس ما يحب أن يفعلوه معه، وقد جاء: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، لا بما يعاملونك به. (عن عبد الله) بن مسعود ﵁. (دخلت المسجد) أي الحرام بمكة. (والناس مجتمعون عليه) يطلبون العلم منه. (فمنا من يصلح خباءه) الخباء بيت من وبر أو شعر أو صوف، يكون على عمودين أو ثلاثة، وجمعه أخبية، وأصله أخبئة، خففت الهمزة، والمقصود هنا من إصلاحه إقامته في المكان الذي نزلوا فيه. (ومنا من ينتضل) أي يرمي بالنشاب، ويتدرب على الرمي والإصابة، تمهيدا للمعركة، وهو من المناضلة، يقال: نضله بفتح الضاد، ينضله بضمها، إذا سبقه وغلبه في الرماية. (ومنا من هو في جشره) بفتح الجيم والشين، وهي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها، يقال: جشر الدواب أخرجها للرعي قريبا من البيوت. (الصلاة جامعة) بنصب "الصلاة" على الإغراب، و"جامعة" على الحال. (وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا) قال النووي: لفظة "فيرقق" رويت على أوجه، أحدها: "يرقق" بضم الياء، وفتح الراء، وبقافين، أولاهما مشددة مكسورة أي يصير بعضها بعضا رقيقا، أي

стр. 4168

تأتي الفتنة، ثم الأعظم منها، فتصير كل واحدة ما قبلها رقيقة خفيفة بالنسبة لما بعدها، وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء، وقيل: يشبه بعضها بعضا، وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض السوء والشر، والوجه الثاني الذي رويت به اللفظة "فيرفق" بفتح الياء، وإسكان الراء، بعدها فاء مضمومة، أي فيصاحب بعضها بعضا، فيصير رفيقا له. الوجه الثالث "فيدفق" بفتح الياء وإسكان الدال وكسر الفاء وضمها، والدفق الدفع والصب. (وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي) لشدة ما يرى من أهوالها، ثم تنكشف دون أن يهلك. (وتجيء الفتنة) أكبر وأشد من الأولى. (فيقول المؤمن: هذه هذه) الإشارة خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: المهلكة حقا هذه لا غيرها، والإشارة الثانية تأكيد للأولى. (فمن أحب أن يزحزح عن النار) ببناء الفعل "يزحزح" للمجهول وكذا "يدخل الجنة". (فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) أي إن النجاة من الفتن إنما يكون بتحكيم الإيمان وشرائعه، وأن يضع الإنسان نفسه في مكان الآخرين، وأن يفعل معهم ما يحب أن يفعلوه معه. (ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع) كانت المبايعة بوضع اليد في اليد، ثم بذكر المبايع عليه، يقال: أعطاه صفقة يده، أي أعطاه عهده، ومعنى "فليطعه إن استطاع" أي ما وجد إلى طاعته قدرة وسبيلا. (فإن جاء آخر ينازعه) أي ينازع الإمام الذي أخذ البيعة. (فاضربوا عنق الآخر) أي ادفعوا الثاني، فإنه خارج على الإمام، فإن لم يندفع إلا بالحرب والقتال فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله، ولا ضمان، لأنه ظالم متعد في قتاله. (هذا ابن عمك معاوية يأمرنا .... إلخ) المقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لما سمع كلام عبد الله بن عمرو بن العاص في تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن الثاني يقتل، اعتقد أن هذا الوصف في معاوية، لمنازعته عليا ﵄ وكانت قد سبقت بيعة علي، فرأى أن الأموال التي ينفقها معاوية على الجنود وغيرهم من الأتباع في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من قبيل أكل المال بالباطل، ورأى أن دفع معاوية جنوده لقتال جنود علي من قبيل قتل النفس، لأنه قتال بغير وجه حق، فكأنه يقول لعبد الله بن عمرو: أنت تأمر بشيء، وتحذر من شيء وابن عمك لا يعمل بما تأمر، ولا يحذر ما تحذر.

стр. 4169

(فسكت ساعة) أي فترة من الزمن، يفكر بم يجيبه؟ والأمر يحتاج جوابا سياسيا يرضى الله ولا يعرض نفسه لسخط معاوية. (أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله) "أطعه" همزة قطع و"اعصه" همزة وصل، ولم يجب عبد الله ﵁ عن الاعتراض، وإنما ترك تطبيق القاعدة الشرعية للرجل، إذ اعتراض الرجل أن ما يفعله معاوية فتنة ومعصية. (عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة الصائدي) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ بالصاد والدال، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ، قال: وهو غلط، وصوابه "العائذي" بالعين والذال، قال ابن الحباب والنسابة. هذا كلام القاضي، وقد ذكره البخاري في تاريخه والسمعاني في الأنساب فقالا: هو "الصائدي" ولم يذكرا غير ذلك، فقد اجتمع مسلم والبخاري والسمعاني على "الصائدي" قال السمعاني: هو منسوب إلى صائد، بطن من همدان، قال: و"صائد" اسم كعب بن شرحبيل بن عمرو بن حشم بن حاسد بن حشيم بن حوان بن نوف .... إلخ. -[فقه الحديث]- بوب النووي لهذه الأحاديث بباب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول، أخذا من قوله في الرواية الأولى "فوا ببيعة الأول فالأول" اهـ. والأحاديث في هذه الأبواب -كما قلنا- متداخلة، والأمر بطاعة أولي الأمر قدر مشترك بين جميعها. لهذا سأجمع بعض الأبواب الآتية التي وضعها النووي، سأجمعها في باب واحد، فيما بعد هذا الباب إن شاء الله. ثم تعرض النووي إلى حكم مبايعة خليفة بعد خليفة، فقال: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة، يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول، أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، وقيل: تكون لمن عقدت له في بلد الإمام، وقيل: يقرع بينهما، وهذان القولان فاسدان، قال: واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا: لا يجوز عقدها لاثنين. قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد، وهذا مجمع عليه، قال: فإن بعدما بين الإمامين، وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، قال: وهو خارج من القواطع -أي الأدلة المقطوع بها- وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمام الحرمين، وهو قول فاسد، مخالف لما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث. اهـ.

стр. 4170

وقال القرطبي: في هذا الحديث حكم بيعة الأول، وأنه يجب الوفاء بها، وسكت عن بيعة الثاني، مع أنه قد نص عليه في روايتنا الثالثة "فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر". -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من قوله في الرواية الأولى "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ... إلخ" إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها، يحملها على الطريق الحسنة، وينصف المظلوم من الظالم. ٢ - ومن قوله "كلما هلك نبي" جواز قول: هلك فلان، إذا مات، وقد كثرت الأحاديث به، وجاء في القرآن الكريم ﴿حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا﴾ [غافر: ٣٤]. ٣ - من قوله "وستكون خلفاء فتكثر" معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ . ٤ - وكذا في قوله ﷺ "ستكون بعد أثرة وأمور تنكرونها". ٥ - قال الحافظ ابن حجر: في الحديث تقديم أمر الدين على أمر الدنيا، لأنه ﷺ أمر بتوفية حق السلطان، لما فيه من إعلاء كلمة الدين، وكف الفتنة والشر، وأخر أمر المطالبة بحق الفرد، وعدم المطالبة بالحق لا يسقطه، فقد وعد الله أنه يخلصه، ويوفيه إياه، ولو في الدار الآخرة. ٦ - ومن قوله في نهاية الرواية الثالثة "أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله" دليل لوجوب طاعة المتولين للإمامة بالقهر من غير إجماع ولا عهد. والله أعلم.

стр. 4171

(٥١٥) باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم، ووجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة، وحكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، والحكم إذا بويع لخليفتين، ووجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع ، وترك قتالهم ما صلوا. وخيار الأئمة وشرارهم ٤١٩٣ - عن أسيد بن حضير أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله ﷺ فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض". ٤١٩٤ - -/- وفي رواية عن قتادة قال: سمعت أنسا يحدث عن أسيد بن حضير: أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله ﷺ بمثله. ٤١٩٥ - -/- وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد ولم يقل: خلا برسول الله ﷺ . ٤١٩٦ - عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا. فما تأمرنا؟ فأعرض عنه. ثم سأله فأعرض عنه. ثم سأله في الثانية أو في الثالثة. فجذبه الأشعث بن قيس وقال: "اسمعوا وأطيعوا. فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم". ٤١٩٧ - وفي رواية عن سماك بهذا الإسناد مثله وقال: فجذبه الأشعث بن قيس. فقال رسول الله ﷺ "اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم".

стр. 4172

٤١٩٨ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير. وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير. فهل بعد هذا الخير شر؟ قال "نعم" فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال "نعم وفيه دخن" قلت: وما دخنه؟ قال "قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي. تعرف منهم وتنكر" فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال "نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال "نعم. قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". ٤١٩٩ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنا كنا بشر، فجاء الله بخير فنحن فيه. فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم. قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم. قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع". ٤٢٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه". ٤٢٠١ - -/- وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ بنحو حديث جرير. وقال: "لا يتحاش من مؤمنها".

стр. 4173

٤٢٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية. ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة، فليس من أمتي. ومن خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاش من مؤمنها ولا يفي بذي عهدها فليس مني". ٤٢٠٣ - عن ابن عباس ﵄ يرويه قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر. فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية". ٤٢٠٤ - عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا، فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية". ٤٢٠٥ - عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية، فقتلة جاهلية". ٤٢٠٦ - عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع، حين كان من أمر الحرة ما كان، زمن يزيد بن معاوية. فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال: إني لم آتك لأجلس. أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ﷺ يقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية". ٤٢٠٧ - -/- وفي رواية عن ابن عمر ﵄، أنه أتى ابن مطيع فذكر عن النبي ﷺ نحوه.

