Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
-[المباحث العربية]-
(إنما الأعمال بالنية) "إنما" أداة قصر، تفيد تقوية الحكم وتأكيده، وإثباته لمذكور، ونفيه عما عداه، و"الأعمال" عام، يشمل أعمال الإنسان، المكلف وغير المكلف، الدينية والدنيوية، لكن العموم هنا غير مراد، إذ المراد أعمال العبادة الصادرة من المكلفين.
وقد وجه بعض العلماء جمع الأعمال وإفراد النية في هذه الرواية بأن الأعمال متعددة متنوعة، حسب جوارح الإنسان المختلفة، فتعدد اللفظ مراعاة لتعدد المحل، أما النية فمحلها القلب، فناسب إفرادها.
وعند البخاري "إنما الأعمال بالنيات" بجمع الأعمال، وجمع النيات، ووجهه بعضهم بأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي القسمة آحادا، فكأنه قال: كل عمل بنية.
وعند البخاري أيضا "العمل بالنية" بإفراد كل منهما.
و"الأعمال" مبتدأ، و"بالنية" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، واختلف العلماء في تقدير هذا المحذوف، فمنهم من قدره "تعتبر" ومنهم من قدره "تكمل" ومنهم من قدره "تصح" ومنهم من قدره "تستقر" ومنهم من قدره "تتبع" وهو أقربها.
والنية القصد. قال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض، من جلب نفع، أو دفع ضر، حالا أو مآلا، والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل، لابتغاء رضاء الله، وامتثال حكمه.
قال الحافظ ابن حجر: والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي -الشامل للأمور الأخروية والدنيوية- ليحسن تطبيقه على بقية الحديث، من تقسيم أحوال المهاجر، فإن فيه تفصيلا لما أجمل، وفيه نية المهاجر لأمر دنيوي. اهـ.
واختلفوا في الأقوال، هل تدخل في الأعمال هنا؟ على أنها أعمال اللسان؟ أو لا تدخل؟ على أنها لا تسمى أعمالا في العرف، ولهذا تعطف كل واحدة على الأخرى، فيقال: الأقوال والأفعال، قال ابن دقيق العيد: وأخرج بعضهم الأقوال، وهو بعيد، ولا تردد عندي في أن الحديث يتناولها. اهـ.
وأما عمل القلب، كالنية، فلا يتناوله الحديث، لئلا يلزم التسلسل، وكل نية تحتاج إلى نية، إلى ما لا نهاية.
(وإنما لامرئ ما نوى) حركة الراء في "امرئ" تتبع حركة الإعراب، فتضم الراء في حالة الرفع، تبعا لحركة الهمزة، وتفتح في حالة النصب، وتكسر في حالة الجر.
وفي بعض الروايات "ولكل امرئ ما نوى" بدون "إنما" وفي بعضها "وإنما لامرئ ما نوى" وفي بعضها "ولامرئ ما نوى" ومن المعلوم أن الألفاظ في الحديث الواحد قد تتغاير مع الاتفاق في
стр. 4272
المعنى، أو التقارب فيه، وبما أن هذا الحديث في جميع رواياته مصدره المتلقي له عن رسول الله ﷺ هو عمر ﵁ فإن تعدد القضية وتعدد صدوره عن الرسول ﷺ بعيد أو غير وارد، مما يدل على أن اختلاف ألفاظه من الرواة، ومن الرواية بالمعنى.
(فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) لم تذكر هذه الجملة في رواية البخاري في كتاب بدء الوحي، وذكرها في أماكن أخرى، جريا على منهجه في الاقتصار على جزء الحديث في بعض الأماكن.
والهجرة في اللغة الترك، والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت في الإسلام على وجهين: الأول الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة، وكما في الهجرة إلى المدينة قبل هجرته ﷺ ، الثاني الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة، فهاجر إليه من تمكن من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة، فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه.
وظاهر هذه الجملة اتحاد الشرط والجزاء "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" والأصل تغايرهما، لكن هذا التغاير قد يكون في اللفظ والمعنى، وقد يكون في المعنى دون اللفظ، كما هو هنا، اعتمادا على المعهود المستقر في النفس، والمعنى من كانت هجرته إلى الله ورسوله أثابه الله على هذا القصد الأخروي.
(ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها) في بعض روايات البخاري "إلى دنيا يصيبها" والدنيا بضم الدال، وحكي كسرها، من الدنو، وهي القرب، سميت بذلك لسبقها للآخرة، وقيل: سميت دنيا لدنوها إلى الزوال، والمراد بها ما على الأرض من هواء وجو ومخلوقات، مما قبل قيام الساعة، ومعنى "يصيبها" يحصلها، لأن تحصيلها كإصابة الصيد بالسهم.
(أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) هذا من ذكر الخاص بعد العام، فإنها من أمور الدنيا، فتخصيصها بالذكر لمزيد الاهتمام بهذا النوع، للتحذير منه، لأن الافتتان به أشد، وقيل: خصت بالذكر للإشارة إلى سبب ذكر هذا الحديث، مما يعرف بقصة مهاجر أم قيس، قال ابن دقيق العيد: نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، ورواها الطبراني بلفظ "كان فينا رجل خطب امرأة، يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه: مهاجر أم قيس".
قال الحافظ ابن حجر: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أن حديث "إنما الأعمال بالنيات" سيق بسبب ذلك. اهـ.
-[فقه الحديث]-
يقول النووي: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وصحته، قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام، وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا من الفقه، وقال آخرون: هو ربع
стр. 4273
الإسلام، وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: ينبغي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث، تنبيها للطالب على تصحيح النية، ونقل الخطابي هذا عن الأئمة مطلقا، وقد فعل ذلك البخاري وغيره، فابتدءوا به قبل كل شيء، وذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه.
قال: قال الحفاظ: لم يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا من رواية عمر بن الخطاب، ولا عن عمر إلا من رواية علقمة بن وقاص، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى انتشر، فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان، أكثرهم أئمة، ولهذا قال الأئمة: ليس هو متواترا، وإن كان مشهورا عند الخاصة والعامة، لأنه فقد شرط التواتر في أوله.
قال: وفيه طرفة من طرف الإسناد، فإنه رواه ثلاثة تابعيون، بعضهم عن بعض، يحيى ومحمد وعلقمة. اهـ.
وقد اختلف العلماء في اشتراط النية في بعض العبادات، فمن اشترطها قدر: إنما صحة الأعمال بالنيات، ومن لم يشترطها قدر: إنما كمال الأعمال بالنيات، ورجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، ومن هنا قال النووي: فتقدير الحديث أن الأعمال تحسب بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية.
قال الحافظ ابن حجر: وليس الخلاف بينهم في مقاصد العبادات، كالصلاة، إذ لا خلاف بينهم في اشتراط النية لها، وإنما الخلاف في الوسائل كالوضوء والغسل والتيمم. اهـ. والمحقق في المسألة يرى أن العلماء لم يتفقوا على اشتراط النية كقاعدة في كل الأعمال، أو عدم اشتراطها.
فهناك من القرب والطاعات ما لا يجب فيه نية، عند من يوجبها في وسائل العبادات، كالأذكار والأدعية والتلاوة، قالوا: لأنها تتميز بنفسها، وتختص بالطاعة، وهذا التوجيه معترض بالتيمم مثلا، فهو كذلك لا يتردد بين العبادة والعادة، نعم لو قصد بالذكر القربة واستحضرها كان أكثر ثوابا باتفاق، ومن هنا قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب، لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت المجرد عن التفكير، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى حركة اللسان مع القلب. اهـ. وعليه من لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس في الثواب كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى.
وهناك أيضا من القرب والطاعات ما يحصل ثوابها بغير نية تبعا لنية أخرى، كمن دخل المسجد، فصلى الفرض قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد، نواها أو لم ينوها.
وهناك النكاح والطلاق والعتق هزلها كجدها بقطع النظر عن النية، ومن هنا قال النووي: وتدخل النية في الطلاق والعتق، ومعنى دخولها إذا قارنت كناية بالطلاق صارت كالصريح، وأنه إذا أتى بصريح الطلاق، ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى. اهـ.
وهناك التروك لا تحتاج إلى نية، وذهب جمهور الشافعية إلى أن إزالة النجاسة من التروك، وهو
стр. 4274
غير ظاهر، وإن كانت إزالة النجاسة لا تحتاج إلى نية، والتفريق بينها وبين غسل الجمعة وغسل الجنابة غير واضح.
وقال جمهور العلماء: إن الأعمال التي لا يقصد بها العبادة، كالأكل والشرب والنوم لا تفيد ثوابا إلا إذا نوى بها فاعلها القربة، وعندي أنها مادامت على مقتضى الشرع، بعيدة عن المحرم والمكروه يثاب عليها، فترك الحرام له أجر إن شاء الله.
ومناسبة هذا الحديث لكتاب الإمارة والجهاد والغزوات واضحة، فهو وإن كان عاما يشملها ويشمل غيرها لكنه في الغزوات خاصة واضح الأثر، فالحديث السابق "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
والله أعلم.
стр. 4275
(٥٢٩) باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله
٤٣١٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه".
٤٣٢٠ - عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" ولم يذكر أبو الطاهر في حديثه: "بصدق".
-[المعنى العام]-
يرغب ﷺ في نية الخير، وفي الرغبة في الجهاد، والحرص عليه، والتشوق له، ولو كان فيه التضحية بالنفس في سبيل الله، فما أحب البلاء المؤدي إلى النعيم المقيم، والدرجات العلى في الآخرة، فجعل لهذه الرغبة، والحرص على تنفيذها، بعزم وتصميم، وإيمان وإخلاص، فمنعه مانع من التنفيذ أجر من نفذ الجهاد، وأجر من مات في المعركة، وإن مات في بيته وعلى فراشه من غير جهاد، ولا ضرب بسيف، ولا طعن برمح، ولا رمي بنبل، وإنما لكل امرئ ما نوى.
