← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

والطعام، وعدم التسمية عند الدخول مع التسمية عند الطعام تمكن الشيطان من المبيت ولا تمكنه من الطعام، فإذا قيل: ما فائدة التسمية عند الطعام لمن سمى عند الدخول؟ قلنا: إنها لمنع الشياطين الموجودين في البيت قبل الدخول، وإذا قيل: ما فائدة التسمية عند الدخول مادام البيت قبله مشتملاً على شياطين؟ قلنا: إنه من قبيل تضييق دائرة الفساد والإفساد. والله أعلم. (لا تأكلوا بالشمال) أي باليد الشمال. (فإن الشيطان يأكل بالشمال) في الرواية الرابعة "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" أي بشمال نفسه ففيه أن من فعل ذلك تشبه بالشيطان، وأبعد وتعسف من أعاد الضمير في "شماله" على الآكل، وفي الرواية الخامسة "لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها". وقد نقل الطيبي أن معنى قوله "إن الشيطان يأكل بشماله" أي يحمل أولياءه من الإنس على ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا المعنى عدول عن الظاهر، والأولى عمل الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقة، لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به، فلا يحتاج إلى تأويله، وحكى القرطبي في ذلك الاحتمالين، ثم قال: والقدرة صالحة. (أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله) قال النووي: هذا الرجل هو بسر، بضم الباء وسكون السين، ابن راعي العير، بفتح العين، الأشجعي، وهو صحابي مشهور. (لا أستطيع) مفعوله محذوف، أي لا أستطيع الأكل باليمين. (قال: لا استطعت) دعاء عليه بأن لا يستطيع الأكل باليمين حقيقة، حيث ادعى عدم الاستطاعة كذباً. (ما منعه إلا الكبر) أي ما منعه من الأكل باليمين ابتداء إلا الكبر، ليس المانع عذراً شرعياً. (فما رفعها إلى فيه) أي فأجيب الدعاء عليه، فلم يستطع بعد الدعاء عليه أن يرفعها إلى فمه بطعام أو شراب. (عن عمر بن أبي سلمة) ﵁، ابن عبد الأسد بن هلال المخزومي، واسم أبي سلمة عبد الله، وأمه أم سلمة زوج النبي ﷺ ، لذا يوصف بأنه ربيب النبي ﷺ . (كنت في حجر رسول الله ﷺ بفتح الحاء وسكون الجيم، أي في تربيته، وتحت نظره، وأنه يربيه في حضنه تربية الولد، قال عياض: الحجر يطلق على الحضن، وعلى الثوب، فيجوز فيه الفتح والكسر، وإذا أريد به معنى الحضانة فالفتح لا غير، فإن أريد به المنع من التصرف فبالفتح في المصدر، وبالكسر في الاسم، لا غير.

стр. 4517

(وكانت يدي تطيش في الصحفة) أي عند أكلي معه ﷺ في يوم من الأيام، ومعنى "تطيش" تتحرك وتميل إلى نواحي القصعة، ولا تقتصر على موضع واحد، قال الطيبي: والأصل أطيش بيدي، فأسند الطيش إلى اليد مبالغة، وقال غيره: معنى "تطيش" تخف وتسرع، وفي الرواية الثامنة "فجعلت آخذ من لحم حول الصحفة" أي من جوانبها، وعند البخاري "أكلت مع النبي ﷺ طعاماً، فجعلت آكل من نواحي الصحفة". والصحفة إناء يشبع الخمسة، وقيل: الصحفة كالقصعة، وجمعها صحاف، وعند الترمذي، عن عمر بن أبي سلمة، "أنه دخل على رسول الله ﷺ ، وعنده طعام، فقال: ادن يا بني .... " وعند البخاري "أتي النبي ﷺ بطعام، وعنده ربيبه" ويجمع بينهما أن مجيء الطعام وافق دخوله. (فقال لي: يا غلام) يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم غلام، وقد ذكر ابن عبد البر أن عمر ﵁ ولد في السنة الثانية من الهجرة، ولد بأرض الحبشة، قال الحافظ ابن حجر: والصواب أنه ولد قبل ذلك: فقد صح في حديث عبد الله بن الزبير أنه قال "كنت أنا وعمر بن أبي سلمة مع النسوة يوم الخندق، وكان أكبر مني بسنتين، ومولد ابن الزبير في السنة الأولى على الصحيح، فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين. (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) الأمر بالشيء إنما يصدر عند من لا يلتزمه غالباً، فالأمر بالأكل مما يلي واضح، أما الأمر بالتسمية، وبالأكل باليمين، فليس في الحديث إشارة إلى أن عمر ﵁ كان مقصراً فيهما، فيتحمل أن الأمر بهما إرشاد عام، ويحتمل أنه كان مقصراً فيهما أيضاً، ولم يذكرهما في التقصير اكتفاء بذكر التقصير الأكبر، وقد جاء عند البخاري زيادة قول عمر: "فما زالت تلك طعمتي بعد" بكسر الطاء وسكون العين، أي فما زالت تلك الأوامر ملتزمة في صفة أكلي بعد ذلك، وصارت عادة لي. (نهى النبي ﷺ عن اختناث الأسقية) فسره في الرواية العاشرة بقوله "أن يُشرب من أفواهها" وفسره في ملحقها بقوله "واختناثها أن يقلب رأسها، ثم يشرب منه" وفسره في رواية البخاري بقوله "يعني أن تكسر أفواهها، فيشرب منها" وهذا التفسير مدرج، ويحمل التفسير المطلق، وهو الشرب من أفواهها، على المقيد بكسر فمها، أو قلب رأسها. والاختناث في الأصل التكسر والانطواء، ومنه سمي الرجل المتشبه بالنساء في طبعه وكلامه وحركاته مخنثاً، والأفواه جمع فم، وهو على سبيل الرد إلى الأصل في الفم، وأنه فوه، بضم الفاء، ومنه فاه بالقول، وتفوه به، نقصت منه الهاء، لاستثقال هاءين عند الضمير، لو قيل: فوهه، فلما لم يحتمل حرف الواو بعد حذف الهاء، الإعراب، لسكونها، عوضت ميماً، فقيل: فم، وهذا إذا أفرد، ويجوز أن يقتصر على الفاء إذا أضيف، لكن تزاد حركة مشبعة، يختلف إعرابها بالحروف. (زجر عن الشرب قائماً) في الرواية الثانية عشرة "نهى أن يشرب الرجل قائماً" وذكر الرجل ليس للاحتراز، بل كذلك المرأة.

стр. 4518

(قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث) "فالأكل" الفاء فصيحة، وما بعدها جواب شرط محذوف، والأكل خبر لمبتدأ محذوف، أي إذا كان الشرب قائماً منهياً عنه فما حكم الأكل قائماً؟ . قال النووي: هكذا وقع في الأصول "أشر" بالألف، والمعروف في العربية "شر" بغير ألف، وكذلك خير، قال تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ [الفرقان: ٢٤] وقال تعالى: ﴿فسيعلمون من هو شر مكاناً﴾ [مريم: ٧٥] ولكن هذه اللفظة "أشر أو أخبث" وقعت هنا على الشك، فشك قتادة في أن أنساً قال: "أشر" أو قال "أخبث" فلا يثبت عن أنس بهذه الرواية "أشر" فإن جاءت هذه اللفظة من غير شك، وثبتت عن أنس، فهي لغة وإن كانت قليلة الاستعمال، لأنه عربي فصيح، ولهذا نظائر مما لا يكون معروفاً عن النحويين، ومما لا يكون جارياً على قواعدهم، وقد صحت به الأحاديث، فلا ينبغي رده إذا ثبت، بل يقال: هذه لغة قليلة الاستعمال، ونحو هذا من العبارات، وسببه أن النحويين لم يحيطوا إحاطة كاملة قطعية بجميع كلام العرب، ولهذا يمنع بعضهم ما ينقله غيره عن العرب، كما هو معروف. اهـ (سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم) في الرواية السابعة عشرة "شرب من زمزم من دلو منها وهو قائم" وفي الرواية التاسعة عشرة "سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب قائماً، واستسقى وهو عند البيت أي طلب أن يشرب، وهو عند الكعبة، وفي ملحقها "فأتيته بدلو". وعند البخاري وابن ماجه عن عاصم عن الشعبي أن ابن عباس ﵄ حدثه، قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم. قال عاصم: فذكرت ذلك لعكرمة، فحلف بالله ما فعل -أي ما شرب قائماً- ما كان يومئذ إلا على بعير" قال ابن العربي: لا حجة في هذا على الشرب قائماً، لأن الراكب على البعير قاعد، غير قائم، وقيل: إن عكرمة قال: إن مراد ابن عباس بقوله: إنه شرب قائماً، إنما أراد به وهو راكب، والراكب يشبه القائم من حيث كونه سائراً، ويشبه القاعد، من حيث كونه مستقراً على الدابة، قال الحافظ ابن حجر: لكن عند أبي داود عن ابن عباس أنه ﷺ أناخ، فصلى ركعتين، فلعل شربه من زمزم كان بعد ذلك، ولعل عكرمة إنما أنكر شربه قائماً لنهيه عنه. اهـ (نهى أن يتنفس في الإناء) في الرواية الواحدة والعشرين "كان يتنفس في الإناء ثلاثاً" وفي الرواية الثانية والعشرين "كان يتنفس في الشرب ثلاثاً" والرواية المتممة للعشرين صريحة في النهي عن التنفس في الإناء، والرواية الواحدة والعشرون صريحة في التنفس في الإناء، فبين ظاهرها التعارض، فحملهما العلماء على حالتين: حالة التنفس بالفعل على من تنفس خارج الإناء، وحالة النهي عن التنفس داخل الإناء، قال الإسماعيلي: المعنى أنه كان يتنفس: أي على الشراب، لا فيه داخل الإناء. قال: وإن لم يحمل على هذا صار الحديثان مختلفين، وكان أحدهما منسوخاً لا محالة، والأصل عدم النسخ، والجمع مهما أمكن أولى، ثم أشار إلى حديث أبي سعيد عن الترمذي وصححه الحاكم "أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: أهرقها.

стр. 4519

قال: فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: فأبن القدح إذن عن فيك" وعند ابن ماجه "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء، ثم ليعد، إن كان يريد" وسيأتي مزيد للمسألة في فقه الحديث. (إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ) "إنه" أي إن التنفس في الشرب ثلاثاً أكثر رياً، يقال: روى من الماء ونحوه، بفتح الراء وكسر الواو وفتح الياء، يروى بفتح الواو، رياً بفتح الراء وكسرها، وروي بفتح الواو مقصوراً، إذا شرب وشبع، فهو ريان، وهي رياً، وريانة، والمعنى أن قليل الماء مع تجزئته في الشرب على نفسين أو ثلاثة يشعر الشارب بالشبع، وهو أيضاً "أبرأ" يقال: برئ المريض، بكسر الراء، يبرأ بفتحها، برءاً، بفتح فسكون، وبرءاً، بضم فسكون، شفي، وتخلص مما به، فالمعنى أن التنفس عند الشرب أكثر تخلصاً من ألم العطش، وقيل: أكثر وقاية من الأمراض، أو أكثر وقاية من الأذى الذي يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، وهو أيضاً "أمرأ" أي أكثر انسياباً وانسياغاً في المريء، الذي هو مجرى الطعام والشراب من الحلقوم إلى المعدة، أي فهو أهنأ، حميد العاقبة، قال تعالى: ﴿فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء: ٤]. (أتي بلبن قد شيب بماء) يقال: شاب الشيء بالشيء، يشوبه، شوباً بفتح الشين، إذا خلطه به، وفي القرآن الكريم ﴿ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم﴾ [الصافات: ٦٧] وفي الرواية الرابعة والعشرين يقول أنس "فدخل علينا دارناً، فحلبنا له من شاة داجن -أي أليفة، أغلب تربيتها وعلفها في البيت، قليلة الخروج للرعي، وهذا الوصف يشير إلى حسن مرعاها، وطيب لبنها -وشيب له من بئر في الدار" أي وخلط لبنها بماء من بئر في دارنا، وتبين الرواية الخامسة والعشرون شخص الذي شاب اللبن، وأنه أنس، ففيها "أتانا رسول الله ﷺ في دارنا، فاستسقى -أي عطش، فطلب الشرب- فحلبنا له شاة، ثم شبته -بضم الشين، والضمير يرجع إلى اللبن، المفهوم من الحلب- من ماء بئري هذه" وتبين رواية البخاري أن أنساً هو الذي باشر حلب الشاة، ولفظها "فحلبت شاة". (وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر) في الرواية الخامسة والعشرين "وأبو بكر عن يساره، وعمر وجاهه، وأعرابي عن يمينه" يقال: وجاهه، بكسر الواو وضمها لغتان ويقال تجاهه، أي تلقاء وجهه. (فشرب، ثم أعطى الأعرابي) في الرواية الرابعة والعشرين "فشرب رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: يا رسول الله، أبا بكر -أي أعط أبا بكر- فأعطاه أعرابياً عن يمينه" وفي الرواية الخامسة والعشرين" فلما فرغ رسول الله ﷺ من شربه، قال عمر: هذا أبو بكر يا رسول الله -يريد إياه- أي يريد أن يعطي القدح إياه- فأعطى رسول الله ﷺ الأعرابي، وترك أبا بكر وعمر" وفي رواية للبخاري فقال عمر -وخاف أن يعطيه الأعرابي- أعط أبا بكر" فإشارة عمر بناها على مشاهدته ميل رسول الله ﷺ بالقدح نحو الأعرابي، وقصد بها التذكير، لا التعديل خوفاً من النسيان، وإعلاماً للأعرابي وغيره بجلالة أبي بكر، وفي رواية البخاري "فأعطى الأعرابي فضله" أي اللبن الذي فضل منه بعد شربه، وحكى

