Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
مخلاف" أي على إقليم واليمن مخلافان، وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن، وكانت جهة أبي موسى السفلى.
(فلما قدم عليه) في الكلام طي، والفاء عاطفة على محذوف، ففي الصحيح "فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا -أي جدد به العهد بزيارته، فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى، فلما قدم عليه .... إلخ.
(قال: انزل. وألقى له وسادة) أي انزل عن دابتك، واجلس على الوسادة، ومعنى "ألقى له وسادة" فرشها له، ليجلس عليها، والوسادة ما يجعل تحت رأس النائم، وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته، مبالغة في إكرامه.
(وإذا رجل عنده موثق) وعند الطبراني "فإذا عنده رجل موثق بالحديد".
(قال: لا أجلس حتى يقتل) كأن معاذا نزل عن دابته، ووقف، ولم يجلس على الوسادة.
(قضاء الله ورسوله) "قضاء" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، ويجوز نصبه بفعل محذوف، أي الزم قضاء الله ورسوله.
(فقال: اجلس نعم، قال: لا أجلس ... إلخ) أي نعم سنجيب طلبك فاجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل.
(ثلاث مرات) أي كررا هذا الكلام ثلاث مرات، أبو موسى يقول: اجلس، ومعاذ يقول: لا أجلس فقوله "ثلاث مرات" من كلام الراوي، لا تتمة كلام معاذ.
(ثم تذاكرا القيام من الليل) في رواية "قال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن"؟ أي في صلاة الليل؟ وفي رواية "فقال أبو موسى: أقرؤه قائما وقاعدا وعلى راحلتي وأتفوقه" أي ألازم قراءته في جميع الأحوال، شيئا بعد شيء، وحينا بعد حين، مأخوذ من فواق الناقة، وهو أن تحلب، ثم تترك ساعة حتى تدر، ثم تحلب، "كيف تقرأ أنت يا معاذ"؟
(فقال أحدهما معاذ) "معاذ" بدل من "أحدهما".
(أما أنا فأنام وأقوم) أي أجزئ الليل أجزاء، جزءا للنوم، وجزءا للقراءة والقيام.
(وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي) معناه إني أنام بنية القوة، واستجماع النفس للعبادة، وتنشيطها للطاعة، فأرجو في ذلك الأجر، كما أرجو في قومتي، أي في صلاتي وقراءتي، وحاصله أنه يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم، ليكون أنشط عند القيام، وفي رواية "فاحتسبت نومتي، كما احتسبت قومتي" فهو يطلب الثواب في الراحة، كما يطلبه في التعب.
(ألا تستعملني؟ ) أي ألا تتخذني عاملا على ولاية؟ طلب برفق عن طريق العرض.
стр. 4132
(فضرب بيده على منكبي) كأنه يربت على كتفه بيده، علامة على الرفق والحنو والعطف.
(ثم قال: يا أبا ذر: إنك ضعيف) البدن، هزيل الجسم، لا تقوى على متاعب الولاية ومشاقها.
(وإنها أمانة) شاقة التكاليف والتبعات.
(وإنها يوم القيامة خزي وندامة) أي لمن لم يعمل فيها بما ينبغي.
(لا تأمرن على اثنين) بفتح التاء والهمزة، وتشديد الميم المفتوحة وفتح الراء، وتشديد النون المفتوحة، وأصله لا تتأمرن، أي لا تكن أميرا على قوم وإن قلوا.
(ولا تولين مال يتيم) أصله ولا تتولين مال يتيم، فتتحمل بذلك تبعات تعرضك لأثقال الذنوب.
-[فقه الحديث]-
في الحديث النهي عن سؤال الإمارة وطلبها، ومثل الإمارة القضاء والحسبة والوظائف العليا في الدولة، إذا كانت المهمة ولاية أمور المسلمين "لا تسأل الإمارة" وهذا النهي للكراهة، لا للتحريم، وقد علل الحديث هذا الحكم بأن من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها، من أجل حرصه، ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من مشقة، وكل وال معرض للخطأ واتباع الهوى، فمن تولى أمرا ولم يكن له من الله إعانة أساء التصرف، وقد وعد ﷺ من أعطى الولاية من غير مسألة بالعون من الله عليها، وأوعد من طلبها بحجب الإعانة، وقد جاء تفسير الإعانة وعدمها في حديث أنس رفعه "من طلب القضاء، واستعان عليه" أي على الوصول له "بالشفعاء" والوسطاء "وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه" أو أعطيه لكفاءته بدون مسألة "أنزل الله عليه ملكا يسدده" أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه، وفي معنى الإكراه عليه أن يدعي إليه، فيهابه، خوفا من الوقوع في المحذور، فإنه يعان عليه إذا دخل فيه، ويسدده الله.
فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا.
أما الحكمة في عدم تولية من سأل الولاية أن سؤالها غالبا ينشأ عن الحرص على تحصيلها.
وما ذلك إلا لمصلحة شخصية، كثيرا ما تكون على حساب المصلحة العامة، فهو بهذا الوضع متهم، وسؤاله شبهة عدم كفاءته، ولو كان واثقا من كفاءته لجاءته دون سؤال، ثم إن من سألها -كما قلنا- لا يعان عليها، ومن لا يعان عليها من الله لا يكون كفأ، ولا يولي غير الكفء.
وهذا إذا كانت أمور الولايات تجري في مجراها الصحيح، وولي الأمر الأعلى يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، أما إذا اختلت الموازين، وأبعد الأكفاء عن مواقعهم، وقدمت الأحساب والوسائط فللأكفاء أن يطلبوا، وأن يلحوا في الطلب، وأن يكافحوا من أجل وصولهم، فوصولهم حينئذ مصلحة عامة، قبل أن تكون خاصة.
стр. 4133
ويمكن حمل حديث أبي داود عن أبي هريرة رفعه "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار" يمكن حمل هذا الحديث على مثل هذه الحالة، وقال الحافظ ابن حجر في الجمع بين حديث أبي هريرة وبين حديث الباب: والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولي. اهـ. فأطلق عدم العون لكل من سألها. وفي ذلك نظر، كما أوضحنا، ويميل ابن التين إلى هذا، فيقول عن حديث الباب: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف ﵇ ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ [يوسف: ٥٥] اهـ.
والرواية الرابعة "يا أبا ذر. إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها" تؤيد ما ذهبنا إليه، فقد مدحت من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها، والحقوق في مثل زماننا تؤخذ ولا تعطى، أما الضعيف غير الكفء فإن تعرضه لحمل ما يثقل عليه يؤدي به إلى الخزي والندامة، الخزي أمام الخلائق يوم القيامة، حيث يقف ذليلا بعد أن عرفوه عزيزا، والندامة على تفريطه في جنب الله. قال النووي: وهذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كما فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل، وأما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم، كما تظاهرت الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها. اهـ.
ومن الأخبار المتظاهرة التي أشار إليها النووي حديث "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل ... " والحديث الآتي في الباب التالي "إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن ... ".
وفي إرسال أبي موسى إلى اليمن من غير أن يسأل دليل على كفاءته لمهام الأمور والولايات، وأنه كان عالما فطنا حاذقا، ولذلك اعتمد عليه عمر ثم عثمان ثم علي، وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة، لما صدر منه في التحكيم بصفين، قال ابن العربي وغيره: والحق أنه لم يصدر منه ما يقتضي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أداه إلى أن يجعل الأمر شورى بين من بقي من أكابر الصحابة، من أهل بدر ونحوهم، لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفين، وآل الأمر إلى ما آل إليه. اهـ.
وفي إلقاء أبي موسى الوسادة لمعاذ ليجلس عليها تكريم العلماء، وإكرام الضيف بمثل هذا الاحتفاء.
وفي الرواية الثالثة وجوب قتل المرتد، قال النووي: وقد أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا في استتابته، هل يستتاب؟ أو لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد والجماهير من السلف والخلف: يستتاب، ونقل ابن القصار المالكي إجماع الصحابة عليه. وقال طاووس والحسن والماجشون وأبو يوسف وأهل الظاهر: لا يستتاب، ولو تاب نفعته توبته عند الله تعالى، ولا يسقط قتله، لقوله ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" وقال عطاء: إن كان ولد مسلما لم يستتب، وإن كان كافرا فأسلم ثم ارتد يستتاب، وليس في حديث الباب حجة لمن قال: يقتل المرتد بلا استتابة، لأن عدم الذكر لا يقتضي
стр. 4134
عدم الوقوع، حتى رواية "فلم ينزل حتى ضرب عنقه، وما استتابه" فهذه فضلا عن أنها معارضة برواية مثبوتة أن معاذا استتابه يحتمل أنه اكتفى بما تقدم من استتابة أبي موسى له، فقد جاء في بعض الروايات "أن أبا موسى دعاه إلى الإسلام، فأبى عشرين ليلة، أو قريبا منها"، واختلف القائلون بالاستتابة. هل هي واجبة؟ أم مستحبة؟ والأصح عند الشافعي وأصحابه أنها واجبة.
كما اختلفوا في قدرها، والأصح عند الشافعي وأصحابه أنها في الحال فقط، وله قول أنها ثلاثة أيام، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وعن علي أنه يستتاب شهرا، واختلفوا في المرأة، وهل هي كالرجل في ذلك؟ أم لا؟ قال الجمهور: والمرأة كالرجل في أنها تقتل إذا لم تتب، ولا يجوز استرقاقها. هذا مذهب الشافعي ومالك والجماهير، وقال أبو حنيفة وطائفة: تسجن المرأة، ولا تقتل، وعن الحسن وقتادة أنها تسترق، وروي عن علي.
قال القاضي عياض: وفي الحديث أن لأمراء الأمصار إقامة الحدود في القتل وغيره، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والعلماء كافة، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السواد.
قال: واختلفوا في القضاة، إذا كانت ولا يتهم مطلقة، ليست مختصة بنوع من الأحكام، فقال جمهور العلماء: تقيم القضاة الحدود، وينظرون في جميع الأشياء إلا ما يختص بضبط البيضة من إعداد الجيوش وجباية الخراج، وقال أبو حنيفة: لا ولاية في إقامة الحدود.
وفي بعث معاذ إلى اليمن مع أبي موسى جواز تولية أميرين على البلد الواحد، وقسمة البلدين بين أميرين.
ومما حدث بينهما يستفاد استحباب التزاور بين الإخوان والأمراء والعلماء.
ومن موقف معاذ، وعدم نزوله يستفاد استحباب المبادرة إلى إنكار المنكر.
وإقامة الحدود على من وجبت عليه.
ومن ابتغاء معاذ الأجر في نومه يستفاد أن المباحات يؤجر عليها بالنية، إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة، أو تكميلا لشيء منهما.
ويستفاد من الرواية الخامسة الحذر من أخطار الإمارة ولو على اثنين.
والحذر من أخطار ولاية مال اليتيم.
وعنون النووي لهذه الرواية الخامسة بباب كراهة الإمارة بغير ضرورة.
والله أعلم.