-[المباحث العربية]-
(من طلب الشهادة صادقا) أي مخلصا في طلبها، أي مطابقا ما يقوله بلسانه ما هو في قلبه.
(أعطيها ولو لم تصبه) ظاهر العبارة تعارض أولها لآخرها، فإعطاؤها إصابتها، لكن المعنى أعطى ثوابها، ولو لم يعطها وجودا وفعلا.
-[فقه الحديث]-
عنون البخاري للباب بباب تمني الشهادة، قال ابن المنير وغيره: الظاهر أن الدعاء بالشهادة يستلزم الدعاء بنصر الكافر على المسلم، وإعانة من يعص الله على من يطيعه -لأن الشهادات تقع
стр. 4276
غالبا في المسلمين عند انتصار أعدائهم عليهم، ونيلهم منهم- لكن المقصود الأصلي إنما هو حصول الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة، وليس نصر الكافر مقصودا لذاته، وإنما يقع من ضرورة الوجود، فاغتفر حصول المصلحة العظمى من دفع الكفار وإذلالهم وقهرهم بقصد قتلهم بحصول ما يقع في ضمن ذلك من قتل بعض المسلمين وجاز تمني الشهادة لما يدل عليه من صدق من وقعت له من إعلاء كلمة الله حتى بذل نفسه في تحصيل ذلك. اهـ.
وحاصل هذا الجواب أنه لا تلازم بين طلب الشهادة وبين انتصار الكفار، فكثيرا ما ينتصر المسلمون ويقع إعلاء كلمة الله مع استشهاد بعض المسلمين، فطلب الشهادة، وطلب التضحية في سبيل نصر دين الله أمر مستحب في ذاته، إن وقع ثبت أجره، وإن تمناه متمن وطلبه طالب كان له أجره.
وظاهر الرواية الثانية أن الداعي المتمني للشهادة بصدق يساوي من استشهد في الأجر، لكن قال النووي: معناه أن من سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء، وإن كان على فراشه، اهـ. فهو يشير إلى أن المماثلة في نوعية الأجر، وليس في مقداره، وهذا التفسير أقرب إلى الحقيقة والعدالة.
وللحديث علاقة بما مر في باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، وفيما يأتي في باب ثواب من حبسه العذر عن الغزو.
والله أعلم.
стр. 4277
(٥٣٠) باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو
٤٣٢١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق" قال ابن سهم: قال عبد الله بن المبارك: فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ .
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ [التوبة: ٤١] ويقول ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ [التوبة: ٣٨] ويقول ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾ [النساء: ٩٥] وهكذا أمر الله بالجهاد، وبين فضله، وتسارع الصحابة إليه، وما تقاعس عنه بدون عذر إلا المنافقون. وفي هذا الحديث يحذر ﷺ من هذا التقاعس، وينذر صاحبه بعذاب يوم القيامة، بل يحذر القاعدين أصحاب الأعذار من عدم الحرص، ويدعوهم إلى الرغبة فيه، والتشوق إليه بقلوبهم، ليكونوا مع المجاهدين بأرواحهم، حيث لم يصاحبوهم بأبدانهم، فكل من لم يحدث نفسه، ويتمنى في نفسه الجهاد لم يكن غيورا على الإسلام، ولم يكن يحب الله ورسوله، وذلك شعبة من النفاق.
-[المباحث العربية]-
(من مات ولم يغز) بالفعل في غزوة من الغزوات، ولم يكن له عذر شرعي.
(ولم يحدث به نفسه) أي من مات ولم يحدث نفسه بالغزو، أي لم يتمن، ولم يتشوف، ولم يرغب فيه.
(مات على شعبة من نفاق) لأن الجهاد من الإيمان، وهو شعبة من شعبه، وخصلة من خصاله؛ لهذا ترجم البخاري: باب الجهاد من الإيمان.
(فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ قال النووي "فنرى" بضم النون، أي نظن، قال: وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقال غيره: إنه عام، والمراد: أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد إحدى شعب النفاق.
стр. 4278
-[فقه الحديث]-
قال النووي: يؤخذ من هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها، لا يتوجه عليه الذم الذي يتوجه إلى من مات ولم ينوها. وقد اختلف الأصحاب فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها، فأخرها بنية أن يفعلها في أثنائه، فمات قبل فعلها، أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى، فمات قبل فعله، هل يأثم أم لا؟ والأصح عندهم أنه يأثم في الحج، دون الصلاة، لأن مدة الصلاة قريبة، فلا تنسب إلى تفريط بالتأخير، بخلاف الحج، وقيل: يأثم فيهما، وقيل: لا يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج الشيخ دون الشاب.
والله أعلم.
стр. 4279
(٥٣١) باب ثواب من حبسه العذر عن الغزو
٤٣٢٢ - عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة. فقال: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض".
٤٣٢٣ - -/- وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد غير أن في حديث وكيع: "إلا شركوكم في الأجر".
-[المعنى العام]-
مضى معنى هذا الحديث ومضمونه قريبا تحت باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين.
-[المباحث العربية]-
(إن بالمدينة لرجالا) أي وبغيرها من أماكن المسلمين الذين يعلمون بالغزوات ويحرصون عليها، وهم من أهلها.
(ما سرتم مسيرا) أي ما خطوتم من خطوة.
(ولا قطعتم واديا) من ذكر الخاص بعد العام.
(إلا كانوا معكم) بالقوة لا بالفعل، وبالأجر لا بالأجسام.
(حبسهم المرض) الجملة مستأنفة استئنافا تعليليا، في جواب سؤال، تقديره: لماذا؟ فقيل: لأنه حبسهم المرض، ولم يتخلفوا باختيارهم، بل بالمرض ونحوه من الأعذار الشرعية.
(إلا شركوكم في الأجر) قال أهل اللغة: شركه بكسر الراء بمعنى شاركه، أي إلا شاركوكم في الأجر.
стр. 4280
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو، وغيره من الطاعات فعرض له عذر منعه، حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمني كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه. اهـ.
وبقية مباحث الحديث سبقت عند باب سقوط الجهاد عن المعذورين.
والله أعلم.
стр. 4281
(٥٣٢) باب فضل الغزو في البحر
٤٣٢٤ - عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه. وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت. فدخل عليها رسول الله ﷺ يوما فأطعمته. ثم جلست تفلي رأسه. فنام رسول الله ﷺ . ثم استيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة" أو "مثل الملوك على الأسرة" يشك أيهما قال. قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. فدعا لها. ثم وضع رأسه فنام. ثم استيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله" كما قال في الأولى. قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "أنت من الأولين" فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت.
٤٣٢٥ - عن أنس بن مالك ﵁، عن أم حرام -وهي خالة أنس- قالت: أتانا النبي ﷺ يوما، فقال عندنا. فاستيقظ وهو يضحك. فقلت: ما يضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: "أريت قوما من أمتي يركبون ظهر البحر كالملوك على الأسرة" فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "فإنك منهم" قالت: ثم نام، فاستيقظ أيضا وهو يضحك، فسألته، فقال: مثل مقالته. فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "أنت من الأولين" قال: فتزوجها عبادة بن الصامت بعد. فغزا في البحر، فحملها معه، فلما أن جاءت قربت لها بغلة. فركبتها، فصرعتها، فاندقت عنقها.
٤٣٢٦ - عن أنس بن مالك ﵁، عن خالته أم حرام بنت ملحان، أنها قالت: نام رسول الله ﷺ يوما قريبا مني. ثم استيقظ يتبسم. قالت: فقلت: يا رسول الله ما أضحكك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي يركبون ظهر هذا البحر الأخضر". ثم ذكر نحو حديث حماد بن زيد.
стр. 4282
٤٣٢٧ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ ابنة ملحان خالة أنس فوضع رأسه عندها. وساق الحديث بمعنى حديث إسحق بن أبي طلحة ومحمد بن يحيى بن حبان.
-[المعنى العام]-
كان للعرب في الجزيرة العربية رحلتان، رحلة الشتاء، ورحلة الصيف، إلى الشام، وإلى اليمن، وهما في البر، حتى حين يستخدمون طريق ساحل البحر الأحمر يخافون البحر، ينظرون إلى السفن الجاريات فيه نظرة خوف وخطر، فالقرآن الكريم يقول ﴿إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور* أو يوبقهن بما كسبوا﴾ [الشورى: ٣٣، ٣٤].
وما لهم ولهذا المجهول؛ إن عندهم سفينة الصحراء، الإبل، مأمونة الجانب، نادرة الخطر، ولم يكن ﷺ من رواد البحار، بل روي أنه نهى عن ركوب البحر، ومنع عمر بن الخطاب ﵁ ركوب البحر، وحاول معاوية وهو أمير الشام من قبله أن يستأذنه في الغزو في البحر، فمنعه، فلما كان عثمان ﵁ ألح عليه أن يأذن له، فأذن له بشرط أن لا يجبر أحدا على الخروج معه.
