← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

قال النووي: في هذه الأحاديث صرائح الأدلة في عظيم فضل الشهادة، وضمان الجنة للشهيد، قال القاضي: يحتمل أن يدخل عند موته الجنة، كما قال تعالى في الشهداء ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ وفي الحديث "أرواح الشهداء في الجنة" ويحتمل أن يكون المراد دخوله الجنة عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفرة لذنبه، كما في رواياتنا السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة. وقال ابن بطال عن حديث تمني الشهداء العودة إلى الدنيا والشهادة مرات: هذا أجل ما في فضل الشهادة، قال: وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب. وقال النووي عن أحاديث جرح الشهيد ودمه: فيه دليل على أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغسل ولا غيره. والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته، وبذله نفسه في طاعة الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا المأخذ وهذه الحكمة نظر، لأنه لا يلزم من غسل الدم في الدنيا أن لا يبعث كذلك، ويغني عن الاستدلال لترك غسل الشهيد في هذا الحديث قوله ﷺ في شهداء أحد: زملوهم بدمائهم". وأما عن فضل الإصابة في القتال فتقول روايتنا الأولى "والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك" وفي الرواية الثالثة "لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة، وجرحه يثعب، اللون لون دم، والريح ريح المسك" وفي الرواية الرابعة "كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله، ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت، تفجر دما، اللون لون دم، والعرف عرف المسك" وقد مضى في المباحث العربية قول الحافظ ابن حجر في ذلك. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من قوله في الرواية الأولى "لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي وتصديقا برسلي" ومن قوله في الرواية الثانية "لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته" ومن قوله في الرواية الثالثة "والله أعلم بمن يكلم في سبيله" وجوب الإخلاص في الخروج للجهاد، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا. ٢ - وأن الأعمال بالنيات. ٣ - ومن قوله في الرواية الأولى "والذي نفس محمد بيده. لولا أن يشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا" ومثله في الرواية الرابعة وملحقها. يؤخذ منه شفقة الرسول ﷺ على المسلمين والرأفة بهم، والسعي في زوال المكروه عنهم. ٤ - وأنه ﷺ كان يترك الأفضل، مراعاة للرفق بأمته. ٥ - وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها.

стр. 4237

٦ - وفيه دليل على جواز اليمين، وانعقادها بقوله "والذي نفسي بيده" ونحو هذه الصيغة من الحلف بما يدل على الذات، ولا خلاف في هذا. قال النووي: قال أصحابنا: اليمين تكون بأسماء الله تعالى وصفاته، أو ما دل على ذاته. ٧ - أن الجهاد على الكفاية، إذ لو كان على الأعيان ما تخلف، وما تخلف أحد. ٨ - ومن قوله "لوددت أني أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل" استحباب طلب القتل في سبيل الله. ٩ - وجواز تمني ما يمتنع في العادة. ١٠ - ومن الرواية الثامنة فضيلة الصلاة والصيام والقنوت. ١١ - أن الفضائل لا تدرك دائما بالقياس، بل هي بفضل الله تعالى. ١٢ - واستعمال التمثيل في الأحكام. ١٣ - وأن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها. ١٤ - ومن الرواية التاسعة كراهة رفع الصوت في المساجد يوم الجمعة وغيره، قال النووي: ولا يرفع الصوت في المسجد بعلم ولا غيره عند اجتماع الناس للصلاة، لما فيه من التشويش عليهم. ١٥ - ومن الرواية السادسة عشرة أن الشهادة تكفر الخطايا. ١٦ - من استثناء الدين تنبيه على أن حقوق الآدميين لا يكفرها الجهاد ولا الشهادة ولا غيرهما من أعمال البر، وإنما تكفر حقوق الله تعالى. ١٧ - ومن الرواية التاسعة عشرة أن الجنة مخلوقة موجودة. قال النووي: وهو مذهب أهل السنة، وهي التي أهبط منها آدم، وهي التي ينعم فيها المؤمنون في الآخرة. هذا إجماع السنة وقالت المعتزلة وطائفة من المبتدعة أيضا وغيرهم: إنها ليست موجودة، وإنما توجد بعد البعث في القيامة. وقالوا: والجنة التي أخرج منها آدم غيرها، وظواهر القرآن والسنة تدل لمذهب أهل الحق. ١٨ - وإثبات مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة، لقوله ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]. ١٩ - قال القاضي: وفيها أن الأرواح باقية، لا تفنى، فينعم المحسن، ويعذب المسيء، وقد جاء به القرآن والآثار، وهو مذهب أهل السنة، خلافا لطائفة من المبتدعة، قالت: تفنى. قال القاضي: وأما غير الشهداء فإنما يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، وكما قال في آل فرعون ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ [غافر: ٤٦] وقيل: بل المراد جميع المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب، فيدخلونها الآن، بدليل عموم الحديث، وقيل: بل أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم، وقيل المنعم والمعذب قبل البعث جزء من

стр. 4238

الجسد تبقى فيه الروح، وهو الذي يسرح في شجر الجنة، فغير مستحيل أن يصور هذا الجزء طائرا. ٢٠ - قال القاضي: وقد تعلق بحديثنا هذا وشبهه بعض الملاحدة القائلين بالتناسخ، وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة، وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا ضلال بين، وإبطال لما جاءت به الشرائع من الحشر والنشر والجنة والنار. ٢١ - من الرواية المتممة للعشرين والواحدة والعشرين والثانية والعشرين قال النووي: فيه دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الاختلاط، وفي ذلك خلاف مشهور، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل، بشرط رجاء السلامة من الفتن، ومذهب طوائف أخرى أن الاعتزال أفضل، وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص، وقد كانت الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين، فيحصلون منافع الاختلاط -كشهود الجمعة والجماعة والجنازة وعيادة المرضى وحلقات الذكر وغير ذلك. والله أعلم.

стр. 4239

(٥٢٣) باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ولا يجتمع كافر وقاتله في النار ٤٢٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة. فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقاتل هذا في سبيل الله ، فيستشهد. ثم يتوب الله على القاتل، فيسلم. فيقاتل في سبيل الله ، فيستشهد". ٤٢٩٠ - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "يضحك الله لرجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة. قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقتل هذا فيلج الجنة. ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله، فيستشهد". ٤٢٩١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا". ٤٢٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في النار اجتماعا، يضر أحدهما الآخر. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: مؤمن قتل كافرا ثم سدد". -[المعنى العام]- جعل الله تعالى الجنة دار نعيم مقيم، لمن رضي عنهم ورضوا عنه، لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧] أعداء الدنيا من المؤمنين يتصافون، ويتصالحون، أو يتقاصون، ينقون من الذنوب والأخطاء، ويتخلصون من حقوق بعضهم بعضا قبل أن يدخلوها، يتحمل الله تعالى

стр. 4240

بفضله ورحمته بعض تبعاتهم، ويرضى المظلوم من فيضه إذا رضي عن الظالم بعفوه وكرمه، وهكذا، حتى يدخلوها متحابين. المقتول وقاتله قد يجتمعان فيها، فقد شفيت نفس المقتول، وطيب الله خاطره، الشهيد في معارك الإسلام بيد قاتل مشرك قد يتصادقان ويتحابان فيها، فقد سره أن قاتله أسلم في دنياه، وجاهد في سبيل الله، واستشهد في الدفاع عن الإسلام، وأفاض الله عليهما من منازل الجنة ما تقربه أعينهما، وما يتمنى به كل منهما أن يعود إلى الدنيا، فيقتل مرة ومرات، لما رأى من الكرامة والنعيم. قد يجتمعان في الجنة اجتماع حب وحنان، ويتلاقيان بالأحضان والقبلات، فيضحك الله، وتضحك ملائكته لهذا المنظر الجميل، ويرضى الله عنهما، ويشملهما معا بالعطف والتكريم. أما النار فقد جعلها الله تعالى دار عقاب وعذاب، قد يجتمع فيها أصدقاء الدنيا فيلعن بعضهم بعضا ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو﴾ [الزخرف: ٦٧] يبغض بعضهم بعضا، يتلاومون يوم لا ينفع اللوم والندم، فهي دار عداوة وشقاق، لهذا لا يجتمع فيها في درك واحد مؤمن وكافر، حتى لو كان المؤمن عاصيا، لئلا يتشفى الكافر في المؤمن، ويعيره بأنه لم ينفعه إيمانه. جمعنا الله في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. -[المباحث العربية]- (يضحك الله إلى رجلين) قال القاضي: الضحك هنا استعارة في حق الله تعالى، لأنه لا يجوز عليه سبحانه الضحك المعروف في حقنا، لأنه إنما يصح من الأجسام، ومن يجوز عليه تغير الحالات، والله منزه عن ذلك، وإنما المراد به الرضا بفعلهما، والثواب عليه، وحمد فعلهما ومحبته، وتلقي رسل الله لهما بذلك، لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقته ما يرضاه وسروره وبره لمن يلقاه. قال: ويحتمل أن يكون المراد هنا ضحك ملائكة الله تعالى، الذين يوجههم لقبض روحه، وإدخاله الجنة، كما يقال: قتل السلطان فلانا، أي أمر بقتله. وقال الخطابي: الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله تعالى، وإنما هذا مثل ضرب لهذا الصنيع الذي يحل محمل الإعجاب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه الإخبار عن رضا الله بفعل أحدهما وقبوله للآخر، ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة، مع اختلاف حاليهما. قال: وقد تأول البخاري الضحك في موضع آخر على معنى الرحمة، وهو قريب، وتأويله على معنى الرضا أقرب، فإن الضحك يدل على الرضا والقبول، قال: والكرام يوصفون عندما يسألهم السائل بالبشر وحسن اللقاء، فيكون المعنى في قوله "يضحك الله" أي يجزل العطاء، قال: وقد يكون معنى ذلك أن يعجب الله ملائكته ويضحكهم من صنيعهما، وهذا يتخرج على المجاز، ومثله في الكلام يكثر. وقال ابن الجوزي: أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا، ويمرونه، وينبغي أن يراعي في مثل هذا الإمرار اعتقاد أنه لا تشبه صفات الله صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه، مع اعتقاد التنزيه.