стр. 4135
(٥١٠) باب فضيلة الأمير العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم
٤١٥٣ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال ابن نمير وأبو بكر يبلغ به النبي ﷺ وفي حديث زهير قال: قال رسول الله ﷺ "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن . وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".
٤١٥٤ - عن عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء. فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئا، إن كان ليموت للرجل منا البعير، فيعطيه البعير والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة. فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي، أن أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه. ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به".
٤١٥٥ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال "ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته. والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم. والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم. والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه. ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
стр. 4136
٤١٥٦ - وفي رواية عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بمعنى حديث نافع عن ابن عمر، وزاد في حديث الزهري قال: وحسبت أنه قد قال: "الرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته.
٤١٥٧ - عن الحسن قال: عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه، فقال معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لو علمت أن لي حياة ما حدثتك. إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة".
٤١٥٨ - -/- وفي رواية عن الحسن قال: دخل ابن زياد على معقل بن يسار وهو وجع بمثل حديث أبي الأشهب وزاد قال: ألا كنت حدثتني هذا قبل اليوم؟ قال: ما حدثتك أو لم أكن لأحدثك.
٤١٥٩ - عن أبي المليح، أن عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار في مرضه، فقال له معقل: إني محدثك بحديث لولا أني في الموت لم أحدثك به، سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة".
٤١٦٠ - -/- وفي رواية أن معقل بن يسار مرض فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده نحو حديث الحسن عن معقل.
стр. 4137
٤١٦١ - عن الحسن أن عائذ بن عمرو، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخل على عبيد الله بن زياد، فقال: أي بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم" فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد ﷺ ، فقال: وهل كانت لهم نخالة. إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩] دستور إلهي للراعي مع الرعية، أساسه رفقه بهم، وعفوه عن مسيئهم، وإحسانه لمحسنهم، والسهر على رعاية مصالحهم.
إن الحكم مسئولية، صغر أو كبر، وكل من له ولاية على غيره له حكم عليه، ولو كانت الولاية على واحد، فكلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته، فالحاكم الأعلى راع، وهو مسئول عن رعيته، مسئول في الدنيا من الرعية، تحاسبه بالمعروف، ويذكره العلماء بحقوق شعبه، وينصحونه بالرفق، والدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله، ولخاصة المؤمنين وعامتهم، ومسئول في الآخرة عند ربه، وإن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيع، فإن كان قد أطاع الله في رعيته، وحكم فيهم بعدل الله، كرمه ربه أمام الخلائق، وأجلسه على منبر من نور على يمين الرحمن، وأظله الله في الموقف العظيم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
والرجل في بيته راع وهو مسئول دنيا وأخرى عن زوجه وأولاده وأحفاده والأقربين، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن حقوق زوجها وأولادها، والخادم في بيت سيده راع ومسئول عن حقوق سيده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.
وقد شاءت حكمة الله تعالى أن تمنح بعض الجزاء عن الخير في الدنيا للمحسن، وما عند الله خير وأبقى، وأن تصيب العاصي المسيء بعض البلايا في الدنيا، وعذاب الآخرة أشد وأبقى، والجزاء من جنس العمل، فمن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن أعان مسلما أعانه الله في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ولي من أمر الأمة شيئا فرفق بهم رفق الله به في الدنيا والآخرة، وفي المقابل من شاق على رعيته شاق الله عليه، ومن عسر أمور رعيته عسر الله أموره، وما من عبد يسترعيه الله رعية، فيهملها [كما يهمل راعي الغنم غنمه، لا يوردها طعامها وشرابها وصالحها] ويظلمها ويستولى على أموالها ومواردها ويستغلها لمصالحه، ولا يقيم حدود الله فيها، ولا يجتهد جهده في إدارة شئونها إلا جاء يوم القيامة، يريد دخول الجنة معها، فيمنع من دخولها بل يمنع عنها من بعيد حتى لا يجد ريحها الطيب ونسيمها العليل.
стр. 4138
إن واجب الأمر بالمعروف في الدنيا على عامة الناس وخاصتهم، لكن واجب النصح للحكام على العلماء، فصلاح الحكام بصلاح العلماء، وإذا فسد العلماء فسد الحكام. ولقد كان الحكام في الصدر الأول يخافون العلماء ونقدهم، ويتأثرون بتوجيهاتهم، وكان العلماء يخشون ربهم، ويؤدون واجب النصيحة للحكام، وإن تعرضوا لبطشهم، وما أكثر من وقع منهم ضحية هذا الواجب، فسطر لهم التاريخ مواقفهم المجيدة بحروف من نور.
وقرأ لهم الخلوف ما سطره التاريخ، فعاشوا في ضمير شعوبهم على مر الزمان.
-[المباحث العربية]-
(إن المقسطين) يقال: أقسط إقساطا فهو مقسط، إذا عدل، قال الله تعالى ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] ويقال: قسط، بفتح القاف وكسر السين قسوطا وقسطا بفتح القاف، فهو قاسط، وهم قاسطون، إذا جاروا، قال الله تعالى ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ [الجن: ١٥] فالمقسطون هنا العادلون، وقد فسره في آخر الحديث بقوله "الذين يعدلون".
(عند الله) أي في الآخرة، وشبه الجملة خبر، والعندية عندية مكانة، أي مقامهم ومكانتهم عند الله عظيمة.
(على منابر من نور) جمع منبر، قيل: سمي منبرا لارتفاعه، قال القاضي: يحتمل أن يكونوا على منابر حقيقة، على ظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون كناية عن المنازل الرفيعة، قال النووي: الظاهر الأول، ويكون متضمنا للمنازل الرفيعة، فهم على منابر حقيقة، ومنازلهم رفيعة. اهـ. وحمل اللفظ على معناه الحقيقي، حيث لا قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي أولى من المجاز، وشبه الجملة خبر بعد خبر.
(عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين) قال النووي: هذا من أحاديث الصفات، وقد سبق في أول هذا الشرح بيان اختلاف العلماء فيها، وأن منهم من قال: نؤمن بها، ولا نتكلم في تأويله، ولا نعرف معناه، لكن نعتقد أن ظاهرها غير مراد، وأن لها معنى يليق بالله تعالى، وهذا مذهب جماهير السلف، وطوائف من المتكلمين، والثاني أنها تؤول على ما يليق بها، وهذا قول أكثر المتكلمين، وعلى هذا قال القاضي عياض: المراد بكونهم عن اليمين الحالة الحسنة، والمنزلة الرفيعة، قال: قال ابن عرفة: يقال: أتاه عن يمينه إذا جاءه من الجهة المحمودة، والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين، وضده إلى اليسار، قالوا: اليمين مأخوذ من اليمين، وأما قوله ﷺ "وكلتا يديه يمين" فتنبيه على أنه ليس المراد باليمين جارحة، تعالى الله عن ذلك، فإنها مستحيلة في حقه .
стр. 4139
(الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) بفتح الواو، وضم اللام مخففة، أي وما كان لهم عليه ولاية، أي يعدلون قولا وفعلا.
(ممن أنت؟ ) أي من أهل أي البلاد أنت؟
(كيف كان صاحبكم لكم) أي كيف كانت معاملة أميركم لكم؟
(ما نقمنا منه شيئا) بفتح القاف وكسرها، أي ما كرهنا منه شيئا.
(إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير) "إن" بكسر الهمزة وسكون النون مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف ضمير الشأن والحال، واللام في "ليموت" الداخلة على الخبر، هي الفارقة بين المخففة والنافية، و"البعير" الأول مرفوع فاعل "يموت" والثاني منصوب، مفعول، أي كان يموت البعير للرجل منا فيعطيه بعيرا بدله.
(والعبد فيعطيه العبد) "العبد" الأولى مرفوع، عطفا على البعير، والثانية مفعول.
(ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة) فاعل يحتاج يعود إلى "الرجل منا".
(إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك) عائد الصلة محذوف، أي لا يمنعني ما فعله في أخي أن أشكر فعله الحسن ورفقه بكم. قال النووي: اختلفوا في صفة قتل محمد بن أبي بكر، فقيل: قتل في المعركة، وقيل: قتل أسيرا بعدها، وقيل: وجد بعدها في خربة، في جوف حمار ميت، فأحرقوه.
(كلكم راع) قال العلماء: الراعي هنا هو الحافظ المؤتمن، الملتزم صلاح ما قام به، وما هو تحت نظره.
(ألا فكلكم راع) "ألا" حرف استفتاح، والفاء فصيحة، في جواب شرط مقدر، أي إذا كان الأمر كذلك فكلكم راع.
(عن الحسن) البصري.
(عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه) في ملحق الرواية "دخل ابن زياد على معقل بن يسار، وهو وجع" وفي الرواية السادسة أن عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار في مرضه" وعبيد الله بن زياد كان أميرا على البصرة من قبل معاوية بن أبي سفيان، ثم من قبل ابنه يزيد بن معاوية، وكانت هذه الزيارة في زمن يزيد، وقد أخرج الطبراني عن الحسن البصري قوله: لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرا، أمره علينا معاوية، غلاما سفيها، يسفك الدماء سفكا شديدا .... " الحديث. ويبدو أن الحسن حضر هذه الزيارة لمعقل، وكانت وفاته بالبصرة ما بين الستين والسبعين من الهجرة، في خلافة يزيد، أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة
стр. 4140
الرضوان، وهو الذي حفر نهر معقل بالبصرة، بأمر عمر، فنسب إليه، ونزل البصرة، وبنى بها دارا، ومات بها.
وقد روى الطبراني عن الحسن أيضا أن واعظ عبيد الله بن زياد كان عبد الله بن مغفل المزني، ولفظه "لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرا، وفينا عبد الله بن مغفل المزني، فدخل عليه ذات يوم، فقال له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما أنت وذاك؟ قال: ثم خرج إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رءوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم، فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رءوس الناس، ثم قام، فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده .... فذكر نحو الحديث السابق. قال الحافظ ابن حجر: فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين.
(إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ لو علمت أن لي حياة ما حدثتك) أي ما حدثتك به، وفي الرواية السادسة "لولا أني في الموت لم أحدثك به" قال العلماء: كأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يكف بذلك بعض شره عن المسلمين، ورأى وجوب تبليغ العلم الذي عنده قبل موته، لئلا يكون مضيعا له، وقد أمرنا كلنا بالتبليغ.
(وهو غاش لرعيته) يحصل غش الراعي لرعيته بظلمه لهم، بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو حبس حقوقهم، أو ترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم، أو بإهمال إقامة الحدود فيهم، وعدم ردع المفسدين منهم، وترك حمايتهم ونحو ذلك، وفي الرواية السادسة "ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة" وفي رواية البخاري "ما من وال" وفيها "ثم لا يجد" بفتح الياء وكسر الجيم وتشديد الدال من الجد ضد الهزل، ومعنى "ثم لا يجهد لهم وينصح" أي ثم لا يبذل جهده في مصالحهم، ولا ينصحهم لما ينفعهم.
