Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
٤٧٤٨ - عن أنس ﵁ قال: رخص رسول الله ﷺ أو رخص للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما.
٤٧٤٩ - عن أنس ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكوا إلى رسول الله ﷺ القمل. فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما.
-[المعنى العام]-
خلق آدم ﵇ من الأرض، وأدخله الجنة، لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يتعب، نعيم من غير كد، وراحة من غير شقاء، وكان من أمره ما كان، فهبط إلى الأرض، ليقضي فيها مدة تشبه مدة العقوبة، ومن بعده ذريته، يقضون على الأرض عمراً قد يمتد، وقد يقصر، وصل بنوح ﵇ ألف سنة، ومات كثير من الأطفال عقب الولادة، مشيئة الله أن تولد ذرية آدم على الأرض، مخلوقة من عناصر الأرض، وتعيش عمرها في الدنيا على الأرض، تأكل من نبات الأرض، وتسعى وتكد لإعمار الأرض، وتموت فتدفن في تراب الأرض، ثم تبعث يوم القيامة من الأرض، إما إلى جنة، وإما إلى نار، نتيجة لأعمالها في دنياها، قال تعالى: ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ [البقرة: ٣٦] وكان العمر لذرية آدم فترة اختبار وامتحان ﴿قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون* والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩] لم تكن الدنيا دار نعيم، وما عاش الإنسان عليها ليتنعم، بل إن نعيمه فيها محسوب عليه، مخصوم من نعيمه الدائم في الآخرة، من هنا كان فقراء الدنيا، الذين عاشوا عابدين طائعين متقين مستقيمين على صراط الله أكثر أهل الجنة، وكان أغنياء الدنيا قليلين في الجنة، لأنهم شغلتهم أموالهم وأهلوهم عن الصراط المستقيم، ومن هنا كانت دعوة الإسلام إلى الكفاح، ومجاهدة النفس، ومجاهدة الشهوات، والتقلل من التنعم والطيبات أكثر من دعوته إلى الغنى والتنعم، وها هي الأحاديث تحرم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، لما في ذلك من الإسراف المحرم، فالطعام والشراب في آنية الذهب والفضة لا يزيد حلاوة عنه في إناء من الفخار، وكل ما يفيده الزهو والفخر والخيلاء والإعجاب النفسي، والتباهي البشري، وينسى ابن آدم المسكين أصله، وأنه نطفة مذرة، وحاله الآن، إذ هو يحمل العذرة،
ومآله بعد الموت، حيث يكون جيفة قذرة.
وتحرم على الرجال لبس خواتيم الذهب، والتحلي بالذهب بأي نوع من أنواع الحلية، بل واستعمال الذهب على أي حال.
стр. 4622
وتحرم على الرجال لبس الحرير بأنواعه، فيقول ﷺ "لا تشربوا في إناء الذهب والفضة ولا تلبسوا الديباج والحرير، فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة" وقال عن جبة الحرير "إنما هذه لباس من لا خلاق له" وقال "لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة" و"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وقال "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم".
إن الإسلام لا يدعو إلى الفقر، بل يدعو إلى العمل والكفاح، والعمل والكفاح لا يتفق مع التنعم والتخنث، بل يحتاج الخشونة والرجولة والشهامة والقوة، إن الخدور للنساء، والنعومة للنساء، والتزين والتجمل شأن النساء، ولعن الله الرجال المشبهين بالنساء.
كيف يعمل في المصانع والمزارع من يلبس الحرير؟ وكيف يضرب بسواعده من يحليها بالذهب؟ وكيف يتحمل مشاق السفر والجهاد من اعتاد أن يأكل في أواني الذهب أو الفضة؟ .
إن الإسلام عز، وعلا، وارتقى، وانتشر، وساد، وحكم، حينما كان أبناؤه رجالاً، شجعاناً أبطالاً، فلما تنعم أبناؤه، وأصيبوا بالترف والرفاهية، ونعمت جلودهم كالنساء، ولانت أظافرهم كالأطفال، وخلدوا إلى الراحة والبطالة، واستبدلوا بالنشاط والحركة الخمول والكسل تأخر المسلمون، وتقدم غيرهم من العاملين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
-[المباحث العربية]-
(الذي يشرب في آنية الفضة) في ملحق الرواية "أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب" والواو فيها بمعنى "أو" ففي الرواية الثانية "من شرب في إناء من ذهب أو فضة" وفي الرواية الثالثة "نهانا عن شرب بالفضة" وفي الرواية الرابعة "لا تشربوا في إناء الذهب والفضة" وفي الرواية الخامسة "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها" والصحاف جمع صحفة، وهي دون القصعة، قال الجوهري: قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها، تشبع العشرة ثم الصحفة، تشبع الخمسة، ثم المكيلة، تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة، تشبع الرجل. اهـ والمراد هنا أي إناء، صغر أو كبر.
(إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) قال النووي: اتفق العلماء من أهل الحديث واللغة والغريب وغيرهم على كسر الجيم الثانية من "يجرجر" واختلفوا في حركة راء "نار" فنقلوا فيها النصب والرفع، وهما مشهوران في الرواية وفي كتب الشارحين وأهل الغريب واللغة، والنصب هو الصحيح المشهور الذي جزم به الأزهري وآخرون من المحققين، ورجحه الزجاج والخطابي والأكثرون، ويؤيده الرواية الثانية "يجرجر في بطنه ناراً من جهنم" وفي مسند أبي عوانة والجعديات "إنما يجرجر في جوفه ناراً" من غير ذكر جهنم. اهـ والجرجرة الصب، أو التجرع، أو التصويت، فالنصب على المفعولية، والفاعل ضمير الشارب، على معنى: يصب أو يتجرع ناراً، والرفع على أن النار هي التي
стр. 4623
تصوت، قيل: إن الكلام على مجاز التشبيه، فإن النار لا صوت لها، وقيل: يخلق الله لها صوتاً، و"إنما" كافة ومكفوفة، أي إن "ما" كفت ومنعت "إن" عن العمل، كما في قوله تعالى ﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾ [طه: ٦٩] وسمي المشروب ناراً لأنه يئول إليها، كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ [النساء: ١٠] أي إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب أو الفضة إنما يأكل أو يشرب شيئاً يئول إلى نار، يأكله أو يشربه يوم القيامة، ولفظ "جهنم" عجمي لا ينصرف، للعلمية والعجمة، سميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جهنام إذا كانت عميقة القعر، وقال بعض اللغويين: مشتقة من الجهومة، وهي الغلظ، وسميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب. وفي ملحق الرواية الثالثة "من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة" وفي الرواية الرابعة "لا تشربوا في إناء الذهب والفضة ...
فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة يوم القيامة" وفي الرواية الخامسة "فإنها لهم في الدنيا" وفي رواية للبخاري "نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هن لهم في الدنيا، وهن لكم في الآخرة" بلفظ "هن" ضمير جمع النسوة، وفي رواية أبي داود "هي" فمعنى "هو" أو "هي" أي جميع ما ذكر، وليس معنى "لهم في الدنيا" إباحة استعمالهم إياه، وإنما المعنى أنهم هم الذين يستعملونه، مخالفين المسلمين، ويمنعونه في الآخرة، جزاء لهم على معصيتهم باستعماله، وعند النسائي بسند قوي "من شرب في آنية الفضة والذهب في الدنيا لم يشرب فيهما في الآخرة، وآنية أهل الجنة الذهب والفضة" فهل الوعيد بعدم دخول الجنة؟ أم بعدم الشرب في آنية الذهب والفضة في الجنة إن دخلها، الظاهر الأول، للأحاديث السابقة "يجرجر في بطنه نار جهنم" أي لمدة معينة.
(أمرنا رسول الله ﷺ بسبع) أي بسبع خصال، أو سبع فضائل، والأمر بسبع في مجلس لا ينافي الأمر بغيرها في مجلس آخر، فالعدد لا مفهوم له، ولا يفيد تحديد المأمورات.
(أمرنا بعيادة المريض) سميت زيارة المريض عيادة، لأن شأنها العود والتكرار.
(واتباع الجنازة) بفتح الجيم وكسرها، اسم للميت في النعش، مأخوذة من جنزه يجنزه إذا ستره، ويطلق على الخشبة التي يحمل عليها الميت لفظ سرير، أو نعش، واتباع الجنائز الاتصال بها، أعم من الصلاة عليها، أو تشييعها، أو دفنها.
(وتشميت العاطس) التشميث بالشين المعجمة مصدر شمت بتشديد الميم، ويقال: سمت بالسين المهملة، بدل الشين. قال ابن الأنباري: كل داع بالخير مشمت بالشين المعجمة، والسين المهملة، والعرب تجعل الشين والسين في اللفظ الواحد بمعنى. اهـ وهذا ليس مطرداً، بل هو في مواضع معدودة، وقال أبو عبيد: التشميت بالمعجمة أعلى وأكثر، وقال عياض: هو كذلك للأكثر من أهل العربية، وفي الرواية، وقال ثعلب: الاختيار أنه بالمهملة، لأنه مأخوذ من السمت، وهو القصد والطريق القويم، وأشار ابن دقيق العيد إلى ترجيحه، وقال القزاز: التشميت التبرك، والعرب تقول: شمته، إذا دعا له بالبركة، وشمت عليه، إذا برك عليه، وقال ابن التين عن أبي عبد الملك قال:
стр. 4624
التشميت بالمهملة أفصح، وهو من سمت الإبل في المرعى، إذا جمعها، فمعناه على هذا، جمع الله شملك، وتعقب بأن شمت الإبل إنما هو بالمعجمة، وكذا نقله غير واحد أنه بالمعجمة، فيكون معنى شمته دعا له بأن يجمع الله شمله، وقيل: هو بالمعجمة من الشماتة، وهي فرح الشخص بما يسوء عدوه، وكأنه دعا له أن لا يكون في حال من يشمت به، أو أنه إذا حمد الله أدخل على الشيطان ما يسوؤه، فشمت هو بالشيطان، وقيل: هو من الشوامت، جمع شامته، وهي القائمة، يقال: لا ترك الله له شامته، أي قائمة، وقال ابن العربي في شرح الترمذي: المعنى في اللفظين بديع، وذلك أن العاطس ينحل كل عضو في رأسه، وما يتصل به من العنق ونحوه، فكأنه إذا قيل له: رحمك الله. كان معناه أعطاك الله رحمة، يرجع بها كل عضو إلى سمته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة فمعناه: صان الله شوامتك، أي قوائمك التي بها قوام بدنك عن خروجها عن الاعتدال، قال: وشوامت كل شيء قوائمه التي بها قوامه، فقوام الدابة بسلامة قوائمها، التي ينتفع بها إذا سلمت، وقوام الآدمي بسلامة قوائمه، التي بها قوامه، وهي رأسه، وما يتصل به من عنق وصدر. اهـ ملخصاً، كذا نقله الحافظ ابن حجر.
و"العاطس" من عطس بفتح الطاء، يعطس بكسر الطاء وضمها، والعطاس معروف، وينشأ من خفة البدن، وانفتاح المسام، وعدم الغاية في الشبع، فالعطاس يدفع الأذى من الذي فيه قوة الفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس، وبسلامته تسلم الأعضاء، فهو نعمة جليلة.
(وإبرار القسم، أو المقسم) بر القسم صدقه، وتحقيقه، وعدم الحنث فيه، وإبراره جعله باراً، فالمراد تصديق الحالف في حلفه، أو إجابة ما يحلف عليه، أي فعل ما أراده الحالف، ليصير بذلك باراً، قال الحافظ ابن حجر: واختلف في ضبط سين "المقسم" والمشهور أنها بالكسر وضم أوله، على أنه اسم فاعل، وقيل بفتحها مع ضم أوله.
(وإفشاء السلام) أي إشاعته وإكثاره، وبذله لكل مسلم، وفي ملحق الرواية "ورد السلام" بدل "وإفشاء السلام".
(وعن المياثر) جمع مئثرة بكسر الميم وسكون الهمزة، وهي وطاء كانت النساء يضعنه لأزواجهن على السروج، وكانت من مراكب العجم، وتكون من الحرير، كما تكون من الصوف وغيره، وقيل: أغشية من الحرير للسروج، وقيل: هي سروج من الديباج، وقيل: هي كالفراش الصغير، تتخذ من حرير، وتحشى بقطن أو صوف، يجعلها الراكب على البعير تحته، فوق الرحل، والمئثرة مهموزة، وقد تكون بالياء، وهي مفعلة بكسر الميم، من الوثارة، يقال: وثر -بضم الثاء- وثارة بفتح الواو، فهو وثير، أي وطيء لين، وأصلها موثرة بكسر الميم، فقلبت الواو ياء، لكسر ما قبلها، كما في ميزان وميقات وميعاد، من الوزن والوقت والوعد، وأصلها موزان وموقات وموعاد.
وفي رواية للبخاري "نهى عن المياثر الحمر" وفي روايتنا الحادية عشرة "وميثرة الأرجوان" وعند أبي داود "نهى عن المياثر الأرجوان" بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو خفيفة، وحكى
стр. 4625
القاضي عياض ثم القرطبي فتح الهمزة، وأنكره النووي، وصوب أن الضم هو المعروف في كتب الحديث واللغة والغريب، واختلفوا في المراد به، فقيل: هو صبغ أحمر، شديد الحمرة، وهو نور شجر من أحسن الألوان، وقيل: الصوف الأحمر، وقيل: كل شيء أحمر فهو أرجوان، واختلفوا هل هذه الكلمة عربية؟ أو معربة؟ قولان.
والنهي عن المياثر نهي عن الركوب والجلوس عليها.
(وعن القسي) بفتح القاف وكسر السين المشددة. هذا هو المعتمد الصحيح المشهور، وبعض أهل الحديث يكسر القاف، قال أبو عبيد: أهل الحديث يكسرونها، وأهل مصر يفتحونها.
