Полный текст (6 200 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
كما منح أجرين للسيد الذي يحسن معاملة أمته، يغذيها فيحسن غذاءها، ويعلمها فيحسن تعليمها، ويؤدبها فيحسن تأديبها، ثم يعتقها ويمن عليها بالحرية، ثم يتزوجها فيجعلها سيدة بيته، ولا شك أن العبد إذا أحسن معاملة سيده، وأن السيد إذا أحسن معاملة عبده أحسن كل منهما معاملة الآخرين في المجتمع من باب أولى، فيعم الأمة التواد والتعاطف والتراحم، وتصبح كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
-[المباحث العربية]-
(إن من قبلنا) أي إن الذين عندنا وفي جهتنا، يقال: لي قبله كذا، بكسر القاف وفتح الباء، أي عنده.
(كالراكب بدنته) البدنة بفتح الباء والدال، من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم، تهدى إلى مكة، فكما أن من أهدى بدنته إلى مكة لا يجوز له الرجوع فيها، فكذا من أعتق أمته لله لا يليق به أن يتزوجها، فإن زواجها شبيه بالعود فيها، كذا فهموا.
(ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين) "ثلاثة" مبتدأ، والتقدير ثلاثة رجال والجملة بعده خبر "ويؤتون" أي كل واحد منهم.
(رجل) هو بدل بعض من كل، أو بدل كل من كل إذا قصد المجموع، وكذا المرأة فذكر الرجل للتغليب.
(من أهل الكتاب) لفظ الكتاب عام، لكن المراد منه نوع خاص، وهو المنزل من عند الله، بل فرد خاص من المنزل من عند الله، وهو الإنجيل وحده، وقيل: المراد به الإنجيل والتوراة، وسيأتي له مزيد إيضاح في فقه الحديث.
(فآمن به واتبعه وصدقه) يحتمل أن يكون ثلاثتها مترادفات في المعنى المراد للتأكيد، ويحتمل أن المراد من الإيمان به التصديق برسالته، ومن اتباعه لزوم العمل بشريعته، ومن تصديقه تصديقه في كل ما جاء به من أحكام.
(فله أجران) هو تكرير لطول الكلام، وللاهتمام به.
(وعبد مملوك) وكذا الأمة المملوكة، وفائدة ذكر "مملوك" بعد "عبد" لرفع إبهام العبودية العامة لله، بإثبات أن المراد الرقاق.
(كانت له أمة) وفي رواية البخاري "كانت عنده وليد" وهي ما ولد من الإيماء في ملك الرجل، ثم أطلق ذلك على كل أمة.
стр. 492
(فغذاها فأحسن غذاءها) أي أطعمها.
(خذ هذا الحديث بغير شيء) من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخروي حاصل له.
(فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة) أي يرحل لأجل ما هو أهون أهمية من هذا الحديث من الكوفة إلى المدينة المنورة.
-[فقه الحديث]-
في المراد من أهل الكتاب هنا قال الحافظ ابن حجر: تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة لليهودية، كذا قرره جماعة ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى ﵇ كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنا، فلا يتناوله الخبر، لأن شرطه أن يكون مؤمنا بنبيه، نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى ﵇، فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن، إذ هو مؤمن بنبيه موسى ﵇، ولم يكذب نبيا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد ﷺ ، ممن كان بهذه المثابة، وآمن به لا يشكل أنه يدخل في المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية، ولم تبلغهم دعوة عيسى ﵇ لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة، نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي ﷺ ، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قال: نزلت هذه الآية في، وفيمن آمن معي، وروى الطبري بإسناد صحيح عن علي بن رفاعة القرظي قال: خرج عشرة من أهل الكتاب، منهم أبو رفاعة إلى النبي ﷺ فآمنوا به، فأوذوا، فنزلت ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ الآيات.
فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد ﷺ ، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين.
قال الطيبي: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد ﷺ سببا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة. اهـ.
ثم قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة عيسى ﵇، لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم، مؤمنين بنبيهم موسى ﵇، إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمد ﷺ فبهذا يرتفع الإشكال. اهـ.
стр. 493
وقال القرطبي: الكتابي الذي يضاعف أجره مرتين، هو الذي كان على الحق في شرعه، عقدا وفعلا، إلى أن آمن بنبينا محمد ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر: ويشكل عليه أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل "أسلم يؤتك الله أجرك مرتين" وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل.
وقال الداودي ومن تبعه: إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام "أسلمت على ما أسلفت من خير" اهـ.
ويعترض عليه بأن الحديث مقيد بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وكأن النكتة في قوله: "آمن بنبيه" الإشعار بعلية الأجر، أي إن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدا ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧] فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره.
وذهب الكرماني إلى اختصاص هذا الأجر بمن آمن بالنبي ﷺ في عهد البعثة، أما من آمن من أهل الكتاب بعد وفاة محمد ﷺ [مثل كعب الأحبار الذي أسلم في عهد عمر بن الخطاب] فلا يدخل في هذا الأجر، وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد ﷺ ، باعتبار عموم بعثته، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن هذه العلة ثابتة لمن آمن منهم في عهده ﷺ ، فإن خص بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده ﷺ وبين الزمن الذي بعده.
فالأظهر أن يقال: إن هذا الأجر باق إلى يوم القيامة لمؤمني أهل الكتاب، لكن هل يختص ممن كان منهم على الحق قبل الإسلام؟ أو يعم من هم على الحق وغيرهم؟ إن قلنا: إن الأجر الأول في اتباعه الحق الأول والأجر الثاني في اتباعه الحق الآخر كان مختصا بمن كان منهم على الحق قبل الإسلام، وهو الظاهر، وإن قلنا: إن الأجرين والمضاعفة في اتباع الحق الثاني بسبب التمسك بالأول [وبه قيل] كان مناسبا للعموم، والله أعلم.
أما العبد المملوك فقد قال ابن عبد البر: إنه لما اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربه في العبادات، وطاعة سيده في المعروف، فقام بهما جميعا كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنه قد ساواه في طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته، ثم قال: ومن هنا أقول: إن من اجتمع عليه فرضان، فأداهما، أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد فأداه، كما وجب عليه صلاة وزكاة، فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط، ومقتضاه: أن من اجتمعت عليه فروض فلم يؤد منها شيئا كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها. اهـ.
ومقتضى هذا: أن التضعيف من جهة تعدد الواجبات، فالعمل الذي يجمع بين حق الله وحق السيد يضاعف باعتبارين، أما العمل الخاص بحق الله فلا يضاعف، وكذا الخاص بحق السيد.
وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بهذه الصفة، هو لما يدخل
стр. 494
عليه من مشقة الرق، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العبد بذلك. اهـ. ومعنى ذلك أن كل عمل يعمله العبد يضاعف له، ومعنى ذلك أن الفرض الواحد إذا أداه العبد والسيد كان أجر العبد ضعف أجر السيد، ولا محذور في ذلك ولا يلزم منه تفضيل العبودية على الحرية، فإن للسيد جهات أخرى يستحق بها أجورا مضاعفة، لا يتمكن العبد من أدائها.
وأما عتق الأمة ثم تزوجها فقد بالغ قوم فكرهوه على أنه من قبيل الرجوع في الصدقة، وقد أسند هذا إلى سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي، كما أخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه يقول ذلك، وعن ابن عمر مثله، وعند ابن أبي شيبة عن أنس أنه سئل عنه، فقال: إذا أعتق أمته لله فلا يعود فيها.
ونحن لا نميل إلى صحة إسناد هذا القول لهؤلاء الأفاضل، فإن صح فلعلهم - كما يقول الحافظ ابن حجر - لم يبلغهم هذا الحديث.
نعم، الخلاف كثير بين العلماء في جواز جعل عتق الأمة صداقا لها، وإلى أن يأتي تفصيل هذا البحث في كتاب النكاح نكتفي بإيجازه فيما يأتي:
ذهب الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحق إلى أنه إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر، أخذا بظاهر ما رواه البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.
وذهب الشافعي إلى أن من أعتق أمته على أن يتزوجها، فقبلت عتقت، ولم يلزمها أن تتزوج به، ولكن يلزمها له قيمتها، لأنه لم يرض بعتقها مجانا، وردوا على دليل الفريق الأول بأنه قول لأنس قاله ظنا من قبل نفسه، ولم يرفعه، أو أن هذا خاص بالنبي ﷺ دون غيره.
والذي يعنينا في هذا المقام هو أن الأجرين لمن أعتق أمته، ثم تزوجها بمهر خاص، بلا خلاف.
أما من جعل عتقها صداقها فظاهر الحديث الذي معنا يشمله أيضا، لكن رواية البخاري وفيها: "ثم أعتقها ثم أصدقها" تفيد أن المراد بالتزويج في روايتنا أن يقع بمهر جديد سوى العتق، يقوي هذا ما جاء في مسند أبي داود الطيالسي بلفظ "إذا أعتق الرجل أمته ثم أمهرها مهرا جديدا كان له أجران" وما أخرجه الإسماعيلي بلفظ "ثم تزوجها بمهر جديد"
والذي تستريح إليه النفس أن العتق في حد ذاته تكريم وإحسان، وأن زواج السيد من الأمة المملوكة وتمكينها من حقوق الزوجية بعد أن كانت لا تملك منها حقا نحوه، تكريم آخر وإحسان، من أجلهما استحق فاعل ذلك الأجرين، ولا يتوقف الأجران على المهر الجديد إذا ما قلنا بصحة العتق والعقد والمهر، والله أعلم.
بقي أن نقول: إن حصر الذين يؤتون أجرهم مرتين في الثلاثة المذكورين لا يستقيم، فقد ثبت مثل ذلك في حق نساء النبي ﷺ فيما رواه الطبراني، ولقوله تعالى: ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين﴾ [الأحزاب: ٣١] ومضاعفة العذاب تقتضي مضاعفة الثواب، كما ثبت أن
стр. 495
الذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران، وأن التي تتصدق على قريبها لها أجران: أجر الصدقة وأجر الصلة، وأن الحاكم إذا أصاب له أجران، ومن سن سنة حسنة له أجران، له أجرها وأجر من عمل بها، وبالتتبع نجد غير ذلك ممن له أجران، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: إن العدد لا مفهوم له.
﴿ويؤخذ من الحديث﴾
١ - فضل إيمان أهل الكتاب على التفصيل السابق.
٢ - ترغيب العبد المملوك في طاعة ربه وطاعة سيده.
٣ - أن ضعف المقدار في الدنيا قد يكون سببا في رفع المقدار في الآخرة.
٤ - حرص الشارع على العتق والترغيب فيه.
٥ - فيه دليل على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوجها، سواء أعتقها ابتداء، لله أو لسبب، لعموم الحديث.
٦ - فيه حث على الإحسان للملوك في غذائه وتأديبه.
٧ - وفيه تحريض العالم للمتعلم على المحافظة والحرص على الفتوى لقول الشعبي للخرساني: خذ هذا الحديث بغير شيء، فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة.
٨ - وقد أخذ منه ابن بطال وغيره من المالكية دليلا على تخصيص العلم بالمدينة المنورة، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأن ذلك كان في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ثم تفرق الصحابة في البلاد بعد فتح الأمصار وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه، إلا من طلب التوسع في العلم فرحل.
٩ - فيه مدى حرص الصحابة والتابعين على العلم، وسفرهم طويلا في طلبه، وقد روى الداودي بسند صحيح عن بشر بن عبيد الله قال: إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد: وعن أبي العالية قال: كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم، فنسمعه منهم.
والله أعلم.
стр. 496
(٩٣) باب نزول عيسى ابن مريم حاكما
٢٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ﷺ حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد".
٢٦٥ - وفي رواية ابن عيينة: "إماما مقسطا وحكما عدلاً". وفي رواية يونس "حكما عادلا" ولم يذكر "إماما مقسطا". وفي حديث صالح "حكما مقسطا" كما قال الليث وفي حديثه من الزيادة "وحتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ [النساء: ١٥٩] الآية.