стр. 4520

ابن التين أن الأعرابي خالد بن الوليد، وتعقب بأن مثله لا يقال له: أعرابي قال الحافظ ابن حجر: وكأن الحامل لصاحب هذا القول على ذلك أنه رأى في حديث ابن عباس الآتي قريباً ذكر خالد، فظن أن القصة واحدة، وليس كذلك، فإن قصة ابن عباس في بيت ميمونة، وقصة أنس في دار أنس، فافترقا. (وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته) هذا على لغة: أكلوني البراغيث، أي الجمع بين الضمير الفاعل والاسم الظاهر، والأصل وكانت أمهاتي، يقصد أمه -أم سليم وخالته أم حرام وغيرهما من محارمه، وأطلق لفظ الأم عليهن من قبيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهذا على مذهب يجيزه، كالشافعي والباقلاني وغيرهما. والحث على خدمة النبي ﷺ في بيت أنس كان تمهيداً لتعيينه خادماً له ﷺ . (الأيمنون. الأيمنون. الأيمنون) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي الأحق الأيمنون، أو مبتدأ، خبره محذوف، وفي الرواية الرابعة والعشرين "الأيمن فالأيمن" وقد ضبط بالنصب والرفع، وهما صحيحان فالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعطوا -أو قدموا- الأيمن فالأيمن، والرفع كما سبق، وعند البخاري "الأيمن والأيمن" بالواو، وفي رواية له "ألا فيمنوا". (وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ) في رواية للبخاري وعن يمينه غلام هو أحدث القوم" وفي رواية له "هو أصغر القوم" وقد حكى ابن بطال أن الغلام كان الفضل بن عباس، وحكى ابن التين أنه أخوه عبد الله، قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب، وقد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق، فيمن كان عن يساره ﷺ ، ذكره ابن عبد البر، وخطأه، وقد أخرج الترمذي عن ابن عباس قال: "دخلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ ، وأنا على يمينه، وخالد على شماله، فقال لي: الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً؟ فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك أحداً" فصح أن يعد خالد من الأشياخ، وليس في حديث ابن عباس ما يمنع أن يكون مع خالد في بيت ميمونة غيره. (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) الأشياخ؟ قال ابن الجوزي: إنما استأذن الغلام، ولم يستأذن الأعرابي -في روايتنا الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين والخامسة والعشرين- لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه، بترك استئذانه، بخلاف الغلام، وقال النووي: السبب فيه أن الغلام كان ابن عمه، فكان له عليه إدلال، وكان من على اليسار أقارب الغلام أيضاً، وطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم، وأن السنة تقديم الأيمن ولو كان مفضولاً بالنسبة إلى من على اليسار، وجاء في السنن أن النبي ﷺ تلطف به، حيث قال له: "الشربة لك، وإن شئت آثرت بها خالداً"؟ وفي لفظ لأحمد "وإن شئت آثرت بها عمك" وإنما أطلق عليه عمه لكونه أسن منه، ولعل سنة كان قريباً من سن العباس، وإن كان من جهة أخرى من أقرانه، لكونه ابن خالته، وكان خالد مع رياسته في الجاهلية وشرف في قومه قد تأخر إسلامه، فلذلك استأذن له، بخلاف أبي بكر، فإن

стр. 4521

رسوخ قدمه في الإسلام وسبقه يقتضي طمأنينته بجميع ما يقع من النبي ﷺ ، ولا يتأثر لشيء من ذلك، ولهذا لم يستأذن الأعرابي له، ولعله خشي من استئذانه أن يتوهم إرادة صرفه إلى بقية الحاضرين بعد أبي بكر، دونه، فربما سبق إلى قلبه، من أجل قرب عهده بالإسلام شيء، فجرى ﷺ على عادته في تأليف من هذا سبيله، وليس ببعيد أنه كان من كبراء قومه، ولهذا جلس عن يمين النبي ﷺ ، وأقره على ذلك. اهـ (فتله رسول الله ﷺ في يده) "تله" بفتح التاء وتشديد اللام المفتوحة، أي وضعه، وفي ملحق الرواية "فأعطاه إياه" وقال الخطابي: تله وضعه بعنف؛ وأصله من الرمي على التل، وهو المكان العالي المرتفع، ثم استعمل في كل شيء يرمى به وفي كل إلقاء، وقيل: هو من التلتل، بلام ساكنة بين التاءين المفتوحتين، وهو العنق، ومنه قوله تعالى: ﴿وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣] أي صرعه، والتفسير الأول أليق بمعنى الحديث. -[فقه الحديث]- ثمانية من آداب الطعام والشراب تتعرض لها هذه الأحاديث: تقديم الكبير، والتسمية، والأكل والشرب باليمين، والأكل مما يلي الآكل، وعدم اختناث الأسقية، وعدم الشرب قائماً، وعدم التنفس في الإناء، وإدارة الشراب على يمين المبتدئ. وإليك تفصيل الأحكام: ١ - أما تقديم الكبير في الطعام والشراب ليبدأ قبل أن يبدأ الآخرون، فيقول عنه حذيفة ﵁ في الرواية الأولى "كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ ، فيضع يده" ثم يحكي قصة الجارية التي حاولت أن تضع يدها في الطعام متسرعة قبل رسول الله ﷺ ، فأمسك رسول الله ﷺ بيدها، ومنعها، وقصة الأعرابي الذي حاول أن يضع يده في الطعام قبل كبار الحاضرين، فأمسك رسول الله ﷺ بيده، ومنعه، وسيأتي تفصيل القول إذا تعارض تقديم الكبير مع التقديم لأسباب أخرى، كالأيمن، سيأتي هذا التفصيل في أدب إدارة الشراب على يمين المبتدئ. ٢ - الأدب الثاني التسمية عند بدء الطعام والشراب، وعند الدخول، وعند البدء في أي أمر مهم، وفي ذلك تقول الرواية الأولى "إن الشيطان يستحل الطعام، أن لا يذكر اسم الله عليه" وتقول الرواية الثانية "إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء" وأخرج أبو داود والترمذي "إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره". قال النووي: في هذا الحديث استحباب التسمية في ابتداء الطعام، وهذا مجمع عليه، قال الحافظ ابن حجر: وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا إن أريد بالاستحباب رجحان الفعل،

стр. 4522

وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك. ثم قال النووي: وكذا يستحب حمد الله في آخره، وكذا تستحب التسمية في أول الشراب، بل في أول كل أمر ذي بال، قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية، ليسمع غيره، وينبهه عليها، ولو ترك التسمية في أول الطعام، عامداً أو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو عاجزاً أو لعارض آخر، ثم تمكن منها في أثناء أكله، يستحب أن يسمي، ويقول: بسم الله أوله وآخره. ثم قال: والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام في كل ما ذكرناه. وتحصل التسمية بقول: بسم الله، فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم كان حسناً. وسواء في استحباب التسمية الجنب والحائض وغيرهما. وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصل أصل السنة، نص عليه الشافعي ﵁، ويستدل له بأن النبي ﷺ أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، ولأن المقصود يحصل بواحد، ويؤيده أيضاً حديث الذكر عند دخول البيت. ثم قال: والصواب الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف، من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن هذا الحديث وشبهه، من الأحاديث الواردة في أكل الشيطان محمولة على ظاهرها، وإن الشيطان يأكل حقيقة، إذ العقل لا يحيله، والشرع لم ينكره، بل أثبته، فوجب قبوله واعتقاده. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وأما قول النووي في أدب الأكل والشرب، من "الأذكار": والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه، وحصلت السنة فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً. اهـ ولكن الدليل العام بأفضلية بسم الله الرحمن الرحيم بجعل الحق مع النووي ﵀. ثم قال الحافظ ابن حجر: وأما ما ذكره الغزالي في آداب الأكل، من "الإحياء" أنه لو قال في كل لقمة: بسم الله. كان حسناً، وأنه يستحب أن يقول مع الأولى: بسم الله، ومع الثانية بسم الله الرحمن، ومع الثالثة، بسم الله الرحمن الرحيم. فلم أر لاستحباب ذلك دليلاً، والتكرار قد بين هو وجهه، بقوله: حتى لا يشغله الأكل عن ذكر الله. اهـ ٣ - وأما الأكل والشرب باليمين فعنه تقول الرواية الثالثة "لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال" وتقول الرواية الرابعة "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" وتقول الرواية الخامسة "لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها" وفي ملحقها "ولا يأخذ بها، ولا يعطي بها" وفي الرواية السادسة "أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت -ما منعه إلا الكبر- قال: فما رفعها إلى فيه" وفي الرواية السابعة والثامنة في قصة عمر بن أبي سلمة "كل بيمينك". قال النووي: في هذه الأحاديث استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهة ذلك بالشمال، وكذلك كل أخذ وعطاء، وهذا إذا لم يكن عذر، من مرض أو جراحة، فإن كان فلا كراهة. اهـ

стр. 4523

وقال القرطبي: هذا الأمر على جهة الندب، لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال، لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال، وهي مشتقة من اليمن، وقد شرف الله أصحاب الجنة، إذ نسبهم إلى اليمين، وعكسه في أصحاب الشمال، قال: وعلى الجملة فاليمين وما نسب إليها وما اشتق منها محمود لغة وشرعاً وديناً، والشمال على نقيض ذلك، وإذا تقرر ذلك فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة، وقال أيضاً: كل هذه الأوامر من المحاسن المكملة، والمكارم المستحسنة، والأصل فيما كان من هذا الترغيب والندب. اهـ وذهب جماعة من العلماء أن الأكل باليمين واجب، نص الشافعي عليه في الرسالة وفي الأم، قال الحافظ ابن حجر: ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال، واستدل بالرجل الذي دعا عليه ﷺ ، روايتنا السادسة، ولا يدعى على من ترك مندوباً قال: وثبت النهي عن الأكل بالشمال، وأنه من عمل الشيطان، من حديث ابن عمر ومن حديث جابر عند مسلم -روايتنا الخامسة والرابعة والثالثة- وقد صرح ابن العربي بإثم من أكل بشماله، واحتج بأن كل فعل ينسب إلى الشيطان حرام، ويؤيد القول بالوجوب قوله في الرواية السادسة "ما منعه إلا الكبر" والكبر معصية. ٤ - وأما الأكل مما يلي فقد أمر به في روايتنا السابعة والثامنة، قال النووي: لأن الأكل من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءة، فقد يتقذره صاحبه، لاسيما في الأمراق وشبهها. اهـ وقد ترجم البخاري بباب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية، فذكر حديث أنس "أن خياطاً دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ ، فرأيته يتبع الدباء من حوالي القصعة" وسيأتي في مسلم هذا الحديث بعد أبواب، تحت باب جواز أكل المرق، واستحباب أكل اليقطين، وإيثار أهل المائدة بعضهم بعضاً، وإن كانوا ضيفاناً، إذا لم يكره ذلك صاحب الطعام. ومن هنا حمل بعضهم حديث الأمر بالأكل مما يلي على ما إذا لم يعلم رضا صاحبه بتحرك يده، وأجاز بحديث الخياط إذا علم رضا من يأكل معه. قال النووي: والذي ينبغي تعميم النهي، حملاً للنهي على عمومه، حتى يثبت دليل مخصص، ومال إلى حمل حديث الخياط على الخصوصية لرسول الله ﷺ ، فقال: إنما نهي عن ذلك لئلا يتقذره جليسه، ورسول الله ﷺ لا يتقذره أحد، بل يتبركون بآثاره ﷺ ، مما هو معروف من عظيم اعتنائهم بآثاره ﷺ ، التي يخالفه فيها غيره. اهـ ومال مالك إلى ما ذهب إليه البخاري فقد نقل ابن بطال عنه قوله: إن المؤاكل لأهله وخدمه يباح له أن يتتبع شهوته حيث رآها، إذا علم أن ذلك لا يكره منه، فإذا علم كراهتهم لذلك لم يأكل إلا مما يليه، وقال أيضاً: إنما جالت يد رسول الله ﷺ في الطعام لأنه علم أن من معه لا يتكره ذلك منه، ولا يتقذره، بل كانوا يتبركون بريقه ومماسة يده، فكذلك من لم يتقذر من مؤاكلته، يجوز له أن تجول يده في الصحفة. اهـ والنووي يحكي اختلاف العلماء في جواز تحريك الأيدي، وبعدها عما يلي إذا