стр. 4174

٤٢٠٨ - عن عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان". ٤٢٠٩ - -/- وفي رواية عن عرفجة ﵁ عن النبي ﷺ بمثله، غير أن في حديثهم جميعا: "فاقتلوه". ٤٢١٠ - عن عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه". ٤٢١١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما". ٤٢١٢ - عن أم سلمة ﵄، أن رسول الله ﷺ : "قال ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون. فمن عرف، برئ. ومن أنكر، سلم. ولكن من رضي وتابع" قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا". ٤٢١٣ - عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه يستعمل عليكم أمراء. فتعرفون وتنكرون. فمن كره، فقد برئ. ومن أنكر، فقد سلم. ولكن من رضي وتابع" قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا" أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه. ٤٢١٤ - وفي رواية عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ بنحو ذلك غير أنه قال: "فمن أنكر فقد برئ. ومن كره فقد سلم".

стр. 4175

٤٢١٥ - -/- وفي رواية عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ فذكر مثله إلا قوله: "ولكن من رضي وتابع" لم يذكره. ٤٢١٦ - عن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة". ٤٢١٧ - عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" قالوا: قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة" قال ابن جابر: فقلت: (يعني لرزيق) حين حدثني بهذا الحديث: آلله يا أبا المقدام لحدثك بهذا، أو سمعت هذا من مسلم بن قرظة يقول سمعت عوفا يقول: سمعت رسول الله ﷺ قال: فجثا على ركبتيه واستقبل القبلة، فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لسمعته من مسلم بن قرظة يقول: سمعت عوف بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- يقول الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. نعمتان أنعم الله بهما على الأمة الإسلامية في فجر دينها، نعمة الأمن، ونعمة التآلف والتواد والتراحم، أما الأمن فقد أمن كل فرد فيها على نفسه وعلى ماله وعلى عرضه، فلم

стр. 4176

يكن يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة، وأما المال فلم يعد مسلم يأكل مال أخيه بالباطل، بل لو اؤتمن أحدهم ضمن ووثق من رد أمانته كاملة غير منقوصة. وأما نعمة التآلف والتراحم فقد وصلت إلى درجة الإيثار على النفس ولو كان بها خصاصة، وأنصف الناس بعضهم بعضها، فاستراح القضاة والولاة، وتلاحم الراعي والرعية، وكانت الولاية حملا ثقيلا على صاحبها، يخشى عاقبتها مع أنه أعدل من حكم بعد محمد ﷺ وصاحبه، ذلكم عمر بن الخطاب ﵁ إذ قال وهو على فراش الموت: أرجو أن أخرج منها -أي من الخلافة- كفافا، لا لي ولا علي، ولم يكد ينتهي عهده حتى صارت الإمارة والولاية غنما وسلطة وسطوة، فقد تولى الإمارات كثير من أقارب عثمان ﵁، وأبعد عنها كبار الصحابة ومستحقوها من السابقين، وبدأ ظلم الرعية وقهرها، وانتهت هذه المقدمات إلى نتيجة مؤسفة، قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وبويع علي ﵁ بالخلافة، ولم يكن من السهل أن يستتب له الأمر، بعد أن تشعبت الأهواء وامتزجت الدنيا وزينتها بشغاف كثير من القلوب فقامت الحروب بين المسلمين معركتا الجمل وصفين استشهد فيهما كثير، بل آلاف من كبار الصحابة، وكانت النهاية استشهاد علي ﵁، وإمساك معاوية بن أبي سفيان بزمام أمور الدولة الإسلامية. ثم أخذ البيعة رغبة ورهبة لابنه يزيد، فلما مات يزيد دعا ابن الزبير إلى نفسه، وبايعه بالخلافة أهل الحرمين ومصر والعراق، وبايع له الضحاك بن قيس الفهري بالشام كلها إلا الأردن ومن بها من بني أمية ومن كان على هواهم، فبايعوا مروان فأجابه أهل الشام، فلما مات مروان قام عبد الملك، وقامت الحروب بين المسلمين، وقتل ابن الزبير واستخدم الحجاج أقسى أنواع القتل والتعذيب في المسلمين، حتى روى البخاري أن أبا برزة الأسلمي قال: إني أحتسب عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام، وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام والله ما يقاتل إلا على دنيا -يقصد عبد الملك بن مروان- وإن هؤلاء الذين بين أظهركم -كان بالبصرة، ويقصد الخوارج آنذاك- والله ما يقاتلون إلا على دنيا، وإن ذاك الذي بمكة -يقصد عبد الله بن الزبير- والله ما يقاتل إلا على الدنيا. هذه الحال التي آل إليها أمر المسلمين، حكاما ومحكومين حذر منها رسول الله ﷺ إذ قال: "لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض". "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "كان حريصا على قتل صاحبه". "ستكون خلفاء، فتكثر" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فوا ببيعة الأول فالأول". "إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها" قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم". "من بايع إماما، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر". "أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف". "بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان". "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم

стр. 4177

ما حملوا وعليكم ما حملتم". "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك". "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات. مات ميتة جاهلية". "من خرج من أمتي على أمتي، يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي بذي عهدها، فليس مني". "من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميع، فاضربوه بالسيف". تحذيرات كثيرة، وأوامر متعددة، ونواه ووعيد، لم تقف أمام الأهواء والمطامع البشرية فكانت النتيجة -نتيجة البعد عن تعاليم الرسول الحريص علينا- ما نحن فيه حتى اليوم من كثرة كثيرة، لكنها غثاء كغثاء السيل، فرق وشيع وأحزاب في كل دولة، وخصام وتقاطع واتجاهات متعارضة بين الدول الإسلامية. نشهد أن محمد بن عبد الله ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، وهدى الله المسلمين إلى الصراط المستقيم. -[المباحث العربية]- (ألا تستعملني) السين والتاء للصيرورة، أي ألا تصيرني عاملا لك على الصدقات أو على القضاء، أو الولاية على منطقة؟ و"ألا" بفتح الهمزة ولا، للعرض والتحضيض، وهو الطلب برفق. (إنكم ستلقون بعدي أثرة) بفتح الهمزة والثاء، ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة وإسكان الثاء، ثلاث لغات، وهي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا، أي اسمعوا وأطيعوا واصبروا، وإن اختص جماعة غيركم بالولايات والدنيا. والخطاب في "إنكم" للأنصاري، أي إنكم معشر الأنصار ستلقون من غيركم بعدي أثرة. قال الحافظ ابن حجر: لا يلزم من مخاطبة الأنصار بذلك أن يختص بهم، فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين، ويختص ببعض المهاجرين دون بعض، فالمستأثر من يلي الأمر، ومن عداه هو الذي يستأثر عليه، فخطاب الأنصار لوضع معين، وخوطب الجميع بالنسبة لمن يلي الأمر بعد ذلك، فقد ورد بالتعميم في نصوص كثيرة. (أرأيت إن قامت علينا أمراء) "أرأيت" بمعنى أخبرني، عن طريق مجازين، الأول في الاستفهام حيث أريد منه مطلق الطلب بعد أن كان لطلب الفهم، الثاني في الرؤية، حيث أريد منها ما يتسبب عنها غالبا من الإخبار، بعلاقة السببية، فآل الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ أخبرني، أي أخبرني ماذا نفعل إذا تولى علينا ولاة صفتهم كيت وكيت؟ . (يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا) كان حقه أن يقول "يسألوننا" و"يمنعوننا" لكنه حذف نون الأفعال الخمسة تخفيفا على لغة. (فأعرض عنه) أي عن جوابه، إما لأن الأمر لا يعنيه، لأنه لن يدركه، والسؤال عما لا يعني من الحكمة الإعراض عنه، وإما لأن الظروف غير مناسبة لمثل هذا السؤال.

стр. 4178

(ثم سأله) تكراره السؤال مع الإعراض عن الجواب لعدم إدراكه للإعراض ظنا منه أن الرسول ﷺ لم يسمع. (ثم سأله في الثانية أو في الثالثة) أي ثم سأله السؤال نفسه في المرة الثانية أو في الثالثة، شك من الراوي في جذب الأشعث، وهل كان بعد مرتين من السؤال؟ أو ثلاثا؟ (فجذبه الأشعث بن قيس، وقال: اسمعوا وأطيعوا) الأشعث كان من ملوك كندة، وجذبه ليمنعه من تكرار السؤال مع الإعراض. والقائل: "اسمعوا وأطيعوا" رسول الله ﷺ وقد دفع ملحق الرواية هذا الإيهام، ولفظه "فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا". (إنا كنا في جاهلية وشر) يشير إلى ما كان قبل الإسلام، من الكفر، وقتل بعضهم بعضا، ونهب بعضهم بعضا، وإتيان الفواحش، والتقاتل والتناحر، والبغضاء. (فجاءنا الله بهذا الخير) يعني الإيمان والأمن، وصلاح الحال واجتناب الفواحش، وفي الرواية الرابعة "فجاء الله بخير، فنحن فيه". (فهل بعد هذا الخير شر؟ ) في الرواية الرابعة "فهل من وراء هذا الخير شر"؟ المراد من الشر ما سيقع من الفتن، قال العلماء: يشير إلى ما وقع من بعد قتل عثمان، وهلم جرا، أو يريد ما يترتب على ذلك من آثام وعقوبات أخروية. (هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن) بفتح الدال والخاء، والمراد منه الحقد وفساد القلوب، يشير إلى أن الخير الذي يجيء بعد الشر لا يكون خيرا خالصا، بل فيه كدر، وقيل: المراد بالدخن الدخان، ويشير بذلك إلى كدر الحال، وقيل: المراد من الدخن كل أمر مكروه، وقال أبو عبيد: يفسر المراد بهذا الحديث حديث "لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه" أي قلوبهم لا يصفو بعضها لبعض. قيل: يشير بذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز ﵁. وقد وضحت الرواية هذا الدخن، بقوله: (قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) المراد مخالفتهم لمنهج الرسالة مخالفة غير كاملة، و"يهدون" بفتح الياء، أي يهدون أنفسهم وغيرهم ويدلونهم على غير هديي، والهدي الهيئة والسيرة والطريقة، وفي رواية "على غير هدي" بياء واحدة مع التنوين، وفي رواية "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، ومعنى "تعرف منهم وتنكر" أي تعرف من أعمالهم بعضا مطابقا للشريعة، وتنكر من أعمالهم أشياء لمخالفتها للشريعة، أي يخلطون عملا صالحا، وآخر سيئا، وفي الرواية الرابعة "يكون بعدي أئمة، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي". (هل بعد ذلك الخير من شر؟ ) أكثر من حالة الدخن في الخير؟ وخليط الخير والشر؟ وأكثر شرا من الذين لا يهتدون بالهدي، ولا يستنون بالسنة؟ والذين نعرف منهم وننكر؟ .