٢٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون (وليدعون) إلى المال فلا يقبله أحد"
٢٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟ ".
٢٦٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم؟ ".
стр. 497
٢٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم؟ " فقلت لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري، عن نافع، عن أبي هريرة "وإمامكم منكم" قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ .
٢٧٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة".
-[المعنى العام]-
كلما اطمأن الإنسان لطول أجله تراخى عن العبادة، وكلما أحس بدنوه أقبل وبادر وسارع بفعل الخيرات، وكلما وثق من طول عمر الدنيا ركن إلى الملذات، واشتغل بها عن الطاعات، وكلما أشعر بقرب الساعة شمر عن ساعده وشغل عن دنياه بآخرته.
ومن هنا كان من حكمة الله إيقاظ الإنسان من سباته، ومن تفانيه في دنياه، بتذكيره بنهايته، وتبصيره بالعاقبة بين الحين والحين، فكانت الآيات القرآنية المشيرة إلى قرب الساعة كقوله تعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ [الزخرف، ٦١] ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها﴾ [النازعات: ٤٢، ٤٣] ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ [الأعراف: ١٨٧] ﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب﴾ [النحل: ٧٧].
وكانت الأحاديث النبوية، تنذر وتحذر من قرب القيامة، كقوله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه" "إن الساعة تقوم وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها"
ومن هذا النمط، وعلى ذلك المنطلق يقول ﷺ والله الذي نفسي ونفس كل حي بيده لقد قربت الساعة، وأوشكت علامتها، وأوشك أن ينزل فيكم المسيح ابن مريم، يحكم بينكم
стр. 498
بالعدل، ويقضي بينكم بكتاب الله وسنتي، ويبطل الديانات الباطلة، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتجمع له الصلاة، ويكثر المال، ويعطيه الناس حتى لا يقبله أحد، وينشغل الناس بآخرتهم، فتختفي بينهم العداوة والبغضاء والشحناء والتحاسد، وتقع الأمنة في الأرض.
ليوشكن أن ينزل فيكم المسيح ابن مريم كعلامة من علامات الساعة الكبرى، ينزل فيكم بينما رجل صالح منكم قد تقدم ليصلي بكم، فيرجع الإمام، فينكص ليتقدم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه، ثم يقول: تقدم فإنها لك أقيمت.
يقول الناس: تقدم يا روح الله، فيقول: إن الله كرمكم وجعل أمراءكم منكم، فليتقدم إمامكم فليصل بكم.
ألا فليشمر العاقل وليضع بين عينيه مآله ومصيره، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
-[المباحث العربية]-
(ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم) ليوشكن بضم الياء، وكسر الشين معناه ليقربن. قال الحافظ ابن حجر: أي لا بد من ذلك سريعا، ولعله أخذ ذلك من القسم والتأكيد، أما السرعة فمن فعل المقاربة وقوله: فيكم أي في هذه الأمة، فإنه خطاب لبعض الأمة، ممن لا يدرك نزوله.
(مقسطا) أي عادلا، يقال أقسط يقسط إقساطا فهو مقسط إذا عدل، والقسط بكسر القاف العدل.
وقسط يقسط قسطا بفتح القاف، فهو قاسط إذا جار.
(فيكسر الصليب) أي يبطل دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقة كشعار لمعظم للنصارى.
(ويقتل الخنزير) من قبيل إبطال دين النصرانية.
(ويضع الجزية) أي يقررها ويضربها على جميع الكفار، فإنه لا يقاتله أحد فتضع الحرب أوزارها، وينقاد جميع الناس له إما بالإسلام وإما بإلقاء اليد، فيضع عليه الجزية ويضربها. هذا كلام القاضي عياض، وقيل: معناه يوقف الجزية إذ يصير الدين واحدا، فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية. وقيل معناه يترك الجزية مع وجود أهل الذمة، استغناء عنها لكثرة المال، وعدم وجود من يمكن صرفها له، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في فقه الحديث.
(ويفيض المال) أي يكثر بنزول البركات والعدل وقلة الرغبة فيه.
стр. 499
(وحتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها) أي في نظر الناس حينئذ، وإلا فإن السجدة في واقع الأمر منذ القدم خير من الدنيا وما فيها، والمراد من الدنيا وما فيها من زينة وبهجة دنيوية، فلا يقال: إن الطاعات مما يقع في الدنيا، وقيل: المعنى حتى لا يتقربوا إلى الله إلا بالعبادة، لا بالتصدق بالمال، أي حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من التصدق بالدنيا وما فيها، لعدم حاجة الناس إلى الصدقة. وهل المراد بالسجدة عينها المتعارف من وضع الجبهة على الأرض، أو المراد منها الركعة من إطلاق الجزء وإرادة الكل، على سبيل المجاز المرسل؟ قيل وقيل.
ورواية البخاري "حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها" برفع "خير" وتحمل على أن اسم كان ضمير الشأن والقصة والسجدة مبتدأ وخير خبره، والجملة خبر كان. على رأي للنحاة. والتقدير: حتى تكون القصة والحال السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها.
﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ "إن" نافية، والمراد من أهل الكتاب اليهود والنصارى، والظاهر من السياق أن مذهب أبي هريرة أن الضمير في "به" والضمير في "موته" يعود على عيسى، على معنى: لا يبقى أحد من اليهود والنصارى إذا نزل عيسى إلا آمن به، وعلم أنه عبد الله وابن أمته قبل أن يموت عيسى وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير، قال قبل موت عيسى: والله إنه لحي، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون وهذا مذهب جماعة من المفسرين.
وقيل: إن الضمير في به لعيسى، والضمير في "موته" للكتابي، والمعنى: وما من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند الموت، قبل خروج روحه بعيسى ﷺ وأنه عبد الله وابن أمته، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان لأنه في حضرة الموت وحالة النزع. قال النووي: وهذا التفسير أظهر. فإن الأول يخص الكتابي الموجود في زمن نزول عيسى، وظاهر القرآن عمومه لكل كتابي في زمن نزول عيسى وقبل نزوله، ويؤيد هذا قراءة من قرأ "قبل موتهم" وأيده الحافظ ابن حجر بما رواه ابن جرير عن ابن عباس قال: "لا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بعيسى"، فقال له عكرمة: أرأيت إن خر من بيت، أو احترق، أو أكله السبع؟ قال: لا يموت حتى يحرك شفتيه بالإيمان بعيسى.
وقيل: إن الضمير في "به" يعود لله أو لمحمد ﵊ وهو بعيد.
(ولتتركن القلاص) بكسر القاف، جمع قلوص بفتحها، وهي من الإبل بمنزلة الفتاة من النساء والفتى من الرجال، وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب.
(فلا يسعى عليها) أي لا يعتني بها، ويتشاغل عنها أهلها، فهو شبيه بقوله تعالى: ﴿وإذا العشار عطلت﴾ [التكوير: ٤] وقيل: لا يسعى عليها أي لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها، قال النووي: وهذا تأويل باطل من وجوه كثيرة، تفهم من هذا الحديث وغيره، والصواب الأول، اهـ. وعندي أنه تأويل مقبول محتمل، بعد الذي قيل في معنى وضع الجزية وفيض المال.
стр. 500
(ولتذهب الشحناء) أي العداوة، للانشغال بأمور الساعة.
(وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد) ضبطه النووي بضم العين وفتح الواو وتشديد النون، فيكون مبنيا للعلوم، على نمط فليكسرن، وليقتلن وليضعن" فالداعي ابن مريم.
(كيف أنتم) خبر ومبتدأ، والاستفهام للتهويل.
(تكرمة الله هذه الأمة) بنصب "تكرمة" على المفعول المطلق لفعل محذوف، تقديره: كرم الله هذه الأمة تكرمة، أو على المفعول له، أي لا أكون إماما لتكريم الله هذه الأمة.
-[فقه الحديث]-
قال بعض العلماء: إن الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين الله تعالى كذبهم، وأنه هو الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله، ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها.
وقيل: إنه دعا الله لما رأى من صفة محمد وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان، مجددا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، ذكرهما الحافظ ابن حجر وقال: والأول أوجه. اهـ.
والأحاديث الواردة في مدة إقامة عيسى بالأرض مختلفة، وفيها مقال.
منها ما رواه مسلم من حديث ابن عمر أنه يقيم بالأرض بعد نزوله سبع سنين.
وما رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث ابن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض ويقيم بها تسع عشرة سنة وبإسناد آخر يقيم أربعين سنة.
وقد اختلف في موت عيسى ﵇ قبل رفعه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ [آل عمران: ٥٥] فقيل على ظاهره، وعلى هذا فإذا نزل إلى الأرض، ومضت المدة المقدرة له يموت ثانية. وقيل: معنى "متوفيك" أي من الأرض. فعلى هذا لا يموت إلا في آخر الزمان.
وإذا كنا لا نركن إلى أي من هذه الآثار في تقدير المدة التي يقيمها آخر الزمان، وإذا كنا لا نجزم بأي من القولين في وفاته، فإن الذي لا نختلف عليه هو نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، للأحاديث الصحيحة الكثيرة البالغة حد الشهرة في إثبات نزوله.
ونزوله علامة من علامات الساعة، وما يحدث على يديه آية من آياتها، ومن مجموع الروايات تبين:
١ - أنه سينشر العدل بين الناس، ويرفع الظلم عنهم.
стр. 501
٢ - وأنه سيبطل اليهودية والنصرانية بكسر الصليب وقتل الخنزير.
٣ - وأنه سيضع الجزية ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، وقد جاء عند أحمد، عن أبي هريرة "وتكون الدعوى واحدة" ولا يقال: إن هذا الحكم خلاف الشرع الإسلامي، فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها، ولم يجز قتله، ولا إكراهه على الإسلام، إن قيل هذا فجوابه كما قال النووي: إن هذا الحكم ليس بمستمر إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى ﵇، وقد أخبرنا النبي ﷺ في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس عيسى ﵇ هو الناسخ، بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ، فإن عيسى يحكم بشرعنا، فدل على أن الامتناع عن الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا ﷺ . اهـ.
وقال ابن بطال: وإنما قبلناها قبل نزول عيسى للحاجة إلى المال، بخلاف زمن عيسى، فإنه لا يحتاج إلى المال فإن المال في زمنه يكثر، حتى لا يقبله أحد. اهـ.
وحكى الحافظ ابن حجر عن بعض مشايخه تعليلا آخر فقال: ويحتمل أن يقال: إن مشروعية قبولها من اليهود لما في أيديهم من شبهة الكتاب، وتعلقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى ﵇ وزالت الشبهة بحصول معاينته، فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجتهم، وانكشاف أمرهم، فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم. هكذا ذكره احتمالا، وإن كان بعيدا.
٤ - وأن المال يفيض ويزهد فيه، ويهمل النفيس منه لكثرته وعدم الحاجة إليه، إذ تنزل البركات، وتتوالى الخيرات، وتخرج الأرض كنوزها، وتقل الرغبة في اقتناء المال، لعلم الناس بقرب الساعة.
٥ - وأن الناس سيتقربون إلى الله، ويتجهون إلى العبادة، حتى تكون الركعة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما فيها.
٦ - وأن العداوة والبغضاء والتحاسد ستختفي لانشغال كل امرئ بشأنه وشأن أخراه.
٧ - وأن نزول عيسى ﵇ على أنه فرد من أمة محمد ﷺ وحاكم بشريعة الإسلام، بالقرآن لا بالإنجيل، وهذا معنى قوله: "وإمامكم منكم" قال ابن التين: معناه أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم وأهل الحق ظاهرين.
وقد فهم الطيبي من قوله في الرواية الخامسة: "وأمكم" أن معناه أن عيسى يؤمكم حال كونه في دينكم، وهذا الفهم بعيد من ظواهر الروايات الأخرى، بل المراد من قوله وأمكم أي كان إماما أي حاكما لكم.
