← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

الثالثة "من جر ثوبه من الخيلاء" وفي الرواية الرابعة "من جر إزاره، لا يريد بذلك إلا المخيلة" وفي الرواية السابعة "إلى من يجر إزاره بطراً" وأكثر الطرق جاءت بلفظ الإزار، قال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده ﷺ كانوا يلبسون الإزار والرداء، فلما لبس الناس القميص وغيره كان حكمها حكم الإزار. اهـ قال ابن بطال: هذا قياس صحيح، لو لم يأت النص بالثوب، فإنه يشمل جميع ذلك. اهـ ولا قياس مع النص، وروايتنا الأولى والثانية والثالثة تنص على الثوب والثياب، ولابس الإزار والثوب حامله، وما زاد على المحمول يعتبر مجروراً، فجر الشيء جذبه وسحبه، وأما الإسبال فهو الإرخاء، يقال: أسبل الشيء، وأسبل الثوب، أرسله وأرخاه، وهل المراد هنا مجرد الإسبال؟ أو الجر على الأرض؟ سيأتي في بيان القدر المطلوب، والخيلاء بالمد، والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد، كذا قال النووي، وقال الحافظ ابن حجر: أصل البطر الطغيان عند النعمة، واستعمل بمعنى التكبر، وقال الراغب: أصل البطر دهش يعتري المرء عند هجوم النعمة، يحول بينه وبين القيام بحقها، و"بطراً" في روايتنا السابعة رويت بفتح الطاء على المصدر، وبكسرها على الحال من فاعل "يجر" أي يجره تكبراً وطغياناً، و"من" في قوله "من الخيلاء" في روايتنا الثانية والثالثة سببية، أي بسبب الخيلاء، وهل هذا التقييد للاحتراز؟ أو لا؟ سيأتي تفصيله والخلاف فيه، في فقه الحديث. (يوم القيامة) التقييد بيوم القيامة للإشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة الدائمة، بخلاف رحمة الدنيا، فإنها قد تنقطع بما يحدث من الحوادث، فالتخويف بفقدها أعظم. (وفي إزاري استرخاء) أي طول نحو الأرض، ناشئ من عدم شده في الوسط. (ثم قال: زد، فزدت) مفعولاً "زد" محذوفان للعلم بهما، أي زد إزارك رفعاً، فزدته رفعاً. (فمازلت أتحراها بعد) أي فمازلت منذ سمعته أتحرى الحالة التي رفعت إليها إزاري كلما لبسته. (إلى أين؟ ) أي إلى أين رفعت إزارك؟ (أنصاف الساقين) "أنصاف" بالجر، بحرف جر محذوف، متعلق بمحذوف، أي رفعته إلى أنصاف الساقين. (فجعل يضرب الأرض برجله، وهو أمير على البحرين، وهو يقول: جاء الأمير. جاء الأمير) في ملحق الرواية "كان مروان يستخلف أبا هريرة" و"كان أبو هريرة يستخلف على المدينة" وعند أحمد "كان مروان يستعمل أبا هريرة على المدينة، فكان إذا رأى إنساناً يجر إزاره ضرب برجله، ثم يقول: قد جاء الأمير. قد جاء الأمير، ثم يقول: قال أبو القاسم ﷺ "إن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره بطراً" وعند أحمد أيضاً "كان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة، فيضرب برجله، فيقول: خلو الطريق خلوا الطريق، قد جاء الأمير. قد جاء الأمير".

стр. 4657

وكان عمر قد استعمله على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فحاسبه عمر عليها ثم عزله، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، ثم أراد علي ﵁ أن يستعمله، فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة حتى مات بها سنة تسع وخمسين على أرجح الأقوال. فقوله في روايتنا "وهو أمير على البحرين" معناه: وقد كان قبل ذلك أميراً على البحرين، وأما قوله "خلوا الطريق" أو قوله "قد جاء الأمير" أو ضربه الأرض برجله فقد كان منه من قبيل التهيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لبعث الرهبة في نفوس المأمورين، للسمع والطاعة، ولم يكن للفخر والخيلاء والتعالي، فأبو هريرة معروف من هو. (بينما رجل يمشي، قد أعجبته جمته وبرداه، إذ خسف به الأرض) الجمة بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة، هي مجتمع الشعر المتدلي من الرأس إلى المنكبين، وإلى أكثر من ذلك، وفي رواية للبخاري "مرجل جمته" بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم، وترجيل الشعر تسريحه ودهنه، و"برداه" ثوباه، وفي الرواية التاسعة "يتبختر، يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه" وفي ملحقها "يتبختر في بردين" وفي ملحقها الآخر "يتبختر في حلة" وقد سبق أن الحلة إنما تكون من ثوبين. قال النووي: قيل: يحتمل أن هذا الرجل من هذه الأمة، فأخبر النبي ﷺ بأن هذا سيقع، وقيل: بل هو إخبار عمن قبل هذه الأمة، وهذا هو الصحيح، وهو معنى إدخال البخاري للحديث في باب ذكر بني إسرائيل. اهـ وفي ملحق الرواية التاسعة "إن رجلاً ممن كان قبلكم" وكذا أخرجه أحمد وأبو يعلى من حديث أنس، قال الحافظ ابن حجر: وأما ما أخرجه أبو يعلى من طريق كريب، قال: "كنت أقود ابن عباس، فقال: حدثني العباس قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ ، إذ أقبل رجل يتبختر في ثوبين ... " فهو ظاهر في أنه وقع في زمن النبي ﷺ ، فسنده ضعيف، والأول صحيح، ويحتمل التعدد، أو الجمع بأن المراد من كل قبل المخاطبين بذلك، كأبي هريرة، فقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى، وأصله عند أحمد ومسلم "أن رجلاً من قريش أتى أبا هريرة في حلة يتبختر فيها، فقال: يا أبا هريرة، إنك تكثر الحديث، فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئاً؟ فقال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ما حدثتكم بشيء، سمعت ... " الحديث، وقال في آخره: فوالله ما أروي؟ لعله كان من قومك". وقد أخرج الطبري في التاريخ أن هذا الرجل هو قارون، لأنه لبس حلة، فاختال فيها، فخسف به الأرض، وروى الطبري عن قتادة قال: ذكر لنا أنه خسف بقارون كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها، لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. والمراد من إعجابه بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال، مع نسيان نعمة الله، فإن احتقر غيره مع ذلك فهو الكبر المذموم. (فهو يتجلجل في الأرض، حتى تقوم الساعة) في الرواية التاسعة "فهو يتجلجل فيها إلى

стр. 4658

يوم القيامة" والتجلجل بجيمين التحرك، وقيل: الجلجلة الحركة مع صوت، وقال ابن فارس: التجلجل أن يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد، ويندفع من شق إلى شق. وحكى عياض أنه روى "يتجلل" بجيم واحدة ولام ثقيلة، وهو بمعنى يتغطى، أي تغطيه الأرض، وحكي عن بعض الروايات أيضاً "يتخلخل" بخاءين، واستبعدها، إلا أن يكون من قولهم: خلخلت العظم، إذا أخذت ما عليه من اللحم، وجاء في غير الصحيحين "يتحلحل" بحاءين. قال الحافظ ابن حجر: والكل تصحيف، إلا الأول. -[فقه الحديث]- سبق الكلام عن هذا الموضوع في كتاب الإيمان، عند شرح حديث "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" وكان فيما قلناه. المسبل إزاره، المرضى له، إما أن يكون إسباله لمجرد العرف والعادة، وإما أن يكون لستر عيب، وإما أن يكون لغير قصد، وإما أن يكون بدافع الكبر والخيلاء. ولا شك أن المقصود في الحديث هو الأخير، يدل على ذلك التقييد في روايتنا الأولى والثانية والثالثة والخامسة بالخيلاء، وفي الرابعة "لا يريد بذلك إلا المخيلة"، وفي السابعة وعند البخاري التقييد بقوله "بطراً" وفي رواية البخاري "فقال: أبو بكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي ﷺ : لست ممن يصنعه خيلاء" وكان أبو بكر رجلاً نحيفاً، لا يكاد يمسك إزاره بوسطه. ففي هذه الأحاديث دلالة على أن التحريم لإسبال الثوب قاصر على ما إذا كان على وجه التكبر والخيلاء، أما الإسبال لغير خيلاء فظاهر الروايات المطلقة أنه حرام أيضاً، لكن التقييد فيما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة يدل على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء. وقد نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، وقال: والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة ما تحت نصف الساق إلى الكعبين، وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء، وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث المطلقة الواردة في الزجر عن الإسبال يجب تقييدها بالإسبال للخيلاء. اهـ وفي حديث صلاة الكسوف عند البخاري "فقام يجر ثوبه مستعجلاً فإن فيه أن الجر إذا كان بسبب الإسراع لا يدخل في النهي، فيشعر بأن النهي يختص بما كان للخيلاء. أما من كره الإسبال والجر مطلقاً فإنه يرى أن فيه إسرافاً، وتشبهاً بالنساء، وتعريضاً للنجاسة، كما أن فيه مظنة الخيلاء.

стр. 4659

ولا يخفى أن جر الثوب خيلاء ما هو إلا مظهر من مظاهر الكبر المذموم، وقد عقد له باب خاص في كتاب الإيمان، وشرحنا فيه حديث "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق -أي إبطال الحق والبعد عنه ترفعاً وتجبراً، قيل: الكبر العظمة، يقال: تكبر بمعنى تعاظم، وقيل: الكبر غير العظمة، إذ الكبر يقتضي متكبراً عليه، والعظمة لا تقتضي متعاظماً عليه، فقد يتعاظم الإنسان في نفسه. فالتقييد بجر الثياب خرج مخرج الغالب في مظاهر الكبر، لكن الذم موجه في الحقيقة إلى البطر والتبختر، ولو لمن شمر ثوبه. أما الإعجاب بالثياب الذي تشير إليه الرواية الثامنة والتاسعة فالمقصود به الإعجاب الذي يصاحبه الكبر والخيلاء، وليس من قبيل الكبر لبس الجميل من الثياب، وتحسين الهيئة والصورة، ما لم يصحبه عجب في النفس، وخيلاء في الإحساس والشعور، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] ويقول ﴿يا بني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١] ويقول ﷺ -فيما رواه البخاري "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة" ويقول ابن عباس "كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف ومخيلة". قال الحافظ ابن حجر: والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه، مستحضراً لها، شاكراً عليها، غير محتقر لمن ليس له مثله، لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان في غاية النفاسة، فقد أخرج الترمذي "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" أما من أحب ذلك ليتعاظم به على الآخرين فهو المذموم، وقد أخرج الطبري من حديث علي ﵁ "إن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله تعالى ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً﴾ [القصص: ٨٣]. فمدار الذم الكبر والعجب والخيلاء، لا جمال الثوب أو نفاسته، بل إن التجمل والتطيب، ولبس أحسن ما عند المرء من الثياب من مقاصد الشرع الحنيف عند المجتمعات، كالجمع والأعياد ولقاء الوفود والكبراء، ففي الحديث "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته" إذ بذلك تقبل النفوس، وتجتمع القلوب، وتتآلف الناس، ويترابط المجتمع، وليست مجالسة نافخ الكير كمجالسة حامل المسك، فقد أخرج النسائي وأبو داود عن عوف بن مالك عن أبيه "أن النبي ﷺ قال له -ورآه رث الثياب- إذا آتاك الله مالاً فلير أثره عليك". فالسنة أن يلبس المرء ثياباً تليق بحاله من النفاسة والنظافة، ليعرفه المحتاجون للطلب منه، مع مراعاة القصد، وترك الإسراف، اللهم إلا إذا أثار هذا اللباس في الناس مظنة الكبر والخيلاء عند صاحبه، فيحسن التخلي عنه، لرفع الاتهام.