(ألا كنت حدثتني هذا قبل اليوم؟ ) أي لو كنت فعلت لأخذت عقابك، فهو تهديد له ولغيره يثير الرعب في نفس من تسول له نفسه أن يرفع رأسه.
(أن عائذ بن عمرو) بن هلال بن عبيد بن يزيد المزني، أبو هبيرة، كان ممن بايع تحت الشجرة، وسكن البصرة، ومات في إمارة ابن زياد، كان تقيا ورعا، روى البغوي أنه كان لا يخرج من داره ماء الغسل إلى الطريق، فسئل، فقال: لأن أصب طستي في حجرتي أحب إلي من أن أصبه في طريق المسلمين.
(فقال: أي بني) "أي" حرف نداء، والتصغير هنا من عائذ للتصغير، فقد كان عبيد الله شابا، وكان عائذ كهلا.
(إن شر الرعاء الحطمة) "الرعاء" بكسر الراء، كما في قراءة الجمهور في قوله تعالى ﴿قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء﴾ [القصص: ٢٣] وقرئ "الرعاء" بضم الراء، والمعروف في صيغ الجمع فعال
стр. 4141
بكسر الفاء فالضم على خلاف القياس، وهو جمع راع، و"الحطمة" الراعي العسوف العنيف في إبله وغنمه، لا يرفق بها في سوقها ومرعاها، بل يحطمها ويؤذيها في ذلك، وفي سقيها وغيره، ويزحم بعضها ببعض بحيث يؤذيها، يقال: حطم الشيء بفتح الطاء يحطم بكسرها إذا كسره، وحطم الناس بعضهم بعضا إذا تزاحموا حتى آذى بعضهم بعضا. وهذا المثل قصد به أن شر الولاة والأمراء من يشق على الرعية، ولا يرفق بهم.
(فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد ﷺ النخالة ما تبقى من المنخل من القشر، يعني لست من صفوتهم ولا من فضلائهم ولا من علمائهم، ولا من أهل المراتب منهم، بل من سقطهم، والنخالة هنا استعارة من نخالة الدقيق، وهي قشوره والنخالة والحقالة والحثالة بمعنى واحد.
(وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم) قال النووي: هذا من جزل الكلام وفصيحه، وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة ﵃ هم صفوة الناس، وسادات الأمة، وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول، قدوة، لا نخالة فيهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم، وفي من بعدهم كانت النخالة.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الأحاديث]-
١ - فضيلة الأمير العادل.
٢ - زجر الولاة عن المشقة على الرعية.
٣ - من قول عائشة ﵂ في الرواية الثانية أنه ينبغي أن يذكر فضل أهل الفضل، ولا يمتنع منه لسبب عداوة ونحوها.
٤ - وجوب النصيحة على الوالي لرعيته، والاجتهاد في مصالحهم.
٥ - وجوب تبليغ العلم.
٦ - فيه منقبة وفضيلة لمعقل بن يسار، وجرأته في قول الحق عند سلطان جائر.
٧ - فيه منقبة كذلك لعائذ بن عمرو ﵁.
٨ - وفي قوله "يموت يوم يموت وهو غاش" دليل على أن التوبة قبل حالة الموت نافعة.
٩ - تحريم الجنة على المستحل لغش الرعية، وتأخير دخولها لغير المستحل ممن يغش الرعية. وتفصيل هذا الحكم سبق في كتاب الإيمان.
والله أعلم.
стр. 4142
(٥١١) باب غلظ تحريم الغلول
٤١٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، فيقول يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، يقول يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك".
٤١٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الغلول فعظمه. واقتص الحديث، قال حماد: ثم سمعت يحيى بعد ذلك يحدثه فحدثنا بنحو ما حدثنا عنه أيوب.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ [آل عمران: ١٦١] والخيانة بصفة عامة ذميمة، وقد شرع قطع يد السارق إذا سرق من حرز مثله ما لا شبهة له فيه، أما السرقة من الغنيمة قبل القسمة، وهي المعروفة بالغلول، فللسارق فيها شبهة، إذ له حق فيها في الجملة، فهو مقاتل له في الغنيمة سهم، فلا قطع عليه، لكن عدم القطع ليس دليلا على ضعف الحرمة، فالغلول حرام ومن الكبائر، وبعض الكبائر من الموبقات، أي من أكبر الكبائر، ولا حد فيها، كعقوق الوالدين، فلا يستهين الغالون بالغل، فقد بين صلى الله عليه
стр. 4143
وسلم في هذا الحديث عقوبتهم في الآخرة، وهي تتشعب إلى شعبتين، شعبة أدبية معنوية، وهي الفضيحة على رءوس الخلائق، جزاء من جنس العمل، أو بنقيض القصد، فقط كان يتخفى عن أعين الناس وسمعهم حين غل، فليأت يوم القيامة يحمل سرقته على كتفه، ليراه الخلائق، وليس الحمل في صمت، حتى لا يعلم من لا يرى، بل يكون للمسروق صوت يلفت به الأنظار، مبالغة في الفضيحة، حتى الثياب التي لا صوت لها في العادة، يبعث الله عليها ريحا لتخفق كالعلم في الهواء، يسمع قعقعتها من لا يراها. أما الشعبة الثانية فهي العذاب بالنار ففي الحديث أن الرجل الذي غل شملة من الغنيمة ستشتعل عليه الشملة نارا، وحتى الرجل الذي غل شراك نعل، أي خيط نعل سيربط في قدمه يوم القيامة ويشتعل نارا.
وقد حذر ﷺ وأنذر، فلا عذر لمعتذر، ولا قبول لاستغاثة مستغيث يوم القيامة، حتى الرحمة المهداة ﷺ الذي قال فيه ربه ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] يوم يستغيث به الغال يقول له: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك وأنذرتك، ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون﴾ [الدخان: ٤١].
-[المباحث العربية]-
(قام فينا رسول الله ﷺ أي قام خطيبا وواعظا.
(ذات يوم) "ذات" مؤنث "ذو" بمعنى صاحب، وتقحم في كلام العرب، فتضاف لما بعدها، وتأخذ حكمه، فيقال: لقيته ذات يوم، أي لقيته في يوم، ولقيته ذات مرة، أي لقيته مرة، وقلت ذات يده، أي قلت يده، أي ما ملكت يده، وأصلح ذات بينهم، أي أصلح بينهم، وجلس ذات اليمين، أي جلس يمينا.
(فذكر الغلول) أصل الغلول الخيانة مطلقا، ثم غلب اختصاصه بالخيانة في الغنيمة، قال نفطويه: سمي بذلك لأن الأيدي مغلولة عنه، أي محبوسة عنه، وقال ابن قتيبة: سمي بذلك لأن صاحبه وآخذه يغله في متاعه، أي يخفيه فيه.
(فعظمه، وعظم أمره) أي عظم فعله، وعظم عقوبته.
(لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء) قال النووي: هكذا ضبطناه "لا ألفين" بضم الهمزة وسكون اللام وكسر الفاء، أي لا أجدن أحدكم على هذه الصفة، ومعناه لا تعملوا عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة. قال القاضي: ووقع في رواية "لا ألقين" بفتح الهمزة والقاف، وله وجه، لكن المشهور الأول. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: والمراد بلفظ النفي النهي، وهو وإن كان من نهي المرء نفسه فليس المراد ظاهره، وإنما المراد نهي من يخاطبه عن ذلك. اهـ. تقول: لا أراك هنا، فلفظه نفي رؤيتي له، وظاهره
стр. 4144
طلب عدم الرؤية طلبا موجها إلى نفس المتكلم، لكن المراد الطلب من المخاطب عدم الحضور هنا ليتحقق عدم رؤيتي له. والمعنى كما قال النووي: لا تعملوا عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة. اهـ. يقال: ألفاه، أي وجده وصادفه، والمراد من الرقبة هنا الكتفان ليحيط المحمول بالرقبة و"الرغاء" بضم الراء وتخفيف الغين صوت البعير.
(لا أملك لك شيئا) قال القاضي: معناه من المغفرة والشفاعة إلا بإذن الله، قال: ويكون ذلك أولا غضبا عليه لمخالفته، ثم يشفع في جميع الموحدين بعد ذلك. اهـ. ومعناه إضافة قيد، أي لا أملك لك شيئا من المساعدة الآن، وكأنه ﷺ أبرز هذا الوعيد بدون القيد في مقام الزجر والتغليظ.
(قد أبلغتك) في الدنيا عقوبة من فعل ذلك، فلا عذر لك.
(على رقبته فرس له حمحمة) بحاءين مفتوحتين، بينهما ميم ساكنة، وهي صوت الفرس عند العلف، وهو دون الصهيل.
(على رقبته شاة لها ثغاء) بضم الثاء وتخفيف الغين، وهو صوت الشاة.
(على رقبته نفس لها صياح) كأنه أراد بالنفس ما يغله الغال من الرقيق من امرأة أو صبي.
(على رقبته رقاع تخفق) المراد بالرقاع الثياب، ومعنى "تخفق" بفتح التاء وسكون الخاء وكسر الفاء، تتقعقع وتضطرب إذا حركتها الرياح، وقيل: معناه تلمع، والأول أنسب.
(على رقبته صامت) الصامت الذهب والفضة، وقيل: ما لا روح فيه من أصناف المال، وليس الهدف من حمل هذا ثقله، وإنما الهدف الفضيحة، فلا فرق فيها بين الثقيل والخفيف.
-[فقه الحديث]-
ذكر الإمام مسلم هذا الحديث في كتاب الإمارة، ولعله لاحظ قوله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ وكأنه يشير إلى تحذير الأمراء والحكام من سرقة أموال الشعب، لكن وضع هذا الحديث في كتاب الجهاد والسير -كما فعل البخاري- أولى وأنسب.
قال النووي: الحديث يصرح بعظم تغليظ الغلول، وقد أجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر، وأجمعوا على أن على الغال رد ما غله، [إذا كان قبل القسمة] فإن تفرق الجيش، وتعذر إيصال حق كل واحد إليه ففيه خلاف للعلماء، قال الشافعي وطائفة: يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم، كسائر الأموال الضائعة، وقال ابن مسعود وابن عباس ومعاوية والحسن والزهري والأوزاعي ومالك والثوري والليث وأحمد والجمهور: يدفع خمسه إلى الإمام، ويتصدق بالباقي.
واختلفوا في صفة عقوبة الغال، فقال جمهور العلماء وأئمة الأمصار: يعزر على حسب ما يراه
стр. 4145
الإمام، ولا يحرق متاعه، وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال مكحول والحسن والأوزاعي: يحرق رحله ومتاعه كله، قال الأوزاعي: إلا سلاحه وثيابه التي عليه، وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر في تحريق رحله. قال الجمهور: وهذا حديث ضعيف، لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم، وهو ضعيف، قال الطحاوي: ولو صح يحمل على أنه كان إذ كانت العقوبة بالأموال، كأخذ شطر المال من مانع الزكاة، وضالة الإبل، وسارق التمر، وكل ذلك منسوخ.
واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على وجوب زكاة العروض والخيل، قال النووي: ولا دلالة فيه لواحد منهما، لأن هذا الحديث ورد في الغلول وأخذ الأموال غصبا، فلا تعلق له بالزكاة.