٨ - وأن عيسى ﵇ سيصلي مأموما خلف رجل من هذه الأمة، تصرح بذلك الرواية السابعة، وفيها "فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه
стр. 502
الأمة" قال الجوزي: لو تقدم عيسى إماما لوقع في النفس إشكال، ولقيل: أتراه تقدم نائبا؟ أو متبدئا شرعا؟ فصلى مأموما لئلا يتدنس بغبار الشبهة.
٩ - وأخذ بعضهم من الحديث فوق ما تقدم جواز الحلف من غير استحلاف، مبالغة في تأكيد الخبر.
١٠ - وتغيير المنكرات وكسر آلة الباطل، وأن من كسر صليبا لا يضمن، لأنه فعل مأمورا به، إذ أخبر ﷺ بأن عيسى ﵇ سيفعله، وهو مقرر لشرع نبينا ﷺ قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى أن محل جواز كسر الصليب إذا كان مع المحاربين أو الذمي إذا جاوز به الحد الذي عوهد عليه، فإذا لم يتجاوز، وكسره مسلم كان متعديا، لأنهم على تقريرهم على ذلك يؤدون الجزية، وهذا هو السر في تعميم عيسى كسر كل صليب، لأنه لا يقبل الجزية.
١١ - وتحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله لأنه نجس، لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه، قال الحافظ ابن حجر، ثم قال: وفي الحديث توبيخ عظيم للنصارى الذين يدعون أنهم على طريقة عيسى ثم يستحلون أكل الخنزير، ويبالغون في محبته. وقال النووي: وفيه دليل للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور أنا إذا وجدنا الخنزير في دار الكفر أو غيرها وتمكنا من قتله قتلناه، وإبطال لقول من شذ من أصحابنا وغيرهم، فقال: يترك إذا لم يكن فيه ضراوة. اهـ.
والله أعلم
стр. 503
(٩٤) باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان
٢٧١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون. فيومئذ ﴿لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
٢٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاث إذا خرجن، لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها. والدجال. ودابة الأرض".
٢٧٣ - عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال، يوما أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش. فتخر ساجدة. فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي. ارجعي من حيث جئت. فترجع. فتصبح طالعة من مطلعها. ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش. فتخر ساجدة. ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي. ارجعي من حيث جئت. فترجع. فتصبح طالعة من مطلعها. ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك، تحت العرش. فيقال لها ارتفعي. أصبحي طالعة من مغربك. فتصبح طالعة من مغربها". فقال رسول الله ﷺ "أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين ﴿لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
стр. 504
٢٧٤ - عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال، يوما "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " بمثل معنى حديث ابن علية.
٢٧٥ - عن أبي ذر ﵁ قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس. فلما غابت الشمس قال "يا أبا ذر! هل تدري أين تذهب هذه؟ " قال، قلت: الله ورسوله أعلم. قال "فإنها تذهب فتستأذن في السجود. فيؤذن لها. وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها" قال، ثم قرأ في قراءة عبد الله: (وذلك مستقر لها).
٢٧٦ - عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ [يس: ٣٨] قال "مستقرها تحت العرش".
-[المعنى العام]-
يحرص رسول الله ﷺ على إيقاظ الأمة وتوجيهها إلى ربها، وربط الظواهر الطبيعية بخالقها، يخشى أن نركن إلى تتابع الليل والنهار، وأن نظن -بحكم العادة- أن طلوع الشمس وغروبها أمر طبيعي لا مدبر له، ولا حكمة لوجوده، ولا نهاية لامتداده، أو على الأقل نغفل عن ذلك، لا نذكر القاهر الحكيم، اللطيف الخبير. انتهز ﷺ فرصة غروب الشمس والصحابة معه جلوس في المسجد ينظرون إلى قرصها يغيب من الأفق جزءا بعد جزء، انتهز فرصة تطلع أبي ذر لمعرفة هذا السر، وسؤاله عن معنى قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] ولم يشأ أن يقول له وللصحابة: إنها تغيب عنا لتطلع على قوم آخرين، فليس في هذا الجواب ربط بين الخالق والمخلوق، ولم يشأ أن يقول له: إنها لا تغيب عن الكون، فإن هذا الجواب فوق مدارك عقولهم، وهم ما زالوا قريبي عهد بالبادية وأوليات العلوم.
لقد قال ﷺ لأبي ذر: مستقرها تحت عرش الرحمن، أي ما يخيل إلينا من أنه استقرار لها وغيبة إنما هو تحت العرش، كلمة حق، واجب الإيمان بها، فإن الشمس في جميع حالاتها مستقرة تحت العرش، يحتويها ويحيط بها وبغيرها من الكواكب والسموات السبع.
وبذلك يربط ﷺ بين حركة الشمس وبين خالقها ومدبرها الحكيم، ثم لا يكتفي
стр. 505
بذلك، بل يذكر الصحابة بتذليلها وخضوعها وتسخيرها، فيقول لهم: أتدرون أين تذهب هذه الشمس بعد أن تغيب عنا؟ فإذا تشرفوا للجواب، واستسلموا لعلم الله ورسوله قال: إنها تذهب تحت العرش، فتسجد لربها، وتتلقى أمره بالحركة، فيأذن لها بالاستمرار في سيرها، وتعود فتشرق لنا من الشرق، لا ننكر من أمرها شيئا، كلمة حق أخرى، واجب الإيمان بها، فإن الشمس في جميع حركاتها تخضع وتذل لمسخرها، وتجري بأمره وإذنه.
وبذلك يربط ﷺ بين هذا المخلوق العظيم وبين تذليله وتسخيره، حتى يزداد الإنسان الضعيف إيمانا بقدرة القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير.
ثم لا يكتفي بذلك، بل يذكر الصحابة بالمصير الذي ينتظر المؤمن، وغير المؤمن، فيقول: إنها تظل على حالتها العادية في مسيرتها، حتى يأتي أمر ربها لها بأن تطلع من مغربها، ويعجب الصحابة من طلوعها من مغربها، فيقول لهم ﷺ : أتدرون متى ذاكم؟ إنه يوم تنتهي الدنيا، إنه يوم تجف أقلام الكتبة، وترفع الصحف، ويختم لكل بما عمل، يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، يوم لا ينفع نفسا عملها لم تكن عملت من قبل، إن ذلك اليوم من علامات الساعة الكبرى، كالمسيح الدجال الذي يختبر الله به عباده، بما ظهر من خوارق العادات، وكالدابة التي يخرجها الله من الأرض تميز المؤمن من الكافر، وتكلم الخلق أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، فاليوم يوقنون بالمشاهدة، ويؤمنون بما كانوا ينكرونه، ويندمون على ما فاتهم، وليس تنفع الحسرة، وليس ينفع الندم، فاللهم إنا نعوذ بك من فتنة المحيا، ومن فتنة الممات، ومن المسيح الدجال.
-[المباحث العربية]-
(لا تقوم الساعة) الساعة في الأصل جزء من الزمن معروف، والوقت الحاضر، والمراد منها هنا القيامة، سميت بذلك لسرعة قيامها، أو لأنها عند الله كساعة من نهار.
(ثلاث إذا خرجن) أي ثلاث من آيات الساعة إذا خرجن إلى الوجود وظهرن.
(طلوع الشمس) خبر مبتدأ محذوف تقديره: إحداها، وإذا روعي المجموع كان تقديره هي كذا وكذا.
(والدجال) بفتح الدال وتشديد الجيم، من الدجل، وهو التغطية، وسمي الكذاب دجالا لأنه يغطي الحق بباطله، ولقب الدجال بالمسيح كعيسى، لأن كلا منهما يمسح الأرض، لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى.
وبالغ ابن العربي فقال: ضل قوم فرووه المسيخ بالخاء المعجمة، وشدد بعضهم السين، ليفرقوا بينه وبين المسيح ابن مريم بزعمهم، وقد فرق النبي ﷺ بينهما بقوله في الدجال "مسيح الضلالة" فدل على أن عيسى مسيح الهدى.
стр. 506
(ودابة الأرض) أضيفت إلى الأرض مع أن الأصل في الدابة ما تدب على الأرض، للإشارة إلى أن خلقها ليس بطريق التوالد كبقية الدواب المعروفة.
(والشمس تجري لمستقر لها) "مستقر" اسم مكان، واللام بمعنى "إلى" والجري المر السريع، أي تمر مرا سريعا إلى حد معين من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، من حيث إن في كل انتهاء إلى محل معين. وإن للمسافر قرارا، والشمس لا قرار لها.
وقيل "مستقر" اسم زمان، والمعنى: تجري إلى وقت معين، ينتهي عنده سيرها، وهو عند انقضاء الدنيا.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر فقه الحديث في النقاط التالية:
١ - الشمس وجريها وسجودها واستئذانها وطلوعها من مغربها.
٢ - الدجال وما قيل فيه.
٣ - دابة الأرض وما قيل فيها.
٤ - منزلة هذه الآيات بين علامات الساعة.
٥ - عدم نفع الإيمان وتفسير الآية.
أما عن النقطة الأولى: فقد أصبح من المعلوم أن الشمس تدور حول نفسها في فلك خاص محدود، وأن الأرض تدور حول نفسها أمام الشمس من الغرب إلى الشرق، فيبدو للعين أن الشمس تجري من المشرق إلى المغرب، فإذا ما قلنا: طلعت الشمس على قوم فحقيقته طلع القوم على الشمس فظهرت لهم، وإذا قلنا: غابت الشمس عندنا فحقيقته غبنا عن الشمس، بدوران الأرض واختفاء الجزء الذي تقع عليه منها وراء الجزء الذي بدأ أمامها. فالتعبير بطلوع الشمس وغروبها في الحديث إنما هو حسب ما يبدو للعين، لا بحسب الحقيقة، أو المراد من الطلوع الظهور، وخوطب القوم على قدر ما تفهم عقولهم.
وطلوع الشمس من المغرب في آخر الزمان كعلامة من علامات تبدل الأحوال، معناه: أن الله يغير حركة دوران الأرض، ويعكس اتجاهها حتى تصير دورتها من الشرق إلى الغرب، فتبدو الشمس طالعة من الغرب متجهة نحو الشرق، والله قادر على تسكين المتحرك، وتحريك الساكن، وتبديل الحركات، وذلك تقدير العزيز الحكيم.
أما انتهاؤها لمستقرها تحت العرش فهي في كل لحظة منتهية إلى مكان يصلح استقرارا، وهي في جميع حركاتها تحت العرش بمعنى احتوائه عليها وكونها في جوفه كسائر الأفلاك، التي فوق فلكها، والتي تحت فلكها.
стр. 507
أما سجودها واستئذانها فالذي أميل إليه أن المراد به الخضوع والانقياد لتسخير القادر الحكيم، فالحديث يعبر عن لسان الحال، لا عن لسان المقال، وإن كان بعض الأفاضل قد ذهب إلى أن للشمس وغيرها من الكواكب إدراكا وتمييزا، استنادا إلى قوله تعالى: ﴿كل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣] وقوله: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤] بضمير العقلاء ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]. قال ابن العربي: أنكر قوم سجودها، وهو صحيح ممكن. وقال الألوسي: والذي يخطر بالبال أن الشمس وكذا سائر الكواكب مدركة عاقلة، وقد مال إلى ما أميل إليه الحافظ ابن حجر، إذ قال: يحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال، فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع ذلك الحين. والله أعلم.
وأما عن النقطة الثانية: فقد روى البخاري عن نافع، قال عبد الله: ذكر النبي ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية.
قال الحافظ ابن حجر: اختلف في أمر الدجال من أين يخرج؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق، حتى يكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟
ثم أجاب عن السؤال الأول: بأنه يخرج من قبل المشرق، واستدل على أنه يخرج من خراسان، بما أخرجه أحمد والحاكم، وعلى أنه يخرج من أصبهان بما أخرجه مسلم.