стр. 4660

وليست مظاهر الكبر وبواعثه محصورة في الثياب وحسن الهيئة، فقد يغتر، ويزهو العالم بعلمه، والغني بغناه، وذو الجاه بجاهه، والقوي بسواعده وعضلاته، فالشعور النفسي بالخيلاء والزهو حرام على كل حال. هذا، والرواية السادسة تبين حدود الإسبال، وقد أخرج أبو داود والنسائي وصححه الحاكم "ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين" وفي رواية "الإزار إلى أنصاف الساقين، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساقين، ولا حق للكعبين في الإزار". وعند البخاري "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار؟ " قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكني بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب عقوبة. اهـ ويستثنى من ذلك الوعيد النساء، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال، دون النساء، وقد ظنت أم سلمة ﵂ أن "من" في قوله "من جر ثوباً خيلاء" تشمل الرجال والنساء، فقالت: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: يرخين شبراً، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن؟ قال: فيرخينه ذراعاً، لا يزدن عليه. أخرجه النسائي وصححه الترمذي. والله أعلم

стр. 4661

(٥٦٩) باب تحريم خاتم الذهب على الرجال ٤٧٨٢ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه نهى عن خاتم الذهب. ٤٧٨٣ - عن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل. فنزعه، فطرحه. وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده" فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله، لا آخذه أبداً، وقد طرحه رسول الله ﷺ . ٤٧٨٤ - عن عبد الله ﵁، أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتماً من ذهب. فكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه. فصنع الناس. ثم إنه جلس على المنبر فنزعه. فقال: "إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل" فرمى به. ثم قال: "والله، لا ألبسه أبداً" فنبذ الناس خواتيمهم. ولفظ الحديث ليحيى. ٤٧٨٥ - وفي رواية عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ . بهذا الحديث، في خاتم الذهب. وزاد في حديث عقبة بن خالد: وجعله في يده اليمنى. ٤٧٨٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ورق. فكان في يده. ثم كان في يد أبي بكر. ثم كان في يد عمر. ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر أريس. نقشه محمد رسول الله. قال ابن نمير: حتى وقع في بئر. ولم يقل: منه.

стр. 4662

٤٧٨٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: اتخذ النبي ﷺ خاتماً من ذهب. ثم ألقاه. ثم اتخذ خاتماً من ورق. ونقش فيه محمد رسول الله. وقال: "لا ينقش أحد على نقش خاتمي هذا" وكان إذا لبسه جعل فصه مما يلي بطن كفه. وهو الذي سقط من معيقيب، في بئر أريس. ٤٧٨٨ - عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من فضة. ونقش فيه محمد رسول الله. وقال للناس "إني اتخذت خاتماً من فضة. ونقشت فيه محمد رسول الله. فلا ينقش أحد على نقشه". ٤٧٨٩ - وفي رواية عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ بهذا، ولم يذكر في الحديث: محمد رسول الله. ٤٧٩٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم. قال: قالوا: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً. قال: فاتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من فضة. كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله ﷺ . نقشه محمد رسول الله. ٤٧٩١ - عن أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ كان أراد أن يكتب إلى العجم. فقيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم. فاصطنع خاتماً من فضة. قال: كأني أنظر إلى بياضه في يده. ٤٧٩٢ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي. فقيل: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم. فصاغ رسول الله ﷺ خاتماً. حلقته فضة. ونقش فيه. محمد رسول الله.

стр. 4663

٤٧٩٣ - عن أنس بن مالك ﵁، أنه أبصر في يد رسول الله ﷺ خاتماً من ورق يوماً واحداً. قال فصنع الناس الخواتم من ورق فلبسوه. فطرح النبي ﷺ خاتمه. فطرح الناس خواتمهم. ٤٧٩٤ - عن أنس بن مالك ﵁، أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتماً من ورق يوماً واحداً. ثم إن الناس اضطربوا الخواتم من ورق فلبسوها. فطرح النبي ﷺ خاتمه. فطرح الناس خواتمهم. ٤٧٩٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان خاتم رسول الله ﷺ من ورق. وكان فصه حبشياً. ٤٧٩٦ - عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فص حبشي. كان يجعل فصه مما يلي كفه. ٤٧٩٧ - عن أنس ﵁ قال: كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى. ٤٧٩٨ - عن علي ﵁ قال: نهاني يعني النبي ﷺ أن أجعل خاتمي في هذه أو التي تليها. لم يدر عاصم في أي الثنتين. ونهاني عن لبس القسي، وعن جلوس على المياثر. قال: فأما القسي: فثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام،

стр. 4664

فيها شبه كذا. وأما المياثر، فشيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل، كالقطائف الأرجوان. ٤٧٩٩ - عن أبي بردة قال: قال علي ﵁: نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في إصبعي هذه، أو هذه. قال: فأومأ إلى الوسطى والتي تليها. -[المعنى العام]- كان الرجال والنساء من الفرس والروم يتحلون بالذهب، وكان الأكاسرة والقياصرة وذوو الجاه والأموال يلبسون الأساور الذهبية العريضة التي تملأ الساعد، ويتخذون القلائد والتيجان والسلاسل الذهبية كمظهر من مظاهر الزينة والفخر والخيلاء والكبر والعلو في الأرض، وكما سبق كانوا يأكلون ويشربون في أواني الذهب والفضة، ومثل ذلك وأكثر كان الفراعنة في مصر يفعلون، وما الآثار الذهبية لتوت عنخ آمون إلا رمز لهذه المظاهر، أما العرب فكانوا يعيشون في البوادي، وحضرهم أقرب إلى البادية منها إلى قصور الفرس والروم، كانوا يسمعون عن حلي الذهب أو يرون ولا يملكون، ويوم أن لمسوا ثوباً من الحرير تعجبوا لحسنه انبهاجاً وانبهاراً، حتى قال لهم ﷺ : لا تعجبوا فمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا، وقد وعدهم الله هذه الحلي في الجنة، فقال ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً﴾ [الحج: ٢٣] وفطمهم ﷺ عن التطلع إليها في الدنيا، فقال: "هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وكان ﷺ يعلم بما أوحى الله إليه أن العرب سيملكون ملك كسرى وقيصر، وأن الدنيا ستفتح عليهم وأن الذهب سيفيض بين أيديهم، وخشي ﷺ على رجال أمته أن ينعموا وينصرفوا إلى زينة النساء، فيضعفوا ويخضعوا، ويذلوا، فاتجه إلى أقل وأحقر شيء في لبس الذهب، وهو الخاتم، الخاتم الذي يوضع في إصبع من أصابع اليد، ولا يكاد يرى فحرمه، حرمه عملاً وقولاً، لبس خاتم الذهب ثلاثة أيام، فبادر المسلمون واتخذوا مثله خواتم من ذهب، فصعد المنبر، وخطبهم، ورفع يده أمامهم وخلع الخاتم من إصبعه، ورماه، وأسمع من لم ير، فقال: إني كنت قد لبست خاتماً من ذهب في يميني، فوالله لا ألبسه أبداً، إن من يلبس في إصبعه خاتماً من ذهب فكأنه يضع جمرة من النار في يده، فنزع المسلمون خواتمهم الذهبية من أيديهم، ومضت أيام وشهور، وعقدت هدنة الحديبية، وأمن المسلمون كفار قريش، فاتجه ﷺ إلى دعوة الملوك، كسرى وقيصر والنجاشي، وقرر إرسال كتب إليهم، فقيل له: إنهم لا يعتمدون كتاباً غير مختوم بخاتم مرسله، فصنع له خاتم من فضة، نقش عليه: محمد رسول الله، وفي يوم وليلة انتشر في أيدي الصحابة خواتم، منقوش عليها محمد رسول الله؛ تبركاً وإعلاناً وتشرفاً، وكان في هذا تضييعاً للهدف من النقش، وأنه للختم به على الرسائل، فغضب ﷺ ، ورمى بخاتمه، وقال لهم: لا ينقش أحد منكم على خاتمه مثل نقشي، فرمى

стр. 4665

الصحابة بخواتيمهم المنقوشة باسمه، فسكن غضبه، وعاد إلى خاتمه المنقوش باسمه، يلبسه تارة، ويختم به تارة، ويحفظه عند أمين تارة. أما الصحابة فقد اتخذوا خواتيم أخرى من فضة، بعضهم لم ينقش عليها، وبعضهم نقش عليها اسمه، أو ذكر الله تعالى. ﵃ أجمعين. -[المباحث العربية]- (نهى عن خاتم الذهب) في الكلام مضاف محذوف، وهناك قيد ملاحظ من أدلة أخرى، في الكلام مضاف محذوف، والتقدير: نهى عن لبس خاتم الذهب للرجال، والإضافة بمعنى "من" أي خاتم من الذهب. (فنزعه، فطرحه) أي أخرجه من إصبع يد الرجل، فرماه. (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده) في الكلام مجاز مرسل من إطلاق المسبب وإرادة السبب، أو استعارة تصريحية، بتشبيه الخاتم بجمرة من النار، بجامع إيذاء كل. (خذ خاتمك، انتفع به) بالبيع أو الهبة، أو إعطائه إحدى نسائك. (والله لا آخذه أبداً، وقد طرحه رسول الله ﷺ جملة "وقد طرحه" حالية. (أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتماً من ذهب) أي جعل صانعاً يصنعه له، وفي الخاتم ثمان لغات: فتح التاء وكسرها وبتقديم التاء على الألف مع كسر الخاء "ختام" و"خيتوم" و"ختم" بفتح الخاء وسكون التاء، و"خاتام" بألف بعد الخاء، وألف بعد التاء، و"خاتيام" بزيادة ياء عما قبلها، وبحذف الألف الأولى "خيتام". قال الحافظ ابن حجر: والحق أن الختم والختام مختص بما يختم به، وأما ما يتزين به فليس فيه إلا ستة. و"خاتم" يجمع على "خواتم" و"خواتيم" وعلى "خياتيم" و"خياتم". (فكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه) "الفص" بفتح الفاء، وحكي كسرها وضمها. والمعنى كان يجعل فصه في جهة باطن كفه، وهذا هو المراد من قوله في الرواية نفسها "وأجعل فصه من داخل" وفي الرواية الخامسة "وكان إذا لبسه جعل فصه مما يلي بطن كفه" وفي الرواية الثالثة عشرة "كان يجعل فصه مما يلي كفه" وذلك ليكون أبعد من التزين. (فصنع الناس) المفعول محذوف، أو فصنع الناس خواتم مثله، من ذهب، ولبسوها. (ثم إنه جلس على المنبر، فنزعه، فقال .... ) جلوسه على المنبر وقوله وفعله ﷺ لظهور مقارنة القول للفعل، للأهمية.

стр. 4666

(فنبذ الناس خواتيمهم) أي نزعوها، وألقوها بعيدة عن أصابع أيديهم. (اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ورق) في الرواية الخامسة "اتخذ النبي ﷺ خاتماً من ذهب، ثم ألقاه، ثم اتخذ خاتماً من ورق "وفي الرواية السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة "اتخذ خاتماً من فضة" أي بعد أن ألقى خاتم الذهب، و"الورق" بفتح الواو، وكسر الراء ويجوز إسكانها بعدها قاف وحكي كسر أوله مع السكون الفضة، وقيل: يختص بالمصكوك من الفضة، وفي الرواية التاسعة "خاتماً حلقة فضة" قال النووي: "الحلقة" ساكنة اللام، على المشهور، وفتحها لغة شاذة ضعيفة، وقال: هكذا هو في جميع الأصول "حلقة فضة" بنصب "حلقة" على البدل من "خاتم" وليس فيها هاء ضمير. اهـ قيل: إنه لا يسمى خاتماً إلا إذا كان له فص، فإن كان بلا فص فهو حلقة، وقيل: لا يقال له خاتم إلا إذا كان له فص من غيره، أما إن كان فصه منه فهو حلقة أيضاً وفي الرواية العاشرة "عن أنس بن مالك أنه أبصر في يد رسول الله ﷺ خاتماً من ورق، يوماً واحداً، قال: فصنع الناس الخواتم من ورق، فلبسوه، فطرح النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم" فهذه الرواية وما بعدها تفيد طرح خاتم الفضة. قال النووي: قال القاضي: قال جميع أهل الحديث: هذا وهم من ابن شهاب -الراوي عن أنس- والمعروف من روايات أنس، من غير طريق ابن شهاب اتخاذه ﷺ خاتم فضة، ولم يطرحه، وإنما طرح خاتم الذهب، كما ذكره مسلم في باقي الأحاديث، قال: ومنهم من تأول حديث ابن شهاب، وجمع بينه وبين الروايات، فقال: لما أراد النبي ﷺ تحريم خاتم الذهب اتخذ خاتم فضة، فلما لبس خاتم فضة أراه الناس في ذلك اليوم، ليعلمهم إباحته، ثم طرح خاتم الذهب، وأعلمهم تحريمه، فطرح الناس خواتيمهم من الذهب، فيكون قوله "فطرح الناس خواتمهم" أي خواتم الذهب. قال النووي: وهذا التأويل هو الصحيح، وليس في الحديث ما يمنعه. قال: وأما قوله "فصنع الناس الخواتم من الورق فلبسوه" ثم قال "فطرح خاتمه فطرحوا خواتمهم" فيحتمل أنهم لما علموا أنه ﷺ يصطنع لنفسه خاتم فضة اصطنعوا لأنفسهم خواتيم فضة، وبقيت معهم خواتيم الذهب، كما بقي مع النبي ﷺ ، إلى أن طرح خاتم الذهب، واستبدل به الفضة. اهـ وقال الإسماعيلي: إن كان الخبر عن ابن شهاب محفوظاً فينبغي أن يكون تأويله أنه اتخذ خاتماً من ورق على لون من الألوان، وكره أن يتخذ غيره مثله، فلما اتخذوه رمى به، حتى رموا به، ثم اتخذ بعد ذلك ما اتخذه، ونقش عليه نقش، ليختم به، ثم أشار الإسماعيلي إلى تأويل آخر، وأنه اتخذه للزينة، فلما تبعه الناس فيه رمى به، فلما احتاج إلى الختم اتخذه ليختم به، قال المحب الطبري: وهذا متكلف، وقيل: يخدشه أنه يستلزم اتخاذ خاتم الورق مرتين. وقال ابن بطال: خالف ابن شهاب رواية قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، في كون الخاتم الفضة، فوجب الحكم للجماعة، واعتبار الزهري واهماً فيه، وقال المهلب: قد يمكن أن يتأول لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم، وإن كان الوهم أظهر.