стр. 4524

كان على المائدة أصناف متعددة، فيقول: فإن كان تمراً أو أجناساً فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه، لكنه يميل إلى التعميم فيقول: والذي ينبغي تعميم النهي حملاً للنهي على عمومه، حتى يثبت دليل مخصص. اهـ والذين يخصصون يستندون إلى ما رواه الترمذي عن عكراش ﵁ قال "بعثني بنو مرة بصدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ ، فقدمت المدينة، فوجدته جالساً بين المهاجرين والأنصار، قال: ثم أخذ بيدي، فانطلق بي إلى بيت أم سلمة، فقال: هل من طعام؟ فأتتنا بجفنه كثيرة الثريد والودك -الدسم- فأقبلنا نأكل منها، فخبطت بيدي في نواحيها، وأكل رسول الله ﷺ من بين يديه، فقبض بيده اليسرى على يدي اليمين، ثم قال: يا عكراش، كل من موضع واحد، ثم أتتنا بطبق فيه ألوان التمر، فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، قال: يا عكراش، كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد" والذي ترتاح إليه النفس أن يقال: إن كان الطعام الجاف أنواعاً متعددة، سواء أكانت في إناء واحد، أو في أوان متعددة جاز التنقل، وإن كان الأولى تركه، لأن الأدب يتطلب عدم مد الأيدي إلى البعيد، لما في ذلك من مظاهر الشره والحرص والأنانية، وإن كان نوعاً واحداً فلا يجوز، أما حديث الترمذي فهو محمول على ما إذا علم رضا من يأكل معه، على أنه ضعيف، قال الترمذي عنه: هذا حديث غريب، وقال ابن حبان في راويه: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: مجهول. نعم الكراهة في الأطعمة السائلة أشد منها في الأطعمة الجافة، للفرق بين التقزز في كل. والله أعلم. ٥ - وأما النهي عن اختناث الأسقية فقد قال عنه النووي: اتفقوا على أن النهي عن اختناث الأسقية نهي تنزيه، لا تحريم، ويؤيده أحاديث الرخصة في ذلك، ومنها ما رواه الترمذي وغيره عن كبشة بنت ثابت، أخت حسان بن ثابت ﵄ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، فشرب من قربة معلقة قائماً، فقمت إلى فيها، فقطعته، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقطعها لفم القربة فعلته لوجهين، أحدهما: أن تصون موضعاً أصابه فم رسول الله ﷺ عن أن يبتذل، ويمسه كل أحد، والثاني أن تحفظه للتبرك به والاستسقاء، قال النووي: فهذا الحديث يدل على أن النهي ليس للتحريم. اهـ وقد ورد لعلة النهي أمور منها: (أ) أنه لا يؤمن دخول شيء من الهوام مع الماء في جوف السقاء، فيدخل فم الشارب، وهو لا يشعر، فعند ابن ماجه "أن رجلاً قام من الليل بعد النهي إلى سقاء، فاختنثه، فخرجت عليه منه حية". قال الحافظ ابن حجر: وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء، وهو يشاهد الماء يدخل فيه، ثم ربطه ربطاً محكماً، ثم أراد أن يشرب حله، فشرب منه، لا يتناوله النهي. (ب) ومنها ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة بسند قوي، بلفظ "نهى أن يشرب من

стр. 4525

في السقاء، لأن ذلك ينتنه" قال الحافظ ابن حجر: وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصاً بمن يشرب، فيتنفس داخل الإناء، أو باشر بفمه باطن السقاء، أما من صب من القربة داخل فمه، من غير مماسة، فلا. (ج) ومنها أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء، فينصب منه أكثر من حاجته، فلا يأمن أن يشرق به، أو تبتل ثيابه. قال ابن العربي: واحدة من الثلاثة تكفي في ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جداً، وقال ابن أبي جمرة: اختلف في علة النهي، فقيل: يخشى أن يكون في الوعاء حيوان، أو ينصب بقوة، فيشرق به، وقيل: لما قد يعلق بفم السقاء، من بخار النفس، أو بما يخالط الماء من ريق الشارب، فيتقذره غيره، أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة، فيكون من إضاعة المال، قال: والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضي الكراهة، وفيها ما يقتضي التحريم، والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم. وقد جزم ابن حزم بالتحريم، لثبوت النهي، وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم، صاحب أحمد، أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة، لأنهم كانوا يفعلون ذلك، حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء، فنسخ الجواز. وجمع الحافظ ابن حجر بين أحاديث النهي وأحاديث الرخصة بقوله: لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز، إلا من فعله ﷺ ، وأحاديث النهي كلها من قوله، فهي أرجح، إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك، فإن جميع ما ذكره العلماء في علة النهي يقتضي أنه ﷺ مأمون منها: أما أولاً فلعصمته، ولطيب نكهته، وأما ثانياً فلرفقه في صب الماء. وقال شارح الترمذي: لو فرق بين ما يكون لعذر، كأن تكون القربة معلقة، ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسراً، ولم يتمكن من التناول بكفه، فلا كراهة حينئذ، وعلى ذلك تحمل أحاديث الرخصة، وبين ما يكون لغير عذر، فتحمل عليه أحاديث النهي. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد هذا الجمع أن أحاديث الجواز كلها، فيها أن القربة كانت معلقة، والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقاً، بل على تلك الصورة وحدها، وحملها على حال الضرورة، جمعاً بين الخبرين أولى من حملها على النسخ، وقد سبق ابن العربي بهذا التوجيه، فقال: يحتمل أن يكون شربه ﷺ في حال ضرورة، إما عند الحرب، وإما عند عدم الإناء، أو مع وجوده لكن لم يتمكن من التفريغ من السقاء في الإناء، لشغله. هذا. وقد نقل ابن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب، وقال: لم يبلغني فيه نهي، وبالغ ابن بطال في رد هذا القول، والحجة قائمة على من بلغه النهي. والله أعلم. ٦ - الأدب السادس عدم الشرب قائماً، وعنه تقول الرواية الحادية عشرة والثالثة عشرة أن النبي

стр. 4526

صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً" وتقول الرواية الثانية عشرة "نهى أن يشرب الرجل قائماً" وقال أنس عن الأكل: "ذاك أشر أو أخبث" وتقول الرواية الخامسة عشرة "لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسي فليستقئ" وتثبت الروايات السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة أن النبي ﷺ شرب قائماً، وفي البخاري "أتى علي ﵁ على باب الرحبة بماء، فشرب قائماً، فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت" وفي رواية أخرى له "عن علي ﵁ أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بماء، فشرب، وغسل وجهه ويديه، وذكر رأسه ورجليه، ثم قام، فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال: إن ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإن النبي ﷺ صنع مثل ما صنعت" وقد ترجم البخاري لهذه الأحاديث بباب الشرب قائماً، ولم يخرج أحاديث النهي عن الشرب قائماً، وكأنه أشار بذلك إلى أنه لم يصح عنده الأحاديث الواردة في كراهة الشرب قائماً، كذا قال ابن بطال، وتعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: وليس بجيد، بل الذي يشبه صنيعه أنه إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يثبت الحكم. اهـ والجيد كلام ابن بطال، وكلام الحافظ ابن حجر، وإنما يتوجه لو أن البخاري ذكر أحاديث النهي وأحاديث الإثبات وترجم بدون إثبات الحكم لتعارض الأحاديث عنده، أما أنه لم يخرج أحاديث النهي فالوجه ما قاله ابن بطال. وأخرج أحمد عن علي ﵁ أنه شرب قائماً، فرأى الناس كأنهم أنكروه، فقال: ما تنظرون أن أشرب قائماً؟ فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً، وإن شربت قاعداً فقد رأيته يشرب قاعداً" وصحح الترمذي من حديث ابن عمر "كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ، ونحن نمشي، ونشرب، ونحن قيام" وفي الموطأ "أن عمر وعثمان وعلياً كانوا يشربون قياماً، وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأساً". أمام هذا سلك العلماء مسالك: المسلك الأول: مسلك الترجيح، واعتماد أحاديث الجواز، وتضعيف أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم، فقال: حديث أنس -يعني في النهي- روايتنا الحادية عشرة والثانية عشرة- جيد الإسناد، ولكن قد جاء عنه خلافه، يعني في الجواز، قال: ولا يلزم من كون الطريق إليه في النهي أثبت من الطريق إليه في الجواز، أن لا يكون الذي يقابله أقوى، ثم أسند أنس عن أبي هريرة قال: "لا بأس بالشرب قائماً" قال الأثرم: فدل على أن الرواية عنه في النهي ليست ثابتة، وإلا لما قال: لا بأس به، قال: ويدل على وهاء أحاديث النهي أيضاً اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب قائماً أن يستقئ. اهـ وقال عياض: لم يخرج مالك ولا البخاري أحاديث النهي، وأخرجها مسلم من رواية قتادة عن أنس، ومن روايته عن أبي عيسى عن أبي سعيد، وهو معنعن، وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قتادة فيه مما يعله، مع مخالفة الأحاديث الأخرى والأئمة له، وأما حديث أبي هريرة ففي سنده عمر بن حمزة، ولا يحتمل منه مثل هذا لمخالفة

стр. 4527

غيره له، والصحيح أنه موقوف، وأكد القاضي عياض تضعيف أحاديث النهي بقوله: ولا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائماً، ليس عليه أن يتقيأ. اهـ وقد حمل النووي على هذا القول وعلى قائليه حملة عنيفة، لكنه لم يتشاغل بالجواب عن وجهات النظر، وتعرض لها الحافظ ابن حجر، فقال: إن الإشارة إلى تضعيف حديث أنس بكون قتادة مدلساً، وقد عنعنه، فيجاب عنه بأنه خرج في نفس السند بما يقتضي سماعه له من أنس، فإن فيه "قلنا لأنس: فالأكل .... " [انظر روايتنا الثانية عشرة] وأما تضعيفه حديث أبي سعيد بأن أبا عيسى غير مشهور فهو قول سبق إليه ابن المديني، لأنه لم يرو عنه إلا قتادة، لكن وثقه الطبري وابن حبان، ومثل هذا يخرج في الشواهد، ودعواه اضطرابه مردودة، لأن لقتادة فيه إسنادين، وهو حافظ، وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، كما أشرت إليه عند أحمد وابن حبان، فالحديث بجميع طرقه صحيح. اهـ ومن الواضح أن دفاع الحافظ ابن حجر في حاجة إلى دفاع. والله أعلم. المسلك الثاني: دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم وابن شاهين، فقررا أن أحاديث النهي -على تقدير ثبوتها- منسوخة بأحاديث الجواز، بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي، متمسكاً بأن الجواز على وفق الأصل، وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع، فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأجاب بعضهم عن إشكال ابن حزم بأن أحاديث الجواز متأخرة، لما وقع منه ﷺ في حجة الوداع [انظر روايتنا السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة] وإذا كان ذلك الأخير من فعله ﷺ دل على الجواز، ويتأيد بفعل الخلفاء الراشدين بعده. وقد حمل النووي على هذا القول مع سابقه، فقال: اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالاً باطلة، وزاد حتى تجاسر، ورام أن يضعف بعضها، وادعى فيها دعاوي باطلة، لا غرض لنا في ذكرها، وليس في الأحاديث إشكال، ولا فيها ضعيف، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه، وشربه قائماً لبيان الجواز، وأما من زعم نسخاً أو غيره فقد غلط، فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع لو ثبت التاريخ، وأما قول عياض: لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائماً ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع من استحبابه، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو مجازف، وكيف تترك السنة الصحيحة بالتوهمات والدعاوي والترهات؟ . المسلك الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل: (أ) قال أبو الفرج الثقفي: المراد بالقيام في أحاديث النهي المشي، يقال: قام في

стр. 4528

الأمر إذا مشي فيه، وقمت في حاجتي إذا سعيت فيها وقضيتها، ومنه قوله تعالى: ﴿إلا ما دمت عليه قائماً﴾ [آل عمران: ٧٥] أي مواظباً بالمشي. (ب) وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر، وهو حمل النهي على من لم يسم عند شربه، وهذا إن سلم له في بعض ألفاظ الحديث لم يسلم له في بقيتها. (ج) وسلك آخرون في الجمع مسلكاً جيداً، بحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال والنووي وآخرين، وهذا أحسن المسالك، وأسلمها، وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم أخيراً إلى ذلك، فقال: إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد والتأديب، لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري، وأيده بأنه لو كان جائزاً ثم حرمه، أو كان حراماً ثم جوزه لبين النبي ﷺ ذلك بياناً واضحاً، فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا. والله أعلم. الأدب السابع: عدم التنفس في إناء الشراب، والكلام فيه على حالتين: الحالة الأولى عدم إخراج الشارب نفسه في داخل الإناء، لأنه ربما حصل للإناء، أو للسائل فيه تغير من ريح النفس، إما لكون المتنفس متغير الفم بمأكول ونحوه، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة وريحها، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس، فالنهي عنه آكد من باب أولى، فقد يزيد النفخ خروج رذاذ من الريق، مما يتقذر غالباً، وقد ورد النهي عن النفخ في الطعام والشراب في أحاديث كثيرة، فعند أبي داود والترمذي "أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، وأن ينفخ فيه" قال المهلب: النهي عن التنفس في الشرب كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب، من أجل أنه قد يقع فيه شيء من الريق، فيعافه الشارب ويتقذره، إذا كان التقذر في مثل ذلك عادة غالبة على طباع أكثر الناس، ومحل هذا إذا أكل أو شرب مع غيره، وأما لو أكل وحده أو مع أهله، أو مع من يعلم أنه لا يتقذر فلا بأس. قال الحافظ ابن حجر: والأولى تعميم المنع، لأنه لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة، أو يحصل التقذر من الإناء، أو نحو ذلك، قال ابن العربي: قال علماؤنا: هو من مكارم الأخلاق. الحالة الثانية: التنفس خارج الإناء، أثناء الشرب، بأن يشرب على نفسين أو ثلاثة أو أكثر، وروايتنا الواحدة والعشرون والثانية والعشرون تصرحان بأن الرسول ﷺ كان يتنفس في الشرب ثلاثاً، وعند البخاري "كان أنس يتنفس في الإناء مرتين أو ثلاثاً". وجواز الشرب بنفس واحد ورد به الأمر عند الحاكم، وهو محمول على الجواز، وأخرج الترمذي بسند ضعيف عن ابن عباس رفعه "لا تشربوا واحدة، كما يشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث" قال الحافظ ابن حجر: فالنهي عن الشرب في نفس واحد للتنزيه. الأدب الثامن: إدارة الشراب على يمين المبتدئ، وفي روايتنا الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين والخامسة والعشرين أن رسول الله ﷺ أعطى الأعرابي الذي على يمينه قبل أبي بكر وعمر، وقال: الأيمن فالأيمن، وفي الرواية السادسة والعشرين استأذن الغلام الذي عن يمينه ليعطي الأشياخ الذين هم عن شماله، فلما لم يتنازل الغلام لهم أعطاه.