وعن السؤال الثاني: بأنه يخرج أولا، فيدعي الإيمان والصلاح، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الإلهية، واستدل بما أخرج الطبراني عن النبي ﷺ "الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق فيدعو إلى الدين، فيتبع ويظهر، فلا يزال حتى يقدم الكوفة، فيظهر الدين ويعمل به، فيتبع ويحث على ذلك، ثم يدعي أنه نبي، فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتغشى عينه، وتقطع أذنه، ويكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثال حبة من خردل من إيمان". قال الحافظ ابن حجر: وسنده ضعيف.
وعن السؤال الثالث: روي ما أخرجه نعيم بن حماد من طريق كعب الأحبار. قال: يأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر الريح أن تثير سحابا من البحر، فتمطر الأرض.
وما رواه مسلم "معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء" وفي رواية "معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار".
وعن السؤال الرابع والخامس قال: إنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى، فيقتله. ثم قال: أخرجه مسلم.
"أما بعد" فإن النفس لا تطمئن إلى هذه الإجابات عن الأسئلة الخمسة، ولا يضرنا في ديننا أن
стр. 508
نمسك عن الخوض في هذه التفاصيل، ويزيدنا تمسكا بهذا الاعتقاد ما رواه البخاري عن المغيرة بن شعبة قال: ما سأل أحد النبي ﷺ عن الدجال ما سألته، وإنه قال لي: ما يضرك منه؟ قلت: لأنهم يقولون: إن معه جبل خبز ونهر ماء، قال: بل هو أهون على الله من ذلك".
وكل ما يجب علينا أن نؤمن بأن الدجال من علامات الساعة، فإن النبي ﷺ أخبر في الصحيح بذلك، وكان يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال. والله أعلم.
وأما عن النقطة الثالثة: ففيها يقول الله تعالى: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ [النمل: ٨٢].
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم [أي تصقله] وتحطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان، يعرف المؤمن من الكافر"
وقد بالغ كثير من الناس -استنادا إلى آثار ضعيفة - في وصف الدابة وأذنها وعينها وقرنها وعنقها وصدرها وخاصرتها وذنبها وقوائمها ولونها وصوتها -بأوصاف لا تكاد تعقل.
ويعجبني ما ذكر في البحر قال: اختلفوا [في ماهيتها، وشكلها، ومحل خروجها، وعدد خروجها، ومقدار ما يخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به] اختلافا مضطربا معارضا بعضه بعضا، فليطرح ذكره لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح، وتضييع لزمان نقله. اهـ.
قال الألوسي، بعد أن نقل بعض أوصافها وأحوالها، ونقل كلام البحر، قال من كلام البحر: وهو كلام حق، وإنما نقلت بعض ذلك دفعا لشهوة من يحب الاطلاع على شيء من أخبارها، صدقا كان أو كذبا. والله أعلم.
وأما عن النقطة الرابعة: فقد قال الطيبي: الآيات أمارات الساعة، إما عن قربها، وإما على حصولها: فمن الأول الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس. اهـ.
وظاهر الرواية الثانية من رواياتنا التي معنا أن الدجال بعد طلوع الشمس من مغربها، وهو مشكل، إذ نصها "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض" مشكل لأن طلوع الشمس من المغرب لو كان قبل الدجال لم ينفع الكفار إيمانهم في زمن عيسى ولكنه ينفعهم.
وقد حاول بعضهم رفع هذا الإشكال، فقال: لعل حصول ذلك يكون متتابعا بحيث تبقى النسبة إلى الأول منها مجازية، استئناسا بما أخرجه أحمد "الآيات خرزات منظومات في سلك إذا انقطع تبع بعضها بعضا" ورده الحافظ ابن حجر فقال: هذا بعيد، لأن مدة لبث الدجال إلى أن يقتله عيسى، ثم لبث عيسى وخروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من مغربها. اهـ.
стр. 509
والتحقيق: أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب بين المعطوفات، والرواية لم تقصد ترتيب الآيات، وإنما قصدت أن مجموعها غاية ينتهي عندها نفع الإيمان، بقطع النظر عن أيها السابق في الوجود، ويضاف إلى ذلك احتمال كونها رواية بالمعنى، وأن الراوي أخر ما قدمه الرسول ﷺ .
نعم يرد على هذا ما رواه مسلم عن عمرو بن العاص رفعه "أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب".
ويجاب بأن الأولية أولية نسبية، فقد يكون الشيء أولا باعتبار، وليس أولا باعتبار آخر، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر: والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب، والحكمة في ذلك أنه عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا للمقصود من إغلاق باب التوبة.
وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس، كما جاء في الحديث: "وأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب".
وأما عن النقطة الخامسة: فقد روى مسلم عن أبي هريرة رفعه "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" وروى أبو داود والنسائي عن معاوية رفعه "لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" وأخرج أحمد والطبراني: "لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل" وأخرج الطبراني عن عبد الله بن عمرو رفعه "إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا، ينادي: إلهي مرني أن أسجد لمن شئت" وأخرج الترمذي: "إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه" وعند ابن مردويه "فإذا طلعت من مغربها رد المصراعان فيلتئم ما بينهما، فإذا أغلق ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة، ولا تنفع حسنة، إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك فإنه يجري لهم ما كان قبل ذلك".
وعند نعيم بن حماد عن عبد الله بن عمرو قال: لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلا قليلا حتى تطلع الشمس من مغربها، فيناديهم مناد، يا أيها الذين آمنوا قد قبل منكم، ويا أيها الذين كفروا قد أغلق عنكم باب التوبة، وجفت الأقلام، وطويت الصحف" وفي رواية: "إذا طلعت الشمس من المغرب يطبع على القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة ألا يكتبوا عملا.
قال القاضي عياض: والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي، فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله. اهـ.
стр. 510
وهذا كلام جيد يؤيده ما جاء في الرواية الأولى: "فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا".
وقد تشبث المعتزلة بالآية للاستدلال بها على مذهبهم في أن الإيمان المجرد عن العمل لا يعتبر، ولا ينفع صاحبه، ويفسرون الآية بأن معناها: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة فيه خيرا، فتقديم الإيمان من غير كسب عمل لا يفيد.
وفسر ابن عطية الآية بما يساير مذهب أهل السنة، فقال ما حاصله: معنى الآية أن الكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب، وكذلك العاصي لا تنفعه توبته، ومن لم يعمل صالحا من قبل، ولو كان مؤمنا، لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب.
وقال ابن المنير في الانتصاف: هذا الكلام من البلاغة يلقب باللف، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل، إيمانها بعد، ولا ينفع نفسا لم تكسب خيرا قبل، ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين، فجعلهما كلاما واحدا إيجازا. اهـ. قال الألوسي- بعد أن ساق توجيهات أهل السنة: وبعد ذلك كله يرد على المعتزلة بأن "خيرا" نكرة في سياق النفي، فيعم، ويلزم أن يكون نفع الإيمان بمجرد كسب خير ولو واحدا، وليس ذلك مذهبهم فإن جميع الأعمال الصالحة داخلة في الخير عندهم. اهـ.
والله أعلم
стр. 511
(٩٥) باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ
٢٧٧ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂، أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء. فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه. (وهو التعبد) الليالي أولات العدد. قبل أن يرجع إلى أهله. ويتزود لذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. حتى فجئه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال "ما أنا بقارئ" قال، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. قال قلت: ما أنا بقارئ. قال فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ١ - ٥] فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال "زملوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروع. ثم قال لخديجة "أي خديجة! ما لي" وأخبرها الخبر. قال "لقد خشيت على نفسي" قالت له خديجة: كلا أبشر. فوالله! لا يخزيك الله أبدا. والله! إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى. وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها. وكان امرأ تنصر في الجاهلية. وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي عم، اسمع من ابن أخيك. قال ورقة ابن نوفل: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رآه. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ﷺ . يا ليتني فيها جذعا. يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك.
قال رسول الله ﷺ "أومخرجي هم؟ "قال ورقة: نعم. لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
٢٧٨ - عن عائشة ﵂، أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 512
من الوحي. وساق الحديث بمثل حديث يونس غير أنه قال: فوالله لا يحزنك الله أبدا. وقال: قالت خديجة: أي ابن عم! اسمع من ابن أخيك.
٢٧٩ - عن عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده. واقتص الحديث بمثل حديث يونس ومعمر ولم يذكر أول حديثهما. من قوله: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة. وتابع يونس على قوله "فوالله لا يخزيك الله أبدا" وذكر قول خديجة "أي ابن عم اسمع من ابن أخيك".
-[المعنى العام]-
لقد حبب إلى رسول الله ﷺ الخلاء والعزلة، والبعد عن الأوثان والرجس، فكان يهرب بنفسه إلى جبل قريب من مكة، وفي فجوة من فجواته، وكهف من كهوفه وغار من غيرانه، يسمى غار حراء، كان يخلو ويتعبد، ويتفكر في الإله الخالق المدبر، ويأسف لقومه الذين يعبدون ما لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن الحق شيئا.
لقد رحل في تجارته إلى الشام، والتقى في طريقه ببعض الرهبان، وبشروا به عمه، وأوصوه به خيرا، إنه يطمع فيما قاله الرهبان أن نبيا من العرب يبعث في آخر الزمان، لقد شهد العرب له بالأمانة والصدق، وشهد له معارفه بمكارم الأخلاق، فلم لا يكمل نفسه، ولم لا يطرق باب التبتل، ولو شهرا من كل عام، لقد اختار شهر رمضان -أو هكذا ألهمه ربه- ليكون شهر التعبد في غار حراء، فكان يأخذ زاد أيام، وماذا عساه أن يكون الزاد؟ إنه لقيمات وتمرات وقليل من اللبن، يأكل منه ما تيسر، ويطعم منه ابن السبيل، ويمنح بقاياه للطيور، ثم يعود إلى مكة وإلى زوجه خديجة، ليأخذ زادا جديدا لمدة جديدة، وإنها لنعمت الزوج، لم تكن تقدم مصلحتها ولا مصلحة بناتها عليه فتطلب منه بقاءه بجوارها، ولم تكن تتقاعس عن تزويده بما يريد، بل كانت عونا له وسندا، تسارع بإعداد زاده، وتحمله عنه خطوات تودعه بها متمنية أن لو كانت بجواره في الغار، لولا بناتها الصغيرات، وكان التبتل عنده ﷺ فوق مطالب النفس، وشهوة الجسد، فكان ما أسرع أن يودع أهله، ليعيش في خلوته وعزلته، حتى إذا فقد زاده عاد فتزود حتى ينتهي آخر شهر رمضان، فينزل ليعيش بين أهله، إلى شهر رمضان من العام الآخر، وهكذا لقد صفت نفسه، واستنارت مرآة بصيرته، فكانت الرؤيا الصادقة بشرى من بشريات الله، ومقدمة من مقدمات الوحي، فكان ﷺ لا يرى رؤيا إلا جاءت واضحة صادقة مثل ضوء الصبح.
وفي خلوة من خلواته بغار حراء سمع صوتا يقول له: اقرأ. ماذا يقرأ وليس أمامه كتاب ولا
стр. 513
مكتوب؟ وكيف يقرأ وهو أمي، لا يعرف القراءة؟ قال للصوت متعجبا مجيبا: ما أنا بعارف للقراءة، وشعر بشيء يضمه ويضغط عليه، حتى لتكاد ضلوعه تتداخل، وحتى ليكاد نفسه يضيق، ثم أطلق وتنفس الصعداء، وسمع الصوت ثانيا يقول له: اقرأ. وأجاب بنفس الجواب الأول: ما تعلمت القراءة، وشعر ثانية بالضغط الشديد، ثم أطلق وسمع الصوت يقول له: اقرأ قال: ما أنا بقارئ، فشعر بالضغط ثالثة، ثم أطلق، وسمع الصوت يقول: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ الذي خلقك وخلق القوى والقدر ﴿خلق الإنسان من علق﴾ فسواه في أحسن تقويم ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾ كرمك بالشرف والنبوة، وبالقدرة على القراءة وإن كنت أميا، فهو ﴿الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ٤ - ٥].