مع هذه الصورة المخيفة عن البحر وأخطاره يخبر ﷺ أن أمته ستغزو بلاد الكفر عن طريق البحر، ينام فيرى في منامه، ورؤياه حق أن جنودا من أمته سيركبون البحر غزاة، وهم أعزة كالملوك على الأسرة، فيستيقظ مبتسما مسرورا، فتسأله أم حرام خالته أو أمه من الرضاعة، وكان قد نام نوم الظهيرة في بيتها، تسأله: ما الذي يضحكك يا رسول الله؟ فيخبرها عما رأى، فتقول له: ادع الله أن يجعلني منهم، فيدعو الله لها أن تكون منهم، فيعلمه ربه أنه استجاب دعاءه، فيقول لها: أنت منهم، وبعد قليل ينام ثانية، فيرى فرقة أخرى متأخرة زمنا من أمته تغزو بلاد الكفر، وهم في حالة القوة والسيطرة والتمكن، كأنهم ملوك على الأسرة، فيستيقظ ضاحكا، فتقول له أم حرام: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟ فيقص عليها الرؤيا الثانية، فتتمنى أن تكون مع الفرقتين، ليزداد رصيدها من أجر الغزو، فتقول: ادع الله لي يا رسول الله أن أكون منهم، فيقول لها: لا لست من الآخرين، أنت من الأولين، ويستبعد الحال الواقع أن تدخل أم حرام بحرا، ويشاء السميع العليم أن تتزوج عبادة بن الصامت، فيخرج في جيش معاوية إلى غزو قبرص عن طريق البحر، فيأخذها معه، فتفتح قبرص للمسلمين، ويعود المسلمون في البحر إلى الشام، وتخرج أم حرام من البحر على ساحل الشام لتركب بغلتها، فتقع تحت أقدام بغلتها، فتدق عنقها، وتموت، فتقبر في حمص، يتبرك بها -ويقال عنه: هذا قبر المرأة الصالحة- ﵂.
стр. 4283
-[المباحث العربية]-
(أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان) "أم حرام" بفتح الحاء والراء، "بنت ملحان" بكسر الميم وسكون اللام، وهي خالة أنس ﵄ كما جاء في الرواية الثانية والثالثة والرابعة، ويقال لها: الرميصاء، ويقال لأم سليم الغميصاء، وقيل: بالعكس، والرمص والغمص متقاربان، وهو اجتماع القذى في مؤخر العين وفي هدبها، وقيل: استرخاؤها وانكسار الجفن.
قال النووي: واتفق العلماء على أنها كانت محرما له ﷺ ، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله ﷺ ، أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه، وقال بعضهم: إنما كانت خالته لأبيه أو جده عبد المطلب، وقال ابن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب، أم رسول الله ﷺ من الرضاعة، قال ابن عبد البر: وأيهما كان فهي محرم له.
وقال بعضهم: لم تكن أم حرام محرما له ﷺ ، ولكن من خصوصياته ﷺ ذلك، لأنه كان يملك إربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه، وهو المبرأ عن كل فعل قبيح، وعن قول الرفث، ورد القاضي عياض هذا القول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مسلم، لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل، ومال الحافظ ابن حجر إلى هذا القول، فقال: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح، وبالغ الدمياطي في الرد على من ادعى المحرمية، فقال: ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة أو من النسب، وكل من أثبت لها خؤولة تقتضي المحرمية، لأن أمهاته ﷺ من النسب، واللاتي أرضعنه معلومات، ليس فيهن أحد من الأنصار البتة، سوى أم عبد المطلب، ثم قال: وإذا تقرر هذا فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، وإلا على أم سليم، فقيل له؟ فقال: أرحمها، قتل أخوها معي، يعني "حرام بن ملحان" وكان قد قتل يوم بئر معونة، وقد جمع الحافظ ابن حجر بين ما أفهمه هذا الحصر في الصحيح وبين ما دل عليه حديث الباب في أم حرام، فقال ما حاصله: إنهما أختان كانتا في دار واحدة، وكانت كل واحدة منهما في بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معا، فالعلة مشتركة فيهما، وقد انضم إلى العلة المذكورة -علة الرحمة- كون أنس خادم النبي ﷺ وقد جرت العادة بمخالطة المخدوم خادمه وأهل خادمه، ورفع الحشمة التي تقع بين الأجانب عنهم.
ثم قال الدمياطي: على أنه ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، قال الحافظ ابن حجر: وهو احتمال قوي، لكنه لا يدفع الإشكال من أصله، لبقاء الملامسة في تفلية الرأس وكذا النوم في الحجر. اهـ.
стр. 4284
وقال ابن العربي: يحتمل أن ذلك كان قبل الحجاب، ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب قطعا، فقد كان هذا بعد حجة الوداع، وكان الحجاب في زواجه ﷺ بزينب بنت جحش.
فأسلم الأجوبة دعوى الخصوصية، كما قال ابن حجر. والله أعلم.
(فتطعمه) أي فتقدم له الطعام، أي كان هذا شأنها، كلما دخل عندها.
(وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت) ظاهر هذه الرواية أنها كانت زوجة لعبادة حال دخول النبي ﷺ إليها، لكن الرواية الثانية صريحة في أنه إنما تزوجها بعد هذه الرؤيا والدعاء والتبشير، فلفظها "فتزوجها عبادة بن الصامت بعد" وحمل النووي الرواية الأولى على الثانية، فيكون أنس قد أخبر عما صار حالا لها بعد ذلك. قال الحافظ ابن حجر: هذا الذي اعتمده النووي وغيره تبعا لعياض، لكن وقع في ترجمة أم حرام من طبقات ابن سعد ما يفيد أنها كانت تحت عبادة قبل أحد، فيحتمل أنها كانت تحت عبادة أولا، ثم فارقها، فتزوجت عمرو بن قيس، فاستشهد في أحد، فرجعت إلى عبادة، ثم قال: والذي يظهر لي أن ما وقع في الطبقات غير سليم، وأن الأمر بعكس ما وقع فيها، وأن عمرو بن قيس تزوجها أولا، فولدت له، ثم استشهد هو وولده منها، وتزوجت بعده بعبادة.
(فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه) في رواية البخاري "وجعلت تفلي رأسه" "تفلي" بفتح التاء وسكون الفاء وكسر اللام، أي تفتش، ولا يلزم من ذلك وجود الهوام، فكثيرا ما يكون ذلك لتخدير الجسم وارتخائه استجلابا للنوم.
(فنام رسول الله ﷺ في الرواية الثالثة "نام قريبا مني" وكذا عند البخاري، وفي رواية له "فاتكأ" وقد بينت الرواية الثانية وقت النوم، وأنه كان وقت القيلولة، ولفظها "فقال عندنا" وفي كتب اللغة: قال، يقيل، قيلا بفتح القاف: نام وسط النهار، فهو قائل، والجمع قيل بضم القاف والياء، وقيال بضم القاف وتشديد الياء.
(ثم استيقظ وهو يضحك) فرحا وسرورا بكون أمته تبقى بعده متمسكة بأمور الإسلام، قائمة بالجهاد، حتى في البحر، قال النووي، وقال الحافظ ابن حجر: كان ضحكه إعجابا بهم، وفرحا، لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة، وفي الرواية الثالثة "ثم استيقظ يبتسم" وكان ضحكه ﷺ ابتساما، والجملة حالية.
(فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ ) كان الظاهر أن يقول أنس: فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ ولهذا اختلف فيه، هل هو من مسند أنس؟ أو من مسند أم حرام؟ قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن أوله من مسند أنس، وقصة المنام من مسند أم حرام، فإن أنسا إنما حمل قصة المنام عنها.
أما الرواية الثانية والثالثة فهما صراحة من مسند أم حرام، وظاهرهما أن أنسا لم يحضر هذه الواقعة، وهو المعتمد، وفي الرواية الثالثة "ما أضحكك"؟ زاد في الرواية الثانية "بأبي أنت وأمي"
стр. 4285
ولأحمد "مم تضحك"؟ وفي رواية "ثم استيقظ وهو يضحك، وكانت تغسل رأسها، فقالت: يا رسول الله، أتضحك من رأسي؟ قال: لا".
(ناس من أمتي عرضوا علي) أي في منامي، وفي الرواية الثانية "أريت قوما من أمتي" بضم الهمزة، أي أراني الله في منامي، وفي رواية "عجبت من قوم من أمتي".
(غزاة في سبيل الله) حال.
(يركبون ثبج هذا البحر) بفتح الثاء والباء، بعدها جيم، والثبج ظهر الشيء، وقال الأصمعي: ثبج كل شيء وسطه، وقيل: متن هذا البحر، وقيل: معظمه، وقيل: هوله، والراجح أن المراد هنا ظهره، قال الحافظ: ولما كان جري السفن غالبا إنما يكون في وسطه قيل: المراد وسطه، وإلا فلا اختصاص لوسطه بالركوب، وفي الرواية الثانية "يركبون ظهر البحر" وفي الرواية الثالثة "يركبون ظهر هذا البحر الأخضر" قال الكرماني "الأخضر" صفة لازمة للبحر، لا مخصصة [قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن تكون مخصصة، لأن البحر يطلق على الملح والعذب، فجاء لفظ "الأخضر" لتخصيص الملح بالمراد] قال: والماء في الأصل لا لون له، وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه، وقال غيره: إن الذي يقابله السماء، وقد أطلقوا عليها الخضراء، لحديث "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء" والعرب تطلق الأخضر على كل لون ليس بأبيض ولا أحمر.
(ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة) في الرواية الثانية "كالملوك على الأسرة" بدون شك، وعند أحمد "مثلهم كمثل الملوك على الأسرة" قال ابن عبد البر: أراد -والله أعلم- أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكا على الأسرة في الجنة، ورؤياه وحي، وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة ﴿على سرر متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧] وقال ﴿على الأرائك متكئون﴾ [يس: ٥٦] والأرائك السرر، وقال عياض: هذا محتمل، ويحتمل أيضا أن يكون خبرا عن حالهم في الغزو، من سعة أحوالهم، وقوام أمرهم، وكثرة عددهم، وجودة عددهم، فكأنهم الملوك على الأسرة، اهـ. أي أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم في الدنيا أو في الآخرة، ويحتمل التشبيه أيضا، أي هم فيما سيكونون عليه في الآخرة من النعيم الذي أثيبوا عليه في غزاتهم وجهادهم مثل ملوك الدنيا على أسرتهم.
(فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها) في رواية "فقال: اللهم اجعلها منهم" وفي الرواية الثانية "قال: فإنك منهم" وفي رواية "فقلت: يا رسول الله، أنا منهم؟ قال: أنت منهم، ويجمع بأنه دعا لها، فأجيب، فأخبرها جازما بذلك.
(ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ ... قال: ناس من أمتي ... كما قال في الأولى) قال عياض والقرطبي: في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأولى، وأن في كل نومة عرضت عليه طائفة من الغزاة" اهـ. وقد جاء في بعض الروايات أنه قال في الرؤيا الثانية "يغزون مدينة قيصر" لكن قولها "كما قال في الأولى" وقولها في الرواية الثانية "فقال مثل مقالته" أن الفرقة
стр. 4286
الثانية يركبون البحر أيضا، مع أن غزو مدينة قيصر كان بالبر، فحملت المثلية في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان، لا خصوص ركوب البحر، ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها، وقال القرطبي: الفرقة الأولى في أول من غزا البحر من الصحابة، والفرقة الثانية في أول من غزا البحر من التابعين. قال الحافظ ابن حجر: بل كان في كل منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة، ومعظم الثانية من التابعين.
(فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم) قالت ذلك في الثانية لظنها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة، فسألت ثانيا ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكت في إجابة دعاء النبي ﷺ لها في المرة الأولى، وفي جزمه بالإجابة، قال الحافظ ابن حجر: لما لم يقع لها التصريح بأنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية، جوزت أنها تدركها، فتغزو معهم، ويحصل لها أجر الفريقين.
(أنت من الأولين) في رواية "ولست من الآخرين" فأعلمها ﷺ أنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية.
(فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية) في الرواية الثانية "فتزوجها عبادة بن الصامت بعد، فغزا في البحر، فحلمها معه" وفي رواية "فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيا، أول ما ركب المسلمون البحر، مع معاوية" وفي رواية "فتزوج بها عبادة، فخرج بها إلى الغزو" وفي رواية "فتزوجت عبادة، فركبت البحر مع بنت قرظة" امرأة معاوية واسمها فاختة.
وظاهر قولها "في زمن معاوية" يوهم أن ذلك كان في خلافته، وليس كذلك، بل كان في خلافة عثمان، ومعاوية يومئذ أمير الشام، سنة ثمان وعشرين، فقد نقل الطبري أن أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان، وكان قد استأذن عمر، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، وقال له: لا تنتخب أحدا -أي لا تلزم أحدا بالخروج معك- بل من اختار الغزو فيه طائعا فأعنه، ففعل، فغزا الروم، فصالح أهل قبرص.
(فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت) في الرواية الثانية "فلما أن جاءت قربت لها بغلة، فركبتها، فصرعتها، فاندقت عنقها" وفي رواية "فلما انصرفوا من غزوهم، قافلين إلى الشام، قربت إليها دابة، لتركبها، فصرعت، فماتت" وفي رواية "فرفصتها بغلة لها شهباء، فوقعت، فماتت" والحاصل أن البغلة الشهباء قربت إليها لتركبها، فشرعت لتركب، فسقطت، فاندقت عنقها، فماتت، قيل: إن موتها كان بساحل الشام بعد العودة من الغزو، لما خرجت من البحر، وقبرها بساحل حمص، وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرص، وأخرج الطبري أن معاوية صالح أهل قبرص بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كل سنة، فلما أرادوا الخروج منها قربت لأم حرام دابة لتركبها، فسقطت فماتت، فقبرها هنا يستسقون به، ويقولون: قبر المرأة الصالحة.
стр. 4287
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في هذا الحديث جواز ركوب البحر، للرجال والنساء، وكذا قاله الجمهور، وكره مالك ركوبه للنساء، لأنه لا يمكنهن غالبا التستر فيه، ولا غض البصر عن المتصرفين فيه، ولا يؤمن انكشاف عوراتهن في تصرفهن، لا سيما ضرورتهم إلى قضاء الحاجة بحضرة الرجال [قلت: كانت هذه الموانع في الزمن الأول، وفي السفن الشراعية، أما السفن العملاقة في هذه الأيام فهي أكثر تسترا من شوارع المدينة، لكن لا ننسى أن المالكية يكرهون خروج الشابات إلى المساجد] ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقا. اهـ. والأولى أن يقال: يحرم التعرض لأخطاره.
قال القاضي: وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز منع ركوبه، وقيل: إنما منعاه للتجارة وطلب الدنيا، لا للطاعات، وقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ النهي عن ركوب البحر إلا لحاج أو معتمر أو غاز، وضعف أبو داود هذا الحديث، وقال: رواته مجهولون.
ثم قال النووي: واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سواء في الأجر، بحجة أن أم حرام ماتت، ولم تقتل. قال النووي: ولا دلالة فيه لذلك، لأنه ﷺ لم يقل: إنهم شهداء، إنما قال "يغزون في سبيل الله" لكن ذكر مسلم في باب بعد الباب التالي عن أبي هريرة "من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد" وهو موافق لقول الله تعالى ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ [النساء: ١٠٠] اهـ. وعبارة ابن عبد البر: في الحديث أن من يموت غازيا يلحق بمن يقتل في الغزو. اهـ. وهو ظاهر القصة، لكن لا يلزم من الاستواء في أصل الفضل الاستواء في الدرجات.
-[ويؤخذ من الحديث غير ما تقدم]-
١ - الترغيب في الجهاد والحض عليه.
٢ - وفضيلة المجاهدين في الجملة.
٣ - وفضيلة تلك الجيوش التي فتحت تلك البلاد، وأنهم غزاة في سبيل الله.
٤ - فضل من يصرع في سبيل الله.
٥ - أن حكم الراجع من الغزو حكم الذاهب إليه في الثواب.
٦ - جواز الخلوة بالمحرم -على اعتبار أن أم حرام كانت محرما، واختلى بها.
٧ - وجواز ملامسة المحرم في الرأس وغيره، مما ليس بعورة.
٨ - وجواز النوم عند المحرم.
٩ - جواز فلي الرأس.
стр. 4288
١٠ - قال النووي: فيه جواز قتل القمل منه ومن غيره، قال أصحابنا: قتل القمل وغيره من المؤذيات مستحب وفي استنباط جواز قتل القمل من الحديث بعد ونظر.
١١ - جواز أكل الضيف عند المرأة المزوجة، مما تقدمه له، إلا أن يعلم أنه من مال الزوج ويعلم أنه يكره أكله من طعامه، فالأغلب أن الذي في بيت المرأة الزوجة هو من مال الزوج.
١٢ - وفيه أن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله، ولا شك أن عبادة بن الصامت كان يسره أكل النبي ﷺ مما قدمته له امرأته، ولو كان بغير إذن خاص منه.
١٣ - جواز قائلة الضيف في غير بيته بشرطه، كالإذن وأمن الفتنة.
١٤ - جواز خدمة المرأة الأجنبية للضيف، بإطعامه والتمهيد له، ونحو ذلك.
١٥ - جواز تمني الشهادة.
١٦ - جواز الفرح بما يحدث من النعم.
١٧ - جواز الضحك عند حدوث ما يسر.
١٨ - وفي الحديث معجزات للنبي ﷺ وإخباره بالمغيبات، منها:
إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحاب قوة وشوكة ونكاية في العدو، وأنهم يتمكنون من البلاد حتى يغزوا البحار، وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون مع من يغزو البحر، وأنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية، وقد كان ذلك بحمد الله تعالى.
والله أعلم.
стр. 4289
(٥٣٣) باب فضل الرباط في سبيل الله
٤٣٢٨ - عن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان".
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران: ٢٠٠] والرباط وحراسة المسلمين من أعدائهم مهمة لا تقل عن الجهاد والقتال، بل إن النتيجة لها أعظم غالبا من الجهاد، فقد قيل: الوقاية خير من العلاج، ثم إن تعرض المرابط للخطر أشد من تعرضه للقتال، فكثيرا ما يكون المرابطون قلة عددا وعدة عن العدو، وهو هدف محصور في مواجهته، من هنا كان الترغيب فيه بثواب أعظم، فالمجاهد الغازي كالقائم الليل الصائم النهار من حين يخرج إلى حين يعود، فيومه بصيام يوم، وليلته بقيام ليلة، أما المرابط فيومه بصيام شهر، وليلته بقيام ليالي شهر، بل المرابط يضاف إلى عمله بعد موته استمرارية أجر المرابط ما شاء الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
-[المباحث العربية]-
(رباط يوم وليلة) أي في سبيل الله، كما جاء في بعض الروايات، والرباط بكسر الراء وتخفيف الباء ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار، لحراسة المسلمين منهم، قال ابن التين: بشرط أن يكون في غير الوطن، قاله ابن حبيب عن مالك، ورده الحافظ ابن حجر، وقال: قد يكون في الوطن إذا نوى بالإقامة فيه دفع العدو، ومن ثم اختار كثير من السلف سكنى الثغور، فبين المرابطة والحراسة عموم وخصوص وجهي، يجتمعان فيمن يقف في الوطن على حدوده مثلا لدفع العدو، وينفرد الرباط فيمن أقام خارج وطنه لحراسة وطنه من العدو، وتنفرد الحراسة بالوقوف في الوطن للحراسة من الإخلال بالأمن من أهله. قال ابن قتيبة: وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيلهم، وهؤلاء خيلهم، استعدادا
стр. 4290
للقتال، قال تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] اهـ وذكر اليوم والليلة في الحديث يشعر بأن أقله ذلك شرعا. قاله العلماء.
(وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله) أي استمر متجددا ثواب عمله الذي كان يعمله، كأنه يعمله فعلا، وفاعل "مات" ضمير يعود على المرابط، المفهوم من "رباط".
(وأجري عليه رزقه) أي استمر رزقه بعد موته، وذلك من رزق الجنة.