стр. 4529

قال الخطابي: كانت العادة جارية لملوك الجاهلية ورؤسائهم بتقديم الأيمن في الشرب، حتى قال عمرو بن كلثوم، في قصيدة له: وكان الكأس مجراها اليمينا. فبين النبي ﷺ بفعله أن تلك العادة لم تغيرها السنة، وأنها مستمرة، وأن الأيمن يقدم على الأفضل في ذلك، ولا يلزم من ذلك حط رتبة الأفضل، وكان ذلك لفضل اليمين على اليسار، وقال الحافظ ابن حجر: إن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه، بل لمعنى في جهة اليمين، وهو فضلها على جهة اليسار، فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحاً لمن هو على اليمين، بل هو ترجيح لجهته. وقد يتعارض ظاهر هذا مع الأمر بتقديم الأفضل، وهو المسألة الأولى التي تعرضنا لها في أول فقه الحديث، فعند البخاري في القسامة حين تكلم الصغير بحضور الكبير قال له ﷺ "الكبر الكبر" وفي رواية "كبر. كبر" وفي رواية "يبدأ الأكبر" وفي الطهارة أمر رسول الله ﷺ بمناولة السواك الأكبر، وأخرج أبو يعلى بسند قوي، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سقى قال: ابدءوا بالكبير" ويجمع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساويين، إما بين يدي الكبير، أو عن يساره كلهم، أو خلفه، فتخص هذه الصورة من عموم الأيمن، أو يحمل على أن الابتداء يكون بالأكبر، كرسول الله ﷺ ، وأحاديث الأيمن في إدارة الشراب بعد الأكبر. -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - من الرواية الأولى، من قوله "والذي نفسي بيده" جواز الحلف من غير استحلاف. ٢ - من قوله "إن يده في يدي مع يدها" ومن قوله في الرواية الثالثة "فإن الشيطان يأكل بالشمال" أن للشيطان يدين. ٣ - وأنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين والكفار. ٤ - وأن الشيطان يأكل ويشرب. ٥ - ومن الرواية السادسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حال، حتى في حال الأكل. ٦ - جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا عذر. ٧ - ذم الكبر، وما يترتب عليه. ٨ - استحباب تعليم الآكل آداب الأكل، إذا خالفها. ٩ - ومن الرواية السابعة والثامنة تدريب الصبيان وتعليمهم آداب الطعام. ١٠ - وفيها منقبة لعمر بن أبي سلمة، وحرصه على اتباع سنة رسول الله ﷺ ، لما ورد عند البخاري، من قوله "فما زالت تلك طعمتي بعد". ١١ - استنبط بعضهم من قوله "الأيمن فالأيمن" في الرواية الثالثة والعشرين أن السنة إعطاء من على اليمين، ثم الذي يليه، وهلم جرا.

стр. 4530

١٢ - ومن الرواية الثالثة والعشرين وما بعدها أن من سبق إلى مجلس علم، أو مجلس رئيس لا ينحى منه لمن هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور، بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس، لكن إن آثره السابق جاز. ١٣ - وأن من استحق شيئاً لم يدفع عنه إلا بإذنه، كبيراً كان أو صغيراً، إذا كان ممن يجوز إذنه. ١٤ - وأنه إذا تعارضت فضيلة شخص مع فضيلة وظيفة آخر قدمت فضيلة الوظيفة، فيقدم رئيس العمل على من هو أفضل منه من العاملين معه لوظيفته، كما قدم الأعرابي لوظيفة اليمين على أبي بكر مع سابق وآكد فضله. ١٥ - وأن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم، على سبيل الفضل، لا اللزوم، للإجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب، قاله ابن عبد البر. قال الحافظ ابن حجر: ومحله إذا لم يكن فيهم الإمام أو من يقوم مقامه، فإن كان فالتصرف في ذلك له. ١٦ - ومن الرواية الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين دخول الكبير بيت خادمه وصاحبه، ولو كان صغير السن. ١٧ - وتناوله مما عنده من طعام وشراب، من غير بحث، بل وطلبه منه طعاماً أو شراباً. ١٨ - وجواز شرب اللبن مشوباً بالماء، قال ابن المنير: وذلك لا يدخل في النهي عن الخليطين، فإنه مقيد بالمسكر، أي إنما ينهى عن الخليطين إذا كان كل واحد منهما من جنس ما يسكر، وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء لأن اللبن عند الحلب يكون حاراً، وتلك البلاد في الغالب حارة، فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد. ١٩ - ومن الرواية السادسة والعشرين، استنبط بعضهم جواز استئذان صاحب الحق في أن يتنازل عن حقه. ٢٠ - وأنه يجوز إعطاء ما ليس بحق إذا أذن صاحب الحق، فمن الواضح أنه لو أذن الغلام لأعطي الأشياخ. ٢١ - وأنه يجوز الإيثار في مثل ذلك، إذ لو لم يجز لم يستأذن، قال الحافظ ابن حجر: وهو مشكل على ما اشتهر من أنه لا إيثار بالقرب، وعبارة إمام الحرمين في هذا: لا يجوز التبرع في العبادات، ويجوز في غيرها، وقد يقال: إن القرب أعم من العبادة، وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصف الأول، ليصلي معه، ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليا خلف الصف وحده، لثبوت الزجر عن ذلك، ففي مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقربة كانت له، وهي تحصيل فضيلة الصف الأول، ليحصل فضيلة تحصل للجاذب، وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته، قال: ويمكن الجواب بأنه لا إيثار، إذ حقيقة الإيثار إعطاء ما استحقه لغيره، وهذا لم يعط الجاذب شيئاً، وإنما رجح مصلحته على مصلحته، لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصوده ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لو لم يوافقه. اهـ وتفسير الحافظ ﵀ للإيثار

стр. 4531

بما فسره اصطلاح مضيق، إذ تقديم مصلحة الغير على مصلحة نفسه إيثار، والقاعدة التي ذكرها غير متفق عليها، فقد أجازوا تنازل الأحق بالإمامة لمن هو دونه في الأحقية، وهو إيثار بالقرب. والله أعلم. ٢٢ - واستدل بالحديث على جواز هبة الواحد للجماعة شيئاً على سبيل المشاع. ٢٣ - قال بعضهم: وفي الحديث أنه يجوز هبة الشيء المملوك مشاعاً لجماعة، وهو قول الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة في هبة ما يقبل القسمة، قال: والحديث ظاهر في ذلك، لأن النبي ﷺ سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مشاعاً غير متميز، فدل على صحة هبة المشاع. كذا قال الحافظ ابن حجر، مؤيداً بذلك ابن بطال، والتحقيق أن النبي ﷺ لم يسأل الغلام هبة نصيبه من اللبن، فنصيبه من اللبن مشاعاً باق له، وإنما سأله التنازل عن حق الترتيب، وعن حق اتصال شربه بسؤر النبي ﷺ ولذلك كان اعتذاره رفض التنازل عن هذا الحق "لا أوثر بنصيبي منك أحداً" فليس في الحديث هبة المملوك مشاعاً لآخرين، لكن فيه هبة المملوك على التعيين، نعم فيه هبة صاحب اللبن لبنه لجماعة على سبيل المشاع. والله أعلم

стр. 4532

(٥٦١) باب لعق الأصابع والإناء بعد الأكل والأكل بثلاث أصابع والتقاط اللقمة الساقطة ٤٦٣٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أكل أحدكم طعاماً، فلا يمسح يده حتى يلعقها، أو يُلعقها". ٤٦٣٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أكل أحدكم من الطعام فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يُلعقها". ٤٦٣٧ - عن ابن كعب بن مالك عن أبيه ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يلعق أصابعه الثلاث من الطعام. ولم يذكر ابن حاتم الثلاث. وقال ابن أبي شيبة: في روايته عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه. ٤٦٣٨ - وفي رواية عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها. ٤٦٣٩ - عن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها. ٤٦٤٠ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال "إنكم لا تدرون في أيه البركة".

стр. 4533

٤٦٤١ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا وقعت لقمة أحدكم، فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان. ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة". ٤٦٤٢ - وفي رواية عن سفيان بهذا الإسناد. مثله. وفي حديثهما "ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها أو يُلعقها" وما بعده. ٤٦٤٣ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه. فإذا سقطت من أحدكم اللقمة، فليمط ما كان بها من أذى؛ ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان. فإذا فرغ، فليلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة". ٤٦٤٤ - وفي رواية عن الأعمش بهذا الإسناد "إذا سقطت لقمة أحدكم" إلى آخر الحديث ولم يذكر أول الحديث "إن الشيطان يحضر أحدكم". ٤٦٤٥ - عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث. قال: وقال "إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان" وأمرنا أن نسلت القصعة. قال "فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة". ٤٦٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "إذا أكل أحدكم، فليلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أيتهن البركة". ٤٦٤٧ - وفي رواية عن حماد بهذا الإسناد. غير أنه قال "وليسلت أحدكم الصحفة" وقال "في أي طعامكم البركة، أو يبارك لكم".

стр. 4534

-[المعنى العام]- إن الحكم الشرعي يرتبط بظروفه وملابساته ارتباطاً كاملاً، يرتبط بالزمان والمكان والأشخاص والإمكانات والأحوال، وكأنه يقول: هذا الحكم لهذه الحادثة وما شابهها في جميع ملابساتها، وهذا معنى قولهم: إن الخطاب الشرعي للحاضرين وقت الخطاب، ويكلف به من يأتي بعدهم عن طريق القياس، فإذا قال الله تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم﴾ [النور: ١١] فالخطاب للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ونحن في القرن العشرين مكلفون بهذا عن طريق القياس، فإذا وقع إفك مشابه، وخاض فيه بعضنا وجب علينا أن لا نحسبه شراً لنا، وأن نؤمن بأنه خير لنا، وعلينا إذا سمعناه قلنا: ﴿ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور: ١٦]. وهذا معنى أن الإسلام وشرائعه صالح لكل زمان ومكان، أي إذا وقعت واقعة مشابهة من جميع الوجوه لواقعة صدر فيها حكم شرعي أمام نزول الوحي، نقل إلى الأخيرة حكم الأولى. خذ مثلاً حديث "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وعنده منه شيء" هذا الحكم العام فهم منه الصحابة أنه مرتبط بظروفه، وأنه صدر في عام مجاعة، فلما كان العام المقبل سألوا رسول الله ﷺ : نفعل في أضحيتنا ما فعلنا في العام الماضي؟ قال: لا. كلوا وأطعموا، وادخروا، فإن ذاك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيه. وعلى هذا فنحن مطالبون شرعاً في أضحيتنا بما طولب به الصحابة في أضحيتهم إذا وقعت الظروف المشابهة وقد ربطت بعض الأحكام الشرعية بظروفها صراحة، كما في الحديث السابق، وكما في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣] فقد بين في الآية أن التيمم وجوازه مرتبط بعدم وجود الماء فعلاً أو حكماً، كالمريض. لكن الكثير من الأحكام الشرعية ارتبط بظروفه قطعاً دون تصريح بهذا الارتباط. خذ مثلاً حديث "كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد -أي بحفنة واحدة من الماء- ويغتسل بالصاع" -أي بأربع حفنات، أي كان يغتسل بأقل من لتر، ويتوضأ بأقل من ربع لتر، وكان يغتسل هو وعائشة من إناء صغير، يغترفان منه سوياً، حتى تقول له: دع لي. دع لي. فهل نغتسل مثل هذا الاغتسال وصنابير المياه "والدش" تملأ البيوت؟ والماء كثير يفيض عن الحاجات؟ اللهم. لا، لكن إن وقعنا في ظروف اغتسال الرسول ﷺ اغتسلنا مثل اغتساله، وتوضأنا مثل وضوئه. هذه الظروف نفسها هي التي جعلت الاستجمار بالأحجار -أي مسح أثار البول والغائط، بالأحجار، بعد التبرز، مغنياً عن غسل تلك الآثار بالماء، مع أن الآثار يقيناً تبقى بعد المسح بالأحجار، مهما تصورنا حصول النقاء. فهل نفعل اليوم مع وجود الماء وتيسر استعماله كما كان يفعل رسول الله ﷺ وصحابته؟ عند ندرة الماء وقلته؟ اللهم. لا. لكن إن وقعنا في ظروف استجمار الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 4535

