← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

مهري، فأسلم، فكان ذلك مهرها، وكان أبو طلحة يرمي بين يدي النبي ﷺ يوم أحد، ويقول له: نحري دون نحرك يا رسول الله، وتوفي سنة أربع وثلاثين. وكانت أم سليم تغزو مع رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ يزورها، فتتحفه بالشيء تصنعه له، وكان أنس ابنها ربيب أبي طلحة خادم رسول الله ﷺ لعشر سنين، طلبت أمه من رسول الله ﷺ أن يدعو له، فدعا له بالزيادة في ماله وولده، فيروى عنه أنه كان يقول: دفنت من صلبي مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، أقام بعد النبي ﷺ بالمدينة، وشهد الفتوح، وقطن البصرة، ومات بها سنة تسعين، وهو آخر الصحابة موتاً ﵃ أجمعين. قال الحافظ ابن حجر: وقد اتفقت الطرق على أن الحديث المذكور من مسند أنس، وقد وافقه على ذلك أخوه لأمه عبد الله بن أبي طلحة، فرواه مطولاً عن أبيه، أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن، وأوله "عن أبي طلحة، قال: دخلت المسجد، فعرفت في وجه رسول الله ﷺ الجوع ... " الحديث. (قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً، أعرف فيه الجوع) هكذا في الرواية السادسة، وبقيتها فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها -أي الطرحة التي كانت تغطي وجهها وصدرها بها -فلفت الخبز ببعضه- أي ولفته بالخمار - ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه -أي وردت ثوبي علي- وعند البخاري "ولاثتني ببعضه" أي لفتني به، أي لفت بعضه على رأسه، وبعضه على إبطه، يقال: لاث العمامة على رأسه، أي عصبها. ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ جالساً في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم -أي وقفت أمامهم- فقال رسول الله ﷺ : أرسلك أبو طلحة؟ قال: فقلت: نعم. فقال: ألطعام؟ فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: قوموا .... ". وفي الرواية السابعة عن أنس قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، لأدعوه، وقد جعل طعاماً، قال: فأقبلت، ورسول الله ﷺ مع الناس، فنظر إلي، فاستحييت، فقلت: أجب أبا طلحة. فقال للناس: قوموا ... ". وفي الرواية الثامنة "أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع للنبي ﷺ ، طعاماً لنفسه خاصة، ثم أرسلني إليه ... الحديث كالسابق. وفي الرواية العاشرة "عن أنس قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ مضطجعاً في المسجد، يتقلب ظهراً لبطن، فأتى أم سليم، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ مضطجعاً في المسجد، يتقلب ظهراً لبطن، وأظنه جائعاً ... الحديث كالسابق. وفي الرواية الحادية عشرة "عن أنس بن مالك قال: جئت رسول الله ﷺ يوماً، فوجدته جالساً مع أصحابه، يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة على حجر .... فذهبت إلى أبي طلحة، فقلت: يا أبتاه ... فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل عندك شيء؟ فقالت: نعم. عندي كسر من خبز، وتمرات .... ". قال الإمام النووي: اعلم أن أنساً ﵁ روى هنا حديثين: الأول من طريق، والثاني من طريق، وهما

стр. 4552

قضيتان، جرت فيهما هاتان المعجزتان -تكثير الطعام القليل، وعلمه ﷺ بأن الطعام القليل سيكثر -ففي الحديث الأول أن أبا طلحة وأم سليم ﵄ أرسلا أنساً ﵁ إلى النبي ﷺ بأقراص شعير .... إلى آخر ما ذكر في الرواية السادسة، وأما الحديث الآخر ففيه أن أنساً قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه ... " ثم ساق روايتنا السابعة. ثم قال: وهذا الحديث قضية أخرى بلا شك، وفيها ما سبق في الحديث الأول وزيادة. اهـ وكذلك يميل الحافظ ابن حجر: إلى تعدد القصة، فيقول بعد أن ذكر روايات مسلم، وزاد عليها رواية أحمد "إن أبا طلحة رأى رسول الله ﷺ طاوياً" ورواية أبي يعلى "إن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله ﷺ طعام، فذهب، فأجر نفسه بصاع من شعير، ثم جاء به" ورواية أبي نعيم "جاء أبو طلحة إلى أم سليم، فقال: أعندك شيء، فإني مررت على رسول الله ﷺ ، وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط على بطنه حجراً من الجوع" يقول: ولا منافاة بين ذلك، لاحتمال أن تكون القصة تعددت، ويدل على التعدد ما بين العصيدة [الواردة في البخاري، بلفظ "أن أم سليم عمدت إلى مد من شعير، جشته -أي جعلته جشيشاً، دقيقاً غير ناعم- وجعلت منه خطيفة -وهي العصيدة، وزناً ومعنى- وعصرت عكة عندها .... الحديث] والخبز المفتوت، الملتوت بالسمن، من المغايرة. اهـ وفي النفس من تعدد القصة شيء، فالمسجد الوارد في الرواية السادسة وفي الرواية العاشرة المراد به الموضع الذي أعده النبي ﷺ للصلاة فيه، حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق، كما يقول الحافظ ابن حجر. وكون القوم ثمانين، ودخلوا عشرة عشرة، دون اختلاف في ملابسات وصولهم يبعد التعدد. ثم إن الجمع ممكن وسهل، فكون الرائي لأعراض الجوع أبا طلحة أو أنساً لا يلزمه التنافي، فقد يكون كل منهما قد رأى، وكل منهما قد أخبر. وكون أنس ذهب بكسر الخبز، وعاد به لا ينافي ما حصل بعد وصول النبي ﷺ من فته، ولته بالسمن. وكون أم سليم قدمت خبزاً مفتوتاً، أو عصيدة، فيمكن أن تكون قد جمعت بينهما، وأن الخبز الكسر المرسل مع أنس هو الذي فت، وأنها لما رأت الناس طحنت الدشيش وطبخته عصيدة. والتشابه في الأحداث يرجح عدم التعدد. والله أعلم. (فقمت عليهم) سياق الكلام أن أبا طلحة وأم سليم أرسلا الخبز مع أنس، ليأخذه النبي ﷺ ، فيأكله، فلما وصل أنس، ورأى كثرة الناس حول النبي ﷺ استحيا، وظهر له أن يدعو النبي ﷺ ، ليقوم معه وحده إلى المنزل، فيحصل مقصودهم من إطعامه، ويحتمل أن يكون ذلك تخطيطاً ممن أرسله، وأنهما قالا له: إن رأيت كثرة الناس فادع النبي ﷺ وحده، خشية أن لا يكفيهم الخبز الذي يحمله، وقد عرفوا إيثار النبي ﷺ ، وأنه لا يأكل وحده، فلما رأى كثرة الناس دعاه.

стр. 4553

(آرسلك أبو طلحة؟ ) بهمزة ممدودة للاستفهام. (فانطلق، وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته) في رواية "فقال للقوم: انطلقوا. فانطلقوا، وهم ثمانون رجلاً" وفي أخرى "فلما قلت له: إن أبي يدعوك، قال لأصحابه: يا هؤلاء. تعالوا، ثم أخذ يدي، فشدها، ثم أقبل بأصحابه، حتى إذا دنوا -أي من منزل أبي طلحة- أرسل يدي، فدخلت، وأنا حزين، لكثرة من جاء معه". (فقالت: الله ورسوله أعلم) كأنها عرفت أنه فعل ذلك عمداً، ليظهر الكرامة في تكثير ذلك الطعام، أي إنه عرف الطعام ومقداره، فهو أعلم بالمصلحة، فلو لم يعلمها في مجيء الجمع العظيم لم يفعلها فلا تحزن يا أبا طلحة. (فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ أي فانطلق إلى خارج الدار، ليتلقى رسول الله ﷺ وصحبه، وفي رواية "فاستقبله أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، ما عندنا إلا قرص، عملته أم سليم" وفي رواية "إنما صنعت لك شيئاً" وفي روايتنا التاسعة "يا رسول الله إنما كان شيء يسير" وفي رواية "فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنما أرسلت أنساً يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى. يا رسول الله. إنما هو قرص؟ فقال رسول الله ﷺ : ادخل، فإن الله سيبارك فيما عندك". (هلمي ما عندك يا أم سليم) في بعض الروايات "هلم" وهو في لغة الحجاز لا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع، أي هات ما عندك. (وعصرت عليه أم سليم عكة لها) "العكة" بضم العين وتشديد الكاف، إناء من جلد، مستدير، يجعل فيه السمن غالباً، وفي رواية "فقال: هل من سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العكة سمن، فجاء بها، فجعلا يعصرانها، حتى خرج، ثم مسح رسول الله ﷺ به سبابته، ثم مسح القرص، فانتفخ. (فأدمته) بمد الهمزة وقصرها، لغتان، وضمير الفاعل لأم سليم، أي جعلت فيه إداماً. (ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول) في الرواية السابعة "فمسها رسول الله ﷺ ، ودعا فيها بالبركة" وفي رواية "ثم قال: بسم الله. اللهم أعظم فيها البركة". (ثم قال: ائذن لعشرة) ظاهره أنه ﷺ دخل منزل أبي طلحة وحده، وهو كذلك، وقد صرح به في رواية، ولفظها "فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الباب قال لهم: اقعدوا، ودخل". (وإنما أذن لعشرة عشرة فقط) لأن لا يتصور أن يتحلق حول القصعة أكثر من هذا العدد، فكان بهذا أرفق بهم، لئلا يبعد بعضهم عن القصعة. (ثم هيأها، فإذا هي مثلها حين أكلوا منها) أي حين بدءوا الأكل منها، ومعنى "هيأها"

стр. 4554

أي هيأ القصعة، وجمع ما على جدرانها من طعام، وفي ملحق الرواية السابعة "ثم أخذ ما بقي، فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة، فعاد كما كان، فقال -لأبي طلحة وأم سليم وأنس- دونكم هذا" أي خذوا هذا، فكلوا. (ثم أكل النبي ﷺ بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤراً) أي بقية، وفي ملحق الرواية التاسعة "ثم أكل رسول الله ﷺ ، وأكل أهل البيت، وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم" وفي الرواية العاشرة "ثم أكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة وأم سليم وأنس بن مالك، وفضلت فضلة، فأهديناه لجيراننا". (إن خياطاً) في رواية أنه كان غلام النبي ﷺ ، ولفظها عن أنس "إن مولى لي خياطاً دعاه". (دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه) فكان الطعام -كما في الرواية- خبزاً من شعير، ومرقاً فيه دباء وقديد" والدباء بضم الدال وتشديد الباء ممدودة، ويجوز القصر وأنكره القرطبي، وهو القرع -وقيل: خاص بالمستدير منه، وهو اليقطين أيضاً، واحده دباة ودبة ودباءة. (فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام) عند ابن ماجه بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: "بعثت معي أم سليم بمكتل، فيه رطب، إلى رسول الله ﷺ ، فلم أجده، وخرج قريباً إلى مولى له دعاه، فصنع له طعاماً، فأتيته وهو يأكل، فدعاني، فأكلت معه، قال: وصنع له ثريدة بلحم وقرع، فإذا هو يعجبه القرع، فجعلت أجمعه، فأدنيه منه" قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين قوله في هذه الرواية "فلم أجده" وبين حديث الباب "ذهبت مع رسول الله ﷺ " بأنه أطلق المعية باعتبار ما آل إليه الحال، ويحتمل تعدد القصة على بعد. (فرأيت رسول الله ﷺ يتبع الدباء من حوالي الصحفة) "حوالي" بفتح اللام وسكون الياء، أي جوانب، يقال: رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه، واللام مفتوحة في الجميع، ولا يجوز كسرها. -[فقه الحديث]- يمكن حصر فقه الحديث في هذا الباب في أربع نقاط: ١ - الضيف يتبعه شخص لم يدع، ماذا على الضيف؟ وماذا على الداعي؟ صاحب الطعام؟ . ٢ - ما كان عليه الرسول ﷺ من ضيق الحال، والكرم. ٣ - تكثير الطعام، كمعجزة حسية لرسول الله ﷺ . ٤ - ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام والحكم. وهذا هو التفصيل:

стр. 4555

١ - أما النقطة الأولى فقال النووي: إن المدعو إذا تبعه رجل، بغير استدعاء، ينبغي له أن لا يأذن له، وينهاه، وإذا بلغ باب دار صاحب الطعام أعلمه به، ليأذن له، أو يمنعه، وأن صاحب الطعام يستحب له أن يأذن له، إن لم يترتب على حضوره مفسدة، بأن يؤذي الحاضرين، أو يشيع عنهم ما يكرهونه، أو يكون جلوسه معهم مزرياً بهم، فإن خيف من حضوره شيء من هذا لم يأذن له، وينبغي أن يتلطف في رده، ولو أعطاه شيئاً من الطعام كان حسناً، إن كان يليق به، ليكون رداً جميلاً. اهـ وهذه قضية الرواية الأولى، وقد أخذ منها الحافظ ابن حجر: أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه. كما أخذ منها أن من قصد التطفيل لم يمنع ابتداء، لأن الرجل تبع النبي ﷺ فلم يرده، لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له. قال: وينبغي أن يكون هذا الحديث أصلاً في جواز التطفيل، لكن يقيد بمن احتاج إليه، وقد جمع الخطيب في أخبار الطفيليين جزءاً، فيه عدة فوائد، منها أن الطفيلي منسوب إلى رجل يقال له: طفل، من بني عبد الله بن غطفان، كثر منه الإتيان إلى الولائم بغير دعوة، فسمي طفيل العرائس، فسمي من اتصف بعد بصفته طفيلياً. ثم قال الحافظ: واستدل به على منع استتباع المدعو غيره -أي عدم دعوة المدعو لغيره ليصحبه- إلا إذا علم من الداعي الرضا بذلك. اهـ وهذا المأخذ غير واضح من الحديث، فإن الرواية الأولى ليس فيها استتباع، ولا منع استتباع، ولا يؤخذ من عدم الفعل المنع لكن قد يؤخذ من الرواية الثانية إذ منع ﷺ من الاستتباع، فأقره والتزم به، على أن قصة جابر وأبي طلحة والخياط لا تؤيد هذا المأخذ، إلا أن يقال: إن دعوة النبي ﷺ لغيره في هذه الأحاديث كانت دعوة لما صار حقاً له، واستدل به على أن الطفيلي يأكل حراماً، وقد روي عن ابن عمر مرفوعاً "من دخل بغير دعوة دخل سارقاً، وخرج مغيراً" وهو حديث ضعيف، رواه أبو داود، وقال الشافعية: لا يجوز التطفيل، إلا لمن كان بينه وبين صاحب الدار انبساط. اهـ وينبغي أن يقيد بما إذا قبله صاحب الدار بقبول حسن. أما الرواية الثانية ففيها أن الداعي لم يأذن لمن أراد المدعو استصحابه، وهذا حقه فقد لا يكفي طعامه غير المدعو، فيحرج، وقد يتكره صاحب الدار دخوله، استثقالاً له، أو لأمر ما، ولم يستخدم جابر وطلحة هذا الحق، إما لأنهما علما بركة النبي ﷺ ورجواها، وإما لأن بينهما وبين النبي ﷺ من المودة والإجلال له ما يمنعهما من ذلك، لكن هل من حق المدعو لوليمة أن يمتنع من الإجابة، إذا امتنع الداعي من الإذن لمن أراده المدعو؟ ظاهر الحديث أن له ذلك، لكن الحافظ ابن حجر يقول: ليس له أن يمتنع، ويجيب عن هذه الرواية بأن الدعوة لم تكن لوليمة، وإنما صنع الفارسي طعاماً، قال: ويستحب للداعي أن يدعو خواص المدعو، كما في قصة اللحام، بخلاف الفارسي، فلذلك امتنع من الإجابة إلا أن يدعوها. ٢ - أما عن النقطة الثانية -ما كان عليه ﷺ وأصحابه من الضيق في الرزق-

стр. 4556

فإن الرواية الثالثة ظاهرة في ذلك، وأنهم ابتلوا بالجوع وضيق العيش في أوقات، قال النووي: وقد زعم بعض الناس أن هذا كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم، وهذا زعم باطل، فإن راوي الحديث أبو هريرة، ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر. فإن قيل: لا يلزم من كونه رواه أن يكون أدرك القضية، فلعله سمعها من النبي ﷺ أو غيره؟ فالجواب أن هذا خلاف الظاهر، ولا ضرورة إليه، بل الصواب خلافه، وأن رسول الله ﷺ لم يزل يتقلب في اليسار والقلة حتى توفي ﷺ ، فتارة يوسر، وتارة ينفد ما عنده، كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة "خرج رسول الله ﷺ من الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير" وعن عائشة "ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام ثلاث ليال تباعاً، حتى قبض "و" توفي ﷺ ودرعه مرهونة على شعير، استدانه لأهله" وغير ذلك مما هو معروف، فكان النبي ﷺ في وقت يوسر، ثم بعد قليل ينفد ما عنده، لإخراجه في طاعة الله من وجوه البر، وإيثار المحتاجين، وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك. وهكذا كان خلق صاحبيه ﵄ بل أكثر أصحابه، وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار ﵃ مع برهم له ﷺ ، وإكرامهم إياه، وإتحافهم له بالطرف وغيرها، ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان، لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت، بإيثاره به غيره، ومن علم ذلك منهم ربما كان ضيق الحال مثله، في ذلك الوقت، كما جرى لصاحبيه، ولا يعلم أحد من الصحابة، علم حاجة النبي ﷺ ، وهو متمكن من إزالتها إلا بادر إلى إزالتها، لكن كان ﷺ يكتمها عنهم، إيثاراً لتحمل المشاق، وحملا عنهم، وأشباه هذا كثير في الصحيح مشهور. اهـ ومن هذا الصحيح المشهور "كان فراش رسول الله ﷺ من أدم -جلد مدبوغ- حشوه ليف" وروايتنا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعاشرة والحادية عشرة، وعند البخاري عن أنس "لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات، وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات" وعند البيهقي "ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه". وادعى ابن حبان أن النبي ﷺ لم يكن يجوع، واحتج بحديث "أبيت يطعمني ربي ويسقيني" وتعقب بالحمل على تعدد الحال، فكان يجوع أحياناً، ليتأسى به أصحابه، ولاسيما من لا يجد مدداً، ويتألم ويصبر، ويحتسب، فيضاعف له الأجر. والحق أن هذا الزهد من النبي ﷺ إنما كان لدفع طيبات الدنيا اختياراً لطيبات الحياة الدائمة، قال ابن بطال: المال يرغب فيه للاستعانة به على الآخرة، فلم يحتج النبي ﷺ إلى المال من هذا الوجه، فزهده ﷺ لا يدل على تفضيل الفقر على الغنى، بل يدل على فضل القناعة والكفاف وعدم التبسط في ملاذ الدنيا. اهـ نعم جاء في الصحيحين "أنه كان ﷺ إذا جاءه ما فتح الله به عليه من خيبر وغيرها، من تمر وغيره، يدخر قوت أهله سنة، ثم يجعل ما بقي عنده عدة في سبيل الله تعالى" ثم كان مع ذلك يطرأ عليه الطارئ، فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عند أهله.

стр. 4557

وقد أخذ رسول الله ﷺ آل بيته وأزواجه بهذه السياسة، فعند البخاري عن عائشة ﵂، قالت: "لقد توفي رسول الله ﷺ ، وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد -أي حيوان- إلا شطر شعير، في رف لي، فأكلت منه، حتى طال علي، فكلته، ففني". وعنها ﵂ "كان يأتي علينا الشهر، ما نوقد فيه ناراً، إنما هو التمر والماء، إلا أن نؤتى باللحيم" وفي رواية لها "إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم، فيسقيناه". أما أصحابه ﵃ فقد سمعوا منه قوله تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥] أي تشغل البال عن الطاعة والقيام بحق الله، وقوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين* فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون* فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ [التوبة: ٧٥ وما بعدها] وقوله تعالى ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾ [آل عمران: ١٤] وقوله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون﴾ [هود: ١٥] وقوله تعالى ﴿ألهاكم التكاثر* حتى زرتم المقابر﴾ [التكاثر: ١، ٢] وقوله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] وقوله تعالى ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين* نسارع لهم في الخيرات﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] أي أيظنون أن المال الذي نرزقهم إياه، لكرامتهم علينا، إن ظنوا ذلك أخطئوا، بل هو استدراج ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ [آل عمران: ١٧٨] وسمعوا من رسول الله ﷺ قوله "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض" يدعو ﷺ على الجامع للمال، القائم على حفظه، المتكالب على الاستيلاء عليه من حله ومن غير حله، المستميت في السعي وراءه، الخادم له، كأنه عنده، يدعو صلى الله عليه وسلم على من هذه حاله بالتعاسة، نقيضاً لقصده، وقوله ﷺ "إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال" وقوله ﷺ "إن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم" وقوله ﷺ "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" وقوله لأبي ذر: يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم. قال: وترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب: أي ليس الغنى حقيقة كثرة المال، لأن كثيراً ممن وسع الله عليهم في المال لا يقنعون بما أوتوا، فهم يجتهدون في الاستزادة، ولا يبالون من أين يأتيهم، فكأنهم فقراء، لشدة حرصهم، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو الذي استغنى بما أوتي، وهو الذي قنع ورضي، ولم يلح في الطلب، فكأنه غني، وإن الغنى النافع العظيم الممدوح هو غنى النفس، فإن الإنسان إذا

стр. 4558

استغنت نفسه عظم في داخله أكثر من الغني الذي هو فقير النفس، فإن فقر نفسه يورطه في كثير من رذائل الأمور، يبيع آخرته بدنياه، بل بدنيا غيره، فيكثر من يذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير، وهو يملك المال، وأذل من كل ذليل وإن امتلأت خزائنه. ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة الفقر فالذي فعل الفقر أي الذي فعله هو الفقر. وسمعوا قوله ﷺ "اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء؟ وذلك لأن كثيراً. من الأغنياء يصابون بالشح، فيمسكون عن الإنفاق في وجوه البر، ويخافون الفقر، فيكثرون من المال، ويقلون من ثواب الآخرة، فكان أغنياء الدنيا قلة في الجنة. سمع الصحابة كل هذه النصوص، ففهمها بعضهم على أنها ذم للمال وللغنى، وأنها إنذار بخطر التكالب على الدنيا وزينتها، فآثر الزهد والتقشف وشظف العيش، من هؤلاء مصعب بن عمير، استشهد يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة مرقعة، إذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه بدت رأسه، فأمرهم النبي ﷺ أن يغطوا بها رأسه، وأن يجعلوا على رجليه الإذخر، هذا الفتى كان من أنعم فتيان مكة، غنى ونعومة ومتعة وهناء، آثر الإسلام وترك كل هذا النعيم، يقول علي ﵁: بينما نحن في المسجد إذ دخل علينا مصعب بن عمير، وما عليه إلا بردة له، مرقوعة بفروة، فبكى رسول الله ﷺ لما رآه، للذي كان فيه من النعيم، والذي هو فيه اليوم" أخرجه الترمذي. وربما كان كثير من الصحابة زاهدين بالضرورة وواقع الأمر قبل الفتوح، فقراء لا عن قدرة على الغنى، لكن بعضهم بعد الفتوح، وبعد اتساع الأرزاق وسهولتها آثر الزهد على الغنى، طواعية، وأعرض عن المال وادخاره، وإن جاءه أنفقه في وجوه الخير من أمامه وعن يمينه وشماله ومن خلفه، فهذه عائشة ﵂ جاءها عطاء عمر ﵁ في غرارة، عشرة آلاف، فقالت ما هذا؟ قالوا: عطاؤك، بعث لك به عمر، قالت: نقود في غرارة كالتمر؟ قالوا: نعم. قالت لجاريتها: صبيه على الأرض، وأخذت تقبض بيدها القبضة وتبعث بها إلى آل فلان، والقبضة إلى فلانة، حتى لم يبق منه شيء، فقالت لها جاريتها: ما أبقيت لنا ما نفطر به ونحن صائمتان؟ قالت: لو ذكرتني لفعلت. ومن هؤلاء الزاهدين اختيار عمر ﵁، وزهده وهو خليفة المسلمين يضرب به المثل، وأبو ذر ﵁ ورأيه في كنز المال مشهور، وقصته مع معاوية معروفة، ومن هؤلاء أيضاً كثير من أهل الصفة. الفريق الثاني من الصحابة فهم من هذه النصوص التحذير من خطر جمع المال من غير حله، والتحذير من خطر إنفاقه في غير وجهه، واستشعر قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]؟ فتبسط في بعض المباحات، من كثرة النساء والسراري والخدم والملابس والمساكن والأطعمة والضياع، مع القيام بحق الله تعالى فيها، وعدم التغالي في الانشغال بها، كابن عمر ﵁، ومنهم من استكثر من المال