قال النووي: واختلفوا في تفسيره، والصواب ما ذكره مسلم -في روايتنا العاشرة- عن يحيى بن أبي إسحق قال: "قال لي سالم بن عبد الله في الإستبرق" وعند البخاري "قال لي سالم: ما الإستبرق؟ " قلت: ما غلظ من الديباج وخشن منه" وقيل: القسي ثياب مضلعة، يؤتى بها من مصر والشام، قال أهل اللغة وغريب الحديث: هي ثياب مضلعة بالحرير، تعمل بالقس، بفتح القاف، وهو موضع من بلاد مصر، وهو قرية على ساحل البحر، قريبة من تنيس، وقيل: هي ثياب كتان مخلوط بحرير، وقيل: هي ثياب من القز.
(وعن لبس الحرير) الحرير معروف، وهو عربي، سمي به لخلوصه، يقال: لكل خالص محرر، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره، وقيل: هو فارسي معرب.
(والإستبرق) وهو غليظ الديباج.
(والديباج) بفتح الدال وكسرها، وجمعه دبابيج، عجمي معرب.
(وإنشاد الضال) أي التعريف عن الضائع والملتقط.
(كنا مع حذيفة بالمدائن) "المدائن" على هيئة جمع لفظ مدينة، وهو بلد عظيم على دجلة، بينها وبين بغداد سبعة فراسخ، كانت مسكن ملوك الفرس، وبها إيوان كسرى المشهور، وكان فتحها على يد سعد بن أبي وقاص، في خلافة عمر، سنة ست عشرة، و"حذيفة" بن اليمان كان من كبار الصحابة، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ يوم الخندق، ينظر إلى قريش، فجاءه بخبر رحيلهم، شهد أحداً والخندق وفتوح العراق، وكان فتح همدان والري والدينور على يديه، وكانت فتوحاته سنة ثنتين وعشرين، واستعمله عمر على المدائن، فلم يزل بها حتى مات، بعد قتل عثمان، وبعد بيعة علي بأربعين يوماً على أرجح الأقوال، وكان يعرف بصاحب سر رسول الله ﷺ ، لأنه خص بأحاديث الفتن.
(فاستسقى حذيفة) أي طلب أن يشرب، وفي رواية للبخاري "فاستقى".
(فجاءه دهقان بشراب، في إناء من فضة) الدهقان بكسر الدال على المشهور، وحكي ضمها، ووقع في بعض نسخ صحاح الجوهري مفتوحاً، قال النووي: وهذا غريب، والدهقان زعيم
стр. 4626
فلاحي العجم، وقيل: زعيم القرية ورئيسها، وهو عجمي معرب، وقيل: النون فيه أصلية، مأخوذ من الدهقنة، وهي الرياسة، فينون، ولا يمنع من الصرف، وقيل: النون زائدة، من الدهق، وهو الامتلاء، فيمنع من الصرف، قال القاضي: يحتمل أنه سمي به من جمع المال، وملأ الأوعية منه، قالوا: ويحتمل أن يكون من الدهقنة والدهمة، وهي لين الطعام، لأنهم يلبنون طعامهم وعيشهم لسعة أيديهم وأحوالهم، وقيل: لحذقه ودهائه، والظاهر أن هذا الدهقان كان ساقي الأمير، لتكرر قيامه بسقي حذيفة، ولا مانع من أن يتقرب زعيم القرية بسقي الأمير بنفسه المرة بعد المرة، وفي ملحق الرواية "فأتاه إنسان بإناء من فضة" أي بشراب في إناء من فضة، وفي الرواية الخامسة "فسقاه مجوسي في إناء من فضة" وفي هذه الرواية مجاز المشارفة، أي فأراد مجوسي سقيه في إناء من فضة، وفي رواية للبخاري "فأتاه دهقان بقدح من فضة" أي بشراب في قدح، والشراب كان ماء، ففي رواية للبخاري "بماء في إناء".
(فرماه به) أي فرمى الدهقان بالإناء، وفي رواية "فرمى به في وجهه" وفي رواية "فحذفه به" وفي رواية "فرماه به فكسره" وفي رواية "ما يألو أن يصيب به وجهه".
(وقال: إني أخبركم أني قد أمرته ألا يسقيني فيه) في رواية للبخاري "فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته" وفي رواية له "لم أكسره إلا أني نهيته، فلم يقبل" وفي رواية "ثم أقبل على القوم، فاعتذر" وفي رواية "لولا أني تقدمت إليه مرة أو مرتين، لم أفعل به هذا" وفي رواية "فرمى به في وجهه، قال: فقلنا: اسكتوا، فإنا إن سألناه لم يحدثنا، قال: فسكتنا، فلما كان بعد ذلك قال: أتدرون لم رميت بهذا في وجهه؟ قلنا: لا. قال: ذلك أني كنت نهيته ... ".
(عن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب) هكذا رواه أكثر أصحاب نافع، فهو من مسند ابن عمر، وكذا هو في روايتنا السابعة والثامنة والتاسعة، لكن النسائي أخرجه "عن عمر أنه رأى حلة" فجعله في مسند عمر، قال الدارقطني: المحفوظ أنه من مسند ابن عمر.
(رأى حلة سيراء) قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن، والحلة إزار ورداء، زاد ابن الأثير: إذا كانا من جنس واحد، وحكى القاضي عياض أن أصل تسمية الثوبين حلة، أنهما يكونان جديدين، قد حل طيهما، وقيل: لا يكون الثوبان حلة، حتى يلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حل عليه، والأول أشهر، والسيراء بكسر السين وفتح الياء والراء والمد، هي برود يخالطها حرير، قال مالك: هو الوشى من الحرير، والوشى بفتح الواو وسكون الشين بعدها ياء، وقال الأصمعي، ثياب فيها خطوط من حرير أو قز، وإنما قيل لها "سيراء" لتسيير الخطوط فيها، وقال الخليل: ثوب مضلع بالحرير، وقيل: مختلف الألوان، فيه خطوط ممتدة، كأنها السيور.
قال الخليل: ليس في الكلام فعلاء، بكسر الفاء مع المد سوى سيراء، وحولاء، وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد، وعنباء، لغة في العنب، ونقل عياض عن سيبويه، قال: لم يأت فعلاء صفة، لكن اسماً، وهو الحرير الصافي.
стр. 4627
واختلف في قوله "حلة سيراء" هل هو بالإضافة من إضافة الشيء لصفته و"حلة" بغير تنوين؟ أو هو عطف بيان أو وصف، و"حلة" بالتنوين. قال النووي: هما وجهان مشهوران، والمحققون ومتقنو العربية يختارون الإضافة، وأكثر المحدثين ينونون، وجزم القرطبي بأنه الرواية.
وفي الرواية الثامنة "حلة من إستبرق" وفي الرواية التاسعة "قباء من ديباج أو حرير" وفي رواية "حلة سندس" قال النووي: فهذه الألفاظ تبين أن الحلة كانت حريراً محضاً، وهو الصحيح الذي يتعين القول به في هذا الحديث جمعاً بين الروايات.
(عند باب المسجد) النبوي، وفي رواية ابن إسحق "أن عمر كان مع النبي ﷺ في السوق، فرأى حلة" قال الحافظ ابن حجر: ولا تخالف بين الروايتين، لأن طرف السوق كان يصل إلى قرب باب المسجد. اهـ فيحتمل أن النبي ﷺ ترك عمر عند بداية السوق، قبل أن يرى عمر الحلة، ودخل المسجد أو بيته، ودخل عمر السوق.
وفي الرواية السابعة "رأى عمر عطارداً التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء -أي يعرضها للبيع- وكان رجلاً يغشى الملوك، ويصيب منهم" وأخرج الطبراني عن حفصة بنت عمر "أن عطارد بن حاجب جاء بثوب من ديباج، كساه إياه كسرى" وفي الرواية التاسعة "أن عمر رأى على رجل من آل عطارد قباء من ديباج أو حرير" والظاهر أن عطارد كان يلبس الحلة في السوق تارة، ويلبسها أحد أقاربه تارة أخرى، وعطارد هذا بضم العين وكسر الراء، هو ابن حاجب بن زرارة بن عدس الدارمي، يكنى أبا عكرشة، وكان من جملة وفد بني تميم، أصحاب الحجرات وقد أسلم، وحسن إسلامه، واستعمله النبي ﷺ على صدقات قومه، لكنه بعد وفاة رسول الله ﷺ ارتد فيمن ارتد من بني تميم، وتبع سجاح، ثم عاد إلى الإسلام، وهو الذي قال في سجاح:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها
وأضحت أنبياء الناس ذكرانا
فلعنة الله رب الناس كلهم
على سجاح ومن بالكفر أغوانا
وكان أبوه من رؤساء بني تميم في الجاهلية، وكان يقال له: ذو القوس، لأنه لما قحط مضر، بدعوة النبي ﷺ رحل إلى بلاد كسرى، وسأله أن يأذن له بالإقامة حول بلاده، فقال له: إنكم أهل غدر، فمن يضمن لي أن تفي؟ قال: أرهنك قوسي، وهو أغلى سلاحي، ومات حاجب، ورجع عطارد إلى بلاده، بلاد بني تميم، ثم رجل إلى كسرى يطلب قوس أبيه، فردها عليه، وكساه حلة غالبة، فعرضها للبيع.
(فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه ... ) وفي الرواية السابعة "فقال عمر: يا رسول الله إني رأيت عطارداً يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها ... " وفي الرواية الثامنة وجد عمر بن الخطاب حلة من إستبرق، تباع بالسوق، فأخذها، فأتى بها رسول الله ﷺ ، فقال ... " وفي الرواية العاشرة "فأتى بها النبي ﷺ ... ".
والظاهر أن عمر أخذ الحلة من عطارد ليعرضها على الرسول ﷺ ليشتريها، فلما رفض شراءها أعادها إلى عطارد.
стр. 4628
ونقل الحافظ ابن حجر عن الطبراني عن عطارد نفسه أنه أهدى إلى النبي ﷺ ثوب ديباج، كساه إياه كسرى، قال الحافظ: والجمع بين هذا وبين حديث رفض الشراء أن عطارداً لما أقامه في السوق ليباع، لم يتفق له بيعه، فأهداه للنبي ﷺ . اهـ وهذا الجمع بعيد، لأن ما يرفض شراءه ﷺ يرفض قبول هديته في ذات الوقت، وروايتنا السادسة تقول "ثم جاءت رسول الله ﷺ منها حلل" وروايتنا السابعة تقول "فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله ﷺ بحلل سيراء" وروايتنا الثامنة تقول "فلبث عمر ما شاء الله، ثم أرسل إليه رسول الله ﷺ بجبة ديباج ... " وتقول روايتنا السابعة عشرة "لبس النبي ﷺ يوماً قباء من ديباج، أهدي له، ثم أوشك أن نزعه، فأرسل به إلى عمر بن الخطاب، فقيل له: قد أوشك ما نزعت يا رسول الله؟ فقال: نهاني عنه جبريل، فجاء عمر يبكي .. " وتقول روايتنا الثامنة عشرة "عن علي ﵁ قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة سبراء، فبعث بها إلي، فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ... ".
وطريق الجمع بين هذه الأحاديث سهل، فقد كانت حلة عطارد من الحرير الخالص الواضح لخبراء الحرير وغير خبراء الحرير، وكان الهدف شراءها ولبسها، فرفض الشراء واللباس، ومنع على من له خلاق إسلامي، ثم أهديت لرسول الله ﷺ حلة، ثم حلل أخرى، غير حلة عطارد قد تكون إحداها من عطارد، أهداها إليه كسرى، لأنه كان يتردد عليه، ويصيب منه، وأتي رسول الله ﷺ بحلل من الفيء ونحوه، فكان أن أرسل إحداها إلى عمر، وأخرى إلى علي، وكانت القاعدة أن يلبسها النساء، لا الرجال، أما أن الرسول ﷺ لبس حلة، ثم نزعها فتلك حلة اختلط حريرها بغيره، وظنها ﷺ من غير الممنوعات، فأوحي إليه بنزعها، وتطبيق القاعدة عليها.
و"لو" في قوله "لو اشتريت هذه؟ فلبستها" للتمني، أو للشرط، وجوابها محذوف، أي لكان حسناً.
(فلبستها للناس يوم الجمعة؟ وللوفد إذا قدموا عليك) وفي الرواية السابعة "فلو اشتريتها، فلبستها لوفود العرب، إذا قدموا عليك؟ ولبستها يوم الجمعة" قال الحافظ ابن حجر: وكأنه خصه بالعرب لأنهم كانوا إذ ذاك الوفود في الغالب، لأن مكة لما فتحت بادر العرب بإسلامهم، فكان كل قبيلة ترسل كبراءها ليسلموا، ويرجعوا إلى قومهم فيعلموهم، وفي الرواية الثامنة "يا رسول الله، ابتع هذه، فتجمل بها للعيد وللوفد" فبعض الروايات ذكر العيد، وبعضها ذكر الجمعة، ويجمع بالأخذ بالروايتين، وعند النسائي "فتجمل بها لوفود العرب إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد وغيره".
(إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة) في الرواية السابعة "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" وفي الرواية الثامنة "إنما هذه لباس من لا خلاق له" وفي الرواية التاسعة "إنما يلبس هذا من لا خلاق له" والخلاق النصيب، وقيل: الحظ، وهو المراد هنا أي من لا حظ له ولا نصيب، ويطلق أيضاً على الحرمة، وعلى الدين، أي من لا حرمة له، أو من لا دين له.
(فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها) قال ذلك باعتبار ما فهم هو، وإلا فقد ظهر من بقية
стр. 4629
الحديث أنه لم يبعث بها إليه ليلبسها، ويحتمل أن المراد من كسوتنيها أعطيتني ما يصلح أن يكون كسوة، والأول أوجه. وفي الرواية الثامنة "فأقبل بها عمر، حتى أتى بها رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله. قلت: إنما هذه لباس من لا خلاق له -أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له، ثم أرسلت إلي بهذه"؟ وفي الرواية السابعة عشرة "فجاء عمر يبكي، فقال: يا رسول الله. كرهت أمراً، وأعطيتنيه؟ فما لي"؟ وفي رواية "فجاء عمر بحلته يحملها، فقال: بعثت إلي بهذه، وقد قلت بالأمس -أي في زمن مضى- في حلة عطارد ما قلت .... " وفي رواية عن عمر قال: "فخرجت فزعاً، فقلت: يا رسول الله، ترسل بها إلي؟ وقد قلت فيها ما قلت"؟ .