وسكت الصوت، والتفت الرسول ﷺ حوله فلم ير شيئا، لقد فزع في مكانه الموحش وارتعدت فرائصه، ونفرت عروقه، وهرول إلى خديجة يستنجد برأيها السديد، ويشكو لها ما به، ويحكي لها ما رأى: يقول لها: إني أخاف على نفسي، إن ما أجد فوق طاقة البشر، إنني أخشى ألا أطيق، قالت له خديجة: أبشر ولا تخف، إنك تتحلى بكريم الصفات: تصل الأقارب، وتساعد المحتاج وتكرم الضيف، وتعين المنكوب، أبشر فمثلك لا يخزيه الله أبدا.
وفكرت فيما تفسر به ما رأى وما حكى؟ وماذا عساها تفسر له ما لم يسبق لعلمها مثله؟ لكنها تطمئن إلى أن التفسير عند ابن عمها ورقة بن نوفل. الرجل المثقف. القارئ والكاتب بالعربية والعبرانية، المطلع على الكتب المنزلة، المهتدي إلى النصرانية الصحيحة قبل تحريفها، ذهبت إليه وحدها، وحكت له قصة زوجها، فقال لها: إنه النبي المنتظر الذي نقرأ عنه في التوراة والإنجيل، والذي يحذر اليهود والنصارى أبناءهم منه، والذي محا الأساقفة ذكره من الكتب المنزلة خوفا على سلطتهم.
وعادت خديجة لتصحب زوجها إلى ابن عمها، ليسمع كل من الآخر.
قالت له: يا ابن عم. اسمع من ابن أخيك.
فقال ورقة: قال يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فقص عليه ما رأى.
قال ورقة: أبشر، هذا أمين الوحي، وصاحب السر، الذي أنزله الله على موسى، يا ليتني أبقى حيا إلى أن يحاربك قومك ويخرجوك من بلدك، وفزع ﷺ لخبر إخراجه من أحب بلد إلى نفسه. فقال: أيصل بهم عدائي إلى إخراجي؟ قال: نعم. ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عاداه قومه، وإن يدركني يوم إخراجك أنصرك نصرا عظيما، نصرا لا يعادله نصر، وكان ورقة شيخا كبيرا قد عمي، فلم يلبث بعد هذا الحديث إلا قليلا حتى توفي.
-[المباحث العربية]-
(كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي) "أول" اسم "كان" وخبرها "الرؤيا
стр. 514
الصادقة" والوحي لغة الإعلام في خفاء، وقيل: أصله التفهيم، وكل ما دللت به من كلام أو كتابة أو إشارة فهو وحي. وشرعا الإعلام بالشرع، وهو المقصود في الحديث الذي معنا. وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه أي الموحى به. وهو كلام الله، كما يطلق ويراد به الواسطة النازلة للإعلام. وهو جبريل ﵇ حامل الوحي، ومنه حديث "كيف يأتيك الوحي؟ قال رسول الله ﷺ : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ... " الحديث.
و"من" في قولها "من الوحي" تبعيضية، أي من أقسام الوحي، ويحتمل أن تكون بيانية.
(الرؤيا الصادقة في النوم) قال الراغب: الرؤية بالهاء: إدراك المرء بحاسة البصر، وتطلق على ما يدرك بالتخيل، نحو أرى أن زيدا ما سفر. وعلى التفكر النظري نحو "إني أرى ما لا ترون" وعلى الرأي. اهـ والرؤيا بالقصر: ما يراه الشخص في منامه، وعليه فقولها "في النوم" صفة كاشفة لزيادة الإيضاح، وقال بعض العلماء، قد تجيء الرؤيا بمعنى الرؤية، كقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] فزعم أن المراد بها ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإسراء جميعه في اليقظة.
قال الحافظ ابن حجر: وعكس بعضهم، فزعم أنه حجة لمن قال: إن الإسراء كان مناما، والأول هو المتعمد، وتتمة الكلام عن أقسام الوحي وحقيقة الرؤيا تأتي في فقه الحديث.
وفي رواية البخاري "الصالحة" بدل "الصادقة" قال النووي: وهما بمعنى واحد، قال الحافظ ابن حجر: هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فبينهما عموم وخصوص. اهـ. فالصادقة هي التي تقع بعينها أو بتعبير، ورؤيا الأنبياء كلها كذلك، أي ليست أضغاث أحلام. والصالحة هي التي تسر، وليست رؤيا الأنبياء كلها كذلك في أمور الدنيا.
(مثل فلق الصبح) بنصب "مثل" على الحال، أي مشبهة ضياء الصبح، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، أي جاءت مجيئا مثل فلق الصبح، والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخص بالتشبيه لظهوره الواضح الذي لا شك فيه، ويقال فيه: فرق الصبح بالراء.
(ثم حبب إليه الخلاء) "حبب" بالبناء للمجهول، لعدم تحقق الباعث على ذلك، والخلاء بالمد المكان الخالي، ويطلق على الخلوة وهو المراد هنا، والتعبير بثم ظاهر في أن تحبيب الخلوة متأخر عن الرؤيا الصادقة، ويحتمل أن تكون لترتيب الأخبار، فيكون تحبيب الخلوة سابقا على الرؤية الصادقة، والأول أظهر.
(فكان يخلو بغار حراء) الغار: الكهف والنقب في الجبل، والغار والمغارة بمعنى واحد.
و"حراء" بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد مصروف، علم مذكر، هذا هو الصحيح. وقال القاضي عياض: فيه لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير أكثر، فمن ذكره صرفه، ومن أنثه أراد البقعة أو الجهة التي فيها الجبل، ولم يصرفه للعلمية والتأنيث.
стр. 515
و"حراء" جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى.
(يتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي أولات العدد) التحنث: التعبد وأصل الحنث الإثم، فمعنى "يتحنث" يتجنب الحنث، فكأنه بعبادته يمنع نفسه من الحنث، ومثله يتحرج يتجنب الحرج، و"الليالي" منصوب على الظرفية، متعلق بيتحنث لا بالتعبد، تفسير للتحنث صادر من الزهري الراوي، و"أولات" منصوب بالكسرة صفة لليالي، وأولات العدد أي الليالي الكثيرة، وإبهام العدد لاختلافه من فترة إلى أخرى.
(قبل أن يرجع إلى أهله) أي زوجه خديجة وأولاده منها، أي كان يتعبد بعض الليالي، ثم يرجع إلى بيته.
(ويتزود لذلك) أي للتحنث فترة أخرى، والتزود استصحاب الزاد.
(ثم يرجع إلى خديجة) أي بعد التحنث فترة أخرى ليالي ذوات العدد.
(فيتزود لمثلها) لمثل الليالي ذوات العدد، ويحتمل أن يكون الضمير للمرة أو الفعلة أو الخلوة أو العبادة، والأول أقرب.
(حتى فجئه الحق) "حتى" هنا على بابها من انتهاء الغاية، أي انتهى توجهه لغار حراء مؤقتا بمجيء الملك، فترك ذلك، بقية شهر رمضان لانزعاجه، وليس معنى هذا أنه انقطع عن الذهاب إلى الغار نهائيا، بل إنه ذهب إليه في الغار بعد ذلك كما سيفهم من شرح الحديث التالي و"فجئه" بفتح الفاء وكسر الجيم ثم همزة، أي جاءه الوحي بغتة، قال النووي: فإنه ﷺ لم يكن متوقعا للوحي. وفي الكلام مضاف محذوف، قال الطيبي: أي أمر الحق، وهو الوحي، أو رسول الحق، وهو جبريل، وقيل الأمر البين الظاهر، أو المراد حتى جاءه الملك بالحق، أي بالأمر الذي بعث به.
(وهو في غار حراء) جملة في محل النصب على الحال وهي تفيد رفع توهم من يظن أن الملك لم يدخل إليه الغار، وأنه كلمه من الخارج والنبي ﷺ بالداخل.
(فجاءه الملك) أي جبريل، لا خلاف في ذلك، وهل كان ﷺ يعرف حين جاءه أنه الملك جبريل؟ أو أخبر وقت ذاك بأنه جاءه جاء، والتعبير عنه بالملك من لفظ عائشة، وقصدت به ما تعهده، وما عرف بعد بأنه جبريل؟ .. قولان.
والفاء في "فجاءه" تفسيرية، وليست تعقيبية، لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي، بل هو نفسه، والتفسير عين المفسر من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل.
(فقال: اقرأ) قيل: يحتمل أن تكون صيغة الأمر محذوفة، أي قل: اقرأ، وأن مراد جبريل بهذا أن يقول النبي ﷺ لفظ "اقرأ" وإنما لم يقل له. قل اقرأ إلى آخره لئلا يظن أن لفظة "قل" قرآن. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون السر فيه الابتلاء في أول الأمر حتى يترتب عليه ما وقع من
стр. 516
الغط وغيره، ولو قال له في الأول. قل: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ إلى آخره لبادر إلى ذلك، ولم يقع منه ما وقع.
(ما أنا بقارئ) معناه: لا أحسن القراءة، فما نافية، والباء زائدة لتأكيد النفي، هذا هو الصواب. وقال بعضهم: يصح أن تكون استفهامية. استئناسا برواية "ما أقرأ"؟ ورواية "ماذا أقرأ"؟ ويضعفه دخول الباء. وإن حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ.
(غطني حتى بلغ مني الجهد) غطني بفتح الغين وتشديد الطاء، ضمني وعصرني. والغط في الأصل حبس النفس "والجهد" روي بفتح الجيم ونصب الدال، أي بلغ الغط مني غاية وسعي. وروي بضم الجيم والرفع أي بلغ مني الجهد مبلغه.
(ثم أرسلني) أي أطلقني.
(فرجع بها) الباء للمصاحبة. أي مصاحبا للآيات الخمس المذكورة.
(ترجف بوادره) البوادر جمع بادرة، وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، وجرت العادة بأنها تضطرب عند الفزع. وجمع فقال: "بوادره" وللإنسان بادرتان على رأي من يرى الجمع فوق الواحد. وفي الرواية الثانية "ويرجف فؤاده" فإسناد الرجفان إلى الفؤاد لأنه محله وإلى البوادر لأنها مظهره. وعلمت خديجة برجفان فؤاده عن طريق القرائن وصورة الحال.
(زملوني. زملوني) مرتين. وهو كذلك في أكثر الروايات. ووقع في بعضها عند البخاري مرة واحدة، والتزميل: التلفيف. وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر. وجرت العادة بسكون الرعدة بالتلفيف.
(فزملوه حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء، وهو الفزع.
(أي خديجة. ما لي؟ ) "أي" حرف نداء. و"ما" اسم استفهام مبتدأ وخبره "لي" يعنى أي شيء حصل لي؟ .
(كلا) قال النووي وغيره "كلا" كلمة نفي وإبعاد، وقال القزاز: هي هنا بمعنى الرد لما خشي على نفسه. أي لا خشية عليك.
(أبشر) لم تبين الروايات هنا المبشر به، اللهم إلا إذا اعتبرنا نفي الخزي خيرا يبشر به، لكن ورد في دلائل البيهقي "أبشر، إن هذا والله خير" وفي رواية "أبشر فإنك رسول الله حقا".
(لا يخزيك الله أبدا) وفي رواية "لا يحزنك" وأحزنه لغة تميم، وحزنه لغة قريش، والخزي: الوقوع في بلية وشهرة بذلة.
(وتحمل الكل) بفتح الكاف أصله الثقل، ومنه قوله تعالى: ﴿وهو كل على
стр. 517
مولاه﴾ [النحل: ٧٦] ويدخل في حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، وهو من الكلال، وهو الإعياء.
فالكل هو: من لا يستقل بأمره.