стр. 4559

بالتجارة وغيرها، مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة كعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص ﵃. أمام هذه النصوص، وأمام اختلاف وجهات النظر في فهمها، وأمام سلوكيات الصحابة والتابعين والسلف الصالح بخصوصها عقد العلماء -وعلى رأسهم البخاري- بابا في الفقر والغنى، أيهما أفضل؟ وأطالوا القول بما لا يتسع له المقام. والخلاصة في نقاط: الأولى: أن نعيم الدنيا محسوب يوم القيامة، فالله تعالى يقول للكافرين آنذاك ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ [الأحقاف: ٢٠] وفي البخاري "عن خباب ﵁ قال: هاجرنا مع النبي ﷺ ، فوقع أجرنا على الله تعالى، فمنا من مضى -أي مات قبل الفتوح- لم يأخذ من أجره شيئاً، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها" أي ومنا من عاش حتى ظهر الغنى وقطفه، أي فالأولون أجرهم كله مدخر لهم يوم القيامة، والآخرون أخذوا من أجورهم الأخروية بقدر ما تنعموا في الدنيا، وأصرح من هذا في المسألة ما رواه مسلم "ما من غازية تغزو، فتغنم وتسلم إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" وقد سبق شرح هذا الحديث في الجهاد، وعند ابن أبي الدنيا، بسند جيد "لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته، وإن كان عند الله كريماً". الثانية: أن نعيم الدنيا مسئول عنه يوم القيامة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ [التكاثر: ٨] وقوله ﷺ في روايتنا الثالثة "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم" وحديث "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله، من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه" فصاحب الدرهم أخف حساباً ومساءلة يوم القيامة من صاحب الدرهمين. الثالثة: أن الحرص على الدنيا، والانشغال بها، والتكالب على جمعها، بما يقلل من الاهتمام بالآخرة، أو بما يضحي بعزة المؤمن وكرامته في سبيلها، ففي الحديث "اطلبوا الرزق بعزة النفس، فإن الأمور تجري بالمقادير" أو بما يدفع إلى التقصير في إنفاقها من الشح والبخل والظلم، أو بما يدفع إلى الطغيان والكبر والخيلاء والغرور. كل ذلك مذموم، فرسول الله ﷺ يقول: "ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت" ورحم الله الشاعر إذ يقول: نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تطوى فيهما وحنوط الرابعة: أن السعي في الرزق، والعمل باليد، وعمارة الأرض إلى أقصى حدود العمارة والحضارة مطلوب شرعاً بدرجة الوجوب، بشرط التوقي من الأخطار المشار إليها سابقاً، فقد كان رسول الله ﷺ يستعيذ من الفقر والدين وغلبة الرجال والعجز والكسل، وعمر ﵁ كان يقول: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا، اللهم قنا شره، وارزقنا أن ننفقه في حقك، وقال الفقراء لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله، ذهب المكثرون بالأجر، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يتصدقون به، فيؤجرون، ولا نتصدق، فقال رسول الله ﷺ : أفلا أدلكم على شيء، إذا فعلتموه لم

стр. 4560

يسبقكم إلا من فعل فعلكم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، فذهبوا، ففعلوا، فرجعوا، فقالوا: يا رسول الله. سمع إخواننا الأغنياء بما أمرتنا، ففعلوا مثل ما فعلنا؟ فقال رسول الله ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". الثالثة: من نقاط فقه الحديث تكثير الطعام والشراب، كمعجزة حسية لرسول الله ﷺ وعنها يقول النووي: في الحديث الدليل الظاهر، والعلم الباهر من أعلام نبوة رسول الله ﷺ ، وقد تظاهرت أحاديث آحاد بمثل هذا، حتى زاد مجموعها على التواتر، وحصل العلم القطعي بالمعنى الذي اشتركت فيه هذه الآحاد، وهو انخراق العادة بما أتى به ﷺ من تكثير الطعام القليل، الكثرة الظاهرة، ونبع الماء، وتكثيره، وتسبيح الطعام، وحنين الجذع، وغير ذلك مما هو معروف، وقد جمع ذلك العلماء في كتب دلائل النبوة، كالدلائل للقفال الشاشي وصاحبه أبي عبد الله الحليمي، وأبي بكر البيهقي الإمام الحافظ، وغيرهم بما هو مشهور، وأحسنها كتاب البيهقي. الرابعة: -[ما يؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: ]- ١ - من الرواية الأولى، من قوله "وكان له غلام لحام جواز الاكتساب بمهنة الجزارة" وأن تعاطي مثل تلك الحرفة لا يضع قدر من يتوقى فيها ما يكره، ولا تسقط بمجرد تعاطيها شهادته. قاله الحافظ ابن حجر، وهذا مسلم، لكن في أخذه من الحديث نظر، فإن كونه عبداً وخادماً لا يفيد أن مثل تلك الحرفة لا تضع قدر من يمتهنها. ٢ - واستعمال العبد فيما يطيق من الصنائع. ٣ - وانتفاع السيد بكسب عبده من تلك الصنائع. ٤ - وأكل الإمام والشريف والكبير من طعام الحرفة غير الرفيعة. ٥ - ومن قوله "فعرف في وجهه الجوع" أن النبي ﷺ كان يجوع أحياناً. ٦ - وفيه الحكم بالقرينة. ٧ - وأن الصحابة كانوا يديمون النظر إلى وجهه، تبركاً به، وكان منهم من لا يطيل النظر في وجهه حياء منه ﷺ . ٨ - وفي دعوة الأنصاري أن من صنع طعاماً لغيره فهو بالخيار بين أن يرسله إليه، أو يدعوه إلى منزله، قاله الحافظ ابن حجر، وفي أخذه من هذا الحديث نظر، نعم فيه صنع الطعام للغير، ودعوته إليه في منزله، أما ما ذكره الحافظ فيمكن أخذه من الرواية السادسة. ٩ - وفي إجابته ﷺ دعوة الأنصاري إجابة الإمام والشريف والكبير دعوة من دونهم. ١٠ - وفي فعل الأنصاري وإقرار النبي ﷺ أن من دعا عدداً معيناً أعد ما يكفيهم، ولا يستند إلى حديث "طعام الواحد يكفي الاثنين" فقد أعد الأنصاري ما يكفي الخمسة وزيادة.

стр. 4561

١١ - ومن استئذان الرسول ﷺ للتابع أن من دعا قوماً متصفين بصفة، ثم طرأ عليهم من لم يكن معهم حينئذ، أنه لا يدخل في عموم الدعوة، وإن قال قوم: إنه يدخل في الهدية، على أساس أن جلساء المرء شركاء له فيما يهدى إليه بصفة، إذا كانوا متصفين بهذه الصفة. ١٢ - ومن قوله "إن هذا اتبعنا" وفي رواية "لم يكن معنا حين دعوتنا" أنه لو كان معهم حالة الدعوة لم يحتج إلى الاستئذان عليه، فيؤخذ منه أن الداعي لو قال لرسوله: ادع فلاناً وجلساءه، جاز لكل من كان جليساً له أن يحضر معه، وإن كان ذلك لا يستحب، أو لا يجب. ١٣ - استدل القاضي عياض بإذن الأنصاري للتابع بالدخول معهم على أنه لا ينبغي أن يظهر الداعي الإجابة، وفي نفسه الكراهة لئلا يطعم من تكرهه نفسه، ولئلا يجمع بين الرياء والبخل وصفة ذي الوجهين. [ظن القاضي عياض أن الأنصاري كان محباً لدخول التابع، ولم يكن إذنه له عن حرج] وتعقب بأنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل فيه مطلق الاستئذان والإذن، ولم يكلف أن يطلع على رضاه بقلبه، قال في شرح الترمذي: وعلى تقدير أن يكون الداعي يكره ذلك، في نفسه، فينبغي له مجاهدة نفسه على دفع تلك الكراهة. ١٤ - وفي قوله "إن هذا اتبعنا" بتعيينه بالإشارة، مع إبهام اسمه نوع من الرفق به، لأن تعيينه قد يكسر خاطره. ١٥ - وأن المدعو لا يمتنع من الإجابة إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض من صحبه. ١٦ - استنبط بعضهم من الحديث أن القوم الذين على مائدة لا يجوز لهم أن يناولوا من مائدة إلى مائدة أخرى، ولكن يناول بعضهم بعضاً في تلك المائدة، أو يتركوا المناولة، لأن النبي ﷺ استأذن الداعي في الرجل الطارئ، وأن الذين دعوا صار لهم بالدعوة عموم إذن بالتصرف في الطعام المدعو إليه، بخلاف من لم يدع، فيتنزل من وضع بين يديه الشيء منزلة من دعي له، أو ينزل الشيء الذي وضع بين يدي غيره منزلة من لم يدع إليه. ١٧ - وفي الحديث مشروعية الضيافة، وتأكد استحبابها لمن غلبت حاجته لذلك. ١٨ - وفيه ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاعتناء بأحوال النبي ﷺ . ١٩ - ومن الرواية الثانية، من قوله "كان طيب المرق" جواز أكل المرق. ٢٠ - ومن عدم إذن الفارسي أنه يجوز للداعي أن يرفض دعوة بعض أصحاب المدعو. ٢١ - وأن المدعو حينئذ له أن يمتنع عن إجابة الدعوة، إذا كان في دعوة بعض أصحابه مصلحة. ٢٢ - وأنه يستحب للداعي أن يدعو بعض خواص المدعو معه، كما فعل الأنصاري، سيد اللحام. ٢٣ - وفي تمسك الرسول ﷺ بدعوة عائشة حسن عشرة، وإظهار مودة. ٢٤ - ومراجعة الرسول ﷺ ثلاثاً، وكان لا يراجع بعد ثلاث.

стр. 4562

٢٥ - ومن الرواية الثالثة من خروجهم بسبب الجوع ابتلاء الأنبياء وكبار الصحابة، واختبارهم بالجوع وغيره من المشاق، ليصبروا، فيعظم أجرهم، وترتفع منازلهم. ٢٦ - ومنه أيضاً الخروج في طلب سبب مباح لدفع الجوع، قال النووي: وهذا من أكمل الطاعات، وأبلغ أنواع المراقبات. ٢٧ - استنبط منها القاضي عياض النهي عن القضاء في حالة الغضب والجوع والهم وشدة الفرح وغير ذلك مما يشغل القلب، ويمنع كمال الفكر. ٢٨ - ومن قوله "وأنا والذي نفسي بيده" جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه، لا على سبيل التشكي وعدم الرضا، بل للتسلية والتصبر، أو التماس دعاء أو مساعدة على إزالة ذلك العارض، فهذا كله ليس بمذموم، وإنما يذم ما كان تشكياً وتسخطاً وتجزعاً. ٢٩ - وفيه جواز الحلف من غير استحلاف. ٣٠ - وفي إتيانهم رجلاً من الأنصار جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به. ٣١ - واستتباع جماعة إلى بيته. ٣٢ - وفيه منقبة للأنصاري، أبي الهيثم، إذ جعله النبي ﷺ أهلاً لذلك، وكفى بذلك شرفاً. ٣٣ - ومن قول الزوجة: مرحباً وأهلاً. استحباب إكرام الضيف بهذا القول وشبهه، وإظهار السرور بقدومه. ٣٤ - ومن سؤالها عن زوجها وإجابتها، جواز سماع كلام الأجنبية، ومراجعتها الكلام للحاجة. ٣٥ - وفيه جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها، لمن علمت علماً محققاً أنه لا يكرهه، بشرط أن لا يخلو بها الخلوة المحرمة. ٣٦ - ومن قولها "ذهب يستعذب لنا من الماء" جواز استطابة الماء بالتبريد ونحوه. ٣٧ - ومن قول الأنصاري "الحمد لله. ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني" استحباب حمد الله تعالى عند حصول نعمة ظاهرة، وكذا يستحب عند اندفاع نقمة متوقعة، وفي غير ذلك من الأحوال. ٣٨ - واستحباب إظهار البشر والفرح بالضيف والثناء عليه في وجهه، وهو يسمع، إن لم يخف عليه فتنة، فإن خاف لم يثن عليه في وجهه، وهذا طريق الجمع بين الأحاديث الواردة في منع الثناء في المواجهة والأحاديث الواردة في جواز ذلك. ٣٩ - وفيه دليل على كمال فضل هذا الأنصاري، وبلاغته، وعظيم معرفته، لأنه أتى بكلام مختصر، بديع في الحسن في هذا الموطن ﵁. ٤٠ - ومن تقديم العزق استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، كذا قال النووي، لكنها واقعة حال، وتقديم الفاكهة هنا حتى يتيسر اللحم والخبز.

стр. 4563

٤١ - وفيه استحباب الإسراع بتقديم ما تيسر للجائع حتى يعد الطعام المناسب. ٤٢ - ومن ذبحه لهم استحباب إكرام الضيف بأشهى الطعام، وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة، لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك، فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئاً يعرف الضيف من حاله أنه يشق عليه، وأنه يتكلفه له، فيتأذى الضيف، لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" لأن أكمل إكرامه إراحة خاطره، وإظهار السرور به، وأما فعل الأنصاري، وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغناماً وإبلاً وأنفق أموالاً في ضيافة رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄ كان مسروراً بذلك، مغبوطاً فيه وسيأتي باب خاص لإكرام الضيف في آخر كتاب الأطعمة والأشربة. ٤٣ - ومن النهي عن ذبح الحلوب كراهة ذبحها، إذا وجد غيرها، ولم تكن هناك حاجة لها، لأن في ذبحها حرماناً لأهل البيت من رزق اللبن. ٤٤ - ومن قوله "فلما أن شبعوا" جواز الشبع، وأما ما جاء في كراهة الشبع فمحمول على المداومة عليه، لأنه يقسي القلب، وينسي أمر المحتاجين، قال القرطبي: وما جاء من النهي عن الشبع محمول على الشبع الذي يثقل المعدة، ويثبط صاحبه عن القيام للعبادة، ويفضي إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التحريم، بحسب ما يترتب عليه من المفسدة وذكر الكرماني تبعاً لابن المنير أن الشبع المذكور محمول على شبعهم المعتاد منهم، وهو أن الثلث للطعام، والثلث للشراب، والثلث للنفس. قال الحافظ: ويحتاج في دعوى أن تلك كانت عادتهم إلى نقل خاص، وإنما ذلك ورد في حديث حسن، أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الحاكم من حديث المقدام بن معد يكرب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن غلب الآدمي نفسه فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس" قال الحافظ ابن حجر: وهل المراد بالثلث التساوي على ظاهر الخبر؟ أو التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة؟ محل احتمال. قال الغزالي في الإحياء، واختلف في حد الجوع على رأيين. أحدهما أن يشتهي الخبز وحده، فمتى طلب الأدم فليس بجائع، ثانيهما أنه إذا وقع ريقه على الأرض لم يقع عليه الذباب، وذكر أن مراتب الشبع تنحصر في سبعة: الأول ما تقوم به الحياة، الثاني أن يزيد حتى يصوم ويصلي عن قيام، وهذان واجبان، الثالث أن يزيد حتى يقوى على أداء النوافل، الرابع أن يزيد حتى يقدر على التكسب، وهذان مندوبان، الخامس أن يملأ الثلث، وهذا جائز، السادس أن يزيد على ذلك، وبه يثقل البدن، ويكثر النوم، وهذا مكروه، السابع أن يزيد حتى يتضرر، وهي البطنة المنهي عنها، وهذا حرام. اهـ ٤٥ - ومن قوله "لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة" قال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحق شكره، قال النووي: والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم، وإعلام