стр. 4667

أما قول أنس في الرواية العاشرة "أنه أبصر في يد رسول الله ﷺ خاتماً من ورق، يوماً واحداً "فيحمل على أنه رآه كذلك في يوم، واستمر في يده ﷺ أكثر من اليوم، فقوله "يوماً واحداً" ظرف لرؤية أنس، لا لمدة اللبس، وما عند النسائي عن ابن عمر "اتخذ النبي ﷺ خاتماً من ذهب، فلبسه ثلاثة أيام" ظرف لمدة اللبس، وإن قلنا: إن رواية ابن شهاب لا وهم فيها، وجمعنا بما تقدم، فمدة لبس خاتم الذهب ثلاثة أيام، كما في حديث ابن عمر هذا، ومدة لبس خاتم الورق الأول كانت يوماً واحداً، كما في حديث أنس، ثم لما رمى الناس الخواتيم التي نقشوها على نقشه، عاد فلبس خاتم الفضة، واستمر إلى أن مات. (ونقش فيه: محمد رسول الله) في الكلام مجاز مرسل، أي أمر الصانع أن ينقش فيه، وفيه مضاف محذوف، أي في فصه، وقد روى البخاري عن أنس "أن أبا بكر ﵁ لما استخلف كتب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، رسول سطر، والله سطر" قال ابن بطال: ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطراً واحداً، قال الحافظ ابن حجر: قد يظهر أثر الخلاف في أنه إذا كان سطراً واحداً يكون الفص مستطيلاً، فإذا تعددت الأسطر أمكن كونه مربعاً أو مستديراً، وكل منهما أولى من المستطيل. اهـ ورواية البخاري السابقة صريحة في أن النقش ثلاثة أسطر، ولما كانت الأسطر تقرأ عادة من الأعلى، ثم السطر الذي أسفله وهكذا، كان ظاهر الرواية أن لفظ "محمد" كان في أعلى الأسطر، ولفظ الجلالة في ثالث الأسطر، هكذا (محمد رسول الله) ** وظاهر رواية الإسماعيلي تفيد ذلك، ففيها "محمد سطر، والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث الله" قال الحافظ ابن حجر: وأما قول بعض الشيوخ: إن كتابته كانت من أسفل السطور إلى فوق، يعني لفظ الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد في أسفلها هكذا (محمد رسول الله) ** فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث. اهـ وعلى هذا القول الأخير لا يليق أن تقرأ الكلمات من السطر الأعلى إلى الأسفل [الله. رسول. محمد] بل القراءة حينئذ تكون من الأسفل إلى الأعلى، ولك أن تقرأ "رسول" بالتنوين وعدمه، و"الله" بالرفع وبالجر، لكن الجر أولى. ولا يخفى أن الختم بهذه الكلمات يقتضي أن تكتب الأحرف المنقوشة مقلوبة، ليخرج الختم على هيئة القراءة السليمة. هذا هو التحقيق في نقش خاتمه ﷺ ، أما ما جاء عند أبي الشيخ في أخلاق النبي ﷺ "عن أنس قال: كان فص خاتم النبي ﷺ حبشياً، مكتوباً عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهو ضعيف، وهذه الزيادة شاذة، وكذا ما ذكره ابن سعد من مرسل ابن سيرين من أن الخاتم كان عليه: "بسم الله محمد رسول الله" فإنه لم يتابع على هذه الزيادة، وكذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه أخرج لهم خاتماً، فزعم أن رسول الله ﷺ كان يلبسه، فيه تمثال أسد" ففيه مع إرساله ضعف.

стр. 4668

(وقال: لا ينقش أحد على نقش خاتمي هذا) وفي الرواية السادسة "اتخذ خاتماً من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله. وقال للناس: إني اتخذت خاتماً من فضة، ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه" والظاهر أن الصحابة كانوا قد بادروا بنقش "محمد رسول الله" على خواتيمهم اعتزازاً بالشهادة، فلما قرر أن يختم به لزم أن لا يشركه أحد على نقشه، فرمى به، ليرموا بخواتيمهم المنقوشة على اسمه، ونهى الناس أن ينقشوا نقشه، فلما عدمت خواتيمهم برميها رجع إلى خاتمه الخاص به، فصار يختم به. أما الصحابة فقد نقش بعضهم نقوشاً أخرى، وبعضهم لم ينقش شيئاً، فعند ابن أبي شيبة أن ابن عمر نقش على خاتمه: عبد الله بن عمر، وكذا القاسم بن محمد، ونقش كل من حذيفة وأبي عبيدة "الحمد لله" ونقش علي "والله الملك" ونقش بعضهم "بالله" وبعضهم "بسم الله" وبعضهم "العزة لله" وكان مالك يقول: من شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم في خواتمهم. (فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان) أي في حيازة كل منهم في إصبع يدهم، أو في ملكهم وتصرفهم، وفي رواية ابن سعد عن الأنصاري "معيقيب" "ثم كان في يد عثمان ست سنين، فلما كان في الست الباقية كنا معه على بئر أريس .. ". (حتى وقع منه في بئر أريس) بفتح الهمزة وكسر الراء، على وزن عظيم، وهي في حديقة بالقرب من مسجد قباء، وظاهر هذه الرواية أن الخاتم وقع في البئر من عثمان ﵁، وفي ملحق الرواية الرابعة "حتى وقع في بئر أريس" ولم تذكر "منه" وفي الرواية الخامسة "وهو الذي سقط من معيقيب في بئر أريس" وفي رواية للبخاري "حتى وقع من عثمان في بئر أريس" وفي رواية للبخاري "فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به، فسقط، قال أنس: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، فننزح البئر، فلم نجده". وفي رواية ابن سعد "فجعل يحوله في يده ... فطلبناه مع عثمان ثلاثة أيام، فلم نقدر عليه" وعند أبي داود والنسائي "فاتخذ عثمان خاتماً، ونقش فيه: محمد رسول الله، فكان يختم به" قال الحافظ ابن حجر يحتمل أن نسبة سقوطه إلى عثمان نسبة مجازية، أو بالعكس، يحتمل أن عثمان طلبه من معيقيب، فختم به شيئاً، واستمر في يده، وهو يفكر في شيء، يعبث به، فسقط في البئر، ويحتمل أنه رده إلى معيقيب فسقط منه، والأول هو الموافق لحديث أنس. اهـ وهو الظاهر، لأنه لم يرد في الروايات تأنيباً أو لوما لمعيقيب، ولو كان هو المقصر لوجدنا لوماً وتعنيفاً. ومعيقيب مولى سعيد بن أبي العاص، وعند أبي داود والنسائي "كان معيقيب على خاتم النبي ﷺ " يعني كان أميناً عليه، واتخذه عثمان أميناً وكاتباً لما كثرت الأعمال، فكان الخاتم أحياناً عنده، يختم به أوامر الخليفة، كما يحتفظ اليوم بخاتم الدولة في الإدارات الحكومية عند الكاتب الأول. (لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم) في الرواية الثامنة "كان إذا أراد أن يكتب

стр. 4669

إلى العجم" وفي الرواية التاسعة "أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي" وفي رواية للبخاري "أراد أن يكتب إلى رهط -أو أناس- من الأعاجم" وقد جزم أبو الفتح اليعمري أن اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة، وجزم غيره بأنه كان في السادسة ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك، وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة، وكانت في ذي القعدة سنة ست، ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، ووجه الرسل في المحرم من السابعة، وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك. (قالوا: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً) في الرواية الثامنة "فقيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم" وفي الرواية التاسعة "فقيل: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم" وعند ابن سعد أن قريشاً هم الذين قالوا ذلك للنبي ﷺ ، فقد اتصلوا بهؤلاء الملوك أثناء رحلتي الشتاء والصيف. (كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله ﷺ في رواية البخاري "فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه" والوبيص هو البريق وزناً ومعنى. (فصنع الناس الخواتم من ورق فلبسوه) أي فلبسوا هذا المصنوع، وفي روايتنا الحادية عشرة ورواية البخاري "فلبسوها". (ثم إن الناس اضطربوا الخواتم من ورق) أي حركوا خواتم الفضة في أيديهم على غير نظام. (وكان فصه حبشياً) في الرواية الثالثة عشرة "فيه فص حبشي" وفي رواية للبخاري "كان خاتمه من فضة، وكان فصه منه" وعند أبي داود "من فضة كله" قال الحافظ ابن حجر: لا يعارضه ما أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أنس "كان فصه حبشياً" لأنه إما أن يحمل على التعدد -على معنى تعدد الخاتم، فكان خاتم فصه منه، وكان الآخر فصه حبشي" وحينئذ فمعنى قوله "حبشي" أي كان حجراً من بلاد الحبشة، أو لونه لون الحبشة، أو كان جزعاً أو عقيقاً، لأن ذلك قد يؤتى به من بلاد الحبشة، ويحتمل أن يكون هو الذي فصه منه، ونسب إلى الحبشة لصفة فيه، إما الصياغة، وإما النقش. -[فقه الحديث]- قال النووي: أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء، وأجمعوا على تحريمه على الرجال، إلا ما حكي عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن محمد بن حزم أنه أباحه، وعن بعض أنه مكروه، لا حرام، وهذان النقلان باطلان، فقائلهما محجوج بهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم، مع إجماع من قبله على تحريمه، مع قوله ﷺ في الذهب والحرير "إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها" قال أصحابنا: ويحرم سن الخاتم إذا كان ذهباً وإن كان باقيه فضة، وكذا لو موه خاتم الفضة بالذهب، فهو حرام. اهـ