стр. 4179

(قال: نعم. دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها) قال النووي: قال العلماء: هؤلاء دعاة البدعة من الأمراء، أو ضلال آخرون، كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة. اهـ. و"دعاة" بضم الدال، ووصفهم بكونهم على أبواب جهنم باعتبار ما يؤول إليه حالهم، كما يقال لمن يقرب من فعل محرم، وقف على شفير جهنم، ففيه مجاز مرسل بعلاقة الأيلولة، كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦] أي أعصر عنبا يؤول إلى الخمر. (قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) أي من قومنا العرب، ويؤيده قوله "ويتكلمون بألسنتنا" وقال الداودي: أي من بني آدم، وقال القابسي: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون [كما قال في الرواية الرابعة "قلوبهم قلوب الشياطين، في جثمان إنس" والجثمان بضم الجيم وسكون الثاء هو الجسد، ويطلق على الشخص] وجلدة الشيء بكسر الجيم ظاهره، وهي في الأصل غشاء البدن. والحديث يشير إلى الحالات التي مرت بالأمة الإسلامية بعد النبي ﷺ إذ كان الخير في عهده خالصا، ثم جاءت الفتنة الكبرى بمقتل عثمان، وقتال المسلمين في معركتي الجمل وصفين، فالظاهرة العامة حينئذ الشر، ثم كان الهدوء النسبي في عهد معاوية، ثم كثر شر حكام بني أمية، ثم جاء عدل عمر بن عبد العزيز، ثم طغى الشر، وتفرقت الأمة شيعا وأحزابا. (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) بكسر الهمزة، أي أميرهم، وفي الرواية الرابعة "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع" "ضرب" و"أخذ" بضم أوله على البناء للمجهول، وقال الطبري: اختلف في هذا الأمر، وفي الجماعة، فقال قوم: الأمر للوجوب، وجماعة المسلمين السواد الأعظم منهم، وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة، دون من بعدهم، وقال قوم: المراد بهم أهل العلم، لأن الله جعلهم حجة على الخلق، والناس تبع لهم في أمر الدين. قال الطبري: والصواب أن المراد لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج على الجماعة. اهـ. والصواب أن المراد بالجماعة السواد الأعظم حول أمير ما، ولذلك كان السؤال فيما بعد "فإن لم تكن لهم جماعة؟ ولا إمام"؟ أي فإن لم تكن هناك كثرة وقلة؟ بل كانت الفرق متقاربة؟ والأئمة كثيرين؟ والأمور مختلطة؟ والرؤية غير واضحة؟ . (فاعتزل تلك الفرق كلها) أي إذا لم يكن للناس إمام، وافترقوا أحزابا، فلا تتبع أحدا من الفرق، واعتزل الجميع، إن استطعت ذلك، خشية من الوقوع في الشر. (ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك) معتزلا، عاضا على جذع شجرة. و"تعض" بفتح العين، ونصب الفعل عند الجميع، إلا الأشيري، فضبطه بالرفع، وتعقب بأن جواز

стр. 4180

الرفع متوقف على أن تكون "أن" التي تقدمته مخففة من الثقيلة، وهنا لا يجوز ذلك، لأنها لا تلي "لو" وعند ابن ماجه "فلأن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم" والجذل بكسر الجيم وسكون الذال عود ينصب، لتحتك به الإبل، قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة، كقولهم: فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد اللزوم، كقوله في الحديث "عضوا عليها بالنواجذ". (مات ميتة جاهلية) "ميتة" بكسر الميم، اسم هيئة، أي مات على صفة موتهم، من حيث كانوا فوضى، لا إمام لهم، أي مات ميتة تشبه ميتة الجاهلية. (ومن قاتل تحت راية عمية) بضم العين وكسرها، مع تشديد الميم المكسورة، وتشديد الياء المفتوحة، أي تحت راية لا لون لها، ولا يستبين أمرها، ولا يرى وجهها، فكأن من تحتها أعمى، ونسب العمى إليها مجازا. (يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة) أي يقاتل عصبية لقومه وهواه، قال النووي: هذه الألفاظ الثلاثة بالعين والصاد [وبفتح العين والصاد] هذا هو الصواب المعروف في نسخ بلادنا وغيرها، وحكى القاضي عن رواية بالغين والضاد في الألفاظ الثلاثة [بفتح الغين وسكون الضاد "غضبة"] ومعناها أنه يقاتل لشهوة نفسه، وغضبه لها. (فقتلة جاهلية) بكسر القاف، أي فقتلته كهيئة قتلة جاهلية. (ولا يتحاشى من مؤمنها) في بعض النسخ "يتحاشى" بإثبات حرف العلة على الأصل في الرفع، ومعناه لا يكترث بما يفعله فيها، ولا يخاف وباله وعقوبته. (ولا يفي لذي عهد عهده) المعنى ولا يفي العهد لصاحب العهد و"عهده" بسكون الهاء. وفي الرواية السادسة "ولا يفي بذي عهدها" وفي نسخة "ولا يفي لذي عهدها" باللام بدل الباء، وهي أوضح. (من فارق الجماعة شبرا) أي قدر شبر كناية عن الخروج على السلطان، ولو بأدنى نوع من أنواع الخروج، أو بأقل سبب من أسباب الفرقة، والشبر معروف، وهو المسافة بين طرفي الخنصر والإبهام عند امتدادهما. (لقي الله يوم القيامة لا حجة له) أي لا حجة له في فعله، ولا عذر له ينفعه، والجملة حال. (إنه ستكون هنات وهنات) الهن بفتح الهاء الشيء، وكثيرا ما يستعمل كناية عن الشيء الذي يستقبح ذكره، والهنة مؤنث الهن، وجمعها هنات وهنوات، والمراد هنا أشياء خطيرة، أي شرور وفساد.

стр. 4181

(وهي جميع) أي وهي مجتمعة. (يريد أن يشق عصاكم) أي يفرق جماعتكم، كما تفرق العصاة المشقوقة، كناية عن اختلاف الكلمة وتنافر النفوس، ويقال: لين العصا، وضعيف العصا، أي رقيق لين، حسن السياسة، ويقال: هو صلب العصا، وشديد العصا، أي عنيف، ويقال: انشقت العصا، أي وقع الخلاف، ورفع عصاه، أي سار، وألقي عصاه استقر من الأسفار، وقرع له العصا، أي نبهه. (إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما) قال النووي: هذا محمول على ما إذا لم يندفع إلا بقتله. (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع) قال النووي: معناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه، فيكرهه بقلبه، ويبرأ، وفي ملحق الرواية الخامسة عشرة "فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم" والبراءة من الإثم، والسلامة من العقوبة بالإنكار، أو بالكراهة، حسب الاستطاعة، لكن جاء في الرواية الرابعة عشرة "فمن عرف برئ" وهي غير واضحة، وقد وضحها النووي بقوله: معناه -والله أعلم- فمن عرف المنكر، ولم يشتبه عليه، فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته، بأن يغيره بيده أو بلسانه، فإن عجز فليكرهه بقلبه. اهـ. ومعنى قوله "ولكن من رضي وتابع" أي ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع. (ويصلون عليكم، وتصلون عليهم) المراد من الصلاة معناها اللغوي، وهو الدعاء. (أفلا ننابذهم بالسيف؟ ) يقال: نابذه الحرب، إذا جاهره بها، والهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة على محذوف، هو مدخول همزة الاستفهام، والتقدير: أنظل على طاعتهم فلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا. أي لا تنابذوهم بالسيف. وفي الرواية الرابعة عشرة "أفلا نقاتلهم؟ وفي الرواية الخامسة عشرة "ألا نقاتلهم"؟ . (ما أقاموا فيكم الصلاة) "ما" ظرفية دوامية، أي مدة إقامتهم الصلاة. (لا ينزعن يدا من طاعة) كناية عن عدم الخروج على الإمام. (فجثى على ركبتيه) في أكثر النسخ "فجثي" بالياء، وفي بعضها "فجثا" بالألف، والوجهان صحيحان. قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "فجثا" بالثاء، وفي بعضها "فجذا" بالذال، وكلاهما صحيح، فأما بالثاء فيقال منه: جثا على ركبتيه يجثو، وجثا يجثي، جثوا، وجثيا، فيهما، وأجثاه غيره، وتجاثوا على الركب، وأما "جذا" فهو الجلوس على أطراف أصابع الرجلين، ناصب القدمين، وهو الجاذي. قال الجمهور: الجاذي أشد استيفازا من الجاثي.

стр. 4182

-[فقه الحديث]- -[يؤخذ من الأحاديث]- ١ - من الروايتين الثانية والرابعة وجوب السمع والطاعة للأمراء، وقد سبق إيضاحها في الباب الماضي. ٢ - ومنهما ومن الرواية السابعة وجوب الصبر على ظلم الولاة، واستئثارهم بالدنيا. ٣ - من قوله في روايتنا الأولى "إنكم ستلقون بعدي أثرة" ومن قوله في الرواية الثانية "أرأيت إن قامت علينا أمراء .... إلخ" ومن قوله في الرواية الحادية عشرة من الباب قبل السابق، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية "وأن لا ننازع الأمر أهله" أن للحاكم شروطا تؤهله للولاية. قال النووي: قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وقال: ولا تنعقد لفاسق ابتداء. ٤ - ومن قوله في الرواية السادسة "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ... " وفي السابعة "من فارق الجماعة شبرا ... " وفي العاشرة "من خلع يدا من طاعة .... " وفي الرابعة عشرة والخامسة عشرة "لا. ما صلوا" ومن قوله في باب وجوب طاعة الأمراء، في الرواية الثانية عشرة "وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان" حالات الخروج على الإمام. قال القاضي: أجمع العلماء على أنه لو طرأ على الإمام الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها. قال: وكذلك البدعة عند جمهورهم. قال: وقال بعض البصريين بالنسبة لصاحب البدعة: تنعقد له، وتستدام له، لأنه متأول. قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر، وتغيير للشرع، أو بدعة، خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل، إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه. قال: وإذا طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه، إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه، للأحاديث الواردة في ذلك، قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد الإجماع في هذا، وقد رد عليه بعضهم بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج، وتأول هذا القائل قوله "وأن لا ننازع الأمر أهله" في أئمة العدل، وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس لمجرد الفسق، بل لما غير من الشرع، وظاهر من الكفر. قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم. اهـ. وقال الداودي: الذي عليه العلماء في أئمة الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر.