وصحابته استجمرنا مثل استجمارهم، وفي هذه الحالة نكون قد التزمنا بأكبر قدر ممكن من النظافة، حسب الظروف المتاحة، و ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وآداب الأكل التي معنا في هذا الباب من هذا القبيل، لعق الأصابع التي يؤكل بها، ولعق القصعة بعد الأكل، والأكل بثلاث أصابع، وأكل اللقمة الساقطة. يروي البخاري وغيره أن بعض الصحابة كانوا يحملون معهم النوى، يمصونه عند الجوع، ويشربون عليه جرعة من ماء، فلما قيل لهم: وما كان يغني عنكم النوى؟ قالوا: عرفنا قيمته حين فقدناه. ويروي البخاري وغيره عن أنس بن مالك ﵁ أن خياطاً دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، فذهب أنس خادم رسول الله ﷺ معه، فماذا كانت الوليمة المعدة للقائد والحاكم الأعلى للدولة؟ كانت طبقاً صغيراً فيه ماء، تسبح فيه قطع قليلة من القرع، ولم يأكل معهما الخياط لقلة الطعام فكانت أصابع رسول الله ﷺ تتبع قطعة القرع في الإناء، وكان أنس يجمع قطع القرع، ويدنيها من أصابع رسول الله ﷺ . تلك كانت حياتهم وطعامهم وشرابهم، فما هي أرقى صورة حضارية في مثل هذه الظروف؟ لا ملاعق، ولا شوك، ولا سكاكين، ولا ماء للغسل، ولا مناديل ورقية للمسح، كيف يعمل المسلم ليكون في أعلى درجات النظافة الممكنة؟ والإمكانات المتاحة؟ . الأكل بثلاث أصابع، الإبهام والسبابة والوسطى، فيها يحصل أقل درجات التمكن من الأكل، ولا يأكل بأربع أو بخمس أو بالكف، لتقل درجة التلوث بالطعام قدر الإمكان. ثم لعق الأصابع الثلاث بعد الأكل، ولا يمسها بثيابه، ولا يلمس بها نظيفاً بجواره، ولا غضاضة في هذا اللعق، فما عليها من طعام هو نفسه من جنس ما ابتلعه منه، ولم يختلط بقذر، والريق الذي سيختلط به باللعق قد اختلط بما ابتلعه من قبل من الطعام، فماذا في ذلك؟ . العرف في هذه الأيام، في بيئة حضارية يستقبح هذا المنظر وينفر منه في حين يلعق الملعقة التي دخلت فم آخرين، واختلطت بلعاب الآخرين، والعرف كثيراً ما يستقبح الحسن، ويستحسن القبيح، وإذا تعارض العرف والشرع قدم الشرع على العرف، لكنه في مثل هذه المسألة يمكن لعق الأصابع لمن أكل بها، وأصابتها زهومة الطعام، ثم يغسلها الآكل بما شاء، وكيف شاء، فهو خير من أن يغسلها ملوثة بالدهون، عملاً بالحديث الذي رواه أبو داود بسند صحيح، بلفظ "من بات وفي يده غمر" -أي من بات وعلى يده رائحة طعام- "ولم يغسله، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه". -[المباحث العربية]- (إذا أكل أحدكم طعاماً) وفي الرواية الثانية "إذا أكل أحدكم من الطعام" والطعام في

стр. 4536

الأصل كل ما يؤكل، وكل ما به قوام البدن، والمراد منه هنا ما يبقى أثره على اليد من الأطعمة، كالدهون والحموضة والملوحة والروائح غير المحبوبة. (فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها) "يلعقها" الأولى بفتح التاء، والثانية بضم الياء وكسر العين، بينهما لام ساكنة، قال النووي: معناه -والله أعلم- لا يمسح يده حتى يلعقها، فإن لم يفعل فحتى يلعقها غيره ممن لا يتقذر ذلك، كزوجة وجارية وولد وخادم يحبونه، ويلتذون بذلك، ولا يتقذرون، وكذا من كان في معناهم، كتلميذ يعتقد بركته، ويود التبرك بلعقها، وكذا لو ألعقها شاة ونحوها. اهـ واليد في الأصل من الإنسان من المنكب إلى أطراف الأصابع، والمراد هنا جزؤها الذي يلامس الطعام من الكف والأصابع، ففي الرواية الخامسة "أن رسول الله ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ -من الأكل- لعقها" وفي الرواية السادسة "أمر بلعق الأصابع" وفي الرواية العاشرة "إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه" وفي الرواية التاسعة "كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث" وفي الرواية الرابعة "كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده -أي أصابعه- قبل أن يمسحها". والمراد من الأصابع الثلاث الإبهام، والتي تليها، والوسطى، فعند الطبراني في الأوسط، عن كعب بن عجرة، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث، بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، الوسطى، ثم التي تليها، ثم الإبهام" قال في شرح الترمذي: كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثاً، لأنها أطول، فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها أول ما تنزل في الطعام، والمراد بلعق الأصابع لحسها باللسان، ومصها بالشفتين، والمراد بمسحها بعد اللعق إمرارها على قطعة من القماش ونحوها كالمنديل، أو إمرار القماش عليها، لإزالة ما بقي عليها، وذلك حيث لم يكن ماء ولا صابون للغسل. (عن ابن كعب بن مالك) هكذا في الرواية الخامسة، وفي ملحقها "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أو عبد الله بن كعب بن مالك" بأو وفي ملحقها الآخر "عن عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن كعب" بالواو، "أو أحدهما" قال النووي: ولا يضر الشك في الراوي إذا كان الشك بين ثقتين، لأن ابني كعب هذين ثقتان. (إنكم لا تدرون في أيه البركة) الجملة مستأنفة استئنافاً تعليلياً، أي لأنكم لا تدرون والضمير في "أيه" للطعام المفهوم من الكلام السابق، و"أي" تضاف إلى متعدد، والمراد في أي أجزائه البركة، فربما كانت بركة الطعام كله في جزئه الذي على الأصابع، فيحرمها من لم يلعق أصابعه، وفي الرواية السابعة "فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" وفي الرواية الثامنة "فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة" وفي الرواية التاسعة "فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة" وفي الرواية العاشرة "فإنه لا يدري في أيتهن البركة" قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها "لا يدري أيتهما" وكلاهما صحيح، أما رواية "في أيتهن" فظاهره -أي في أية جزئية من جزئيات

стр. 4537

الأطعمة- وأما رواية "لا يدري أيتهن البركة" فمعناه أيتهن صاحبة البركة، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقال: أصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به، والمراد هنا -والله أعلم- ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويقوى على طاعة الله تعالى، وغير ذلك. وقد جاء الحديث الصحيح بهذا التعليل، فلا يعدل عنه، لكن ذكر علة لا يمنع من أن تكون هناك علة أخرى، فقد يكون للحكم علتان فأكثر، والتنصيص على واحدة لا ينفي غيرها، وقد أشارت الرواية السابعة والثامنة إلى علة أخرى، وأن الشيطان يحضر الطعام، فإذا سقطت لقمة -أو تركت بقايا الأطعمة على الأيدي أو في القصعة، سهلت للشيطان طعامه وشرابه وإقامته، وقد أضاف القاضي عياض علة أخرى، فقال: إنما أمر بذلك لئلا يتهاون بقليل الطعام. (إذا وقعت لقمة أحدكم) من يده على الأرض، فأصابها أذى. (فليمط ما كان بها من أذى) "يمط" بضم الياء، أي يزيل وينحي، وحكى بعضهم: ماطه وأماطه، فيصح في المضارع فتح الياء، وقال الأصمعي: أماطه لا غير، ومنه إماطة الأذى، والثلاثي لازم، يقال: مطت أنا عنه، أي تنحيت، والمراد بالأذى هنا المستقذر، من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك. (ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه) مما علق بها من طعام، ليقلل من تدنيس المنديل، والمنديل معروف، وهو بكسر الميم، قال أهل اللغة: لعله مأخوذ من الندل، وهو النقل، وقيل: مأخوذ من الندل وهو الوسخ، لأنه يندل به، يقال: تندلت بالمنديل، وتمندلت به، وأنكر الكسائي تمندلت. وذكر القفال في محاسن الشريعة أن المراد بالمنديل هنا المنديل المعد لإزالة الزهومة، لا المنديل المعد للمسح بعد الغسل. (وأمرنا أن نسلت القصعة) أي أمرنا رسول الله ﷺ ، و"نسلت" بفتح النون، وضم اللام، ومعناه نمسحها ونتتبع ما بقي فيها من الطعام، ومنه سلت الدم عن جبهته، إذا مسحه. (وقال: في أي طعامكم البركة، أو يبارك لكم) أي قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة، أو قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم يبارك لكم. شك من الراوي في أي اللفظين سمع. -[فقه الحديث]- قال النووي: في هذه الأحاديث أنواع من سنن الأكل، منها: ١ - استحباب لعق اليد محافظة على بركة الطعام، وتنظيفاً لها. ٢ - واستحباب الأكل بثلاث أصابع، ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر.

стр. 4538

٣ - واستحباب لعق القصعة ونحوها. ٤ - واستحباب أكل اللقمة الساقطة، بعد مسح الأذى الذي يصيبها، هذا إذا لم تقع على موضع نجس، فإن وقعت على موضع نجس تنجست، ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر أطعمها حيواناً، ولا يتركها. ٥ - ومنها إثبات الشياطين، وأنهم يأكلون، والتحذير منهم. ٦ - ومنها جواز مسح اليد بالمنديل، لكن السنة أن يكون بعد لعقها، واستشكل هذا بحديث جابر في البخاري، وفيه "أنهم زمان النبي ﷺ لم يكن لهم مناديل" فيحمل حديث النهي على من وجد، فلا يمسح بالمنديل حتى يلعقها، ولا مفهوم له، بل حكمه أيضاً حكم من وجد، يندب له لعق أصابعه. ٧ - قال الحافظ ابن حجر: يشمل حكم اللعق من أكل بكفه كلها، أو بأصابعه الخمسة، أو ببعضها، وقال ابن العربي في شرح الترمذي: في قوله "فلا يمسح يده" دليل على جواز الأكل بالكف كلها، ويدل عليه أنه ﷺ كان يتعرق العظم، وينهش اللحم، ولا يمكن ذلك عادة إلا بالكف كلها. اهـ وفيه نظر، لأن ذلك ممكن بالثلاث، سلمنا أنه لا يمكن بالثلاث، لكن هو في هذه الحالة ممسك بكفه كلها، لا آكل بها، سلمنا أنه آكل بها لكنه محل ضرورة، ومحل الضرورة لا يدل على عموم الأحوال. قال القاضي عياض: والأكل بأكثر من الثلاث فيه شره وسوء أدب، إذا لم يكن مضطراً إلى ذلك، فإن اضطر إلى ذلك أدعم الثلاثة بالرابعة أو الخامسة، وعند سعيد بن منصور من مرسل ابن شهاب "أن النبي ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس" فيجمع بينه وبين حديث كعب باختلاف الحال. والله أعلم

стр. 4539

(٥٦٢) باب الضيف يتبعه غير من دعي وتكثير الطعام ببركة دعائه ﷺ ٤٦٤٨ - عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار، يقال له: أبو شعيب. وكان له غلام لحام. فرأى رسول الله ﷺ فعرف في وجهه الجوع. فقال لغلامه: ويحك اصنع لنا طعاماً لخمسة نفر؛ فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ خامس خمسة. قال: فصنع ثم أتى النبي ﷺ فدعاه خامس خمسة. واتبعهم رجل، فلما بلغ الباب، قال النبي ﷺ "إن هذا اتبعنا. فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع" قال: لا بل آذن له يا رسول الله. ٤٦٤٩ - عن أنس ﵁ أن جاراً لرسول الله ﷺ فارسياً كان طيب المرق، فصنع لرسول الله ﷺ ، ثم جاء يدعوه. فقال "وهذه لعائشة" فقال: لا. فقال رسول الله ﷺ "لا" فعاد يدعوه. فقال رسول الله ﷺ "وهذه" قال: لا. قال رسول الله ﷺ "لا" ثم عاد يدعوه. فقال رسول الله ﷺ "وهذه" قال: نعم. في الثالثة. فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله. ٤٦٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر. فقال "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول الله. قال: "وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا" فقاموا معه. فأتى رجلاً من الأنصار. فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ "أين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري. فنظر إلى

стр. 4540

رسول الله ﷺ وصاحبيه. ثم قال: الحمد لله. ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب. فقال: كلوا من هذه وأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ "إياك والحلوب" فذبح لهم. فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر "والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم". ٤٦٥١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا أبو بكر قاعد وعمر معه، إذ أتاهما رسول الله ﷺ فقال "ما أقعدكما ها هنا؟ " قالا: أخرجنا الجوع من بيوتنا، والذي بعثك بالحق. ثم ذكر نحو حديث خلف بن خليفة. ٤٦٥٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خمصاً. فانكفأت إلى امرأتي فقلت لها: هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصاً شديداً؟ فأخرجت لي جراباً فيه صاع من شعير. ولنا بهيمة داجن. قال: فذبحتها. وطحنت ففرغت إلى فراغي. فقطعتها في برمتها. ثم وليت إلى رسول الله ﷺ . فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه. قال: فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله، إنا قد ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير كان عندنا. فتعال أنت في نفر معك. فصاح رسول الله ﷺ وقال "يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع لكم سوراً. فحي هلا بكم" وقال رسول الله ﷺ "لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء" فجئت. وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس. حتى جئت امرأتي. فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت لي. فأخرجت له عجينتنا، فبصق فيها وبارك. ثم عمد إلى برمتنا. فبصق فيها وبارك. ثم قال "ادعي خابزة فلتخبز معك. واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها" وهم ألف. فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه. وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجينتنا، -أو كما قال الضحاك- لتخبز كما هو. ٤٦٥٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو طلحة لأم سليم: قد سمعت صوت

стр. 4541

رسول الله ﷺ ضعيفاً أعرف فيه الجوع. فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم. فأخرجت أقراصاً من شعير. ثم أخذت خماراً لها، فلفت الخبز ببعضه. ثم دسته تحت ثوبي وردتني ببعضه. ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ . قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ جالساً في المسجد ومعه الناس. فقمت عليهم. فقال رسول الله ﷺ "أرسلك أبو طلحة" قال: فقلت: نعم. فقال "ألطعام؟ " فقلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه "قوموا" قال: فانطلق، وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ . فأقبل رسول الله ﷺ معه حتى دخلا. فقال رسول الله ﷺ "هلمي ما عندك يا أم سليم" فأتت بذلك الخبز. فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت عليه أم سليم عكة لها فأدمته. ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال "ائذن لعشرة" حتى أكل القوم كلهم وشبعوا. والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون. ٤٦٥٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه، وقد جعل طعاماً. قال: فأقبلت ورسول الله ﷺ مع الناس. فنظر إلي فاستحييت فقلت: أجب أبا طلحة. فقال للناس "قوموا" فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنما صنعت لك شيئاً. قال: فمسها رسول الله ﷺ ودعا فيها بالبركة. ثم قال: "أدخل نفراً من أصحابي عشرة" وقال "كلوا" وأخرج لهم شيئاً من بين أصابعه. فأكلوا حتى شبعوا. فخرجوا. فقال "أدخل عشرة" فأكلوا حتى شبعوا. فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل، فأكل حتى شبع ثم هيأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها. ٤٦٥٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ . وساق الحديث بنحو حديث ابن نمير، غير أنه قال في آخره: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة. قال: فعاد كما كان. فقال "دونكم هذا".