стр. 4564

الامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة. اهـ ولا منافاة بين القولين. ٤٦ - ومن الرواية الخامسة انخراق العادة وتكثير الطعام القليل. ٤٧ - ومن قوله "فجئته فساررته" جواز المساررة بالحاجة بحضرة الجماعة، قال النووي: وإنما نهي أن يتناجى اثنان دون الثالث خشية أن يحزن الثالث، ويظن سوءاً. ٤٨ - ومن دعائه ﷺ أهل الخندق علمه ﷺ بأن هذا الطعام القليل، الذي يكفي في العادة خمسة أنفس أو نحوهم سيكثر، فيكفي ألفاً وزيادة، فدعا له الألف قبل أن يصل إليه، وقد علم أنه صاع شعير وبهيمة. ٤٩ - ومن قوله "وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس" أن النبي ﷺ كان أحياناً يتقدم الناس وأحياناً يمشي آخرهم، وأحياناً يتوسطهم، لأهداف ومصالح، قال النووي: إنما فعل هذا هنا لأنه ﷺ دعاهم، فجاءوا تبعاً له، كصاحب الطعام، إذا دعا طائفة يمشي قدامهم، وكان رسول الله ﷺ في غير هذا الحال لا يتقدمهم، ولا يمكنهم من وطء عقبيه، وفعله هنا لهذه المصلحة. اهـ لكن قوله "لا يمكنهم من وطء قدميه" غير مسلم، فليس هذا هدفاً لرسول الله ﷺ في وقت من الأوقات. ٥٠ - وفي قول امرأة جابر له "بك وبك" ما كانت عليه المرأة الأنصارية من الجرأة على زوجها. ٥١ - وفي قول جابر "قد فعلت الذي قلت: "ما كان عليه جابر من الحلم وحسن معاملة النساء. ٥٢ - وفي أحاديث أنس وأبي طلحة وأم أنس -روايتنا السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة تكثير الطعام. ٥٣ - وعلمه ﷺ بأن هذا القليل سيكثره الله تعالى، فيكفي الخلق الكثير. ٥٤ - وفي قوله ﷺ لأنس: أرسلك أبو طلحة؟ ... ألطعام؟ علم من أعلام النبوة. ٥٥ - وفي الحديث استحباب بعث الهدية، وإن كانت قليلة بالنسبة إلى مرتبة المبعوث إليه، لأنها وإن قلت خير من العدم. ٥٦ - ومن الرواية السادسة، واستنباط أبي طلحة من ضعف صوت النبي ﷺ أنه جائع يؤخذ العمل بالقرائن. ٥٧ - ومن وجود رسول الله ﷺ جالساً في المسجد ومعه الناس جلوس العالم لأصحابه، يفيدهم ويؤدبهم. ٥٨ - واستحباب ذلك في المسجد. ٥٩ - وفيه منقبة لأم سليم، ﵂، ودلالة على عظيم فقهها، ورجحان عقلها، لقولها "الله

стр. 4565

ورسوله أعلم" إذ معناه أنه قد عرف الطعام، فهو أعلم بالمصلحة، فلو لم يعلمها في مجيء الجمع العظيم لم يفعلها. ٦٠ - وما كان عليه الصحابة ﵃ من الاعتناء بأحوال رسول الله ﷺ . ٦١ - ومن انطلاق أبي طلحة لتلقي رسول الله ﷺ خروج صاحب البيت لتلقي الضيفان. ٦٢ - ومن أمر رسول الله ﷺ بفت الخبز استحباب فت الطعام، واختيار الثريد على الغمس باللقم. كذا قال النووي، لكنها واقعة حال، لا يستدل منها على ما ذكر، ثم إن الفت هنا كان الهدف التكثير، وليس لفضل الثريد على الغمس. ٦٣ - ومن الإذن لعشرة عشرة استحباب الاجتماع على الطعام. ٦٤ - ومن قوله في الرواية السابعة "وأخرج لهم شيئاً من بين أصابعه" علم من أعلام النبوة. ٦٥ - وفي أكله ﷺ وآل البيت بعد الناس أنه يستحب لصاحب الطعام وأهله أن يكون أكلهم بعد فراغ الضيفان. كذا قال النووي. لكن ينبغي أن يقيد بحالة قلة الطعام. ٦٦ - ومن روايتنا الثانية عشرة إجابة الدعوة. ٦٧ - وإباحة كسب الخياط. ٦٨ - وإباحة المرق. ٦٩ - وفضيلة أكل الدباء. كذا قال النووي، وهو غير واضح، ولو قال: حب الرسول ﷺ لأكل الدباء لكان خيراً. ٧٠ - وأنه يستحب أن يحب الدباء، وكذلك كل شيء كان رسول الله ﷺ يحبه، وأنه يحرص على تحصيل ذلك. كذا قال النووي، وليس بمسلم. ٧١ - ومن فعل أنس أنه يستحب لأهل المائدة إيثار بعضهم بعضاً، إذا لم يكرهه صاحب الطعام، قال النووي: وأما تتبع الدباء من حوالي الصحفة فيحتمل وجهين: أحدهما من حوالي جانبه وناحيته من الصحفة، لا من حوالي جميع جوانبها، فقد أمر بالأكل مما يلي الإنسان، والثاني أن يكون من جميع جوانبها، وإنما نهي عن ذلك لئلا يتقذره جليسه، ورسول الله ﷺ لا يتقذره أحد، بل كانوا يتبركون بآثاره. ٧٢ - وجواز أكل الشريف طعام من دونه، من محترف وغيره. ٧٣ - وإجابة دعوته. ٧٤ - ومؤاكلة الخادم. ٧٥ - وبيان ما كان عليه ﷺ من التواضع واللطف بأصحابه، وتعاهدهم بالمجيء إلى منازلهم. ٧٦ - وفيه الإجابة إلى الطعام، ولو كان قليلاً.

стр. 4566

٧٧ - ومناولة الضيفان بعضهم بعضاً مما وضع بين أيديهم، على المائدة، لقوله في الرواية الثالثة عشرة "جعلت ألقيه إليه ولا أطعمه" قال الحافظ ابن حجر: فإنه لا فرق بين أن يناوله من إناء، أو يضم ذلك إليه في نفس الإناء الذي يأكل منه، وقال ابن بطال: إنما جاز أن يناول بعضهم بعضاً في مائدة واحدة، لأن ذلك الطعام قدم لهم بأعيانهم، فلهم أن يأكلوه كله، وهم فيه شركاء، وقد تقدم الأمر بأكل كل واحد مما يليه، فمن ناول صاحبه مما بين يديه فكأنه آثره بنصيبه، مع ما له فيه معه من المشاركة، وهذا بخلاف من كان على مائدة أخرى، فإنه وإن كان للمناول حق فيما بين يديه، لكن لا حق للآخر في تناوله منه، إذ لا شركة له فيه، وتعقب هذا المأخذ من قصة الخياط، لأنه طعام اتخذ للنبي ﷺ ، وقصد به ﷺ والذي جمع له الدباء خادمه، فلا يحتج بذلك على جواز مناولة الضيفان بعضهم بعضاً مطلقاً. ٧٨ - وفيه جواز ترك المضيف الأكل مع الضيف، ويحتمل أن الطعام كان قليلاً، فآثرهم به، ويحتمل أنه كان شبعان، أو كان صائماً. ٧٩ - ومن قول أنس "فلم أزل أحب الدباء منذ يومئذ" الحرص على التشبه بأهل الخير، والاقتداء بهم في المطاعم وغيرها. ٨٠ - وفيه فضيلة ظاهرة لأنس ﵁ لاقتفائه أثر النبي ﷺ ، حتى في الأشياء الجبلية. والله أعلم

стр. 4567

(٥٦٣) باب أكل التمر والرطب والقثاء والكمأة والكباث والثوم وتواضع الآكل وصفة قعوده ٤٦٦٤ - عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: نزل رسول الله ﷺ على أبي. قال: فقربنا إليه طعاماً ووطبة. فأكل منها. ثم أتي بتمر. فكان يأكله ويلقي النوى بين إصبعيه ويجمع السبابة والوسطى (قال شعبة: هو ظني وهو فيه إن شاء الله، إلقاء النوى بين الإصبعين) ثم أتي بشراب فشربه. ثم ناوله الذي عن يمينه. قال: فقال أبي، وأخذ بلجام دابته. ادع الله لنا. فقال: "اللهم بارك لهم في ما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم". ٤٦٦٥ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد. ولم يشكا في إلقاء النوى بين الإصبعين. ٤٦٦٦ - عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل القثاء بالرطب. ٤٦٦٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ مقعياً يأكل تمراً. ٤٦٦٨ - عن أنس ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ بتمر، فجعل النبي ﷺ يقسمه، وهو محتفز، يأكل منه أكلاً ذريعاً. وفي رواية زهير: أكلاً حثيثاً. ٤٦٦٩ - عن جبلة بن سحيم قال: كان ابن الزبير يرزقنا التمر. قال: وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد. وكنا نأكل، فيمر علينا ابن عمر ونحن نأكل. فيقول: لا تقارنوا؛ فإن رسول الله ﷺ نهى عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل أخاه. قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر يعني الاستئذان.

стр. 4568

٤٦٧٠ - وفي رواية عن شعبة بهذا الإسناد، وليس في حديثهما قول شعبة ولا قوله: وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد. ٤٦٧١ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يقرن الرجل بين التمرتين حتى يستأذن أصحابه. ٤٦٧٢ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال "لا يجوع أهل بيت عندهم التمر". ٤٦٧٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله. يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله أو جاع أهله" قالها مرتين أو ثلاثاً. ٤٦٧٤ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح، لم يضره سم حتى يمسي". ٤٦٧٥ - عن سعد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر". ٤٦٧٦ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن في عجوة العالية شفاء، أو إنها ترياق، أول البكرة".

стр. 4569

٤٦٧٧ - عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ : "يقول الكمأة من المن؛ وماؤها شفاء للعين". ٤٦٧٨ - عن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". ٤٦٧٩ - عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، الذي أنزل الله ﵎ على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين". ٤٦٨٠ - عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن، الذي أنزل الله على موسى، وماؤها شفاء للعين". ٤٦٨١ - عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، الذي أنزل الله على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين". ٤٦٨٢ - عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". ٤٦٨٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ بمر الظهران، ونحن نجني الكباث. فقال النبي ﷺ "عليكم بالأسود منه" قال: فقلنا: يا رسول الله، كأنك رعيت الغنم. قال: "نعم. وهل من نبي إلا وقد رعاها" أو نحو هذا من القول.

стр. 4570

٤٦٨٤ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال "نعم الأدم -أو الإدام- الخل" وحدثناه موسى بن قريش بن نافع التميمي. ٤٦٨٥ - وفي رواية عن سليمان بن بلال بهذا الإسناد وقال "نعم الأدم" ولم يشك. ٤٦٨٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم. فقالوا: ما عندنا إلا خل. فدعا به. فجعل يأكل به ويقول: "نعم الأدم الخل. نعم الأدم الخل". ٤٦٨٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي ذات يوم إلى منزله. فأخرج إليه فلقاً من خبز. فقال "ما من أدم؟ " فقالوا: لا. إلا شيء من خل. قال "فإن الخل نعم الأدم" قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله ﷺ . وقال طلحة: مازلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر. ٤٦٨٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده إلى منزله. بمثل حديث ابن علية إلى قوله "فنعم الأدم الخل" ولم يذكر ما بعده. ٤٦٨٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كنت جالساً في داري. فمر بي رسول الله ﷺ ، فأشار إلي، فقمت إليه. فأخذ بيدي، فانطلقنا، حتى أتى بعض حجر نسائه. فدخل ثم أذن لي؛ فدخلت الحجاب عليها. فقال: "هل من غداء؟ " فقالوا: نعم فأتي بثلاثة أقرصة، فوضعن على نبي. فأخذ رسول الله ﷺ قرصاً فوضعه بين يديه. وأخذ قرصاً آخر فوضعه بين يدي. ثم أخذ الثالث، فكسره باثنين، فجعل نصفه بين يديه، ونصفه بين يدي. ثم قال: "هل من أدم؟ " قالوا: لا، إلا شيء من خل. قال "هاتوه فنعم الأدم هو".