стр. 4241

قال الحافظ ابن حجر: ويدل على أن المراد بالضحك الإقبال بالرضا تعديته بإلى، نقول: ضحك فلان إلى فلان إذا توجه إليه طلق الوجه، ومظهرا للرضا عنه. اهـ. وفي الرواية الثانية "يضحك الله لرجلين". (يقتل أحدهما الآخر) إلخ ظاهر الرواية الأولى والثانية أن القاتل كان حين القتل كافرا، وكان القتل في معركة بين المسلمين والكفار، لقوله في الرواية الأولى "يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل، فيسلم، فيقاتل في سبيل الله ، فيستشهد" وفي الرواية الثانية "يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله، فيستشهد" وعند أحمد "قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: يكون أحدهما كافرا، فيقتل الآخر، ثم يسلم، فيغزو، فيقتل" ففيها التصريح بأن القاتل للمسلم كان كافرا. قال الحافظ ابن حجر: ولكن لا مانع أن يكون القاتل الأول مسلما، لعموم قوله "ثم يتوب الله على القاتل" كما لو قتل مسلم مسلما عمدا، بلا شبهة، ثم تاب القاتل، واستشهد في سبيل الله، وإنما يمنع دخول مثل هذا من يذهب إلى أن قاتل المسلم عمدا لا تقبل له توبة. اهـ. وهذا الذي قاله الحافظ قد يقبل احتمالا في رواية البخاري، إذ ليس فيها ما في روايتي مسلم الصريحتين في أنه كان كافرا، واللفظ في الرواية الأولى "ثم يتوب الله على القاتل فيسلم" وفي الثانية "ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام" نعم ظاهر الرواية الثانية أن المقتول الأول أعم من أن يكون شهيدا في معركة بين المسلمين والكفار، وأن يكون مقتولا بمفرده عمدا، لقوله "يقتل هذا فيلج الجنة". (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا) النار دركات، يحتل الكافر المقتول دركا منها، فأل في "النار" للعهد، فإن كان قاتله مؤمنا في معركة الإسلام فواضح أنه لا يجتمع معه في ناره، وإن كان قاتله مؤمنا في غير معركة الإسلام فناره -إن عوقب- غير نار الكافر المقتول، فلا يجتمع معه في ناره، وإن كان قاتله كافرا مات على كفره كانت له للقتل نار أخرى ودرك آخر، غير نار الكفر من غير قتل، فلا يجتمع كافر وقاتله في نار معينة أبدا. بخلاف اجتماع المقتول وقاتله في جنة واحدة. وشرحه القاضي عياض، فخصه بقاتل مؤمن، فقال: يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرا في الجهاد، فيكون ذلك مكفرا لذنوبه، حتى لا يعاقب عليها، أو يكون -قتله- بنية مخصوصة، أو حالة مخصوصة -أي مرخص بها شرعا، مثاب عليها- قال: ويحتمل أن يكون عقابه -أي عقاب هذا المسلم القاتل للكافر إن عوقب، بغير النار، كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة أولا، ولا يدخل النار، أو يكون إن عوقب بالنار عوقب بها في غير موضع عقاب الكفار، ولا يجتمعان في دركاتها. (لا يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر) المنفي اجتماع خاص، اجتماع يعير فيه المقتول الكافر قاتله المؤمن بأنه لم ينفعه إيمانه، إذ اجتمعا في النار، ولا يمنع هذا اجتماعهما في النار اجتماعا آخر، لا تعيير فيه. (قيل: من هم يا رسول الله؟ ) كان حقه أن يقول: من هما يا رسول الله؟ فيحتمل أنه جمع باعتبار تعدد صاحبي هذه الحالة.

стр. 4242

(مؤمن قتل كافرا، ثم سدد) أي استقام على الطريقة الحميدة المثلى في دينه، بأن تاب توبة نصوحا وآمن وعمل عملا صالحا بقية حياته، قال القاضي عياض: وهو مشكل المعنى، لأن المؤمن إذا سدد لم يدخل النار أصلا، سواء قتل كافرا أو لم يقتله، وما استشكله القاضي غير مشكل، فإن المقيد بقيد قد يراد منه المقيد، من غير القيد، كقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ [آل عمران: ١٣٠] فالمعنى لا يجتمع مؤمن قتل كافرا في النار، إذا سدد المؤمن بعد قتله، فلا يدخل النار، فلا يجتمعان فيها وقد يراد المقيد مع القيد على معنى: لا يجتمعان في النار هذا الاجتماع المخصوص، ويجتمعان اجتماعا آخر، هو اجتماع الورود، وتخاصمهم على جسر جهنم، ويرى بعضهم أن اللفظ تغير من بعض الرواة، وأن صوابه "مؤمن قتله كافر، ثم سدد". -[فقه الحديث]- يؤخذ من الحديث فضيلة الشهادة في سبيل الله، وأنها تكفر الذنوب، ولو كان منها قتل المؤمن، والدفاع عن الكفر والباطل. وأن المقتول قد ينزع من صدره الغل من قاتله، ويجتمع مع قاتله في الجنة في هناء وسرور. والله أعلم.

стр. 4243

(٥٢٤) باب فضل الصدقة في سبيل الله، وإعانة الغازي، وخلافة أهله بخير، وإثم من خانه فيهم ٤٢٩٣ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة، كلها مخطومة". ٤٢٩٤ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أبدع بي فاحملني. فقال: "ما عندي" فقال رجل: يا رسول الله، أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". ٤٢٩٥ - عن أنس بن مالك ﵁: أن فتى من أسلم، قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز. قال: "ائت فلانا، فإنه قد كان تجهز، فمرض. فأتاه. فقال: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ويقول: أعطني الذي تجهزت به. قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئا. فوالله، لا تحبسي منه شيئا فيبارك لك فيه". ٤٢٩٦ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا. ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا".

стр. 4244

٤٢٩٧ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : "من جهز غازيا فقد غزا. ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا". ٤٢٩٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث بعثا إلى بني لحيان من هذيل. فقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما". ٤٢٩٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث إلى بني لحيان: "ليخرج من كل رجلين رجل". ثم قال: "للقاعد أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج". ٤٣٠٠ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء. فما ظنكم؟ ". ٤٣٠١ - وفي رواية عن علقمة بن مرثد بهذا الإسناد. فقال: "فخذ من حسناته ما شئت". فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "فما ظنكم؟ ". -[المعنى العام]- إن الأولاد مجبنة مبخلة كما يقولون، وقد كان المخلفون من الأعراب يعتذرون بأن بيوتهم عورة،

стр. 4245

في حاجة إلى من يحميها ويحرسها، كما كان المجاهدون يخشون أن يتركوا من خلفهم ذرية ضعافا ونساء ضعيفات، فكان لا بد من سد هذه الثغرة البشرية، وعلاج هذه الظاهرة الطبيعية، فعالجها الإسلام من شعبتين: الأولى: أنه أوصى القاعدين بأن يخلفوا المجاهدين في أهلهم ومالهم بخير، ولهم من الأجر مثل ما للمجاهدين، وجعل لنساء المجاهدين من الحرمة على القاعدين كحرمة أمهاتهم، فمن زنى من القاعدين بامرأة مجاهد كان كمن زنى بأمه، وجعل حق المجاهد عند هذا الخائن أعلى من أي حق من حقوق الآدميين، فكل حق من حقوق الآدميين له قدر ووزن معلوم، يستوفيه المظلوم من ظالمه يوم القيامة أما خيانة المجاهد في أهله فلا حدود لجزائها إذ يوقف الله تعالى هذا الخائن يوم القيامة ذليلا أمام المجاهد، وقد فتح كتاب حسنات هذا الخائن، ليقال للمجاهد: خذ من حسنات هذا الخائن ما شئت، فماذا نظن بالمجاهد؟ كم من الحسنات يأخذ؟ أخشي على جميع حسنات هذا الخائن إن فني ما قدم من حسنات، أخذ من سيئات المجاهد، فطرحت عليه، فطرح في النار. الشعبة الثانية مسارعة كبار الصحابة إلى أرملة الشهيد، يعرضون عليها الزواج لرعايتها ورعاية أولادها من بعد العائل الشهيد، كما حدث للسيدة أم سلمة، إذ تقدم لها عمر، ثم أبو بكر، ثم رسول الله ﷺ . ولما كان للجهاد عنصران أساسيان، لا يتم بنجاح إلا بهما: عنصر المقاتل الآدمي، وعنصر المال المادي لتجهيزه بما يحتاج من نفقة أو ركوبة أو سلاح، ولهذا يقول الله تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١] ويقول ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠]. ولما كان بعض المسلمين يملك القوة البشرية والمال، فجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وكان بعضهم يملك نفسه والقوة البشرية، ولا يملك القوة المالية، فكانوا يذهبون إلى الرسول ﷺ يقدمون أنفسهم للجهاد، ويطلبون منه أن يحملهم، فيقول لهم: ﴿لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: ٩٢]. ولما كان بعض المسلمين يمنعه المرض والعذر عن الخروج، وعنده المال، كان من يجاهد بماله كمن يجاهد بنفسه ومن جهز غازيا فقد غزا، ومن قدم ناقة في سبيل الله ليغزو عليها مجاهد كان له بها يوم القيامة سبعون ناقة، كل ناقة لا تقل عن التي قدمها، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. -[المباحث العربية]- (جاء رجل بناقة مخطومة) أي فيها خطام، وهو حبل يلف حول أنف الناقة يشد على أعلى رأسها، لتقاد به، وهو قريب من الزمام، والمراد بهذا الوصف إفادة أنها ذلول صالحة للحمل والركوب.

стр. 4246

(هذه في سبيل الله) أي أقدمها لمن يجاهد عليها. (لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة) قيل: يحتمل أن المراد لك أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة ناقة، كل ناقة منهن مخطومة، يركبها حيث شاء، للتنزه، كما جاء في خيل الجنة. وهذا من قبيل تضعيف الحسنة بسبعمائة مثل، مصداقا لقوله تعالى ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١]. (إني أبدع بي) قال النووي: هو بضم الهمزة، وفي بعض النسخ "بدع بي" بحذف الهمزة وتشديد الدال، ونقله القاضي عن جمهور رواة مسلم. قال: والأول هو الصواب، ومعروف في اللغة، وكذا رواه أبو داود وآخرون بالألف، ومعناه هلكت دابتي، وهي مركوبي. اهـ. وفي كتب اللغة: أبدعت راحلته بضم الهمزة، أي عطبت وكلت وأبدع به أي انقطع عن الرفقة. (ما عندي) أي ليس عندي ما أحملك عليه. (ولا تحبسي عنه شيئا) أي مما كنت قد تجهزت به. (من جهز غازيا في سبيل الله) أي من هيأ له أسباب سفره، وأسباب غزوه وقتاله، وهل المراد تمام التجهيز؟ أو بعضه؟ سيأتي إيضاحه في فقه الحديث. (فقد غزا) أي حصل له أجر من غزا، وسيأتي بحث ذلك في فقه الحديث. (ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) بفتح الخاء وفتح اللام مخففة، أي خلفه في قضاء حوائج أهله، من الإنفاق عليهم، أو مساعدتهم في أمرهم، والقيام بشئونهم. (بعث بعثا إلى بني لحيان من هزيل) "بعثا" مفعول به، أي قطعة من الجيش، وبنو لحيان بكسر اللام وفتحها، والكسر أشهر، قال النووي: وقد اتفق العلماء على أن بني لحيان كانوا في ذلك الوقت كفارا، فبعث إليهم بعثا يغزونهم. (فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما) أي قال للمسلمين الحريصين على الخروج: ليخرج من كل قبيلة نصف عددها. (والأجر بينهما) أي إذا خلف المقيم الغازي في أهله بخير، بدليل ما جاء بعد. (ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج) قال القرطبي: لفظة "نصف" يشبه أن تكون مقحمة، أي مزيدة من بعض الرواة. قال