(وأمن الفتان) قال النووي: ضبطوا "أمن" بوجهين: أحدهما "أمن" بفتح الهمزة وكسر الميم، والثاني "أومن" بضم الهمزة وبعدها واو، وأما "الفتان" فقال القاضي: رواية الأكثرين بضم الفاء، جمع "فاتن" قال، ورواية الطبري بالفتح، وفي رواية أبي داود "أومن من فتاني القبر".
-[فقه الحديث]-
قال النووي: هذه فضيلة -ظاهرة للمرابط، وجريان عمله بعد موته فضيلة مختصة به، لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا في غير مسلم "كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط، فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة" أما إجراء الرزق فهو موافق للشهداء، لقوله تعالى ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وعند البخاري "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" وعند أحمد والترمذي وابن ماجه "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل" قال ابن بزيزة: ولا تعارض، لأنه يحمل على الإعلام بالزيادة في الثواب عن الأول، أو باختلاف العاملين. اهـ. ولا تعارض بين حديث البخاري وبين حديثنا، لأن صيام شهر وقيامه خير من الدنيا وما عليها.
стр. 4291
(٥٣٤) باب بيان الشهداء
٤٣٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره فشكر الله له، فغفر له" وقال: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله ".
٤٣٣٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تعدون الشهيد فيكم" قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: "إن شهداء أمتي إذا لقليل" قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد. ومن مات في سبيل الله فهو شهيد. ومن مات في الطاعون فهو شهيد. ومن مات في البطن فهو شهيد". قال ابن مقسم: أشهد على أبيك في هذا الحديث أنه قال: "والغريق شهيد".
٤٣٣١ - -/- وفي رواية قال عبيد الله بن مقسم: أشهد على أخيك أنه زاد في هذا الحديث: "ومن غرق فهو شهيد".
٤٣٣٢ - -/- ومثله في رواية عن أبي صالح وزاد فيه: "والغرق شهيد".
٤٣٣٣ - عن حفصة بنت سيرين، قالت: قال لي أنس بن مالك: بم مات يحيى بن أبي عمرة؟ قالت: قلت: بالطاعون. قالت: فقال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون شهادة لكل مسلم".
-[المعنى العام]-
إن الشهيد الذي يقتل في معركة بين المسلمين والكافرين يموت فجأة دون مرض متقدم، والموت فجأة أشد فجيعة لأهله وأحبابه من الموت بعد مرض طويل، يتأهلون به للفراق، بل يصل بهم الأمر
стр. 4292
أحيانا إلى تمني موته وراحته، ثم هو بالمرض يجد النذير ويجد الفرصة للخروج من تبعات وحقوق الناس، والتوبة والرجوع إلى الله، ثم إن المرض يكفر الذنوب، ويرفع الدرجات، ويمنح الحسنات، يحرم من كل هذا من مات فجأة، فاقتضت الحكمة الإلهية تعويض الميت فجأة عما يفوته بالمرض.
تلك حالة من حالتين لمن يقتل في سبيل الله، لها أجرها، الحالة الثانية نيته وهدفه الذي ضحى بروحه من أجله، ولهذه النية ولهذا القصد أجره، فمن شارك الشهيد في سبيل الله في حالة من حالتيه شاركه في نوع الأجر، فإذا كان للشهيد باب يدخل منه خاص به كان المطعون والمبطون والغريق والميت تحت الأنقاض وكل من يموت فجأة مشاركا له في الدخول من هذا الباب، وكذلك الأمر لمن يشارك الشهيد في سبيل الله في حالته الثانية، فمن حبسه العذر من مرض أو شيء آخر عن الجهاد، فمات على فراشه حصل على قدر من أجر الشهيد، وشاركه في نوع أجره، كما جاء في حديث "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم وإلا شركوكم في الأجر. قال المجاهدون: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "حبسهم العذر".
إن الشهداء عند الله أجرهم كبير، يبشرون بالجنة، ونحضرهم عند الموت ملائكة الرحمة، ويغفر لهم أكثر ذنوبهم، أرواحهم في الجنة، في جوف طير خضر، عند ربهم يرزقون، فرحين بما آناهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل، لهم قناديل معلقة بالعرش، نأوي إليها أرواحهم، يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليموتوا مرة ثانية هذه الميتة، ليحصلوا على أجرها مرة أخرى، بينما لا يتمنى أحد مات، له حسنات، أن يعود إلى الدنيا، وله ما على الأرض من نعيم.
-[المباحث العربية]-
(بينما رجل يمشي بطريق) "بينما" هي "بين" الظرفية، زيدت عليها "ما".
(الشهداء خمسة) سبق أن ذكرنا أقوال العلماء في سبب تسمية الشهيد شهيدا في باب فضل الجهاد في المباحث العربية، عند فقرة "ما من نفس تموت، لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا، ولا أن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد".
وفي الموطأ "الشهداء سبعة" سوى القتل في سبيل الله، فزاد على حديثنا الحريق، وصاحب ذات الجنب، والمرأة تموت بجمع، واتفق مع حديثنا في المبطون، والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم.
أما المطعون، فهو الميت بالطاعون، يقال: طعن فهو مطعون وطعين، إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح، والمراد هنا المرض المعروف، ففي الرواية الثالثة "الطاعون شهادة لكل مسلم" يموت به. والطاعون مرض وبائي، يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحدا، بخلاف بقية الأوقات، فتكون الأمراض مختلفة، واختلف العلماء في تشخيصه وأعراضه، فابن عبد البر
стр. 4293
يقول: الطاعون غدة تخرج في المراق والآباط، وقد تخرج في الأيدي والأصابع، وحيث شاء الله، والنووي يقول في الروضة: قيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: هو هيجان الدم وانتقاضه، وقال الغزالي: هو انتفاخ جميع البدن من الدم مع الحمى، أو انصباب الدم إلى بعض الأطراف، وقال المتولي: هو قريب من الجذام من أصابه تآكلت أعضاؤه، وتساقط لحمه، وقال ابن سينا وجماعة من الأطباء: الطاعون مادة سمية، تحدث ورما قتالا، يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط وخلف الأذن، أو عند الأرنبة.
وأما المبطون: فهو الميت بسبب مرض البطن، قيل: هو الإسهال، وقيل: هو الاستسقاء وانتفاخ البطن.
وأما الغرق بفتح الغين وكسر الراء فهو الذي يموت غريقا في الماء، وفي ملحق الرواية الثانية "والغريق شهيد". "ومن غرق فهو شهيد".
وأما صاحب الهدم فهو الميت بسبب سقوط المباني عليه.
وأما الحريق فهو الميت بسبب النار.
وأما صاحب ذات الجنب فهو الذي يموت بسبب هذا المرض المعروف، ويقال له: الشوصة. قال النووي: وهي قرحة تكون في الجنب باطنا. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: هو ورم حاد، يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع، وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة، تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعا، ويقال لذات الجنب أيضا وجع الخاصرة، وكان العرب يعالجونه بالقسط، وهو العود الهندي، وعند أحمد "والمجنوب شهيد".
وأما المرأة تموت بجمع: بضم الجيم وفتحا وكسرها، مع سكون الميم، فهي النفساء، وقيل: التي يموت ولدها في بطنها، ثم تموت بسبب ذلك، وقيل هي التي تموت عذراء، وقيل: التي تموت بمزدلفة، وهو خطأ ظاهر، إذ لا فرق في هذا المكان بين الرجل والمرأة، والأول أشهر، فعند أحمد "وفي النفساء يقتلها ولدها جمعا شهادة".
وروى أصحاب السنن "من قتل دون ماله فهو شهيد".
وعند النسائي "من قتل دون مظلمته فهو شهيد".
وعند أبي داود "من وقصه فرسه أو بعيره في سبيل الله، أو لدغته هامة، أو مات على أي حتف شاء الله فهو شهيد".
وروى الدارقطني وصححه "موت الغريب شهادة".
وعند ابن حبان "من مات مرابطا مات شهيدا".
وللطبراني "المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد".
стр. 4294
وقال ذلك أيضا في الشريق، أي الذي يموت بشرقة الماء وغيره.
وقال ذلك أيضا في الذي يفترسه السبع.
وعند أبي داود "المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد".
(قال سهيل: قال عبيد الله بن مقسم: أشهد على أخيك أنه زاد في هذا الحديث: ومن غرق فهو شهيد) قال النووي: هكذا وقع في أكثر نسخ بلادنا "على أخيك" وفي بعضها "على أبيك" وهذا هو الصواب. قال القاضي: وقع في رواية "على أبيك" وهو الصواب، ووقع في رواية "على أخيك" وهو خطأ، والصواب "على أبيك".
-[فقه الحديث]-
قال ابن التين: هذه كلها ميتات، فيها شدة، تفضل الله على أمة محمد ﷺ بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلغهم بها مراتب الشهداء.
قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ثم قال: ويتحصل مما ذكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا والآخرة، وهو من يقتل في حرب الكفار، مقبلا غير مدبر، مخلصا، وشهيد الآخرة، دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، فيكون لهم في الآخرة أجر الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويكفنون، ويصلى عليهم، زاد النووي: وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من غل في الغنيمة، أو قتل مدبرا.
وقد اختلفت الأحاديث في عدد الشهداء "خمسة" و"سبعة" وفي الجمع بينها قال الحافظ ابن حجر: إن العدد الوارد ليس على معنى التحديد، وقال بعض المتأخرين: يحتمل أن يكون رواة "خمسة" نسوا الباقي، قال الحافظ: وهو احتمال بعيد، قال: والذي يظهر أنه ﷺ أعلم بالأقل، ثم أعلم زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك. اهـ.