(إني لم أكسكها لتلبسها) "لم أكسكها" من قبيل المشاكلة لقوله "كسوتنيها" والمراد لم أعطكها لتلبسها، ففي الرواية السابعة "لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها" لتصيب بسببها نفعاً لك بأن تلبسها زوجاتك، أو تهبها لمن يلبسها، أو تبيعها فتصيب بها مالاً، وفي الرواية الثامنة "تبيعها، وتصيب بها حاجتك" وفي الرواية التاسعة "إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها" وفي ملحقها "إنما بعثت بها إليك لتنتفع بها" وفي الرواية السابعة عشرة "إنما أعطيتكه تبيعه" وفي الرواية الواحدة والعشرين "إنما بعثت بها إليك لتنتفع بثمنها"، وقد أجاب ﷺ أسامة في الرواية السابعة بقوله "إني لم أبعث إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين نسائك" أي لتقطعها قطعاً، فتفرقها على نسائك خمراً، والخمر بضم الخاء والميم جمع خمار، بكسر الخاء وفتح الميم مخففة، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.
وأجاب ﷺ علياً ﵁ بقوله في الرواية الثامنة عشرة "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين النساء" وفي الرواية التاسعة عشرة "شققه خمراً بين الفواطم" وفي ملحقها "بين النسوة" وفي الرواية المتممة للعشرين قال علي: "فشققتها بين نسائي"، وفي الرواية الثامنة عشرة "فأطرتها بين نسائي" أي قسمتها بين نسائي، يقال: أطار لي في القسم كذا، أي صار لي كذا، وقد روى الطحاوي عن علي ﵁ في هذه القصة، قال: فشققت منها أربعة أخمرة، خماراً لفاطمة بنت أسد بن هاشم، أم علي، وخماراً لفاطمة بنت النبي ﷺ ، وخماراً لفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، وخماراً لفاطمة أخرى لم يذكر الراوي اسمها، قال عياض: لعلها فاطمة، امرأة عقيل بن أبي طالب، لاختصاصها بعلي ﵁ بالمصاهرة، وقربها إليه بالمناسبة، وهي بنت شيبة بن ربيعة، وقيل: بنت عتبة بن ربيعة، وقيل: بنت الوليد بن عتبة، وهي من المبايعات، وشهدت مع النبي ﷺ غزوة حنين.
(فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة) في الرواية السابعة عشرة "فباعه -أي عمر- بألفي درهم" وفي رواية عند النسائي "أخاً له من أمه" وفي رواية للبخاري "فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم" قال النووي: وهذا يشعر بأنه أسلم بعد ذلك، وقال الحافظ ابن حجر: نقل عن ابن الحذاء في رجال الموطأ أن اسمه عثمان بن حكيم. وقال الدمياطي: هو السلمي أخو خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقصي، قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن أطلق عليه أنه أخو
стр. 4630
عمر لأمه لم يصب، قال الحافظ ابن حجر: بل له وجه بطريق المجاز، ويحتمل أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد، فيكون عثمان بن حكيم أخا عمر لأمه من الرضاع، وأخا زيد لأمه من النسب، قال الحافظ: ولم أقف على اسمه في الصحابة، فإن كان قد أسلم فقد فاتهم، فليستدرك، وإن كان مات كافراً، كان قوله "قبل أن يسلم" لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال كفره، مع قطع النظر عما وراء ذلك. اهـ
وقد جمع الحافظ ابن حجر بين رواية بيع عمر له بألفي درهم، ورواية إرساله لأخيه المشرك بمكة بقوله: إن كان حديث البيع محفوظاً أمكن أن يكون عمر باعه بإذن أخيه، بعد أن أهداه له. اهـ
(قال لي سالم بن عبد الله في الإستبرق) في رواية البخاري والنسائي "قال لي سالم: ما الإستبرق؟ قال: قلت: ما غلظ من الديباج" وهذا معنى رواية مسلم التي معنا، لكنها هنا مختصرة، ومعناها: قال لي سالم في الإستبرق: ما هو؟ فقلت: ما غلظ إلخ. قال النووي: فرواية مسلم صحيحة، لا قدح فيها، وقد أشار القاضي عياض إلى تغليطها، وأن الصواب رواية البخاري، وليست بغلط، بل صحيحة، كما أوضحناه. اهـ
(العلم في الثوب) بفتح العين واللام، وهو ما يكون في الثوب من تطريف أو تطريز ونحوهما بالحرير.
(أما ما ذكرت من رجب، فكيف بمن يصوم الأبد؟ ) هذا الجواب إنكار منه لما بلغها عنه من تحريمه، وإخبار بأنه يصوم رجب كله، وأنه يصوم الأبد، والمراد بالأبد ما سوى العيدين والتشريق.
(وأما ما ذكرت من العلم في الثوب، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول ... إنما يلبس الحرير من لا خلاق له، فخفت أن يكون العلم منه) هذا الجواب ليس اعترافاً منه بأنه كان يحرمه، بل إخباراً بأنه تورع عنه، خوفاً من دخوله في عموم النهي عن الحرير.
(وأما مئثرة الأرجوان فهذه مئثرة عبد الله، فإذا هي أرجوان) هذا الجواب إنكار لما بلغها عنه فيها، قال النووي: والمراد أنها حمراء، وليست من حرير، بل من صوف أو غيره، وقد تكون من الحرير، وقد تكون من الصوف، وأن الأحاديث الواردة في النهي عنها مخصوصة بالتي هي من الحرير.
(فأخرجت إلى جبة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج) الطيالسة جمع طيلسان، بفتح اللام على المشهور، وذكر القاضي أن الطيلسان يقال بفتح اللام وضمها وكسرها. قال النووي: وهذا غريب ضعيف، والطيلسان الثوب الذي له علم، وقد يكون كساء "وجبة طيالسة" بإضافة "جبة" إلى "طيالسة" والكسروانية بكسر الكاف وفتحها، والسين ساكنة، والراء مفتوحة، ونقل القاضي أن جمهور الرواة رووه بكسر الكاف، وهو نسبة إلى
стр. 4631
كسرى، ملك الفرس، وفيه كسر الكاف وفتحها، قال القاضي: ورواه الهروي في مسلم فقال "خسروانية" واللبنة بكسر اللام وسكون الباء رقعة في جيب القميص.
(وفرجيها مكفوفين بالديباج) قال النووي: هكذا وقع في جميع النسخ "وفرجيها مكفوفين" وهما منصوبان بفعل محذوف، أي ورأيت فرجيها مكفوفين، ومعنى المكفوف أنه جعل لها كفة -بضم الكاف- وهو ما يكف به جوانبها، ويعطف عليها، ويكون ذلك في الذيل وفي الفرجين وفي الكمين. اهـ والمراد هنا من الفرجين بفتح الفاء وسكون الراء الفتحتان الجانبيتان اللتان تخرج اليدان منهما.
(نغسلها للمرضى، يستشفى بها) أي يتبرك بماء غسيلها المريض، فيشفيه الله.
(لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) قيل: فإنه لا يدخل الجنة، لأن لباسهم فيها حرير، وقيل: قد يدخل الجنة ولا يشتهيه ولا يلبسه. وفي الرواية الرابعة "وهو لكم في الآخرة يوم القيامة" قال النووي: جمع بين "الآخرة" و"يوم القيامة" لأنه قد يظن أنه بمجرد موته صار في حكم الآخرة في هذا الإكرام، فبين أنه إنما هو في يوم القيامة، وبعده في الجنة أبداً، ويحتمل أن المراد أنه لكم في الآخرة من حين الموت، ويستمر في الجنة أبداً. اهـ
وفي الرواية الرابعة عشرة "لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة".
(عن زهير عن عاصم الأحول عن أبي عثمان قال: كتب إلينا عمر) أبو عثمان كان واحداً من جند تحت إمرة عتبة بن فرقد، والكتاب موجه إلى القائد، فقول أبي عثمان "كتب إلينا" أي لأجلنا، أي كتب إلى القائد ليقرأه علينا، فقرأه علينا، وفي الرواية الرابعة عشرة عن أبي عثمان "كنا مع عتبة بن فرقد، فجاءنا كتاب عمر أن رسول الله ﷺ قال ... " قال النووي: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على البخاري ومسلم، وقال: هذا الحديث لم يسمعه أبو عثمان من عمر، بل أخبر عن كتاب عمر، وهذا الاستدراك باطل، فإن الصحيح الذي عليه جماهير المحدثين ومحققو الفقهاء والأصوليين جواز العمل بالكتاب، وروايته عن الكاتب، سواء قال في الكتاب: أذنت لك في رواية هذا عني، أو أجزتك روايته عني، أو لم يقل شيئاً، وقد أكثر البخاري ومسلم وسائر المحدثين والمصنفين في تصانيفهم من الاحتجاج بالمكاتبة، فيقول الراوي: كتب إلي فلان كذا، أو كتب إلي فلان قال: حدثنا فلان، أو أخبرني فلان مكاتبة، ومنه هذا الذي نحن فيه، وذلك معمول به عندهم، معدود في المتصل، لإشعاره بمعنى الإجازة، وزاد السمعاني، فقال: المكاتبة أقوى من الإجازة، ودليلهم في المسألة الأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول الله ﷺ كان يكتب إلى عماله ونوابه وامرائه، ويفعلون ما فيها، وكذلك الخلفاء، ومن ذلك كتاب عمر هذا ﵁، فإنه كتبه إلى جيشه، وفيه خلائق من الصحابة، فدل على حصول الاتفاق منه وممن عنده في المدينة، ومن في الجيش على العمل بالكتاب، ثم قال: وينبغي للراوي بالمكاتبة أن يقول: كتب إلي فلان قال: حدثنا فلان، أو أخبرنا فلان مكاتبة، أو في كتابه، أو فيما كتب به إلي، ونحو ذلك، ولا يجوز أن يطلق قوله: حدثنا ولا أخبرنا. هذا هو الصحيح، وجوزه طائفة من متقدمي أهل الحديث وكبارهم.
стр. 4632
(ونحن بأذربيجان) دولة معروفة وراء العراق، وفي ضبط اللفظ وجهان مشهوران: أفصحهما وقول الأكثرين بفتح الهمزة بغير مد، وإسكان الذال وفتح الراء وكسر الباء، وهذا هو الأشهر، والثاني مد الهمزة وفتح الذال وفتح الراء وكسر الباء.
(يا عتبة بن فرقد، إنه ليس من كدك، ولا من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك) الضمير في "إنه" للمال الذي يتمتع به عتبة، كقائد، والكد التعب والمشقة، والمراد من الرحال المنازل، والمعنى: إن هذا المال الذي عندك، والذي تتمتع به فوق تمتع من معك من الجند، ليس هو من كسبك، وليس هو مما تعبت أنت فيه، وبذلت لتحصيله المشقة والعناء، وليس من كد أبيك وأمك، فورثته منهما، بل هو مال المسلمين، فأنت وهم فيه شركاء، فلا تختص عنهم بشيء، بل أشبعهم منه، وهم في منازلهم، كما تشبع نفسك وأهلك، جنساً وقدراً وصفة، ولا تحوجهم إلى المطالبة بأرزاقهم، بل أوصلها إليهم، وهم في منازلهم بلا طلب. والسبب في هذا الكتاب العنيف ما رواه أبو عوانة في صحيحه "أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر، مع غلام له، بسلال" -بضم السين وتخفيف اللام، جمع سل بفتح السين وكسرها مع تشديد اللام، وسلة بفتح السين واللام المشددة، وهي وعاء من شقاق القصب ونحوه، تحمل فيه الفاكهة ونحوها -"فيها خبيص" أي حلواء مخلوطة بالتمر والسمن- "عليها اللبود" -ضرب من البسط، وما يوضع تحت السرج- "فلما رآه عمر قال: أيشبع المسلمون في رحالهم من هذا؟ قيل له: لا. فقال عمر: لا أريده، وكتب إلى عتبة بهذا الكتاب.
(وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير) زاد في رواية علي بن الجعد "فاتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، وألقوا الخفاف والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، واخشوشنوا، واخلولقوا" ومقصود عمر ﵁ حثهم على خشونة العين، وصلابتهم، لما سيلقونه من شدائد و"الزي" بكسر الزاي وتشديد الياء الهيئة والمنظر، واللباس، فالنهي عن التشبه بأهل الشرك فيما لا يوافق الشرع، و"لبوس الحرير" بفتح اللام، وتخفيف الباء ما يلبس، أي إياكم وملبوس الحرير، قال تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم﴾ [الأنبياء: ٨٠] أي ملبوس لكم.
(نهى عن لبوس الحرير -قال: إلا هكذا- ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه، الوسطى والسبابة، وضمهما) في هذه الرواية أن الذي رفع إصبعيه رسول الله ﷺ ، وتفسير الإصبعين لعمر على ما هو الظاهر، وفي آخر الرواية "ورفع زهير إصبعيه" وفي الرواية الرابعة عشرة "وقال أبو عثمان بإصبعيه اللتين تليان الإبهام" وعند البخاري "وأشار أبو عثمان بإصبعين، المسبحة والوسطى" ولا تخالف، فيحمل على أن النبي ﷺ أشار أولاً، ثم نقله عنه عمر، فبين بعد ذلك بعض رواية صفة الإشارة، وأشار بعضهم نفس الإشارة.
(هذا في الكتاب) الإشارة إلى رفع الإصبعين، والمراد من الكتاب كتاب عمر، أي ليست إشارة أبي عثمان من إنشائه، بل هي في كتاب عمر.
стр. 4633
(فرئيتهما أزرار الطيالسة حين رأيت الطيالسة) أي فرئيت مقدار الإصبعين قال القرطبي: الأزرار جمع زر، وهو ما يزرر به الثوب، بعضه على بعض، والمراد به هنا أطراف الطيالسة، وكان للطيالسة التي رآها أعلام حرير في أطرافها. اهـ قال النووي: "فرئيتهما" بضم الراء وكسر الهمزة، وضبطه بعضهم بفتح الراء. اهـ وفي رواية "فرأيناها أزرار الطيالسة حين رأينا الطيالسة".