стр. 4247

الحافظ ابن حجر: لا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر. اهـ. أي ولكل منهما نصف الأجر المقرر. (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم) أي كحرمة أمهات القاعدين، في تحريم التعرض لهن بريبة من نظر محرم، وخلوة وحديث محرم، وفي وجوب البر والإحسان إليهن، وقضاء حوائجهن، التي لا يترتب عليها مفسدة ولا ريبة. (إلا وقف له يوم القيامة) "وقف" بضم الواو، وكسر القاف، مبني للمجهول، أو وقفه الله، وجعله يقف له، يمنعه من المضي، حتى يستوفي منه حقه. (فيأخذ من عمله ما شاء) أي فيأخذ المجاهد من حسنات القاعد الخائن ما يشاء، وفي ملحق الرواية "فقال: خذ من حسناته ما شئت" أي قال الله للمجاهد بعد أن أوقفه للخائن: خذ ما شئت من حسناته. (فما ظنكم؟ ) أي فما ظنكم بفعل المجاهد؟ كيف ينتقم من الخائن؟ ما تظنون كم يأخذ من حسناته؟ ألا تظنون أنه يستكثر منها، حتى لا يبقى منها شيئا إن أمكنه؟ . -[فقه الحديث]- في الرواية الأولى والرابعة والخامسة فضل تجهيز الغازي، ففي الرواية الأولى أن النفقة على الغازي تضاعف يوم القيامة بسبعمائة ضعف، وفي الرواية الرابعة والخامسة أن المنفق على الغازي كالغازي، وفي الرواية السادسة أن أجر الغزو مشترك بين الغازي والمنفق، وفي تساويهما في الأجر، يقول ابن حبان: معناه المماثلة في الأجر، وأخرج حديث بسر بن سعيد بلفظ "كتب له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجره شيء" ولابن ماجه وابن حبان من حديث عمر نحوه بلفظ "من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره، حتى يموت أو يرجع" وقد أفادت هذه الرواية أن الوعد المذكور مرتب على تمام التجهيز، وأنه يستوي معه في الأجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة. ومن الواضح أن الغازي بنفسه إذا جهز نفسه كفايتها كان له أجر المباشرة بنفسه، وأجر التجهيز، فأجره على هذه الصورة مضاعف، فإذا جهزه غيره حصل للغازي أجر المباشرة، لا ينقص منه شيء من غير تضعيف، ولمن جهزه تجهيزا كاملا مثل أجره، فمجموع الأجر المضاعف بينهما مناصفة، وللمجهز نصف هذا الأجر المضعف، وهو مثل أجر الغازي المباشر للغزو، دون تجهيز. وفي الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة فضل من يخلف الغازي في أهله بخير، وأن له مثل أجر الغازي، وهذا هو المراد من قول النبي ﷺ في الرواية السادسة لبعث بني لحيان: وللمقيمين الذين لم يصبهم البعث: لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما" أي إذا خلف المقيم الغازي

стр. 4248

في أهله بخير. ومعنى هذا أن الغازي لو كفى أهله مؤنتهم وكفل لهم راحتهم من بعده بحيث لا يحتاجون رعاية من غيره يحصل له تضعيف الأجر، كمن جهز نفسه، ويكون له ثلاثة أمثال إذا جهز نفسه، وكفل وكفى أهله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو واسع الفضل والجود، والأمر نفسه، إذا جهز الغازي مجهز، وخلفه في أهله بخير خالف آخر، وهذا ظاهر من الرواية الخامسة، ولفظها "من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا". -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من الرواية الثانية فضيلة الدلالة على الخير، لقوله ﷺ "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" وقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الخبر ليس على إطلاقه لكل أحد، وبأي دلالة، لأن فاعل الخير يبذل جهدا ومشقة، بخلاف الدال، فعموم الحديث عند هؤلاء للترغيب في الدلالة على الخير. قال النووي: والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابا بذلك الفعل، كما أن لفاعله ثوابا، ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء، قال الحافظ ابن حجر: وصرف هذا الخبر عن ظاهره -أي كما يدعي ذاك الفريق- يحتاج إلى مستند. ٢ - وفيه فضيلة التنبيه على الخير. ٣ - وفضيلة المساعدة لفاعله. ٤ - وفضيلة تعليم العلم. ٥ - وتعليم وظائف العبادة، لا سيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم. ٦ - ومن الرواية الثالثة أن ما نوى الإنسان صرفه في جهة خير، فتعذرت عليه تلك الجهة، يستحب له بذله في جهة أخرى من البر، ولا يلزمه ذلك، ما لم يلتزمه بالنذر. ٧ - من فضيلة خلف الغازي في أهله الحث على الإحسان إلى من فعل مصلحة للمسلمين، أو قام بأمر من مهماتهم. ٨ - في الرواية الثامنة التحذير من خيانة المجاهد في أهله، فإن هذا الخائن مرتكب لكبائر، وليس لكبيرة واحدة. والله أعلم.

стр. 4249

(٥٢٥) باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين وثبوت الجنة للشهيد ٤٣٠٢ - عن أبي إسحق أنه سمع البراء ﵁ يقول في هذه الآية ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ [النساء: ٩٥] فأمر رسول الله ﷺ زيدا، فجاء بكتف يكتبها. فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ ٤٣٠٣ - عن البراء ﵁ قال: لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ كلمه ابن أم مكتوم فنزلت ﴿غير أولي الضرر﴾ ٤٣٠٤ - عن جابر ﵁ قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: "في الجنة". فألقى تمرات كن في يده. ثم قاتل حتى قتل. وفي حديث سويد: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد. ٤٣٠٥ - عن البراء ﵁ قال: جاء رجل من بني النبيت، قبيل من الأنصار، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله. ثم تقدم فقاتل حتى قتل. فقال النبي ﷺ : "عمل هذا يسيرا وأجر كثيرا". ٤٣٠٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بسيسة عينا، ينظر ما صنعت عير أبي سفيان. فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه. قال: فحدثه الحديث. قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم، فقال: "إن

стр. 4250

لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا". فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة. فقال: "لا إلا من كان ظهره حاضرا". فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر. وجاء المشركون. فقال رسول الله ﷺ : "لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه". فدنا المشركون. فقال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض". قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ. فقال رسول الله ﷺ : "ما يحملك على قولك بخ بخ؟ " قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: "فإنك من أهلها" فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر. ثم قاتلهم حتى قتل. ٤٣٠٧ - عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف". فقام رجل رث الهيئة، فقال يا أبا موسى آنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم. قال: فرجع إلى أصحابه، فقال أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه. ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل. ٤٣٠٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار، يقال لهم القراء، فيهم خالي حرام. يقرءون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون. وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد. ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء. فبعثهم النبي ﷺ إليهم. فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان. فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا. قال: وأتى رجل حراما خال أنس من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه. فقال حرام: فزت ورب الكعبة. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "إن إخوانكم قد قتلوا. وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا".

стр. 4251

٤٣٠٩ - عن ثابت قال: قال أنس: عمي الذي سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدرا. قال: فشق عليه. قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه. وإن أراني الله مشهدا، فيما بعد، مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها. قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد. قال: فاستقبل سعد بن معاذ. فقال له أنس: يا أبا عمرو، أين؟ فقال: واها لريح الجنة أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل. قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية. قال: فقالت أخته، عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. -[المعنى العام]- ليكون الإسلام خاتم الأديان، ولتكون رسالته عامة لأهل الكرة الأرضية، كان لا بد أن تنتشر دعوته، ليعلمه المكلفون، لئلا يكون للناس على الله حجة. وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون وسيلة هذا التبليغ الجهاد في سبيل الله من عقيدة وإيمان ولا يتحقق الجهاد والنصر إلا بالعقيدة والدفاع عنها، ولا يضحي المرء بماله ونفسه إلا بإيمانه بالمقابل، وكان المقابل للتضحية بالمال والنفس الجنة، فالله تعالى يقول ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١١١] ويقول ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون* فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠]. ويقول ﷺ "الجنة تحت ظلال السيوف" ويسأله أحد المجاهدين: أين أنا إذا قتلت في معارك المشركين يا رسول الله؟ فيقول: في الجنة، وحين يحثهم ﷺ على الشجاعة والكفاح، ويأمرهم باقتحام المعركة يقول لهم: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، وحين يستشهد قريب العهد بالإسلام يقول عنه ﷺ : هذا عمل يسيرا، وأجر كثيرا. أمام هذا المقابل العظيم كان الصحابة يتسابقون إلى الجهاد، ويتشوقون إلى الاستشهاد، حتى إن أصحاب الأعذار، من المرضى والمكفوفين وغير القادرين على الرحيل إلى المعارك يتحرقون أسى

стр. 4252

وأسفا وحسرة، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا، فهذا ابن أم مكتوم الأعمى، وقد سمع قوله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ يتحسر ويقول: كيف بمن لا يستطيع لأنه أعمى؟ فنزل قوله تعالى ﴿غير أولي الضرر﴾ فرفع عنهم الحرج، وعن كل أصحاب الأعذار. وها هم القراء، وكانوا سبعين من خيرة علماء الأمة، بعثهم الرسول ﷺ إلى أهل نجد، ليعلموهم القرآن والشريعة، فيغدر بهم أهل البلاد، ويقتلونهم جميعا، فيستقبلون الموت بنفس مؤمنة مطمئنة، ويستعذبونه في سبيل الله، ويقولون: من يبلغ نبينا أننا لقينا ربنا؟ فرضي عنا؟ ورضينا عنه؟ فيبعث الله جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فيبلغه الخبر، فيقول ﷺ لأصحابه: إن إخوانكم القراء استشهدوا جميعا، ولقوا ربهم، ورضي الله عنهم ورضوا عنه، وأخذ يدعو على القتلة أربعين يوما في القنوت في صلاة الصبح. وهذا أنس بن النضر، وقد غاب عن غزوة بدر لعذر، يتأسف على ما فاته من خير الجهاد، ويقول لرسول الله ﷺ : أعتذر إلى الله عن غيبتي يوم بدر، وأقسم أنني لن أغيب بعدها عن غزوة يغزوها رسول الله ﷺ وسيراني الله شجاعا مقداما عند لقاء الكفار، فيحضر غزوة أحد، ويرى المسلمين منهزمين، يفرون نحو الشعاب، فيتبرأ من المشركين، ويعتذر إلى الله عن الفارين، ويقدم بسيفه على المشركين، صارخا: إني أجد ريح الجنة في وديان جبل أحد، ويضرب في المشركين يمينا وشمالا، لا يحس جروحه التي أصابته، ولا توقفه ضربات السيف، ولا طعنات الرماح، ولا رميات السهام، ولا تمثيل الأعداء به، غيظا من نيله منهم، فيوجد في جسده بعد استشهاده بضعة وثمانون جرحا. ﵁ وعن المجاهدين أجمعين. -[المباحث العربية]- (عن البراء قال: في هذه الآية ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ فأمر رسول الله ﷺ زيدا، إلخ) أي قال البراء بخصوص هذه الآية: نزلت على رسول الله ﷺ هذه الآية كما هي، فدعا رسول الله ﷺ زيدا كاتبه، فأمره أن يكتبها. (فجاء بكتف يكتبها) أي فجاء زيد، ومعه دواة وقلم وكتف ليكتب فيه، والكتف بفتح الكاف وكسر التاء، وبكسر الكاف وسكون التاء، عظم عريض خلف المنكب، يستخدم من الحيوانات بعد نزع اللحم عنها لوحا يكتب عليه في الزمن الماضي. (فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته) أي عماه، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "ضرارته" بالضاء، وحكى صاحب المشارق والمطالع عن بعض الرواة أنه ضبط "ضررا به" والصواب الأول. اهـ. وعند البخاري عن زيد بن ثابت "فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها علي" -بضم الياء وكسر الميم وتشديد اللام، يقال: يملي، ويمل، ويملل بمعنى- "قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت" وفي رواية أخرى له "وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم" أي فانتقل من خلفه إلى أمامه