(وتكسب المعدوم) روي بضم التاء، ومعناه تكسب غيرك المال المعدوم، أي تعطيه إياه تبرعا، أو تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الخلاق. فحذف أحد المفعولين. وروي بفتح التاء. قال النووي: وهذا هو الصحيح المشهور. يقال: كسبت الرجل مالا. وأكسبته مالا. لغتان. أفصحها باتفاق أهل اللغة كسبته بحذف الألف، والمعنى على الفتح يمكن أن يكون كالمعنى على الضم، وقيل: معناه تكسب المال المعدوم، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثم تجود به في وجوه الخير، وجعل بعضهم المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج المعدم العاجز عن الكسب، وسماه معدوما لأنه كالمعدوم الميت، حيث لم يتصرف في المعيشة كما يتصرف غيره. وقيل: معناه وتسعى في طلب عاجز فتنعشه. والكسب هو الاستفادة.
(وتقري الضيف) بفتح التاء. قال أهل اللغة: يقال قريت الضيف أقريه قرى بكسر القاف، وقرى الضيف إكرامه.
(وتعين على نوائب الحق) النوائب جمع نائبة، وهي الحادثة، وجملة "وتعين على نوائب الحق" كلمة جامعة لأفراد ما تقدم، ولما لم يتقدم.
(فانطلقت به خديجة) أي مضت معه، فالباء للمصاحبة.
(وهو ابن عم خديجة - أخي أبيها) "أخي أبيها" بدل من "عم" وفائدة ذكرها رفع توهم أن العمومة مجازية.
(وكان امرأ تنصر في الجاهلية) أي صار نصرانيا قبل رسالة محمد ﷺ قال الحافظ ابن حجر: وقد تطلق الجاهلية ويراد بها ما قبل دخول المحكي عنه في الإسلام، وله أمثله كثيرة. اهـ.
(وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية) هكذا في مسلم "الكتاب العربي" و"يكتب بالعربية" ووقع في صحيح البخاري "يكتب الكتاب العبراني. فيكتب من الإنجيل بالعبرانية" وكلاهما صحيح، وحاصلهما أنه تمكن من معرفة دين النصارى، بحيث إنه صار يتصرف في الإنجيل، فيكتب أي موضع شاء منه، بالعبرانية إن شاء وبالعربية إن شاء، لتمكنه من الكتابين واللسانين، وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرا كتيسير حفظ القرآن الذي خصت به هذه الأمة. ولهذا جاء في وصفها "أناجيلها صدورها".
(فقالت له خديجة: أي عم) وفي الرواية الثانية "أي ابن عم" قال النووي: هكذا هو في الأصول، وفي الأولى "عم" وفي الثانية "ابن عم" وكلاهما صحيح، أما الثاني فلأنه ابن عمها حقيقة،
стр. 518
كما ذكره أولا في الحديث، وأما الأول فسمته عما مجازا للاحترام، وهذه عادة العرب في آداب خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بيا عم، احتراما له ورفعة لمرتبته، ولا يحصل هذا الغرض بقولها: يا بن عم، اهـ.
ولم يرتض الحافظ ابن حجر هذا التوجيه، لأن القصة لم تتعدد، ومخرجها متحد، فلا يحمل أنها قالت ذلك مرتين، مرة "أي عم" ومرة "أي ابن عم" فوجب اعتماد الحقيقة وهي "أي ابن عم" واعتبار رواية "أي عم" وهما من الراوي.
(اسمع من ابن أخيك) لأن والده عبد الله بن عبد المطلب، وورقة في عدد النسب إلى قصي ابن كلاب [الذي يجتمعان فيه] سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة أخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه.
(هذا الناموس الذي أنزل على موسى) "الناموس" في اللغة صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر، قال الحافظ ابن حجر: والصحيح الذي عليه الجمهور أن "الناموس" صاحب السر مطلقا. ويقال: نمست السر أنمسه بكسر الميم، أي كتمته، واتفقوا على أن جبريل ﵇ يسمى الناموس، واتفقوا على أنه المراد هنا. قال الهروي: سمي بذلك لأن الله تعالى خصه بالغيب والوحي.
(يا ليتني فيها جذعا) الضمير في "فيها" يعود إلى أيام النبوة ومدتها. وقوله "جذعا" بفتح الجيم والذال، أي شابا قويا، وهو هنا استعارة، وأصل الجذع الصغير من البهائم، كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعوة إلى الإسلام شابا، ليكون أمكن لنصره، وبهذا يتبين سر الوصف بكونه كان شيخا كبيرا قد عمي، والمشهور في الصحيحين وغيرهما "جذعا" بالنصب، وفي بعض الروايات "جذع" بالرفع، وإعرابها ظاهر، خبر "ليت" وأما النصب فقيل على أنه خبر "كان" المحذوفة، والتقدير: يا ليتني أكون فيها جذعا، وهذا يصح على مذهب الكوفيين، والصحيح الذي اختاره أهل التحقيق أنه منصوب على الحال، وخبر ليت الجار والمجرور، والتقدير: يا ليتني أستقر في أيام البعثة حالة كوني شابا قويا.
(أومخرجي هم؟ ) بفتح الواو وتشديد الياء، هكذا الرواية، ويجوز تخفيف الياء على وجه، والصحيح المشهور تشديد الياء، وهو جمع مخرج فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير المتكلم، وفتحت للتخفيف لئلا يجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين. و"هم" مبتدأ مؤخر. و"مخرجي" خبر مقدم.
(لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي) في بعض الروايات "بمثل ما جئت به".
(وإن يدركني يومك) أي وإن يدركني يوم بعثك ودعوتك حيا.
(أنصرك نصرا مؤزرا) أي قويا بالغا. مأخوذ من الأزر وهو القوة، وقيل: من الإزار، وأشار بذلك إلى تشميره في تصرفه.
стр. 519
-[فقه الحديث]-
قال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا. وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان. وهم لا يصدقون بالسمع. فاضطربت أقوالهم: فمن ينتمي إلى الطب ينسب الرؤيا إلى الأخلاط. فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحوه، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو، وهكذا إلى آخره، ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنفوس. فما حاذى بعض النفوس منها انتقش فيها. قال: وهذا أشد فسادا من الأول. اهـ.
وقال القرطبي: سبب تخليط غير الشرعيين إعراضهم عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم، وبيان ذلك: أن الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غيب عنا علم حقيقتها -أي النفس- وإذا كان كذلك فالأولى ألا نعلم علم إدراكاتها. بل كثير مما انكشف لنا من إدراكات السمع والبصر إنما نعلم منها أمورا جملية لا تفصيلية. اهـ.
وقال أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد، على يدي ملك أو شيطان. إما بأسمائها -أي حقيقتها- وإما بكناها- أي بعبارتها- وإما تخليط. ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق وفي قصد، وقد تأتي مسترسلة من غير قصد. اهـ.
والتحقيق أن الرؤيا أنواع: منها ما يكون بتلاعب الشيطان. ليحزن الرائي. وفي هذا النوع يقول ﷺ : "وإذا رأى أحدكم غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان. فليستعذ بالله من شرها. ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره".
ومنها ما يكون نتيجة لإطلاق النفس في النوم نحو رغباتها وآمالها المكبوتة في اليقظة. وفي هذا النوع يقول المثل: حلم الجائع خبز.
ومنها ما يكون نتيجة لامتلاء المعدة، واختلال المزاج، فيرى صورا مفككة وأجزاء متناثرة، ومناظر مبعثرة، لا تجمعها وحدة ولا تربطها رابطة، وخير ما يطلق على هذا النوع أنه أضغاث أحلام.
ومنها الرؤيا الصادقة، يراها الصالح أو ترى له، وفيها يقول ﷺ : "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
وكون الرؤيا الصادقة جزءا من النبوة إنما هو باعتبار صدقها لا غير وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيا، وليس كذلك. والناس أمام هذا النوع ثلاث درجات، الأنبياء: ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم: يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وهم على ثلاثة أقسام: مستورون: فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة: والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل فيها الصدق، وكفار: ويندر جدا في رؤياهم الصدق، كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف ﵇.
стр. 520
ويشير إلى هذا التقسيم ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا".
والحديث الذي معنا صريح في أن رؤيا الأنبياء نوع من الوحي، ومن قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣] أخذ المفسرون أن أول أحوال النبيين في الوحي الرؤيا، كما روى أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن، عن علقمة قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام، حتى تهدأ قلوبهم، ثم يتنزل الوحي بعد في اليقظة.
ومن أنواع الوحي الإلهام، بأن يقذف الله في قلب نبيه ما يريد من غير واسطة. وليس هذا النوع قاصرا على الأنبياء، فقد أوحي إلى أم موسى أن ترضعه إلخ.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] الآيات.
ومن أنواع الوحي أيضا التكليم بلا واسطة، كتكليم الله لموسى ﵇، وكتكليمه محمدا ﷺ ليلة المعراج.
والمشهور والكثير من أنواعه ما كان بواسطة جبريل ﵇، وإن اتخذ مجيئه أشكالا مختلفة، مرة في صورته التي خلقه الله عليها، فيسد ما بين الأفق، ومرة يتقدمه مثل صلصلة الجرس فينزل فيثقل على رسول الله ﷺ حتى ليتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد، فينفصم عنه وقد وعى ما قال، ومرة يتقدمه مثل دوي النحل، ومرة في صورة رجل مجهول، ومرة في صورة دحية الكلبي.
وقد اختلفت الأقوال في حالة جبريل التي جاء عليها في غار حراء بسورة: "اقرأ" فقيل. إنه جاء على صورته الحقيقية، واستند هذا القول إلى رواية عن طريق ابن لهيعة [وهو ضعيف] وفيها "ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، ثم ذكر قصة إقرائه -اقرأ باسم ربك- ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر" وقد مال الحافظ ابن حجر في الفتح إلى هذا الرأي.
وعندي أنه بعيد، إذ لو وقع هذا لكان جديرا بأن يوصف لخديجة ثم لورقة، ولم يرد في أي من الروايات أنه وصفه لأي منهما، فضلا عن أن الغار لا يتسع له بهذه الصورة: اللهم إلا أن يكون كلمه وهو خارج الغار، والذي أميل إليه أن هذا المجيء كان من قبيل سماع الصوت من غير رؤية، وفي هذا النوع تقليل من الانزعاج، وتوثيق بأنه ليس من كلام البشر.
بخلاف ما لو جاء بصورته الحقيقية، أو بصورة البشر، ولا يتنافى هذا الرأي مع الغط فإن الإنسان قد يحس بالشيء ولا يراه.
والحكمة في اختيار "حراء" مقرا للعبادة أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة. فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت - قاله ابن أبي جمرة.
قال الحافظ ابن حجر: ولم ينازعوا النبي ﷺ في غار حراء. مع مزيد الفضل فيه على غيره. لأن
стр. 521
جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنه فتبعه على ذلك من كان يتأله، فكان ﷺ يخلو بمكان جده. وسلم له ذلك أعمامه لكرامته عليهم. اهـ.
وكان ﷺ يخرج إلى حراء في كل عام شهرا في السنة يتنسك فيه. وكان هذا الشهر رمضان.
وأما نوع تعبده ﷺ فقد اختلف فيه. فذهب جماعة إلى أنه كان يتعبد بشرع سابق. ثم اختلفوا في تعيينه على أقوال: شرع آدم. نوح. إبراهيم لقوله تعالى: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ [النحل: ١٢٣] (ويقويه ملازمته للحج والطواف ونحو ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم). موسى. عيسى أي شريعة وذهب جماعة إلى كل التوقف.
والجمهور على أنه لم يكن يتعبد بشرع سابق. ومستندهم أنه لو وجد لنقل.
أما بماذا كان يتعبد فقد قيل: بما يلقى إليه من أنوار المعرفة، وقيل: بما يحصل له من الرؤيا، وقيل: بالتفكر" وقيل: باجتناب رؤية ما كان يقع من قومه.