(فما عتمنا أنه يعني الأعلام) قال النووي: هكذا ضبطناه "عتمنا" بعين مفتوحة، ثم تاء مشددة مفتوحة، ثم ميم ساكنة، ثم نون، ومعناه ما أبطأنا في معرفة أنه أراد الأعلام، يقال: عتم الشيء إذا أبطأ وتأخر، وعتمته إذا أخرته، فهذا الذي ذكرناه من ضبط اللفظة وشرحها هو الصواب المعروف الذي صرح به جمهور الشارحين وأهل غريب الحديث، وذكر القاضي فيه عن بعضهم تغييراً واعتراضاً، لا حاجة إلى ذكره. اهـ
(أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية) مدينة بالشام.
(لبس النبي ﷺ يوماً قباء من ديباج أهدي له) في الرواية الرابعة والعشرين "أهدي لرسول الله ﷺ فروج حرير "القباء" بفتح القاف وبالباء، ممدود، فارسي معرب، وقيل، عربي، واشتقاقه من القبو، وهو الضم، وترجم البخاري: باب القباء وفروج حرير، وهو القباء، ويقال: هو الذي له شق من خلفه. اهـ وقال ابن فارس: هو قميص الصبي الصغير، وقال القرطبي: القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين والوسط، مشقوق من خلف، يلبس في السفر والحرب، لأنه أعون على الحركة. اهـ
و"فروج حرير" يجوز فيه الإضافة، ويجوز فيه التنوين، كثوب خز، و"فروج" يحتمل ضم الفاء وفتحها رواية، والفتح أوجه، وقال القرطبي، حكي الضم والفتح، والضم هو المعروف، ويحتمل تشديد الراء وتخفيفها، حكاه عياض ومن تبعه، ويحتمل بجيم في آخره، أو بخاء في آخره، حكاه عياض أيضاً، وفي رواية أحمد "فروج من حرير".
وفي الرواية الرابعة والعشرين "فلبسه، ثم صلى فيه، ثم انصرف" وعند أحمد "ثم صلى فيه المغرب" وفي رواية ابن إسحق "فلما قضى صلاته" وفي رواية "فلما سلم من صلاته، وهو المراد من الانصراف في رواية مسلم.
(ثم أوشك أن نزعه) في الرواية الرابعة والعشرين "فنزعه نزعاً شديداً، كالكاره له" زاد أحمد "عنيفاً" أي بقوة ومبادرة لذلك، على خلاف عادته في الرفق والتأني، وعند أحمد "ثم ألقاه، فقلنا: يا رسول الله، قد لبسته، وصليت فيه"؟ وفي روايتنا السابعة عشرة "فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول الله؟ فقال: نهاني عنه جبريل" قال النووي: فيكون هذا أول التحريم، وفي الرواية الرابعة والعشرين "ثم قال: لا ينبغي هذا للمتقين" قال القرطبي: المراد بالمتقين المؤمنون، لأنهم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بقوة إيمانهم وطاعتهم له، وقال غيره: لعل هذا من باب التهييج للمكلف على الأخذ بذلك، لأن من سمع أن من فعل ذلك كان غير متق، فهم منه أنه لا يفعله إلا المستخف، فيأنف من فعل ذلك، لئلا يوصف بأنه غير متق.
стр. 4634
(أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ ثوب حرير) قال النووي: "أكيدر دومة" بضم الدال وفتحها لغتان مشهورتان، وزعم ابن وريد أنه لا يجوز إلا الضم، وأن المحدثين يفتحونها، وأنهم غالطون في ذلك. وليس كما قال، بل هما لغتان مشهورتان، قال الجوهري: أهل الحديث يقولونها بالضم، وأهل اللغة يفتحونها، ويقال لها أيضاً "دوماً" وهي مدينة، لها حصن عادي، وهي في برية، في أرض نخل وزرع، يسقون بالنواضح، وحولها عيون قليلة، وغالب زرعهم الشعير، وهي تبعد عن المدينة على نحو ثلاث عشرة مرحلة، وعن دمشق على نحو عشر مراحل، وعن الكوفة على قدر عشر مراحل أيضاً. قال: وأما "أكيدر" فهو بضم الهمزة وفتح الكاف وهو أكيدر بن عبد الملك الكندي، كان نصرانياً، ثم أسلم، وقيل: مات نصرانياً، وقال ابن منده وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما في معرفة الصحابة: إن أكيدرا هذا أسلم، وأهدى إلى رسول الله ﷺ حلة سيراء، قال ابن الأثير: أما الهدية والمصالحة فصحيحان، وأما الإسلام فغلط، قال: لأنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير، ومن قال: أسلم فقد أخطأ خطأ فاحشاً، قال: وكان أكيدر نصرانياً، فلما صالحه النبي ﷺ عاد إلى حصنه، وبقي فيه، ثم حاصره خالد بن الوليد في زمان أبي بكر الصديق ﵁، فقتله مشركاً نصرانياً، يعني لنقضه العهد، وذكر البلاذري أنه قدم على رسول الله ﷺ ، وعاد إلى دومة فلما توفي رسول الله ﷺ ارتد أكيدر، فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله، وعلى هذا القول لا ينبغي عده في الصحابة. هذا كلام ابن الأثير. والله أعلم.
(رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في القمص الحرير، في السفر، من حكة كانت بهما، أو وجع كان بهما) وفي الرواية السادسة والعشرين "في لبس الحرير" وفي السابعة والعشرين "شكوا إلى رسول الله ﷺ القمل، فرخص لهما في قمص الحرير، في غزاة لهما" "الحكة" بكسر الحاء وتشديد الكاف، نوع من الجرب، وذكر الحكة مثالاً، لا قيداً، وترجم له البخاري في كتاب الجهاد بباب الحرير في الحرب، لقوله "في غزاة لهما" وترجم له في اللباس بباب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة، ولم يقيده بالحرب، فزعم بعضهم أن "الحرب" في الترجمة بالجيم وفتح الراء، وليس كما زعم، لأنها لا يبقى لها في أبواب الجهاد مناسبة، ويلزم منه إعادة الترجمة في اللباس، إذ الحكة والجرب متقاربان.
-[فقه الحديث]-
هذه الأحاديث في موضوعين مختلفين: موضوع استعمال أواني الذهب والفضة في الطعام والشراب، وتتعرض له الروايات الخمس الأولى، وكان حقها أن تلحق بكتاب الأطعمة والأشربة، وإن كان بعضها قد تعرض لخواتيم الذهب ولبس الحرير، وقد ترجم النووي للرواية الأولى والثانية بباب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره على الرجال والنساء، وذلك تحت كتاب اللباس والزينة، ولعله لاحظ أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من قبيل الزينة.
والموضوع الثاني لبس الحرير واستعماله، وقد ترجم النووي للروايات من الثالثة حتى الرابعة
стр. 4635
والعشرين بباب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع.
فأعاد عنوان الباب السابق، من أجل الرواية الثالثة والرابعة والخامسة، أما الروايات من السادسة حتى السابعة والعشرين فلا تتعرض لآنية الذهب والفضة، كما ترجم للروايات الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين والسابعة والعشرين بباب إباحة لبس الحرير للرجل، إذا كان به حكة ونحوهما.
ونحن نحصر الكلام في موضوعين أساسيين، أو في ثلاث نقاط: استعمال أواني الذهب والفضة في الطعام والشراب وغيرهما، ولبس الحرير واستعماله، وما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام الإضافية.
أما الموضوع الأول: أو النقطة الأولى، فقد قال النووي: أجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب وإناء الفضة، على الرجل وعلى المرأة، ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء، إلا ما حُكي عن داود وقول الشافعي في القديم، فهما مردودان بالنصوص والإجماع، وهذا إنما يحتاج إليه على قول من يعتد بقول داود في الإجماع والخلاف، وإلا فالمحققون يقولون: لا يعتد به، لإخلاله بالقياس، وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتد به، ثم قال: وأما قول الشافعي القديم [وظاهره أن النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة للتنزيه، لأن علته ما فيه من التشبه بالأعاجم] فقال صاحب التقريب: إن سياق كلام الشافعي في القديم يدل على أنه أراد أن نفس الذهب والفضة الذي اتخذ منه الإناء ليس حراماً، ولهذا لم يحرم الحلي على المرأة.
هذا كلام صاحب التقريب، وهو من متقدمي أصحابنا، وهو أتقنهم لنقل نصوص الشافعي، ولأن الشافعي رجع عن هذا القديم، والصحيح عند أصحابنا وغيرهم من الأصوليين أن المجتهد إذا قال قولاً، ثم رجع عنه، لا يبقى قولاً له، ولا ينسب إليه، قالوا: وإنما يذكر القديم، وينسب إلى الشافعي مجازاً، وباسم ما كان عليه، لا أنه قول له الآن، فحصل مما ذكرناه أن الإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة، والأكل بملعقة من أحدهما، والتجمر بمجمرة منهما، والبول في إناء منهما، وجميع وجوه الاستعمال، ومنها المكحلة والميل وظرف الغالية -أو وعاء الطيب- وغير ذلك، سواء الإناء الصغير والكبير، ويستوي في التحريم الرجل والمرأة بلا خلاف، وإنما فرق بين الرجل والمرأة في التحلي لما يقصد منها من التزين للزوج والسيد، قال أصحابنا: ويحرم استعمال ماء الورد، والأدهان من قارورة الذهب والفضة، قالوا: فإن ابتلي بطعام في إناء ذهب أو فضة فليخرج الطعام إلى إناء آخر من غيرهما، ويأكل منه، فإن لم يكن إناء آخر فليجعله على رغيف إن أمكن، وإن ابتلي بالدهن في قارورة فضة فليصبه في يده اليسرى، ثم يصبه من اليسرى في اليمنى، ويستعمله. قال أصحابنا: ويحرم تزيين الحوانيت والبيوت والمجالس بأواني الفضة والذهب هذا هو الصواب، وجوزه بعض أصحابنا، قال: وهو غلط.
قال الشافعي والأصحاب: لو توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو الفضة عصى بالفعل، وصح وضوؤه وغسله، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة والعلماء كافة، إلا داود، فقال: لا
стр. 4636
يصح، والصواب الصحة، وكذا لو أكل منه أو شرب عصى بالفعل، ولا يكون المأكول والمشروب حراماً، هذا كله في حال الاختيار، أما إذا اضطر إلى استعمال إناء، فلم يجد إلا ذهباً أو فضة، فله استعماله في حال الضرورة بلا خلاف، صرح به أصحابنا، قالوا: كما تباح الميتة في حال الضرورة، قال أصحابنا: ولو باع هذا الإناء صح بيعه، لأنه عين طاهرة، يمكن الانتفاع بها بأن تسبك، وأما اتخاذ هذه الأواني من غير استعمال فللشافعي والأصحاب فيه خلاف، والأصح تحريمه، والثاني كراهته، فإن كرهناه استحق صانعه الأجرة، ووجب على كاسره أرش النقص، وإلا فلا.
وأما إناء الزجاج النفيس فلا يحرم بالإجماع، وأما إناء الياقوت والزمرد والفيروز ونحوها فالأصح عند أصحابنا جواز استعمالها، ومنهم من حرمها. هذا آخر كلام النووي -وقال الحافظ ابن حجر- وهو شافعي كالنووي-: والأكل في جميع الآنية مباح إلا إناء الذهب وإناء الفضة، واختلف في الإناء الذي فيه شيء من ذلك، إما بالتضبيب، وإما بالخلط، وإما بالطلاء، قال: وحديث حذيفة [روايتنا الرابعة] فيه النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ويؤخذ منع الأكل بطريق الإلحاق، لكن [روايتنا الخامسة] فيها ذكر الأكل، فيكون المنع منه بالنص أيضاً، وهذا ظاهر في الذي جميعه ذهب أو فضة، أما المخلوط أو المضبب أو المموه، وهو المطلي فورد فيه حديث، أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر، رفعه "من شرب في آنية الذهب والفضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم" قال البيهقي: المشهور عن ابن عمر موقوف عليه، وعند الطبراني في الأوسط، من حديث أم عطية "نهى رسول الله ﷺ عن تفضيض الأقداح، ثم رخص فيه للنساء".
ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، إلا عن معاوية بن قرة، أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي.
وقال القرطبي وغيره: في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة شذت، فأباحت ذلك مطلقاً، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب، لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل.
قال: واختلف في علة المنع، فقيل: إن ذلك يرجع إلى عينهما، ويؤيده قوله "هي لهم" وقيل: لكونهما الأثمان، وقيم المتلفات، فلو أبيح استعمالهما لجاز اتخاذ الآلات منهما، فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس، فيجحف بهم، ومثله الغزالي بالحكام، الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين الناس، فلو منعوا التصرف لأخل ذلك بالعدل، فكذا في اتخاذ الأواني من النقدين حبس لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس، ويرد على هذا جواز الحلي للنساء من النقدين، وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية.
وقيل: علة التحريم السرف ويرد عليه جواز الحلي للنساء منهما، وجواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذ، بل نقل بعضهم الإجماع على الجواز.
стр. 4637
وقيل: علة التحريم الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، ويرد عليه ما ورد في سابقه، إلا أن يقال: إن غالبية الفقراء لا يعرفون قيمة هذه الجواهر، فهي والزجاج عندهم سواء، فلا تنكسر قلوبهم، بخلاف الذهب والفضة.
وقيل: علة التحريم التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر، لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك.
والأمر -عندي- يشبه أن تكون الحكمة في التحريم مجموع هذه الأمور، وكل منها جزء علة، ولا يضر وجود جزء العلة مع تخلف الحكم. والله أعلم.
ثم قال الحافظ ابن حجر: واختلف في اتخاذ الأواني، دون استعمالها، والأشهر المنع، وهو قول الجمهور، ورخصت فيه طائفة، وهو مبني على العلة في منع الاستعمال. والله أعلم.