стр. 4253

"فقال: يا رسول الله، أنا ضرير" وفي رواية "فقام حين سمعها ابن أم مكتوم -وكان أعمى- فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من هو أعمى؟ وأشباه ذلك"؟ وفي رواية "فقال: إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما ترى، ذهب بصري" وفي رواية "ما ذنبنا"؟ وابن أم مكتوم عبد الله، وقيل: عمرو، واسم أبيه زائدة، وأم مكتوم أمه، واسمها عاتكة. (فنزلت: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) قال ابن المنير: لم يقتصر الراوي على ذكر الكلمة الزائدة، وهي "غير أولي الضرر" فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله "غير أولي الضرر" فقط، فكأن الراوي رأى إعادة الآية من أولها، حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بزيادتها، بعد أن نزل بدون الزيادة فقد حكى الراوي صورة ما نزل، قال الحافظ ابن حجر: والأول أظهر، ففي روايتنا الثانية "فنزلت" غير أولي الضرر" وفي رواية لزيد "فأنزل الله عليه، فقلنا لابن أم مكتوم: إنه يوحى إليه، فخاف أن ينزل في أمره شيء، فجعل يقول: أتوب إلى الله، فقال النبي ﷺ للكاتب: اكتب ﴿غير أولي الضرر﴾ و"غير أولي الضرر" قرئ بنصب "غير" ورفعها، قراءتان مشهورتان في السبع، وقرئ في الشاذ بجرها، فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع فوصف "القاعدون" أو بدل منهم، ومن جر فوصف "المؤمنين" أو بدل منهم. (قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وزعم ابن بشكوال أنه عمير بن الحمام، وسبقه إلى ذلك الخطيب، واحتج بما أخرجه مسلم من حديث أنس -روايتنا الخامسة- "أن عمير بن الحمام أخرج تمرات، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، ثم قاتل حتى قتل" قال الحافظ ابن حجر: لكن وقع التصريح في حديث أنس أن ذلك كان يوم بدر [ففي روايتنا الخامسة "فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى سبقوا المشركين إلى بدر"] قال: والقصة التي معنا وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم أحد [ففي رواية البخاري "قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ إلخ] وفي ملحق روايتنا الثالثة تصريح بذلك قال: فالذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لرجلين. (جاء رجل من بني النبيت -قبيل من الأنصار) قال النووي: هو بنون مفتوحة، ثم باء مكسورة ثم ياء، ثم تاء، وهم قبيلة من الأنصار. اهـ. وقيل: إنه عمرو بن ثابت المعروف بأصرم بن عبد الأشهل. (عمل هذا يسيرا، وأجر كثيرا) رواية البخاري تبين سبب العمل اليسير، ففيها "أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله، أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم، ثم قاتل ... " قال محمود بن لبيد: كان يأبى الإسلام، فلما كان يوم أحد بدا له، فأخذ سيفه، حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى وقع جريحا، فوجده قومه في المعركة، فقالوا: ما جاء بك؟ أشفقة على قومك؟ أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، قال أبو هريرة: دخل الجنة وما صلى صلاة.

стр. 4254

(بعث رسول الله ﷺ بسيسة عينا) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ "بسيسة" بباء مضمومة، وبسينين مفتوحتين، بينهما ياء ساكنة. قال القاضي: هكذا هو في جميع النسخ، قال: وكذا رواه أبو داود وأصحاب الحديث. قال: والمعروف في كتب السيرة "بسبس" بباءين مفتوحتين، بينهما سين ساكنة، وهو بسبس بن عمرو، ويقال: ابن بشر، من الأنصار، من الخزرج، ويقال: هو حليف لهم. وقال الحافظ: ويجوز أن يكون أحد اللفظين اسما له، والآخر لقبا، ومعنى "عينا" جاسوسا، أي متجسسا ورقيبا. (ينظر ما صنعت عير أبي سفيان) العير هي الدواب التي تحمل الطعام وغيره من الأمتعة، وقال في المشارق: العير هي الإبل والدواب، تحمل الطعام وغيره من التجارات، قال: ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك، وقال الجوهري في الصحاح: العير الإبل تحمل الميرة، وجمعها عيرات بكسر العين وفتح الياء. اهـ. والمعنى ليحمل له خبر قافلة أبي سفيان الآتية من الشام إلى مكة. (قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه) أي قال ثابت الراوي عن أنس: لا أدري وقد استثنى أنس نفسه ورسول الله ﷺ ، فلم لم يستثن إحدى نسائه صاحبة البيت؟ هل كان خاليا من إحدى أمهات المؤمنين؟ أو كانت إحداهن موجودة فيه في حجرة أخرى، فلم يعدها موجودة؟ (فحدثه الحديث) أل في "الحديث" للعهد، أي حديث غير أبي سفيان، وما وصلت إليه. (فخرج رسول الله ﷺ فتكلم) أي فخطب الصحابة. (فقال: إن لنا طلبة) الفاء تفسيرية، و"طلبة" بفتح الطاء وكسر اللام، أي شيئا نطلبه، أي إن لنا هدفا ومقصدا في خروجنا، يقصد العير أو الحرب، وقد وعده الله إحدى الطائفتين. (فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا) المراد بالظهر ما يركب من الدواب، إبل أو خيل أو حمير. (فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة، فقال: لا. إلا من كان ظهره حاضرا) قال النووي: "ظهرانهم" بضم الظاء، وإسكان الهاء، أي مركوباتهم، و"علو المدينة" بضم العين وكسرها. اهـ. أي ضاحية المدينة، والمعنى أن رجالا يسكنون أطراف المدينة، وفيها دوابهم، أخذوا يستأذنونه أن يؤخر الرحيل، حتى يذهبوا إلى بيوتهم، ويعدون رواحلهم، ويأتون بها، لكنه لعجلته ﷺ قال لهم: لن ننتظر، سنخرج بمن هو جاهز. (لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه) "لا يقدمن" ضبطها في الأصول بضم الياء وفتح القاف وتشديد الدال المكسورة، مضارع قدم بتشديد الدال، وهو متعد بنفسه، والمعنى لا يقدمن أحد منكم نفسه إلى شيء حتى أكون أنا دونه وقبله وقدامه إلى ذلك الشيء، لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا تعلمونها، فهو نهي عن التعجل

стр. 4255

والتسرع، وإلزام بالمتابعة والطاعة، أي لا يتقدمن من أحد منكم إلى فعل شيء بدون أمري أو فعلي. (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) من إطلاق المسبب وإرادة السبب، أي قوموا إلى قتال أعدائكم، لتفوزوا بالجنة، فورا إن استشهدتم، وبعد طول أجل إن انتصرتم. (يقول عمير بن الحمام الأنصاري) "يقول" تعبير عن الماضي بالمضارع استحضارا للصورة، و"عمير" بضم العين وفتح الميم، والحمام بضم الحاء وتخفيف الميم. (يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ ) الكلام على الاستفهام التعجبي بحذف الأداة. (قال: بخ بخ) قال النووي "بخ" فيها لغتان: إسكان الخاء، وكسرها منونا، وهي كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير. اهـ. وتقال عند الرضا والإعجاب بالشيء، أو المدح، أو الفخر، وأكثر ما تستعمل مكررة. (ما يحملك على قولك: بخ بخ؟ ) لعل الرسول ﷺ خشي أن يكون التعجب والتفخيم مشعرا بالاستبعاد والاستغراب، فسأله عن مقصوده. (قال: لا.) أي لا أستبعد ولا أستغرب. (والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها) الاستثناء من عموم العلل، أي ما قلتها لعلة من العلل، ولا بدافع من الدوافع إلا بدافع الرجاء أن أكون من أهلها. قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة "رجاءة" بالمد، ونصب التاء، وفي بعضها "رجاء" بلا تنوين، وفي بعضها بالتنوين، وكله صحيح معروف في اللغة، ومعناه: والله ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها. (قال: فإنك من أهلها) بشر بالشهادة، وبالجنة، وإخباره ﷺ بذلك عن طريق الوحي. (فأخرج تمرات من قرنه) قال النووي: هو بقاف وراء مفتوحتين، ثم نون، أي جعبة النشاب، ووقع في بعض نسخ المغاربة فيه تصحيف. اهـ. (سمعت أبي -وهو بحضرة العدو- يقول) جملة "يقول" حال، وجملة "وهو بحضرة العدو" حال أيضا. قال النووي: "بحضرة" بفتح الحاء وضمها وكسرها، ثلاث لغات، ويقال أيضا: "بحضر" بفتح الحاء والضاد، محذوف الهاء. اهـ. وفي كتب اللغة: الحضرة الحضور، يقال: كلمته في حضرة فلان، أي في حضوره، ويقال: كنت بحضرة العدو، أي قريبا منه. (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) قال النووي: قال العلماء: معناه أن الجهاد،