فالخلوة بمجردها تعبد، إذ الانعزال عن الناس - ولا سيما من كان على باطل - من جملة العبادة. كما وقع للخليل ﵇، حيث قال: ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ [الصافات: ٩٩]. والله أعلم.
وقد أثار هذا الحديث خلافا في بدء بعثته ﷺ وفي سنه آنذاك. فقيل: إذا علم أنه كان يتنسك في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور اقتضى ذلك أنه نبئ في شهر رمضان، وعلى هذا يكون سنه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر. ويعكر عليه قول ابن إسحاق: أنه بعث على رأس الأربعين. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان أولا في شهر رمضان، وحينئذ نبئ وأنزل عليه ﴿اقرأ باسم ربك﴾ ثم كان المجيء الثاني في ربيع الأول بالإنذار حين أنزلت عليه ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ [المدثر: ١] فيحمل قول ابن إسحاق على رأس الأربعين أي عند المجيء بالرسالة. اهـ.
ولست أرى حاجة إلى هذا التأويل بهذا الاحتمال لتصحيح كلام ابن إسحاق. فضلا عن أنهم كثيرا ما كانوا يهملون الكسر، أو يجبرونه، على أنه قيل: إن مدة وحي المنام كانت ستة أشهر وابتدأت في ربيع الأول، فالأمر بالنسبة لقول ابن إسحاق سهل يسير.
والحكمة من الافتتاح بهذه الآيات من سورة "اقرأ" أن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن. ففيها براعة الاستهلال، وهي جديرة أن تسمى عنوان القرآن، لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله.
وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن، وهي تنحصر في علوم التوحيد والأحكام، والأخبار، وقد اشتملت على الأمر بالقراءة، والبداءة فيها باسم الله، وفي هذه إشارة إلى الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته، من صفة ذات، وصفة فعل،
стр. 522
وفي هذا إشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥] قاله الحافظ ابن حجر.
وقد أشكل على الحديث أنه لم يرد أن جبريل ابتدأ رسول الله ﷺ بالسلام مع أن القرآن نص في قصة إبراهيم أن الملائكة "قالوا سلاما قال سلام" حين دخلوا عليه.
وقد أجيب عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون سلم، وحذف ذكره، لأنه معتاد، وباحتمال أن تكون مشروعية ابتداء السلام تتعلق بالبشر، لا من الملائكة، وإن وقع ذلك منهم في بعض الأحيان.
قال الحافظ ابن حجر: والحالة التي سلموا فيها على إبراهيم كانوا في صورة البشر، فلا ترد هنا، ولا يرد سلامهم على أهل الجنة، لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبا. اهـ.
والحكمة في الغط والجهد والمشقة أنه إشارة إلى ما سيحصل له من الشدة عند نزول القرآن، كما في حديث ابن عباس "كان يعالج من التنزيل شدة". وكما يشير إليه في قوله تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾ [المزمل: ٥].
وقال البلقيني: وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي.
وقال السهيلي: تأويل الغطات الثلاث أنها كانت إشارة إلى أنه سيقع له ولمن تبعه ثلاث شدائد، يبتلى بها، ثم يؤتى بالفرج: شدة الحصار بالشعب، وشدة التهديد والإيذاء مما دعا إلى الهجرة إلى الحبشة، وشدة المكر به ومحاولة قتله ليلة هجرته إلى المدينة، فكانت له العاقبة في الشدائد الثلاث. اهـ.
وقال البلقيني: ويمكن أن تكون المناسبة أن الأمر الذي جاءه به ثقيل من حيث القول والعمل والنية، أو من جهة التوحيد والأحكام والإخبار بالغيب الماضي والآتي، وأشار بالإرسالات الثلاث إلى حصول التيسير والتسهيل والتخفيف في الدنيا والبرزخ والآخرة عليه وعلى أمته. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: والحكمة في هذا الغط شغله عن الالتفات لشيء آخر، أو لإظهار الشدة والجد في الأمر تنبيها على ثقل القول الذي سيلقى إليه، فلما ظهر أنه صبر على ذلك ألقي إليه.
ثم قال: وذكر بعض من لقيناه أن هذا من خصائص النبي ﷺ . إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحي، مثل ذلك.
وقد استشكل على قوله ﷺ "لقد خشيت على نفسي" بأنه كيف يخشى على نفسه ويتشكك بعد نزول الملك؟
وقد أجاب عن ذلك القاضي عياض، فقال: ليس هو بمعنى الشك فيما أتاه من الله تعالى، لكنه ربما خشي ألا يقوى على مقاومة هذا الأمر، ولا يقدر على حمل أعباء الوحي، فتزهق نفسه، أو يكون هذا لأول ما رأى من التباشير في النوم واليقظة. وسمع الصوت قبل لقاء الملك، وقبل تحققه من
стр. 523
رسالة ربه، فيكون خاف أن يكون من الشيطان الرجيم، فأما منذ جاءه الملك برسالة ربه ، فلا يجوز عليه الشك فيه، ولا يخشى من تسليط الشيطان عليه. اهـ.
قال النووي: وهذا الاحتمال الثاني ضعيف، لأنه خلاف تصريح الحديث، لأن هذا كله كان بعد غط الملك وإتيانه بـ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. اهـ.
أما قول ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى مع أنه كان قد تنصر وكان حقه أن يقول على عيسى. فلأن كتاب موسى ﵇ مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف الإنجيل فإنه مواعظ، والأحكام قليلة فيه، وأغلبها موافق لما في التوراة فكان تنزل الناموس على محمد ﷺ مشبها تنزله على موسى أكثر من شبه تنزله على عيسى ﵉.
وقيل: تحقيقا للرسالة، لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى، فإن كثيرا من اليهود ينكرون نبوته.
على أنه قد ورد في غير الصحيحين في هذه القصة أن ورقة قال: ناموس عيسى، أي إن ورقة - على هذا- كان تارة يقول: ناموس موسى وتارة ناموس عيسى.
-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
١ - أن الرؤيا الصادقة كانت أولى المبتدآت من إيجاد الوحي، وأما مطلق ما يدل على ثبوته فقد تقدمت له أشياء، مثل تسليم الحجر، الذي ثبت في صحيح مسلم.
٢ - إعداد الزاد للمختلي إذا كان بحيث يتعذر عليه تحصيله، لبعد مكان اختلائه مثلا، ولا يقدح ذلك في التوكل، وذلك لوقوعه من النبي ﷺ بعد حصول النبوة له بالرؤيا الصالحة، وإن كان الوحي في اليقظة قد تراخى عن ذلك.
٣ - استحباب العزلة والخلوة في العبادة، لأنها تساعد على التفكر ومعها فراغ القلب، وبها ينقطع عن مألوف البشر.
٤ - استدل بقول جبريل لمحمد "اقرأ" وهو لا يعرف القراءة على تكليف ما لا يطاق في الحال، وإن قدر عليه بعد ذلك.
٥ - استدل به على جواز تأخر البيان عن وقت الخطاب.
٦ - يؤخذ من الغط ثلاثا أن من يريد التأكد في أمر، وإيضاح البيان فيه أن يكرره ثلاثا، وقد كان ﷺ يفعل ذلك.
٧ - فيه دليل صريح على أن أول ما نزل من القرآن (اقرأ) وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وقيل: أوله المدثر وليس بشيء.
٨ - استدل به السهيلي على أن البسملة يؤمر بقراءتها أول كل سورة، لكن لا يلزم من ذلك أن
стр. 524
تكون آية من كل سورة. كذا قال. وقرره الطيبي فقال: قوله ﴿اقرأ باسم ربك﴾ أي اقرأ مفتتحا باسم ربك، وأصح تقدير له قل "بسم الله" ثم اقرأ. قال: فيؤخذ منه أن البسملة مأمور بها في ابتداء كل قراءة. اهـ.
ونقل عن أبي الحسن بن القصار من المالكية أنه قال: في هذه القصة رد على الشافعي في قوله: إن البسملة آية من كل سورة. قال: لأن هذه أول سورة أنزلت، وليس في أولها البسملة. وتعقب هذا القول بأن الأمر بالبسملة موجود فيها وإن تأخر نزولها، وقال النووي: ترتيب آيات السور في النزول لم يكن شرطا، وقد كانت الآية تنزل، فتوضع في مكان قبل التي نزلت قبلها، ثم تنزل الأخرى، فتوضع قبلها، إلى أن استقر الأمر في آخر عهده ﷺ على هذا الترتيب. اهـ.
٩ - استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر ما ييسره عليه ويهونه لديه.
١٠ - وأن من نزل به أمر استحب له أن يطلع عليه من يثق بنصحه وصحة رأيه.
١١ - وأن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء.
١٢ - وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال للمصلحة.
١٣ - وفيه أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة ﵂ وجزالة رأيها، وقوة نفسها وثبات قلبها، وعظم فقهها.
١٤ - وفيه ما كان عليه ﷺ قبل النبوة من جميل الصفات.
١٥ - يؤخذ من ذهاب الرسول ﷺ مع خديجة، ومن قول خديجة لورقة "اسمع من ابن أخيك" إرشاد صاحب الحاجة إلى أن يقدم بين يديه من يعرف بقدره، مما يكون أقرب منه إلى المسئول.
١٦ - ويؤخذ من قول ورقة "يا ليتني فيها جذعا" وتقريره على ذلك بعد الرسالة جواز تمني المستحيل إذا كان فعل خير، لأن ورقة تمنى أن يعود شابا، وهو مستحيل عادة. قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي أن التمني ليس مقصودا على بابه، بل المراد من هذا التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به.
١٧ - أخذ السهيلي من قول الرسول ﷺ : "أومخرجي هم؟ " شدة مفارقة الوطن على النفس، فإنه ﷺ سمع قول ورقة أنهم يؤذونه، ويكذبونه، فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لذلك، لحب الوطن وإلفه، فقال: أومخرجي هم؟ قال: ويؤيد ذلك إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه، فأشعر بأن الاستفهام على سبيل الإنكار أو التفجع، ويؤكد ذلك أن الوطن المشار إليه حرم الله، وجوار بيته، وبلدة الآباء من عهد إسماعيل ﵇. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون انزعاجه من جهة خشية فوات ما أمله من إيمان قومه،
стр. 525
ويحتمل أن يكون انزعج من الأمرين معا، واستبعد النبي أن يخرجوه لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق.
١٨ - وفيه دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام، فإن ورقة دلل وبين أن العلة في ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم، ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه.
١٩ - وفيه تشوق ورقة إلى يوم البعثة، وحرصه على نصرة الرسول ﷺ . وقد فهم بعض العلماء من ذلك إسلام ورقة، واستأنسوا بما أخرجه الترمذي عن عائشة أن خديجة قالت للنبي ﷺ لما سئل عن ورقة: كأن ورقة صدقك، ولكنه مات قبل أن تظهر؟ فقال: رأيته في المنام، وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان لباسه غير ذلك. وعند البزار والحاكم عن عائشة مرفوعا "لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين".
والله أعلم
стр. 526
(٩٦) باب فترة الوحي عن رسول الله ﷺ
٢٨٠ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ (وكان من أصحاب رسول الله ﷺ . قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي (قال في حديثه) "فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء. فرفعت رأسي. فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض قال رسول الله ﷺ "فجئثت منه فرقا. فرجعت فقلت: زملوني زملوني. فدثروني. فأنزل الله ﵎: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ١ - ٥] " وهي الأوثان قال: ثم تتابع الوحي.
٢٨١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "ثم فتر الوحي عني فترة. فبينا أنا أمشي" ثم ذكر مثل حديث يونس - الحديث السابق- غير أنه قال "فجثثت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض" قال أبو سلمة: والرجز الأوثان. قال: ثم حمي الوحي، بعد، وتتابع. وحدثني محمد بن رافع. حدثنا عبد الرزاق. أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد. نحو حديث يونس وقال: فأنزل الله ﵎ ﴿يا أيها المدثر﴾ إلى قوله ﴿والرجز فاهجر﴾ قبل أن تفرض الصلاة. (وهي الأوثان) وقال "فجثثت منه" كما قال عقيل.