الموضوع الثاني: لبس الحرير واستعماله، وعنه يقول النووي: لبس الحرير والإستبرق والديباج والقسي، كله حرام على الرجال، سواء لبسه للخيلاء أو غيرها، إلا أن يلبسه للحكة، فيجوز في السفر والحضر، وأما النساء فيباح لهن لبس الحرير بجميع أنواعه، وخواتيم الذهب وسائر الحلي منه ومن الفضة، سواء المزوجة وغيرها، والشابة والعجوز، والغنية والفقيرة.
وقال: هذا الذي ذكرناه من تحريم الحرير على الرجال، وإباحته للنساء هو مذهبنا ومذهب الجماهير، وحكى القاضي عن قوم إباحته للرجال والنساء، وعن ابن الزبير: تحريمه عليهما، ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء، وتحريمه على الرجال، ويدل عليه الأحاديث المصرحة بالتحريم، مع الأحاديث التي ذكرها مسلم في تشقيق علي ﵁ الحرير بين نسائه، وبين الفواطم خمراً لهن، وأن النبي ﷺ أمره بذلك، كما صرح به في الحديث [روايتنا الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والمتممة للعشرين].
قال: وأما الصبيان فقال أصحابنا: يجوز إلباسهم الحلي والحرير في يوم العيد، لأنه لا تكليف عليهم، وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه: أصحها جوازه، والثاني تحريمه، والثالث يحرم بعد سن التمييز.
ثم قال النووي عن روايتنا الثانية عشرة، وخطبة ابن الزبير، وقوله "لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" قال النووي: هذا الحديث الذي احتج به إنما ورد في لبس الرجال لوجهين: أحدهما أنه خطاب ذكور، ومذهبنا ومذهب محققي الأصوليين أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال عند الإطلاق، والثاني أن الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم صريحة في إباحته للنساء، وأمره ﷺ علياً وأسامة بأن يكسواه نساءهما مع الحديث المشهور أنه ﷺ قال في الحرير والذهب: إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها. اهـ أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم.
стр. 4638
ثم قال النووي عن روايتنا الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة: في هذه الروايات إباحة العلم من الحرير في الثوب، إذا لم يزد على أربع أصابع، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم، بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز وإن عظم العلم، وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: قال ابن بطال: اختلف في الحرير، فقال قوم: يحرم لبسه في كل الأحوال، حتى على النساء، نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين.
وقال قوم: يجوز لبسه مطلقاً، وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خيلاء، أو على التنزيه. قال الحافظ: وهذا الثاني ساقط، لثبوت الوعيد على لبسه، ثم قال: واختلف في علة تحريم الحرير على رأيين مشهورين: أحدهما الفخر والخيلاء، والثاني لكونه ثوب رفاهية وزينة، فيليق بزي النساء، دون شهامة الرجال، ويحتمل علة ثالثة، وهي التشبه بالمشركين.
أما مس الحرير من غير لبس فهو مباح، فقد روى البخاري عن البراء ﵁: "أُهدي للنبي ﷺ ثوب حرير، فجعلنا نلمسه، ونتعجب منه، فقال النبي ﷺ : أتعجبون من هذا؟ قلنا: نعم. قال: مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا" قال ابن بطال: النهي عن لبس الحرير ليس من أجل نجاسة عينه، بل من أجل أنه ليس من لباس المتقين، وعينه مع ذلك طاهرة، فيجوز مسه وبيعه والانتفاع بثمنه.
وقال البخاري: قال عبيدة: افتراش الحرير كلبسه، وساق البخاري عن حذيفة ﵁ قال: "نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه" قال الحافظ ابن حجر: وهذه الرواية حجة قوية، لمن قال بمنع الجلوس على الحرير، وهو قول الجمهور، خلافاً لابن الماجشون والكوفيين وبعض الشافعية، وأجاب بعض الحنفية بأن لفظ "ونهى" ليس صريحاً في التحريم، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون النهي ورد عن مجموع اللبس والجلوس، لا عن الجلوس بمفرده، وقد يرد على ابن بطال دعواه أن الحديث نص في تحريم الجلوس على الحرير، فإنه ليس بنص، بل هو ظاهر، وقد أخرج ابن وهب في جامعه حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "لأن أقعد على جمر الغضى -وهو شجر من الأثل، خشبه من أصلب الخشب، وجمره يبقى زماناً طويلاً لا ينطفئ، واحدته غضاة -أحب إلي من أن أقعد على مجلس من حرير"، وأدار بعض الحنفية الجواز والمنع على اللبس، لصحة الأخبار فيه، قالوا: والجلوس ليس بلبس، واحتج الجمهور بحديث أنس "فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس" ولأن لبس كل شيء بحسبه، واستدل به من منع النساء من افتراش الحرير، وهو ضعيف لأن خطاب الذكور لا يتناول المؤنث على الراجح، ولعل الذي قال بالمنع تمسك فيه بالقياس على منع استعمالهن آنية الذهب، مع جواز لبسهن الحلي منه، فكذلك يجوز لبسهن الحرير، ويمنعن من استعماله، وهذا الوجه صححه الرافعي، وصحح النووي الجواز، واستدل به على منع افتراش الرجل الحرير مع امرأته في فراشها، ووجهه المجيز لذلك من المالكية بأن المرأة فراش الرجل، فكما جاز له أن يفترشها وعليها الحلي من الذهب والحرير، فكذلك يجوز له أن يجلس وينام معها على فراشها المباح لها.
стр. 4639
مع ملاحظة أن الذي يمنع من الجلوس عليه هو ما منع من لبسه، وهو ما صنع من حرير صرف، أو كان الحرير فيه أزيد من غيره، كما سبق تقريره.
-[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]-
١ - من الرواية الأولى والثانية الوعيد الشديد لمن شرب أو أكل في أواني الذهب أو الفضة. قال القاضي عياض: واختلفوا في المراد، فقيل: هو إخبار عن الكفار من ملوك العجم وغيرهم، الذين عادتهم فعل ذلك، كما قال في الحديث [روايتنا الرابعة] "فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة يوم القيامة" أي هم المستعملون لها في الدنيا، وقيل: المراد نهي المسلمين عن ذلك، وأن من ارتكب هذا النهي استوجب هذا الوعيد، وقد يعفو الله عنه. هذا كلام القاضي، ووجهة نظره أن الوعيد شديد، وغير محدد المدة، وهو لا يتناسب مع رأي أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، فهو أولى بالكافرين، وقال النووي تعقيباً على كلام القاضي: والصواب أن النهي يتناول جميع من يستعمل إناء الذهب أو الفضة من المسلمين والكفار، لأن الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. اهـ
وكلام النووي أن النهي [في روايتنا الثالثة والرابعة والخامسة] يتناول المسلمين والكافرين مسلم، لكن الوعيد الشديد الوارد في الروايتين الأولى والثانية "يجرجر في بطنه نار جهنم" لا يستقيم مع المذهب الصحيح.
٢ - وكذا الوعيد الوارد في الرواية الثالثة "من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة" وفي الرواية الثانية عشرة والثانية والعشرين والثالثة والعشرين "فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" فقد قال الحافظ ابن حجر: زاد النسائي "ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة، قال تعالى ﴿ولباسهم فيها حرير﴾ [الحج: ٢٣] قال: وهذه الزيادة مدرجة في الحديث، وهي موقوفة على ابن الزبير، قالها ابن الزبير من رأيه، وقد جاء مثل ذلك عن ابن عمر، وأخرج أحمد والنسائي وصححه الحاكم مثل حديث ابن الزبير عن أبي سعيد وزاد فيه "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة، ولم يلبسه هو" وهذا يحتمل أن يكون أيضاً مدرجاً.
ثم قال الحافظ: وأعدل الأقوال أن الفعل المذكور مقتض للعقوبة المذكورة، وقد يتخلف ذلك لمانع: كالتوبة، والحسنات التي توازن، والمصائب التي تكفر، وكدعاء الولد بشرائط، وكذا شفاعة من يؤذن له في الشفاعة، وأعم من ذلك كله عفو أرحم الراحمين.
٣ - من الرواية الثالثة استحباب عيادة المريض، قال النووي: وهي سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي، واختلف العلماء في الأوكد منهما والأفضل منهما.
٤ - واستحباب اتباع الجنازة، وهي سنة بالإجماع أيضاً، وقد سبق إيضاحه.
٥ - وتشميت العاطس، وقد سبق.
٦ - وإبرار القسم، وقد سبق أيضاً.
стр. 4640
٧ - ونصر المظلوم، وهي من فروض الكفاية، وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٨ - وإجابة الداعي.
٩ - وإفشاء السلام، وقد سبق بيانه في كتاب الإيمان، ويأتي في كتاب الاستئذان والسلام.
١٠ - وإنشاد الضالة، وسبق تفصيله في كتاب اللقطة.
١١ - والنهي عن خواتيم الذهب، قال النووي: وأما خاتم الذهب فهو حرام على الرجل بالإجماع، وكذا لو كان بعضه ذهباً وبعضه فضة، حتى قال أصحابنا: لو كانت سن الخاتم ذهباً، أو كان مموهاً بذهب يسير فهو حرام.
١٢ - ويؤخذ من أحاديث حذيفة، روايتنا الرابعة والخامسة، من رمى حذيفة بالإناء في وجه الدهقان تعزير من ارتكب معصية، لا سيما إن كان قد سبق نهيه عنها.
١٣ - وأنه لا بأس أن يعزر الأمير بنفسه بعض مستحقي التعزير.
١٤ - وأن الأمير أو الكبير إذا فعل شيئاً صحيحاً في نفس الأمر، غير ظاهر الوجه والعلة فينبغي أن يوضحه، وينبه على دليله، وسبب فعله ذلك.
١٥ - ومن الرواية السادسة حتى العاشرة روايات عرض عمر على رسول الله ﷺ شراء الحلة، من قوله "عند باب المسجد" جواز البيع والشراء على باب المسجد.
١٦ - ومن محاولة عرض عمر الشراء مباشرة الصالحين والفضلاء البيع والشراء.
١٧ - وفيه عرض المفضول على الفاضل، والتابع على المتبوع ما يحتاج إليه من مصالحه، مما يظن أنه لم يطلع عليه.
١٨ - وفيه حرص عمر ﵁ على ظهور رسول الله ﷺ بمظهر الرؤساء والكبراء.
١٩ - واستحباب لباس أنفس الثياب يوم الجمعة والعيدين، وعند لقاء الوفود ونحوهم.
٢٠ - قال ابن بطال: فيه ترك النبي ﷺ لباس الحرير، وهذا في الدنيا، وإرادة تأخير الطيبات إلى الآخرة، التي لا انقضاء لها، إذ تعجل الطيبات في الدنيا ليس من الحزم، فزهد في الدنيا للآخرة، وأمر بذلك، ونهي عن كل إسراف وحرمه. وتعقبه ابن المنير بأن تركه ﷺ لبس الحرير إنما هو لاجتناب المعصية [ففي الرواية السابعة عشرة "نهاني عنه جبريل"] وأما الزهد فإنما هو في خالص الحلال، فالتقلل منه وتركه مع الإمكان، هو الذي تتفاضل فيه درجات الزهاد.
٢١ - وجواز لبس الحرير للنساء.
٢٢ - ومن قوله في الرواية السادسة "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة" إباحة الطعن لمن يستحقه.
стр. 4641
٢٣ - ومن كسوة عمر الحلة لأخيه المشرك جواز صلة القريب الكافر، والإحسان إليه بالهدية.
٢٤ - قال ابن عبد البر: فيه جواز الهدية للكافر، ولو كان حربياً.
٢٥ - واستدل به على أن الكافر ليس مخاطباً بفروع الشريعة، لأن عمر لما منع من لبس الحلة أهداها لأخيه المشرك، ولم ينكر عليه، وتعقب بأنه لم يأمر أخاه بلبسها، فيحتمل أن يكون وقع الحكم في حقه كما وقع في حق عمر، فينتفع بها بالبيع أو كسوة النساء، ولا يلبس هو، وأجيب بأن المسلم عنده من الوازع الشرعي ما يحمله بعد العلم بالنهي عن الكف بخلاف الكافر، فإن كفره يحمله على عدم الكف عن تعاطي المحرم، فلولا أنه مباح له لبسه لما أهدي له، لما في تمكينه منه من الإعانة على المعصية، ومن ثم يحرم بيع العصير ممن جرت عادته أن يتخذه خمراً، وإن احتمل أنه قد يشربه عصيراً.
٢٦ - ومن قوله "تبيعها وتصيب بها حاجتك" في الرواية الثامنة، ومن قوله "لتصيب بها مالاً" في الرواية العاشرة، ومن قوله "فباعه بألفي درهم" في الرواية السابعة عشرة، جواز بيع الرجال الثياب الحرير، وتصرفهم فيها بالهبة والهدية، وإباحة ثمنه لا اللبس.
٢٧ - ومن إهداء الرسول ﷺ الحلل لعمر وأسامة وعلى جواز إهداء ثياب الحرير إلى الرجال، لأنها لا تتعين للبسهم.
٢٨ - ومن الرواية الحادية عشرة بخصوص صوم رجب كله قال النووي: هذا من ابن عمر إخبار منه بأنه يصوم رجب كله، وأنه يصوم الأبد، وهذا مذهبه، ومذهب أبيه عمر بن الخطاب، وعائشة وأبي طلحة وغيرهم من سلف الأمة؛ ومذهب الشافعي وغيره من العلماء أنه لا يكره صوم الدهر.
٢٩ - ومن قولها "فنحن نغسلها للمرضى، يستشفى بها" دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم.
٣٠ - وفيه أن النهي عن الحرير المراد به الثوب المتمحض من الحرير، أو ما أكثره حرير، وأنه ليس المراد تحريم كل جزء منه، بخلاف الخمر والذهب، فإنه يحرم كل جزء منهما. قاله النووي.
٣١ - ومن إخراج أسماء جبة النبي ﷺ بيان أن مثل هذا ليس محرماً. قال النووي: وهكذا الحكم عند الشافعي وغيره أن الثوب والجبة والعمامة ونحوها إذا كان مكفوف الطرف بالحرير جاز، ما لم يزد على أربع أصابع، فإن زاد فهو حرام، لحديث عمر ﵁ المذكور بعد هذا.