وإذا كان المقتولون في معركة الكافرين شهداء فهم بلا شك درجات من حيث النية والكفاح والأثر الناتج عن كل منهم، وإذا كان هؤلاء ليسوا في درجة واحدة، فمن باب أولى من ألحق بهم في الوصف، ليسوا في درجتهم، وليسوا فيما بين بعضهم في درجة واحدة، فالمقصود على هذا أن الاشتراك في وصف الشهادة إنما هو للاشتراك في نوع الجزاء، لا في كمه ومقداره.
والله أعلم
стр. 4295
(٥٣٥) باب فضل الرمي، وذم من علمه ثم نسيه
٤٣٣٤ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي".
٤٣٣٥ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستفتح عليكم أرضون. ويكفيكم الله. فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه".
٤٣٣٦ - عن عبد الرحمن بن شماسة أن فقيما اللخمي قال لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين، وأنت كبير يشق عليك. قال عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله ﷺ لم أعانيه. قال الحارث: فقلت لابن شماسة: وما ذاك؟ قال: "إنه قال من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى".
-[المعنى العام]-
كل صاحب دعوة له أعداء، وقد يصل الأمر بالعداوة إلى الحرب، كما حدث بين المسلمين وأعدائهم، وعلى صاحب الحق أن يتسلح، ليتفوق على صاحب الباطل، وإلا كان مقصرا في الدفاع عن الحق، من هنا يقول الله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ [الأنفال: ٦٠] والتدرب على الأسلحة أساس لفاعلية هذه الأسلحة، فلا قيمة لسلاح متطور بدون عالم بكيفية استخدامه، متدرب على نجاح نكايته بالعدو، لهذا كان النبي ﷺ يحث على التدرب على السلاح، ويشجع عليه، ويحذر من إهماله ابتداء، أو إهماله بعد تعلمه، لتبقى العزة والقوة للمؤمنين، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.
стр. 4296
-[المباحث العربية]-
(فضل الرمي) أي الرمي بالسهام، والسهم العربي عود من الخشب يسوي، طرفه مدبب، يرمي به عن القوس، وهو النبل، بفتح النون، والقوس بفتح القاف آلة على هيئة هلال، ترمي بها السهام، والمراد فضل تعلم الرمي، لما له من أثر في الحروب في زمن النبي ﷺ .
(ألا إن القوة الرمي) تفسير من النبي ﷺ للمراد من القوة، في قوله تعالى "وأعدوا لهم" أي لأعدائكم الكافرين ﴿ما استطعتم من قوة﴾ وهذا التفسير خاص بزمن النزول، والمناسب لجميع الأزمنة عموم وسائل القوة من دبابات وصواريخ ومدافع وطائرات قاذفة ونحو ذلك.
(ستفتح عليكم أرضون) بفتح الراء على المشهور، وحكى الجوهري لغة شاذة بإسكانها، جمع أرض، ملحق بجمع المذكر السالم.
(ويكفيكم الله) جملة خبرية لفظا ومعنى، أي وسيكفيكم الله شر أصحابها، وينصركم عليهم، أو دعائية معنى، أي وأسأل الله أن يكفيكم شرهم وينصركم عليهم، ولكن عليكم بالاستعداد واتخاذ الأسباب.
(فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه) "يعجز" بكسر الجيم على المشهور، وبفتحها في لغة، و"لا" ناهية، والفعل مجزوم بها، أو نافية، والفعل مرفوع، والمراد من اللهو بالأسهم اللعب والتدرب على الرمي بالسهام، وإصابة المرمي.
(أن فقيما اللخمي قال لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين؟ وأنت كبير يشق عليك؟ ) كان عقبة بن عامر يعاني ويتكلف التدريب على الرمي، وهو كبير السن، يشق عليه ممارسته، ومحاولة إصابة الهدف القريب والبعيد، والتحرك بين الهدفين، والغرض هو هدف الرامي الذي يحاول إصابته بسهامه، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي ما ينبغي أن تفعل ذلك.
(لولا كلام سمعته من رسول الله ﷺ لم أعانه) يقال: عانى الشيء قاساه وكابده. قال النووي: هو في معظم النسخ "لم أعانيه" بالياء وفي بعضها "لم أعانه" بحذفها، وهو الفصيح، والأول لغة معروفة.
(قال الحارث: فقلت لابن شماسة: وما ذاك؟ ) أصل الإسناد: حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، أخبرنا الليث عن الحارث بن يعقوب عن عبد الرحمن بن شماسة بضم الشين أن فقيما اللخمي قال لعقبة بن عامر.
(من علم الرمي ثم تركه) "علم" بفتح العين وكسر اللام، أي من تعلمه وحصلت له معرفة بدقته، ثم ترك التدرب عليه فنسيه، إهمالا، لا لعذر.
стр. 4297
(فليس منا) أي ليس على هدينا وسنتنا.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: في الأحاديث فضيلة الرمي والمناضلة، والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله تعالى، وكذلك المشاجعة، وسائر أنواع استعمال السلاح، وكذلك المسابقة بالخيل وغيرها، والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدرب والتحذق فيه ورياضة الأعضاء بذلك. اهـ.
وقد روى البخاري تحت باب التحريض على الرمي، وقول الله ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال "مر رسول الله ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون" أي يترامون للسبق وكان محجن بن الأدرع يرامي نضلة الأسلمي "فقال النبي ﷺ : ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان" بالتشجيع، وفي رواية "وأنا مع محجن بن الأدرع" "قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم" أي توقفوا عن الرمي، والمراد بأحد الفريقين الفريق المقابل لمحجن "فقال رسول الله ﷺ : ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم"؟ وفي رواية "فقال نضلة -وألقى قوسه من يده: والله لا أرمي وأنت معه" وفي رواية "فقالوا: من كنت معه فقد غلب" وفي رواية "لا نغلب من كنت معه" "فقال النبي ﷺ : ارموا فأنا معكم كلكم".
وقد روى أبو داود وابن حبان عن عقبة بن عامر ﵁ رفعه "أن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله، فارموا، واركبوا" أي تدربوا على سباق الخيل "وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا".
قال القرطبي: إنما فسر رسول الله ﷺ القوة بالرمي -وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو، وأسهل مؤنة، لأنه قد يرمي رأس الكتيبة، فيصاب، فيهزم من خلفه. اهـ.
والله أعلم
стр. 4298
(٥٣٦) باب "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ".
٤٣٣٧ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم: حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" وليس في حديث قتيبة" وهم كذلك".
٤٣٣٨ - عن المغيرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون".
٤٣٣٩ - عن جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يبرح هذا الدين قائما، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة".
٤٣٤٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة".
٤٣٤١ - عن عمير بن هانئ قال: سمعت معاوية على المنبر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس".
٤٣٤٢ - عن يزيد بن الأصم قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان ذكر حديثا رواه عن النبي ﷺ ، لم أسمعه روى عن النبي ﷺ على منبره حديثا غيره. قال: قال رسول الله
стр. 4299
صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة".
٤٣٤٣ - عن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق. هم شر من أهل الجاهلية. لا يدعون الله بشيء، إلا رده عليهم. فبينما هم على ذلك، أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة: هو أعلم. وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك". فقال عبد الله: أجل. ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته. ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.
٤٣٤٤ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".
-[المعنى العام]-
الإسلام خاتم الأديان، وشريعته مفروضة إلى يوم القيامة، ومن مشيئة الله وحكمته أن الإيمان في الأمم يضعف بتطاول الزمان، ويبعده عن الرسول المبعوث، فنور الرسول ينتشر بين قومه، وتسري حرارة دعوته في دمائهم، ويمضي الرسول ويمضي عصره فيضعف النور، وتهدأ الحرارة، وتتزعزع التعاليم في النفوس، وكلما مضى عصر زاد الضعف، وكثر التهاون، فخير القرون قرن النبي، ثم الذين يلونهم، تلك سنة الله في خلقه، كلما بعد المؤثر قل الأثر، حتى يكاد ينمحي، ما لم يتعهد بالتغذية والتقوية، تماما كتيار مندفع من قوة، يقل اندفاعه كلما بعد عن مصدر الدفع، ما لم يساعد بين الحين والحين بقوة دافعة أخرى، وتلك القوة في الديانات السابقة كانت تتمثل في الأنبياء والحواريين، وفي ديننا الإسلامي تتمثل في العلماء والصالحين.
لكن العلماء الصالحين أنفسهم يصيبهم أو يصيب أكثرهم بمرور الزمان الوهن، تارة بانشغالهم بالدنيا، وتارة بخوفهم من بطش الحكام، وتارة بالإحباط، وضعف الجدوى والتأثير من جهادهم لكثرة الخبث، حين يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر.
стр. 4300
تلك الحقيقة للنهاية المظلمة أخبر بها ﷺ أصحابه، فكان أن انزعجوا، قال لهم يوما: كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف؟ ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. وأشد منه سيكون. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا؟ والمنكر معروفا؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. وأشد منه سيكون، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر؟ ونهيتم عن المعروف؟ لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله. الله".
إن هذا الانزعاج من آخر الزمان استلزم التخفيف والتهوين، وغرس الأمل في الخير، فقال لهم: اطمئنوا فلن يزال هذا الدين قائما، يدافع عنه جماعة من المسلمين حتى تقوم الساعة، أو حتى تقرب الساعة، ولن تزال طائفة من المسلمين إلى آخر الزمان متمسكين بدينهم، قائمين بشريعتهم، مدافعين عنها، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله.
يبعث الله في آخر الزمان بعد الدجال، وبعد نزول عيسى وقتله الدجال، وموت عيسى ﵇ يبعث ريحا، وتهب ريح أطيب رائحة من المسك، وأرق لمسا من الحرير، فتقبض أرواح المؤمنين المخلصين، فلا يبقى على وجه الأرض إلا الحثالة وشرار الناس، ولا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من الإيمان، وعليهم تقوم الساعة.