стр. 4256

وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة، وسبب لدخولها. اهـ. وفي رواية البخاري "واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" وترجم له البخاري بباب الجنة تحت بارقة السيوف، من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي السيوف البارقة اللامعة، كأنه أراد أن السيوف لما كانت لها بارقة كان لها أيضا ظل، وقال ابن الجوزي: المراد أن الجنة تحصل بالجهاد، والظلال جمع ظل، وإذا تدانى الخصمان صار كل منهما تحت ظل سيف صاحبه، لحرصه على رفعه عليه، ولا يكون ذلك إلا عند التحام القتال. وقال القرطبي: هذا من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، والاجتماع واستعمال السيوف حين الزحف، حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين. (فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام) المعنى أن أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس قال لأصحابه يوما في معركة من المعارك، وربما كان قائدا لجيشه، قال لهم مثيرا غيرتهم وشجاعتهم، والعدو أمامهم، قال لهم: قال رسول الله ﷺ : "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" وسمعه أحد جنوده، فاستوثق منه، فلما وثق عزم على الهجوم والاندفاع نحو العدو، متعجلا الفوز بالشهادة، فرجع إلى أصحابه الجنود، فودعهم الوداع الأخير، وأقرأهم السلام. (ثم كسر جفن سيفه، فألقاه) "جفن السيف" بفتح الجيم وكسرها وسكون الفاء هو غمده، وأصله غطاء العين من أعلاها وأسفلها، والمعنى أن الرجل نزع سيفه من غمده مقررا عدم عودة سيفه إلى غمده، فكسر الغمد، ورمى به. (ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل) راغبا في الجنة، حريصا عليها. (جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار، يقال لهم: القراء) هؤلاء الناس من بني سليم، وجاء في البخاري "بعث النبي ﷺ أقواما من بني سليم إلى بني عامر" قال الدمياطي: هو وهم، فإن بني سليم مبعوث إليهم. وحاول الحافظ ابن حجر توجيهه بما لا يخلو من تعسف، وظاهر هذه الرواية أن الناس كانوا مسلمين، وأن المبعوثين كانوا معلمين، هدفهم تعليم القرآن والسنة، لكن في رواية البخاري ما يشعر بأن المبعوثين كانوا من الفرسان، وكان هدفهم مددا للناس للمساعدة في قتال أعدائهم، ففيه "بعث النبي ﷺ سبعين رجلا لحاجة، يقال لهم: القراء" فسر قتادة الحاجة بقوله: إن رعلا وغيرهم استمدوا رسول الله ﷺ على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار. وعند البخاري أيضا "إن النبي ﷺ أتاه رعل وذكوان وعصية فزعموا أنهم أسلموا، واستمدوا على قومهم" قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدو، وإنما هو للدعاء إلى الإسلام. وقد أوضح ذلك ابن إسحق، قال: قدم أبو براء، عامر بن مالك، المعروف بملاعب الأسنة، على رسول الله ﷺ فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك، وأنا جار لهم، فبعث المنذر بن عمرو في أربعين رجلا، منهم الحارث بن الصمة، وحرام

стр. 4257

بن ملحان ورافع بن بديل بن ورقاء وعروة بن أسماء وعامر بن فهيرة، وغيرهم من خيار المسلمين". قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بينه وبين الذي في الصحيح بأن الأربعين كانوا رؤساء، وبقية العدد أتباعا. (فيهم خالي حرام) فحرام أخ لأم سليم، أم أنس. (يقرءون القرآن، ويتدارسون بالليل، يتعلمون ... إلخ) في رواية البخاري "كنا نسميهم القراء في زمانهم" وقد وصفوا في الحديث بأعمالهم، فهم كانوا بالنهار يجيئون بالماء، فيضعونه في المسجد، ليشرب المصلون، ويتوضئوا منه وكانوا يحتطبون، فيبيعون ما احتطبوا، ويشترون بثمنه الطعام لأهل الصفة وللفقراء، وأهل الصفة أي أصحابها، وهم جماعة من الفقراء الغرباء الذين كانوا يأوون إلى مسجد النبي ﷺ فيقيمون في الصفة وهي مكان مظلل في زاوية المسجد. وكانوا يصلون بالليل، ويتدارسون القرآن والعلم، فهم كانوا يعلمون ويتعلمون. (فعرضوا لهم، فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان) في رواية للبخاري "فعرض لهم حيان من بني سليم" تثنية حي أي جماعة من بني سليم، وفسرهما في الرواية بقوله "رعل وذكوان" بكسر الراء وسكون العين، و"ذكوان" بفتح الذال وسكون الكاف "عند بئر يقال لها: بئر معونة" بفتح الميم وضم العين، موضع من بلاد هذيل، بين مكة وعسفان، وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكانت في أوائل سنة أربع من الهجرة. (وأتى رجل حراما، خال أنس -من خلفه، فطعنه برمح، حتى أنفذه، فقال حرام: فزت. ورب الكعبة) أي فزت بالشهادة والجنة، وقد أوضحت الروايات ما وقع، فعند البخاري "فانطلق حرام أخو أم سليم، ورجل أعرج، ورجل من بني فلان، قال لهما: كونا قريبا حتى أتيهم، فإن آمنوني كنتم وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فقال: أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله ﷺ ؟ فجعل يحدثهم، وأومأوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه، حتى أنفذه بالرمح" "ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلا أعرج، صعد الجبل" وعند الطبراني "فخرج حرام، فقال: يا أهل بئر معونة. إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج رجل من كسر البيت برمح، فضربه في جنبه، حتى خرج من الشق الآخر". (فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا .... فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا) في رواية البخاري "فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم وأرضاهم، قال أنس: فكنا نقرأ "أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا" ثم نسخ بعد، تلاوة، فلم يبق له حكم حرمة القرآن، كتحريمه على الجنب وغير ذلك. فدعا عليهم أربعين صباحا؛ على رعل وذكوان وبني عصية، الذين عصوا الله ورسوله" وفي رواية

стр. 4258

للبخاري "قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيه في الذين قتلوا، أصحاب بئر معونة قرآنا قرأناه، حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا، فقد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه". (عمي الذي سميت به) أنس بن النضر. (لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدرا، فشق عليه) في رواية "فكبر عليه ذلك". (قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه) الاستفهام إنكاري توبيخي، بمعنى ما كان ينبغي مهما كان عذري. قال ذلك أسفا. وقد أشار إلى الضرورة التي حالت بينه وبين المشهد بقوله "غيبت" بالبناء للمجهول، ولم يقل: غبت. (وإن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع) في رواية للبخاري "لئن أشهدني الله مع النبي ﷺ ليرين الله ما يجد" وظاهر هاتين الروايتين أن هذا القول كان لأصحابه، ولم يكن في حضرة النبي ﷺ لكن عند البخاري "فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع" فيحتمل أنه قال هذا القول مرتين، والمراد من قوله "لئن أشهدني الله" و"إن أراني الله مشهدا" أي إن حضرت معركة مقاتلا، وقوله "ليراني الله ما أصنع" اللام في جواب قسم مقدر، و"ما أصنع" بدل من ضمير المتكلم في "يراني" وفي رواية للبخاري "ليرين الله ما أجد" بضم الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال، من الرباعي، يقال: أجد في الشيء يجد، إذا بالغ فيه، وقال ابن التين: صوابه بفتح الهمزة وضم الجيم، يقال: أجد -من الثلاثي- يجد إذا اجتهد في الأمر، أما أجد بتشديد الدال فإنما يقال لمن سار في أرض مستوية، ولا معنى لها هنا. قال: وضبطه بعضهم بفتح الهمزة وكسر الجيم وتخفيف الدال، من الوجدان، أي ما ألقي من الشدة في القتال. قال النووي "ليراني الله ما أصنع" هكذا هو في أكثر النسخ "ليراني" بالألف، وهو صحيح، ويكون "ما أصنع" بدلا من الضمير في "أراني" أي ليرى الله ما أصنع، ووقع في بعض النسخ "ليرين الله" بياء بعد الراء، ثم نون مشددة، وضبط بوجهين: أحدهما بفتح الياء والراء، أي يراه الله واقعا بارزا، والثاني بضم الياء وكسر الراء، ومعناه ليرين الله الناس ما أصنعه، وليبرزن الله كفاحي للناس. (فهاب أن يقول غيرها) أي خشي أن يقول أكثر من هذا، خشي أن يلتزم شيئا فيعجز عنه، أو تضعف بنيته عنه، أو نحو ذلك، وليكون إبراء له من الحول والقوة، فاكتفى بهذه اللفظة المبهمة "ليرين الله ما أجد". (فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ) في رواية للبخاري "فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون. قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين، ثم تقدم" -أي نحو المشركين- "فاستقبله سعد بن معاذ" وفي مسند الطيالسي "فاستقبله سعد بن معاذ منهزما".

стр. 4259

(فقال له أنس: يا أبا عمرو، أين؟ ) أي إلى أين تمضي يا سعد وتفر؟ وكأن سعدا لم يجب، فأكمل أنس الكلام. (فقال: واها لريح الجنة! أجده دون أحد) "واها" كلمة تحنن وتلهف، أي أحن إلى ريح الجنة، وأتلهف عليها، وفي رواية البخاري "إني أجد ريح الجنة دون أحد" قال ابن بطال وغيره: يحتمل أن يكون على الحقيقة، وأنه وجد ريح الجنة حقيقة، أو وجد ريحا طيبة، ذكره طيبها بطيب ريح الجنة، ويجوز أن يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أعدت للشهيد، فتصور أنها في ذلك الموضع، فاشتاق لها، أي إني لأعلم أن الجنة تكتسب في هذا الموضع، فاشتاق إليها. ومال النووي إلى القول الأول، فقال: وقد ثبتت الأحاديث أن ريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام. اهـ. وفي رواية البخاري "الجنة ورب النضر" كأنه يريد والده، ويحتمل أنه يريد ابنه، فإنه كان له ابن يسمى النضر، وكان إذ ذاك صغيرا وفي رواية "فقال سعد: أنا معك". (فقاتلهم حتى قتل) وفي رواية البخاري "قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع" أي فما استطعت أن أصنع ما صنع من الإقدام والصبر على الأهوال. (فوجد في جسده بضع وثمانون، من بين ضربة وطعنة ورمية) في رواية "ضربة بالسيف، أو طعنة بالرمح، أو رمية بالسهم" و"أو" فيها ليست للشك، بل هي للتقسيم، وفي رواية "ووجدناه قد مثل به المشركون" من المثلة، وهي قطع الأعضاء من أنف وأذن ونحوها. (قال: فقالت أخته، عمتي الربيع بنت النضر) أي قال أنس بن مالك: فقالت أخت عمي أنس بن النضر وهي الربيع بنت النضر. (فما عرفت أخي إلا ببنانه) أي بطرف أصبعه، والظاهر أن طرف أصبع من أصابعه كان مقطوعا قطعا قديما، وفي رواية للبخاري "فما عرف حتى عرفته أخته بشامة، أو ببنانه، بالشك، والثاني هو المعروف. (ونزلت هذه الآية ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه) صدر الآية ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ من الثبات مع رسول الله ﷺ كأنس بن النضر، وفي الكشاف: نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله ﷺ ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، أي نذروا الثبات التام والقتال الذي يفضي بحسب العادة إلى نيل الشهادة، وهم عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ تفصيل لحال الصادقين، وتقسيم لهم إلى قسمين، والنحب النذر المحكوم بوجوبه، وشاع بمعنى الموت، والمعنيان هنا مستقيمان ﴿ومنهم من ينتظر﴾ يوما يجاهد فيه، ويكون فيه نحبه، ويوفي فيه بنذره وعهده ﴿وما بدلوا تبديلا﴾ أي وما بدلوا عهدهم، وما غيروه أصلا، ولا وصفا،