стр. 4542

٤٦٥٦ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ قال: أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع للنبي ﷺ طعاماً لنفسه خاصة. ثم أرسلني إليه. وساق الحديث. وقال فيه: فوضع النبي ﷺ يده وسمى عليه. ثم قال "ائذن لعشرة" فأذن لهم فدخلوا. فقال "كلوا وسموا الله" فأكلوا. حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً. ثم أكل النبي ﷺ بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤراً. ٤٦٥٧ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁، بهذه القصة، في طعام أبي طلحة، عن النبي ﷺ . وقال فيه: فقام أبو طلحة على الباب حتى أتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، إنما كان شيء يسير. قال "هلمه فإن الله سيجعل فيه البركة". ٤٦٥٨ - وفي رواية عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، بهذا الحديث. وقال فيه: ثم أكل رسول الله ﷺ وأكل أهل البيت وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم. ٤٦٥٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ مضطجعاً في المسجد. يتقلب ظهراً لبطن. فأتى أم سليم فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ مضطجعاً في المسجد يتقلب ظهراً لبطن وأظنه جائعاً. وساق الحديث. وقال فيه: ثم أكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة وأم سليم وأنس بن مالك. وفضلت فضلة، فأهديناه لجيراننا. ٤٦٦٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جئت رسول الله ﷺ يوماً، فوجدته جالساً مع أصحابه يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة -قال أسامة وأنا أشك- على حجر. فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله ﷺ بطنه؟ فقالوا: من الجوع فذهبت إلى أبي طلحة، وهو زوج أم سليم بنت ملحان. فقلت: يا أبتاه، قد رأيت رسول الله عصب بطنه بعصابة. فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع. فدخل أبو طلحة على أمي. فقال: هل من شيء؟

стр. 4543

فقالت: نعم. عندي كسر من خبز وتمرات فإن جاءنا رسول الله ﷺ وحده أشبعناه. وإن جاء آخر معه قل عنهم. ثم ذكر سائر الحديث بقصته. ٤٦٦١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن خياطاً دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه. قال أنس بن مالك: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام. فقرب إلى رسول الله ﷺ خبزاً من شعير. ومرقاً فيه دباء وقديد. قال أنس: فرأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدباء من حوالي الصحفة. قال: فلم أزل أحب الدباء منذ يومئذ. ٤٦٦٢ - عن أنس ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ رجل. فانطلقت معه. فجيء بمرقة فيها دباء. فجعل رسول الله ﷺ يأكل من ذلك الدباء ويعجبه. قال: فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه إليه ولا أطعمه. قال فقال أنس: فما زلت، بعد، يعجبني الدباء. ٤٦٦٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً خياطاً دعا رسول الله ﷺ . وزاد: قال ثابت: فسمعت أنساً يقول: فما صنع لي طعام، بعد، أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع. -[المعنى العام]- الأمور الجبلية من طعام وشراب ولباس ونوم، يدخل فيها كسب الإنسان واختياره، ويلحقها المدح أو الذم باتفاق جميع العقلاء، وإلا لم يكن هناك فرق بين أكل الإنسان وأكل الحيوان، ومن هذا المنطلق كانت الأمور الجبلية الاختيارية داخلة في التشريع الإسلامي، وكان فعل الرسول ﷺ أو قوله أو تقريره بخصوصها تشريعاً، على سبيل الوجوب أو الندب أو الأولى أو الإباحة. وإذا كنا مؤمنين بأن محمداً ﷺ نبي ورسول، وأن الوحي كان ينزل عليه صباح مساء بحكم الله، كان من غير المعقول أن يفعل ﷺ فعلاً، ليس من مراد الله تشريعه، ويستمر دون تعديل من الله طيلة حياته ﷺ . وإذا كان الوحي قد جاء بالاعتراض على عبوس وتقطيب وجهه ﷺ أمام أعمى لا يراه، فنزل بقوله تعالى: ﴿عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ [عبس: ١ - ٤].

стр. 4544

وإذا كان الوحي قد جاء بالاعتراض على امتناعه من أكل شيء حلال، إرضاء لأزواجه، فنزل بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ [التحريم: ١]. وإذا كان الوحي قد جاء بالاعتراض على خلجات قلبه ﷺ ، فنزل قوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧]. إذا كان الله يعدل سلوك نبيه ﷺ إلى أرقى أنواع السلوك، ليكون قدوة وأسوة لأمته، حيث أمرت بالاقتداء به: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] كان كل ما أقره الوحي تشريعاً من الله تعالى لأمة محمد ﷺ ، مع مراعاة أن الظروف المحيطة بالتشريع جزء من هذا التشريع، كما سبقت الإشارة إليها في معنى الباب السابق. وكانت محاولة البعض إخراج بعض الأمور الجبلية الاختيارية كالأكل والشرب من التشريع، محاولة تمرد على السنة النبوية، والرسالة المحمدية. وهذه الأحاديث التي نحن بصددها أنموذج موضح لطرف من حياة رسول الله ﷺ في مطعمه ومشربه. كان يجوع أحياناً، فلا يجد في بيته ما يقيم به صلبه، فيربط الحجر على بطنه، ويشد العصابة على جوفه، ويتلوى على الأرض من عض الجوع، وما كان ذلك هواناً من الله، فهو صاحب الوسيلة والفضيلة والشفاعة والمقام المحمود والمنزلة الرفيعة في الجنة، ولكنه كان نبراساً لفقراء الأمة المستقيمين على الشريعة الحقة، أن فقرهم لا ينقصهم عند ربهم، وأنه رب أشعث أغبر، حافي القدمين، لو أقسم على الله لأبره، ورب فقير لا يؤبه له، خير من ملء الأرض من الأغنياء الذين يرهبون وكان بعض أصحابه المقربون إليه، وزيراه اللذين كانا خليفتيه، أبو بكر وعمر، يجوعان، فيخرجهما الجوع من بيوتهما، يلتمسان سد الجوعة بطريق حلال. وكان بعض من آتاه الله من فضله يعرف ذلك، ويسارع في إكرامهم واستضافتهم، تارة يدعوهم إلى بيته وطعامه، كما فعل الأنصاري، صاحب الغلام اللحام في الحديث الأول، وكما فعل الفارسي في الحديث الثاني، وكما فعل جابر في الحديث الخامس، وكما فعل أبو طلحة، زوج أم أنس، كما هو ظاهر في بعض الأحاديث، وكما فعل الخياط في الحديث الثاني عشر وما بعده. وتارة يبعث الهدية والطعام، كما هو ظاهر في بعض أحاديث أنس ﵁. وتارة كان ﷺ يلجأ إلى بعض أصحابه، فيزورهم هو ومن معه، ابتغاء أن يطعموهم ويتحفوهم كأضياف، كما في الحديث الثالث. وفي كل هذه الأحوال تدخل التشريعات الإلهية الفرعية، الضيف المدعو يتبعه ضيف لم يدع، ما موقف الضيف المدعو؟ وما موقف المضيف الداعي؟ وماذا عن المتطفل؟ الداعي يدعو واحداً، فيتمسك المدعو بأن يدعو الداعي مدعواً آخر، ما موقف الداعي؟ وما موقف المدعو من إجابة الدعوة؟

стр. 4545

المرأة في بيتها، ما موقفها من ضيوف زوجها؟ وماذا عن كلامهم معها؟ ومراجعتها لهم؟ الفقير يدعو الكبير الشريف إلى طعام بمنزله، الحرف الوضيعة وموقف الإسلام من أصحابها، السيد يأكل مع خادمه، مناولة الأضياف بعضهم بعضاً. وعلى رأس هذه المباحث الفقير والغني، وما كان عليه رسول الله ﷺ من التقلل من الدنيا، وما كان عليه الصحابة من الزهد أو التنعم، وأيهما أفضل؟ الغني الشاكر؟ أم الفقير الصابر؟ . وأبرز النقاط معجزة تكثير الطعام والشراب ببركة النبي ﷺ ، وهذه المعجزة الحسية المادية التي شهدها آلاف البشر، رأوها رؤيا العين، وأحسوها إحساس الأكل والشرب وتناقلها من الرواة ما يثبتها بالتواتر المعنوي، لكنها كانت في عصر العقل والروح، وأمام معجزة القرآن الكريم لا تكاد تذكر، لذا قد ينكرها بعض الناس. ولم ينكرونها وقد آمنوا بالمائدة تنزل من السماء بدعوة عيسى ﵇؟ وبإنزال المن والسلوى على بني إسرائيل؟ وبناقة صالح التي كان لها شرب؟ ولهم شرب يوم معلوم؟ . فاللهم آمنا بك وبرسولك، وبالكتاب الذي نزل على رسولك، وبالمعجزات التي أظهرتها على يد رسولك ﷺ . -[المباحث العربية]- (كان رجل من الأنصار يقال له: أبو شعيب) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه. (وكان له غلام لحام) بتشديد الحاء، أي يبيع اللحم، أي جزار، وفي رواية للبخاري "فقال لغلام له قصاب" بفتح القاف وتشديد الصاد. (فعرف في وجهه الجوع) بقرينة الحال التي كانوا فيها. (ويحك) كلمة ترحم وتوجع، وقيل: هي بمعنى ويل، يقال: ويح له، ويحاً له، وويحه. (اصنع لنا طعاماً لخمسة نفر) الإضافة بيانية، أي لخمسة هم نفر. (خامس خمسة) يقال: خامس أربعة، وخامس خمسة بمعنى، قال تعالى: ﴿ثاني اثنين﴾ [التوبة: ٤٠] ومعنى خامس أربعة أي زائد عليهم، ومصير الأربعة خمسة، ومعنى خامس خمسة أي أحدهم، والأجود نصب "خامس" على الحال، ويجوز الرفع، بتقدير مبتدأ محذوف، أي وهو خامس خمسة، والجملة حينئذ حالية. (فدعاه خامس خمسة) في رواية "فدعاه وجلساءه الذين معه" وكأنهم كانوا أربعة، وهو خامسهم.

стр. 4546

(واتبعهم رجل) بتشديد التاء، وفي رواية للبخاري "فتبعهم رجل" وهما بمعنى، وذكرها الداودي بهمزة قطع، وتكلف ابن التين في توجيهها، وفي رواية "فجاء معهم رجل". (فلما بلغ الباب) أي باب دار الأنصاري، وفاعل "بلغ" ضمير الرسول ﷺ . (إن هذا اتبعنا) في رواية للبخاري "إنك دعوتنا خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا" وفي رواية "وهذا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا". (فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع) في رواية للبخاري "فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته" وفي رواية "وإن شئت أن يرجع رجع" وفي رواية "فإن أذنت له دخل". (قال: لا. بل آذن له يا رسول الله) "لا" أي لا يرجع، وفي رواية "لا. فقد أذنا له، فليدخل". (أن جاراً لرسول الله ﷺ فارسياً كان طيب المرق) أي يجيد طعم مرق اللحوم، بما يختار من نوعها، وما يضيفه من أملاح وتوابل وبهار. (فصنع لرسول الله ﷺ المفعول محذوف، أي صنع مرقاً، أي ولحم. (فقال: وهذه؟ لعائشة -فقال: لا فقال رسول الله ﷺ : لا) "وهذه" الواو عاطفة على جملة محذوفة، و"هذه" مبتدأ محذوف الخبر، والكلام على الاستفهام، والتقدير: هل أنا مدعو؟ وهذه مدعوة معي؟ فقال: لا. أي ليست مدعوة. فقال رسول الله ﷺ : لا، أي لست قابلاً للدعوة، ولست مجيباً لها. والطاهر أن رفض الرجل لدعوة عائشة سببه أن الطعام كان قليلاً، لا يكفي إلا واحداً، فخشي إن أذن لعائشة أن لا يكفي النبي ﷺ ، والظاهر أن النبي ﷺ علم حاجة عائشة لذلك الطعام بعينه، أو أحب أن تأكل معه منه، لأنه كان موصوفاً بالجودة، فأراد أن تتعلمه لتصنعه، أو للإشارة إلى أنه ينبغي للداعي أن يدعو خواص المدعو معه، وبخاصة من حضر منهم الدعوة. (فقاما يتدافعان، حتى أتيا منزله) أي أخذا يمشيان ويسرعان، يمشي كل واحد منهما في إثر صاحبه، يسابقه المشي، كأنه يدفعه إلى الوراء بتقدمه عليه. (خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر) أي خرج من بيته، على غير جهة، والفاء زائدة، و"إذا" للمفاجأة، ظرف زمان أو ظرف مكان، وتدخل على جملة اسمية، وعاملها عند الجمهور الخبر، أي استقر عنده أبو بكر وعمر وقت أو مكان خروجه. وقيل: عاملها معنى المفاجأة، أي فاجأه أبو بكر وعمر وقت أو مكان خروجه. وفي الرواية الرابعة "بينا أبو بكر قاعد، وعمر معه إذ أتاهما رسول الله ﷺ " فإذا للمفاجأة، أي فاجأهما إتيانه ﷺ بين أوقات قعودهما.