стр. 4670

وقال ابن دقيق العيد: ظاهر النهي التحريم، وهو قول الأئمة، واستقر الأمر عليه، وما نقل عن أبي بكر بن محمد بن حزم من تختمه بالذهب فشذوذ، والأشبه أنه لم تبلغه السنة فيه، فالناس بعده مجمعون على خلافه، وكذا ما روي فيه عن خباب، وقد قال له ابن مسعود: "أما آن لهذا الخاتم أن يلقى؟ فقال: إنك لن تراه على بعد اليوم" فكأنه ما كان بلغه النهي، فلما بلغه رجع. قال: وقد ذهب بعضهم إلى أن لبسه للرجال مكروه كراهة تنزيه، لا تحريم، كما قال مثل ذلك في الحرير. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي إثبات الخلاف في التحريم، وهو يناقض القول بالإجماع على التحريم، ولا بد من اعتبار وصف كونه خاتماً. قال الحافظ ابن حجر: والتوفيق بين الكلامين ممكن، بأن يكون القائل بكراهة التنزيه انقرض، واستقر الإجماع بعده على التحريم، وقد جاء عن جماعة من الصحابة لبس خاتم الذهب، ومن ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن إسماعيل أنه رأى ذلك على سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وصهيب، وذكر ستة أو سبعة، وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن حذيفة وعن جابر بن سمرة وعبد الله بن يزيد الخطمي نحوه، ومن طريق حمزة بن أبي أسيد "نزعنا من يدي أبي أسيد خاتماً من ذهب" وأغرب ما ورد من ذلك ما جاء عن البراء الذي روى النهي. فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي السفر، قال: "رأيت على البراء خاتماً من ذهب" وأخرج أحمد من طريق محمد بن مالك قال: "رأيت على البراء خاتماً من ذهب، فقال: قسم رسول الله ﷺ قسماً، فألبسنيه، فقال: البس ما كساك الله ورسوله" قال الحازمي: إسناده ليس بذاك، ولو صح فهو منسوخ، قال الحافظ ابن حجر: لو ثبت النسخ عند البراء ما لبسه بعد النبي ﷺ ، وقد روي حديث النهي المتفق على صحته عنه، فالجمع بين روايته وفعله إما أن يكون حمله على التنزيه، أو فهم الخصوصية له من قوله "البس ما كساك الله ورسوله"، وهذا أولى من قول الحازمي: لعل البراء لم يبلغه النهي، ويؤيد أنه فهم الخصوصية ما جاء عند أحمد "كان الناس يقولون للبراء: لم تتختم بالذهب؟ وقد نهى عنه رسول الله ﷺ ؟ فيذكر لهم هذا الحديث، ثم يقول: كيف تأمرونني أن أضع ما قال رسول الله ﷺ : البس ما كساك الله ورسوله؟ " اهـ. هذا وأحاديث الباب -وبخاصة روايتنا الثانية- تؤكد تحريم خاتم الذهب على الرجال، أما إباحته للنساء فبالإجماع، وقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث عائشة "أن النجاشي أهدى للنبي ﷺ حلية، فيها خاتم من الذهب، فأخذه، وإنه لمعرض عنه، ثم دعا أمامة، بنت ابنته، فقال: تحلى به". -[ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم]- ١ - استدل به على تحريم الذهب على الرجال، قليله وكثيره، للنهي عن التختم، وهو قليل، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التحريم يتناول ما هو في قدر الخاتم وما فوقه، فأما ما هو دونه فلا دلالة من الحديث عليه. ٢ - تناول النهي عن لبس الخاتم جميع الأحوال، فلا تستثنى حالة الحرب أو الحكة، كما استثنيت في الحرير، لأنه لا علاقة له بالحرب، بخلاف ما على السيف أو الترس أو المنطقة، من حلية الذهب، فإنه لو فجأه الحرب جاز له الضرب بذلك السيف، فإذا انقضت الحرب لم يستعمله، لأنه والحالة هذه من متعلقات الحرب، بخلاف الخاتم.

стр. 4671

٣ - ومن الرواية الثانية المبالغة في امتثال أمر الرسول ﷺ ، واجتناب نهيه، فإن الرجل ترك الخاتم لمن يأخذه من الفقراء أو غيرهم، وكان يمكنه أخذه والتصرف فيه بالبيع وغيره، لكنه تورع عن أخذه، مبالغة في امتثال الأمر. ٤ - ومن نزع الرسول ﷺ الخاتم من يد الرجل إزالة المنكر باليد، لمن قدر عليها. ٥ - ومن ترك الرجل للخاتم -وقد أخذه بعض الحاضرين أو تصدق به- جواز التصرف في مال الغير إذا تبين إعراضه عنه، وإباحته للغير. ٦ - ومن نبذ الناس خواتمهم، حين نزع النبي ﷺ خاتمه ما كانت عليه الصحابة ﵃ من المبادرة إلى امتثال أمره ونهيه ﷺ ، والاقتداء به في أفعاله. ٧ - ومن اتخاذه واتخاذ أصحابه خاتم الفضة جوازه، قال النووي: أجمع المسلمون على جواز خاتم الفضة للرجال، وكره بعض علماء الشام المتقدمين لبسه لغير ذي سلطان، ورووا فيه أثراً، وهذا شاذ مردود. اهـ والأثر الذي أشار إليه النووي أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي ريحانة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان" وأحاديثنا ترد عليه، فقد جاء أن جماعة من الصحابة والتابعين كانوا يلبسون الخواتم، وهم ليس لهم سلطان، قال الحافظ ابن حجر والذي يظهر أن لبسه لغير ذي سلطان خلاف الأولى، لأنه ضرب من التزين، واللائق بالرجال خلافه، وقد سئل مالك عن حديث أبي ريحانة فضعفه. قال الخطابي: ويكره للنساء خاتم الفضة، لأنه من شعار الرجال، قال: فإن لم تجد خاتم ذهب فلتصفره بزعفران وشبهه. قال النووي: وهذا الذي قاله ضعيف أو باطل لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة. ٨ - ومن الرواية الرابعة التبرك بآثار الصالحين، ولبس لباسهم. ٩ - وأن النبي ﷺ لم يورث، إذ لو ورث لدفع الخاتم إلى ورثته، بل كان الخاتم والقدح والسلاح ونحوها من آثاره الضرورية صدقة للمسلمين، يصرفها ولي الأمر حيث رأى من المصالح، فجعل القدح عند أنس، إكراماً له لخدمته، ومن أراد التبرك به لم يمنعه، وجعل باقي الأثاث عند ناس معروفين، واتخذ الخاتم عنده للحاجة التي اتخذه النبي ﷺ لها، فإنها موجودة في الخليفة بعده، ثم الخليفة الثاني، ثم الثالث. كذا قال النووي، وتعقب باحتمال أن الخاتم كان من بيت مال المسلمين، فيئول للحاكم بعده، ولا دخل له بالميراث. ١٠ - قال بعض العلماء: كان في خاتمه ﷺ من السر شيء مما كان في خاتم سليمان ﵇ لأن سليمان لما فقد خاتمه ذهب ملكه، وعثمان لما فقد خاتم النبي ﷺ انتقض عليه الأمر، وخرج عليه الخارجون، وكان ذلك مبدأ الفتنة التي أفضت إلى قتله، واتصلت إلى آخر الزمان. كذا قيل، وقد بينا قبل ذلك أن عثمان ﵁ حكم بعد ضياع الخاتم ست سنين.

стр. 4672

١١ - ومن الروايات الأخرى لضياع الخاتم قال ابن بطال: يؤخذ أن يسير المال إذا ضاع يجب البحث في طلبه، والاجتهاد في تفتيشه، قال الحافظ ابن حجر وفيه نظر، لأن الذي يظهر أنه إنما بالغ في التفتيش عليه لكونه أثر النبي ﷺ ، وقد لبسه، واستعمله، وختم به، ومثل ذلك يساوي في العادة قدراً عظيماً من المال، وإلا لو كان غير خاتم النبي ﷺ لاكتفى بطلبه بدون ذلك، وبالضرورة يعلم قدر المئونة التي حصلت في الأيام الثلاثة، وأنها تزيد على قيمة الخاتم، لكن اقتضت صفته عظم قدره، فلا يقاس عليه كل ما ضاع من يسير المال. ١٢ - قال ابن بطال: وفيه أن من فعل الصالحين العبث بخواتيمهم وما يكون بأيديهم، وليس ذلك بعائب لهم. قال الحافظ: وإنما كان كذلك لأن ذلك من مثلهم إنما ينشأ عن فكر، وفكرهم إنما هو في الخير. ١٣ - قال ابن بطال: وفيه أن من طلب شيئاً، ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام، له أن يتركه، ولا يكون بعد الثلاث مضيعاً، وأن الثلاث حد يقع بها العذر في تعذر المطلوبات. ١٤ - ومن قوله "خاتم فضة في يمينه" في الرواية الثالثة عشرة، وقوله "وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى" في الرواية الرابعة عشرة، وضع الخاتم في إحدى اليدين، ووضعه في إحدى الأصابع. قال النووي: أما التختم في اليد اليمنى أو اليسرى فقد جاء فيه هذان الحديثان، وهما صحيحان، وقال الدارقطني: لم يتابع سليمان على زيادة "في يمينه" قال: وخالفه الحفاظ عن يونس، مع أنه لم يذكرها أحد من أصحاب الزهري. قال النووي: لم ينفرد بهذه الزيادة سليمان بن بلال، فقد اتفق طلحة وسليمان عليها، وكون الأكثرين لم يذكروها لا يمنع صحتها، فإن زيادة الثقة مقبولة. أما حكم المسألة عند الفقهاء فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحد منهما، واختلفوا أيتهما أفضل؟ فتختم كثيرون من السلف في اليمين، وكثيرون في اليسار، واستحب مالك اليسار، وكره اليمين، وفي مذهبنا وجهان لأصحابنا، الصحيح أن اليمين أفضل، لأنه زينة، واليمين أشرف وأحق بالزينة والإكرام. اهـ واستعرض الحافظ ابن حجر كثيراً من أحاديث وضع الخاتم في اليمين، وكثيراً من أحاديث وضع الخاتم في اليسار، فذكر: روايتنا الثالثة عشرة، وما أخرجه الترمذي وابن سعد "صنع النبي ﷺ خاتماً من ذهب، فتختم به في يمينه، ثم جلس على المنبر، فقال: إني كنت اتخذت هذا الخاتم في يميني، ثم نبذه"، وعند الطبراني في الأوسط عن ابن عمر "كان النبي ﷺ يتختم في يمينه" ونحوه عند أبي الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ ، وعند أبي داود من طريق ابن إسحاق قال "رأيت على الصلت بن عبد الله خاتماً في خنصره اليمين، فسألته، فقال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا، وجعل فصه على ظهرها، ولا إخال ابن عباس إلا ذكره عن النبي ﷺ " وعند الترمذي "رأيت ابن عباس يتختم في يمينه، ولا إخاله إلا قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه" وأخرج أبو داود والنسائي عن علي "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه" وفي الباب عن جابر وعائشة وأبي أمامة وأبي هريرة.

стр. 4673

قال الحافظ: وورد في التختم في اليسار حديث ابن عمر، وحديث أنس، روايتنا الرابعة عشرة، وعند أبي الشيخ من حديث أبي سعيد "كان يلبس خاتمه في يساره" وعند البيهقي في الأدب "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعلي والحسن والحسين يتختمون في اليسار". قال الحافظ ابن حجر: وأما دعوى الداودي أن العمل على التختم في اليسار، فكأنه توهمه من استحباب مالك للتختم في اليسار، وهو يرجح عمل أهل المدينة، وفيه نظر، لأنه ظن أن ذلك عمل كل أهل المدينة، فقد جاء عن أبي بكر وعمر وجمع جم من الصحابة والتابعين بعدهم من أهل المدينة وغيرهم التختم في اليمين، قال البيهقي في الأدب: يجمع بين هذه الأحاديث بأن الذي لبسه في يمينه هو خاتم الذهب، والذي لبسه في يساره هو خاتم الفضة، وجمع غيره بأن لبس الخاتم أولاً في يمينه ثم حوله إلى يساره، فقد أخرج أبو الشيخ وابن عدي عن ابن عمر "أن النبي ﷺ تختم في يمينه، ثم إنه حوله في يساره" فلو صح هذا لكان قاطعاً للنزاع، ولكن سنده ضعيف. وأخرج ابن سعد "طرح رسول الله ﷺ خاتمة الذهب، ثم تختم خاتماً من ورق، فجعله في يساره" وهذا مرسل أو معضل، وقد جمع البغوي في شرح السنة بذلك، وأنه تختم أولاً في يمينه، ثم تختم في يساره، وكان ذلك آخر الأمرين. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك، فقال: لا يثبت هذا ولا ذاك، ولكن في يمينه أكثر. قال الحافظ ابن حجر: يظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى، لأنه كالمودع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين، ويترجح التختم باليمين مطلقاً، لأن اليسار آلة الاستنجاء، فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول، وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين، وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث. والله أعلم. أما في أي الأصابع يكون الخاتم فيقول النووي: وأجمع المسلمون على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، أما المرأة فتتخذ خواتيم في أصابع، قالوا: والحكمة في كونه في الخنصر أنه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد، لكونه طرفاً، ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله من أشغالها، بخلاف غير الخنصر، قال: ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها أي السبابة للحديث روايتنا السادسة عشرة -وهي كراهة تنزيه. اهـ ١٥ - وفي الأحاديث جواز نقش الخاتم، فعن الحسن والحسين: لا بأس بنقش ذكر الله على الخاتم قال النووي: وهو قول الجمهور، ونقل عن ابن سيرين وبعض أهل العلم كراهته، وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن سيرين أنه لم يكن يرى بأساً أن يكتب الرجل في خاتمه: حسبي الله، ونحوها، فهذا يدل على أن الكراهة عنه لم تثبت، ويمكن الجمع بأن الكراهة حيث يخاف عليه حمله للجنب والحائض والاستنجاء بالكف التي هو فيها، والجواز حيث حصل الأمن من ذلك، فلا تكون الكراهة لذلك، بل من جهة ما يعرض لذلك. والله أعلم

стр. 4674

(٥٧٠) باب لبس النعال واشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد ٤٨٠٠ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول في غزوة غزوناها "استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكباً ما انتعل". ٤٨٠١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا انتعل أحدكم، فليبدأ باليُمنى. وإذا خلع، فليبدأ بالشمال. وليُنعلهما جميعاً، أو ليخلعهما جميعاً". ٤٨٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمش أحدكم في نعل واحدة. لينعلهما جميعاً، أو ليخلعهما جميعاً". ٤٨٠٣ - عن أبي رزين قال. خرج إلينا أبو هريرة. فضرب بيده على جبهته، فقال: ألا إنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله ﷺ لتهتدوا وأضل. ألا وإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها". ٤٨٠٤ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله. أو يمشي في نعل واحدة. وأن يشتمل الصماء. وأن يحتبي في ثوب واحد كاشفاً عن فرجه. ٤٨٠٥ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، أو سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا انقطع شسع أحدكم أو من انقطع شسع نعله، فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه. ولا يمش في خف واحد. ولا يأكل بشماله. ولا يحتبي بالثوب الواحد. ولا يلتحف الصماء".