стр. 4571

٤٦٩٠ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام أكل منه وبعث بفضله إلي. وإنه بعث إلي يوماً بفضلة لم يأكل منها؛ لأن فيها ثوماً. فسألته أحرام هو؟ قال: لا "ولكني أكرهه من أجل ريحه" قال: فإني أكره ما كرهت. ٤٦٩١ - عن أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ نزل عليه. فنزل النبي ﷺ في السفل، وأبو أيوب في العلو. قال: فانتبه أبو أيوب ليلة. فقال نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ ؛ فتنحوا فباتوا في جانب. ثم قال للنبي ﷺ . فقال النبي ﷺ "السفل أرفق" فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها. فتحول النبي ﷺ في العلو، وأبو أيوب في السفل. فكان يصنع للنبي ﷺ طعاماً، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه. فيتتبع موضع أصابعه. فصنع له طعاماً فيه ثوم. فلما رد إليه، سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ . فقيل له: لم يأكل. ففزع وصعد إليه. فقال: أحرام هو؟ فقال النبي ﷺ "لا ولكني أكرهه" قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. قال: وكان النبي ﷺ يؤتى. -[المعنى العام]- خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وأدبه في حياته بآداب يفضل بها عن الحيوان، أدبه بآداب في سلوكه وتصرفاته يرتفع بها عن البدائية والحقارة والهبوط بالعقل والكرامة، قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] أدبه بآداب في لباسه، وفي مشيه، وفي جلوسه، وفي نومه، وفي إتيانه شهوته، وفي أكله وشربه، قد يظن الجاهلون أن الذي يحكم في هذه الأمور العرف والعادات، وتلك نظرة سطحية، مجانبة للحق، بعيدة عن التحقيق، العرف قد يبيح لباس المتكبرين المتجبرين ومشيتهم، والقرآن الكريم يقول ﴿ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا* كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾ [الإسراء: ٣٧، ٣٨] ويقول ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور* واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ [لقمان: ١٨، ١٩]. وفي هذه الأحاديث مجموعة من آداب الأكل والشرب حين يجتمع الآكلون والشاربون، كيف

стр. 4572

يجلس الآكل حين الأكل؟ وكيف يدار الطعام والشراب على الآكلين؟ وكيف لو يجمع الآكل بين تمرتين أو لقمتين في دفعة واحدة؟ وكيف يرضى بالقليل ويحمد عليه، تمر، أو كسر من الخبز، أو خل، وكيف يحرص على التجمع على الطعام، ويدعو إليه، ويشرك غيره في طعامه ولو كان قليلاً؟ وكيف ينزل الناس منازلهم، ويكرم كرماءهم؟ وكيف يتحاشى في طعامه أطعمة كريهة الرائحة، أو ذات أثر كريه، كالثوم والبصل والكرات إذا كان سيجتمع بالناس، لمناسبة من المناسبات. وهكذا نجد الإسلام يرسم الطريق الصحيح لبناء مجتمع متكامل، يسوده التواد والمحبة والتلاقي والقبول وعدم الاشمئزاز والنفور. يربي أبناءه على القناعة وعدم الشره، والإيثار وعدم الأثره، ليدوم التآلف والوئام بين المسلمين. -[المباحث العربية]- (عبد الله بن بسر) بضم الباء وسكون السين، السلمي، صحب النبي ﷺ ، هو وابناه وابنته، نزل النبي ﷺ عنده، فقدم له طعاماً. (فقدمنا إليه طعاماً ووطبة) قال النووي: هكذا رواية الأكثرين "وطبة" بفتح الواو، وسكون الطاء، بعدها باء، وهكذا رواه النضر بن شميل، راوي هذا الحديث عن شعبة، والنضر إمام من أئمة اللغة، وفسره النضر، فقال: والوطبة الحيس، يجمع التمر البرني والأقط المدقوق والسمن، وكذا ضبطه أبو مسعود الدمشقي البرقاني وآخرون، وهكذا هو عندنا في معظم النسخ، وفي بعضها "رطبة" بالراء المضمومة وفتح الطاء، وكذا ذكره الحميدي وقال: هكذا جاء فيما رأيناه من نسخ مسلم "رطبة" بالراء، قال: وهو تصحيف من الراوي، وإنما هو بالواو. قال النووي: وهذا الذي ادعاه على نسخ مسلم هو فيما رآه هو، وإلا فأكثرها بالواو، وكذا نقله الأكثرون عن نسخ مسلم، ونقل القاضي عياض عن رواية بعضهم في مسلم "وطئة" بفتح الواو، وكسر الطاء، بعدها همزة، وادعى أنه الصواب، وهكذا ادعاه آخرون، والوطئة بالهمز عند أهل اللغة طعام يتخذ من التمر، كالحيس. قال النووي: هذا ما ذكروه، ولا منافاة بين هذا كله، فيقبل ما صحت به الروايات وهو صحيح في اللغة. اهـ والظاهر أن الواو في "ووطبة" لعطف التفسير، والمعنى: قدمنا إليه طعاماً أي وطبة، ويحتمل أنه من عطف الخاص على العام، إذا كان قد قدم له مع الوطبة خبز ولحم وغيرهما. (ثم أتي بتمر، فكان يأكله، ويلقي النوى بين إصبعيه، ويجمع السبابة والوسطى) الصورة المتبادرة أنه ﷺ كان يأخذ التمرة من الإناء بأصابعه الثلاث، الإبهام والسبابة والوسطى، كما سبق توضيحه، فيقضم التمرة، ويأكلها، ويخرج نواتها، ممسكاً بالنواة بين إصبعيه السبابة والوسطى، فيلقي بها خارج الإناء، ولا يلقيها في إناء التمر لئلا تختلط بالتمر، أما قول النووي: وقيل: كان يجمعه على ظهر الإصبعين، ثم يرمي به، فهو قول بعيد، لصعوبة الجمع على ظهر الإصبعين.

стр. 4573

(قال شعبة: هو ظني، وهو فيه إن شاء الله "إلقاء النوى بين الإصبعين") أي قال شعبة عبارة "إلقاء النوى بين إصبعين" أشك في كونها مروية في الحديث، أو هي من استنباطي وفهمي، وأرجح أنها منه إن شاء الله، فهو متردد شاك، وفي الطريق الثاني، ملحق الرواية الأولى جزم بإثبات هذا القول في الحديث، ولم يشك، قال النووي: فهو ثابت بهذه الرواية، وأما رواية الشك فلا تضر، سواء تقدمت على هذه، أو تأخرت، لأنه تيقن في وقت، وشك في وقت، فاليقين ثابت، ولا يمنعه النسيان في وقت آخر. (فقال أبي -وأخذ بلجام دابته- ادع الله لنا) جملة "وأخذ بلجام دابته" معترضة بين القول والمقول، وقد جاء أن دابة الرسول في ذاك الوقت كانت بغلة يسمونها حمارة شامية. (يأكل القثاء بالرطب) "القثاء" بكسر القاف، هذا المشهور، وفيه لغة بضمها، ولغة بفتحها، مع تشديد الثاء في كل، وهي نبات معروف، يشبه الخيار، لكنه أطول، أي يقطع بأسنانه قطعة من القثاء، ويلحقها في فمه برطبة، أي ثمرة نخل نضجت قبل أن تصير تمراً، وروي أنه كان يقول: يكسر حر هذا برد هذا. (رأيت النبي ﷺ مقعياً يأكل تمراً) أي جالساً على إليتيه، ناصباً ساقيه وفخذيه. (فجعل النبي ﷺ يقسمه) أي يفرقه على من يراه أهلاً لذلك، قال النووي: وهذا التمر كان لرسول الله ﷺ ، وتبرع بتفريقه ﷺ ، فلهذا كان يأكل منه. (وهو محتفز) أي مستعجل، يقال: حفزه إلى الأمر إذا حثه عليه، وتحفز في جلسته انتصب فيها غير مطمئن، واحتفز أي تحفز، قال النووي: وهو بمعنى قوله "متعباً" وهو أيضاً معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر، في صحيح البخاري وغيره "لا آكل متكئاً" على ما فسره الإمام الخطابي، فإنه قال: المتكئ هنا المتمكن في جلوسه، من التربع وشبهه، المعتمد على الوطاء تحته، قال: وكل من استوى قاعداً على وطاء فهو متكئ، ومعناه: لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام، ويقعد له متمكناً، بل أقعد مستوفزاً، وآكل قليلاً. (يأكل منه أكلاً ذريعاً) في ملحق الرواية "أكلا حثيثاً" وهما بمعنى، وفي كتب اللغة: الذروع والذريع الخفيف السير، واسع الخطو من الإبل والخيل، والحثوث والحثيث السريع الجاد في أمره، وفي القرآن الكريم ﴿يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً﴾ [الأعراف: ٥٤] ويقال: ولى حثيثاً، أي مسرعاً حريصاً، وإنما كان ﷺ مستعجلاً لانشغاله بأمور أخرى، فأسرع في الأكل، ليقضي حاجته منه، ويرد جوعته، فيذهب إلى ذلك الشغل. (وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد) بفتح الجيم المشقة، وبضمها الوسع والطاقة، فالفتح أولى.

стр. 4574

(لا تقارنوا، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل أخاه) في الرواية السادسة "نهى رسول الله ﷺ أن يقرن الرجل بين التمرتين" يقال: قرن البسر جمع بين الإرطاب والإبسار وقرن الشيء بالشيء قرناً وقراناً جمع بينهما، وأقرن فلان جمع بين شيئين، والمراد هنا النهي عن جمع تمرتين عند إدخالهما الفم، وهو مظهر من مظاهر الجشع، والمراد بالأخ الرفيق الذي اشترك معه في ذلك التمر، وفي الرواية السادسة "حتى يستأذن أصحابه" أي الذين يشاركونه ذلك الطعام. (قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر -يعني الاستئذان) "لا أرى" بضم الهمزة، أي لا أظن، ولفظ "كلمة" يطلق على الكلمة الواحدة، وعلى الكلام الكثير، فيقال: ألقى فلان كلمة، ويراد خطبة، فالمعنى شك شعبة في جملة "إلا أن يستأذن الرجل أخاه" هل هي من قول الرسول ﷺ ، فهي مرفوعة؟ أو هي من كلام ابن عمر فهي موقوفة؟ قال النووي: وهذا الذي قاله شعبة لا يؤثر في رفع الاستئذان إلى رسول الله ﷺ ، لأنه نفاه بظن وحسبان، وقد أثبته سفيان في الرواية الثانية فثبت، أي في الرواية السادسة، فسندها عن سفيان عن جبلة بن سحيم قال: سمعت ابن عمر يقول: إلخ. (لا يجوع أهل بيت عندهم التمر) النفي نفي انبغاء، أي لا ينبغي أن يجوعوا، فعندهم زادهم، ولا يعتبرون جياعاً، وإن جاعوا، فسبب الجوع غالباً فقدان الطعام، وهم غير فاقدين، وفي الرواية الثامنة "بيت لا تمر فيه جياع أهله" وهو من قبيل الادعاء والمبالغة، أي إن التمر هو القوت، وكأن غيره من الأقوات لا يعتد به، فالقوت موجود ما وجد التمر، والقوت منعدم ما انعدم التمر. (من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح) الضمير للمدينة، واللابة الحرة من الأرض، وهي الأرض ذات الحجارة السود، وللمدينة لابتان، والمقصود مما بين حدودها من جميع الجهات، من تمر نخلها. (لم يضره سم حتى يمسي) السم معروف، وهو بفتح السين وضمها وكسرها، والفتح أفصح. (إن في عجوة العالية شفاء، أو إنها ترياق، أول البكرة) "العالية" ما كان من الحدائق والزروع والبيوت والقرى من جهة المدينة العليا، مما يلي نجد، والسافلة من الجهة الأخرى، مما يلي تهامة، قال القاضي: وأدنى العالية ثلاثة أميال، وأبعدها ثمانية أميال. اهـ وهذا التقدير على أساس المدينة في عهد الرسول ﷺ ، فقد دخلت العالية والسافلة اليوم في صلب مباني المدينة. والترياق بكسر التاء وضمها، لغتان، ويقال: درياق، وطرياق أيضاً، وكله فصيح. وهو ما يمنع المعدة والأمعاء من امتصاص السم والتأثر به، و"أول البكرة" بنصب "أول" على