стр. 4260

بل ثبتوا عليه، راغبين فيه، مراعين حقوقه على أحسن ما يكون، ولم يفعلوا مثل ما فعل المنافقون، الذين قد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. -[فقه الحديث]- قال النووي عن الرواية: الأولى والثانية وقوله تعالى ﴿غير أولي الضرر﴾ فيه دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون ثوابهم ثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نياتهم، إن كان لهم نية صالحة، كما قال ﷺ "ولكن جهاد ونية" اهـ. والمراد هنا بالعذر ما هو أعم من المرض، كعدم القدرة على السفر، لكن أحاديث أخرى تشير إلى مشاركة من حبسه العذر عن الغزو للمجاهدين في أجورهم، فوق النية التي أشار إليها النووي، فعند البخاري "أن النبي ﷺ كان في غزاة، فقال: إن أقواما بالمدينة خلفنا، ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر" وفي رواية "إلا شركوكم في الأجر" وسيأتي هذا الحديث في مسلم في باب ثواب من حبسه العذر عن الغزو وقد رواه أبو داود بلفظ "لقد تركتم بالمدينة أقواما، ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه. قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر". فظاهر هذه النصوص أن من حبسه العذر له أجر فوق النية من جنس أجر العاملين، مشاركة للعاملين في أجر حركاتهم وجهادهم، بل كلام المهلب يميل إلى المساواة، حيث قال: قوله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ يفاضل بين المجاهدين والقاعدين، ثم يستثني أولي الضرر من القاعدين، فكأنه ألحقهم بالفاضلين. اهـ. والحافظ ابن حجر يقول: فيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل، إذا منعه العذر، ويقول: وأصل تفسير ابن جريج أن المفضل عليه ﴿غير أولي الضرر﴾ وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد، إذا صدقت نياتهم، فقد استثنت الآية أولي الضرر من عدم الاستواء، فأفهمت إدخالهم في الاستواء، إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه، والمراد استواؤهم في أصل الثواب، لا في المضاعفة، لأنها تتعلق بالفعل، ونحن لا نقول بالمساواة، فالمساواة بين العاملين أنفسهم غير متحققة، بسبب اختلاف درجة الإخلاص، ودرجة الأداء ودرجة المشقة، ودرجة أثر كل منهم في تحقيق النتيجة، والذين حبسهم العذر تختلف درجاتهم أيضا بسبب درجة الحرص، ودرجة العذر، فليس من اقتنع وقنع بعدم القدرة، كالذين أتوه ليحملهم، فقال: ﴿لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ والحق أن المساواة في الأجر وعدمها ترجع إلى الله تعالى وفضله، ولا نملك أن نحكم بها، لكن للعاملين زيادة أجر متفق عليها، كأجرهم على الكلم في سبيل الله، وأجرهم العاجل بالغنيمة، وأجر الشهداء منهم، ومضاعفة الأجر على الفعل، بقوله تعالى ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما* درجات منه ومغفرة ورحمة﴾ [النساء: ٩٦]. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من قوله في الرواية الأولى "فجاء بكتف يكتبها" جواز كتابة القرآن في الألواح والأكتاف، وتقييد العلم بالكتابة.

стр. 4261

٢ - قال النووي: وفيه طهارة عظم المذكي. ٣ - وجواز الانتفاع بعظم المذكي. ٤ - وفيه جواز اتخاذ الكاتب. ٥ - وتقريبه. ٦ - قال النووي: وفيه أن الجهاد فرض كفاية، وليس بفرض عين. ٧ - وفيه رد على من يقول: إنه كان في زمن النبي ﷺ فرض عين، وبعده كفاية، والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شرع. ٨ - وفي الرواية الثالثة ثبوت الجنة للشهيد. ٩ - وفيه المبادرة بالخير، وأنه لا يشتغل عنه بحظوظ النفس. ١٠ - ومن الرواية الخامسة جواز بعث الجاسوس. ١١ - والخطبة عند الشدائد، والأمور المهمة. ١٢ - وفي قوله "إن لنا طلبة" استحباب التورية في الحرب، وألا يبين الإمام جهة إغارته وإغارة سراياه، لئلا يشيع ذلك، فيحذرهم العدو. ١٣ - ومن رمي التمرات والدخول والهجوم على الكفار جواز الانغمار في الكفار، والتعرض للشهادة. قال النووي: وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء. ١٤ - ومن الرواية السادسة المخاطرة في الجهاد بكسر جفن السيف ونحوه. ١٥ - وتوديع الأصدقاء عند السفر والخطر. ١٦ - ومن الرواية السابعة جواز وضع الماء في المسجد، قال النووي: وقد كانوا يضعون أيضا أعذاق التمر في المسجد لمن أرادها، في زمن الرسول ﷺ ولا خلاف في جواز هذا وفضله. ١٧ - وفيها فضيلة الصدقة. ١٨ - وفضيلة الاكتساب من الحلال لها. ١٩ - وجواز عمل الصفة في المسجد. ٢٠ - وجواز المبيت فيه بلا كراهة. قال النووي: وهو مذهبنا ومذهب الجمهور. ٢١ - ومن لقاء القراء ربهم ورضاهم عنه ورضاه عنهم فضيلة عظمى للشهادة والشهداء. ٢٢ - وثبوت الرضا منهم ولهم. ٢٣ - وفي هذه الرواية مدى ما أصيب المسلمون في سبيل الدعوة إلى الله. ٢٤ - وفي الرواية الثامنة فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر، وشجاعته المفرطة. ٢٥ - وجواز أخذ النفس بالشدة في الجهاد. ٢٦ - وبذل النفس في طلب الشهادة، وفي الوفاء بالعهد. والله أعلم.

стр. 4262

(٥٢٦) باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ومن قاتل للرياء والسمعة استحق النار ٤٣١٠ - عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رجلا أعرابيا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم. والرجل يقاتل ليذكر. والرجل يقاتل ليرى مكانه. فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله أعلى، فهو في سبيل الله". ٤٣١١ - عن أبي موسى ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ٤٣١٢ - وفي رواية عن أبي موسى ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله الرجل يقاتل منا شجاعة. فذكر مثله. ٤٣١٣ - عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن القتال في سبيل الله ، فقال: الرجل يقاتل غضبا، ويقاتل حمية. قال: فرفع رأسه إليه -وما رفع رأسه إليه إلا أنه كان قائما- فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ٤٣١٤ - تفرق الناس عن أبي هريرة ﵁ فقال له ناتل أهل الشام: أيها الشيخ، حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: نعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد. فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت. ولكنك قاتلت لأن يقال جريء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ

стр. 4263

القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال كذبت. ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار". ٤٣١٥ - -/- تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل الشامي: واقتص الحديث بمثل حديث خالد بن الحارث. -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥] وحذر الله وخوف المصلين المرائين بقوله ﴿فويل للمصلين* الذين هم عن صلاتهم ساهون* الذين هم يراءون﴾ [الماعون: ٤، ٥، ٦] ويقول ﷺ "من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به" والمعنى في ذلك أن من عمل عملا بغير إخلاص، يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه، يفضحه بأنه كان يريد من عمله المقابل من الناس، وقد حصل عليه منهم، فقالوا: على المنفق: كريم جواد، وقالوا على المقاتل: جريء شجاع، وقالوا على العالم القارئ: عالم كبير، فكان ذلك جزاءه، ولا جزاء له في الآخرة، ولا ثواب له، ويفضحه بما يكشف من خبايا نفسه وطويته. ولما كان القتال منشؤه القوة العقلية، والقوة العصبية، والقوة الشهوانية، دعا ﷺ أصحابه أن يكون دافهم إليه القوة العقلية فحسب، حيث سئل عن الدوافع البشرية التي يندفع بها الناس نحو القتال، فقيل له: يا رسول الله، الرجل منا يقاتل رغبة في الحصول على الغنيمة أحيانا، ويقاتل حماية لأهله وقبيلته وعصبته أحيانا، ويقاتل ليراه الناس شجاعا مقداما أحيانا، ويقاتل ليقول الناس عنه: كان بطلا جريئا غير هياب أحيانا، ويقاتل غضبا لدفع مضرة أو جلب مصلحة أحيانا، فهل يكون بهذه الدوافع مجاهدا في سبيل الله؟ وله أجر المجاهدين؟ وله ثواب الشهداء الهائل إن هو استشهد في معركة المشركين؟ فقال ﷺ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الذي في سبيل الله، وإن هذا الأجر الموعود به إنما هو لمن خرج مخلصا يدافع عن دعوة الإسلام، وينشر دعوة الإسلام. أما الذين يريدون بقتالهم شيئا من الحياة الدنيا فقد عجلوا أجورهم، وحصلوا على ما قصدوا من المتاع العاجل الزائل، ويوم يطالبون يوم القيامة بأجر قتالهم يقال لهم: قاتلتم ليقال عنكم شجعان

стр. 4264

وقد قيل فلا أجر لكم كالمنفق ماله رئاء الناس، ويوم يطلب أجرا على نفقته يقال له: أنفقت ليقال إنك كريم جواد فقد قيل، فلا أجر لك على نفقتك، ولن تكفر هذه النفقة شيئا من خطاياك، فاحمل خطاياك واذهب بها إلى النار، فاللهم ارزقنا الإخلاص في العمل، ابتغاء وجهك الكريم. -[المباحث العربية]- (أن رجلا أعرابيا) قال الحافظ ابن حجر: قوله "أعرابيا" يدل على وهم ما وقع عند الطبراني من وجه آخر، عن أبي موسى أنه قال: يا رسول الله فذكره، فإن أبا موسى وإن جاز أن يبهم نفسه لكن لا يصفها بكونه أعرابيا، وهذا الأعرابي يصلح أن يفسر بلاحق بن ضميرة، فقد جاء بإسناد ضعيف أنه سأل السؤال، وفي رواية بإسناد ضعيف عن معاذ بن جبل أنه سأل السؤال، ومعاذ أيضا لا يقال له أعرابي، فيحمل على التعدد. اهـ. ويبدو أن الحافظ ابن حجر لم يطلع على رواية مسلم، روايتنا الثالثة، ولفظها عن أبي موسى: أتينا رسول الله ﷺ ، فقلنا .... " فيمكن حمل الحديث على أن الأعرابي وأبا موسى وغيرهما سأل واحد منهم ووافقه الآخرون، فنسب السؤال إلى كل منهم، بدون تعدد السؤال. (والرجل يقاتل ليذكر) بضم الياء وفتح الكاف، مبني للمجهول، أي ليذكره الناس بالشجاعة، ويشتهر عندهم بالجرأة والإقدام، ولفظ البخاري "والرجل يقاتل للذكر" بكسر الذال، وفي رواية أخرى للبخاري "ويقاتل شجاعة" كروايتنا الثانية والثالثة. (والرجل يقاتل ليرى مكانه) "يرى" بضم الياء، مبني للمجهول، أي ليراه الناس، أي رياء، كما هو لفظ روايتنا الثانية، فمرجع الذي قبله "للذكر" أي السمعة، ومرجع هذا إلى الرياء. (ويقاتل حمية) هذا لفظ الرواية الثانية والرابعة، أي أنفة وغيرة ومحاماة عن أهل أو عشيرة أو صاحب. (الرجل يقاتل غضبا) هذا لفظ الرواية الرابعة، أي لأجل حظ نفسه، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يفسر القتال للحمية بدفع المضرة، والقتال غضبا بجلب المنفعة، فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكل منها يتناوله المدح والذم، فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي. (فمن في سبيل الله؟ ) أي فمن من هؤلاء في سبيل الله؟ وفي الرواية الثانية "أي ذلك في سبيل الله"؟ (من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله) في الرواية الثانية والرابعة "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" و"هي العليا" أسلوب قصر، أي الأعلى، بحيث يعد علو غيرها ليس علوا. وهذا الجواب يتضمن نفي أن يكون المذكورون من قبل في سبيل الله، وكأنه قال: كل ذلك ليس في سبيل الله، حتى الممدوح منها الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر، هو ليس في