стр. 4675

٤٨٠٦ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره. ٤٨٠٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تمش في نعل واحد. ولا تحتب في إزار واحد. ولا تأكل بشمالك. ولا تشتمل الصماء. ولا تضع إحدى رجليك على الأخرى إذا استلقيت". ٤٨٠٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى". ٤٨٠٩ - عن عباد بن تميم عن عمه، أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. ٤٨١٠ - بهذا الإسناد مثله. -[المعنى العام]- جملة من آداب اللباس، هي من مروءات المسلم، يرشد إليها ﷺ ، ليكون المؤمن في هيئة جميلة سليمة يقبلها العرف والمجتمع، ليتم الترابط والتواد بين أفراده. أن يلبس الرجل النعال ولا يمشي حافياً، فإن في ذلك وقاية لرجله، وتكريماً لنفسه. وأن يبدأ لبس نعله برجله اليمنى لأن الإسلام يحب التيامن في كل أمر حسن، وأن يبدأ خلع نعله اليسرى قبل اليمنى، لتظل الرجل اليمنى الحميدة بنعلها إلى آخر لحظة، وفي الأمور غير الحميدة يبدأ باليسرى، ليصون اليمنى أكبر وقت ممكن، تكريماً لها. ولا يمش المؤمن في نعل واحدة، ففي ذلك استهزاء له، وسخرية منه، حتى إذا انقطع إحدى نعليه لا يمشي بالأخرى، وإنما يخلع الأخرى، فيلبسهما جميعاً، أو يخلعهما جميعاً.

стр. 4676

ولا يلتحف ويلتف بثوب ضيق يحيط بجسمه حتى يقيد حركته، وأن لا يقعد على أليتيه وينصب ساقيه ويلفهما بتوب، ليس عليه غيره، فقد ينكشف من هذه القعدة جزء من عورته. وأن لا يستلقي على ظهره أمام الناس ويضع رجلاً مرفوعة على رجل أخرى، مما يعرض عورته للكشف المحرم. فنعمت هذه الآداب الكريمة، للمحافظة على كرامة المسلم ودينه ومروءته وحب الناس له. -[المباحث العربية]- (استكثروا من النعال) جمع "نعل" وهي مؤنثة، تقول: هذه نعل للفردة وللزوج منها، وهذه نعلة للفردة من الزوج، وكانت النعال هي الشائعة عند العرب لوقاية القدم من الأرض، وكانت عبارة عن قطعة من الجلد التخين على قدر باطن القدم، على طرفها سير من الجلد كالحلقة، يدخل فيها إبهام القدم، وتسمى شسع النعل، بكسر الشين وسكون السين، وفوق القاعدة سير أو سيور تحيط بالقدم من أعلى لتربطه بالقاعدة، وهذا السير يسمى شراك النعل، بكسر الشين وفتح الراء مخففة، والنعل بهذا الوصف موجودة مستعملة، ومازالت شائعة في كثير من البلاد العربية، وكثيراً ما ينقطع شسع النعل، أو شراكه، فيختل أو يستحيل أو يصعب المشي فيه، وفي الرواية الرابعة "إذا انقطع شسع أحدكم -أي شسع نعل أحدكم، فعجز عن أن يمشي في تلك النعل- فلا يمش في الأخرى" أي في الفردة السليمة "حتى يصلحها" أي حتى يصلح النعل التي انقطع شسعها، وفي الرواية السادسة "إذا انقطع شسع أحدكم -أي من انقطع شسع نعله- فلا يمش في نعل واحدة، حتى يصلح شسعه" والغاية هنا ليست داخلة في المغيا، إذ المعنى: حتى يصلح شسعه فيمشي في نعلين، وعند أحمد" إذا انقطع شسع أحدكم أو شراكه فلا يمش في إحداهما بنعل، والأخرى حافية" وقد تطلق النعل على الجلدة التي بين القدم والأرض فقط، فيقال: نعل الحذاء، وليس مراداً هنا، وقد يطلق النعل على كل ما يقي القدم من الأرض عند المشي، فتطلق على الحذاء وعلى الخف، وإن عرف الحذاء بالجلد المدبوغ الناعم المغطي للقدم، وعرف الخف بالحذاء الخفيف. ومعنى أمر الغزاة بالاستكثار من النعال أمرهم بأن ينتعل كثير منهم، أو القادرون منهم، لا أن يكون عند كل منهم كثرة من النعال. (فإن الرجل لا يزال راكباً ما انتعل) في لفظ "راكباً" استعارة تصريحية تبعية، بتشبيه المنتعل بالراكب بجامع خفة المشقة عليه، وقلة تعبه، وسلامة رجله مما يعرض له في الطريق من خشونة وشوك وأذى ونحو ذلك، بسبب اعتماده على غيره في مشيه، و"ما" في "ما انتعل" ظرفية دوامية، أي مدة انتعاله، أو مادام منتعلاً، ومعنى "انتعل" لبس نعلاً. (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ بالشمال) في الكلام مجاز المشارفة، أي إذا أشرف على الانتعال وأراد أن يلبس النعل، وإذا أراد أن يخلع النعل، وفي رواية البخاري "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا انتزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع".

стр. 4677

(ولينعلهما جميعاً، أو ليخلعهما جميعاً) هاتان الجملتان معطوفتان على محذوف مرتبطتان به، ظهر في الرواية الثالثة بلفظ "لا يمش أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً، أو ليخلعهما جميعاً" وضبط النووي "ينعلهما" بضم الياء من الرباعي، وتعقب بأن أهل اللغة قالوا: نعل -بفتح العين، وحكي كسرها- وانتعل، أي لبس النعل، فهو بفتح الياء من الثلاثي، قال الحافظ: لكن قد قال أهل اللغة أيضاً: أنعل رجله، ألبسها نعلاً، ونعل دابته جعل لها نعلاً، وقال صاحب المحكم: أنعل الدابة والبعير، ونعلهما بالتشديد. قال ابن عبد البر: ضمير المفعول في "لينعلهما للقدمين، وإن لم يجر لهما ذكر، وهذا مشهور في لغة العرب، وورد في القرآن الإتيان بضمير لم يتقدم له ذكر، لدلالة السياق عليه. اهـ والحاصل أن الثلاثي متعد ولازم، والرباعي متعد، والفعل هنا متعد، فيجوز فتح أوله وضمه. قال النووي وليخلعهما هكذا هو في جميع نسخ مسلم، بالخاء واللام والعين، وفي صحيح البخاري "فيحفهما" بالحاء والفاء، من الحفاء، وكلاهما صحيح، ورواية البخاري أحسن. اهـ وفي الرواية الرابعة "إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في الأخرى، حتى يصلحها" أي حتى يصلح شسعها فيمشي فيها، وفي الرواية السادسة "إذا انقطع شسع أحدكم -أو من انقطع شسع نعله- فلا يمش في نعل واحدة، حتى يصلح شسعه" وشرط انقطاع الشسع تصوير خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، حتى يدل على الإذن في غير هذه الصورة، بل المراد أنه لا يمشي بنعل واحدة، انقطع شسعه أو لم ينقطع، وقد أطلقت الرواية الثالثة، فقالت "لا يمش في خف واحد". ويمكن أن يكون هذا القيد من مفهوم الموافقة، والتنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا منع مع الاحتياج، فمع عدم الاحتياج أولى. (فضرب بيده على جبهته، فقال: ألا إنكم تحدثون) بفتح التاء حذف إحدى التاءين وأصله تتحدثون. (أني أكذب على رسول الله ﷺ ، لتهتدوا وأضل) أي لتكون النتيجة إذا صح ما تتحدثون به أن تكونوا من المهتدين، وأكون أنا من الضالين. (أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول ... ) أي أشهد بالله، أي أحلف بالله، واللام في "لسمعت" في جواب القسم. وقد روى الترمذي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "ربما انقطع شسع نعل رسول الله ﷺ ، فمشي في النعل الواحدة، حتى يصلحها" والظاهر أن عائشة قالت هذا الحديث عندما بلغها ما قاله أبو هريرة في حكم المشي بالنعل الواحدة، تريد أن تعلن خلافها لما يقول، فعند الترمذي بسند صحيح عن عائشة "أنها كانت تقول" لأخالفن أبا هريرة، فيمشي في نعل واحدة" قال الحافظ ابن حجر: يمكن أن يكون بلغها أن أبا هريرة حلف على كراهية ذلك، فأرادت المبالغة في مخالفته.

стр. 4678

(وأن يشتمل الصماء) بتشديد الميم، وفي الرواية السادسة "ولا يلتحف الصماء" قال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب، حتى يجلل به جسده، لا يرفع منه جانباً، فلا يبقى ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة: سميت صماء لأنه سد المنافذ كلها، كالصخرة الصماء، التي ليس فيها خرق ولا صدع. قال أبو عبيد: وأما الفقهاء فيقولون: هو أن يشتمل بثوب، ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على أحد منكبيه، قال العلماء: فعلى تفسير أهل اللغة يكره الاشتمال المذكور، لئلا تعرض له حاجة، من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك، فيعسر عليه، أو يتعذر، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء، يحرم الاشتمال المذكور، إن انكشف به بعض العورة، وإلا فيكره. (وأن يحتبي في ثوب واحد، كاشفاً عن فرجه) قال النووي: الاحتباء بالمد هو أن يقعد الإنسان على أليتيه، وينصب ساقيه، ويحتوي عليهما بثوب أو نحوه أو بيده، وهذه القعدة يقال لها الحبوة بضم الحاء وكسرها، وكان هذا الاحتباء عادة للعرب في مجالسهم. اهـ وفي كتب اللغة: الحبوة بتثليث الحاء الاحتباء، يقال: حل فلان حبوته، والحبوة ما يحتبي به من ثوب أو غيره، واحتبى جلس على أليتيه، وضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه، ليستند، ويقال: احتبى الثوب وبالثوب وفي الثوب، أي أداره على ساقيه وظهره، وهو جالس، على النحو السابق، ليستند. وفي الرواية السادسة "ولا يحتبي الثوب الواحد" و"لا" على هذه الرواية نافية، لا جازمة، وفي الرواية الثامنة "ولا تحتب في إزار واحد" فلا ناهية. (وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره) المقصود أن يثني رجلاً، ويضع الأخرى على ركبتها، فتنكشف عورته، وهذا هو المراد من قوله في الرواية الثامنة "ولا تضع إحدى رجليك على الأخرى إذا استلقيت" أما وضع إحدى الرجلين على الأخرى بدون رفع فليس منهيا عنه، إذ لا محذور فيه. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من هذه الأحاديث]- ١ - من الرواية الأولى قال النووي: فيه استحباب الاستظهار في السفر -أي اتخاذ ظهر- بالنعال وغيرها، مما يحتاج إليه المسافر. ٢ - واستحباب وصية الأمير أصحابه بذلك، وإرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم. ٣ - ومن الرواية الثانية استحباب البداءة باليمنى عند لبس النعل، قال النووي: وفي كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة نحو ذلك، كحلق الرأس وترجيله وقص الشارب ونتف الإبط والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار والوضوء والغسل والتيمم ودخول المسجد والخروج من الخلاء، ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة، وتناول الأشياء الحسنة، ونحو ذلك. اهـ قال ابن