٣٢ - وجواز لبس الجبة وما له فرجان، وأنه لا كراهة فيه.
٣٣ - ومن الرواية الثالثة عشرة، وكتاب عمر، وعملهم بما فيه الاحتجاج بالمكاتبة في الرواية.
٣٤ - ومن الرواية التاسعة عشرة من إهداء أكيدر جواز قبول هدية الكافر.
والله أعلم
стр. 4642
(٥٦٦) باب النهي عن لبس الثوب المعصفر
٤٧٥٠ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها".
٤٧٥١ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال رأى النبي ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: "أأمك أمرتك بهذا؟ " قلت: أغسلهما؟ قال: "بل أحرقهما".
٤٧٥٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القسي والمعصفر. وعن تختم الذهب. وعن قراءة القرآن في الركوع.
٤٧٥٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهاني النبي ﷺ عن القراءة وأنا راكع. وعن لبس الذهب والمعصفر.
٤٧٥٤ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهاني رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب. وعن لباس القسي. وعن القراءة في الركوع والسجود. وعن لباس المعصفر.
-[المعنى العام]-
كان العرب يستوردون كثيراً من ثيابهم من الفرس والروم، وكان غزلهم ونسيجهم للثياب لا يكفيهم، أو لا يناسب تقدمهم الحضاري بعد الإسلام، وكان ضيق عيشهم يضطرهم أحياناً إلى أن يصبغوا ثيابهم القديمة بالعصفر أو الزعفران، يجددونها، وكانوا -بحكم العادة- يخصون نساءهم بالألوان الفاقعة، حمرة أو صفرة، كمظهر من مظاهر التجمل والزينة.
стр. 4643
وعلى الرغم من أن الإسلام لا يحدد لأبنائه لوناً معيناً في ثيابهم، بل يبيح لهم ما اتفق لهم من الألوان فقد جاءت أحاديث تنهى عن لون معين، أو ترغب في لون معين، رغبت في الثوب الأبيض، وهنا في هذا الباب تنهى عن اللون الأحمر الفاقع، عللت الرواية الأولى النهي بأنها من ثياب الكفار، والإسلام لا يحب التشبه بزي الكفار، وأشارت الرواية الثانية إلى أن العلة التشبه بالنساء، وقال بعض العلماء: إن العلة ما فيه من الزهو والخيلاء.
والحق أن لكل زمان لبوساً، ولكن بيئة لبوسها وزيها، مع اختلاف في هيئته ولونه وصنفه اختلافاً ينتقده أهل زمان على أهل زمان، وأهل مكان على أهل مكان، ومادام نوع اللباس حلالاً، لا إثم فيه، فالأمر على الاتساع الشرعي، لكن مروءة المسلم تلزمه بمراعاة مشاعر بيئته، فإن خرج عما يألفه الناس خرمت مروءته، وردت روايته وشهادته. والله الهادي سواء السبيل.
-[المباحث العربية]-
(ثوبين معصفرين) أي أزاراً ورداء، والعصفر بضم العين والفاء، بينهما صاد ساكنة، نبات صيفي، له زهر يعلو أنبوباً، يستعمل زهره من التوابل، ويستخرج منه صبغة حمراء، شديدة الحمرة، يصبغ بها الحرير ونحوه، فالمعنى: ثوبين مصبوغين بالعصفر. أما الزعفران -وسيأتي حديثه بعد أبواب- فهو نبات بصلي، معمر، منه نوع صبغي مشهور، يصبغ به الحرير ونحوه، ولونه أصفر، شديد الصفرة.
(أأمك أمرتك بهذا؟ ) معناه أن هذا من لباس النساء وزيهن، وأخلاقهن.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: اختلف العلماء في الثياب المعصفرة، وهي المصبوغة بعصفر، فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه أنه أجاز لبسها في البيوت وأفنية الدور، وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها.
ويميل البيهقي -وهو شافعي- إلى كراهته، ويعتذر عن الشافعي، فيقول: نهى الشافعي الرجل عن المزعفر، فقال: أنهي الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، قال: وآمره إذا تزعفر أن يغسله، وأباح المعصفر، وقال: إنما رخصت في المعصفر، لأني لم أجد أحداً يحكي عن النبي ﷺ النهي عنه، إلا ما قال علي ﵁: "نهاني، ولا أقول: نهاكم".
قال البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدل على النهي عن العموم، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو [روايتنا الأولى والثانية] ثم أحاديث أخر، ثم قال: ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها إن شاء
стр. 4644
الله، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعي أنه قال: إذا كان حديث النبي ﷺ خلاف قولي، فاعملوا بالحديث، ودعوا قولي، وفي رواية "فهو مذهبي" قال البيهقي: فتبع السنة في المزعفر فمتابعتها في المعصفر أولى، قال: وقد كره المعصفر بعض السلف، وبه قال أبو عبد الله الحليمي من أصحابنا، ورخص فيه جماعة، والسنة أولى بالاتباع.
أمام الأحاديث التي تدل على النهي عن لبس المعصفر، وما ثبت من أن النبي ﷺ لبس حلة حمراء، وما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة" أمام هذا حمل جماعة النهي على كراهة التنزيه، وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صبغ غزله، ثم نسج، فليس بداخل في النهي، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة، ليكون موافقاً لحديث ابن عمر "نهي المحرم أن يلبس ثوباً مسه ورس أو زعفران" وسيأتي الكلام عن ثوب الزعفران بعد أبواب.
قال الحافظ ابن حجر: وقد تلخص لنا من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر -ويشمل المعصفر- سبعة أقوال:
الأول الجواز مطلقاً، جاء ذلك عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل وطائفة من التابعين.
القول الثاني المنع مطلقاً، لحديث عبد الله بن عمرو، وما نقله البيهقي، وعند الطبراني "أن عمر كان إذا رأى على الرجال ثوباً معصفراً جذبه، وقال: دعوا هذا للنساء" وعند أبي شيبة "الحمرة من زينة الشيطان، والشيطان يحب الحمرة" وعن عبد الله بن عمرو قال: "مر على النبي ﷺ رجل، وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ " أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه، والبراز.
القول الثالث: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة، دون ما كان صبغه خفيفاً، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد، وكأن الحجة فيه حديث ابن عمر "نهى النبي ﷺ عن المفدم" بفاء ثم دال مشددة، وهو المشب بالعصفر، أخرجه ابن ماجه.
القول الرابع: يكره لبس الأحمر مطلقاً، لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس.
القول الخامس: يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج، ويمنع ما صبغ بعد النسج، جنح إلى ذلك الخطابي، واحتج بأن الحلة الواردة في الأخبار، الواردة في لبسه ﷺ الحلة الحمراء، إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يصبغ غزلها، ثم ينسج.
القول السادس: اختصاص النبي ﷺ بما يصبغ بالمعصفر، لورود النهي عنه، ولا يمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ.
القول السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر، من بياض وسواد وغيرها فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء، فإن الحلل اليمانية
стр. 4645
غالباً تكون ذات خطوط حمر وغيرها. قال ابن القيم: كان بعض العلماء بلبس ثوباً مشبعاً بالحمرة، يزعم أنه يتبع السنة، وهو غلط، فإن الحلة الحمراء من برود اليمن، وبرود اليمن لا تصبغ أحمر صرفاً.
قال الطبري بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال: الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون، إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعاً بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقاً، ظاهراً فوق الثياب، لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زي الزمان من المروءة، ما لم يكن إثماً، وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة. قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق في هذا المقام أن النهي عن لبس الأحمر إن كان من أجل أنه لبس الكفار، فالقول فيه كالقول في الميثرة الحمراء، وإن كان من أجل أنه زي النساء، فهو راجع إلى الزجر عن التشبه بالنساء، فيكون النهي عنه لا لذاته، وإن كان من أجل الشهرة أو خرم المروءة، فيمنع حيث يقع ذلك، وإلا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين المحافل والبيوت. اهـ أي إن قلنا: إنه كان من أجل أنه لباس الأعاجم الكفرة فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة.
بقي الأمر بإحراقهما في روايتنا الثانية، وعنه يقول النووي: قيل: هو عقوبة وتغليظ، لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل، وهذا نظير أمر تلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسالها، وأمر أصحاب بريرة بيعها، وأنكر عليهم اشتراط الولاء.
والله أعلم
стр. 4646
(٥٦٧) باب لباس الحبرة، والتواضع في اللباس وجواز اتخاذ الأنماط، وكراهة ما زاد على الحاجة من الفراش واللباس
٤٧٥٥ - عن قتادة قال: قلنا لأنس بن مالك أي اللباس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ، أو أعجب إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: الحبرة.
٤٧٥٦ - عن أنس ﵁ قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ الحبرة.
٤٧٥٧ - عن أبي بردة قال: دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزاراً غليظاً مما يصنع باليمن، وكساء من التي يسمونها الملبدة. قال: فأقسمت بالله إن رسول الله ﷺ قبض في هذين الثوبين.
٤٧٥٨ - عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة إزاراً وكساء ملبداً. فقالت: في هذا قبض رسول الله ﷺ . قال ابن حاتم في حديثه: إزاراً غليظاً.
٤٧٥٩ - عن عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود.
٤٧٦٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كان وسادة رسول الله ﷺ التي يتكئ عليها، من أدم حشوها ليف.
٤٧٦١ - عن عائشة ﵂ قالت: إنما كان فراش رسول الله ﷺ ، الذي ينام عليه، أدماً حشوه ليف.
стр. 4647
٤٧٦٢ - وفي رواية عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد. وقالا: ضجاع رسول الله ﷺ . في حديث أبي معاوية ينام عليه.
٤٧٦٣ - عن جابر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ ، لما تزوجت "أتخذت أنماطاً؟ " قلت: وأنى لنا أنماط؟ قال "أما إنها ستكون".
٤٧٦٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما تزوجت. قال لي رسول الله ﷺ أتخذت أنماطاً؟ " قلت: وأنى لنا أنماط؟ قال "أما إنها ستكون" قال جابر: وعند امرأتي نمط. فأنا أقول: نحيه عني. وتقول: قد قال رسول الله ﷺ "إنها ستكون".
٤٧٦٥ - وفي رواية عن سفيان، بهذا الإسناد، وزاد: فأدعها.
٤٧٦٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له: "فراش للرجل. وفراش لامرأته. والثالث للضيف. والرابع للشيطان".
-[المعنى العام]-
كان العرب لا يجيدون الغزل والنسيج، اللهم إلا صوف غنمهم، ووبر إبلهم، ومغزلهم البدائي، ونسيجهم بالشوكة البدائية، وكان من حولهم الفرس والروم قد تقدموا في غزل ونسج الأطيان والأتيال والكتان والحرير، بالإضافة إلى الأصواف والأوبار على طريقة راقية من الرقة والدقة والألوان، فضلاً عن ملابس جاهزة، واختلط العرب بجيرانهم عن طريق الغزو والرحلات التجارية، فأخذوا منهم وعنهم منسوجات وملبوسات، وكان ﷺ يلبس منها ما تيسر له، راسماً لنفسه ولأهل بيته سياسة الزهد والتقشف والبساطة لا يحرص، بل لا يتجه نحو النفيس الغالي، وفي الوقت نفسه لا يضيق على أصحابه، ولا يلزمهم بنوع أو لون، ولا ينهاهم بحزم عن نوع أو لون، اللهم إلا منع الحرير عن الرجال، وفيما وراء ذلك كان قانون شرعه ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ءامنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ [الأعراف: ٣٢] ومن المعلوم أن الشريعة في أقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ ، فمن لبس وفرش ما أقره صلى الله عليه
стр. 4648
وسلم فحسن، ومن لبس وفرش ما فعله ﷺ فخير، كان فراشه الذي يجلس عليه وينام عليه أحياناً حصيراً يؤثر في جنبه، وكان فراش بعض أصحابه وثيراً ناعماً طرياً، دخلت امرأة على عائشة ﵂ فرأت فراش النبي ﷺ عباءة من صوف مثنية، فبعثت إلى عائشة بفراش حشوه صوف منفوش، فدخل النبي ﷺ ، فرآه، فقال: رديه يا عائشة، والله لو شئت أجرى الله معي جبال الذهب والفضة، ورآه بعض أصحابه وقد أثر الحصير في جنبه، فقال: ألا نأتيك بشيء يقيك منه؟ فقال: ما لي وللدنيا.
وكان بساط سريره ليفاً مضفوراً مجدولاً، ويوم لان وضع عليه جلد مدبوغ حشوه ليف، وكانت وسادته التي يتكئ عليها، أو يضع رأسه عليها عند النوم من جلد حشوها ليف، في حين كانت مراتب ووسائد أصحابه من أنعم وأرقى ما وصل إليه عصرهم، ولم يكن ينهي المتنعم عن النعيم: اللهم إلا إذا خشي على بعضهم من الفخر والخيلاء، أو من المغالاة التي تلهي عن العمل الصالح، وتنسي الآخرة، وفيما وراء سياسة التقشف كان ﷺ يلبس ما يتفق له، لبس الحبرة، وهي ثياب خضراء مخططة، كملحفة يلتحف بها، أو كثوب وقميص، وكانت من أحب الثياب إليه، لبس الحلة المكونة من إزار ورداء، لبس جبة شامية بألوان مختلفة، وكانت أحياناً ضيقة الكمين، فكان يخرج يديه للوضوء من تحت بدنه، لبس القباء، وهو المشقوق من الخلف، كقميص الصبي الصغير، لبس السراويل، وإن كان غالب لبسه الإزار، لبس البرود، وهي كساء أسود مربع فيه صور، لبس الشملة، وهي ما يلتحف به من الأنسجة، لبس النمرة -بفتح النون وكسر الميم، وهي الشملة التي فيها خطوط ملونة، كأنها جلد النمر، لبس بردين أخضرين، لبس الثياب البيض، ورغب في لبسها، لبس الحلة الحمراء، لبس الملابس الخفيفة في الصيف، والملابس الثقيلة والثخينة في الشتاء، لكنه حرص على أن لا يتشبه في اللباس بالكفار، ولا بالنساء، وأن يبتعد المسلمون بلباسهم عن الكبر والخيلاء، وأن لا تصل المغالاة في الثياب إلى التبذير والإسراف.