стр. 4265

سبيل الله، وإنما عدل ﷺ عن النفي الصريح، ولم يقل: كل ذلك ليس في سبيل الله، لئلا يحتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله، وليس كذلك، وليقطع الطريق على إيراد أحوال أخرى قد يذكرها السائلون. والمراد بكلمة الله دعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد من العبارة أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا آخر من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا، لا أصلا ومقصودا، وسيأتي توضيح المسألة في فقه الحديث. قال العلماء: وهذا الجواب من جوامع كلمه ﷺ ، لأنه أجاب بلفظ جامع لمعنى السؤال مع الزيادة عليه. (تفرق الناس عن أبي هريرة) بعد أن حضروا عظته وذكره في المسجد، وفي ملحق الرواية "تفرج الناس عن أبي هريرة" وهي بمعنى تفرق. (فقال له ناتل أهل الشام) في ملحق الرواية "ناتل الشامي" وهو بالنون في أوله، وبعد الألف تاء، وهو ناتل بن قيس الحزامي الشامي، من أهل فلسطين، وهو تابعي، وكان أبوه صحابيا، وكان ناتل كبير قومه. (إن أول الناس يقضي -يوم القيامة- عليه) فصل بالظرف بين الفعل وبين نائب الفاعل، والأصل يقضي عليه يوم القيامة. (فعرفه نعمه فعرفها) أي ذكره الله تعالى بالنعم التي أنعم بها عليه، فتذكرها، والمراد بها في الشهيد نعمة الصحة والقوة والقدرة على الجهاد، والمراد بها في العالم القارئ نعمة العلم والقرآن تعلما وتعليما، والمراد بها في الرجل الثالث سعة المال بأصنافه المختلفة. (ما تركت في سبيل تحب أن ينفق فيها) أي ما تركت وجها من وجوه الخير. (إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت) التكذيب هنا للقيد، وهو كلمة "لك" كما أن التكذيب في الشهيد لقيد "فيك" من قوله "قاتلت فيك" والتكذيب في العالم القارئ لقيد "فيك" في قوله "تعلمت العلم، وعلمته وقرأت فيك القرآن" فهو قيد تنازعه تعلمت، وعلمت وقرأت، أي تعلمت العلم فيك، وعلمته فيك، وقرأت القرآن فيك. -[فقه الحديث]- موضوع هذه الأحاديث أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل الله يختص بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

стр. 4266

قال الطبري: إذا كان أصل الباعث هو أن تكون كلمة الله هي العليا لا يضره ما عرض له بعد ذلك. وبذلك قال الجمهور، وعزاه ابن أبي جمرة للمحققين، فقال: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه. اهـ. أي حتى لو قصد شيئا من الدنيا تبعا لقصد إعلاء كلمة الله، واستدل له الحافظ ابن حجر بما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال: "بعثنا رسول الله ﷺ على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئا، فقال: "اللهم لا تكلهم إلي" الحديث، فهذا يدل على أن المغنم كان مقصدا مشروعا. القول الثاني أن القتال في سبيل الله شرطه صفاء القصد وخلوصه لتكون كلمة الله هي العليا، بحيث لا يشوبه قصد دنيوي، ولو على سبيل الإضافة والضم، ولا يضر حصول الدنيا من غير قصد، واستدلوا بما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال: "جاء رجل" فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ ما له؟ قال: "لا شيء له، فأعادها ثلاثا، كل ذلك يقول: لا شيء له، ثم قال رسول الله ﷺ : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغى به وجهه". وحمله أصحاب القول الأول على من قصد الأمرين معا على حد سواء، أو غلب الهدف الدنيوي. فالمراتب خمسة: أن يقصد الإعلاء صرفا، وهو المطلوب. الثاني: أن يقصد الإعلاء أصلا، والدنيا تبعا، وهو غير محظور عند الجمهور. الثالث: أن يقصدهما على حد سواء، وهو محظور. الرابع: أن يقصد الدنيا أصلا، والإعلاء تبعا، وهو محظور. الخامس: أن يقصد الدنيا صرفا، وهو أشدها حظرا ومنعا. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال، قال تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]. ٢ - أن العموميات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا. ٣ - أن الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصا. ٤ - ذم الحرص على الدنيا. ٥ - ذم القتال لحظ النفس. ٦ - تغليظ تحريم الرياء والسمعة. ٧ - استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدي به، على إرادة الاقتداء به،

стр. 4267

ويقدر ذلك بقدر الحاجة، قال الطبري: كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم، ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم، ليقتدي بهم، قال: فمن كان إماما يستن بعمله، عالما بما لله عليه، قاهرا لشيطانه، استوى ما ظهر من عمله وما خفي، لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السف ﵃. ٨ - وجواز السؤال عن العلة. ٩ - وتقدم العلم على العمل. ١٠ - ومن الرواية الرابعة أنه لا بأس بقيام طالب الحاجة عند أمن الكبر والإعجاب، وأن يكون المستفتي واقفا، إذا كان هناك عذر، من ضيق مكان أو غيره، ولا يعد ذلك من باب: من أحب أن يتمثل له الرجال قياما. ١١ - وفيه إقبال المتكلم على من يخاطبه. والله أعلم.

стр. 4268

(٥٢٧) باب ثواب من غزا فغنم، ومن لم يغنم ٤٣١٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث. وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم". ٤٣١٧ - عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم. وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب، إلا تم أجورهم". -[المعنى العام]- أحل الله الغنائم لمحمد ﷺ ولأمته، تشجيعا للمجاهدين في سبيل الله، الداعين إلى الإسلام، البائعين لأنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، لتكون عاقبتهم إحدى الحسنيين، إما النصر والسلامة والغنيمة، وإما الشهادة، وتكفل الله للمجاهد في سبيله بإحدى هاتين الحسنيين، تكفل الله له أن يدخله الجنة إن توفاه، أو يرجعه سالما بأجر، أو أجر وغنيمة. ولما كانت النفوس البشرية بطبيعتها تحرص على المكاسب المادية، وتأسف إذا فاتها رزق وغنيمة بين لهم ﷺ أن ما فاتهم من مال يدخر لهم بدله في الآخرة أجر كبير، وأن الغنيمة والمكاسب المالية تضيع ثلثي أجر الجهاد، وأنهم إذا لم يغنموا كان أجرهم يوم القيامة كاملا، فما عجل لهم خير، وما ادخر لهم خير، ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: ٢٣]. -[المباحث العربية]- (ما من غازية) صفة لموصوف محذوف، أي ما من جماعة غازية. (وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم) قال النووي: قال أهل اللغة: الإخفاق أن يغزوا فلا يغنموا شيئا، وكذلك كل طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق، ومنه أخفق الصائد إذا لم يقع له صيد.

стр. 4269

-[فقه الحديث]- قال النووي: الصواب الذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا، أو غنموا، يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، قال: وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله "منا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها" أي يجتنيها. فهذا الذي ذكرنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا، فتعين حمله على ما ذكرنا، وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه، بعد حكايته في تفسيره أقوالا فاسدة، منها: قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة، كما لم ينقص ثواب أهل بدر، وهم أفضل المجاهدين، وهي أفضل غنيمة، قال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ راو مجهول، ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، فرجحوه على هذا الحديث لشهرته، وشهرة رجاله، ولأنه في الصحيحين، وهذا في مسلم خاصة، وهذا القول باطل من أوجه، فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور، فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة، ولم يقل: إن الغنيمة تنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق، وهذا مقيد، فوجب حمله عليه. وأما قولهم: أبو هانئ مجهول فغلط فاحش، بل هو ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد وحيوة وابن وهب وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه. وأما قولهم: ليس في الصحيحين فليس لازما في صحة الحديث كونه في الصحيحين، ولا في أحدهما. وأما قولهم في غنيمة بدر، فليس في غنيمة بدر نص أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم بحاله من غير زيادة، وكونهم مغفورا لهم، مرضيا عنهم، ومن أهل الجنة لا يلزم منه ألا تكون وراء هذا مرتبة أخرى، هي أفضل منه، مع أنه شديد الفضل، عظيم القدر. ثم ذكر النووي قولين فاسدين سبق ذكرهما في باب فضل الجهاد عند شرح نقطة اختلاف العلماء في أجر المجاهد يرجع بغنيمة، أو يرجع بدون غنيمة، فلتراجع. والله أعلم.

стр. 4270

(٥٢٨) باب إنما الأعمال بالنية ٤٣١٨ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنية. وإنما لامرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". -[المعنى العام]- تطلق الأعمال على أعمال الجوارح والأعضاء الظاهرة، ومنها اللسان، وعلى أعمال القلوب، كالظن والحقد والحسد، والعزم والتصميم المقترن بالفعل، وهو المعروف بالنية، ولما كانت المسئولية البشرية تقع أولا وبالذات على الإرادة وتبييت النية، وسبق العزم والتصميم كان الحديث الشريف "إنما الأعمال بالنيات" أي كل عمل اختياري مرتبط بنية صاحبه. إن الإنسان يتميز عن الحيوان بالعقل والتفكير، والعقل مناط التكليف الشرعي، فإذا اختل العقل بالجنون مثلا اختلالا كاملا، أو اختل جزئيا بالنوم مثلا، أو بالإغماء رفع التكليف ففي الحديث "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ". ومن هنا ارتبط العمل بالنية وبعمل العقل، فمن صلى لله تعالى ليس كمن صلى للناس، يرائيهم، فالله تعالى يقول ﴿فويل للمصلين* الذين هم عن صلاتهم ساهون* الذين هم يراءون* ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٤ وما بعدها] وليس الفرق بين المنافقين في عباداتهم، وبين المؤمنين المخلصين لله في عبادتهم إلا النية والقصد، فكان المنافقون في الدرك الأسفل من النار، وكان المخلصون في عليين، لأن ﴿المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ [النساء: ١٤٢]. ويظهر أثر النية في الأعمال في الجهاد بصفة أكبر، حيث يقول ﷺ "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" أما الذين يقاتلون للمغنم فأجرهم المغنم ولا ثواب لهم، والذين يقاتلون ليقال شجعان فأجرهم دنيوي، فقد قيل، وفي هذه الحالات لا يكفر القتال ذنوبهم، ويؤخذون بها إلى النار.