قال المهلب: هذا الحديث وعيد لمن أنفذ الله عليه العقوبة من أهل المعاصي، ويحتمل أن يكون الحمل المذكور لا بد منه، عقوبة له بذلك، ليفتضح على رءوس الأشهاد، وأما بعد ذلك فإلى الله الأمر في تعذيبه أو العفو عنه، اهـ. وهذا الاحتمال بعيد، فحين يعفو الله تعالى يستر من عفا عنه وغفر له، فليس من الضروري أن يقع.
والله أعلم.
стр. 4146
(٥١٢) باب تحريم هدايا العمال
٤١٦٤ - عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأسد، يقال له ابن اللتبية. قال عمرو وابن أبي عمر على الصدقة. فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أهدي لي. قال: فقام رسول الله ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال "ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي؟ أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ". ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه. ثم قال: "اللهم هل بلغت؟ مرتين".
٤١٦٥ - وفي رواية عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: استعمل النبي ﷺ ابن اللتبية رجلا من الأزد على الصدقة، فجاء بالمال فدفعه إلى النبي ﷺ فقال هذا مالكم. وهذه هدية أهديت لي. فقال له النبي ﷺ : "أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا؟ " ثم قام النبي ﷺ خطيبا. ثم ذكر نحو حديث سفيان.
٤١٦٦ - عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد على صدقات بني سليم، يدعى ابن الأتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ "فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا؟ " ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم. وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا؟ والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه، إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة. فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه. ثم قال "اللهم هل بلغت؟ " بصر عيني وسمع أذني.
стр. 4147
٤١٦٧ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد، وفي حديث عبدة وابن نمير فلما جاء حاسبه كما قال أبو أسامة. وفي حديث ابن نمير "تعلمن والله والذي نفسي بيده لا يأخذ أحدكم منها شيئا" وزاد في حديث سفيان قال بصر عيني وسمع أذناي. وسلوا زيد بن ثابت فإنه كان حاضرا معي.
٤١٦٨ - عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على الصدقة. فجاء بسواد كثير. فجعل يقول: هذا لكم. وهذا أهدي إلي. فذكر نحوه. قال عروة: فقلت لأبي حميد الساعدي أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: من فيه إلى أذني.
٤١٦٩ - عن عدي بن عميرة الكندي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا فما فوقه، كان غلولا يأتي به يوم القيامة" قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار. كأني أنظر إليه. فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك قال "وما لك؟ " قال سمعتك تقول كذا وكذا. قال "وأنا أقوله الآن من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره. فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى".
-[المعنى العام]-
عمال الخليفة وأمراؤه وقادته وكل من يوليه ولاية كبرت أو صغرت هم العمد والأسس التي تقوم عليها الدولة، بهم تثبت أركان العدالة من الرفق والتراحم والترابط والأمانة والقوة إن هم كانوا على الطريق الحق المستقيم، ونقيض ذلك إذا كانوا على النقيض.
وكان رسول الله ﷺ يختار أعوانه ومن يوليه عملا من الأعمال العامة، لكن المسلمين كانوا يتكاثرون، وفيهم من يجهل حاله ممن بعدت دياره، فكان يوصيهم قبل أن يبعثهم، ويحاسبهم عن أعمالهم عند عودتهم.
وكان يحمي عماله من الشبهات، ويحرص على أن يعودهم الابتعاد عنها فدع ما يريبك إلى ما لا
стр. 4148
يريبك، فهم يعلمون علما لا ريب فيه تحريم الرشوة، وهم يبتعدون عنها، لكنهم قد يخفى عليهم أن من الهدايا ما له حكم الرشوة، وهدف الرشوة، فيحسنون الظن بأنفسهم ويقبلونها على أساس أنهم لن يتأثروا بها في إحقاق الحق وإبطال الباطل، لكن سد منافذ الحرام هدف من مقاصد الشريعة.
هذا الصحابي ابن اللتبية يبعثه ﷺ إلى قومه بني سليم، ليجمع منهم الزكاة، ويعود بها إلى بيت المال، فيرجع معه كثير من الإبل والبقر والغنم والحنطة والشعير والأموال، فيرسل إليه ﷺ من يحاسبه، ويتسلم منه ما جاء به، ليوصله إلى رسول الله ﷺ ليقوم بتصريفه في مصارف الزكاة.
إن رسل رسول الله ﷺ يعلمون أن ابن اللتبية لم يكن قبل سفره يملك ناقة أو جملا أو شاة، فجميع ما في بيته جاء به من هناك، وما تاجر، وما تكسب، تصوروا أن ابن اللتبية سيسلمهم كل ما في الدار، فإذا به يوزع ما يرون، يقول: هذا البعير لكم، وهذا لي، وهذه الشياة لكم وهذه لي، وهذه الحبوب لكم، وهذه لي، فقالوا له: من أين لك هذا؟ وأنت لم تكن تملكه؟ ولم تتكسبه في سفرك، فقال لهم: هذه هدايا أهديت إلي، فجاؤوا به إلى النبي ﷺ وذكروا له ما سمعوا، واستعادوا من ابن اللتبية ما قال، فأعاد، فقال له ﷺ : هلا جلست في بيت أبيك وأمك لترى أيهدى إليك أم لا؟ إن هذه الهدايا من أجل ولايتك التي وليناك، فهي حق للمسلمين لا لك، وقام ﷺ على المنبر يخطب في الناس يقول: لا يليق بالعامل الذي نبعثه أن يرجع فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فإنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لم يكن ليهدى إليه ما أهدي إليه وهو عاملنا، إنه بذلك يمتلك ما هو محرم عليه، وسيجيء يوم القيامة حاملا على عنقه ما يدعي أنه هدية، سواء كانت ناقة أو بقرة أو شاة.
احذروا معشر العمال الذين أوليهم ما يوليني الله أن تكتموا عني خيطا فما فوقه، من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أعطيناه بطيب نفس بورك له فيه، وما لم نعطه لا يأخذه، فهو قطعة من النار، وبهذا أصبحت الولاية مسئولية ثقيلة خطيرة، يترفع عنها من يحرص على النجاة.
-[المباحث العربية]-
(استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأسد) السين والتاء للصيرورة، أي صيره وجعله عاملا له على عمل من الأعمال العامة، وهو هنا جمع الصدقات من بني سليم وتسليمها لبيت المال، والأسد بإسكان السين، ويقال له: الأزد بالزاي بدل السين، وجاء في البخاري "رجلا من بني أسد" بسكون السين. قال الحافظ ابن حجر: كذا وقع هنا، وهو يوهم [قراءة] أنه بفتح السين، نسبة إلى بني أسد بن خزيمة، القبيلة المشهورة، أو إلى بني أسد بن عبد العزى، بطن من قريش، وليس كذلك، قال: وإنما قلت: إنه يوهمه لأن الأزدي تلازمه الألف واللام في الاستعمال، أسماء وأنسابا، بخلاف "بني أسد" فبغير ألف ولام في الاسم، ووقع في رواية الأصيلي هنا "من بني الأسد" بزيادة الألف واللام، ولا
стр. 4149
إشكال فيها مع سكون السين، قال: ثم وجدت ما يزيل الإشكال إن ثبت، وذلك أن أصحاب الأنساب ذكروا أن في الأزد بطنا، يقال لهم "بنو أسد" بالتحريك، ينسبون إلى أسد بن شريك بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، وبنو فهم بطن شهير من الأزد، فيحتمل أن ابن اللتبية كان منهم، فيصح أن يقال فيه: الأزدي بسكون الزاي والأسدي بسكون السين، وبفتحها في بني أسد وفي بني أزد. اهـ.
(يقال له: ابن اللتبية على الصدقة) أي على جمع الزكاة، وفي الرواية الثالثة "على صدقات بني سليم" بضم السين، مصغرا، و"ابن اللتبية" بضم اللام وإسكان التاء وكسر الباء، وبعضهم يفتح التاء، ويقال بالهمزة بدل اللام "الأتبية" كما في روايتنا الثالثة، واسمه عبد الله، واللتبية أمه. قال النووي: نسبة إلى بنت لتب، قبيلة معروفة.
(فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أهدي لي) معطوف على مطوي، أي فذهب فجمع فقدم ... وفي الرواية الثانية "فجاء بالمال، فدفعه إلى النبي ﷺ فقال: هذا مالكم، وهذه هدية، أهديت لي" وفي الرواية الثالثة "فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية" وفي ملحق الرواية الثالثة "فجاء بسواد كثير، فجعل يقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي" والمراد بالسواد الأشياء الكثيرة والأشخاص البارزة من حيوان وغيره، ولفظ السواد يطلق على كل شخص، وعند أبي نعيم في المستخرج "فأرسل رسول الله ﷺ من يتوفى منه، فجعل يقول: هذا لكم، وهذا لي، حتى ميزه، يقولون: من أين هذا لك؟ قال: أهدي لي، فجاءوا إلى النبي ﷺ بما أعطاهم".
والظاهر أن الرسول ﷺ أرسل إليه من يحاسبه ويتسلم منه ما جمع، فقال الرجل ما قال، فأخذوا منه ما أعطاهم، وتركوا ما قال عنه هدية، وجاءوا إلى النبي ﷺ وهو معهم، فخاطبه ﷺ بما جاء في الرواية الثانية والثالثة، ثم قام فخطب في الناس. فقوله في الرواية الثانية "فجاء بالمال، فدفعه إلى النبي ﷺ " أي دفعه إلى مندوبيه، وقوله في الرواية الثالثة "فلما جاء حاسبه" أي أمر من يحاسبه، ويقبض منه.
(فقام رسول الله ﷺ على المنبر ... ) في رواية "فقام النبي ﷺ عشية بعد الصلاة" وعند أبي نعيم "فصعد المنبر وهو مغضب".
(ما بال عامل أبعثه؟ ) "ما" استفهامية، والبال الحال والشأن.
(والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة) في الرواية الثالثة "والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه إلا لقي الله تعالى" أي لا يستولى أحد منكم على شيء من الصدقات التي جمعها، والمراد بغير حق، وبغير إعطاء ولي الأمر ورضاه، فإن الساعي على الزكاة له سهم في الزكاة، سهم العاملين عليها، ولذا جاء في الرواية الرابعة "ممن استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى".
(يحمله على عنقه) في رواية البخاري "يحمله على رقبته" والحمل على ما حول الرقبة من الكتفين.
стр. 4150
(بعير له رغاء) "بعير" خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: المحمول بعير، و"له رغاء" خبر ومبتدأ صفة "بعير" وفي الرواية الثالثة "لقي الله يحمل بعيرا له رغاء" وعند البخاري "إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء" أي إن كان الذي يحمله بعيرا، أو إن كان الذي غله بعيرا، والرغاء بضم الراء وتخفيف الغين مع المد هو صوت البعير.
(أو بقرة لها خوار) الخوار صوت البقر، وفي القرآن الكريم ﴿عجلا جسدا له خوار﴾ [الأعراف: ١٤٨].