стр. 4183

٥ - ومن الروايات الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والعاشرة والثانية عشرة وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة، ومفارقة الجماعة، قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم، ولم يقل فيهم "تعرف وتنكر" كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة. ٦ - ومن الروايتين الحادية عشرة والثانية عشرة الأمر بقتال من خرج على الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين، ونحو ذلك، قال النووي: وينهى عن ذلك، فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شره إلا بقتله، فقتل كان هدرا. ٧ - تحريم القتال عصبية وغضبا. ٨ - ومن حديث حذيفة -روايتنا الرابعة- معجزة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ . ٩ - قال الطبري: في الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام، فافترق الناس أحزابا، فلا يتبع أحدا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع. اهـ. ففيه فضيلة العزلة عند الفتن. ١٠ - قال ابن أبي جمرة: في الحديث حكمة الله في عباده، كيف أقام كلا منهم فيما شاء، فحبب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير، ليعملوا بها، ويبلغوها غيرهم، وحبب لحذيفة السؤال عن الشر، ليجتنبه، ويكون سببا في دفعه عمن أراد الله له النجاة. ١١ - وفيه سعة صدر النبي ﷺ . ١٢ - ومعرفته ﷺ بوجوه الحكم كلها، حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه. ١٣ - ويؤخذ منه أن كل من حبب إليه شيء فإنه يفوق فيه غيره، ومن هنا كان حذيفة صاحب السر، الذي لا يعلمه غيره، حتى خص بمعرفة أسماء المنافقين، وبكثير من الأمور الغيبية. ١٤ - وأن من أدب التعليم أن يعلم التلميذ أنواعا من العلوم المباحة التي يميل إليها. ١٥ - وفيه وجوب رد الباطل، وكل ما خالف الهدي النبوي، ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع. ١٦ - ومن الروايتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة وجوب أمر الولاة بالمعروف، ونهيهم عن المنكر قدر الاستطاعة. ١٧ - وأن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به، أو بألا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه. ١٨ - ومن الرواية العاشرة فضيلة لعبد الله بن عمر، وإنكاره المنكر على الولاة، وقوته في الحق وعدم خوفه الله لومة لائم.

стр. 4184

١٩ - ومن الروايتين السادسة عشرة والسابعة عشرة أن حب الرعية للراعي، وحب الراعي للرعية، ودعاء كل منهم للآخر دليل على حب الله ورضاه. ٢٠ - وبالعكس بغض الرعية للراعي، وبغض الراعي للرعية، وعدم دعاء كل منهم للآخر دليل على بغض الله تعالى. ٢١ - وفي الرواية السابعة عشرة استيثاق الرواة بعضهم بعضا من الرواية. ٢٢ - وفيها استقبال القبلة عند الحلف. ٢٣ - قال الحافظ ابن حجر عن موقف الصحابة من الفتن ومن هذه الأحاديث: والحق حمل عمل كل واحد من الصحابة في الفتن على السداد، فمن لابس القتال اتضح له الدليل، لثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية، وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد لم يتضح له أي الفئتين هي الباغية، أم لم يكن له قدرة على القتال، وقد وقع لخزيمة بن ثابت أنه كان مع علي، وكان مع ذلك لا يقاتل، فلما قتل عمار قاتل حينئذ، وحدث بحديث "يقتل عمارا الفئة الباغية". والله أعلم.

стр. 4185

(٥١٦) باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة ٤٢١٨ - عن جابر ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. فبايعناه. وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة. وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. ٤٢١٩ - عن جابر ﵁ قال: لم نبايع رسول الله ﷺ على الموت إنما بايعناه على أن لا نفر. ٤٢٢٠ - عن جابر ﵁ يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة. فبايعناه. وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة. فبايعناه. غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره. ٤٢٢١ - عن جابر ﵁ يسأل: هل بايع النبي ﷺ بذي الحليفة؟ فقال: لا. ولكن صلى بها. ولم يبايع عند شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية. قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: دعا النبي ﷺ على بئر الحديبية. ٤٢٢٢ - عن جابر ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. فقال لنا النبي ﷺ : "أنتم اليوم خير أهل الأرض" وقال جابر: لو كنت أبصر، لأريتكم موضع الشجرة. ٤٢٢٣ - عن سالم بن أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة؟ فقال: لو كنا مائة ألف لكفانا. كنا ألفا وخمس مائة. ٤٢٢٤ - عن جابر ﵁ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا. كنا خمس عشرة مائة.

стр. 4186

٤٢٢٥ - عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وأربع مائة. ٤٢٢٦ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاث مائة. وكانت أسلم ثمن المهاجرين. ٤٢٢٧ - عن معقل بن يسار ﵁ قال: لقد رأيتني يوم الشجرة، والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه. ونحن أربع عشرة مائة. قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. ٤٢٢٨ - عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة. قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها. فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. ٤٢٢٩ - عن سعيد بن المسيب، عن أبيه: أنهم كانوا عند رسول الله ﷺ عام الشجرة. قال: فنسوها من العام المقبل. ٤٢٣٠ - عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. ٤٢٣١ - عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت.

стр. 4187

٤٢٣٢ - عن عبد الله بن زيد قال: أتاه آت فقال: ها ذاك ابن حنظلة يبايع الناس. فقال: على ماذا؟ قال: على الموت. قال: لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله ﷺ . -[المعنى العام]- يقول جل شأنه: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا﴾ [غافر: ٥١]. ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم: ٤٧] عهد من الله تعالى أن ينصر رسله، والله لا يخلف الميعاد، وللنصر أسباب بشرية، إذا هي عجزت، أو وقف في سبيل تأثيرها عائق تدخلت الإرادة الإلهية بمعجزة ظاهرة، فحين قال أصحاب موسى: ﴿إنا لمدركون* قال كلا إن معي ربي سيهدين* فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم* وأزلفنا ثم الآخرين* وأنجينا موسى ومن معه أجمعين* ثم أغرقنا الآخرين﴾ [الشعراء: ٦١ وما بعدها]. وهنا في غزوة الحديبية، وقد وصل المسلمون، ألفا وأربعمائة مقاتل، إلى بئر قليل الماء، وهم عطاش، ودوابهم عطش، لم يرو ماؤها غلة حتى نضب، فزعوا إلى قائدهم ونبيهم يشكون، عطاش يكاد العطش يهلكهم، ويهلك دوابهم، وهم في أرض الكفار، لا يسيطرون من مائها إلا على هذه البئر. وليس في رحال القوم سوى إناء بين يدي الرسول ﷺ يتوضأ منه، لا يسع أكثر من لتر ماء. فما النجاة؟ وربما يطول بهم المقام في هذه المفازة أياما؟ ولم يجد ﷺ من أسباب عادية يحاولها، فلجأ إلى الله، دعاه، وهو القائل ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ [النمل: ٦٢] دعاه ووضع يده في إناء الماء، ففار الماء من بين أصابعه ﷺ ، فأخذه حتى وقف على شفير البئر، فمضمض منه، ودعا، وصبه في البئر، ودعا، وقال لأصحابه: اتركوها ساعة، فعادوا إليها بعد ساعة ليجدوها ملأى بالماء، فشربوا وسقوا دوابهم، وملئوا بالماء أوعيتهم، وما نقص ماؤها، وأقاموا عندها أياما يشربون ويسقون وماؤها ثابت لا ينقص، معجزة عينية مادية، آمن بها من شهدها، حتى قال قائلهم: كنا ألفا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا ماؤها. ولقد أقاموا تحت أشجار الحديبية أياما، تمنعهم قريش من أداء عمرتهم، وهم ينتظرون قضاء الله وقدره، فقد أحرموا بالعمرة من ذي الحليفة، وساقوا معهم هديهم من المدينة، فكيف يصدون عن المسجد الحرام وهم قوة، غلبت كفار قريش في مواقع كثيرة؟ الحماس يملؤهم أن يهاجموا قريشا بمكة، وأن يعتمروا إن بالسلم وإن بالقوة، ورسول الله ﷺ الذي لا يصدر إلا عن أمر ربه يهدئ من حماسهم، ويراسل قريشا ويراسلونه، وأشيع أن عثمان ﵁ رسول رسول الله ﷺ إلى قريش قد قتل، فقال ﷺ : لئن كانوا قد قتلوه لأقاتلنهم، وأمر مناديه أن ينادي الناس من تحت أشجارهم أن يأتوه، فيبايعوه تحت الشجرة التي ينزل عندها، فجاءوا يمدون أيديهم إلى يده، يبايعونه، وهم إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، يبايعونه على الثبات أمام الكفار في حربهم، وعدم الفرار حتى النصر أو الموت، بيعة هم الكاسبون فيها، فهم