стр. 4271

-[المباحث العربية]- (إنما الأعمال بالنية) "إنما" أداة قصر، تفيد تقوية الحكم وتأكيده، وإثباته لمذكور، ونفيه عما عداه، و"الأعمال" عام، يشمل أعمال الإنسان، المكلف وغير المكلف، الدينية والدنيوية، لكن العموم هنا غير مراد، إذ المراد أعمال العبادة الصادرة من المكلفين. وقد وجه بعض العلماء جمع الأعمال وإفراد النية في هذه الرواية بأن الأعمال متعددة متنوعة، حسب جوارح الإنسان المختلفة، فتعدد اللفظ مراعاة لتعدد المحل، أما النية فمحلها القلب، فناسب إفرادها. وعند البخاري "إنما الأعمال بالنيات" بجمع الأعمال، وجمع النيات، ووجهه بعضهم بأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي القسمة آحادا، فكأنه قال: كل عمل بنية. وعند البخاري أيضا "العمل بالنية" بإفراد كل منهما. و"الأعمال" مبتدأ، و"بالنية" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، واختلف العلماء في تقدير هذا المحذوف، فمنهم من قدره "تعتبر" ومنهم من قدره "تكمل" ومنهم من قدره "تصح" ومنهم من قدره "تستقر" ومنهم من قدره "تتبع" وهو أقربها. والنية القصد. قال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض، من جلب نفع، أو دفع ضر، حالا أو مآلا، والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل، لابتغاء رضاء الله، وامتثال حكمه. قال الحافظ ابن حجر: والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي -الشامل للأمور الأخروية والدنيوية- ليحسن تطبيقه على بقية الحديث، من تقسيم أحوال المهاجر، فإن فيه تفصيلا لما أجمل، وفيه نية المهاجر لأمر دنيوي. اهـ. واختلفوا في الأقوال، هل تدخل في الأعمال هنا؟ على أنها أعمال اللسان؟ أو لا تدخل؟ على أنها لا تسمى أعمالا في العرف، ولهذا تعطف كل واحدة على الأخرى، فيقال: الأقوال والأفعال، قال ابن دقيق العيد: وأخرج بعضهم الأقوال، وهو بعيد، ولا تردد عندي في أن الحديث يتناولها. اهـ. وأما عمل القلب، كالنية، فلا يتناوله الحديث، لئلا يلزم التسلسل، وكل نية تحتاج إلى نية، إلى ما لا نهاية. (وإنما لامرئ ما نوى) حركة الراء في "امرئ" تتبع حركة الإعراب، فتضم الراء في حالة الرفع، تبعا لحركة الهمزة، وتفتح في حالة النصب، وتكسر في حالة الجر. وفي بعض الروايات "ولكل امرئ ما نوى" بدون "إنما" وفي بعضها "وإنما لامرئ ما نوى" وفي بعضها "ولامرئ ما نوى" ومن المعلوم أن الألفاظ في الحديث الواحد قد تتغاير مع الاتفاق في

стр. 4272

المعنى، أو التقارب فيه، وبما أن هذا الحديث في جميع رواياته مصدره المتلقي له عن رسول الله ﷺ هو عمر ﵁ فإن تعدد القضية وتعدد صدوره عن الرسول ﷺ بعيد أو غير وارد، مما يدل على أن اختلاف ألفاظه من الرواة، ومن الرواية بالمعنى. (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) لم تذكر هذه الجملة في رواية البخاري في كتاب بدء الوحي، وذكرها في أماكن أخرى، جريا على منهجه في الاقتصار على جزء الحديث في بعض الأماكن. والهجرة في اللغة الترك، والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت في الإسلام على وجهين: الأول الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة، وكما في الهجرة إلى المدينة قبل هجرته ﷺ ، الثاني الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة، فهاجر إليه من تمكن من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة، فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه. وظاهر هذه الجملة اتحاد الشرط والجزاء "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" والأصل تغايرهما، لكن هذا التغاير قد يكون في اللفظ والمعنى، وقد يكون في المعنى دون اللفظ، كما هو هنا، اعتمادا على المعهود المستقر في النفس، والمعنى من كانت هجرته إلى الله ورسوله أثابه الله على هذا القصد الأخروي. (ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها) في بعض روايات البخاري "إلى دنيا يصيبها" والدنيا بضم الدال، وحكي كسرها، من الدنو، وهي القرب، سميت بذلك لسبقها للآخرة، وقيل: سميت دنيا لدنوها إلى الزوال، والمراد بها ما على الأرض من هواء وجو ومخلوقات، مما قبل قيام الساعة، ومعنى "يصيبها" يحصلها، لأن تحصيلها كإصابة الصيد بالسهم. (أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) هذا من ذكر الخاص بعد العام، فإنها من أمور الدنيا، فتخصيصها بالذكر لمزيد الاهتمام بهذا النوع، للتحذير منه، لأن الافتتان به أشد، وقيل: خصت بالذكر للإشارة إلى سبب ذكر هذا الحديث، مما يعرف بقصة مهاجر أم قيس، قال ابن دقيق العيد: نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، ورواها الطبراني بلفظ "كان فينا رجل خطب امرأة، يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه: مهاجر أم قيس". قال الحافظ ابن حجر: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أن حديث "إنما الأعمال بالنيات" سيق بسبب ذلك. اهـ. -[فقه الحديث]- يقول النووي: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وصحته، قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام، وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا من الفقه، وقال آخرون: هو ربع

стр. 4273

الإسلام، وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: ينبغي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث، تنبيها للطالب على تصحيح النية، ونقل الخطابي هذا عن الأئمة مطلقا، وقد فعل ذلك البخاري وغيره، فابتدءوا به قبل كل شيء، وذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه. قال: قال الحفاظ: لم يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا من رواية عمر بن الخطاب، ولا عن عمر إلا من رواية علقمة بن وقاص، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى انتشر، فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان، أكثرهم أئمة، ولهذا قال الأئمة: ليس هو متواترا، وإن كان مشهورا عند الخاصة والعامة، لأنه فقد شرط التواتر في أوله. قال: وفيه طرفة من طرف الإسناد، فإنه رواه ثلاثة تابعيون، بعضهم عن بعض، يحيى ومحمد وعلقمة. اهـ. وقد اختلف العلماء في اشتراط النية في بعض العبادات، فمن اشترطها قدر: إنما صحة الأعمال بالنيات، ومن لم يشترطها قدر: إنما كمال الأعمال بالنيات، ورجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، ومن هنا قال النووي: فتقدير الحديث أن الأعمال تحسب بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية. قال الحافظ ابن حجر: وليس الخلاف بينهم في مقاصد العبادات، كالصلاة، إذ لا خلاف بينهم في اشتراط النية لها، وإنما الخلاف في الوسائل كالوضوء والغسل والتيمم. اهـ. والمحقق في المسألة يرى أن العلماء لم يتفقوا على اشتراط النية كقاعدة في كل الأعمال، أو عدم اشتراطها. فهناك من القرب والطاعات ما لا يجب فيه نية، عند من يوجبها في وسائل العبادات، كالأذكار والأدعية والتلاوة، قالوا: لأنها تتميز بنفسها، وتختص بالطاعة، وهذا التوجيه معترض بالتيمم مثلا، فهو كذلك لا يتردد بين العبادة والعادة، نعم لو قصد بالذكر القربة واستحضرها كان أكثر ثوابا باتفاق، ومن هنا قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب، لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت المجرد عن التفكير، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى حركة اللسان مع القلب. اهـ. وعليه من لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس في الثواب كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى. وهناك أيضا من القرب والطاعات ما يحصل ثوابها بغير نية تبعا لنية أخرى، كمن دخل المسجد، فصلى الفرض قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد، نواها أو لم ينوها. وهناك النكاح والطلاق والعتق هزلها كجدها بقطع النظر عن النية، ومن هنا قال النووي: وتدخل النية في الطلاق والعتق، ومعنى دخولها إذا قارنت كناية بالطلاق صارت كالصريح، وأنه إذا أتى بصريح الطلاق، ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى. اهـ. وهناك التروك لا تحتاج إلى نية، وذهب جمهور الشافعية إلى أن إزالة النجاسة من التروك، وهو

стр. 4274

غير ظاهر، وإن كانت إزالة النجاسة لا تحتاج إلى نية، والتفريق بينها وبين غسل الجمعة وغسل الجنابة غير واضح. وقال جمهور العلماء: إن الأعمال التي لا يقصد بها العبادة، كالأكل والشرب والنوم لا تفيد ثوابا إلا إذا نوى بها فاعلها القربة، وعندي أنها مادامت على مقتضى الشرع، بعيدة عن المحرم والمكروه يثاب عليها، فترك الحرام له أجر إن شاء الله. ومناسبة هذا الحديث لكتاب الإمارة والجهاد والغزوات واضحة، فهو وإن كان عاما يشملها ويشمل غيرها لكنه في الغزوات خاصة واضح الأثر، فالحديث السابق "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". والله أعلم.

стр. 4275

(٥٢٩) باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله ٤٣١٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه". ٤٣٢٠ - عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" ولم يذكر أبو الطاهر في حديثه: "بصدق". -[المعنى العام]- يرغب ﷺ في نية الخير، وفي الرغبة في الجهاد، والحرص عليه، والتشوق له، ولو كان فيه التضحية بالنفس في سبيل الله، فما أحب البلاء المؤدي إلى النعيم المقيم، والدرجات العلى في الآخرة، فجعل لهذه الرغبة، والحرص على تنفيذها، بعزم وتصميم، وإيمان وإخلاص، فمنعه مانع من التنفيذ أجر من نفذ الجهاد، وأجر من مات في المعركة، وإن مات في بيته وعلى فراشه من غير جهاد، ولا ضرب بسيف، ولا طعن برمح، ولا رمي بنبل، وإنما لكل امرئ ما نوى. -[المباحث العربية]- (من طلب الشهادة صادقا) أي مخلصا في طلبها، أي مطابقا ما يقوله بلسانه ما هو في قلبه. (أعطيها ولو لم تصبه) ظاهر العبارة تعارض أولها لآخرها، فإعطاؤها إصابتها، لكن المعنى أعطى ثوابها، ولو لم يعطها وجودا وفعلا. -[فقه الحديث]- عنون البخاري للباب بباب تمني الشهادة، قال ابن المنير وغيره: الظاهر أن الدعاء بالشهادة يستلزم الدعاء بنصر الكافر على المسلم، وإعانة من يعص الله على من يطيعه -لأن الشهادات تقع
следующие страницы →