стр. 4679

العربي: البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة، لفضل اليمين حساً في القوة، وشرعاً في الندب إلى تقديمها، وقال ابن عبد البر: من بدأ بالانتعال في اليسرى أساء، لمخالفة السنة، لكن لا يحرم عليه لبس نعله، وقال غيره: ينبغي أن ينزع النعل من اليسرى، ثم يبدأ باليمنى، أما من لبسهما واليسرى أولاً فلا يشرع له أن ينزعهما، ثم يلبسهما على الترتيب المأمور به، إذ قد فات محله. هذا وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أن الأمر فيه للاستحباب. ٤ - واستحباب البداءة باليسار، في كل ما هو ضد السابق، فمن ذلك خلع النعل والخف والمداس والسراويل والخروج من المسجد ودخول الخلاء والاستنجاء وتناول أحجار الاستجمار والامتخاط والاستنثار وتعاطي المستقذرات وأشباهها وقال الحليمي: وجه الابتداء بالشمال عند الخلع أن اللبس كرامة، لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدئ بها اللبس، وأخرت في الخلع لتكون الكرامة لها أدوم، وحظها منها أكثر. ٥ - وكراهة المشي في نعل واحد، أو خف واحد، أو مداس واحد، إلا لعذر، قال النووي: قال العلماء إن سببه أن ذلك تشويه ومثلة، ومخالف للوقار، ولأن الرجل المنتعلة تصير أرفع من الأخرى، فيعسر مشيه، وربما كان سبباً للعثار، قال: وإذا انقطع شسعه ونحوه فليخلعهما، ولا يمش في الأخرى وحدها، حتى يصلحها وينعلها، كما هو نص في الحديث. اهـ وقال بعض العلماء: الحكمة في النهي أن النعل شرعت لوقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيه، ولا يأمن في ذلك من العثار، وقيل: لأنه لن يعدل بين جوارحه، وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه، وقال ابن العربي: قيل: العلة فيها أنها مشية الشيطان، وقال البيهقي: الكراهة فيه للشهرة، فتمتد الأبصار لمن نرى منه ذلك، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صير صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث [روايتنا الرابعة] دال على ضعف ما أخرجه الترمذي عن عائشة قالت "ربما انقطع شسع نعل رسول الله ﷺ ، فمشي في النعل الواحدة، حتى يصلحها" وقد رجح البخاري وغير واحد وقفه على عائشة، وكان أبو هريرة يعلم أن من الناس من ينكر عليه هذا الحكم، وقد وافق أبا هريرة في رفع هذا الحديث جابر [روايتنا الخامسة والسادسة] قال ابن عبد البر: لم يأخذ أهل العلم برأي عائشة في ذلك، وقد ورد عن علي وابن عمر أيضاً أنهما فعلا ذلك. قال الحافظ: وهو إما أن يكون بلغهما النهي، فحملاه على التنزيه، أو كان زمن فعلهما يسيراً، بحيث يؤمن معه المحذور، أو لم يبلغهما النهي، أشار إلى ذلك ابن عبد البر، وقال القاضي عياض: روي عن بعض السلف في المشي في نعل واحدة، أو خف واحد أثر لم يصح، أو له تأويل في المشي اليسير، بقدر ما يصلح الأخرى. ٦ - أخذ بعضهم من قوله "لا يمش" في الرواية الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والثامنة أنه يجوز الوقوف بنعل واحدة، إذا عرض للنعل ما يحتاج إلى إصلاحها، وقد اختلف في ذلك، فنقل عياض

стр. 4680

عن مالك أنه قال: يخلع الأخرى ويقف، إذا كان في أرض حارة أو نحوها، مما يضر المشي فيه، حتى يصلحها، أو يمشي حافياً، إن لم يكن ذلك، قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح في الفتوى وفي الأثر وعليه العلماء، ولم يتعرض لصورة الجلوس، لابساً في إحدى الرجلين دون الأخرى، قال الحافظ: والذي يظهر جوازها، بناء على أن العلة في النهي ما تقدم ذكره، إلا ما ذكر من إرادة العدل بين الجوارح، فإنه يتناول هذه الصورة أيضاً. ٧ - ألحق بعضهم إخراج اليد الواحدة من الكم وترك الأخرى بلبس النعل الواحدة، والخف الواحد، وهذا الإلحاق بعيد، إلا إذا أخذ في الاعتبار الأمر بالعدل بين الجوارح وترك الشهرة. ٨ - ومن الرواية السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة جواز الاتكاء في المسجد، والاضطجاع، وأنواع الاستراحة. ٩ - والاستلقاء فيه. قال النووي: قال العلماء: أحاديث النهي عن الاستلقاء، رافعاً إحدى رجليه على الأخرى محمولة على حالة تظهر فيها العورة أو شيء منها، وأما فعله ﷺ فكان على وجه لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به، ولا كراهة فيه على هذه الصفة، وقال القاضي عياض: لعله ﷺ فعل هذا لضرورة أو حاجة، من تعب أو طلب راحة، أو نحو ذلك، قال: وإلا فقد علم أن جلوسه ﷺ في المجامع على خلاف هذا، بل كان يجلس متربعاً أو متحبياً وهو أكثر جلوسه، أو القرفصاء، أو مقعياً، وشبهها من جلسات الوقار والتواضع. قال النووي: ويحتمل أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأن النهي الذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس هو على الإطلاق، بل المراد به من ينكشف شيء من عورته، أو يقارب انكشافها. اهـ وقال الخطابي: فيه أن النهي الوارد عن الاستلقاء في المسجد منسوخ، أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة، والجواز حيث يؤمن ذلك. وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ، قال الحافظ ابن حجر: وادعاء النسخ لا يثبت بالاحتمال، وجزم البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين بالتوجيه الثاني، وقال المازري: النهي عن أن يضع إحدى رجليه على الأخرى عام، لأنه قول يتناول الجميع، واستلقاؤه ﷺ في المسجد فعل، قد يدعي قصره عليه، فلا يؤخذ منه الجواز، لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصاً به ﷺ ، بل هو جائز مطلقاً، فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارض، فيجمع بينهما بما ذكره الخطابي. ١٠ - قال الداودي: وفيه أن الأجر الوارد للابث في المسجد، لا يختص بالجالس، بل يحصل للمستلقي أيضاً. والله أعلم

стр. 4681

(٥٧١) باب نهي الرجل عن التزعفر ٤٨١١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن التزعفر قال قتيبة: قال حماد: يعني للرجال. ٤٨١٢ - وفي رواية عن أنس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتزعفر الرجل. -[المعنى العام]- سبق قبل ثلاثة أبواب عند باب النهي عن لبس الثوب المعصفر. -[المباحث العربية]- تراجع عند باب النهي عن لبس الثوب المعصفر. -[فقه الحديث]- قال النووي: في الحديث دليل لمذهب الشافعي وموافقيه في تحريم لبس الثوب المزعفر على الرجل. اهـ قال الحافظ ابن حجر: واختلف في النهي عن التزعفر. هل هو لرائحته، لكونه من طيب النساء؟ ولهذا جاء الزجر عنه كخلاق؟ أو للونه؟ فيلتحق به كل صفرة؟ وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله ورخص مالك في العصفر والمزعفر في البيوت. قال الحافظ ابن حجر: والكراهة لمن تزعفر في بدنه أشد من الكراهة لمن تزعفر في ثوبه، وقد أخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي في الكبرى عن أنس "دخل رجل على النبي ﷺ ، وعليه أثر صفرة، فكره ذلك، وقلما كان يواجه أحداً بشيء يكرهه، فلما قام قال: لو أمرتم هذا أن يترك هذه الصفرة. قال ابن بطال: أجاز مالك وجماعة لبس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه

стр. 4682

للمحرم خاصة، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم وغير المحرم، أما حديث "أن النبي ﷺ كان يصبغ بالصفرة" وحديث الحاكم عن عبد الله بن جعفر قال "رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران" وحديث الطبراني من حديث أم سلمة "أن رسول الله صبغ إزاره ورداءه بزعفران" فهي أحاديث ضعيفة. والله أعلم

стр. 4683

(٥٧٢) باب خضاب الشعر ٤٨١٣ - عن جابر ﵁ قال: أتي بأبي قحافة -أو جاء عام الفتح أو يوم الفتح -ورأسه ولحيته مثل الثغام أو الثغامة. فأمر أو فأمر به إلى نسائه قال: "غيروا هذا بشيء". ٤٨١٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً. فقال رسول الله ﷺ "غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد". ٤٨١٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم". -[المعنى العام]- جاء الإسلام والناس لا يصبغون شعورهم عند الشيب، لا شعر الرأس، ولا شعر اللحية، ربما كانت النساء تصبغ شعر رأسها عند المشيب بالحنا والعصفر والزعفران والكتم، الأصباغ المتاحة في كل بيئة، لكن الرجال يهوداً ونصارى ومشركين وأعاجم لم يكونوا يصبغون، وكانت شعور رءوسهم وفيرة، تتدلى، وتسدل، وتفرق، وتضفر، وتنقص، وتطول، كما هو حال النساء اليوم في بلادنا، وكانوا يطيلون لحاهم وشواربهم، أعراف وعادات في الصورة والمظهر، كأعراف اللباس وعاداته، ولما قامت الحروب بين المسلمين والكفار، وكان الرجل يسلم فيخرج في جيش المسلمين، وكانت الجيوش تتداخل حين القتال، فلا يكاد يعرف المسلم من غير المسلم، فربما ضرب المسلم أخاه، ولا تكفي العلامات التي قد تقلد خداعاً، هنا احتاج الإسلام إلى علامة مميزة للمسلم، مما لا يقبل غيره أن يقلدها، فأمر بإحفاء الشارب، كما سبق حديثه في كتاب الطهارة، باب الفطرة، وبني هذا الأمر على مخالفة اليهود والنصارى والمشركين، وهم يعتزون بشواربهم اعتزازهم برجولتهم. وفي هذه الأحاديث يوصي رسول الله ﷺ أصحابه بعلامة أخرى، لا يقبلها، ولا يقلدها أعداؤهم، لأنها -من وجهة نظرهم- من عادات النساء، فيقول لهم: إن اليهود والنصارى والكافرين والأعاجم لا يصبغون شعر رأسهم ولا شعر لحاهم، فخالفوهم واصبغوا، واستجاب الصحابة للأمر، فلما لم تعد حاجة إلى هذه العلامة كان من شاء منهم صبغ، ومن شاء لم يصبغ، من شاء تمسك بظاهر الأمر، ومن شاء عمل بالحكمة والهدف، فرضي الله عنهم أجمعين.

стр. 4684

-[المباحث العربية]- (أتي بأبي قحافة -أو جاء- عام الفتح -أو يوم الفتح) أبو قحافة، بضم القاف، وتخفيف الحاء، والد أبي بكر، واسمه عثمان، أسلم يوم فتح مكة، وعند أحمد "جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة، يوم فتح مكة، يحمله، حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، فأسلم ... " وروى ابن إسحق في المغازي بإسناد صحيح، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح، ونزل النبي ﷺ ذا طوى، قال أبو قحافة لابنة له، كانت من أصغر ولده: أي بنية. أشرفي بي على أبي القبيس، وكان قد كف بصره، فأشرفت به عليه ... فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد، خرج أبو بكر، حتى جاء بأبيه، يقوده، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هلا تركت الشيخ في بيته؟ حتى آتيه؟ فقال: يمشي هو إليك يا رسول الله، أحق من أن تمشي إليه، وأحله بين يديه، ثم مسح على صدره، فقال: أسلم تسلم ... " مات أبو قحافة سنة أربع عشرة، وله سبع وتسعون سنة. (ورأسه ولحيته مثل الثغام أو الثغامة) بالثاء المفتوحة، بعدها غين مخففة، وهو نبت، زهره وثمره أبيض، ولكثرته يظن الرائي أن الشجرة كلها بيضاء، قال ابن الأعرابي: الثغامة شجرة تبيض، كأنها الملح. اهـ شبه شيب الرأس بهذا النبت لشدة البياض، مع التناثر وعدم الترجيل. (فأمر -أو فأمر- به إلى نسائه، قال: غيروا هذا بشيء) أي أمر أبا بكر بمصاحبته إلى نسائه -نساء أبي قحافة، فقال: خذوه فغيروا هذا البياض بشيء من الأصباغ، وفي الرواية الثانية "واجتنبوا السواد" زاد الطبري "فذهبوا به فحمروه". (إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم) أي واصبغوا، والمفعول محذوف، أي شعر الرأس واللحية، يقال: صبغ بفتح الباء يصبغ بضمها وفتحها، إذا غير اللون بصابغ، وخضب بفتح الضاد، يخضب بكسرها، خضباً بسكونها وخضوباً، إذا لون. وعند أحمد "خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار، بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار. حمروا، وصفروا، وخالفوا أهل الكتاب" وفي الكبير للطبراني "كان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشعر مخالفة للأعاجم" وفي رواية لمسلم "غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود" وعند الترمذي وصححه "إن خير ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم". -[فقه الحديث]- قال النووي: مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة، بصفرة أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم، لقوله ﷺ -في روايتنا الثانية "واجتنبوا السواد" هذا مذهبنا، وقال القاضي: اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، ورووا حديثاً عن النبي ﷺ في النهي