-[المباحث العربية]-
(الحبرة) بكسر الحاء وفتح الباء، وهي ثياب من كتان أو قطن، محبرة، أي مزينة، والتحبير التزيين والتحسين، ويقال: ثوب حبرة، بتنوين "ثوب" على الوصف، وثوب حبرة، على الإضافة، وهو أكثر استعمالاً، والحبرة مفرد، والجمع حبر وحبرات، كعنبة وعنب وعنبات، ويقال: ثوب حبير، على الوصف.
وقال الجوهري: الحبرة بوزن عنبة برد يمان، وقال الهروي: موشية مخططة، وقال الداودي: لونها أخضر، وحبه ﷺ لها لأنها لباس أهل الجنة، وقال ابن بطال: هي برود اليمن، تصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم.
(إزاراً غليظاً مما يصنع باليمن، وكساء من التي يسمونها الملبدة) في الرواية الرابعة "إزاراً وكساءً ملبداً" وفي ملحق الرواية "إزاراً غليظاً" قال العلماء: اللبد بفتح الباء، يقال: لبد الشيء بالشيء، بفتح الباء وكسرها، أي لزق والتصق، وألبد الشيء بالشيء ألصقه، ولبد الشيء بالشيء،
стр. 4649
بتشديد الباء ألصقه به إلصاقاً شديداً، فالملبدة الثخينة التي التصق أجزاؤها بعضها فوق بعض، وقيل: هو الذي ثخن وسطه، حتى صار كاللبد.
(خرج النبي ﷺ ذات غداة) أي صباح يوم.
(وعليه مرط) بكسر الميم وسكون الراء، وهو كساء من خز أو صوف أو كتان، يؤتزر به، وتتلفع به المرأة، قال الخطابي: هو كساء يؤتزر به، وقال النضر: لا يكون المرط إلا درعاً، ولا يلبسه إلا النساء، ولا يكون إلا أخضر. قال النووي: وهذا الحديث يرد عليه. اهـ والظاهر أنه شريط طويل من قماش غير مخيط، بعرض الثوب، يختلف لبسه باختلاف البيئات والبلاد، فتارة يستعمله الرجال إزاراً، وتارة تتلفع به النساء، كالشال.
(مرحل من شعر أسود) "مرحل" بفتح الراء وتشديد الحاء المفتوحة، أي عليه صور رحال الإبل، وقال الخطابي: المرحل الذي فيه خطوط. قال النووي: هذا هو الصواب الذي رواه الجمهور وضبطه المتقنون، وحكى القاضي عياض: أن بعضهم رواه بالجيم، أي عليه صور الرجال. اهـ وقوله "من شعر أسود" صفة لمرط، أو صفة لمرحل.
(كانت وسادة رسول الله ﷺ التي يتكئ عليها من أدم حشوها ليف) في الرواية السابعة "إنما كان فراش النبي ﷺ الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف" وفي ملحقها وعند ابن ماجه "كان ضجاع رسول الله ﷺ أدماً حشوه ليف" وعند البخاري في حديث المرأتين اللتين تظاهرتا "فإذا النبي ﷺ على حصير قد أثر في جنبه، وتحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف" والمرفقة بكسر الميم وسكون الراء وفتح الفاء بعدها قاف، ما يرتفق به، أي ما يتكأ عليه بالمرفق، والوسادة قد يتكأ عليها، كما توضع تحت الرأس عند النوم، والأدم بفتح الهمزة والدال الجلد المدبوغ، والضجاع، بكسر الضاد بعدها جيما ما يضجع ويرقد عليه.
(أتخذت أنماطاً؟ ) "الأنماط" جمع نمط بفتح النون والميم، وهي ظهارة الفراش، وقيل: ظهر الفراش، ويطلق أيضاً على بساط لطيف له خمل، يجعل على الهودج، وقد يجعل ستراً، قال النووي: والمراد هنا الأول. اهـ
(وأنى لنا أنماط؟ ) "أنى" بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة، أي ومن أين لنا الأنماط، فنحن فقراء، لا نستطيع شراءها.
(أما إنها ستكون) "أما" بتخفيف الميم حرف استفتاح، مثل "ألا" أي إنك ستقدر على شرائها وتصير غنياً، وتشتريها، وقد كان.
(قال جابر وعند امرأتي نمط) أي وتحقق وعد النبي ﷺ واشترت زوجتي نمطاً، وصار عندنا نمط.
стр. 4650
(فأنا أقول: نحيه عني) أي أخرجيه من بيتي -كأنه كرهه، لأنه من زينة الدنيا وملهياتها التي انصرف عنها.
(وتقول: قد قال رسول الله ﷺ : إنها ستكون) أي لا أنحيه، فقد بشر به رسول الله ﷺ ، فما لنا لا نقبل البشرى إذا تحققت؟ .
(والرابع للشيطان) قال النووي: قال العلماء: معناه ما زاد على الحاجة فاتخاذه إنما هو للمباهاة والاختيال والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذموم، وكل مذموم يضاف إلى الشيطان، لأنه يرتضيه، ويوسوس به، ويحسنه، ويساعد عليه -أي الكلام كناية عن ذمه، والترغيب في البعد عنه- وقيل: إنه على ظاهره، وأنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان عليه مبيت ومقيل، كما أنه يحصل له المبيت بالبيت الذي لا يذكر الله تعالى صاحبه عند دخوله عشاء. اهـ فالمراد عليه أيضاً التنفير.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الأحاديث]-
١ - من الرواية الأولى دليل على استحباب لباس الحبرة، وجواز لباس المخطط، وهو مجمع عليه. كذا قال النووي، وقد سبق توجيهه في المعنى العام.
٢ - ومن الرواية الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة ما كان عليه النبي ﷺ من الزهادة في الدنيا، والإعراض عن متاعها، وملاذها، وشهواتها، وفاخر لباسها، واجتزائه بما يحصل به أدنى التجزية في ذلك كله.
٣ - وفيه الندب للاقتداء به ﷺ في هذا وغيره. كذا قال النووي. وفيه نظر لا يخفى.
٤ - ومن الرواية الخامسة قال النووي: لا بأس بهذه الصور، وإنما يحرم تصوير الحيوان. اهـ وسيأتي الكلام عنه بعد أبواب في باب خاص.
٥ - ومن الرواية السادسة والسابعة جواز اتخاذ الفرش والوسائد.
٦ - والنوم عليها، والارتفاق بها.
٧ - وجواز المحشو.
٨ - وجواز اتخاذ ذلك من الجلود.
٩ - ومن الرواية الثامنة والتاسعة جواز اتخاذ الأنماط، إذا لم تكن من الحرير.
١٠ - وفيها معجزة للرسول ﷺ ، إذ أخبر بما سيأتي، وقد حصل.
стр. 4651
١١ - وعن الرواية العاشرة قال النووي: تعديد الفراش للزوج والزوجة لا بأس به، لأنه قد يحتاج كل منهما إلى فراش، عند المرض ونحوه.
١٢ - واستدل بعضهم بهذا على أنه لا يلزم الرجل النوم مع امرأته، وأن له الانفراد عنها بفراش، قال النووي: والاستدلال به على هذا ضعيف، لأن المراد بهذا وقت الحاجة كالمرض وغيره، وإن كان النوم مع الزوجة في فراش واحد ليس واجباً، لكنه بدليل آخر، والصواب في النوم مع الزوجة أنه إذا لم يكن لواحد منهما عذر في الانفراد فاجتماعهما في فراش واحد أفضل، وهو ظاهر فعل الرسول ﷺ ، الذي واظب عليه، مع مواظبته ﷺ على قيام الليل، فينام معها، فإذا أراد القيام للصلاة قام وتركها، فيجمع بين قيام الليل وقضاء حقها المندوب، وعشرتها بالمعروف، لاسيما إن عرف من حالها حرصها على هذا، ثم إنه لا يلزمه من النوم معها الجماع.
والله أعلم
стр. 4652
(٥٦٨) باب تحريم جر الثوب خيلاء وتحريم التبختر والإعجاب بالثياب
٤٧٦٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء".
٤٧٦٨ - وفي رواية عن ابن عمر عن النبي ﷺ . بمثل حديث مالك. وزادوا فيه: يوم القيامة.
٤٧٦٩ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الذي يجر ثيابة من الخيلاء، لا ينظر الله إليه يوم القيامة".
٤٧٧٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جر ثوبه من الخيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة".
٤٧٧١ - وفي رواية عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول مثله. غير أنه قال: ثيابه.
٤٧٧٢ - عن ابن عمر ﵄ أنه رأى رجلاً يجر إزاره فقال "ممن أنت؟ " فانتسب له. فإذا رجل من بني ليث. فعرفه ابن عمر. قال سمعت
стр. 4653
رسول الله ﷺ ، بأذني هاتين، يقول: "من جر إزاره، لا يريد بذلك إلا المخيلة، فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة".
٤٧٧٣ - وفي رواية عن ابن عمر عن النبي ﷺ . بمثله. غير أن في حديث أبي يونس، عن مسلم أبي الحسن. وفي روايتهم جميعاً "من جر إزاره" ولم يقولوا: ثوبه.
٤٧٧٤ - عن محمد بن عباد بن جعفر قال: أمرت مسلم بن يسار، مولى نافع بن عبد الحارث أن يسأل ابن عمر. قال وأنا جالس بينهما: أسمعت من النبي ﷺ في الذي يجر إزاره من الخيلاء شيئاً؟ قال: سمعته يقول "لا ينظر الله إليه يوم القيامة".
٤٧٧٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: مررت على رسول الله ﷺ ، وفي إزاري استرخاء. فقال "يا عبد الله، ارفع إزارك" فرفعته. ثم قال "زد" فزدت. فما زلت أتحراها بعد. فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: أنصاف الساقين.
٤٧٧٦ - عن أبي هريرة ﵁، ورأى رجلاً يجر إزاره، فجعل يضرب الأرض برجله، وهو أمير على البحرين، وهو يقول: جاء الأمير. جاء الأمير. قال رسول الله ﷺ "إن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره بطراً".
٤٧٧٧ - وفي رواية عن شعبة، بهذا الإسناد. وفي حديث ابن جعفر: كان مروان يستخلف أبا هريرة. وفي حديث ابن المثنى: كان أبو هريرة يستخلف على المدينة.
٤٧٧٨ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يمشي، قد أعجبته جمته وبرداه، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة".
٤٧٧٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "بينما رجل يتبختر،
стр. 4654
يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
٤٧٨٠ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ "بينما رجل يتبختر في بردين". ثم ذكر بمثله.
٤٧٨١ - عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن رجلاً ممن كان قبلكم يتبختر في حلة" ثم ذكر مثل حديثهم.
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا﴾ [الإسراء: ٣٧] مسكين ابن آدم، كرمه الله فاغتر، وظن نفسه فوق المخلوقات، أعطاه قطرة من بحار العلم فظن نفسه فوق العالمين، مع أنه يقرأ كل يوم قوله ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦] وقوله ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] وقوله ﴿وقل رب زدني علماً﴾ [طه: ١١٤] وما علم موسى ﵇ بشيء أمام علم عبد من عباده آتاه رحمة من عنده، وعلمه من لدنه علما، وما علم موسى وعلم العبد الصالح وعلم جميع البشر أمام علم الله إلا كقطرة أخذها العصفور بمنقاره من بحر يمده من بعده سبعة أبحر.
أعطاه ذرة من القوة الجسمية فظن نفسه قاهر الملكوت، ونسي أنه من أضعف المخلوقات، نسي الأسد وغيره من السباع التي يخافها، بل نسي الميكروب والفيروس الذي لا يرى بالعين المجردة كيف يفترسه ويعجزه ويقعده، بل ويميته دون حول له ولا قوة.
أعطاه حكماً وسلطاناً على بعض خلقه، فبغى وطغى وتجبر وتكبر عليهم، حتى قال لهم: أنا ربكم الأعلى، ليس لكم إله غيري، ونسي مالك الملك الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، إنه على كل شيء قدير.
نسي أن البشر جميعهم لا يشغلون من سطح الأرض أكثر من عشرها وأن في الجبال أمماً أمثالنا، وفي البحار أمماً أكثر منا، وفي الفضاء المحيط بالأرض أمما أعجب من أممنا، بل نسي أن الأرض كلها في الكواكب والأجرام لا تمثل ذرة رمل في صحراء، لكن من جهله وغروره يضرب الأرض برجله إذا مشي، كأنه سيخرق الأرض بقدمه، ويرفع رأسه شامخاً متعالياً، كأنه يبلغ الجبال طولاً.
من هنا كانت الحكمة الأولية، وأول درس يلقى على الإنسان في كلمة واحدة، هي: اعرف نفسك.
стр. 4655
لو عرف الإنسان نفسه، بداية ومصيراً وما بينهما ما جر ثوبه خيلاء، وما أطال ثوبه كبراً أو بطراً وعلواً، إن الله تعالى حكيم، ومن حكمته أن يعاقب في الدنيا والآخرة بنقيض القصد، ونقيض المتعة غير المشروعة، فمن تعالى على الناس أذله الله، وجعله عبرة لأمثاله في الدنيا والآخرة، ولنا في قارون عبرة دنيوية، فقد كان من قوم موسى، فبغى عليهم، وآتاه الله من الكنوز ما يعجز الخيل عن حمل مفاتيح خزائنه. نسي الله المنعم، وقال: ﴿قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون* فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم* وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن ءامن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون* فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين* وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون* تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين﴾ [القصص: ٧٨ - ٨٣].
لنا في قارون هذه العبرة الدنيوية، أما في الآخرة فعقابه أشد، يحتقره الله ويهمله، ويغضب عليه، ولا ينظر إليه، ولا يكلمه، ولا يطهره من ذنوبه، وله عذاب أليم.
ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر مقته وأذله في الدنيا والآخرة، وعلى المؤمن أن يتواضع في غير ذلة، ويترفع في غير كبر، وتكفينا وصية لقمان لابنه ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور* واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ [لقمان: ١٨، ١٩].