стр. 4575

الظرفية، والبكرة بضم الباء، أول النهار إلى طلوع الشمس وهو المراد من قوله في الرواية العاشرة "من تصبح" وفي التاسعة "حين يصبح"، والعامة يسمون يوم الغد كله بكرة. (الكمأة من المن) في الرواية الثالثة عشرة "من المن الذي أنزل الله ﵎ على بني إسرائيل" وفي الرواية الرابعة عشرة "من المن الذي أنزل الله على موسى" و"الكمأة" بفتح الكاف وسكون الميم بعدها همزة مفتوحة، قال الخطابي: والعامة لا يهمزونه. اهـ وجمعها كم، بفتح الكاف وتشديد الميم، مثل تمرة وتمر، وعكس ابن الأعرابي، فقال: الكمأة جمع الكم، الواحد على غير قياس، قال: ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى خبأة وخب، وقيل: الكمأة قد تطلق على الواحدة وعلى الجمع، وقد جمعوها على أكمؤ، وهي نبات لا ورق لها ولا ساق، أرضية، تؤكل مطبوخة، ويختلف حجمها، تشبه البطاطس، أو هي البطاطس، وبعض العرب يسميها جدري الأرض، ونبات الرعد، وهي كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام ومصر، وأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتال، بضرب لونه إلى الحمرة، وعند الطبري "كثرت الكمأة على عهد رسول الله ﷺ ، فامتنع قوم من أكلها، وقالوا: هي جدري الأرض، فبلغه ذلك، فقال: إن الكمأة ليست من جدري الأرض، ألا إن الكمأة من المن". "والمن" هنا لبس مصدر من، وإنما هو بمعنى اسم المفعول، أي ممنون به، ونعم الله تعالى كلها ممنون بها من الله عليهم، لكن بعض النعم لا صنع لبني آدم فيها، فغلب اسم المن عليها، لأنها من محض، والكمأة في أرض العرب وفي زمن الرسول ﷺ كانت توجد في الأرض من غير أن تزرع، ومن غير كلفة ولا علاج ولا سقي ولا غيره، والمن الذي أنزله الله تعالى على بني إسرائيل كان أنواعاً، بعضه نبات يوجد عفواً دون جهد ولا مشقة، كالكمأة، وهي تقوم مقام الخبز، وبعضه طير يسقط عليهم دون صيد، طير سمين مثل الحمام يشبه السمان، أو هو السمان، وهو السلوى، في قوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾ [البقرة: ٥٧] فعطفه على المن من قبيل عطف الخاص على العام، فكان يمثل عندهم في التيه الأدم، ويقوم مقام اللحم، وبعضه طل يسقط على الشجر كالصمغ، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وهو المعروف بالترنجبين، فاكتمل لهم بالتيه عفواً خبزهم وأدمهم وحلواهم، فما يقوم مقام الخبز، وهو الكمأة نوع من أنواع المن الذي أنزل على بني إسرائيل، وهذا معنى قوله "الكمأة من المن" فهي منه حقيقة، وقيل: إن المراد بالمن الذي أنزل على بني إسرائيل الصمغ الحلو الذي كان ينزل على الشجر، ومعنى "الكمأة من المن" على هذا أنها تشبهه، في كون كل منهما يحصل بلا مشقة ولا مكلفة، أي الكمأة تشبه ما كان من المن، قال الخطابي: ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبين الذي يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف، فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل، فيقع على الشجر، فيتناولونه. (وماؤها شفاء للعين) كذا عند مسلم وعند الأكثر، وفي رواية "شفاء من العين" أي شفاء من داء العين.

стр. 4576

وفي المراد بكون مائها شفاء للعين أقوال: الأول: أن ماءها صرفاً، دون خلط، إذا عصرت وجعل الماء في العين، فإنها تبرأ بإذن الله. قال النووي: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان أعمى وذهب بصره حقيقة، فكحل عينه بماء الكمأة مجرداً، فشفي، وعاد إليه بصره، فالصواب أن ماءها شفاء للعين مطلقاً. اهـ وقد أخرج الترمذي في جامعه، بسند صحيح إلى قتادة، قال: حدثت أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ، أو خمساً أو سبعاً، فعصرتهن، فجعلت ماءهن في قارورة، فكحلت به جارية لي، فبرئت. الثاني: كالأول مع التقييد بقوة الاعتقاد في هذا الحديث، والعمل به، ومن أشار إليه النووي كان صاحب صلاح ورواية للحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقاداً في الحديث، وتبركاً به، فنفعه الله به. الثالث: أن ماءها صرفاً، دون خلط، يضر ولا يشفي، وقد حكى إبراهيم الحربي عن صالح وعبد الله ابني أحمد بن حنبل أنهما اشتكت أعينهما، فأخذا كمأة، وعصراها، واكتحلا بمائها، فهاجت أعينها ورمداً، وقال ابن الجوزي: حكى شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة، فاكتحل به، فذهبت عينه. الرابع: أن ماءها بارداً يابساً لا يفيد، وإنما تؤخذ، فتشق، وتوضع على الجمر، حتى يغلي ماؤها، ثم يكتحل بمائها، وهو فاتر، فيشفى بإذن الله. الخامس: أن يخلط ماؤها في الأدوية التي نكتحل بها، فيفيد بإذن الله، وقد حكى أبو عبيد أن بعض الأطباء قالوا: أكل الكمأة يجلو البصر. السادس: أن المراد من ماء الكمأة ماؤها الذي نبت به، فإنه أول مطر يقع في الأرض، حكاه ابن الجوزي. قال ابن القيم: وهذا أضعف الوجوه. قال الحافظ ابن حجر: والذي يزيل الإشكال عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها من المخلوقات خلقت في الأصل سليمة من المضار، ثم عرضت لها الآفات بأمور أخرى، من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التي أرادها الله تعالى، فالكمأة في الأصل نافعة، لما اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر بنيته، والعكس بالعكس. اهـ وقال الخطابي: إنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها الحلال المحض يجلو البصر، والعكس بالعكس. اهـ والحق أن كلام الحافظ ابن حجر والخطابي لا يقبل أخذهما على إطلاقهما، فماء المطر من الحلال المحض، الذي ليس في اكتسابه شبهة، وكثير من الحشائش من الله، والأولى أن نقول: إن بعض الأعشاب لها خصائص الشفاء، وترتبط هذه الخصائص بالتربة والنوع والكمية، وقد تشفي عين شخص، ولا تشفي عين آخر، وقد تشفي مرض عين، ولا تشفي مرضاً آخر، وقد تتغير خصائصها من وقت لآخر، فتشفى في زمن ولا تشفي في آخر، فحاصل معنى الحديث: ماء كمأتكم في هذا الزمن شفاء لبعض أمراض عيونكم. والله أعلم.

стр. 4577

(كنا مع النبي ﷺ بمر الظهران) "مر الظهران" بفتح الميم وتشديد الراء، و"الظهران" على نسق تثنية "ظهر" مكان معروف، على مرحلة من مكة. (ونحن نجني الكباث) بفتح الكاف، وتخفيف الباء، آخرها ثاء، وهو ثمر شجر الأراك، ويسمى البرير، على وزن الحرير، قبل أن يسود، فإذا اسود فهو الكباث، وعكس ابن بطال، فقال: الكباث ثمر الأراك الغصن منه، والبرير ثمره الرطب واليابس، والذي في اللغة أنه ثمر الأراك، وقيل: هو نضيجه، فإذا كان طرياً فهو موز، وقيل عكس ذلك، وأن الكباث الطري، وقال أبو زياد: يشبه التين، يأكله الناس والإبل والغنم، وقال أبو عمرو: هو حار، كأن فيه ملحاً، ومعنى "نجني" نقتطف. (كأنك رعيت الغنم) في الكلام اختصار، والتقدير: كأنك رعيت الغنم، حتى عرفت أطيب الكباث، لأن راعي الغنم يكثر تردده تحت الأشجار، لطلب المرعى منها، والاستظلال تحتها. (نعم الأدم -أو الإدام- الخل) "الأدم" بضم الهمزة والدال، ويجوز إسكانها، جمع إدام، وقيل: الأدم بضم الهمزة وإسكان الدال المفرد، كالإدام وبضم الدال الجمع، والإدام بكسر الهمزة ما يؤتدم به، أي ما يستمرأ ويستساغ به الخبز، أي الغموس من أي صنف. (عن جابر قال النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به، فجعل يأكل به) أي يغمس ويأتدم به، ويقول إلخ، وتمام الصورة في الروايتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، إذ كان جابر جالساً في داره، وكانت الدور لا باب لها، أو كان فناؤها يراه المار، فمر به رسول الله ﷺ ، وكأنه كان يعلم حاجة جابر إلى الطعام، فأشار إليه، أن أقبل، فأقبل إليه، فأمسك رسول الله ﷺ بيد جابر، وسار به، حتى أتى به بيت إحدى أمهات المؤمنين، ولعلها عائشة، فهي الراوية للرواية السادسة عشرة، فدخل ﷺ ، وترك جابراً على الباب، وكان الحجاب قد فرض على أمهات المؤمنين، ثم خرج فأذن لجابر بالدخول، قال جابر: فدخلت الحجاب عليها، قال النووي: معناه دخلت الحجاب، إلى الموضع الذي فيه المرأة، وليس فيه أنه رأى بشرتها. اهـ وكان الحجاب ستراً يسدل بين الداخل وبين أم المؤمنين، فإذا كانت هي في داخل حجرتها محجبة مغطاة تغطية كاملة صح دخول الأجنبي إلى حجرتها، متخطياً الحجاب المسدل، فهذا معنى قول جابر: فدخلت الحجاب عليها، فقال ﷺ لزوجه: هل من غذاء؟ قالت: نعم. "فأخرج إليه فلقاً من خبز" قال النووي: هكذا هو في الأصول "فأخرج إليه فلقاً" وهو صحيح، ومعناه أخرج الخادم ونحوه إلى رسول الله ﷺ فلقاً -جمع فلقة، وهي الكسرة. اهـ فالضمير فاعل "أخرج" يعود على الخادم ونحوه مما هو غير مذكور، اعتماداً على المقام، ويحتمل أن يعود الضمير على رسول الله ﷺ ، بمعنى أنه أخرج من بيت زوجه إلى جابر فلقاً من خبز وهذا ظاهر ملحق الرواية الثامنة عشرة فلفظها "عن جابر أن رسول الله ﷺ أخذ بيده إلى منزله، فأخرج إليه فلقاً من خبز .. " إلخ وهذه الفلق هي التي عبر عنها في الرواية التاسعة عشرة بقوله "فأتى بثلاثة أقرصة، فوضعن على نبي" قال النووي: هكذا هو في أكثر الأصول "على نبي" بنون مفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت مشددة، وفسروه

стр. 4578

بمائدة من خوص، ونقل القاضي عياض عن كثير من الرواة أنه "بتى" بباء موحدة مفتوحة، ثم مثناة فوق مكسورة مشددة، ثم ياء مثناة من تحت مشددة، والبت كساء من وبر أو صوف، فلعله منديل وضع عليه الطعام، قال: ورواه بعضهم بضم الباء، وبعدها نون مكسورة مشددة، وهو طبق من خوص. (كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام أكل منه، وبعث بفضله إلي) حكاية لما كان في فترة إقامته ﷺ في بيت أبي أيوب عقب وصوله ﷺ إلى المدينة مهاجراً، ومعنى "بعث بفضله علي" أي رد باقي الطعام الذي صنعه أبو أيوب وأرسله إلى النبي ﷺ ، رده إلى أبي أيوب بعد أن يأكل منه ما يأكل، وقد فصلت الرواية الواحدة والعشرون نزول النبي ﷺ في بيت أبي أيوب، وذكر ابن سعد أن إقامته ﷺ ببيت أبي أيوب كانت سبعة أشهر، حتى بنى بيوته ﷺ . (وإنه بعث إلي يوماً بفضلة) أي ببقية، والظاهر أنه ﷺ أكل من بعض الطعام، ولم يأكل ما فيه ثوم، فكان فضلة بالنسبة لمجموع الطعام. (لم يأكل منها لأن فيها ثوماً) بضم الثاء، والعامة تفتحها. (نزل ﷺ في السفل، وأبو أيوب في العلو) "العلو" بضم العين وكسرها مع سكون اللام، من كل شيء أرفعه، أما العلو بضم العين واللام مع تشديد الواو فهو العظمة والتبختر. (فانتبه أبو أيوب ليلة) أي انتبه من غفلة، وليس من النوم. (نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ ؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكاري التوبيخي، وهو نفي الانبغاء، أي ما كان ينبغي، أو ما ينبغي. (فتنحوا، فباتوا في جانب) أي تنحوا عن سقف يقيم ﷺ تحته، إلى جانب آخر من البيت لا يقيم تحته. (لا أعلو سقيفة أنت تحتها) السقيفة الظلة. (فتحول النبي ﷺ في العلو، وأبو أيوب في السفل) "السفل" و"العلو" بضم أولهما وكسره مع سكون ثانيهما، لغتان. (إني أكره ما تكره) هذا من أوصاف المحق الصادق، أن يحب ما يحب محبوبه، ويكره ما يكره. (فيتتبع موضع أصابعه) أي يبحث عن موضع أصابعه ﷺ ، فيأكل من مواضعها تبركاً. (فقيل له: لم يأكل، ففزع) لخوفه أن يكون حدث منه أمر أوجب الامتناع من طعامه.

стр. 4579

(وكان النبي ﷺ يؤتى) بضم الياء وسكون الهمزة وفتح الياء، أي يأتيه الوحي، فلا يناجي الوحي إلا بريح طيب. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من هذه الأحاديث: ]- ١ - من الرواية الأولى من قول شعبة، ما كان عليه الرواة من الدقة في الرواية. ٢ - وأن الشراب ونحوه يدار على اليمين. ٣ - واستحباب طلب الدعاء من الفاضل. ٤ - ودعاء الضيف للمضيف بتوسعة الرزق والمغفرة والرحمة، وقد جمع ﷺ في دعائه خيرات الدنيا والآخرة. ٥ - ومن الرواية الثانية جواز أكل القثاء بالرطب. ٦ - وجواز أكل طعامين معاً. ٧ - قال القرطبي: يؤخذ منه جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللائق بها، على قاعدة الطب. ٨ - وفيه التوسع في الأطعمة، قال النووي: ولا خلاف بين العلماء في جواز هذا، وما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمحمول على كراهة اعتياد التوسع والترفه والإكثار منه لغير مصلحة دينية. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: وأما ما ورد عن عمر وغيره من السلف من إيثار أكل غير اللحم على اللحم فإما لقمع النفس عن تعاطي الشهوات، والإدمان عليها، وإما لكراهة الإسراف، والإسراع في تبذير المال، لقلة الشيء عندهم إذ ذاك. والحق أن التوسع في الطعام أمر نسبي، لا يلحقه لوم أو كراهة إلا إذا زاد عن الحد والمستوى، ودخل في دائرة الإسراف أو التبذير، يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]؟ وحديث "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". ٩ - وعن الرواية الثالثة والرابعة جواز الأكل مقعياً محتفزاً، وقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال "إني لا آكل متكئاً" واختلف في صفة الاتكاء، فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان، وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ويتعلل هذا التفسير -على مذهب الطب- بأنه لا ينحدر الطعام في مجاريه سهلاً، ولا يساغ هنيئاً، وربما تأذى به.