стр. 4188

مؤمنون بقوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١] بيعة لا يتربصون بها إلا إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة بيعة لله وفي الله ومن أجل الدفاع عن شريعة الإسلام، فكان أن رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأنزل فيهم قوله: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ [الفتح: ١٨] وأنزل الله الرعب في قلوب الذين كفروا، فأذعنوا إلى الصلح الذي كان أساسا لفتح مكة، وكانت نتيجته دخول الناس في دين الله أفواجا، واكتسبت هذه البيعة شهرة إسلامية لها ولأصحابها، وصار المبايعون تحت الشجرة يفخرون حياتهم بها، فقد كانت شهادة من الله لهم بما كانوا عليه من الإخلاص والسكينة، وكانت إعلانا عن مكافأة الله لهم بالرضا عنهم، بل اكتسبت الشجرة التي بايعوا تحتها شهرة لا تقل عن شهرة أصحابها. فعرفت بشجرة الرضوان، كما عرفت البيعة ببيعة الرضوان، وحرص الناس أن يتبركوا بها، أو بموضعها، فأخفى الله عليهم مكانها، حتى يكون توجههم إليه جل شأنه، لا إلى مخلوق من مخلوقاته، ومن تخيل مكانها، وأراد أن يتبرك به منعه عمر بن الخطاب ﵁، وزاد الخلف تعمية مكانها حتى اليوم، فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. -[المباحث العربية]- (كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة) وكذا في الروايتين الخامسة والثامنة، وفي الرواية الثالثة "كنا أربع عشرة مائة" وفي الرواية العاشرة "ونحن أربع عشرة مائة" قال الحافظ ابن حجر: قيل: إنما عدل الصحابي عن قوله "ألف وأربعمائة" إلى قوله "أربع عشرة مائة" للإشارة إلى أن الجيش كان منقسما إلى المئات، وكانت كل مائة متميزة عن الأخرى، إما بالنسبة إلى القبائل، وإما بالنسبة إلى الصفات. وفي الرواية السادسة "كنا ألفا وخمسمائة" وفي السابعة "كنا خمس عشرة مائة" وفي الرواية التاسعة "كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة" قال النووي: أكثر روايات البخاري ومسلم ألف وأربعمائة، وكذا ذكر البيهقي أن أكثر روايات هذا الحديث ألف وأربعمائة [وفي هذا ميل إلى ترجيح هذه الروايات على غيرها، والأخذ بها، وإهمال ما عداها، وإلى هذا جنح البيهقي، وقال: إن رواية من قال ألف وأربعمائة أصح] ثم قال النووي: ويمكن أن يجمع بينهما بأنهم كانوا ألفا وأربعمائة وكسرا، فمن قال: "أربعمائة" لم يعتبر الكسر، ومن قال "خمسمائة" جبر الكسر. اهـ. ويؤيد هذا الجمع ما جاء في رواية البراء بن عازب عند البخاري "كانوا ألفا أو أكثر" وما جاء في ابن سعد عن معقل بن يسار "زهاء ألف وأربعمائة" وجمع بعضهم بأن من ذكر "ألفا وأربعمائة" أراد من بايع فعلا، ومن ذكر الزيادة أرادهم مع الذين كانوا غائبين أثناء البيعة، كعثمان ﵁ ومن كان معه، أو أرادهم مع توابع الجيش من النساء والصبيان والخدم، وجمع بعضهم بأن العدد الأقل: عدد من ابتدأ الخروج، والعدد الأكثر راعى من تلاحقوا بهم، وأما روايتنا التاسعة "كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة" فقد قال عنها النووي: إن ابن أبي أوفى ترك بعضهم، لكونه لم يتقن العد، أو لغير ذلك. اهـ.

стр. 4189

وهناك روايات ضعيفة لم يلتفت إليها المحققون، منها ما جزم به موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفا وستمائة، وما أخرجه ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع أنهم كانوا ألفا وسبعمائة، وما حكاه ابن سعد أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وما ذكره ابن إسحق أنهم كانوا سبعمائة، وعزا ابن دحية سبب الاختلاف في عددهم أن الذين ذكروا عددهم لم يقصدوا التحديد، وإنما ذكروا ذلك على وجه التقريب، مع الحدس والتخمين، وهذا القول غير معقول. (وعمر آخذ بيده تحت الشجرة) في هذه الجملة دفع توهم أن عمر بن الخطاب ﵁ تأخر عن البيعة، أو لم يبايع إلا بعد أن بايع الناس، فقد روى البخاري أن عمر يوم الحديبية أرسل ابنه عبد الله ليحضر له فرسا له كان عند رجل من الأنصار، ليحارب قريشا عليه، ودخل فلبس لباس الحرب، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، وجاء ابنه بالفرس، ونظر عمر فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ ، فقال عمر لابنه: انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ ؟ فذهب، فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى أبيه، فأخبره، فخرج عمر ﵁ فبايع. (وهي سمرة) بفتح السين وضم الميم وفتح الراء، أي شجرة عظيمة من شجر ترعاه الإبل، له شوك، صغر أو كبر. (بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت) في الرواية الثانية "لم نبايع رسول الله ﷺ على الموت، إنما بايعناه على ألا نفر" وفي الرواية الثالثة عشرة، سئل سلمة "على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت" وفي الرواية الرابعة عشرة إيماء بأن المبايعة تحت الشجرة كانت على الموت، ففيها "هذا ابن حنظلة يبايع الناس. فقال: على ماذا؟ قال: على الموت. قال: لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله ﷺ " ففيه إشعار بأنه بايع النبي ﷺ على الموت، ولا تنافي بين قولهم: بايعوه على الموت، وبين قولهم: بايعوه على عدم الفرار، لأن معنى المبايعة على الموت المبايعة على أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهذا معنى نفي جابر للمبايعة على الموت في الرواية الأولى والثانية، وحاصل الجمع أن من أطلق أن البيعة كانت على الموت أراد لازمها، لأنها إذا بويع على عدم الفرار لزم أن يثبت، والذي يثبت إما أن يغلب، وإما أن يؤسر، والذي يؤسر إما أن ينجو، وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلقه الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تئول إليه. وجمع الترمذي بين النصين باحتمال أن البعض بايع على الموت، والبعض بايع على أن لا يفر. (دعا النبي ﷺ على بئر الحديبية) روى البخاري عن البراء ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر [كذا قيل: إن الحديبية اسم بئر، سميت المنطقة كلها باسمه] فنزحناها [في الشرب وسقي الدواب] فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك ﷺ [وفي رواية جابر "عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة -إناء صغير أو دلو صغير من جلد، يشرب منه- فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ : ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا

стр. 4190

ماء نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه، كأمثال العيون" وفي رواية البراء "فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم مضمض، ودعا، ثم صبه فيها، ثم قال: دعوها ساعة. فشربوا وتوضئوا قيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال -كما في الرواية السادسة- "لو كنا مائة ألف لكفانا". فمعنى قوله "دعا على بئر الحديبية" أي دعا فيها بالبركة. (لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة) كان جابر ﵁ قد عمي في آخر عمره. (وكانت أسلم ثمن المهاجرين) أي كانت قبيلة أسلم "ثمن" بضم الثاء وسكون الميم وضمها، قال الواقدي: كان مع النبي ﷺ في غزوة الحديبية من أسلم مائة رجل، فعلى هذا كان المهاجرون ثمانمائة رجل. (وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه) قلنا: إن الشجرة كانت كبيرة من شجر الشوك، فكان غصن من أغصانها قريبا من النبي ﷺ رفعه معقل بن يسار عن النبي ﷺ . (فانطلقنا في قابل حاجين) أي في العام القابل "حاجين" جمع مذكر سالم، قال الحافظ ابن حجر: كذا أطلق، وهم كانوا معتمرين، لكن يطلق عليها الحج، كما يقال: العمرة الحج الأصغر. (فخفي علينا مكانها) في رواية البخاري "فعميت علينا" أي أبهمت، وفي رواية "فعمي علينا مكانها"، أي اشتبهت الشجرة المعينة المباركة بأشجار أخر، ولم يكن لها علامة مميزة فأصبح من المستحيل تعيينها ومعرفتها من بين مثيلاتها، وفي رواية للبخاري "ورجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله" أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى، أو المعنى كانت الشجرة موضع رحمة الله ورضوانه، لنزول الرضا عن المؤمنين عندها. (فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم) في رواية للبخاري عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان. قال: فأتيت سعيد بن المسيب، فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها؟ وعلمتموها أنتم؟ -جماعة التابعين أو أتباع التابعين- فأنتم أعلم؟ قال هذا الكلام منكرا، على سبيل التهكم. (هذا ابن حنظلة يبايع الناس) عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، الذي يعرف أبوه بغسيل الملائكة. والسبب في تلقيبه بذلك أنه قتل بأحد وهو جنب، فغسلته الملائكة، وعلقت امرأته تلك الليلة بابنه عبد الله بن حنظلة، فمات النبي ﷺ وله سبع سنين، وقد حفظ عنه.

стр. 4191

وكان عبد الله بن حنظلة يأخذ بيعة الناس على الطاعة له، وخلع يزيد بن معاوية، وذلك أن يزيد بن معاوية كان قد عين على المدينة ابن عمه عثمان بن محمد بن أبي سفيان أميرا، فأوفد هذا الأمير إلى يزيد جماعة من أهل المدينة، منهم عبد الله بن حنظلة في آخرين، فأكرمهم يزيد، لكن لما رجعوا عابوه ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك، ثم وثبوا على الأمير عثمان فأخرجوه من المدينة، وخلعوا يزيد بن معاوية، وكان الأمير على الأنصار عبد الله بن حنظلة، وعلى قريش عبد الله بن مطيع، وعلى غيرهم من القبائل معقل بن يسار، فكان عبد الله بن حنظلة في هذا الوقت يأخذ البيعة لنفسه، ويستعد بأتباعه لحرب يزيد بن معاوية، ولما بلغ ذلك يزيد جهز إليهم جيشا بقيادة مسلم بن عقبة المري وأمره أن يدعوهم ثلاثا، فإن رجعوا، وإلا قاتلهم، فإن هزمهم استباح المدينة للجيش ثلاثا، ثم كف عنهم، فوصل إليهم، فحاربوه، فانهزموا، وقتل ابن حنظلة، وفر ابن مطيع، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا. -[فقه الحديث]- لهذه الأحاديث علاقة وثيقة بغزوة الحديبية، وقد تعرضنا لكثير من مسائلها هناك، وقد ذكر أهل المغازي السبب في بيعة الرضوان، فقالوا: إن النبي ﷺ لما نزل بالحديبية أحب أن يبعث إلى قريش رجلا يخبرهم بأنه إنما جاء معتمرا، فدعا عمر ليبعثه، فقال والله لا آمنهم على نفسي، فدعا عثمان، فأرسله، وأمره أن يبشر المستضعفين من المؤمنين بالفتح القريب، وأن الله سيظهر دينه، فتوجه عثمان، فوجد قريشا نازلين ببلدح، قد اتفقوا على أن يمنعوا النبي ﷺ من دخول مكة، فأجاره أبان بن سعيد بن العاص، وبعثت قريش بديل بن ورقاء وسهيل بن عمرو إلى النبي ﷺ ، وقد مضت القصة مطولة في غزوة الحديبية، وآمن الناس بعضهم بعضا، وبينما هم في انتظار الصلح، إذ رمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر، فقامت معركة، وتراموا بالنبال والحجارة، فارتهن كل فريق من عندهم، وأشيع أن عثمان قتل، فدعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة، وهو نازل تحت الشجرة التي كان يستظل بها، فبايعوه على أن لا يفروا حتى النصر أو الموت، وألقى الله الرعب في قلوب الكفار، فأذعنوا إلى المصالحة. وفي فضل أصحاب الشجرة يقول الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ [الفتح: ١٨]. وفي روايتنا الخامسة يقول ﷺ لأهل الشجرة "أنتم اليوم خير أهل الأرض" وعند أحمد بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال لهم: "أوقدوا واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم" وعند مسلم من حديث جابر مرفوعا "لا يدخل النار من شهد بدرا والحديبية" وعنده أيضا "لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة". وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل علي، على عثمان، لأن عليا كان من جملة من خوطب بذلك، وممن بايع تحت الشجرة، وكان عثمان حينئذ غائبا، وهذا التمسك باطل،