стр. 4547

(ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ ) "بيوتكما" قال النووي: بضم الباء وكسرها، لغتان، قرئ بهما في السبع، وجمع "بيوت" جائز، كالتثنية والإفراد. (الجوع) بالرفع، فاعل لفعل محذوف، أي أخرجنا الجوع، قال النووي: معناه أنهما لما كانا عليه من مراقبة الله تعالى، ولزوم طاعته، والاشتغال به، فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ويقلقهما، ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة، وتمام التلذذ بها، سعياً في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح، يدفعانه به، وهذا من أكمل الطاعات، وأبلغ أنواع المراقبات، وقد نهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، وبحضرة طعام تتوق النفس إليه. اهـ (قال: وأنا) قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ "وأنا" بالواو، وفي بعضها "فأنا" بالفاء. (قوموا. فقاموا معه) قال النووي: هكذا هو في الأصول بضمير الجمع، وهو جائز بلا خلاف -على اعتبار أن الجمع ما فوق الواحد -لكن الجمهور يقولون: إطلاقه على الاثنين مجاز، وآخرون يقولون: حقيقة. (فأتى رجلاً من الأنصار) هو أبو الهيثم -مالك بن التيهان- بفتح التاء وتشديد الياء. (مرحباً وأهلاً) كلمتان معروفتان للعرب، أي صادفت رحباً وسعة، وأهلاً تأنس بهم، مفعولان لفعلين محذوفين. (أين فلان؟ ) اللفظ الذي نطق به رسول الله ﷺ هو اسم الرجل، أبو الهيثم مالك، وفلان تعبير من الراوي، كناية عن الاسم. (ذهب يستعذب لنا من الماء) أي ذهب يطلب لنا العذب الطيب من الماء، ليحضره لنا. (إذ جاء الأنصاري) "إذ" ظرف لقالت، وجملة "جاء الأنصاري" مضاف لإذ، أي قالت كذا وقت مجيء الأنصاري. (فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه) نظرة فرح وسرور وترحيب. (ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني) المقصود من النفي نفي الانبغاء، أي ما ينبغي وما يصح أن يكون أحد أكرم أضيافاً مني اليوم، و"أكرم" خبر "ما" منصوب عند الحجازيين، لأنهم يعملونها عمل ليس، و"أضيافاً" معمول لأكرم. (فجاءهم بعذق، فيه بسر وتمر ورطب) العذق بكسر العين وسكون الذال، وهو غصن النخل ذو الفروع الحاملة للثمرة، والبسر ثمر النخل قبل أن يرطب، والعذق يذكر ويؤنث، وعليه قال "كلوا من هذه" وإنما أتى بهذا العذق الملون ليكون أطرف، وليجمعوا بين أكل الأنواع، فقد يطيب لبعضهم هذا، ولبعضهم هذا، أما العذق بفتح العين فهو النخلة، كلها، وليس مراداً هنا.

стр. 4548

(وأخذ المدية) بضم الميم وكسرها، وهي السكين، والظاهر أن سكين الذبح كانت مميزة عندهم عن السكين التي تستعمل في أغراض أخرى، حتى فهموا من أخذها أنه يقصد الذبح. (إياك والحلوب) أي ذات اللبن، فعول بمعنى مفعول، أي أحذرك من ذبح الحلوب، للانتفاع بلبنها، فإياك مفعول به لفعل محذوف. (فلما أن شبعوا ورووا) بضم الواو، يقال: روي -بكسر الواو وفتح الياء- من الماء ونحوه، يروى بفتح الواو، رياً، بكسر الراء وفتحها مع تشديد الياء، وروي بكسر الراء وفتح الواو، مقصور، إذا شرب وشبع. (لتسألن عن هذا النعيم) سؤال امتنان، فيقال لكم مثلاً، ألم أطعمكم من جوع؟ . (لما حفر الخندق) أي لما بدئ بحفر الخندق، وأثناء حفره. (رأيت برسول الله ﷺ خمصاً) بفتح الخاء وفتح الميم، أي ضموراً في البطن من الجوع، يقال: خمص البطن، بفتح الميم، يخمص بضمها، خمصاً بسكونها، وخموصاً، ومخمصة، خلا وضمر، وخمص الجوع فلاناً، أضعفه، وأدخل بطنه في جوفه، فهو خميص، والجمع خماص بكسر الخاء، وهي خميصة، والجمع خماص وخمائص، وخمص بطنه، بكسر الميم، يخمص بفتحها، خمصاً بفتح الخاء والميم، كخمص بفتح الخاء والميم، فهو خمصان بفتح الخاء وسكون الميم، وهي خمصانة، ويقال خمص البطن بضم الميم، يخمص بضمها، خمصاً بضم الخاء وسكون الميم. (فانكفأت إلى امرأتي، فقلت لها ... ) أي انقلبت ورجعت، قال النووي: ووقع في نسخ "فانكفيت" وهو خلاف المعروف في اللغة، بل الصواب: انكفأت. بالهمز. (فأخرجت لي جراباً) بكسر الجيم وفتحها والكسر أشهر، وهو وعاء من جلد معروف. (ولنا بهيمة داجن) بضم الباء، تصغير بهيمة، وتطلق على الذكر والأنثى، والمراد هنا صغيرة من أولاد الضأن شاة، أو سلخة بنت المعز، والداجن ما ألف البيوت، وكان أغلب أكله وتربيته في البيوت، وليس في المراعي. (وطحنت) بفتح النون، والفاعل ضمير يعود على امرأته. (ففرغت إلى فراغي) أي ضمت فراغها إلى فراغي، أي لتساعدني فيما أعمل لنفرغ. (فقطعتها في برمتها) بتشديد الطاء، والضمير يعود على البهيمة الداجن، بمعونة المقام، و"في برمتها" متعلق بمحذوف حال، أي قطعتها واضعاً قطعها في برمتها، والبرمة القدر من الحجارة.

стр. 4549

(ثم وليت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت .... ) في "وليت" مجاز المشارفة، أي ثم قصدت الذهاب، وأشرفت عليه، ولبست ثيابي له، فقالت. (لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه) أي أعلم رسول الله ﷺ بحقيقة طعامنا ومقداره، حتى لا نفضح بحضور من لا يجد طعاماً عندنا. (فجئته، فساررته، فقلت .. ) الفاء في "فقلت" تفسيرية، فالقول هو المسارة. (وطحنت صاعاً من شعير) بفتح النون، والضمير لامرأته، بدلالة المقام. (فتعال أنت في نفر معك) التنوين في "نفر" للتقليل، والنفر من الثلاثة إلى العشر من الرجال. (إن جابراً قد صنع لكم سوراً) بضم السين وسكون الواو غير مهموز، وهو الطعام الذي يدعى إليه، وقيل: هو الطعام سلقاً، وهي لفظة فارسية. (فحيهلا بكم) قال النووي: "حي هلا" بتنوين "هلا" وقيل: بلا تنوين، على وزن علا، ويقال: حي هلا، ومعناه عليك بكذا، وقيل: معناه أعجل به، وقيل: معناه هات وعجل به. اهـ وللعرب كلمات، نحتوها من جمل، كالبسملة من بسم الله الرحمن الرحيم، من الحمد لله، والحيعلة من حي على الصلاة وحي على الفلاح، والحيهلة، والمعنى أقبلوا وأهلاً بكم. (لا تنزلن برمتكم) عن النار، حين ترجع إليها، وعبر بنون التوكيد الثقيلة للالتزام والاهتمام، والتاء في "تنزلن" مضمومة. (ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء) "تخبزن" بفتح التاء وسكون الخاء وكسر الباء وضم الزاي بعدها نون التوكيد، والخطاب لجابر وأهله، و"حتى أجيء" يحتمل أن تكون غاية لعدم إنزال البرمة وعدم الخبز، ويحتمل أن تكون غاية لعدم الخبز فقط، وهو الأولى، لأن الخبز بدأ بعد مجيئه، أما عدم إنزال البرمة فاستمر بعد مجيئه. (فجئت، وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك، وبك) في الكلام تقديم وتأخير، والمراد من "جئت" الأولى رجعت، أن بدأت الرجوع والمراد من "جئت" الثانية الوصول ونهاية الرجوع، وأصل الترتيب فبدأت الرجوع من عند النبي ﷺ من الخندق، سابقاً على مجيء النبي ﷺ ، حتى وصلت إلى امرأتي، فأخبرتها بما حصل من النبي ﷺ لأهل الخندق، فقالت: بك، وبك -أي بك تلحق الفضيحة، وبك يتعلق الذم، وقيل: بك أي برأيك وقع ما وقع، وبسوء نظرك وتصرفك حصل ما حصل، ويحتمل أنه دعاء عليه بأن يقع به سوء ويقع به آخر، غير قاصدة وقوع المدعو به، كما يحصل عند الغضب والفزع، وبعد ذلك جاء رسول الله ﷺ يقدم قومه.

стр. 4550

(فقلت: قد فعلت الذي قلت لي) أطلق الفعل على القول، أي قلت الذي قلت لي، أو فعلت الإسرار بالذي قلت لي، وأخبرته ﷺ بالذي عندنا. (فأخرجت له عجينتنا) تاء الفاعل لجابر، أي أخرجها من حجرتها إليه ﷺ ، أو كشف غطاءها عنها، بعد أن جاء يحملها، فهي قدر صاع. (فبصق فيها، وبارك) قال النووي: هكذا هو في أكثر الأصول "فبصق" وفي بعضها "فبسق" وهي لغة قليلة، والمشهور بصق وبزق. اهـ (ثم عمد إلى برمتنا، فبصق فيها وبارك) "عمد" بفتح الميم، أي قصد واتجه نحو البرمة، وهي على النار. (ثم قال) لامرأتي. (ادعي خابزة فلتخبز معك) قال النووي: "ادعي" هذه اللفظة وقعت في بعض الأصول هكذا، بعين ثم ياء، وهو الصحيح الظاهر، لأنه خطاب للمرأة، ولهذا قال: "فلتخبز معك" وفي بعضها "ادعوني" بواو ونون، وفي بعضها "ادعني" وهما أيضاً صحيحان، وتقديره: اطلبوا واطلب لي خابزة. اهـ (واقدحي من برمتكم، ولا تنزلوها، أي واغرفي من برمتكم، ولا تنزليها أنت ولا أحد من الموجودين) يقال: قدحت المرق أقدحه، بفتح الدال، أي غرفته. (وهم ألف) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، أو حالية من فاعل "لأكلوا" داخلة في جواب القسم. (حتى تركوه، وانحرفوا) أي حتى تركوا الطعام شبعا، وانصرفوا عنه عدم رغبة فيه. (وإن برمتنا لتغط كما هي) الجملة حالية، و"تغط" بكسر الغين، وتشديد الطاء، أي تغلي، ويسمع غليانها، ومنه غطيط النائم، وهو صوت نفسه حين يتردد في خياشيمه، والمعنى أن البرمة كانت تغلي بما فيها، كما كانت قبل الغرف منها. (وإن عجينتنا لتخبز كما هو) كان الأصل أن يقول: كما هي، ليعود الضمير على العجينة باعتبار لفظها، ولكنه أعاد الضمير عليها مذكراً باعتبارها عجيناً. (عن أنس بن مالك قال: قال أبو طلحة لأم سليم) أبو طلحة هو زيد بن سهل الأنصاري، وأم سليم من السابقين إلى الإسلام من الأنصار، وكانت زوجة لمالك بن النضر في الجاهلية، وولدت له أنساً قبل أن تسلم، ولما أسلمت غضب زوجها مالك، فخرج إلى الشام، ومات بها، فخطبها أبو طلحة، فقالت له: ما مثلك يرد يا أبا طلحة، ولكنك امرؤ كافر، وأنا مسلمة، لا تحل لي، فإن تسلم فذلك

стр. 4551

مهري، فأسلم، فكان ذلك مهرها، وكان أبو طلحة يرمي بين يدي النبي ﷺ يوم أحد، ويقول له: نحري دون نحرك يا رسول الله، وتوفي سنة أربع وثلاثين. وكانت أم سليم تغزو مع رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ يزورها، فتتحفه بالشيء تصنعه له، وكان أنس ابنها ربيب أبي طلحة خادم رسول الله ﷺ لعشر سنين، طلبت أمه من رسول الله ﷺ أن يدعو له، فدعا له بالزيادة في ماله وولده، فيروى عنه أنه كان يقول: دفنت من صلبي مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، أقام بعد النبي ﷺ بالمدينة، وشهد الفتوح، وقطن البصرة، ومات بها سنة تسعين، وهو آخر الصحابة موتاً ﵃ أجمعين. قال الحافظ ابن حجر: وقد اتفقت الطرق على أن الحديث المذكور من مسند أنس، وقد وافقه على ذلك أخوه لأمه عبد الله بن أبي طلحة، فرواه مطولاً عن أبيه، أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن، وأوله "عن أبي طلحة، قال: دخلت المسجد، فعرفت في وجه رسول الله ﷺ الجوع ... " الحديث. (قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً، أعرف فيه الجوع) هكذا في الرواية السادسة، وبقيتها فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها -أي الطرحة التي كانت تغطي وجهها وصدرها بها -فلفت الخبز ببعضه- أي ولفته بالخمار - ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه -أي وردت ثوبي علي- وعند البخاري "ولاثتني ببعضه" أي لفتني به، أي لفت بعضه على رأسه، وبعضه على إبطه، يقال: لاث العمامة على رأسه، أي عصبها. ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ جالساً في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم -أي وقفت أمامهم- فقال رسول الله ﷺ : أرسلك أبو طلحة؟ قال: فقلت: نعم. فقال: ألطعام؟ فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: قوموا .... ". وفي الرواية السابعة عن أنس قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، لأدعوه، وقد جعل طعاماً، قال: فأقبلت، ورسول الله ﷺ مع الناس، فنظر إلي، فاستحييت، فقلت: أجب أبا طلحة. فقال للناس: قوموا ... ". وفي الرواية الثامنة "أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع للنبي ﷺ ، طعاماً لنفسه خاصة، ثم أرسلني إليه ... الحديث كالسابق. وفي الرواية العاشرة "عن أنس قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ مضطجعاً في المسجد، يتقلب ظهراً لبطن، فأتى أم سليم، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ مضطجعاً في المسجد، يتقلب ظهراً لبطن، وأظنه جائعاً ... الحديث كالسابق. وفي الرواية الحادية عشرة "عن أنس بن مالك قال: جئت رسول الله ﷺ يوماً، فوجدته جالساً مع أصحابه، يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة على حجر .... فذهبت إلى أبي طلحة، فقلت: يا أبتاه ... فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل عندك شيء؟ فقالت: نعم. عندي كسر من خبز، وتمرات .... ". قال الإمام النووي: اعلم أن أنساً ﵁ روى هنا حديثين: الأول من طريق، والثاني من طريق، وهما