٢٨٢ - عن يحيى قال: سألت أبا سلمة: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يا أيها المدثر﴾ فقلت: أو ﴿اقرأ﴾ فقال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يا أيها المدثر﴾ فقلت: أو ﴿اقرأ﴾ قال جابر: أحدثكم ما حدثنا رسول الله ﷺ . قال جاورت بحراء شهرا. فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي. فنوديت. فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي. فلم أر أحدا. ثم نوديت. فنظرت فلم أر أحدا. ثم
стр. 527
نوديت فرفعت رأسي. فإذا هو على العرش في الهواء (يعني جبريل ﵇ فأخذتني رجفة شديدة. فأتيت خديجة فقلت: دثروني. فدثروني. فصبوا علي ماء. فأنزل الله : ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ١ - ٤].
٢٨٣ - عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد وقال: "فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض".
-[المعنى العام]-
بعد البشرى التي بشر بها ورقة بن نوفل رسول الله ﷺ ، وأنه النبي المنتظر، وأن الذي جاءه هو رسول الوحي الذي نزل على الرسل السابقين، اطمأنت نفسه ﷺ ، وأخذ يستعد لتلقي ما يلقى عليه، وأخذ ينتظر الوحي بين الحين والحين، وأخذ يتحنث ويترقب الملك في كل خلوة من خلواته في الغار، أو في قمم الجبال وفي بطن الوادي.
ومرت الأيام والشهور، وهو على أحر من الجمر، ماذا عساه يكون سبب التأخير؟ وهل هو تأخير أو تحويل؟ إن الوساوس تهز جوانب نفسه، فتختلج منها ضلوعه، وينقبض صدره، ويخرج إلى شاهق الجبال، لعله يجد فيها عزاء، ويهبط بطن الوادي، لعله يجد عن حيرته غناء.
وكلما تملكه اليأس سمع الصوت يناديه: يا محمد، أنت رسول الله حقا، فينظر يمينه فلا يرى أحدا، وينظر شماله فلا يرى أحدا، ويرفع بصره فلا يرى أحدا، ولكنه يهدأ بعض الشيء، ويستقر بعض الاستقرار ثم لا يلبث إلا قليلا حتى تعود نفسه إلى ضيقها، فيعدو إلى الجبل فيسمع الصوت، فيعود ببعض الهدوء.
ثلاث سنوات لم يألف ما أصابه فيها من الجزع والحزن والخوف، حتى كان يوم هبط فيه إلى الوادي، بعد أن تحنث في الغار أياما، وسمع الصوت يناديه: يا محمد.
وتلفت من حوله فلم ير أحدا، وسمع الصوت ثانيا، وكأنه يصدر من فوقه فنظر إلى السماء فرأى عجبا، رأى جبريل ﵇ بأجنحته التي خلقه الله بها، سادا ما بين الأفق، جالسا على كرسي بين السماء والأرض، فرعب من هذا المنظر الهائل، وكاد يسقط مغشيا عليه، لكنه أسرع يجري إلى خديجة، وألقى بنفسه على سريره بين يديها، قائلا: دثروني، دثروني، زملوني، زملوني. لفوني بالثياب. فدثروه وغطوه، ونزل عليه الوحي يقول: ﴿يا أيها المدثر﴾ مضى زمن الراحة، وجاءت المتاعب ﴿قم﴾ من مضجعك قيام عزم وتصميم ﴿فأنذر﴾ عشيرتك الأقربين، وأنذر الناس لتخرجهم من الظلمات إلى
стр. 528
النور ﴿وربك فكبر﴾ وخصه بالتعظيم والكبرياء فلا يصدنك شيء عن الإنذار، ولا تخش إلا الله ﴿وثيابك فطهر﴾ طهرها ونظفها، وقصرها ولا تطولها، لئلا تحمل الخبث ولتبتعد عن مظاهر الكبر والخيلاء ﴿والرجز فاهجر﴾ وابتعد عن الإثم والأوثان والمعاصي التي هي سبب العذاب، واهجر كل ما عليه قومك من اللهو والفجور وعبادة الأصنام. فقام ﷺ يدعو لربه، ويجاهد في سبيل نشر دينه، ويتحمل الأذى والصعاب، حتى أكمل الله دينه، وأتم على الأمة نعمته، ورضي لها الإسلام دينا. فصلى الله وسلم عليه، وآتاه الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة العالية، وبعثه المقام المحمود الذي وعده، إنه سميع مجيب.
-[المباحث العربية]-
(وهو يحدث عن فترة الوحي) يعني احتباسه. وعدم تتابعه وعدم تواليه في النزول.
(فبينا أنا أمشي سمعت صوتا) "بينا" هي "بين" أشبعت فتحة النون، والعامل فيها "سمعت".
(فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا) هكذا هو في أصول مسلم "جالسا" بالنصب على الحال. و"إذا" للمفاجأة، وهي حرف عند الأخفش، وظرف عند بعضهم. وفي رواية للبخاري "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس" برفع "جالس" قال صاحب مغني اللبيب: تقول "خرجت فإذا زيد جالس أو جالسا" فالرفع على الخبرية. و"إذا" منصوب بالخبر على القول بأنها ظرف. والنصب "جالسا" على الحال.
(فجئثت منه فرقا) قال النووي: بجيم مضمومة، ثم همزة مكسورة، ثم ثاء ساكنة، ثم تاء الضمير، وفي رواية بعد الجيم ثاءان. ثم قال: والروايتان بمعنى واحد، أعني رواية الهمزة ورواية الثاء، ومعناها فزعت ورعبت وقد جاء في رواية البخاري "فرعبت" وفي القاموس: وفرق كفرح: فزع، فيكون التقدير: فرعبت منه رعبا، وفزعت منه فزعا فيكون "فرقا" منصوب على المفعول المطلق بعامل من معناه.
(زملوني. زملوني. فدثروني) أي قلت: لفوني بالثياب، فلفوني فالتزمل بالثياب التغطية بها. والدثار بكسر الدال هو ما فوق القميص الذي يلي البدن، والذي يسمى بالشعار. فمعنى قوله: فدثروني، أي غطوني بثياب فوق ثيابي.
﴿وثيابك فطهر﴾ قيل: تطهير الثياب كناية عن تطهير النفس عما تذم به من الأفعال، لأن من لا يرضى بنجاسة ثيابه لا يرضى بنجاسة نفسه، يقال: فلان طاهر الثياب، نقي الذيل، إذا وصف بالنقاء من المعايب، كما يقال: دنس الثياب لمن قبح فعله.
وذهب جماعة إلى أن الثياب على حقيقتها، وتطهيرها غسلها بالماء إن كانت
стр. 529
متنجسة، وقيل: تقصيرها.
﴿والرجز فاهجر﴾ قرئ بكسر راء "الرجز" وضمها لغتان، والمعنى واحد عند جمع. وقيل: المضموم بمعنى الصنم، والمكسور بمعنى العذاب: أي اهجر أسباب العذاب.
قال الحافظ ابن حجر: تفسير الرجز بالأوثان من قول أبي سلمة الراوي عن جابر، وهو تفسير معنى، أي اهجر أسباب الرجز [أي العذاب] وهي الأوثان. اهـ.
(حتى هويت إلى الأرض) قال النووي: هكذا في الرواية "هويت" وهو صحيح. يقال: هوى إلى الأرض، وأهوي إليها. لغتان أي سقط.
(ثم حمي الوحي بعد وتتابع) معنى "حمي" كثر نزوله وازداد من قولهم: حميت النار والشمس أي قويت حرارتهما.
(فاستبطنت الوادي) أي سرت في بطنه.
(فأخذتني رجفة شديدة) هكذا هو في مشهور الروايات "رجفة" بالراء. قال القاضي: ورواه السمرقندي "وجفة" بالواو وهما صحيحان متقاربان، ومعناهما الاضطراب. قال الله تعالى: ﴿قلوب يومئذ واجفة﴾ [النازعات: ٨] وقال: ﴿يوم ترجف الراجفة﴾ [النازعات: ٦].
-[فقه الحديث]-
اختلف في مدة فترة الوحي. فقيل: كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وقيل: كانت سنتين ونصف سنة، وأن مدة الرؤيا كانت ستة شهور، فتكون مدة الوحي مناما ويقظة قبل نزول "المدثر" ثلاث سنين.
وقد جمع السهيلي بناء على هذا بين المختلفين في مدة مكثه ﷺ بمكة بعد البعثة، فمن قال: مكث عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال: ثلاث عشرة أضافهما.
قال الحافظ ابن حجر: وليس المراد بفترة الوحي هذه عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط.
وروي عن ابن عباس أن مدة الفترة كانت أياما، وهو مردود، لأن الوحي كثيرا ما كان ينقطع أياما، ولم يطلق أحد على مثل هذا الانقطاع "فترة الوحي" ثم إنه معارض بما جاء في البخاري من أنه ﷺ لما طال عليه انقطاع الوحي حزن حزنا شديدا، عدا منه مرارا إلى شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل قلقا حزينا تبدى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
стр. 530
فهذا يدل دلالة قوية على طول مدة فتور الوحي، مما لا يصدق عليه لفظ "أيام". ولعل مراد ابن عباس في أن مدة الفترة كانت أياما، لعل مراده المدة التي لم ير فيها جبريل بعد أن جاءه بغار حراء، يؤيد هذا ما أخرجه ابن سعد عن ابن عباس ونصه "مكث أياما بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى .. " إلخ. وقد روى البخاري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قول الزهري: "وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ [فيما بلغنا] حزنا عدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل، لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد أنت رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع".
وهذه الرواية تتعارض مع ما كان عليه ﷺ من الإيمان الكامل، واليقين المطلق الذي لا تزعزعه الكوارث، والذي يستبعد معه التفكير في الانتحار، مهما كانت أسبابه ودواعيه، وقول الإسماعيلي: وأما إرادته إلقاء نفسه من رءوس الجبال بعد ما نبئ فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة، ولخوفه مما يحصل له من القيام بها، من مباينة الخلق جميعا، كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى هلاك نفسه عاجلا.
وقول بعضهم: إن إرادته ذلك كانت حزنا على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة، هذه الأقوال مما لا تستريح إليها النفس.
والذي أستريح إليه أن هذه الزيادة من رواية معمر، وأن هذا التصور من بلاغات الزهري، وليس موصولا، فلا يثبت به ما يتنافى والطبع السليم، والله أعلم.
وقال الإسماعيلي: إن فتور الوحي من مقدمات تأسيس النبوة ليتدرج فيه، ويمرن عليه، فيتحمل أعباء النبوة، ويصبر على ثقل ما يرد عليه. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: وكان فتور الوحي ليذهب ما كان ﷺ وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود. اهـ.
والرواية الرابعة تشير إلى أنه ﷺ جاور في غار حراء بعد نزول "اقرأ" وقد ورد ذلك صريحا عند البيهقي أنه ﷺ كان يجاور في كل سنة شهرا. وهو رمضان، وكان ذلك في مدة فترة الوحي.
وقد فهم بعض العلماء من قول عائشة "قبل أن تفرض الصلاة" أن تطهير الثياب كان مأمورا به من قبل أن تفرض الصلاة. وهو جار على أن المراد من تطهير الثياب غسلها بالماء.
ولا يشكل علينا قوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي" إلخ. ولا يلزم منه أن تكون هذه الصورة هي الصورة التي رآها في غار حراء، وغاية ما تدل عليه أن الذات واحدة وإن اختلفت صورها، بل قد يلهم الإنسان أن هذه الصورة هي للذات التي كلمته وإن لم يرها [كما يرى النائم صورة النبي ﷺ ] خصوصا إذا لابستها ملابسات تؤكدها، كصوتها والرهبة منها.
وأما ما تقتضيه الرواية الرابعة من أن "المدثر" نزلت قبل "اقرأ" فهو خلاف ما ذهب إليه أكثر
следующие страницы →