(أو شاة تيعر) بفتح التاء وسكون الياء، بعدها عين مفتوحة، ويجوز كسرها، وفي رواية "أو شاة لها يعار" وهو صوت الشاة الشديد.
(حتى رأينا عفرتي إبطيه) بضم العين وفتحها، مع سكون الفاء فيهما، والأشهر ضم العين، وعفرة الإبط هي البياض ليس بالناصع، بل فيه شيء كلون الأرض، قالوا: وهو مأخوذ من عفر الأرض، بفتح العين والفاء، وهو وجهها.
(اللهم هل بلغت؟ مرتين) بتشديد اللام وعند البخاري "ألا" بالتخفيف "هل بلغت؟ ثلاثا" والمراد بلغت حكم الله إليكم؟
(أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا؟ ) في أن ما ادعاه هدية هو هدية؟ فقد تكون من الصدقة وتوهمها هدية، وقد تكون هديته قد اختلطت بالصدقة، فتحدث الشبهة، وليس المراد بها اتهامه بالكذب، أو الشك في صدقه.
(فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا) قال النووي: هكذا هو ببعض النسخ "فلأعرفن" وفي بعضها "لا أعرفن" بالألف، على النفي، قال القاضي: هذا أشهر، قال: والأول هو رواية أكثر رواة صحيح مسلم. اهـ. فعلى الأول اللام في جواب القسم، أي والله لأعرفن ولأرين أحدكم يحمل على رقبته كذا يوم القيامة، وعلى الثاني هو من قبيل: لا أرينك ههنا، أي لا أحب أن أعرف أحدكم بهذه الصفة.
(بصر عيني وسمع أذني) المراد: أعلم هذا الكلام يقينا، أبصرت عيني النبي ﷺ حين تكلم به، وسمعته أذني، فلا شك في علمي به، ولا في إخباري به، وفي اللفظ روايات "بصر" بفتح الباء وضم الصاد، و"عيني" بالإفراد، و"سمع" بفتح السين وكسر الميم، على الفعل الماضي فيهما، و"أذني" بالإفراد، وفي ملحق الرواية الثالثة "بصر عيني" كما في صلب الرواية "وسمع أذناي" بالتثنية، والفعلان ماضيان، وروي "بصر عيني" بفتح الباء والصاد وضم الراء، مصدر، خبر مبتدأ محذوف، أي هذا بصر عيني، بالإفراد والتثنية، و"سمع أذني" على المصدرية أيضا، و"أذني" بالإفراد والتثنية، أما لفظ "وسمع أذناي" في ملحق الرواية الثالثة فيمكن إعرابها على لغة من يلزم المثنى الألف.
(كتمنا مخيطا) بكسر الميم وإسكان الخاء، وهو الإبرة.
стр. 4151
-[فقه الحديث]-
قال النووي في سبب منعه هدايا العمل في هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول، لأنه خان في ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث في عقوبته، حمله ما أهدي إليه يوم القيامة، كما ذكر مثله في الغال، وقد بين ﷺ في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية. اهـ. وفي قوله: لأنه خان في ولايته وأمانته نظر، لأن ابن اللتبية لم يخن، وأدى الأمانة والصدقات التي قدمت صدقات، وكون العقاب مشابها لعقاب من خان وغل من بعض الوجوه لا يدل على أن الفعلين متماثلان.
ويقول بعض العلماء: إن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيء، فلا ينبغي أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية، فإن ذاك إنما يكون حيث يتمحض الحق له.
والتحقيق أن هدايا العمال تشبه الرشوة المحرمة، فالرشوة هي كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عونا على ما لا يحل، ويخشى من هدايا العمال، ومن الهدايا إلى جامعي الصدقات أن تدفعهم هذه الهدايا إلى التغاضي والتساهل في حقوق الفقراء والمساكين، ومصارف الزكاة الأخرى، فهي قد تكون وسيلة إلى ما لا يحل، ووسيلة الحرام حرام، وهي وإن كانت وسيلة غير محققة الغاية، لكن سد باب الذرائع مطلوب، ولهذا لو تحققنا أن الهدية لن توصل إلى ما لا يحل، كأن تعطى بعد انتهاء مهمة العامل نهائيا، فلا شيء فيها.
قال ابن العربي: الذي يهدي لا يخلو أن يقصد: (١) ود المهدي إليه، (٢) أو عونه، (٣) أو ماله، فأفضلها الأول، والثالث جائز، لأنه يتوقع بذلك أن يرد إليه بالزيادة على وجه جميل، وقد تستحب إن كان محتاجا، والمهدي لا يتكلف، وإلا فيكره [مثل هذا في عصرنا ما يجري في الأفراح والأعياد والمناسبات] وأما الثاني فإن كان لمعصية فلا يحل، وهو الرشوة، وإن كان لطاعة فيستحب، وإن كان لجائز فجائز، لكن هذا إن لم يكن المهدى له حاكما. اهـ. أي فإن الإهداء للحاكم لا يخلو من شبهة الوصول إلى ما لا يحل غالبا.
ومن غير الغالب الهدايا التي كانت تهدى إلى رسول الله ﷺ ، فقد حكى ابن سعد من طريق فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن العزيز التفاح، فلم يجد في بيته شيئا يشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق التفاح، فتناول واحدة، فشمها، ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك؟ فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟ فقال: إنها لأولئك هدية [أي لأنهم كانوا مأمونين أن تؤدي بهم الهدايا إلى ما لا يحل] وهي للعمال بعدهم رشوة.
أما كيف يبرأ العامل من إثم هدية وصلت إليه أثناء عمله، فيقول النووي: عليه أن يرد الهدية إلى مهديها، فإن تعذر فإلى بيت المال. اهـ. ومحل ذلك إذا لم يأذن له الإمام في ذلك، فقد أخرج الترمذي عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال: لا تصيبن شيئا بغير إذني، فإنه غلول".
стр. 4152
وقال المهلب: في حديثنا أن الهدية إذا أخذت تجعل في بيت المال، قال الحافظ ابن حجر: وهو مبني على أن ابن اللتبية قد أخذ منه ما قال عنه هدية، وهو ظاهر السياق، ولكن لم أر ذلك صريحا. اهـ.
وقال ابن قدامة في المغني: عليه ردها لصاحبها، وتعقب بأن النبي ﷺ لم يأمر ابن اللتبية برد الهدية التي أهديت له لمن أهداها.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - إبطال كل طريق يتوصل بها إلى المحاباة.
٢ - قال ابن المنير: يؤخذ من قوله "هلا جلس في بيت أبيه وأمه" جواز قبول الهدية ممن كان يهادي العامل قبل أن يكون عاملا. اهـ. ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة.
٣ - وفيه أن من رأى متأولا أخطأ، في تأويل يضر، أن يشهر القول للناس، ويبين خطأه، ليحذر من الاغترار به.
٤ - وفيه جواز توبيخ المخطئ.
٥ - واستعمال المفضول في الإمامة والأمانة والسعاية مع وجود من هو أفضل منه.
٦ - وفيه استشهاد الراوي والناقل بقول من يوافقه، ليكون أوقع في نفس السامع، وأبلغ في طمأنينته.
٧ - وفيه محاسبة الإمام عماله.
٨ - ومن قوله في ملحق الرواية الثالثة "والله، والذي نفسي بيده" توكيد اليمين بذكر اسمين أو أكثر من أسماء الله تعالى.
٩ - وفيه أن الإمام يخطب في الأمور المهمة.
١٠ - واستعمال كلمة "أما بعد" في الخطبة.
والله أعلم.
стр. 4153
(٥١٣) باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية والإمام جنة
٤١٧٠ - عن ابن جريج نزل ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩] في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي. بعثه النبي ﷺ في سرية. أخبرنيه يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
٤١٧١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "من أطاعني فقد أطاع الله. ومن يعصني فقد عصى الله. ومن يطع الأمير فقد أطاعني. ومن يعص الأمير فقد عصاني".
٤١٧٢ - -/- وفي رواية عن أبي الزناد بهذا الإسناد ولم يذكر "ومن يعص الأمير فقد عصاني".
٤١٧٣ - عن أبي هريرة ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه قال "من أطاعني فقد أطاع الله. ومن عصاني فقد عصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني".
٤١٧٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: عن رسول الله ﷺ بذلك. وقال "من أطاع الأمير" ولم يقل "أميري". وكذلك في حديث همام عن أبي هريرة.
٤١٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك".
стр. 4154
٤١٧٦ - عن أبي ذر ﵁ قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا مجدع الأطراف.
٤١٧٧ - -/- وفي رواية عن أبي عمران بهذا الإسناد، وقالا في الحديث "عبدا حبشيا مجدع الأطراف".
٤١٧٨ - عن يحيى بن حصين قال: سمعت جدتي تحدث أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حجة الوداع، وهو يقول "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا".
٤١٧٩ - -/- وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد، وقال "عبدا حبشيا".
٤١٨٠ - -/- وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد، وقال "عبدا حبشيا مجدعا".
٤١٨١ - -/- وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد، ولم يذكر "حبشيا مجدعا". وزاد "أنها سمعت رسول الله ﷺ بمنى أو بعرفات".
٤١٨٢ - عن يحيى بن حصين، عن جدته أم الحصين، قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع. قالت: فقال رسول الله ﷺ قولا كثيرا، ثم سمعته يقول "إن أمر عليكم عبد مجدع (حسبتها قالت) أسود يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا".
٤١٨٣ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال "على المرء
стр. 4155
المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية. فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة".
٤١٨٤ - عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث جيشا وأمر عليهم رجلا، فأوقد نارا وقال: ادخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون إنا قد فررنا منها. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال للذين أرادوا أن يدخلوها "لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة" وقال للآخرين قولا حسنا. وقال "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف".
٤١٨٥ - عن علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية. واستعمل عليهم رجلا من الأنصار. وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. فأغضبوه في شيء، فقال اجمعوا لي حطبا فجمعوا له. ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا. ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. قال: فنظر بعضهم إلى بعض. فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار. فكانوا كذلك. وسكن غضبه. وطفئت النار. فلما رجعوا، ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال "لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف".
٤١٨٦ - عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده، قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
٤١٨٧ - عن جنادة بن أبي أمية، قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدثنا أصلحك الله بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله ﷺ ، فقال: دعانا
стр. 4156
رسول الله ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان".
٤١٨٨ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال "إنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه، ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه".
-[المعنى العام]-
لا بد لكل مجموعة من قيادة، حتى مجموعات الحيوانات، لو لم تتخذ لها قيادة منها تبعثرت، وضاعت، وسهل افتراسها، وإن الذئب يأكل من الغنم القاصية الشاردة عن جماعتها، ولذلك نجد الراعي يقود واحدة فينقاد غيرها تبعا لها، وملكة النحل تنفرد من بين النحل بالملك والحكم.