-[المباحث العربية]-
(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) الطائفة الجماعة والفرقة، يجمعهم مذهب أو رأي يمتازون به، وفي الرواية الثانية "لن يزال قوم من أمتي" والقوم الجماعة من الناس، تجمعهم جامعة يقومون لها، وفي الرواية الثالثة والسادسة والسابعة "عصابة" والعصابة الجماعة، وعند البخاري "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله" والأمة الجماعة من الناس، تجمعهم مصالح وأماني واحدة، أو يجمعهم أمر واحد، من دين أو مكان أو زمان، والمراد من أمته ﷺ أمة الإجابة، والمراد من ظهورهم على الحق علوهم عليه، وتمكنهم منه، يقال: ظهر على الشيء إذا علاه، وظهر على الأرض إذا اطلع عليها، وفي الرواية الرابعة "يقاتلون على الحق ظاهرين" أي يجادلون ويدافعون عن الحق متمكنين منه، واثقين به، فالمقاتلة المدافعة أعم من أن تكون بالسيف أو باللسان أو بالقلب، يقال: قاتل الشيطان، أي حاربه ودافعه، ففي الرواية الخامسة "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله" ومن القيام بأمر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدرجاته الثلاث.
وقيل: المراد من الظهور الغلبة، أي غالبين أعداءهم، وهم متمكنون من الحق، والمراد من غلبتهم أعداءهم عدم انصياعهم لهم، وعدم استجابتهم لضلالهم، فكل هم أعدائهم جرهم إلى ضلالاتهم، فتمسكهم بأمر ربهم غلبة لأعدائهم، وإن نال منهم الأعداء في أجسامهم وأموالهم وأولادهم، وهذا معنى قوله في الرواية الخامسة "لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم" وقوله في الرواية السادسة "ظاهرين على من ناوأهم" وقوله في الرواية السابعة "قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم" قال النووي: "ناوأهم" بهمزة بعد الواو، أي عاداهم، وهو مأخوذ من: نأى إليهم، ونأوا إليه أي نهضوا للقتال.
стр. 4301
وقيل: المراد من الظهور البيان والبروز وعدم الاستتار، فهم ظاهرون في الناس، وعلى الناس، منكشفون في مواقفهم ومواقعهم، مجاهدون بإيمانهم ومبادئهم.
ويمكن أن تتصف الطائفة الواحدة بهذه المعاني الثلاثة، بأن تكون متمكنة من الحق، متمسكة به، مدافعة عنه، غالبة أعداءهم، منكشفين للناس في مواقعهم ومواقفهم.
وفي الرواية الثامنة "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق" قال علي بن المديني: المراد بأهل الغرب العرب، والمراد بالغرب الدلو الكبير، لاختصاصهم بها غالبا، وقال آخرون: المراد به الغرب من الأرض، أي المغرب بالنسبة للحجاز، وهو إقليم الشام، كما جاء في حديث معاذ، وعند أحمد أنهم ببيت المقدس" وعند الطبراني "يقاتلون على أبواب دمشق، وما حولها" وقيل: المراد بالغرب القوة في الجهاد، ويمكن الجمع بأن المراد قوم شاميون أهل قوة يسقون بالدلو.
(حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) في الرواية الثانية "حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" وفي الرواية الخامسة "وهم ظاهرون على الناس" والمراد بأمر الله هبوب الريح الواردة في الرواية السابعة، وهي من مقدمات يوم القيامة، فقوله في الرواية الرابعة والسادسة "إلى يوم القيامة" فيه مجاز المشارفة، أي إلى قرب يوم القيامة، وقوله في الرواية الثالثة "حتى تقوم الساعة" وفي السابعة "حتى تأتيهم الساعة" فيه مجاز المشارفة أيضا، أو المراد بالساعة ساعتهم.
(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) أي يفهمه في الدين، يقال: فقه بفتح الفاء وضم القاف إذا صار الفقه له سجية، وفقه بفتح الفاء والقاف إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه بفتح الفاء وكسر القاف إذا فهم، والتنكير في "خيرا" للتعظيم، لأن المقام يقتضيه.
(مسلمة بن مخلد) "مسلمة" بفتح الميم واللام، بينهما سين ساكنة، و"مخلد" بضم الميم وفتح الخاء واللام المشددة.
(كريح المسك) خبر لمبتدأ محذوف، أي ريحها كريح المسك.
-[فقه الحديث]-
أشار البخاري إلى هذه الطائفة بقوله: وهم أهل العلم.
وعزا إلى علي بن المديني قوله: إنهم أصحاب الحديث.
وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد قوله: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟
قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
وقال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وخبير
стр. 4302
بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم، أولا فأولا، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة في بلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله.
قال الحافظ ابن حجر: ونظير ما نبه عليه ما حمل عليه بعض الأئمة حديث "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو متجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن تجتمع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعي ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي وإن كان متصفا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا. اهـ.
قال النووي: وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف مازال -بحمد الله تعالى- من زمن النبي ﷺ إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث.
قال: وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث، وأما حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" فضعيف. اهـ.
وفي الرواية السادسة فضل التفقه في الدين، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين -أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع- فقد حرم الخير، وفي ذلك بيان لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم.
والله أعلم.
стр. 4303
(٥٣٧) باب مراعاة مصلحة الدواب والسير
٤٣٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض. وإذا سافرتم في السنة، فأسرعوا عليها السير. وإذا عرستم بالليل، فاجتنبوا الطريق، فإنها مأوى الهوام بالليل".
٤٣٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض. وإذا سافرتم في السنة، فبادروا بها نقيها. وإذا عرستم، فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل".
٤٣٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه. فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله".
٤٣٤٨ - عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ كان لا يطرق أهله ليلا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية.
٤٣٤٩ - -/- وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ بمثله. غير أنه قال: كان لا يدخل.
٤٣٥٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فلما قدمنا المدينة، ذهبنا لندخل. فقال: أمهلوا حتى ندخل ليلا (أي عشاء) كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة".
стр. 4304
٤٣٥١ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قدم أحدكم ليلا فلا يأتين أهله طروقا، حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة".
٤٣٥٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقا.
٤٣٥٣ - عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم.
٤٣٥٤ - -/- وفي رواية عن سفيان بهذا الإسناد قال عبد الرحمن: قال سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا. يعني أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم.
٤٣٥٥ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ بكراهة الطروق، ولم يذكر: يتخونهم أو يلتمس عثراتهم.
-[المعنى العام]-
السفر قطعة من العذاب، ولون بل ألوان من الألم، يغير الإنسان فيه ما تعود عليه من ناعم الفراش، ومن السكن وقت السكن، والراحة وقت الراحة، يغير الإنسان فيه مطعمه ومشربه ونومه، يخلف فيه أهلا ومالا ووطنا وأصحابا ومن يعز عليه فراقه، يحمل فيه بين جوانحه هم ما يقصده من مجهول مكسب أو خسارة، وما قد يتعرض له في رحلته من أخطار، ومن نوائب الدهر، ومن مجهول الزمان والمكان والمتعاملين، فما أشق السفر على النفس وعلى البدن، وما أصعبه على المقيم الآمن القانع.
رخص الله الفطر في رمضان للمسافر، ورخص له الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء، وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، ورسم للمسافر آدابا في ذهابه وغيابه وعودته، آدابا تراعي حقوقه، وحقوق المتعاملين معه، والمحيطين به، وتوابعه، حتى توابعه من الحيوان.
стр. 4305
إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضى به، ويعين عليه، فإذا ركبتم في سفركم دابة فارفقوا بها، طعاما وشرابا وراحة سير، فإذا كانت الأرض في طريقكم مخضرة وكلأ مباحا فأعطوا دوابكم حظها من الطعام والشراب، وقللوا بها السير لترعى، وإذا كانت الأرض جدباء فأسرعوا السير في حدود طاقة دوابكم، لتصلوا مقصدكم قبل أن ينهكها الجوع والعطش وطول السير.
فإذا أردتم النزول ليلا للنوم والراحة فلا تضربوا منازلكم في طريق الناس، وانحرفوا عن الطريق إلى الأرض المجاورة الصالحة للنزول، فإن الطرق في أواخر الليل يسعى إليها الزواحف السامة المؤذية والسباع المتوحشة، لتلتقط منها ما عساه يتخلف عن المسافرين من مأكول، فالنوم في طريق الناس آخر الليل يضيق على الناس، ويعرضكم للأذى.
وإذا قضى أحكم حاجته التي سافر من أجلها فليعجل العودة إلى أهله، ليتخلص من عذاب السفر، وليريح أهله ومن غاب عنهم من آلام غيبته.
وإذا رجع مسافركم إلى بلد إقامته فلا يفاجئ أهله بالوصول بعد طول غيبة، بل يخطرهم بموعد وصوله قبل الوصول بزمن تستعد فيه الزوجة للقائه بما ينبغي له من النظافة والزينة، حتى لا يرى ما يكره، وحتى لا تنفر نفسه من أهله، ولئلا يرى شيئا يريب، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فنعم الإسلام ونعم آداب الإسلام في الحل والترحال.
-[المباحث العربية]-
(إذا سافرتم في الخصب) بكسر الخاء وسكون الصاد، وهو كثرة العشب والمراعي، وهو ضد الجدب، يقال: خصب المكان، بكسر الصاد يخصب بفتحها، وأخصب المكان، وأخصب الله المكان، فالمكان خصب وخصيب، والمعنى إذا سافرتم بالإبل في أرض كثيرة المرعى.
(فأعطوا الإبل حظها من الأرض) في رواية أبي داود "فأعطوا الإبل حقها" أي فقللوا السير واتركوا الإبل ترعى في بعض النهار، وأثناء السير، فتأخذ حظها من الأرض، بما ترعاه منها.
(وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير) المراد بالسنة هنا القحط، وهي بفتح السين والنون، وجمعها سنون وسنوات، ومنه قوله تعالى ﴿ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين﴾ [الأعراف: ١٣٠] أي بالقحط، أي إذا سافرتم بالإبل في الجدب والقحط فعجلوا السير، وفي الرواية الثانية "وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها" بكسر النون وسكون القاف، وهو المخ، مخ العظم، والنقو بكسر النون وفتحها كل عظم ذي مخ، والجمع أنقاء، أي إذا سافرتم بالإبل في أرض جدبة فأسرعوا السير، لتحتفظوا بمخ عظامها، وتصلوا إلى المقصد وفيها بقية من قوتها، فتقليل السير بها في الأرض الجدبة يلحقها الضرر، لأنها لا تجد ما ترعاه، ويطول بها الزمن، فتضعف، ويذهب نقيها ومخ عظامها، وربما كلت وتعبت وتوقفت، فعليكم بالرفق، وقد جاء صدر هذا الحديث عند مالك في الموطأ بلفظ "إن الله
стр. 4306
تبارك وتعالى رفيق يحب الرفق ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم، فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جدبة فانجوا عليها ببقيها" أي اطلبوا السرعة من تلك الأرض بسرعة السير عليها مادامت الإبل بنقيها وشحمها.
(وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق) قال أهل اللغة: التعريس النزول في أواخر الليل للنوم والراحة، هذا قول الخليل والأكثرين، وقال بعضهم: هو النزول، أي وقت كان، من ليل أو نهار، ويقال: أعرس المسافرون، وعرسوا بتشديد الراء، إذا نزلوا للراحة آخر الليل، وهو المراد هنا.
(فإنها مأوى الهوام بالليل) الهوام بتشديد الميم جمع هامة، وهي كل ذي سم يقتل سمه وتطلق على الدابة، أي لا تضربوا خيامكم في آخر الليل على الطريق، لأن الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق، لسهولتها، ولتلتقط منها ما يسقط من المسافرين من مأكول ونحوه، وما تجد فيها من رمة وبقايا لحم، فإذا عرس الإنسان في الطريق ربما مر به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد في نزوله عن الطريق، وفي رواية أبي داود "وإذا أردتم التعريس فتنكبوا عن الطريق" أي اجتنبوه، يقال: نكب عنه بفتح النون والكاف ينكب بضم الكاف نكبا بسكونها إذا مال عنه واعتزله، وتنكب فلان فلانا، إذا أعطاه منكبه وأعرض عنه.
(السفر قطعة من العذاب) أي جزء منه، والمراد من العذاب الألم الناشئ عن المشقة.
(يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه) أي يمنعه كما لها ولذيذها، لا أصلها، فعند الطبراني "لا يهنأ أحدكم بنومه ولا طعامه ولا شرابه" والجملة تعليل لما قبلها، أي استئناف تعليلي، كأنها جواب عن سؤال بلفظ "لم"؟ وقد جاء بصيغة التعليل في رواية سعيد المقبري، ولفظها "السفر قطعة من العذاب، لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه" وعند ابن عدي "وأنه ليس له دواء إلا سرعة السير". وذلك لما في السفر من المشقة والتعب، ومقاساة الحر والبرد والسير بالليل، والخوف على الأموال والأهل، ومفارقة الوطن والأصحاب، ومألوف الراحة.
(فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله) "نهمته" بفتح النون وسكون الهاء، أي حاجته "من وجهه" أي من مقصده، وعند ابن عدي "إذا قضى أحدكم وطره من سفره" وفي رواية "فإذا فرغ أحدكم من حاجته" وفي رواية "فليعجل الرجوع إلى أهله" وفي رواية "فليعجل الكرة إلى أهله" وفي رواية "فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه أعظم لأجره" والمقصود تعجيل الرجوع إلى الأهل بعد قضاء الشغل، ولا يتأخر بما ليس له بمهم.
(كان لا يطرق أهله ليلا) أي في الليل.
(وكان يأتيهم غدوة أو عشية) أي أول النهار، أو آخره، أوائل الليل، والعشى والعشية من الزوال إلى المغرب، أو من صلاة المغرب إلى العتمة، ولهذا فسر قوله في الرواية الخامسة "أمهلوا حتى ندخل ليلا" بقوله: أي عشاء. قال أهل اللغة: الطروق بضم الطاء المجيء بالليل من سفر أو غيره على
стр. 4307
غفلة، ويقال لكل آت بالليل طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازا، وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق، لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقا، لأنه يحتاج غالبا إلى دق الباب، وقيل: أصل الطروق السكون، ومنه أطرق رأسه، فلما كان الليل يسكن فيه سمي الآتي فيه طارقا، وأيا كان أصل الطروق فالمراد به هنا الدخول على الأهل بغتة على غفلة بعد غيبة، ففي الرواية السابعة نهى رسول الله ﷺ "إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقا" قال الحافظ ابن حجر: والتقييد بطول الغيبة يشير إلى علة النهي، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلا نهارا، ويرجع ليلا، لا يتأتى له ما يحذر، من الذي يطيل الغيبة، كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يهجم بعد طول الغيبة غالبا ما يكره، إما أن يجد أهله على غير أهبه، من التنظف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع يحرص على الستر، وإلى ذلك أشار بقوله "يتخونهم ويتطلب عثراتهم" فعلى هذا من أعلم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا، مثلا، لا يتناوله هذا النهي، وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه، ثم ساق حديث ابن عمر، قال: قدم النبي ﷺ من غزوة، فقال: "لا تطرقوا النساء، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون".
وضمير الجمع في "كان يأتيهم" للأهل، وكان حقه أن يقول "كان يأتيهن" ولعله غلب عليهن جماعة الذكور، كقوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
(كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة) يقال: مشط الشعر بفتح الشين، يمشط بضمها، إذا رجله، ويقال: مشطت الماشطة المرأة إذا سرحت شعرها بالمشط، وامتشطت المرأة، أي مشطت شعرها. و"الشعثة" بفتح الشين وكسر العين وفتح الثاء التي تغير شعرها واتسخ وتلبد، والاستحداد استفعال، من استعمال الحديدة، وهي الموسى، أي الحلق بآلة حادة، و"المغيبة" بضم الميم وكسر الغين التي غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة إذا غاب عنها زوجها، فهي مغيب ومغيبة، والمراد أن تزيل المرأة التي غاب عنها زوجها شعر سوأتيها بأية طريقة، استعدادا لزوجها.
(يتخونهم أو يلتمس عثراتهم) أي يكتشف هل خانوا؟ أم لا؟ شكا فيهم، أو ظنا سيئا بهم، وفي رواية "أو يطلب عثراتهم" والعثرات بفتح العين والثاء جمع عثرة، وهي الزلة، وعند أحمد "لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".
وكان الظاهر أن يقول "يتخونهن، أو يلتمس عثراتهن" بضمير غيبة جماعة الإناث، لكن الوارد في الصحيح بضمير جمع الذكور الغائبين، وله توجيهه، لكن قال ابن التين: الصواب بالنون فيهما.
وهذه الجملة مختلف في رفعها، قيل: مدرجة، وقيل مرفوعة، لذا شك سفيان في رفعها، كما جاء في ملحق الرواية الثامنة.
стр. 4308
-[فقه الحديث]-
في هذه الأحاديث جملة من آداب السفر، وهي:
١ - استحباب تعجيل الرجوع إلى الأهل، بعد قضاء المصلحة، فالسفر غالبا فيه مشقة وخشونة عيش، ومقاساة شدائد، وبعد عن الأهل والمال والأوطان.
وقد ذكر البخاري حديث "السفر قطعة من العذاب" في أواخر أبواب الحج والعمرة، قال ابن المنير: أشار البخاري بذلك إلى أن الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لا يخفى، لكن يحتمل أن يكون البخاري أشار بإيراده في الحج إلى حديث عائشة، بلفظ "إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله".
قال الحافظ: وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، لما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات، والقوة على العبادة.
قال ابن بطال: ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعا "سافروا تصحوا" فإنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة، أن لا يكون قطعة من العذاب، لما فيه من المشقة، فصار كالدواء المر، المعقب للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة.
واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني، لأنه قد أمر بتعذيبه، والسفر من جملة العذاب، قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه.
٢ - وفي الرواية الأولى والثانية جملة من آداب السير والنزول، والحث على الرفق بالدواب، ومراعاة مصلحتها، وفي معنى ذلك السيارات ونحوها.
٣ - وفي الرواية الرابعة وما بعدها أنه يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلا بغتة، لتتأهب له ولئلا يرى منها ما يكره، وفي ذلك الحث على التواد والتحاب، خصوصا بين الزوجين، لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين، مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهي عن الطروق ليلا، لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأولى.
قال الحافظ: ويؤخذ منه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة ليس داخلا في النهي عن تغيير الخلقة.
قال: وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب ظن السوء بالمسلم.
والله أعلم.
стр. 4309
كتاب الصيد والذبائح
стр. 4310
(٥٣٨) باب الصيد بالكلاب المعلمة
٤٣٥٦ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة، فيمسكن علي، وأذكر اسم الله عليه. فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل". قلت: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها". قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب. فقال: "إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله".
٤٣٥٧ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ قلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب. فقال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها، فلا تأكل".
٤٣٥٨ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض؟ فقال: "إذا أصاب بحده فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتل، فإنه وقيذ فلا تأكل" وسألت رسول الله ﷺ عن الكلب؟ فقال: "إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل، فإن أكل منه، فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه" قلت: فإن وجدت مع كلبي كلبا آخر، فلا أدري أيهما أخذه؟ قال: "فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره".
٤٣٥٩ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد المعراض؟ فقال ما أصاب بحده فكله، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ"، وسألته عن صيد الكلب؟ فقال: ما أمسك عليك ولم يأكل منه، فكله، فإن ذكاته أخذه،
следующие страницы →