стр. 4192

لأن النبي ﷺ بايع عنه، فاستوى معهم عثمان في الخيرية المذكورة، ولم يقصد في الحديث تفضيل بعضهم على بعض. كما استدل به على أن الخضر ليس حيا، لأنه لو كان حيا، مع ثبوت كونه نبيا للزم تفضيل غير النبي على النبي، وهو باطل، فدل على أنه ليس بحي حينئذ، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون حينئذ حاضرا معهم، ولم يقصد إلى تفضيل بعضهم على بعض، أو لم يكن على وجه الأرض، بل كان في البحر، قال الحافظ ابن حجر: والثاني جواب ساقط، وعكس ابن التين فاستدل بالحديث على أن الخضر ليس بنبي، فبنى الأمر على أنه حي، وأنه دخل في عموم من فضل النبي ﷺ أهل الشجرة عليهم، وأغرب ابن التين، فجزم أن إلياس ليس بنبي، وبناه على قول من زعم أنه أيضا حي، وكونه حيا ضعيف، أما كونه ليس بنبي فباطل، ففي القرآن الكريم: ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾ [الصافات: ١٢٣] فكيف يكون أحد من بني آدم مرسلا وليس بنبي؟ . ويؤخذ من قول جابر ﵁، في ملحق الرواية الخامسة "لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة" أن بعض الصحابة كان يضبط مكانها على التعيين، بعلامات حفظها، كذا قال الحافظ ابن حجر، وقال: ثم وجدت عن ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة، فيصلون عندها، فتوعدهم، ثم أمر بقطعها، فقطعت. اهـ. وكأن ابن حجر يميل إلى أن الشجرة كانت معلومة، وأن مكانها كان معلوما إلى عهد عمر، ونحن نستبعد ذلك، فما كان يفعله الناس، وما فعله عمر ليس دليلا على أنها هي هي، فالناس توهموها في شجرة ما، فأخذوا يتبركون بها، كما تهكم سعيد بن المسيب على من ادعى معرفتها، وقطع عمر لشجرة يتوهمها الناس من باب سد الذرائع، وقطع الشبهات، وما قاله جابر ﵁ يحمل على أن العلامات كانت في مخيلته قبل أن يصاب بالعمى، وقبل أن تغير هذه المعالم بقطعها أو قطع ما حولها من أشجار، وتكسير ما يقاربها من أحجار، وقد كان الزمن بين رؤيته لها في الحديبية وبين إخباره بهذا الخبر يزيد على الستين عاما، فقد توفي سنة أربع وسبعين من الهجرة، وهي كفيلة بتغيير كل المعالم بفعل الحطابين والرعاة، وكثيرا ما يخيل للمرء أنه يستطيع فعل شيء، ثم لا يستطيعه أمام الواقع، وأمام المستجدات التي لم يكن يقدرها، ويكفينا أن سعيد بن المسيب حاول التعرف عليها أو على مكانها بعد عام واحد فلم يستطع التعرف عليها، ولم يثبت من طريق صحيح أن أحدا ممن بايع تحتها تعرف عليها، بل قال ابن عمر -فيما رواه البخاري "رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها" أي بذلت المحاولات لمعرفتها بعد عام فلم يتعرف عليها، وتلك إرادة الله، قال الحافظ ابن حجر: وبيان الحكمة في ذلك أن لا يحصل بها افتتان، لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر، بقوله "كانت رحمة من الله" أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى. وفي الحديث معجزة ماء البئر للنبي ﷺ .

стр. 4193

وفيه المبايعة على الحرب. والصبر في قتال الكفار، لأن البيعة على ألا نفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل. قال النووي: وكان في أول الإسلام يجب على العشرة من المسلمين أن يصبروا لمائة من الكفار، ولا يفروا منهم، وعلى المائة الصبر لألف كافر، ثم نسخ ذلك، وصار الواجب مصابرة المثلين فقط. هذا مذهبنا ومذهب ابن عباس ومالك والجمهور، أن الآية منسوخة [وهي قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [الأنفال: ٦٥] والناسخ لها قوله تعالى بعدها: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦] وقال أبو حنيفة وطائفة: ليست بمنسوخة، واختلفوا في: هل المعتبر مجرد العدد، من غير مراعاة القوة والضعف؟ أم يراعى؟ والجمهور على أنه لا يراعى، لظاهر القرآن الكريم. والله أعلم.

стр. 4194

(٥١٧) باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه والمبايعة بعد الفتح على الإسلام والجهاد والخير ٤٢٣٣ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه دخل على الحجاج فقال: يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك، تعربت. قال: لا ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو. ٤٢٣٤ - عن مجاشع بن مسعود السلمي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ أبايعه على الهجرة. فقال: "إن الهجرة قد مضت لأهلها، ولكن على الإسلام والجهاد والخير". ٤٢٣٥ - عن مجاشع بن مسعود السلمي ﵁ قال: جئت بأخي أبي معبد إلى رسول الله ﷺ بعد الفتح. فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة. قال: "قد مضت الهجرة بأهلها" قلت: فبأي شيء تبايعه؟ قال: "على الإسلام والجهاد والخير". قال أبو عثمان: فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع. فقال: صدق. ٤٢٣٦ - -/- وفي رواية عن عاصم بهذا الإسناد، قال: فلقيت أخاه، فقال: صدق مجاشع. ولم يذكر أبا معبد. ٤٢٣٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا". ٤٢٣٨ - عن عائشة ﵂ قالت سئل رسول الله ﷺ عن الهجرة. فقال: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا". ٤٢٣٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أعرابيا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة.

стр. 4195

فقال: "ويحك إن شأن الهجرة لشديد. فهل لك من إبل؟ " قال: نعم. قال: "فهل تؤتي صدقتها" قال: نعم. قال: "فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا". ٤٢٤٠ - -/- وفي رواية عن الأوزاعي بهذا الإسناد مثله، غير أنه قال: "إن الله لن يترك من عملك شيئا" وزاد في الحديث قال: "فهل تحلبها يوم وردها" قال: نعم. -[المعنى العام]- تحمل المسلمون الأولون الأذى من أهليهم الكافرين ليردوهم عن دينهم، فكان أن أذن لهم الرسول ﷺ بالهجرة إلى الحبشة مرتين، فرارا بدينهم، فلما فتحت دار الهجرة صدرها للإسلام، وتعهد الأنصار بحماية الرسول ﷺ وحماية دعوته اقتضت الحكمة أن يتجمع المهاجرون في المدينة، يأخذون عن رسول الله ﷺ ما ينزل عليه من التشريع أولا بأول، ولتتكتل القوة، وتنمو في مكان واحد، حتى يمكنها بعد ذلك الانطلاق من نقطة الارتكاز، ففرضت هجرة من أسلم من دار الكفر إلى المدينة، هجرة يتخلى بها عن أهله وداره وماله ابتغاء مرضاة الله، هجرة وصف فيها بالفقر وإن كان قبلها من الأثرياء، حتى قال الله فيهم: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ [الحشر: ٨] وكان لهذه الهجرة أجر عند الله عظيم، ولما كانت تبعاتها كبيرة وخطيرة، وكان بعض من هاجر يصعب عليه تحملها، وربما ضعفت نفسه أمام واجباتها، فرض على المهاجر أن لا يرجع لاستيطان وطنه الأول. ظل هذان المبدآن واجبين -الهجرة من دار الكفر، وعدم العودة إلى بلده للاستيطان- حتى فتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأصبح الإسلام منتشرا في معظم مناطق الجزيرة العربية، ولم يعد في حاجة إلى نقطة تجمع وارتكاز، فانقطعت الهجرة بمعناها السابق، وتحولت مبايعة الرسول ﷺ لمن يريدون الدفاع عن الإسلام من مبايعة على الهجرة إلى مبايعة على الإسلام والجهاد والخير، وباب الجهاد مفتوح لكل المسلمين، وجهاد النفس والشيطان مفتوح لأهل البادية وأهل الحضر على السواء، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا. -[المباحث العربية]- (ارتدت على عقبيك؟ تعربت) العقب مؤخر القدم، يقال: ارتد على عقبه إذا رجع على الطريق الذي جاء منه سريعا، ويقال: تعرب أي أقام بالبادية بعد أن هجرها. وكان سلمة بن الأكوع قد تحول من المدينة إلى الربذة بعد قتل عثمان، وتزوج بها، وولد له، حتى كان قبل أن يموت بليال نزل إلى المدينة، فمات بها. مات سنة أربع وسبعين على الصحيح. قال النووي: ولعل سلمة رجع إلى غير وطنه، وسيأتي مزيد لحكم أمثاله في فقه الحديث.