стр. 4552

قضيتان، جرت فيهما هاتان المعجزتان -تكثير الطعام القليل، وعلمه ﷺ بأن الطعام القليل سيكثر -ففي الحديث الأول أن أبا طلحة وأم سليم ﵄ أرسلا أنساً ﵁ إلى النبي ﷺ بأقراص شعير .... إلى آخر ما ذكر في الرواية السادسة، وأما الحديث الآخر ففيه أن أنساً قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه ... " ثم ساق روايتنا السابعة. ثم قال: وهذا الحديث قضية أخرى بلا شك، وفيها ما سبق في الحديث الأول وزيادة. اهـ وكذلك يميل الحافظ ابن حجر: إلى تعدد القصة، فيقول بعد أن ذكر روايات مسلم، وزاد عليها رواية أحمد "إن أبا طلحة رأى رسول الله ﷺ طاوياً" ورواية أبي يعلى "إن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله ﷺ طعام، فذهب، فأجر نفسه بصاع من شعير، ثم جاء به" ورواية أبي نعيم "جاء أبو طلحة إلى أم سليم، فقال: أعندك شيء، فإني مررت على رسول الله ﷺ ، وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط على بطنه حجراً من الجوع" يقول: ولا منافاة بين ذلك، لاحتمال أن تكون القصة تعددت، ويدل على التعدد ما بين العصيدة [الواردة في البخاري، بلفظ "أن أم سليم عمدت إلى مد من شعير، جشته -أي جعلته جشيشاً، دقيقاً غير ناعم- وجعلت منه خطيفة -وهي العصيدة، وزناً ومعنى- وعصرت عكة عندها .... الحديث] والخبز المفتوت، الملتوت بالسمن، من المغايرة. اهـ وفي النفس من تعدد القصة شيء، فالمسجد الوارد في الرواية السادسة وفي الرواية العاشرة المراد به الموضع الذي أعده النبي ﷺ للصلاة فيه، حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق، كما يقول الحافظ ابن حجر. وكون القوم ثمانين، ودخلوا عشرة عشرة، دون اختلاف في ملابسات وصولهم يبعد التعدد. ثم إن الجمع ممكن وسهل، فكون الرائي لأعراض الجوع أبا طلحة أو أنساً لا يلزمه التنافي، فقد يكون كل منهما قد رأى، وكل منهما قد أخبر. وكون أنس ذهب بكسر الخبز، وعاد به لا ينافي ما حصل بعد وصول النبي ﷺ من فته، ولته بالسمن. وكون أم سليم قدمت خبزاً مفتوتاً، أو عصيدة، فيمكن أن تكون قد جمعت بينهما، وأن الخبز الكسر المرسل مع أنس هو الذي فت، وأنها لما رأت الناس طحنت الدشيش وطبخته عصيدة. والتشابه في الأحداث يرجح عدم التعدد. والله أعلم. (فقمت عليهم) سياق الكلام أن أبا طلحة وأم سليم أرسلا الخبز مع أنس، ليأخذه النبي ﷺ ، فيأكله، فلما وصل أنس، ورأى كثرة الناس حول النبي ﷺ استحيا، وظهر له أن يدعو النبي ﷺ ، ليقوم معه وحده إلى المنزل، فيحصل مقصودهم من إطعامه، ويحتمل أن يكون ذلك تخطيطاً ممن أرسله، وأنهما قالا له: إن رأيت كثرة الناس فادع النبي ﷺ وحده، خشية أن لا يكفيهم الخبز الذي يحمله، وقد عرفوا إيثار النبي ﷺ ، وأنه لا يأكل وحده، فلما رأى كثرة الناس دعاه.

стр. 4553

(آرسلك أبو طلحة؟ ) بهمزة ممدودة للاستفهام. (فانطلق، وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته) في رواية "فقال للقوم: انطلقوا. فانطلقوا، وهم ثمانون رجلاً" وفي أخرى "فلما قلت له: إن أبي يدعوك، قال لأصحابه: يا هؤلاء. تعالوا، ثم أخذ يدي، فشدها، ثم أقبل بأصحابه، حتى إذا دنوا -أي من منزل أبي طلحة- أرسل يدي، فدخلت، وأنا حزين، لكثرة من جاء معه". (فقالت: الله ورسوله أعلم) كأنها عرفت أنه فعل ذلك عمداً، ليظهر الكرامة في تكثير ذلك الطعام، أي إنه عرف الطعام ومقداره، فهو أعلم بالمصلحة، فلو لم يعلمها في مجيء الجمع العظيم لم يفعلها فلا تحزن يا أبا طلحة. (فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ أي فانطلق إلى خارج الدار، ليتلقى رسول الله ﷺ وصحبه، وفي رواية "فاستقبله أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، ما عندنا إلا قرص، عملته أم سليم" وفي رواية "إنما صنعت لك شيئاً" وفي روايتنا التاسعة "يا رسول الله إنما كان شيء يسير" وفي رواية "فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنما أرسلت أنساً يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى. يا رسول الله. إنما هو قرص؟ فقال رسول الله ﷺ : ادخل، فإن الله سيبارك فيما عندك". (هلمي ما عندك يا أم سليم) في بعض الروايات "هلم" وهو في لغة الحجاز لا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع، أي هات ما عندك. (وعصرت عليه أم سليم عكة لها) "العكة" بضم العين وتشديد الكاف، إناء من جلد، مستدير، يجعل فيه السمن غالباً، وفي رواية "فقال: هل من سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العكة سمن، فجاء بها، فجعلا يعصرانها، حتى خرج، ثم مسح رسول الله ﷺ به سبابته، ثم مسح القرص، فانتفخ. (فأدمته) بمد الهمزة وقصرها، لغتان، وضمير الفاعل لأم سليم، أي جعلت فيه إداماً. (ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول) في الرواية السابعة "فمسها رسول الله ﷺ ، ودعا فيها بالبركة" وفي رواية "ثم قال: بسم الله. اللهم أعظم فيها البركة". (ثم قال: ائذن لعشرة) ظاهره أنه ﷺ دخل منزل أبي طلحة وحده، وهو كذلك، وقد صرح به في رواية، ولفظها "فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الباب قال لهم: اقعدوا، ودخل". (وإنما أذن لعشرة عشرة فقط) لأن لا يتصور أن يتحلق حول القصعة أكثر من هذا العدد، فكان بهذا أرفق بهم، لئلا يبعد بعضهم عن القصعة. (ثم هيأها، فإذا هي مثلها حين أكلوا منها) أي حين بدءوا الأكل منها، ومعنى "هيأها"

стр. 4554

أي هيأ القصعة، وجمع ما على جدرانها من طعام، وفي ملحق الرواية السابعة "ثم أخذ ما بقي، فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة، فعاد كما كان، فقال -لأبي طلحة وأم سليم وأنس- دونكم هذا" أي خذوا هذا، فكلوا. (ثم أكل النبي ﷺ بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤراً) أي بقية، وفي ملحق الرواية التاسعة "ثم أكل رسول الله ﷺ ، وأكل أهل البيت، وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم" وفي الرواية العاشرة "ثم أكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة وأم سليم وأنس بن مالك، وفضلت فضلة، فأهديناه لجيراننا". (إن خياطاً) في رواية أنه كان غلام النبي ﷺ ، ولفظها عن أنس "إن مولى لي خياطاً دعاه". (دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه) فكان الطعام -كما في الرواية- خبزاً من شعير، ومرقاً فيه دباء وقديد" والدباء بضم الدال وتشديد الباء ممدودة، ويجوز القصر وأنكره القرطبي، وهو القرع -وقيل: خاص بالمستدير منه، وهو اليقطين أيضاً، واحده دباة ودبة ودباءة. (فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام) عند ابن ماجه بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: "بعثت معي أم سليم بمكتل، فيه رطب، إلى رسول الله ﷺ ، فلم أجده، وخرج قريباً إلى مولى له دعاه، فصنع له طعاماً، فأتيته وهو يأكل، فدعاني، فأكلت معه، قال: وصنع له ثريدة بلحم وقرع، فإذا هو يعجبه القرع، فجعلت أجمعه، فأدنيه منه" قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين قوله في هذه الرواية "فلم أجده" وبين حديث الباب "ذهبت مع رسول الله ﷺ " بأنه أطلق المعية باعتبار ما آل إليه الحال، ويحتمل تعدد القصة على بعد. (فرأيت رسول الله ﷺ يتبع الدباء من حوالي الصحفة) "حوالي" بفتح اللام وسكون الياء، أي جوانب، يقال: رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه، واللام مفتوحة في الجميع، ولا يجوز كسرها. -[فقه الحديث]- يمكن حصر فقه الحديث في هذا الباب في أربع نقاط: ١ - الضيف يتبعه شخص لم يدع، ماذا على الضيف؟ وماذا على الداعي؟ صاحب الطعام؟ . ٢ - ما كان عليه الرسول ﷺ من ضيق الحال، والكرم. ٣ - تكثير الطعام، كمعجزة حسية لرسول الله ﷺ . ٤ - ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام والحكم. وهذا هو التفصيل:

стр. 4555

١ - أما النقطة الأولى فقال النووي: إن المدعو إذا تبعه رجل، بغير استدعاء، ينبغي له أن لا يأذن له، وينهاه، وإذا بلغ باب دار صاحب الطعام أعلمه به، ليأذن له، أو يمنعه، وأن صاحب الطعام يستحب له أن يأذن له، إن لم يترتب على حضوره مفسدة، بأن يؤذي الحاضرين، أو يشيع عنهم ما يكرهونه، أو يكون جلوسه معهم مزرياً بهم، فإن خيف من حضوره شيء من هذا لم يأذن له، وينبغي أن يتلطف في رده، ولو أعطاه شيئاً من الطعام كان حسناً، إن كان يليق به، ليكون رداً جميلاً. اهـ وهذه قضية الرواية الأولى، وقد أخذ منها الحافظ ابن حجر: أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه. كما أخذ منها أن من قصد التطفيل لم يمنع ابتداء، لأن الرجل تبع النبي ﷺ فلم يرده، لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له. قال: وينبغي أن يكون هذا الحديث أصلاً في جواز التطفيل، لكن يقيد بمن احتاج إليه، وقد جمع الخطيب في أخبار الطفيليين جزءاً، فيه عدة فوائد، منها أن الطفيلي منسوب إلى رجل يقال له: طفل، من بني عبد الله بن غطفان، كثر منه الإتيان إلى الولائم بغير دعوة، فسمي طفيل العرائس، فسمي من اتصف بعد بصفته طفيلياً. ثم قال الحافظ: واستدل به على منع استتباع المدعو غيره -أي عدم دعوة المدعو لغيره ليصحبه- إلا إذا علم من الداعي الرضا بذلك. اهـ وهذا المأخذ غير واضح من الحديث، فإن الرواية الأولى ليس فيها استتباع، ولا منع استتباع، ولا يؤخذ من عدم الفعل المنع لكن قد يؤخذ من الرواية الثانية إذ منع ﷺ من الاستتباع، فأقره والتزم به، على أن قصة جابر وأبي طلحة والخياط لا تؤيد هذا المأخذ، إلا أن يقال: إن دعوة النبي ﷺ لغيره في هذه الأحاديث كانت دعوة لما صار حقاً له، واستدل به على أن الطفيلي يأكل حراماً، وقد روي عن ابن عمر مرفوعاً "من دخل بغير دعوة دخل سارقاً، وخرج مغيراً" وهو حديث ضعيف، رواه أبو داود، وقال الشافعية: لا يجوز التطفيل، إلا لمن كان بينه وبين صاحب الدار انبساط. اهـ وينبغي أن يقيد بما إذا قبله صاحب الدار بقبول حسن. أما الرواية الثانية ففيها أن الداعي لم يأذن لمن أراد المدعو استصحابه، وهذا حقه فقد لا يكفي طعامه غير المدعو، فيحرج، وقد يتكره صاحب الدار دخوله، استثقالاً له، أو لأمر ما، ولم يستخدم جابر وطلحة هذا الحق، إما لأنهما علما بركة النبي ﷺ ورجواها، وإما لأن بينهما وبين النبي ﷺ من المودة والإجلال له ما يمنعهما من ذلك، لكن هل من حق المدعو لوليمة أن يمتنع من الإجابة، إذا امتنع الداعي من الإذن لمن أراده المدعو؟ ظاهر الحديث أن له ذلك، لكن الحافظ ابن حجر يقول: ليس له أن يمتنع، ويجيب عن هذه الرواية بأن الدعوة لم تكن لوليمة، وإنما صنع الفارسي طعاماً، قال: ويستحب للداعي أن يدعو خواص المدعو، كما في قصة اللحام، بخلاف الفارسي، فلذلك امتنع من الإجابة إلا أن يدعوها. ٢ - أما عن النقطة الثانية -ما كان عليه ﷺ وأصحابه من الضيق في الرزق-
следующие страницы →