والبشرية منذ فجر التاريخ تتخذ لمجموعاتها قادة، مهما صغرت المجموعات، فللطائرة قائد، وللباخرة قائد وللجيش قائد، ومهمة القادة إصدار الأوامر، وتحمل مسئوليتها، ومهمة الرعية الانقياد والسمع والطاعة، حتى البيت الصغير المكون من زوج وزوجة، جعل الله القوامة فيه للرجل، وأوجب الطاعة على المرأة، قانون سماوي في تشريعات الله، وأرضى في تشريعات البشر وسلوكهم، وبه وعليه تتآلف المجتمعات وتتعايش، لأن الأفهام تختلف، ووجهات النظر تتشعب وتتعارض، فكان لا بد من التسليم والانقياد للقيادة، لتسير القافلة.
والقيادة في الشريعة الإسلامية مسئولية وتبعات وأحمال، وليست عزا وسلطانا وتجبرا وتسلطا، بل لها حقوق، وعليها واجبات، هذه المسئولية هي التي جعلت عمر يقول عن الخلافة: ليتني أخرج منها كفافا لا لي ولا علي، ورسول الله ﷺ يقول: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته".
إن التعسف في استخدام الحق يسقط الحق، وإذا كانت الرعية قد أمرت بطاعة الراعي والسمع له، فإن الراعي قد طلب منه صيانة الرعية والنصح لهم والشفقة عليهم، وأن يشاورهم ويشركهم في الرأي، وأن لا يأمرهم بمعصية، فإن أمرهم بمعصية فليس له طاعة، قانون متوازن، حقوق وواجبات لكل من الحاكم والمحكوم، جعلت الخليفة الأول ﷺ يقول يوم توليه الخلافة: أيها الناس، إني وليت عليكم، ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم.
وهذا المبدأ الإلهي الذي بلغه رسول الله ﷺ للأمة طبقه ﷺ في حادثة يرويها الإمام علي بن أبي طالب ﵁ فيقول:
стр. 4157
أمر رسول الله ﷺ على قطعة من الجيش أميرا، وأوصاه بالرفق بجنده، ووصى جنده بالسمع والطاعة له، وخرجت السرية، يأمرها الأمير فتطيع، لكن وقع من بعض أفرادها التوقف عن إطاعة أمر من الأمور، فغضب الأمير، وفكر في درس للجند يجعلهم ينفذون الأوامر، ولو كانوا كارهين، ولو كانوا لا يعرفون حكمتها ولا نتائجها، كشأن الأوامر العسكرية في هذه الأزمان، فقال لهم وقد نزلوا منزلا: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له حطبا، قال لهم: أوقدوا لي على هذا الحطب، فأوقدوا له الحطب، واشتعلت النار، فقال لهم: ألم يقل لكم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى قال: فإني أدعوكم وآمركم بعزم وتصميم أن تدخلوا هذه النار، ألقوا أنفسكم فيها، هذا أمري فأطيعوه، وإلا كنتم عاصين لأمره ﷺ لكم بالسماع لي وطاعتي، ونظر بعضهم إلى بعض، يقول بعضهم: علينا تنفيذ الأوامر، وفي تنفيذها النجاة من نار جهنم، وفي تنفيذها النجاة في الدنيا، لن تحرقنا إذا كنا بدخولها نطيع الله، فقد كانت بردا وسلاما على إبراهيم، وقال الآخرون: لقد فررنا بديننا من أهلينا الكفار هروبا من نار جهنم، ودخولنا هذه النار معصية، والمعصية تؤدي إلى النار، فلن ندخلها، وهم بعض الفريق الأول أن يدخلوها، فحجزهم الأمير، وقال لهم: إنما كنت أمزح معكم، وأختبر مدى طاعتكم لي، ولم أكن أقصد دخولكم فيها.
ورجعت السرية إلى المدينة، وأخبرت رسول الله ﷺ بما وقع لها، فشكر الفريق الذي امتنع، وأثنى عليه ومدحه، وبين لهم أن الأمر بالطاعة ليس مطلقا، بل لا يدخل فيه الأمر بالمعصية، والأمر بدخول النار هنا معصية، لأنه أمر بإلقاء أنفسكم في التهلكة، وأمر بقتل النفس، وقتل النفس من أكبر الكبائر، وقال للذين هموا بدخول النار: لو دخلتموها ما خرجتم منها إلى موتى محروقين، عاصين، فكنتم مستحقين لنار الآخرة الدائمة، واعلموا أنه لا طاعة لأمير في معصية الله.
-[المباحث العربية]-
﴿يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] قال العلماء: النكتة في إعادة العامل "أطيعوا" في الرسول دون أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى، كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة، فكأن التقدير: أطيعوا الله فيما نص عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السنة، أو المعنى أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن، وقال الطيبي: أعاد الفعل في قوله ﴿وأطيعوا الرسول﴾ إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في ﴿وأولي الأمر منكم﴾ إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته.
قال النووي: قال العلماء: المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم العلماء والأمراء، أما من قال: الصحابة خاصة فقط فقد أخطأ. اهـ. وذكر البخاري هذه الآية أول كتاب الأحكام إشارة
стр. 4158
منه إلى ترجيح القول بأنها في طاعة الأمراء، ويؤيده في هذا الترجيح أن قبلها قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ [النساء: ٥٨].
(نزل في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي، بعثه النبي ﷺ في سرية) وسرية عبد الله بن حذافة أرخها ابن سعد في ربيع الآخر لسنة تسع، وقد ذكر البخاري روايتنا التاسعة والعاشرة مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ تحت باب سرية عبد الله بن حذافة فهو المراد من الأمير الذي أمر جنده بدخول النار، قال الحافظ ابن حجر: ويبعده وصف عبد الله بن حذافة السهمي القرشي المهاجري بكونه أنصاريا، إذ جاء في روايتنا العاشرة "واستعمل عليهم رجلا من الأنصار" ثم قال الحافظ: ويحتمل الحمل على المعنى الأعم، أي أنه نصر رسول الله ﷺ في الجملة. اهـ. وهذا تعسف بعيد، وأما ابن الجوزي فقال: قوله "من الأنصار" وهم من بعض الرواة، وإنما هو سهمي، واستبعد بعضهم نزول هذه الآية بشأن قصة هذا الأمير، فإن الصواب فيها عدم الطاعة، ورد الحافظ ابن حجر بأن المقصود من الآية في قصة هذا الأمير قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به، وسببه أن الذين هموا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الرد إلى الله وإلى الرسول ﷺ .
(من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله) في الرواية الثالثة "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله" أي لأني لا آمر إلا بما أمر الله به، فمن فعل ما آمره به فإنما أطاع من أمرني أن آمره، ويحتمل أن يكون المعنى: لأن الله أمر بطاعتي، فمن أطاعني فقد أطاع أمر الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك، والجملة الأولى منتزعة من قوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ٨٠].
(ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني) في الرواية الثالثة "ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني" قال الحافظ ابن حجر: ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد [وأن يراد مطلق أمير، أعم من أميره ﷺ ] فإن كل من يأمر بحق، وكان عادلا، فهو أمير الشارع، لأنه تولى بأمره وشريعته.
(عليك السمع والطاعة) "عليك" اسم فعل أمر، أي الزم، و"السمع" مفعول به لاسم الفعل.
(في عسرك ويسرك) أي فيما يشق عليك، وتكرهه نفسك، وفيما تحب وترضى، أي على كل حال.
(ومنشطك ومكرهك) "منشط" بفتح الميم والشين، بينهما نون ساكنة، ومكره على وزنها، أي في حالة نشاطك، وفي الحالة التي تكون فيها عاجزا عن العمل بما تؤمر به، قال ابن التين: والظاهر أنه أراد وقت الكسل والمشقة في الخروج، ليطابق المنشط، ويؤيده ما جاء عند أحمد بلفظ "في النشاط والكسل" وفي رواية البخاري "فيما أحب وكره".
стр. 4159
(وأثرة عليك) بفتح الهمزة والثاء، ويقال بضم الهمزة وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة وإسكان الثاء، ثلاث لغات، أي الاستئثار بحظوظ الدنيا، والاختصاص بها دونك، وحرمانك من حقوقك.
(إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع) المفعول محذوف، أي أسمع لأمرائي وأطيعهم.
(وإن كان عبدا مجدع الأطراف) أي وإن كان من ولي علي عبدا مجدع الأطراف، بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الدال، أي مقطوعها، والمراد أخس العبيد، أي أسمع وأطيع للأمير، وإن كان دنيء النسب، حتى لو كان عبدا أسود مقطوع الأطراف، فطاعته واجبة، وفي ملحق الرواية "عبدا حبشيا مجدع الأطراف" وفي الرواية السادسة "عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا" وفي الرواية السابعة "عبد مجدع -أسود" وعند البخاري "وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة" أي في تجمعها وصغرها، وسواد شعرها، وهو تمثيل في الحقارة، وبشاعة الصورة، وعدم الاعتداد بها، و"إن استعمل" بضم التاء وكسر الميم، أي جعل عاملا، بأن تأمر إمارة عامة على البلد مثلا، أو ولي فيها ولاية خاصة، كالإمامة في الصلاة، أو جباية الخراج، أو مباشرة الحرب. وسيأتي الكلام على ولاية العبد في فقه الحديث.
(فأوقد نارا) أي فأمر بإيقاد نار، ففي الرواية العاشرة "فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا .... " وفي ظنهم أنهم سيصنعون عليها صنيعا لهم، أو يصطلون.
(وقال: ادخلوها) في الرواية العاشرة "ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها" وفي رواية "قال: أليس عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى. قال: أعزم عليكم بحقي وطاعتي لما تواثبتم في هذه النار" وقد ذهب العلماء مذاهب شتى في حقيقة أمره لهم بدخولها، فقيل: إنه على الحقيقة، وإنه كان قاصدا تنفيذهم الأمر، لأنه كان مغضبا غضبا شديدا، أغلق عليه باب الحكمة، ففي الرواية العاشرة "فأغضبوه في شيء ... فسكن غضبه" وفي رواية البخاري "فغضب عليهم" وهذا القول بعيد، وقيل: إنه قال لهم ذلك هازلا، فقد روي أنه كانت به دعابة، وأنهم تحجزوا، حتى ظن أنهم سيثبون فيها قال لهم: احبسوا أنفسكم، فإنما كنت أضحك معكم".
وقيل: إنه أراد أن يؤكد لهم أن طاعة الأمير واجبة، وأن من تركها دخل النار، فأوقد لهم النار، وأمرهم بدخولها، ليخافوا منها، ويستصعبوا دخولها، فيخافوا النار الكبرى، فيسمعوا ويطيعوا، وكأن قصده أنه لو رأى منهم الجد في دخولها لمنعهم، كما تقدم لطفلك قطعة من النار، وتطلب منه أن يلمسها، ليحذر النار الحقيقية، والمراد من غضبه على هذين القولين الغضب الخفيف، الناشئ عن شيء من المخالفة، الدافع إلى الزجر والتخويف، فلما رأى منهم ما رأى سكن غضبه، فقد تحقق له هدفه.