стр. 4685

عن تغيير الشيب [أورد الطبري حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رفعه، بلفظ "من شاب شيبة فهي له نور، إلى أن ينتفها أو يخضبها" وحديث ابن مسعود "أن النبي ﷺ كان يكره خصالاً" [فذكر منها تغير الشيب] ولأنه ﷺ لم يغير شيبه، وروي هذا عن عمر وعلي وأبي وآخرين ﵃ وقال آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، للأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره، ثم اختلف هؤلاء، فكان أكثرهم يخضب بالصفرة، منهم ابن عمر وأبو هريرة وآخرون، وروي ذلك عن علي، وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم [بفتح الكاف والتاء، نبات باليمن والمناطق الجبلية بإفريقية والبلاد الحارة والمعتدلة، ثمرتها تشبه الفلفل، وبها بذرة واحدة، وتسمى فلفل القرود، وكانت تستعمل قديماً في الخضاب وصنع المداد، ولونها أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر، فخلطهما والصبغ بهما معاً يخرج بين السواد والحمرة] وبعضهم بالزعفران، وخضب جماعة بالسواد، روي ذلك عن عثمان والحسن والحسين ابني علي، وعقبة بن عامر وابن سيرين وابن أبي بردة وآخرين. قال القاضي: قال الطبراني: الصواب أن الآثار المروية عن النبي ﷺ بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة، وليس فيها تناقض، بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شمط فقط [الشمط اختلاط بياض الشعر بسواده] قال: واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه في ذلك. قال: ولا يجوز أن يقال فيهما: ناسخ ومنسوخ. قال القاضي: وقال غير الطبراني: هو على حالين: فمن كان في موضع عادة أهله الصبغ، أو تركه فخروجه عن العادة شهرة ومكروه، والثاني أنه يختلف باختلاف نظافة الشيب، فمن كانت شيبته بدون صبغ أحسن منها مصبوغة، فالترك أولى، ومن كانت شيبته تستبشع، فالصبغ أولى. قال النووي: هذا ما نقله القاضي، والأصح الأوفق للسنة ما قدمناه عن مذهبنا. اهـ وقد روى البخاري أن أنساً ﵁ "سئل عن خضاب النبي ﷺ ، فقال: إنه لم يبلغ ما يخضب -أي الحالة التي تحتاج إلى خضاب- لم يبلغ الشيب إلا قليلاً" "لو شئت أن أعد شمطاته في لحيته" كما روي عن قتادة، قال: سألت أنساً: هل خضب النبي ﷺ ؟ قال: لا. إنما كان شيء في صدغيه" وعن أنس "وقبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. قال ربيعة الراوي عن أنس في رواية أخرى "فرأيت شعراً من شعره فإذا هو أحمر، فسألت. فقيل: أحمر من الطيب" كما روي عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "دخلت على أم سلمة، فأخرجت إلينا شعراً من شعر النبي ﷺ مخضوباً" زاد أحمد "بالحناء والكتم" وفي رواية أخرى للبخاري عن ابن موهب "أن أم سلمة أرته شعر النبي ﷺ أحمر" وفي رواية الإسماعيلي عن حريز بن عثمان قال: "رأيت عبد الله بن بسر، صاحب النبي ﷺ بحمص، والناس يسألونه، فدنوت منه، وأنا غلام، فقلت: أنت رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: شيخ كان رسول الله ﷺ ؟ أم شاب؟ قال: فتبسم" وفي رواية له "فقلت له: أكان النبي ﷺ صبغ؟ قال: يابن أخي، لم يبلغ ذلك" وفي رواية "كان في عنفقته شعرات بيض". قال الحافظ ابن حجر: قال الإسماعيلي: ليس في الحديث بيان أن النبي ﷺ هو الذي خضب، بل يحتمل أن يكون احمر بعده، لما خالطه من طيب فيه صفرة، فغلبت به الصفرة. قال: فإن كان كذلك،

стр. 4686

وإلا فحديث أنس "أن النبي ﷺ لم يخضب" أصح. قال الحافظ: كذا قال، والذي أبداه احتمالاً قد تقدم معناه موصولاً إلى أنس، وأنه جزم بأنه إنما احمر من الطيب، وجمع الطبري بقوله: من جزم بأنه خضب، كما في ظاهر حديث أم سلمة حكى ما شاهده، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومن نفى ذلك كأنس فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله. والله أعلم. وقد نقل عن أحمد: أن الخضب واجب، وعنه أنه يجب ولو مرة في العمر، وعنه: لا أحب لأحد ترك الخضب، ويتشبه بأهل الكتاب. وفي الرواية الثانية أمر باجتناب السواد، ولهذا جنح النووي إلى أنه مكروه كراهة تحريم، وهو رأي لبعض العلماء، وقول لأحمد، وقد يستند لهم بما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان من حديث ابن عباس مرفوعاً "يكون قوم في آخر الزمان، يخضبون بالسواد، لا يجدون ريح الجنة" وإسناده قوي، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه، فمثله لا يقال بالرأي، فحكمه حكم الرفع، كما يستند لهم بما أخرجه الطبراني وابن أبي عاصم، من حديث أبي الدرداء، رفعه "من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة". ومن العلماء، من رخص في الخضاب بالسواد مطلقاً، ومن السلف سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغيرهم، واختاره ابن أبي عاصم في "كتاب الخضاب" وأجاب عن حديث جابر -روايتنا الثانية- بأنه في حق من صار شيب رأسه مستبشعاً، ولا يطرد في حق كل أحد، وأجاب عن حديث ابن عباس السابق، بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم، هذه صفتهم، وحديث أبي الدرداء إسناده لين عند المحدثين، ويشهد لقول ابن أبي عاصم ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال: "كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديداً، فلما نغض الوجه والأسنان تركناه". ومن العلماء من رخص فيه في الجهاد، ومنهم من رخص فيه للمرأة، دون الرجل، ومنهم من منعه إذا قصد به التدليس. والذي أميل إليه، بعد هذه الجولة أن صبغة الشعر للرأس واللحية تخضع للعرف والعادة، وطلب مخالفة اليهود والنصارى دليل على أن الباعث على الأمر بها كان للعادة، وتكوين شخصية إسلامية، في وقت خاص، وقد كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، وفي وقت، ثم صار يحب مخالفتهم، حتى في الصورة في وقت آخر، ولهذا رأينا بعض الصحابة يستحبها، وبعضهم يكرهها، ولا يعيب هذا على ذاك، أما خضب اليدين والرجلين، فلا يجوز للرجال إلا للتداوي. والله أعلم

стр. 4687

(٥٧٣) باب التصوير واتخاذ الصورة والكلب ٤٨١٦ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: واعد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في ساعة يأتيه فيها. فجاءت تلك الساعة ولم يأته. وفي يده عصا فألقاها من يده، وقال "ما يخلف الله وعده ولا رسله" ثم التفت، فإذا جرو كلب تحت سريره. فقال "يا عائشة متى دخل هذا الكلب ها هنا؟ " فقالت: والله، ما دريت. فأمر به فأخرج. فجاء جبريل. فقال رسول الله ﷺ "واعدتني فجلست لك فلم تأت" فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك. إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. ٤٨١٧ - عن أبي حازم بهذا الإسناد: أن جبريل وعد رسول الله ﷺ أن يأتيه. فذكر الحديث، ولم يطوله كتطويل ابن أبي حازم. ٤٨١٨ - عن ميمونة ﵂ أن رسول الله ﷺ أصبح يوماً واجماً. فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم. قال رسول الله ﷺ "إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة، فلم يلقني. أم والله ما أخلفني". قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك. على ذلك ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا. فأمر به فأخرج. ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه. فلما أمسى لقيه جبريل. فقال له "قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة" قال: أجل. ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير. ٤٨١٩ - عن أبي طلحة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة".

стр. 4688

٤٨٢٠ - عن أبي طلحة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة". ٤٨٢١ - عن أبي طلحة صاحب رسول الله ﷺ ، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة" قال بسر: ثم اشتكى زيد بعد. فعدناه. فإذا على بابه ستر فيه صورة. قال: فقلت لعبيد الله الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله. ألم تسمعه حين قال إلا رقماً في ثوب؟ . ٤٨٢٢ - عن بسر بن سعيد أن زيد بن خالد الجهني حدثه، ومع بسر عبيد الله الخولاني، أن أبا طلحة حدثه أن رسول الله ﷺ قال "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة" قال بسر: فمرض زيد بن خالد فعدناه. فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير. فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ قال: إنه قال إلا رقماً في ثوب. ألم تسمعه؟ قلت: لا. قال: بلى، قد ذكر ذلك. ٤٨٢٣ - عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل" قال: فأتيت عائشة. فقلت: إن هذا يخبرني أن النبي ﷺ قال "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل" فهل سمعت رسول الله ﷺ ذكر ذلك؟ فقالت: لا، ولكن سأحدثكم ما رأيته فعل. رأيته خرج في غزاته، فأخذت نمطاً فسترته على الباب. فلما قدم فرأى النمط. عرفت الكراهية في وجهه. فجذبه حتى هتكه أو قطعه. وقال "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين" قالت: فقطعنا منه وسادتين وحشوتهما ليفاً. فلم يعب ذلك علي.

стр. 4689

٤٨٢٤ - عن عائشة ﵂ قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر. وكان الداخل إذا دخل استقبله. فقال لي رسول الله ﷺ "حولي هذا. فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا" قالت: وكانت لنا قطيفة، كنا نقول علمها حرير، فكنا نلبسها. ٤٨٢٥ - وفي رواية عن ابن المثنى وزاد فيه يريد عبد الأعلى: فلم يأمرنا رسول الله ﷺ بقطعه. ٤٨٢٦ - عن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفر، وقد سترت على بابي درنوكاً فيه الخيل ذوات الأجنحة. فأمرني. فنزعته. ٤٨٢٧ - وفي رواية عن وكيع بهذا الإسناد. وليس في حديث عبدة: قدم من سفر. ٤٨٢٨ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا متسترة بقرام فيه صورة. فتلون وجهه. ثم تناول الستر فهتكه. ثم قال "إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله". ٤٨٢٩ - وفي رواية عن القاسم بن محمد، أن عائشة حدثته، أن رسول الله ﷺ دخل عليها. بمثل حديث إبراهيم بن سعد، غير أنه قال: ثم أهوى إلى القرام فهتكه بيده. ٤٨٣٠ - وفي رواية عن الزهري. بهذا الإسناد وفي حديثهما "إن أشد الناس عذاباً" لم يذكرا من. ٤٨٣١ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل. فلما رآه هتكه وتلون وجهه. وقال "يا عائشة،

стр. 4690

أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" قالت عائشة: فقطعناه. فجعلنا منه وسادة أو وسادتين. ٤٨٣٢ - عن عائشة ﵂ أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة. فكان النبي ﷺ يصلي إليه. فقال "أخريه عني" قالت: فأخرته. فجعلته وسائد. ٤٨٣٣ - عن عائشة ﵂ قالت: دخل النبي ﷺ علي. وقد سترت نمطاً فيه تصاوير. فنحاه. فاتخذت منه وسادتين. ٤٨٣٤ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ أنها نصبت ستراً فيه تصاوير. فدخل رسول الله ﷺ فنزعه. قالت: فقطعته وسادتين. فقال رجل في المجلس حينئذ، يقال له ربيعة بن عطاء، مولى بني زهرة: أفما سمعت أبا محمد يذكر أن عائشة قالت فكان رسول الله ﷺ يرتفق عليهما؟ قال ابن القاسم: لا. قال: لكني قد سمعته. يريد القاسم بن محمد. ٤٨٣٥ - عن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير. فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب، فلم يدخل. فعرفت أو فعرفت في وجهه الكراهية. فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله. فماذا أذنبت. فقال رسول الله ﷺ "ما بال هذه النمرقة" فقالت: اشتريتها لك تقعد عليها، وتوسدها. فقال رسول الله ﷺ "إن أصحاب هذه الصور يعذبون. ويقال لهم أحيوا ما خلقتم" ثم قال "إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة". ٤٨٣٦ - وفي رواية عن عائشة ﵂. بهذا الحديث. وبعضهم أتم حديثاً له

стр. 4691

من بعض. وزاد في حديث ابن أخي الماجشون. قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت. ٤٨٣٧ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة. يقال لهم أحيوا ما خلقتم". ٤٨٣٨ - عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون" ولم يذكر الأشج: إن. ٤٨٣٩ - وفي رواية عن أبي معاوية "إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذاباً المصورون" وحديث سفيان كحديث وكيع. ٤٨٤٠ - عن مسلم بن صبيح قال: كنت مع مسروق في بيت فيه تماثيل مريم. فقال مسروق هذا تماثيل كسرى. فقلت: لا، هذا تماثيل مريم. فقال مسروق: أما إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ "أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون". ٤٨٤١ - عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني رجل أصور هذه الصور. فأفتني فيها. فقال له: ادن مني. فدنا منه. ثم قال: ادن مني. فدنا. حتى وضع يده على رأسه. قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ . سمعت رسول الله ﷺ يقول "كل مصور في النار. يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم" وقال: إن كنت لا بد فاعلاً. فاصنع الشجر وما لا نفس له. فأقر به نصر بن علي.