стр. 4580

قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، قال: ومعنى الحديث: إني لا أقعد متكئاً على الوطاء عند الأكل، فعل من يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزاً. اهـ وأخرج ابن عدي بسند ضعيف "زجر النبي ﷺ أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل" وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي، قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءة، مخافة أن تعظم بطونهم. وقال البيهقي: إن الأكل متكئاً من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم اهـ ويرشح هذا القول ما رواه ابن ماجه والطبراني بإسناد حسن، عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: "أهديت النبي ﷺ شاة، فجثا على ركبتيه يأكل، فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً" قال ابن بطال: إنما فعل النبي ﷺ ذلك تواضعاً لله، ثم ذكر حديثاً مرسلاً أو معضلاً عن الزهري، وصل النسائي نحوه، ولفظه "أتى النبي ﷺ ملك، لم يأته قبلها، فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبداً نبياً، أو ملكاً نبياً، قال: فنظر إلى جبريل، كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال: بل عبداً نبياً، قال: فما أكل متكئاً". وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وخالد بن الوليد وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار والزهري جواز الأكل متكئاً مطلقاً. قال الحافظ ابن حجر: وإذا ثبت كونه مكروهاً، أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى، ويجلس على اليسرى. اهـ وأميل إلى أن الآكل لا يتقيد بهيئة خاصة، بل يجلس أو يقف كيفما تيسر له، وكيفما يختار العرف، ما لم يكن في هيئته ضرر صحي يقره الأطباء العدول، وما لم يكن في مظهره كبر يحكم به العرف، وما لم يكن في هيئته سوء أدب أو أذى للغير. والله أعلم. ١٠ - ومن قوله في الرواية الرابعة "أكلاً حثيثاً" أنه يجوز أن يسرع الإنسان في الأكل، ليلحق بشغل آخر، على أن لا يكون في ذلك إيذاء لمن معه، وأن يكون لغرض يقره الشرع. ١١ - ومن الرواية الخامسة النهي عن قرن تمرتين عند الأكل، وكذا الرطب والزبيب والعنب ونحوها، ومثله جمع لقمتين، أو تكبير اللقمة، وذلك لأنه من مظاهر الشره وفيه إيذاء للشركاء في الأكل، قال النووي: واختلفوا في أن هذا النهي على التحريم، أو الكراهة والأدب، فنقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنه للتحريم، وعن غيرهم أنه للكراهة والأدب، والصواب التفصيل، فإن كان الطعام مشتركاً بينهم فالقران حرام إلا برضاهم، ويحصل الرضا بتصريحهم به، أو بما يقوم مقام التصريح، من قرينة حال، أو إدلال عليهم كلهم: بحيث يعلم يقيناً أو ظناً قوياً أنهم يرضون به، ومتى شك في رضاهم فهو حرام، وإن كان الطعام لغيرهم، أو لأحدهم اشترط رضاه وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام، ويستحب أن يستأذن الآكلين معه، ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه، وقد ضيفهم به، فلا يحرم عليه القران، ثم إن كان في الطعام قلة فحسن ألا يقرن، لتساويهم، وإن كان

стр. 4581

كثيراً بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقاً التأني في الأكل، وترك الشره، إلا أن يكون مستعجلاً -استعجالاً مشروعاً- قال: وقال الخطابي: إنما كان هذا في زمنهم، وحين كان الطعام ضيقاً، فأما اليوم -مع اتساع الحال- فلا حاجة إلى الإذن، وليس كما قال، بل الصواب ما ذكرنا من التفصيل، فإن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، لو ثبت السبب، كيف وهو غير ثابت. اهـ وظاهر كلام النووي وكلام الخطابي أن الهدف من هذا النهي رفع الغبن عن الشركاء في الأكل، ومفهومه أنه لو أكل وحده من ملكه لا يدخل في هذا النهي، وسياق روايتنا الخامسة يوحي بهذا الهدف، وعلل هذا بأنهم في ملكهم لهذا الطعام سواء، ولا يجوز أن يستأثر أحد بمال غيره إلا بإذنه، وإنما تقع المكارمة في ذلك إذا قامت قرينة الرضا، وقال مالك: ليس بجميل أن يأكل أكثر من رفقته وهو متعقب بأن الناس يختلفون في مقدار الأكل، وفي الاحتياج إلى التناول من الشيء، ولو حمل الأمر على التساوي لضاق، ولما ساغ لمن لا يكفيه اليسير أن يتناول أكثر من نصيب من يشبعه اليسير، والعرف في هذا مبني على المسامحة، لا على المشاحة، ومن العلماء من قرر أن الهدف من هذا النهي البعد عن مظاهر الشره، قال ابن الأثير في النهاية: إنما وقع النهي عن القران لأن فيه شرهاً، وذلك يزري بصاحبه، وذكر أبو موسى المديني عن عائشة وجابر استقباح القران، لما فيه من الشره والطمع المزري بصاحبه. ونميل إلى أنهما علتان للنهي، كل منهما كافية للمنع. والله أعلم. ١٢ - ومن الرواية السابعة والثامنة فضيلة التمر. ١٣ - وجواز الادخار للعيال، والحث عليه. ١٤ - ومن الرواية التاسعة والعاشرة والحادية عشرة: فضيلة تمر المدينة وعجوتها، قال الخطابي: كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي ﷺ لتمر المدينة، لا لخاصية في التمر، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد نخلاً خاصاً بالمدينة، لا يعرف الآن، ويحتمل أن يكون ذلك خاصاً بزمانه ﷺ ، أو خاصاً بأغلب أهل زمانه. وقال القرطبي ظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السم وإبطال السحر، وهو من باب الخواص التي لا تدرك بقياس ظني. ١٥ - وفضيلة التصبح بسبع تمرات. قال النووي: وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع، ولا نعلم نحن حكمتها، فيجب الإيمان بها، واعتقاد فضلها، والحكمة فيها، وهذا كأعداد الصلوات، ونصب الزكاة وغيرها. فهذا هو الصواب في هذا الحديث، وأما ما ذكره المازري والقاضي عياض فيه، فكلام باطل، فلا تلتفت إليه، ولا تعرج عليه، وقصدت بهذا التنبيه التحذير من الاغترار به. اهـ والنووي يشير إلى قول المازري عن سبع تمرات المدينة: هذا مما لا يعقل معناه في طريقة علم الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر

стр. 4582

في السم وجه من جهة الطب لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار على هذا العدد الذي هو السبع، ولا على الاقتصار على هذا الجنس الذي هو العجوة، ولعل ذلك كان لأهل زمانه ﷺ خاصة، أو لأكثرهم، إذا لم يثبت وقوع الشفاء في زماننا غالباً، وإن وجد ذلك في الأكثر حمل على أنه أراد وصف غالب الحال. اهـ والتحقيق أن هذا القول لا يخرج عما ذكره النووي، وليس فيه ما يستدعي الإبطال، وأما ما يشير إليه من كلام القاضي عياض فهو قوله: تخصيصه ذلك بعجوة المدينة والعالية يرفع الإشكال، ويكون خصوصاً لها، كما وجد الشفاء لبعض الأدواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك البلاد، دون ذلك الجنس في غيره، لتأثير يكون في ذلك من الأرض أو الهواء، وأما تخصيص هذا العدد فلجمعه بين الإفراد والإشفاع، لأنه زاد على نصف العشرة، وفيه إشفاع ثلاثة [وهي اثنان وأربعة وستة] وإيتار أربعة [وهي واحد وثلاثة وخمسة وسبعة] وهي من نمط غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، وقوله تعالى: ﴿سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] وكما أن السبعين مبالغة في كثرة العشرات، والسبعمائة مبالغة في كثرة المئين. اهـ ١٦ - ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة فضيلة الكمأة. ١٧ - ومن الرواية الخامسة عشرة فضيلة رعاية الغنم. قال النووي: قالوا: والحكمة في رعاية الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لها، ليأخذوا أنفسهم بالتواضع، وتصفى قلوبهم بالخلوة، ويترقوا من سياستها بالنصيحة إلى سياسة أممهم بالهداية والشفقة. ١٨ - وفيها إباحة أكل تمر الشجر الذي لا يملك، قال ابن بطال: كان هذا في أوائل الإسلام، عند عدم الأقوات، فإذ قد أغنى الله عباده بالحنطة والحبوب الكثيرة وسعة الرزق فلا حاجة بهم إلى تمر الأراك. قال الحافظ ابن حجر: إن أراد بهذا الكلام الإشارة إلى كراهة تناوله فليس بمسلم، ولا يلزم من وجود ما ذكر منع ما أبيح بغير ثمن، بل كثير من أهل الورع لهم رغبة في مثل هذه المباحات، أكثر من تناول ما يشترى. ١٩ - ومن الرواية السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة فضيلة الخل. ٢٠ - وأنه يسمى إداماً، وأنه أدم فاضل. ٢١ - واستحباب الحديث على الأكل، تأنيساً للآكلين. ٢٢ - قال الخطابي والقاضي عياض: فيه مدح الاقتصار في المأكل، ومنع النفس، من ملاذ الأطعمة، إذ المعنى: ائتدموا بالخل، وما في معناه، مما يخف مؤنته، ولا يعز وجوده، ولا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين، مسقمة للبدن. قال النووي: والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح للخل نفسه، وأما الاقتصار في المطعم، وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخرى. والله أعلم. ٢٣ - ومن الرواية الثامنة عشرة والتاسعة عشرة جواز أخذ الإنسان بيد صاحبه في تماشيهما. ٢٤ - ومنقبة لجابر ﵁.

стр. 4583

٢٥ - واستحباب مواساة الحاضرين على الطعام، وأنه يستحب أن يجعل الخبز ونحوه بين أيديهم بالسوية. ٢٦ - وأنه لا بأس بوضع الأرغفة والأقراص صحاحاً، غير مكسورة. ٢٧ - ومن حديث أبي أيوب روايتنا المتمة للعشرين والواحدة والعشرين إشارة إلى حكم أكل الثوم، وقد روى البخاري ومسلم "من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد" أو "فلا يقربن مسجدنا" أو "فلا يغشانا في مساجدنا" أو "فلا يقربنا" أو "فلا يصلين معنا" وزاد في رواية "حتى يذهب ريحها" والكلام في هذه المسألة يتشعب إلى شعب: (أ) حكم أكل الثوم ونحوه، وعلاقته بصلاة الجماعة. (ب) علاقته بالمساجد ونحوها. (ج) النيئ والمطبوخ وملحقات الثوم في الحكم. (د) حكم أكله بالنسبة للنبي ﷺ . (هـ) حكمة هذا التشريع، أو علته. (أ) أما عن الشعبة الأولى فيقول النووي: هذا النهي إنما هو عن حضور المسجد، لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما، فهذه البقول حلال بإجماع من يعتد به، وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها، لأنها تمنع حضور الجماعة، وحضور الجماعة عندهم فرض عين، وحجة الجمهور قوله ﷺ في روايتنا المتتمة للعشرين والواحدة والعشرين "أحرام هو؟ قال: لا" وفي بعض روايات البخاري ومسلم أنه ﷺ قال لأبي أيوب: "كل فإني أناجي من لا تناجي" اهـ وقال ابن دقيق العيد: اللازم أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحاً، فتكون صلاة الجماعة ليست فرض عين، أو يكون أكلها حراماً، فتكون صلاة الجماعة فرضاً، وجمهور الأمة على إباحة أكلها، فيلزم أن لا تكون الجماعة فرض عين، وتقديره أن يقال أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حق آكلها جائز، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب. وأهل الظاهر يقولون: صلاة الجماعة فرض عين، ولا تتم إلا بترك أكل هذه الأمور، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فترك أكلها واجب، فيكون حراماً. لكن ابن حزم -وهو من أئمة الظاهرية- صرح بأن أكلها حلال، مع قوله بأن الجماعة فرض عين، وتخلص عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مختص بمن علم بخروج الوقت قبل زوال الرائحة، ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النداء. وقال الخطابي: توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله، إذ حرم فضل الجماعة. (ب) ومن الروايات التي ذكرناها يبدو ارتباط أكل الثوم بالمسجد، قال النووي: وهذا