стр. 4160
(فأراد ناس أن يدخلوها) رأوا أن الأمر بالطاعة مطلق، وأن هذه الحالة داخلة فيه، كما في الأوامر التي تصدر للصاعقة في الجيوش الحديثة، أو أنهم ظنوا أنهم إذا دخلوها لا تضرهم، لأن دخولهم بسبب طاعة أميرهم، لكن هذه الإرادة لم ينفذها أحد، وإن كانوا تكلموا بها، فعلمت إرادتهم.
(وقال الآخرون: إنا قد فررنا منها) أي إنما أسلمنا فرارا من النار، فكيف ندخلها؟ ففي الرواية العاشرة "إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك" فريقا يقبل اقتحامها، وفريقا يرفض اقتحامها" وسكن غضبه، وطفئت النار" وحدها، وفي رواية البخاري "فبينما هم كذلك إذ خمدت النار" و"خمدت" بفتح الميم" وضبط في بعض الروايات بكسر الميم، ولا يعرف في اللغة، ومعنى "خمدت" سكن لهبها، وإن لم يطفأ جمرها، فإن طفئ قيل: همدت.
(فذكر ذلك لرسول الله ﷺ في الرواية العاشرة "فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ " وفي رواية البخاري "فبلغ النبي ﷺ ".
(فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة) الضمير للنار التي أوقدت، وليس لنار جهنم، والمعنى: أنهم لو دخلوا فيها لاحترقوا، فماتوا، فلم يخرجوا إلى يوم القيامة، وفي الرواية العاشرة "لو دخلوها ما خرجوا منها" أي أحياء، وعند البخاري "ما خرجوا منها إلى يوم القيامة" وفي رواية "ما خرجوا منها أبدا". وكون الضمائر للنار التي أوقدت هو الظاهر، ويحتمل أن يكون الضمير في "لو دخلتموها" للنار التي أوقدوها، والضمير في "لم تزالوا فيها و"ما خرجوا منها" لنار الآخرة، ففي العبارة نوع من أنواع البديع، المعروف بالاستخدام، والمعنى لو دخلوا هذه النار كانوا عاصين، مستحقين دخول نار جهنم، لأنهم قتلوا أنفسهم، وما خرجوا من نار جهنم، وليس المراد أنهم يخلدون في نار جهنم، لأنه سيخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، وإنما المراد به الزجر والتخويف، وقيل: لو دخلوها مستحلين.
(إنما الطاعة في المعروف) أي لا طاعة في معصية الله، ففي رواية "من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه".
(بايعنا رسول الله ﷺ بسكون العين، وفي الرواية الثانية عشرة "دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه" والمراد من المبايعة المعاهدة، وهي مأخوذة من البيع، لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه، وكذا البيعة، كانت بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المفاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الأجر، في قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١].
وعبادة بايع رسول الله ﷺ ثلاث بيعات، الأولى من الأنصار ليلة العقبة، قبل الهجرة، فكان من الاثنى عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى، وقد ذكر ابن إسحق أن النبي ﷺ قال لمن حضر من الأنصار: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه على ذلك، وأخرج أحمد
стр. 4161
والطبراني عن عبادة "أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام، فقال: يا أبا هريرة، إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق، ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله ﷺ بايعناه عليها".
البيعة الثانية التي بايعها عبادة بيعة الحرب، وكانت بعد الهجرة، وكانت على عدم الفرار.
والثالثة البيعة التي وقعت على نظير بيعة النساء، بعد فتح مكة.
(وعلى أن لا ننازع الأمر أهله) أي أن لا ننازع أهل الأمر أمرهم، أي أن لا ننازع الملوك والأمراء ملكهم وإمارتهم، زاد أحمد "وإن رأيت أن لك" أي وإن اعتقدت أن لك "في الأمر حقا" أي فلا تعمل بذلك الظن، بل اسمع وأطع، إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة. وزاد ابن حبان "وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك".
(وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم) قال النووي: معناه نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر في كل زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نداهن فيه أحدا، ولا نخافه هو، ولا نلتفت إلى الأئمة.
(حدثنا -أصلحك الله- بحديث ينفع الله به) "أصلحك الله" جملة خبرية لفظا، طلبية معنى، معترضة، وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب، والظاهر أنهم أرادوا الدعاء له بالصلاح في جسمه، ليعافى من مرضه، أو أعم من ذلك.
(فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة ..... ) "أن بايعنا" هكذا الرواية بفتح العين، أي بايعنا هو على السمع والطاعة له، أي أخذ علينا مبايعته لنا على السمع والطاعة له، كذا وجهها الحافظ ابن حجر، والأولى أن تكون بسكون العين، أي أخذ علينا مبايعتنا له على السمع والطاعة له، لقوله قبل "فبايعناه" ولأنه أخذ عليهم مبايعتهم له، لا مبايعته لهم. والله أعلم.
(إلا أن تروا كفرا بواحا) بباء مفتوحة، بعدها واو، أي ظاهرا باديا، يقال: باح بالشيء، يبوح به، بوحا، وبواحا، إذا أذاعه وأظهره، وأنكر بعضهم "بواحا" وقال: إنما يجوز "بوحا" بسكون الواو، و"بؤاحا" بضم أوله ثم همزة ممدودة، وروي بالراء بدل الواو "براحا" قال الخطابي: وهو قريب من هذا المعنى، وأصل البراح الأرض القفراء، التي لا أنيس فيها ولا بناء، وروي عند الطبراني "كفرا صراحا" بصاد مضمومة، بعدها راء، وفي رواية "إلا أن يكون معصية لله بواحا" وعند أحمد "ما لم يأمروك بإثم بواحا".
وعند أحمد والطبراني والحاكم عن عبادة "سيلي أموركم من بعدي رجال، يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله" وعند ابن أبي شيبة "سيكون عليكم أمراء، يأمرونكم بما لا تعرفون، ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة".
стр. 4162
(عندكم من الله فيه برهان) أي نص صريح من القرآن أو السنة، لا يحتمل التأويل، قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكرا محققا، تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم، وقال غيره: المراد من الكفر هنا معناه الشرعي، فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية، فلا ينازع في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، وسيأتي مزيد لهذا في فقه الحديث.
(إنما الإمام جنة) أي ستر ووقاية، لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس، ويخافون سطوته.
(يقاتل من ورائه، ويتقى به) أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع على هذا القاضي عياض وآخرون. ثم قال: وتجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة، كما صرح بذلك في الأحاديث، فتحمل الأحاديث الواردة بطاعة أولي الأمر مطلقا على الأحاديث المقيدة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: والحكمة في الأمر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد. اهـ. فإن الخلاف سبب لفساد أحوال المسلمين في دينهم ودنياهم.
والأحكام الشرعية خمسة: الحرام والمكروه معصية، فإذا أمر بمحرم حرم تنفيذ أمره، وكذلك إذا نهي عن واجب، فإذا أمر بفعل مكروه، أو نهي عن فعل مندوب كره تنفيذ أمره ونهيه، وشرط بعضهم في ذلك أن لا يتعرض المحكوم في ذلك إلى عنت الحاكم وقهره وجبروته ولا إلى ضرر أشد.
بقي من الأحكام الشرعية ثلاثة المباح مستوي الطرفين، والمندوب، والواجب، وطاعته وتنفيذ أوامره فيها كلها واجبة بالإجماع، كما سبق.
وفي هذا المقام مواضيع متداخلة، فوضع النووي -رحمه الله تعالى- لهذه الأحاديث: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، وبعد بابين قال: باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة، باب حكم من فرق أمر المسلمين، باب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا ... باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع.
стр. 4163
فاضطر في شرحه لأحاديث هذا الباب أن يتكلم عن ولاية العبد، لقوله في رواياتنا الخامسة والسادسة والسابعة "عبدا حبشيا" وأن يتكلم عن انعقاد الإمامة للكافر، وحكم من طرأ عليه الكفر، وخلع الإمام المبتدع والفاجر، لقوله في روايتنا الحادية عشرة والثانية عشرة "وأن لا ننازع الأمر أهله" وسنرجئ الكلام عن هذين الموضوعين للباب الآتي إن شاء الله، ونقتصر هنا على ما يتعلق بالطاعة في غير معصية.
ويجب أن نفرق بين طاعة الأوامر والنواهي في المعاصي، وبين طاعة الأمير العاصي أو الفاسق، إذا لم يأمر بمعصية، بمعنى: هل نقوم بالعصيان المدني السلبي للحاكم الفاسق؟ فلا ننفذ أوامره؟ ولو كانت بغير معصية؟ أخرج ابن ماجه وأحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. فقلت: يا رسول الله، إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: تسألني يا ابن أم معبد؟ كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله" فظاهر هذا الحديث أنهم لا يطاعون في أوامرهم، لكن روى مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: يا أبا ذر، كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة -أو قال: يؤخرون الصلاة؟ قلت: يا رسول الله، فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلها، فإنها لك نافلة" والحق أن طاعة هؤلاء في أوامرهم بغير المعصية واجبة، أما واجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فهو باب آخر.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من الرواية التاسعة والعاشرة أن الحكم في حال الغضب ينفذ منه ما لا يخالف الشرع.
٢ - أن الغضب يغطي على ذوي العقول.
٣ - أن الإيمان بالله ينجي من النار، لقولهم: إنما فررنا إلى النبي ﷺ من النار، والفرار إلى النبي ﷺ فرار إلى الله، والفرار إلى الله يطلق على الإيمان، قال تعالى: ﴿ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين﴾ [الذاريات: ٥٠].
٤ - وفيه أن الأمر المطلق لا يعم الأحوال، لأنه ﷺ أمرهم أن يطيعوا الأمير، فحملوا ذلك على عموم الأحوال، حتى في حال الغضب، وفي حال الأمر بالمعصية، فبين لهم ﷺ أن الأمر بطاعته مقصور على ما كان منه في غير معصية.
٥ - واستنبط منه ابن أبي جمرة أن الجمع من هذه الأمة لا يجتمعون على خطأ، لانقسام السرية قسمين.
٦ - وفيه أن من كان صادق النية لا يقع إلا في خير، ولو قصد الشر فإن الله يصرفه عنه، قال الحافظ ابن حجر: ولهذا قال بعض أهل المعرفة: من صدق مع الله وقاه الله، ومن توكل على الله كفاه الله.
стр. 4164
٧ - ومن الرواية الحادية عشرة من قوله "وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم" وجوب القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال النووي: أجمع العلماء على أنه فرض كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه أو ماله أو على غيره سقط الإنكار بيده ولسانه، ووجبت كراهته بقلبه. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير، وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقا، في هذه الحالة وغيرها.
والله أعلم.
стр. 4165
(٥١٤) باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول
٤١٨٩ - عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة ﵁ خمس سنين. فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء. كلما هلك نبي خلفه نبي. وإنه لا نبي بعدي. وستكون خلفاء تكثر" قالوا: فما تأمرنا؟ قال "فوا ببيعة الأول فالأول. وأعطوهم حقهم. فإن الله سائلهم عما استرعاهم".
٤١٩٠ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها" قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال "تؤدون الحق الذي عليكم. وتسألون الله الذي لكم".