стр. 4196

(أذن لي في البدو) البدو البادية، أي أذن لي في الإقامة بالبادية. (أتيت النبي ﷺ أبايعه على الهجرة) في الرواية الثالثة "جئت بأخي أبي معبد إلى رسول الله ﷺ بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله، بايعه على الهجرة" والظاهر أنه جاء يطلب المبايعة على الهجرة له ولأخيه، في مجيء واحد. (إن الهجرة قد مضت لأهلها) في الرواية الثالثة "قد مضت الهجرة بأهلها" قال النووي: معناه أن الهجرة الممدوحة الفاضلة، التي لأصحابها المزية الطاهرة، قد مضت، وثبتت لأهلها، لأنها خصت بما وقع منها قبل الفتح. اهـ. (ولكن على الإسلام والجهاد والخير) في الرواية الثالثة "قلت: فبأي شيء تبايعه؟ قال: على الإسلام والجهاد والخير". (بعد الفتح) أل في الفتح للعهد، أي بعد فتح مكة، قالوا: المعنى لا هجرة من مكة بعد أن فتحت، لأنها صارت دار إسلام فلا تقصد منها الهجرة، وقال غيرهم: قال النووي: وهو الأصح: إن معناه أن الهجرة الفاضلة مضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة، لأن الإسلام قوي وعز بعد فتح مكة عزا ظاهرا، بخلاف ما قبله. (ولكن جهاد ونية) قال الطيبي: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن، التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة، كالفرار من دار الكفر، وكالخروج في طلب العلم، وكالفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك، فقوله "ولكن جهاد" معطوف على محل مدخول "لا هجرة" أي الهجرة من الوطن إما للفرار من الكفار، أو إلى الجهاد، أو إلى غير ذلك، كطلب العلم، فانقطعت الأولى، وبقي الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا عنهما، بل إذا استنفرتم فانفروا. (وإذا استنفرتم فانفروا) قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة، يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه، وأصل النفير مفارقة مكان إلى مكان، لأمر حرك ذلك، والمراد منه هنا الخروج لمحاربة الكفار. (ويحك) "ويح" كلمة ترحم وتوجع، وقيل: هي بمعنى ويل لك. (إن شأن الهجرة لشديد) هذا الأعرابي جاء من البادية إلى النبي ﷺ قبل الفتح، ويطلب البيعة على الهجرة، والبقاء في المدينة مع النبي ﷺ وترك أهله ووطنه، وكثير من الأعراب لا يتحملون ذلك، فقد بايع بعض الأعراب من قبل، ثم طلبوا الإقالة من البيعة، فخاف ﷺ على

стр. 4197

هذا الأعرابي أن يكون شأنه شأنهم، فنصحه بما يحقق له فضل الهجرة من غير الهجرة، أي إن شأنها ولازمها ومتطلباتها شديدة عليك، لا تحتملها. (فاعمل من وراء البحار) قال النووي: قال العلماء: المراد بالبحار هنا القرى، والعرب تسمى القرى البحار، والقرية البحيرة، اهـ. أي فاعمل بالشريعة الإسلامية في البادية، من وراء البلاد والقرى. (فإن الله لن يترك من عملك شيئا) أي فإن الله لن ينقصك من ثواب أعمالك شيئا، حيثما كنت. يقال: وتر فلانا حقه وماله، بفتح الواو والتاء، يتره بكسر التاء، إذا نقصه إياه، قال تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥]. (فهل تحلبها يوم وردها؟ ) "تحلب" بضم اللام وكسرها، والورد بكسر الواو وسكون الراء، الوصول والبلوغ لماء سقيها، وكان العرب إذا اجتمعوا عند الماء حلبوا مواشيهم، وسقوا المحتاجين المجتمعين هناك من لبنها. -[فقه الحديث]- قال النووي: قال القاضي عياض: أجمعت الأمة على تحريم ترك المهاجر هجرته، ورجوعه إلى وطنه، وعلى أن ارتداد المهاجر من الكبائر. واعتذر القاضي عن سلمة فقال: إن خروج سلمة إلى البادية إنما كان بإذن النبي ﷺ قال: ولعله رجع إلى غير وطنه، أو لأن الغرض في ملازمة المهاجر المدينة، وفرض ذلك عليه إنما كان في زمن النبي ﷺ لنصرته، وليكون معه. أو لأن منع المهاجر من الرجوع، والخروج من المدينة، واستيطان غيرها إنما كان قبل فتح مكة، فلما كان الفتح، وأظهر الله الإسلام على الدين كله، وأذل الكفر، وأعز المسلمين سقط فرض الهجرة. أما حكم الهجرة إلى المدينة قبل فتح مكة فقد قال القاضي عياض: لم يختلف العلماء في وجوب الهجرة على أهل مكة قبل الفتح، واختلف في غيرهم، فقيل: لم تكن واجبة على غيرهم، بل كانت ندبا. ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال، لأنه ﷺ لم يأمر الوفود التي وفدت عليه قبل الفتح بالهجرة، وقيل: إنما كانت واجبة على من يسلم، لئلا يبقى تحت حكم الكفار. قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها، لما يترجى من دخول غيره في الإسلام. وقال الخطابي: كانت الهجرة -أي إلى النبي ﷺ في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت -لما هاجر إلى المدينة- إلى حضرته، للقتال معه، وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات، حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من

стр. 4198

ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: ٧٢] فلما فتحت مكة، ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة، وبقي الاستحباب. وأخرج البخاري عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى، وإلى رسوله، مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية" فأشارت ﵂ إلى بيان حكمة مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع، لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت. وقال الحافظ ابن حجر: وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم أن يسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم، إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧]؟ الآية. قال: وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر، وقدر على الخروج منها. اهـ. ومن هنا جاء عن ابن عمر قوله "انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" أي مادام في الدنيا دار كفر. وعن حكم النفير والخروج للجهاد يقول النووي: في الحديث دليل على أن الجهاد ليس فرض عين، بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، قال: قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين، فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية، وأما في زمن النبي ﷺ فالأصح عند أصحابنا أنه كان أيضا فرض كفاية، والقول الآخر عند أصحابنا أنه كان فرض عين، واحتج القائلون بأنه كان فرض كفاية بأنه كانت تغزو السرايا، وفيها بعض الصحابة دون بعض. اهـ. وقال الماوردي: كان فرض عين على المهاجرين، دون غيرهم، قال الحافظ: ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة، لنصرة الإسلام. وقال السهيلي: كان فرض عين على الأنصار، دون غيرهم، قال الحافظ: ويؤيده مبايعتهم للنبي ﷺ ليلة العقبة على أن يؤووه، وينصروه، فيخرج من قوليهما أنه كان عينا على الطائفتين، فرض كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، قال: ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر، فيما ذكره ابن إسحق، فإنه كان كالصريح في ذلك. وقيل: كان فرض عين في الغزوة التي يخرج فيها النبي ﷺ دون غيرها. قال الحافظ: والتحقيق أنه كان فرض عين على من عينه النبي ﷺ .

стр. 4199

أما بعده ﷺ فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلا عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوي. والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض. والتحقيق أيضا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم، إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه. والله أعلم.

стр. 4200

(٥١٨) باب كيفية بيعة النساء ٤٢٤١ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحن بقول الله ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين﴾ [الممتحنة: ١٢] إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات، فقد أقر بالمحنة. وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله ﷺ "انطلقن فقد بايعتكن". ولا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى. وما مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط. وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن "قد بايعتكن" كلاما. ٤٢٤٢ - عن عروة أن عائشة ﵂ أخبرته عن بيعة النساء، قالت: ما مس رسول الله ﷺ بيده امرأة قط، إلا أن يأخذ عليها، فإذا أخذ عليها فأعطته، قال "اذهبي فقد بايعتك". -[المعنى العام]- كان من شروط الصلح في الحديبية بين قريش والمسلمين أن من جاء من قريش إلى المسلمين يردونه إلى قريش، وعبارته عند ابن إسحق "من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم" وهذه العبارة تعم الرجال والنساء، وكذا عبارته عند البخاري "ولا يأتيك منا أحد" أما رواية البخاري في كتاب الشروط فكانت "على أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا" وسواء كانت عبارة الشرط تشمل النساء ثم نسخ دخولهن فيه، أو كانت عامة فخصصت، أو لم تكن تشملهن ابتداء، فحكم الله تعالى يخرجهن من الشرط؛ إذ هاجرت بعد الصلح إلى رسول الله ﷺ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فخرج أخواها عمار والوليد، حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلماه في أمرها، ليردها ﵊ إلى قريش، فنزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن

стр. 4201

حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم* وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون* يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ [الممتحنة: ١٠، ١١، ١٢]. فلما نزلت هذه الآية لم يردها ﷺ ، ثم أنكحها زيد بن حارثة ﷺ . وهاجر نساء كثيرات من مكة، فكن يمتحن ويبايعن في المدينة، ويعاملن في ضوء هذه الآيات، فعند البزار عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت عقبة، تبايع رسول الله ﷺ ، فأخذ عليها أن لا تزني، فوضعت يدها على رأسها حياء، فقالت لها عائشة: بايعي أيتها المرأة، فوالله ما بايعناه إلا على هذا. قالت: فنعم إذن". وأصبحت هذه الصيغة القرآنية صيغة المبايعة الشرعية، بل صيغة العهد الذي يؤخذ على النساء جميعا في الأوقات المختلفة، ولو على غير المهاجرات، فقد روى البخاري أن النبي ﷺ بعد خطبة يوم عيد أقبل على النساء، فقرأ عليهن: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ ثم قال حين فرغ من الآية: أنتن على ذلك؟ قالت امرأة واحدة منهن: نعم. ولما فتحت مكة، وآمن الكثيرات من نسائها أخذ رسول الله ﷺ عليهن هذه البيعة وهذا الميثاق، وكان ممن بايعنه ﷺ بمكة هند بنت عتبة، زوج أبي سفيان، فقرأ ﷺ عليهن الآية، فلما قال: ﴿على أن لا يشركن بالله شيئا﴾ قالت: وكيف نطمع أن يقبل منا ما لم يقبله من الرجال؟ كأنها تقول: إن هذا واضح مسلم، فلما قال ﴿ولا يسرقن﴾ قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان لا يدري أيحل لي ذلك؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك النبي ﷺ وعرفها، فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم. فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك. فقال ﴿ولا يزنين﴾ فقالت: أو تزني الحرة؟ تريد أن الزنا في الإماء كما كان غالبا في الجاهلية. فقال: ﴿ولا يقتلن أولادهن﴾ فقالت: ربيناهم صغارا، وقتلتهم كبارا، تعني ما كان من أمر ابنها حنظلة بن أبي سفيان، فإنه قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، وتبسم رسول الله ﷺ ثم قال ﴿ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، ولا يأمر الله تعالى إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فقال ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. بل أصبحت هذه الصيغة يبايع ويعاهد عليها الرجال، فيقولون: بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايع عليه النساء، وأصبحت تعرف ببيعة النساء، لما أنها نزلت بخصوص النساء، فقد روى البخاري عن