стр. 4584

تصريح بنهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص بمسجد النبي ﷺ ، لقوله ﷺ في بعض روايات مسلم "فلا يقربن مسجدنا" وحجة الجمهور رواية "فلا يقربن المساجد" ويوجه الجمهور رواية "مسجدنا" بأنه ﷺ كان يقصد المكان الذي أعد ليصلي فيه مدة إقامته، عند توجهه إلى خيبر، أو عند عودته منها إلى المدينة وقتما قال هذا القول، أو المراد بالمسجد الجنس، والإضافة إلى المسلمين، أي فلا يقربن مسجد المسلمين. وقد روى البخاري "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا" قال الحافظ ابن حجر: ليس في هذا تقييد النهي بالمسجد، فيستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد، كمصلى العيد، والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، لكن التمسك بهذا العموم أولى، ويؤكده قوله في بعض الروايات "وليقعد في بيته". (ج) وقد روى البخاري أن الراوي قيد النهي عن أكل الثوم بالنيئ منه، غير المطبوخ، وقد روى مسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب في أواخر أيامه، فقال: "ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً أي فليمت رائحتهما بالطبخ، ليكسر قوتهما وحدتهما. وقد يطلق النيئ على ما هو أعم من ذلك، وهو ما لم ينضج، فيدخل فيه ما طبخ قليلاً، ولم يبلغ النضج، لكن ظاهر حديث أبي أيوب أن الثوم كان مطبوخا، وامتنع منه ﷺ ، فقيل: إنه لم يكن تام النضج، ظاهر الرائحة، ورد هذا بأنه ﷺ قال لغيره: كل. فلو كان نيئاً لم يأمر بأكله من سيحضر الجماعات. قال الحافظ ابن حجر: ولا تعارض بين امتناعه ﷺ من أكل الثوم وغيره مطبوخاً، وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخاً، فقد علل ذلك بقوله "إني لست كأحد منكم" وترجم ابن خزيمة على حديث أبي أيوب: ذكر ما خص الله نبيه به، من ترك أكل الثوم ونحوه مطبوخاً. ويلحق بالثوم في حكم النهي عن أكله البصلة والكراث، فعند مسلم عن جابر ﵁ قال نهى النبي ﷺ عن أكل البصل والكرات" وفي الطبراني الصغير التنصيص على ذكر الفجل في الحديث، وعن مالك: الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم، وقيده القاضي عياض بالجشاء. وألحق بعضهم بذلك من بفيه بخر، أو به جرح له رائحة، وألحق بعض الشافعية المجذوم بآكل الثوم في المنع من المسجد، وزاد بعضهم فألحق أصحاب الصنائع ذات الروائح الكريهة كالسماك وأصحاب العاهات، ومن يؤذي الناس بلسانه أو بحركاته، وأشار ابن دقيق العيد إلى أن ذلك كله توسع غير مرض. (د) وأما عن الشعبة الرابعة فيقول النووي: وقد اختلف أصحابنا في الثوم. هل كان حراماً على

стр. 4585

رسول الله ﷺ أم كان يتركه تنزهاً؟ . اهـ احتج القائلون بالتحريم بقوله ﷺ "فإني أناجي من لا تناجي" فالعلة في المنع ملازمة الملك له ﷺ ، وما من ساعة إلا وملك يمكن أن يلقاه فيها، واحتج القائلون بالكراهة -وهو الأصح- بقوله ﷺ -فيما رواه مسلم- "أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها؟ وبقوله ﷺ في حديث أبي أيوب، روايتنا الواحدة والعشرين، حين قال له أبو أيوب: أحرام هو؟ قال "لا. ولكني أكرهه" ومن قال بالتحريم يقول: المراد ليس لي أن أحرم على أمتي ما أحل الله لها، ويقول: أحرام هو علينا؟ قال: لا، أي ليس حراماً عليكم. وهو تأويل بعيد. (هـ) والحكمة في النهي عن الثوم ونحوه عند الجماعات حماية الجماعة من التأذي بالرائحة الكريهة، وهذا ظاهر من قوله "فيعتزلنا" و"فلا يقربن مسجدنا" و"ليقعد في بيته" وقيل: كراهة تأذي الملائكة، فقد روى مسلم "من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم". والتعليل الأول أصح، فإن بعض الملائكة يلازم ابن آدم حين يأكل الثوم، وحين يعده للطهي. والله أعلم. ٢٨ - ويؤخذ أيضاً من حديث أبي أيوب من قوله "كان النبي ﷺ إذا أتي بطعام أكل منه، وبعث بفضله إلي" أنه يستحب للآكل والشارب أن يفضل مما يأكل ويشرب، فضلة يواسي بها من بعده، لاسيما إن كان ممن يتبرك بفضلته، وكذا إذا كان في الطعام قلة، ولهم إليه حاجة، ويتأكد هذا في حق الضيف، لاسيما إذا كانت عادة أهل الطعام أن يخرجوا كل ما عندهم، وتنتظر عيالهم الفضلة، كما يفعله كثير من الناس، ونقلوا أن السلف كانوا يستحبون إفضال هذه الفضلة المذكورة. قاله النووي. ٢٩ - وفيه منقبة عظيمة لأبي أيوب الأنصاري، حيث نزل ﷺ عنده. ٣٠ - وأدب أبي أيوب مع رسول الله ﷺ ، حيث نزل إلى السفل، ووافق رسول الله ﷺ في ترك أكل الثوم. ٣١ - وفيه إجلال أهل الفضل، والمبالغة في الأدب معهم. ٣٢ - وفيه التبرك بآثار أهل الخير في الطعام وغيره. والله أعلم

стр. 4586

(٥٦٤) باب إكرام الضيف وإيثاره، وطعام الاثنين كافي الثلاثة والمؤمن يأكل في معي واحد، وكراهة عيب الطعام ٤٦٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت: مثل ذلك. حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: "من يضيف هذا الليلة ﵀" فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله. فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا. إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا، فأطفئ السراج، وأريه أنا نأكل. فإذا أهوى ليأكل، فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا، وأكل الضيف. فلما أصبح، غدا على النبي ﷺ فقال "قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة". ٤٦٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً من الأنصار بات به ضيف. فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه. فقال لامرأته: نومي الصبية. وأطفئ السراج. وقربي للضيف ما عندك. قال: فنزلت هذه الآية ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر/ ٩]. ٤٦٩٤ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ليضيفه. فلم يكن عنده ما يضيفه. فقال "ألا رجل يضيف هذا ﵀" فقام رجل من الأنصار، يقال له أبو طلحة فانطلق به إلى رحله. وساق الحديث بنحو حديث جرير. وذكر فيه نزول الآية كما ذكره وكيع. ٤٦٩٥ - عن المقداد ﵁ قال: أقبلت أنا وصاحبان لي. وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد. فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 4587

فليس أحد منهم يقبلنا. فأتينا النبي ﷺ . فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز. فقال النبي ﷺ "احتلبوا هذا اللبن بيننا" قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان. قال: ثم يأتي المسجد فيصلي. ثم يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي. فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم. ما به حاجة إلى هذه الجرعة. فأتيتها فشربتها. فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل. قال: ندمني الشيطان فقال: ويحك ما صنعت؟ أشربت شراب محمد، فيجيء فلا يجده؛ فيدعو عليك؛ فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك. وعلي شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النوم. وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم. ثم أتى المسجد فصلى. ثم أتى شرابه فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئاً فرفع رأسه إلى السماء. فقلت: الآن يدعو علي فأهلك. فقال "اللهم أطعم من أطعمني، وأسق من أسقاني، قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي، وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز، أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن. فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ ، ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة. فجئت إلى رسول الله ﷺ فقال أشربتم شرابكم الليلة؟ " قال: قلت: يا رسول الله، اشرب. فشرب. ثم ناولني. فقلت: يا رسول الله اشرب. فشرب. ثم ناولني. فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض. قال: فقال النبي ﷺ "إحدى سوآتك يا مقداد" فقلت: يا رسول الله، كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ "ما هذه إلا رحمة من الله. أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها؟ " قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس. ٤٦٩٦ - عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة. فقال النبي ﷺ "هل مع أحد منكم طعام؟ " فإذا مع رجل صاع من طعام أو

стр. 4588

نحوه فعجن. ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها. فقال النبي ﷺ "أبيع أم عطية -أو قال- أم هبة؟ " فقال: لا بل بيع. فاشترى منه شاة. فصنعت. وأمر رسول الله ﷺ بسواد البطن أن يشوى. قال: وايم الله، ما من الثلاثين ومائة إلا حز له رسول الله ﷺ حزة حزة من سواد بطنها. إن كان شاهداً أعطاه، وإن كان غائباً خبأ له. قال: وجعل قصعتين فأكلنا منهما أجمعون وشبعنا. وفضل في القصعتين، فحملته على البعير. أو كما قال. ٤٦٩٧ - عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن أصحاب الصفة كانوا ناساً فقراء. وإن رسول الله ﷺ قال مرة "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة. ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس" أو كما قال: وإن أبا بكر جاء بثلاثة. وانطلق نبي الله ﷺ بعشرة. وأبو بكر بثلاثة. قال: فهو وأنا وأبي وأمي. ولا أدري هل قال: وامرأتي وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر. قال: وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ . ثم لبث حتى صليت العشاء. ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله ﷺ . فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك -أو قالت ضيفك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء. قد عرضوا عليهم فغلبوهم. قال: فذهبت أنا فاختبأت. وقال: يا غنثر، فجدع وسب. وقال: كلوا. لا هنيئاً. وقال: والله، لا أطعمه أبداً. قال: فايم الله، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها. قال: حتى شبعنا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك. فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا. وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار. قال: فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان. يعني يمينه. ثم أكل منها لقمة. ثم حملها إلى رسول الله ﷺ فأصبحت عنده. قال: وكان بيننا وبين قوم عقد فمضى الأجل فعرفنا اثنا عشر رجلاً. مع كل رجل منهم أناس الله. أعلم كم مع كل رجل. إلا أنه بعث معهم فأكلوا منها أجمعون. أو كما قال. ٤٦٩٨ - عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: نزل علينا أضياف لنا. قال: وكان أبي يتحدث إلى رسول الله ﷺ من الليل. قال: فانطلق وقال: يا عبد الرحمن، افرغ من أضيافك. قال: فلما أمسيت جئنا بقراهم. قال: فأبوا. فقالوا: حتى يجيء

стр. 4589

أبو منزلنا فيطعم معنا. قال: فقلت لهم: إنه رجل حديد. وإنكم إن لم تفعلوا خفت أن يصيبني منه أذى. قال: فأبوا فلما جاء لم يبدأ بشيء أول منهم. فقال: أفرغتم من أضيافكم؟ قال: قالوا: لا. والله، ما فرغنا. قال: ألم آمر عبد الرحمن؟ قال: وتنحيت عنه. فقال: يا عبد الرحمن. قال: فتنحيت. قال: فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي إلا جئت. قال: فجئت فقلت: والله، ما لي ذنب. هؤلاء أضيافك فسلهم قد أتيتهم بقراهم فأبوا أن يطعموا حتى تجيء. قال: فقال: ما لكم أن لا تقبلوا عنا قراكم. قال: فقال أبو بكر: فوالله لا أطعمه الليلة. قال: فقالوا: فوالله، لا نطعمه حتى تطعمه. قال: فما رأيت كالشر كالليلة قط. ويلكم ما لكم أن لا تقبلوا عنا قراكم. قال: ثم قال: أما الأولى فمن الشيطان. هلموا قراكم. قال: فجيء بالطعام فسمى فأكل وأكلوا. قال: فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بروا وحنثت. قال: فأخبره فقال: "بل أنت أبرهم وأخيرهم" قال: ولم تبلغني كفارة. ٤٦٩٩ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "طعام الاثنين كافي الثلاثة. وطعام الثلاثة كافي الأربعة". ٤٧٠٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية" وفي رواية إسحق: قال رسول الله ﷺ . لم يذكر: سمعت. ٤٧٠١ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طعام الواحد يكفي الاثنين. وطعام الاثنين يكفي الأربعة". ٤٧٠٢ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "طعام الرجل يكفي رجلين. وطعام رجلين يكفي أربعة. وطعام أربعة يكفي ثمانية".

стр. 4590

٤٧٠٣ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "طعام الرجل يكفي رجلين. وطعام رجلين يكفي أربعة. وطعام أربعة يكفي ثمانية". ٤٧٠٤ - عن نافع قال: رأى ابن عمر مسكيناً، فجعل يضع بين يديه، ويضع بين يديه. قال: فجعل يأكل أكلاً كثيراً. قال: فقال: لا يدخلن هذا علي؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء". ٤٧٠٥ - عن جابر وابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن يأكل في معي واحد. والكافر يأكل في سبعة أمعاء". ٤٧٠٦ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المؤمن يأكل في معي واحد. والكافر يأكل في سبعة أمعاء". ٤٧٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف، وهو كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت. فشرب حلابها. ثم أخرى فشربه. ثم أخرى فشربه. حتى شرب حلاب سبع شياه. ثم إنه أصبح فأسلم. فأمر له رسول الله ﷺ بشاة. فشرب حلابها. ثم أمر بأخرى. فلم يستتمها. فقال رسول الله ﷺ : "المؤمن يشرب في معي واحد. والكافر يشرب في سبعة أمعاء". ٤٧٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط. كان إذا اشتهى شيئاً أكله. وإن كرهه تركه.
следующие страницы →