٤١٩١ - عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه. فأتيتهم فجلست إليه. فقال كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره. إذ نادى منادي رسول الله ﷺ الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي، إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها. وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها. وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر. وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه. ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر". فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله آنت سمعت هذا من
стр. 4166
رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا. والله يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ [النساء: ٢٩] قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله.
٤١٩٢ - وفي رواية عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة الصائدي، قال: رأيت جماعة عند الكعبة. فذكر نحو حديث الأعمش.
-[المعنى العام]-
لا بد للناس من إمام يجمعهم، ويراعي مصالحهم، وينصف المظلوم من الظالم، وللإمام حقوق على رعيته، وللرعية حقوق على إمامهم، وقد أجمعت النصوص على وجوب التزام الرعية بواجباتها نحو الإمام، سبق بعضها في الباب قبله، وفي هذا الباب، وسيأتي الكثير منها في الباب التالي.
أما حقوقها على راعيها فتكاد النصوص تجمع على نصح الإمام، وطلب الحقوق منه بالحسنى، وعدم اللجوء معه إلى القوة، خوف الفتنة، إلا إذا رأى الرعية في راعيها كفرا صريحا واضحا لا يقبل التأويل.
-[المباحث العربية]-
(كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء) أي تتولى أمورهم الأنبياء، كما يتولى الحكام أمور الرعية، وقيل: المعنى أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث الله لهم نبيا يقيم لهم أمرهم بينهم ويزيل ما غيروا من أحكام التوراة، والأول أظهر في هذا المقام. يقال: ساس الناس يسوسهم سياسة: تولى رياستهم وقيادتهم.
(وأنه لا نبي بعدي) أي فيفعل ما كان أولئك يفعلون.
(وستكون خلفاء فتكثر) وفي رواية البخاري "وسيكون خلفاء" أي بعدي، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزان مع الفاعل إذا كان جمع تكسير، قال النووي: قوله "فتكثر" بالثاء من الكثرة. هذا هو الصواب المعروف، قال القاضي: وضبطه بعضهم "فتكبر" بالباء، كأنه من إكبار قبيح أفعالهم، وهذا تصحيف اهـ. وفي رواية البخاري "فيكثرون" وضبط أيضا "فيكبرون" بالباء وهو تصحيف.
стр. 4167
(قالوا: فما تأمرنا) أن نفعل إذا وقع ذلك؟ وفي الرواية الثانية "كيف تأمر من أدرك منا ذلك"؟
(قالوا: فوا ببيعة الأول فالأول) "فوا" فعل أمر بالوفاء، والمعنى أنه إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعه الأول صحيحة، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة، وسيأتي تفصيل لذلك في فقه الحديث.
(وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) أي أطيعوهم، وعاشروهم بالسمع والطاعة، هذا حقهم عليكم، أما حقكم عليهم فمحاسبهم عليه هو الله تعالى، وهو سائل كل راع عما استرعاه. وفي الرواية الثانية "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم" أي الحق الذي لكم عندهم. أي أدوا للأمراء الحق الذي وجب لهم عليكم، سواء ما يخصهم من السمع والطاعة لهم، أو ما يعمهم والرعية والإسلام من بذل المال الواجب في الزكاة وغيرها، وبذل النفس في الخروج إلى الجهاد المتعين ونحو ذلك، أما حقكم عليهم -إن حرمتموه- فسلوا الله تعالى بأن يلهمهم إنصافكم، أو يبدلكم خيرا منهم.
وفي الرواية الثالثة "وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه" أي وليفعل مع الناس ما يحب أن يفعلوه معه، وقد جاء: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، لا بما يعاملونك به.
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁.
(دخلت المسجد) أي الحرام بمكة.
(والناس مجتمعون عليه) يطلبون العلم منه.
(فمنا من يصلح خباءه) الخباء بيت من وبر أو شعر أو صوف، يكون على عمودين أو ثلاثة، وجمعه أخبية، وأصله أخبئة، خففت الهمزة، والمقصود هنا من إصلاحه إقامته في المكان الذي نزلوا فيه.
(ومنا من ينتضل) أي يرمي بالنشاب، ويتدرب على الرمي والإصابة، تمهيدا للمعركة، وهو من المناضلة، يقال: نضله بفتح الضاد، ينضله بضمها، إذا سبقه وغلبه في الرماية.
(ومنا من هو في جشره) بفتح الجيم والشين، وهي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها، يقال: جشر الدواب أخرجها للرعي قريبا من البيوت.
(الصلاة جامعة) بنصب "الصلاة" على الإغراب، و"جامعة" على الحال.
(وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا) قال النووي: لفظة "فيرقق" رويت على أوجه، أحدها: "يرقق" بضم الياء، وفتح الراء، وبقافين، أولاهما مشددة مكسورة أي يصير بعضها بعضا رقيقا، أي
стр. 4168
تأتي الفتنة، ثم الأعظم منها، فتصير كل واحدة ما قبلها رقيقة خفيفة بالنسبة لما بعدها، وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء، وقيل: يشبه بعضها بعضا، وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض السوء والشر، والوجه الثاني الذي رويت به اللفظة "فيرفق" بفتح الياء، وإسكان الراء، بعدها فاء مضمومة، أي فيصاحب بعضها بعضا، فيصير رفيقا له.
الوجه الثالث "فيدفق" بفتح الياء وإسكان الدال وكسر الفاء وضمها، والدفق الدفع والصب.
(وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي) لشدة ما يرى من أهوالها، ثم تنكشف دون أن يهلك.
(وتجيء الفتنة) أكبر وأشد من الأولى.
(فيقول المؤمن: هذه هذه) الإشارة خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: المهلكة حقا هذه لا غيرها، والإشارة الثانية تأكيد للأولى.
(فمن أحب أن يزحزح عن النار) ببناء الفعل "يزحزح" للمجهول وكذا "يدخل الجنة".
(فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) أي إن النجاة من الفتن إنما يكون بتحكيم الإيمان وشرائعه، وأن يضع الإنسان نفسه في مكان الآخرين، وأن يفعل معهم ما يحب أن يفعلوه معه.
(ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع) كانت المبايعة بوضع اليد في اليد، ثم بذكر المبايع عليه، يقال: أعطاه صفقة يده، أي أعطاه عهده، ومعنى "فليطعه إن استطاع" أي ما وجد إلى طاعته قدرة وسبيلا.
(فإن جاء آخر ينازعه) أي ينازع الإمام الذي أخذ البيعة.
(فاضربوا عنق الآخر) أي ادفعوا الثاني، فإنه خارج على الإمام، فإن لم يندفع إلا بالحرب والقتال فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله، ولا ضمان، لأنه ظالم متعد في قتاله.
(هذا ابن عمك معاوية يأمرنا .... إلخ) المقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لما سمع كلام عبد الله بن عمرو بن العاص في تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن الثاني يقتل، اعتقد أن هذا الوصف في معاوية، لمنازعته عليا ﵄ وكانت قد سبقت بيعة علي، فرأى أن الأموال التي ينفقها معاوية على الجنود وغيرهم من الأتباع في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من قبيل أكل المال بالباطل، ورأى أن دفع معاوية جنوده لقتال جنود علي من قبيل قتل النفس، لأنه قتال بغير وجه حق، فكأنه يقول لعبد الله بن عمرو: أنت تأمر بشيء، وتحذر من شيء وابن عمك لا يعمل بما تأمر، ولا يحذر ما تحذر.
стр. 4169
(فسكت ساعة) أي فترة من الزمن، يفكر بم يجيبه؟ والأمر يحتاج جوابا سياسيا يرضى الله ولا يعرض نفسه لسخط معاوية.
(أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله) "أطعه" همزة قطع و"اعصه" همزة وصل، ولم يجب عبد الله ﵁ عن الاعتراض، وإنما ترك تطبيق القاعدة الشرعية للرجل، إذ اعتراض الرجل أن ما يفعله معاوية فتنة ومعصية.
(عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة الصائدي) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ بالصاد والدال، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ، قال: وهو غلط، وصوابه "العائذي" بالعين والذال، قال ابن الحباب والنسابة. هذا كلام القاضي، وقد ذكره البخاري في تاريخه والسمعاني في الأنساب فقالا: هو "الصائدي" ولم يذكرا غير ذلك، فقد اجتمع مسلم والبخاري والسمعاني على "الصائدي" قال السمعاني: هو منسوب إلى صائد، بطن من همدان، قال: و"صائد" اسم كعب بن شرحبيل بن عمرو بن حشم بن حاسد بن حشيم بن حوان بن نوف .... إلخ.
-[فقه الحديث]-
بوب النووي لهذه الأحاديث بباب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول، أخذا من قوله في الرواية الأولى "فوا ببيعة الأول فالأول" اهـ.
والأحاديث في هذه الأبواب -كما قلنا- متداخلة، والأمر بطاعة أولي الأمر قدر مشترك بين جميعها.
لهذا سأجمع بعض الأبواب الآتية التي وضعها النووي، سأجمعها في باب واحد، فيما بعد هذا الباب إن شاء الله.
ثم تعرض النووي إلى حكم مبايعة خليفة بعد خليفة، فقال: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة، يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول، أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، وقيل: تكون لمن عقدت له في بلد الإمام، وقيل: يقرع بينهما، وهذان القولان فاسدان، قال: واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا: لا يجوز عقدها لاثنين. قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد، وهذا مجمع عليه، قال: فإن بعدما بين الإمامين، وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، قال: وهو خارج من القواطع -أي الأدلة المقطوع بها- وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمام الحرمين، وهو قول فاسد، مخالف لما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث. اهـ.
стр. 4170
وقال القرطبي: في هذا الحديث حكم بيعة الأول، وأنه يجب الوفاء بها، وسكت عن بيعة الثاني، مع أنه قد نص عليه في روايتنا الثالثة "فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من قوله في الرواية الأولى "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ... إلخ" إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها، يحملها على الطريق الحسنة، وينصف المظلوم من الظالم.
٢ - ومن قوله "كلما هلك نبي" جواز قول: هلك فلان، إذا مات، وقد كثرت الأحاديث به، وجاء في القرآن الكريم ﴿حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا﴾ [غافر: ٣٤].
٣ - من قوله "وستكون خلفاء فتكثر" معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ .
٤ - وكذا في قوله ﷺ "ستكون بعد أثرة وأمور تنكرونها".
٥ - قال الحافظ ابن حجر: في الحديث تقديم أمر الدين على أمر الدنيا، لأنه ﷺ أمر بتوفية حق السلطان، لما فيه من إعلاء كلمة الدين، وكف الفتنة والشر، وأخر أمر المطالبة بحق الفرد، وعدم المطالبة بالحق لا يسقطه، فقد وعد الله أنه يخلصه، ويوفيه إياه، ولو في الدار الآخرة.
٦ - ومن قوله في نهاية الرواية الثالثة "أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله" دليل لوجوب طاعة المتولين للإمامة بالقهر من غير إجماع ولا عهد.
والله أعلم.
следующие страницы →