стр. 4202

عبادة بن الصامت ﵁ قال: "قال لنا رسول الله ﷺ -ونحن في مجلس- تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، فبايعناه على ذلك". وفي مبايعات الرجال كان ﷺ يضع يده في أيدي المبايعين، ويد الله فوق أيديهم، أما في مبايعات الرسول ﷺ للنساء فتؤكد عائشة ﵂ أنه لم يكن يضع يده ﷺ في يد امرأة قط، بل كان يأخذ البيعة عليهن كلاما فقط، فإذا أقررن وتعهدن بما طلب منهن قال لهن: قد بايعتكن على ذلك، ولكن على تنفيذ ذلك الجنة. -[المباحث العربية]- (يمتحن) أي يختبرن اختبارا، يغلب على الظن موافقة قلوبهن لألسنتهن في الإيمان، خشية أن تكون هجرتهن لأمر دنيوي، وليست لله ورسوله، وقد أخرج ابن المنذر والطبري في الكبير بسند حسن عن ابن عباس أنه قال في كيفية امتحانهن: كانت المرأة إذا جاءت مهاجرة حلفها عمر ﵁ بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله. (بقول الله أي الامتحان بسبب قوله ... ، أي فإنها تأمر بامتحانهن، والآية التي ذكرتها عائشة تالية للآية الآمرة بالامتحان وهي قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن .... ﴾ وقد وضحنا ذلك بالمعنى العام. ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات﴾ بحسب الظاهر، أي مدعيات الإيمان. ﴿يبايعنك﴾ الجملة حالية، حال مقدرة، أي مقدرات وقاصدات للبيعة. ﴿على ألا يشركن بالله شيئا﴾ "شيئا" مفعول به، أي لا يشركن بالله شيئا من الأشياء أو صنما من الأصنام، أو صفة لمفعول مطلق، أي لا يشركن شيئا من الإشراك، ولا نوعا من الإشراك. (إلى آخر الآية) بقيتها ﴿ولا يقتلن أولادهن﴾ أريد به وأد البنات، وإن كان الأولاد أعم منهن، وجوز إبقاؤه على ظاهره ﴿ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ قال الفراء: كانت المرأة في الجاهلية تلتقط المولود من غيرها، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك. فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ أي فيما تأمرهن به من معروف، وتنهاهن عنه من منكر، وعند أحمد والترمذي وابن ماجه عن أم سلمة الأنصارية "قالت امرأة من هذه النسوة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ فقال

стр. 4203

صلى الله عليه وسلم: لا تنحن وقيل: النوح وشق الجيوب ووشم الوجوه وغير ذلك. وقيل: لا يخلو رجل بامرأة، ﴿فبايعهن﴾ أي إذا أعطينك العهد بذلك فأعطهن العهد بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء ﴿واستغفر لهن الله﴾ زيادة على ما في ضمن المبايعة من الثواب ﴿إن الله غفور رحيم﴾ يغفر لهن ويرحمهن، إذا وفين بما بايعن. (فقد أقر بالمحنة) قال النووي: معناه فقد بايع البيعة الشرعية. اهـ. وفي رواية البخاري "فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : "قد بايعتك". (ولا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط) المراد من اليد الكف، كما في الرواية. و"قط" لنفي الماضي، وفيه خمس لغات، فتح القاف وتشديد الطاء مضمومة ومكسورة، وبضمهما، والطاء مشددة، وفتح القاف مع تخفيف الطاء، ساكنة ومكسورة، والقسم لتأكيد الخبر. (غير أنه يبايعهن بالكلام) لا باللمس، ولا بأخذ الكف في الكف، كما في بيعة الرجال، وفي الرواية "يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن. كلاما" أي يقول ذلك كلاما فقط. (ما مس رسول الله ﷺ بيده امرأة قط، إلا أن يأخذ عليها) هذا الاستثناء منقطع، وتقدير الكلام: ما مس امرأة قط، لكن يأخذ عليها البيعة بالكلام. -[فقه الحديث]- قال الحافظ ابن حجر: اختلف في استمرار حكم امتحان من هاجر من المؤمنات، فقيل: منسوخ، بل ادعى بعضهم الإجماع على نسخه. اهـ. وقال النووي: في الحديث أن بيعة النساء بالكلام، من غير أخذ كف. وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام. وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة. وفيه أن لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة، كتطبب وفصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوها، فحيث لا توجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة. اهـ. وعائشة ﵂ ترد على ما قيل من أن النبي ﷺ بايع النساء بيده، كما بايع الرجال، وقد يستدل لأصحاب هذا القول بما رواه البخاري عن أم عطية ﵂ قالت: "بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا "أن لا يشركن بالله شيئا" ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها .... " الحديث. فقبض يدها يوهم أن يدها كانت في يده ﷺ ، لكنه احتمال لا يدفع النصوص ويحتمل أنها كانت ممسكة بثوب يمسك بطرفه رسول الله ﷺ ، فعند ابن سعد وسعيد بن منصور عن الشعبي قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بايع النساء وضع على يده ثوبا" وفي بعض الروايات

стр. 4204

"أنه ﷺ يبايعهن وبين يديه وأيديهن ثوب مطوي" ويحتمل أنهن كن يشرن بإيديهن عند المبايعة بلا مماسة. وأخرج ابن سعد وابن مردويه "كان رسول الله ﷺ إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمس يده فيه، ثم يغمس أيديهن فيه" والله أعلم بصحة هذا الخبر. لكن الأشهر المعول عليه أن النبي ﷺ لم يصافح بيده امرأة قط، إلا امرأة يملكها، كما جاء في الصحيح، وعند أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه أنهن بايعن رسول الله ﷺ ، فقلن: "يا رسول الله. ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة". وقد روى البخاري عن أم عطية ﵂ قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا "أن لا يشركن بالله شيئا" ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها" وللنسائي "فأذهب، فأسعدها، ثم أجيئك، فأبايعك، قال: فاذهبي، فأسعديها، قالت: فذهبت، فساعدتها، ثم جئت، فبايعت" قال النووي: هذا محمول على أن الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، ولا تحل النياحة لها ولا لغيرها في غير آل فلان، كما هو ظاهر الحديث، وللشارع أن يخص من العموم من شاء بما شاء. اهـ. كذا قال. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، إلا إن ادعى أن الذين ساعدتهم لم يكونوا أسلموا، وفيه بعد، وإلا فليدع مشاركتهم لها في الخصوصية، وقد شذ من قال: إن النياحة ليست بحرام، إلا إن صاحبها شيء من أفعال الجاهلية، من شق جيب وخمش خد ونحو ذلك، والأحاديث الواردة في الوعيد الشديد على النياحة ترده، وتؤكد شدة التحريم، وهو مذهب العلماء كافة، لكن لا يمتنع أن يكون النهي أولا ورد بكراهة التنزيه، ثم لما تمت مبايعة النساء وقع التحريم، فيكون الإذن لمن ذكر وقع في الحالة الأولى لبيان الجواز، ثم وقع التحريم، فورد حينئذ الوعيد الشديد. اهـ. ومال الحافظ ابن حجر إلى هذا الاحتمال، واجتهد في رد الاحتمالات الأخرى. وعندي أن الخصوصية للتأليف في أول التشريع أقرب الاحتمالات، كما قال النووي، والاحتمال الذي مال إليه ابن حجر بعيد، إذ لو كان النهي للتنزيه ما دخل في البيعة التي اقتصرت على أهم الأمور. والله أعلم.

стр. 4205

(٥١٩) باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع وبيان سن البلوغ ٤٢٤٣ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: كنا نبايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة يقول "لنا فيما استطعت". ٤٢٤٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني. وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني. قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ خليفة. فحدثته هذا الحديث. فقال: إن هذا لحد بين الصغير والكبير. فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال. ٤٢٤٥ - -/- وفي رواية عن عبيد الله بهذا الإسناد. غير أن في حديثهم: وأنا ابن أربع عشرة سنة فاستصغرني. -[المعنى العام]- البيعة عن السمع والطاعة سبقت قريبا، والزيادة في هذا الحديث تلقين عبارة "فيما استطعت" وقد روعيت عند الكلام عن السمع والطاعة في المنشط والمكره. ولما كان الحديث يرفع القلم والتكليف عن الصبي حتى يبلغ، وقتال الكفار تكليف وأي تكليف، جهاد وأي جهاد، لا يطلب من غير البالغ، لكن الصبية الغيورين في صدر الإسلام كان حماسهم يدفعهم إلى التقدم إلى الميدان قبل أن يبلغوا الحلم، وهو حماس محمود مشكور، فكان رسول الله ﷺ يسأل عن أعمارهم فإذا علم أنها أقل من خمس عشرة سنة ردهم، وإن علم أنهم بلغوها قبلهم، وسمح لهم بالمشاركة كالرجال، تماما في الحقوق والواجبات، ومن المعلوم شرعا أن البلوغ يثبت بالإنزال للرجل والمرأة، وبالحيض للمرأة، فإن لم يوجد هذا الدليل قبل الخامسة عشرة اعتبر البلوغ عندها بلوغا بالسن والتاريخ.
следующие страницы →