стр. 4692

٤٨٤٢ - عن النضر بن أنس بن مالك قال: كنت جالساً عند ابن عباس. فجعل يفتي ولا يقول: قال رسول الله ﷺ . حتى سأله رجل. فقال: إني رجل أصور هذه الصور. فقال له ابن عباس: ادنه. فدنا الرجل. فقال ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة. وليس بنافخ". ٤٨٤٣ - عن أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان، فرأى فيها تصاوير. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قال: "الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة". ٤٨٤٤ - وفي رواية عن أبي زرعة قال: دخلت أنا وأبو هريرة داراً تبنى بالمدينة لسعيد أو لمروان. قال: فرأى مصوراً يصور في الدار. فقال: قال رسول الله ﷺ . بمثله. ولم يذكر: أو ليخلقوا شعيرة. ٤٨٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير". ٤٨٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس".

стр. 4693

٤٨٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "الجرس مزامير الشيطان". -[المعنى العام]- جاء الإسلام والأصنام تعبد، إشراكاً لله، يقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] ولم يكن العرب في جاهليتهم وقبيل الإسلام هم الذين اخترعوا الأصنام وعبدوها، فقوم نوح ﵇ كانوا يصنعونها، ويعبدونها، ولما دعاهم نوح ﵇ إلى تركها، وعبادة الله وحده عصوه، وقال بعضهم لبعض ﴿لا تذرن ءالهتكم ولا تذرن وداً﴾ [نوح: ٢٣]، وكان تمثالاً على صورة رجل ﴿ولا سواعاً﴾ وكان صنماً على صورة امرأة ﴿ولا يغوث﴾ وكان صنماً على صورة أسد ﴿ويعوق﴾ وكان صنماً على صورة فرس ﴿ونسراً﴾ وكان صنماً على صورة نسر، ويقال: إن هذه الأسماء كانت أسماء لخمسة من أبناء آدم، كانوا يحبونهم كثيراً، فلما مات أولهم حزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فوسوس لهم أن يصوروا مثله في قبلتهم، إذا نظروا إليه في صلاتهم ذكروه، ففعلوا، حتى مات خمستهم، فصوروا صورهم في مسجدهم، ثم وسوس لهم فصنعوا صوراً أخرى لناديهم، ثم وسوس لهم فجعل كل منهم صوراً له في بيته، بل كان يحملها معه إلى عمله أو في سفره، وكانت التماثيل من نحاس أو رصاص أو صلصال، حتى وصل ببعض العرب أن صنع إلهه من عجوة فلما جاع أكله. بدأ الاهتمام بالصور والتماثيل كتذكار لعابد صالح، يعتزون به، ويقدسونه لصلاحه، ويتذكونه ليقتفوا أثره، فلما ماتت أجيالهم، ودرس العلم بحقيقتهم، عبدتهم الأجيال اللاحقة، ومن بعد نوح ظلت الأصنام تعبد، فهذا هود ﵇ يقول لقومه عاد: ﴿قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون﴾ [هود: ٥٠] ويجيبه قومه ﴿يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ءالهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين﴾ [هود: ٥٣] وهذا صالح ﵇ يقول لقومه ثمود ﴿قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٦١] من عبادة الأصنام ﴿إن ربي قريب مجيب* قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد ءاباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب﴾ [هود: ٦١، ٦٢] وهذا إبراهيم ﵇ يقول لقومه ﴿ماذا تعبدون* أئفكاً ءالهة دون الله تريدون* فما ظنكم برب العالمين﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]. وقال لأبيه وقومه ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا ءاباءنا لها عابدين* قال لقد كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين* قال بل ربكم رب

стр. 4694

السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين* وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٧]. ﴿فتولوا عنه مدبرين* فراغ إلى ءالهتهم﴾ [الصافات: ٩٠، ٩١] وقد وضع القوم موائد الطعام بين أيديهم، تقرباً إليهم ﴿فقال ألا تأكلون* ما لكم لا تنطقون* فراغ عليهم ضرباً باليمين﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣]. وانتقلت الأصنام وعبادتها إلى العرب، واتخذوا تماثيل سموها بأسماء أصنام قوم نوح، فكان "ود" لكلب بدومة الجندل، وكان "سواع" لهذيل، وكان "يغوث" لمراد، وبني غطيف عند سبأ، وكان "يعوق" لهمدان، وكان "نسر" لحمير، بالإضافة إلى أصنام أخرى كثيرة سموها بأسماء، ونصبوها في الكعبة وحولها حتى حطمها رسول الله ﷺ ، وأراد قطع هذه الفتنة الشيطانية من جذورها، فكانت هذه الأحاديث بدأ الرسول ﷺ بالتحذير من مهنة التصوير، وبالوعيد الشديد للمصورين "إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله". الذين يضاهون بخلق الله". "إن أصحاب هذه الصور يعذبون". "يقال لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم" إن كنتم تستطيعون، ولن تستطيعوا، يكلفون أن ينفخوا الروح في مثل ما صوروا، وليسوا بنافخين، سيصور لهم بكل صورة صوروها تمثال من نار، يعذبون به في جهنم، إنهم في الدنيا ضلوا، وأضلوا كثيراً، إنهم ألبسوا على الناس المخلوق والخالق، فجعلوهم يشركون بالله ما لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، لقد أوهموا الناس بالباطل، فهم حقيقة لا يستطيعون في دنياهم أن يخلقوا من الجمادات ذرة رمل، فضلاً عن أن يخلقوا حبة قمح أو حبة شعير. هكذا بدأت الشريعة الإسلامية حربها للأصنام، ولما يعبد من دون الله، فقد كانت البداية التصوير، وإذا منعت البداية منع ما يترتب عليها من أخطار، لكن المصورين -مسلمين أو غير مسلمين- قد لا يمتنعون عن التصوير، فهو مهنة وسبيل كسب للعيش، فكان أن حذر المسلمون من استعمال الصورة واقتنائها، فقال ﷺ "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة أو كلب" وفهم المسلمون الهدف، واستقر عندهم عدم الإشراك بالله شيئاً، لكنهم وجدوا أنفسهم في حاجة إلى الصور في حياتهم، إنهم يلبسون الملابس المستوردة من الفرس والروم، وهي لا تخلو من الرسوم والصور، فرخص لهم باستعمالها فيما يمتهن، حيث يؤمن على الجاهل تعظيم ما يمتهن وعبادته، ثم أذن لهم باستعمال ما كان رقماً في ثوب، ورسماً صغيراً في مساحة كبيرة، ثم رخص لهم في المصور بالشجر والجمادات، وبقي المنع في تماثيل الإنسان والحيوان، اللهم إلا تماثيل اللعب للبنات الصغيرات. وكل ذلك لحماية الإنسانية من العودة لتقديس التماثيل وعبادة الأصنام. ولا يتوهم متوهم أن الإنسانية قد ارتقت، وبلغت من النضوج العقلي والعلمي ما يستحيل معه أن تعبد الأحجار والماديات، لا يتوهم متوهم هذا، فإن الإنسانية تمر بأطوار التخلف بعد التقدم، والجهل بعد العلم وتلك حقيقة أرادها الله للإنسان، والوقاية خير من العلاج، وسد الذرائع خير من حسن القصد والنية، والله الهادي سواء السبيل.

стр. 4695

-[المباحث العربية]- (واعد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ "رسول" مفعول مقدم، و"جبريل" فاعل، و"واعد" بمعنى وعد، فليس المقصود مفاعلة من الجانبين، وفي الرواية الثانية "أن جبريل وعد رسول الله ﷺ " وفي الرواية الثالثة "إن جبريل كان قد وعدني أن يلقاني" والموعود به في الرواية الأولى والثانية إتيانه، وفي الثالثة لقاؤه، وفي رواية البخاري محذوف، لفظها "وعد جبريل النبي ﷺ ، فراث عليه" أي أبطأ عليه. وفي الرواية الأولى "فجاءت تلك الساعة، ولم يأته" وفي الرواية الثالثة "فلم يلقني" أي في الموعد الذي حدده. (وفي يده عصا، فألقاها من يده، وقال: ما يخلف الله وعده، ولا رسله) "ولا رسله" بالرفع، عطفاً على لفظ الجلالة، أي ما يخلف الله وعده، ولا يخلف رسله وعدهم، والمقصود من الرسل هنا جبريل وأمثاله من الملائكة. وإلقاء رسول الله ﷺ العصا من يده، مظهر من مظاهر الضيق، والظاهر أن الوعد كان ساعة في ليلة، فلما مضى الليل أصبح حزيناً مهموماً، فأمسك بعصا، جعل يضرب أو يخطط بها على رمال الأرض من همه وانشغال فكره، ثم ألقى العصا ضيقاً، كان ذلك صبيحة الليلة الموعودة، وظل يومه دون لقاء، حتى الليل، ففي الرواية الثالثة "أصبح يوماً واجماً" أي منقبضاً "فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم" أي منذ صباح اليوم؟ "قال رسول الله ﷺ : إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة" أي الماضية "فلم يلقني، أم والله ما أخلفني" وعده من قبل ذلك، و"أم" بفتح الهمزة والميم، أصلها "أما" بفتح الميم مخففة، حرف استفتاح، بمنزلة "ألا" وتكثر قبل القسم، وقد تبدل همزتها هاء، أو عيناً قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف، وحذفها، أو تحذف الألف مع ترك الإبدال، كما هنا. (ثم التفت، فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: يا عائشة، متى دخل هذا الكلب ههنا؟ فقالت: والله ما دريت به، ولا بدخوله، ولا أدري متى دخل؟ "فأمر به، فأخرج") أي فأمر بإخراجه، فأخرج، وكان علمه بالكلب وإخراجه آخر النهار، ففي الرواية الثالثة "فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك" الحال "ثم وقع في نفسه" عن طريق سماع حركة أو صوت "جرو كلب، تحت فسطاط لنا، فأمر به، فأخرج، ثم أخذ بيده ماء، فنضح مكانه، فما أمسى لقيه جبريل" قال النووي: الجرو بكسر الجيم وضمها وفتحها، ثلاث لغات مشهورات، وهو الصغير من أولاد الكلب وسائر السباع، والجمع أجر وجراء، وجمع الجراء أجرية. اهـ وإضافة "جرو كلب" من إضافة الصفة إلى الموصوف، كأنه قال: صغير كلب، وأما الفسطاط ففيه ست لغات: فسطاط بطاءين مع ضم الفاء وكسرها، وفستاط بتاء وطاء، مع ضم الفاء وكسرها، وفساط بضم الفاء وتشديد السين، وكسر الفاء مع تشديد السين، والفسطاط قريب من الخباء، وأصله عمود الأخبية، التي يقام عليه الخباء، والمراد منه هنا بعض متاع البيت، وهو السرير، كما في حديث عائشة، وكان السرير في بيت عائشة، فقول ميمونة "لنا" أي معشر نساء النبي ﷺ ، والمراد لإحدانا.
следующие страницы →