-[المباحث العربية]-
(لا ينظر الله) أي لا يرحمه، فالنظر إذا أضيف إلى الله تعالى كان مجازاً، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية -أي لفظ أطلق، وأريد منه لازم معناه، مع صحة إرادة المعنى الأصلي- قال بعض العلماء: عبر عن المعنى الحاصل عند النظر بالنظر، لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر، فالنظر في جانب الله مجاز مرسل مراد به الرحمة، من إطلاق السبب وإرادة المسبب، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي أن النظر في الأصل تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك، ويحتمل أن يراد به نظر رحمة، من باب تقييد المطلق، مجازاً مرسلاً أيضاً، ويحتمل -كما يقول السلف- أن يكون على الحقيقة، نظراً يليق بجلاله من غير تجسيم ولا تشبيه، والمراد لازمه أيضاً من الإهمال والمقت، فقد أخرج الطبراني "إن رجلاً ممن كان قبلكم لبس بردة، فتبختر فيها، فنظر الله إليه، فمقته، فأمر الأرض فأخذته".
(إلى من جر ثوبه خيلاء) في الرواية الثانية "إن الذي يجر ثيابه من الخيلاء" وفي الرواية
стр. 4656
الثالثة "من جر ثوبه من الخيلاء" وفي الرواية الرابعة "من جر إزاره، لا يريد بذلك إلا المخيلة" وفي الرواية السابعة "إلى من يجر إزاره بطراً" وأكثر الطرق جاءت بلفظ الإزار، قال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده ﷺ كانوا يلبسون الإزار والرداء، فلما لبس الناس القميص وغيره كان حكمها حكم الإزار. اهـ قال ابن بطال: هذا قياس صحيح، لو لم يأت النص بالثوب، فإنه يشمل جميع ذلك. اهـ ولا قياس مع النص، وروايتنا الأولى والثانية والثالثة تنص على الثوب والثياب، ولابس الإزار والثوب حامله، وما زاد على المحمول يعتبر مجروراً، فجر الشيء جذبه وسحبه، وأما الإسبال فهو الإرخاء، يقال: أسبل الشيء، وأسبل الثوب، أرسله وأرخاه، وهل المراد هنا مجرد الإسبال؟ أو الجر على الأرض؟ سيأتي في بيان القدر المطلوب، والخيلاء بالمد، والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد، كذا قال النووي، وقال الحافظ ابن حجر: أصل البطر الطغيان عند النعمة، واستعمل بمعنى التكبر، وقال الراغب: أصل البطر دهش يعتري المرء عند هجوم النعمة، يحول بينه وبين القيام بحقها، و"بطراً" في روايتنا السابعة رويت بفتح الطاء على المصدر، وبكسرها على الحال من فاعل "يجر" أي يجره تكبراً وطغياناً، و"من" في قوله "من الخيلاء" في روايتنا الثانية والثالثة سببية، أي بسبب الخيلاء، وهل هذا التقييد للاحتراز؟ أو لا؟ سيأتي تفصيله والخلاف فيه، في فقه الحديث.
(يوم القيامة) التقييد بيوم القيامة للإشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة الدائمة، بخلاف رحمة الدنيا، فإنها قد تنقطع بما يحدث من الحوادث، فالتخويف بفقدها أعظم.
(وفي إزاري استرخاء) أي طول نحو الأرض، ناشئ من عدم شده في الوسط.
(ثم قال: زد، فزدت) مفعولاً "زد" محذوفان للعلم بهما، أي زد إزارك رفعاً، فزدته رفعاً.
(فمازلت أتحراها بعد) أي فمازلت منذ سمعته أتحرى الحالة التي رفعت إليها إزاري كلما لبسته.
(إلى أين؟ ) أي إلى أين رفعت إزارك؟
(أنصاف الساقين) "أنصاف" بالجر، بحرف جر محذوف، متعلق بمحذوف، أي رفعته إلى أنصاف الساقين.
(فجعل يضرب الأرض برجله، وهو أمير على البحرين، وهو يقول: جاء الأمير. جاء الأمير) في ملحق الرواية "كان مروان يستخلف أبا هريرة" و"كان أبو هريرة يستخلف على المدينة" وعند أحمد "كان مروان يستعمل أبا هريرة على المدينة، فكان إذا رأى إنساناً يجر إزاره ضرب برجله، ثم يقول: قد جاء الأمير. قد جاء الأمير، ثم يقول: قال أبو القاسم ﷺ "إن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره بطراً" وعند أحمد أيضاً "كان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة، فيضرب برجله، فيقول: خلو الطريق خلوا الطريق، قد جاء الأمير. قد جاء الأمير".
стр. 4657
وكان عمر قد استعمله على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فحاسبه عمر عليها ثم عزله، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، ثم أراد علي ﵁ أن يستعمله، فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة حتى مات بها سنة تسع وخمسين على أرجح الأقوال.
فقوله في روايتنا "وهو أمير على البحرين" معناه: وقد كان قبل ذلك أميراً على البحرين، وأما قوله "خلوا الطريق" أو قوله "قد جاء الأمير" أو ضربه الأرض برجله فقد كان منه من قبيل التهيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لبعث الرهبة في نفوس المأمورين، للسمع والطاعة، ولم يكن للفخر والخيلاء والتعالي، فأبو هريرة معروف من هو.
(بينما رجل يمشي، قد أعجبته جمته وبرداه، إذ خسف به الأرض) الجمة بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة، هي مجتمع الشعر المتدلي من الرأس إلى المنكبين، وإلى أكثر من ذلك، وفي رواية للبخاري "مرجل جمته" بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم، وترجيل الشعر تسريحه ودهنه، و"برداه" ثوباه، وفي الرواية التاسعة "يتبختر، يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه" وفي ملحقها "يتبختر في بردين" وفي ملحقها الآخر "يتبختر في حلة" وقد سبق أن الحلة إنما تكون من ثوبين.
قال النووي: قيل: يحتمل أن هذا الرجل من هذه الأمة، فأخبر النبي ﷺ بأن هذا سيقع، وقيل: بل هو إخبار عمن قبل هذه الأمة، وهذا هو الصحيح، وهو معنى إدخال البخاري للحديث في باب ذكر بني إسرائيل. اهـ
وفي ملحق الرواية التاسعة "إن رجلاً ممن كان قبلكم" وكذا أخرجه أحمد وأبو يعلى من حديث أنس، قال الحافظ ابن حجر: وأما ما أخرجه أبو يعلى من طريق كريب، قال: "كنت أقود ابن عباس، فقال: حدثني العباس قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ ، إذ أقبل رجل يتبختر في ثوبين ... " فهو ظاهر في أنه وقع في زمن النبي ﷺ ، فسنده ضعيف، والأول صحيح، ويحتمل التعدد، أو الجمع بأن المراد من كل قبل المخاطبين بذلك، كأبي هريرة، فقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى، وأصله عند أحمد ومسلم "أن رجلاً من قريش أتى أبا هريرة في حلة يتبختر فيها، فقال: يا أبا هريرة، إنك تكثر الحديث، فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئاً؟ فقال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ما حدثتكم بشيء، سمعت ... " الحديث، وقال في آخره: فوالله ما أروي؟ لعله كان من قومك".
وقد أخرج الطبري في التاريخ أن هذا الرجل هو قارون، لأنه لبس حلة، فاختال فيها، فخسف به الأرض، وروى الطبري عن قتادة قال: ذكر لنا أنه خسف بقارون كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها، لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.
والمراد من إعجابه بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال، مع نسيان نعمة الله، فإن احتقر غيره مع ذلك فهو الكبر المذموم.
(فهو يتجلجل في الأرض، حتى تقوم الساعة) في الرواية التاسعة "فهو يتجلجل فيها إلى
стр. 4658
يوم القيامة" والتجلجل بجيمين التحرك، وقيل: الجلجلة الحركة مع صوت، وقال ابن فارس: التجلجل أن يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد، ويندفع من شق إلى شق.
وحكى عياض أنه روى "يتجلل" بجيم واحدة ولام ثقيلة، وهو بمعنى يتغطى، أي تغطيه الأرض، وحكي عن بعض الروايات أيضاً "يتخلخل" بخاءين، واستبعدها، إلا أن يكون من قولهم: خلخلت العظم، إذا أخذت ما عليه من اللحم، وجاء في غير الصحيحين "يتحلحل" بحاءين. قال الحافظ ابن حجر: والكل تصحيف، إلا الأول.
-[فقه الحديث]-
سبق الكلام عن هذا الموضوع في كتاب الإيمان، عند شرح حديث "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" وكان فيما قلناه.
المسبل إزاره، المرضى له، إما أن يكون إسباله لمجرد العرف والعادة، وإما أن يكون لستر عيب، وإما أن يكون لغير قصد، وإما أن يكون بدافع الكبر والخيلاء.
ولا شك أن المقصود في الحديث هو الأخير، يدل على ذلك التقييد في روايتنا الأولى والثانية والثالثة والخامسة بالخيلاء، وفي الرابعة "لا يريد بذلك إلا المخيلة"، وفي السابعة وعند البخاري التقييد بقوله "بطراً" وفي رواية البخاري "فقال: أبو بكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي ﷺ : لست ممن يصنعه خيلاء" وكان أبو بكر رجلاً نحيفاً، لا يكاد يمسك إزاره بوسطه.
ففي هذه الأحاديث دلالة على أن التحريم لإسبال الثوب قاصر على ما إذا كان على وجه التكبر والخيلاء، أما الإسبال لغير خيلاء فظاهر الروايات المطلقة أنه حرام أيضاً، لكن التقييد فيما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة يدل على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء.
وقد نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، وقال: والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة ما تحت نصف الساق إلى الكعبين، وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء، وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث المطلقة الواردة في الزجر عن الإسبال يجب تقييدها بالإسبال للخيلاء. اهـ
وفي حديث صلاة الكسوف عند البخاري "فقام يجر ثوبه مستعجلاً فإن فيه أن الجر إذا كان بسبب الإسراع لا يدخل في النهي، فيشعر بأن النهي يختص بما كان للخيلاء.
أما من كره الإسبال والجر مطلقاً فإنه يرى أن فيه إسرافاً، وتشبهاً بالنساء، وتعريضاً للنجاسة، كما أن فيه مظنة الخيلاء.
стр. 4659
ولا يخفى أن جر الثوب خيلاء ما هو إلا مظهر من مظاهر الكبر المذموم، وقد عقد له باب خاص في كتاب الإيمان، وشرحنا فيه حديث "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق -أي إبطال الحق والبعد عنه ترفعاً وتجبراً، قيل: الكبر العظمة، يقال: تكبر بمعنى تعاظم، وقيل: الكبر غير العظمة، إذ الكبر يقتضي متكبراً عليه، والعظمة لا تقتضي متعاظماً عليه، فقد يتعاظم الإنسان في نفسه.
فالتقييد بجر الثياب خرج مخرج الغالب في مظاهر الكبر، لكن الذم موجه في الحقيقة إلى البطر والتبختر، ولو لمن شمر ثوبه.
أما الإعجاب بالثياب الذي تشير إليه الرواية الثامنة والتاسعة فالمقصود به الإعجاب الذي يصاحبه الكبر والخيلاء، وليس من قبيل الكبر لبس الجميل من الثياب، وتحسين الهيئة والصورة، ما لم يصحبه عجب في النفس، وخيلاء في الإحساس والشعور، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] ويقول ﴿يا بني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١] ويقول ﷺ -فيما رواه البخاري "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة" ويقول ابن عباس "كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف ومخيلة".
قال الحافظ ابن حجر: والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه، مستحضراً لها، شاكراً عليها، غير محتقر لمن ليس له مثله، لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان في غاية النفاسة، فقد أخرج الترمذي "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" أما من أحب ذلك ليتعاظم به على الآخرين فهو المذموم، وقد أخرج الطبري من حديث علي ﵁ "إن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله تعالى ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً﴾ [القصص: ٨٣].
فمدار الذم الكبر والعجب والخيلاء، لا جمال الثوب أو نفاسته، بل إن التجمل والتطيب، ولبس أحسن ما عند المرء من الثياب من مقاصد الشرع الحنيف عند المجتمعات، كالجمع والأعياد ولقاء الوفود والكبراء، ففي الحديث "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته" إذ بذلك تقبل النفوس، وتجتمع القلوب، وتتآلف الناس، ويترابط المجتمع، وليست مجالسة نافخ الكير كمجالسة حامل المسك، فقد أخرج النسائي وأبو داود عن عوف بن مالك عن أبيه "أن النبي ﷺ قال له -ورآه رث الثياب- إذا آتاك الله مالاً فلير أثره عليك".
فالسنة أن يلبس المرء ثياباً تليق بحاله من النفاسة والنظافة، ليعرفه المحتاجون للطلب منه، مع مراعاة القصد، وترك الإسراف، اللهم إلا إذا أثار هذا اللباس في الناس مظنة الكبر والخيلاء عند صاحبه، فيحسن التخلي عنه، لرفع الاتهام.
стр. 4660
وليست مظاهر الكبر وبواعثه محصورة في الثياب وحسن الهيئة، فقد يغتر، ويزهو العالم بعلمه، والغني بغناه، وذو الجاه بجاهه، والقوي بسواعده وعضلاته، فالشعور النفسي بالخيلاء والزهو حرام على كل حال.
هذا، والرواية السادسة تبين حدود الإسبال، وقد أخرج أبو داود والنسائي وصححه الحاكم "ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين" وفي رواية "الإزار إلى أنصاف الساقين، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساقين، ولا حق للكعبين في الإزار".
وعند البخاري "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار؟ " قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكني بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب عقوبة. اهـ ويستثنى من ذلك الوعيد النساء، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال، دون النساء، وقد ظنت أم سلمة ﵂ أن "من" في قوله "من جر ثوباً خيلاء" تشمل الرجال والنساء، فقالت: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: يرخين شبراً، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن؟ قال: فيرخينه ذراعاً، لا يزدن عليه. أخرجه النسائي وصححه الترمذي.
والله أعلم
следующие страницы →